د. نصر الدين لعياضي، أستاذ جامعي، وباحث في علوم الإعلام والاتصال. Dr. Nacer-Eddine Layadi University professor and researcher in information science and communication

الرئيسية » محاضرات وندوات

محاضرات وندوات


المسؤولية الاجتماعية ورهانات الإعلام*

                                                         نصر الدين لعياضي

ظل النشاط الصحفي لعدة قرون موضع تجاذب بين الحرية باعتبارها مبدأ من مبادئ الحق الطبيعي، والمسؤولية باعتبارها مبدأ من مبادئ النظام الاجتماعي. ويمكن أن نصف هذا التجاذب  بالتوتر بين الحق والواجب. وللتأكيد على أهمية التوازن بين الحق والواجب يمكن القول إن ” إحداث التناغم بين الحق والواجب يؤدي إلى الانسجام في المجتمع و تعزيز النظام الاجتماعي. فعندما تتمكن ثنائية” الحق والواجب” من إحداث التوافق بين الاختلاف القائم بين البشر ومصالحهم المتباينة، توفر شروط العدالة ومتطلبات الضمير.  (, 2014, p40  Monnard ).

يبدو أن التوازن بين الحقوق والواجبات في المجال الصحفي غير كاف لتجنب التشنجات والتوترات في الممارسة الصحفية. لذا نلاحظ أن  ميثاق ميونيخ الذي ابرمته أبرز المنظمات الصحفية في العالم، وهي فيدرالية الصحافيين الأوربية في 24 نوفمبر 1971 خصص خمسة حقوق للصحافيين وكلفهم بعشرة  واجبات. هذا في عصر كانت الإشكالية المطروحة على العديد من الدول والمنظمات المهنية والمجتمع المدني تتمثل في السؤال التالي: من يحمي وسائل الإعلام؟ وكيف؟ وهي الإشكالية التي تتطلب تغليب حقوق الصحافيين على واجباتهم، حماية لحقهم في التعبير، وتحقيقا لحرية الصحافة ضد استبداد السلطات.

إن تحديد واجبات الصحفي يدعو إلى ضرورة الاتفاق على ما هي المسؤولية أولا. ثم ما هي مسؤولية الصحافي التي هي ذات طبيعة اجتماعية بالطبع.

في تحديده للمسؤولية يرى الفيلسوف بول ريكور (   Ricœur , 2003, pp 127-141,   ) أنها توجد عندما نأتمن الغير على شيء هش وثمين. و نحن نأتمن الوسيلة الإعلامية أو الصحافي على ماذا؟ إننا نأتمنه على  أن ينقل لنا الأخبار، ويقدم لنا المعلومات بكل أمانة. وهذا شيء هش وثمين في آن واحد: هش لأن الأخبار شديدة التلف، وإبداء الرأي يفتقد للصلابة في سوق الآراء الحرة التي تخضع لميزان القوى، وثمين لأن الحق في الإطلاع والاستعلام Le droit de s’informer  يندرج ضمن حقوق الإنسان الإنسانية. ونأتمنه أيضا على نقل صورتنا إلى الغير، وصورتهم إلينا من خلال نشاطه اليومي. الصورة التي تحدد السلوك والمواقف. من هذا المنطلق (إن الصحافي مسؤول على حق الجمهور في الحصول على إعلام كامل وجيّد. وهذه مسؤولية لا تقود مهمة الصحافي بل تشكل جوهرها” ) 2014 , (Youphil.

إن إعلام الجمهور ليس بالفعل البسيط الذي تسطحها بعض نظرية الاتصال ونماذجها. إنه فعل مركب لتعقد ظروف إنتاجه وتوزيعه، إذ يتطلب امتلاك وسائل إنتاج الأخبار واستقلاليتها، وسهولة الوصول إلى مصدر الأخبار وجمعها، وأدوات  التحري في صحتها، ومحص الأحداث ومساءلتها، والتفكير في عواقب نشرها.

حقيقة إن جل مواثيق أخلاقيات الإعلام، على غرار دليل أخلاقيات العمل الصحفي الذي أصدرته فيدرالية الصحافيين المحترفين  بالكبيك، تنظر إلى مسؤولية الصحافي  وكأنها مستقلة  عن المؤسسة الإعلامية التي ينتسب إليها. إذ أنها تربط هذه  المسؤولية بممارسته لمهنته التي تحصرها في: ” خدمة مصلحة الجمهور وليس المصالح الشخصية أو الخصوصية. فعليه الالتزام بنشر ما يخدم المصلحة العامة. فهذا واجبه الذي يسمو على الرغبة في خدمة مصادر الأخبار أو تعزيز الوضع المالي والتنافسي للمؤسسة الصحفية. ” ( 2010 ،FPJQ ) ومرشده في ذلك هو أخلاقيات المهنة التي تعني في معناها الحرفي ” قيام الصحافي بما هو لائق ومناسب”. وهذا اللائق والمناسب لا يحدّده سوى نظراؤه في المهنة.

يبدو أن النظر إلى مسؤولية الصحافي من هذه الزاوية يحمل بعدا مثاليا قد يصطدم بالواقع. ففي نظر البعض أن المسؤولية الاجتماعية للوسيلة الإعلامية التي تخضع للسوق تتمثل في الحفاظ على بقائها كمؤسسة، والحصول على قدر كاف من العائدات لسد نفقاتها وأجور صحافييها، وتحقيق الأرباح لمالكيها. (2014 , (Youphil. وهنا يمكن أن يحدث الفصام بين مسؤولية المؤسسة الإعلامية في سوق الإعلام الحر ومسؤولية الصحافي كما شخصناها أعلاه. أو تتحدد مسؤوليتهما المشتركة بما يفضى التفاوض بين مالك المؤسسة الإعلامية والصحافيين إن كانوا منظمين تنظيما يسمح لهما بالتفاوض!

ما يؤكد طوباوية هذه النظرة  يمكن تلخيصه في اعتبارين أساسيين:

الاعتبار الأول :

إن الصحافة ” مهنة ضبابية” ،على حد تعبير دونيس رولان Denis Ruellan  في كتابه الموسوم ” Le journalisme ou le professionnalisme du flou  ( 2007). وذلك لعدم تجانس المنتمين إليها، وضعف استقرارهم المهني ، وغموض قواعد الانتساب إليها أو غيابها تماما. وهذا خلافا لبعض المهن، مثل: الطب،و الهندسة المعمارية، والصيدلة، والمحاماة التي يحدد ممارسوها المنظمون في هيئة مهنية شروط ممارستها ومبادئها الأخلاقية.  فلا يحق لأي شخص ممارسة احدى هذه المهن دون تلبية بعض الشروط الأساسية والامتثال لقواعدها الأخلاقية.

الاعتبار الثاني:

إن الصحافة أكبر من مهنة. فالصحافي يعتبر أجيرا فعلا، بمعنى أنه يشتغل مقابل أجر في مؤسسة إعلامية تعاني من اكراهات تنظيمية ومالية ويجب أن يخضع لها. لكنه يعمل في الوقت ذاته في ظل ديناميكية سياسية وثقافية يعيشها المجتمع. فيتعاطى مع الأحداث المختلفة: ينقلها، يفسرها ويحلّلها ويقدم وجهة نظره فيها. وبهذا فهو أكثر من أجير. وهذا ما حدا بالمشرع في العديد من دول العالم إلى الأخذ بمطلب الصحافيين المتمثل في إدراج مادة  خاصة بأحكام الضمير ” Close de conscience”. ونظر لخصوصية العمل الصحفي فإن مسؤولية الصحافي يتقاسمها مع مدير المؤسسة التي تشغله  أو رئيس تحريرها عندما يتعرض للمساءلة القانونية.

لازالت المنظمات المهنية وهيئات المجتمع المدني  تسجل عدد الصحافيين المتزايد الذين فقدوا الحياة جراء الحروب والنزاعات المسلحة، أو لممارسة الصحافة الاستقصائية والنبش في قضايا الفساد وتجارة المخدرات والأسلحة والتجارة بالبشر أو لأنهم عبروا عن رأيهم بصراحة. ولازالت هذه المنظمات تطالب بضرورة توفير الحماية للصحافيين، وضمان حريتهم في التعبير إلا أننا نعتقد أن النظر إلى العلاقة بين وسائل الإعلام والمجتمع قد تغيرت في العصر الراهن، في ظل التحوّل الذي تعيشه وسائل الإعلام لتطرح السؤال التالي: من يحمى المجتمع من وسائل الإعلام؟ الذي استخلف السؤال الذي ظل راسخا لعدة قرون، وهو من يحمى وسائل الإعلام؟ وكيف؟

بالطبع إن السؤال الأول يطرح على الصعيد العالمي يجد تبريره فيما يلي:

  • اتساع الهوة بين وسائل الإعلام التقليدية وجمهورها، كما تؤكد ذلك البحوث الميدانية. وإن كانت هذه الظاهرة قديمة نسبيا وتعود إلى ما أصبح يعرف باحداث ” تيمشورا” في 1990 إلا أنها أخذت أبعادا جديدة نتيجة الاهتمام المفرط وحتى الحصري بعملية بيع الأخبار للجمهور على حساب إعلامه . والبيع هنا هو نتيجة حتمية لتراجع الصحافيين، و حتّى تغيبهم عن اتخاذ القرار الإعلامي. فإدارة المؤسسة الإعلامية بما فيها التحكم في  الدفة الإعلامية أصبحت في يد رجال المال والأعمال، وخريجي المدارس العليا للتجارة والتسويق الذين يفتقدون التجربة في مجال العمل الصحفي ) 1999, Watine ، Beaucham )
  • تداخل الإعلام والترفيه : لقد شهدت المجتمعات تداخل بعض القطاعات التي لم يكن التفكير في تقاربها ممكنا في الماضي، ناهيك عن تداخلها. مثل قطاع التسلية والتعليم، والترفيه والإعلام الذي أصبح يعبر عنه مفهوم : infotrainment ، infodivertissement  وهو كلمة مركبة من الإعلام والترفيه. وتدل على انزياح وسائل الإعلام المختلفة إلى الترفيه والتسلية  حتى في المواد الإعلامية والإخبارية. الطبع توجد العديد من العوامل التي صنعت هذا التداخل لا يسع المقام لذكرها كلها، وإن لابد من التأكيد على عامل اساسي وهو الإشهار الذي تحوّل إلى العصب الحساس في تمويل المؤسسات الإعلامية، والذي تبنى على أساسه إستراتيجيات المؤسسات الإعلامية استراتجيتها.
  • قواعد التعامل مع الأخبار: لم يعد إنتاج الأخبار ونشرها حكرا على وسائل الإعلام التي أصبحت توصف بالتقليدية، مثل الصحافة والإذاعة والتلفزيون. لقد اتجهت الكثير من المواقع في شبكة الانترنت إلى نشر الأخبار، وتلتها مواقع الشبكات الاجتماعية  التي تزايد الاقبال عليها بشكل مذهل. وقد نجم عن هذا الواقع تغير واضح في قاعدة التعامل مع الأخبار، في ظل المنافسة المحمومة بين القوى المتحكمة في هذه الوسائط  . فالمهم أصبح يكمن في التسابق من أجل نشر الأخبار، بصرف النظر عن واقعيتها ومصداقيتها. بل تم تحميل الجمهور/ المتلقي مسؤولية تصديقها أو تكذيبها. بعد أن كانت هذه المسوؤلية تقع على عاتق الصحافي والمؤسسة الإعلامية التي لا تنشر الأخبار إلا بعد فحصها والتأكد من حدوثها فعلا والتحقق من مصداقيتها.  حقيقة أن هذه الطريقة الجديدة من التعامل مع الأخبار نمت مع المدونات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، لكنها بدأت تتسلل إلى وسائل الإعلام التقليدية، ووجدت من أصبح يبرّر وجودها.[1]

وهذا  يطرح مسؤولية كبرى على ما تنشره وسائل الإعلام التقليدية دون أن تتحرى في صحته،من جهة و أدى تداول مواقع التواصل الاجتماعي للأخبار بشكل واسع إلى تغيير الحامض النووي للخبر من جهة أخرى. فالجمهور لم يعد يكتفي بالإطلاع على الأحداث، بل أصبح متعطشا لمعرفة تداعيات نشر أخبارها وردود الفعل عليها، ومهتما بمن علق عليها، وما هو موقفه منها؟ وغيرها من الأسئلة التي أصبحت تساهم في تشكيل لحمة الأخبار، مما يطرح صعوبات إضافية على وسائل الإعلام في تحمّل مسؤولية نشرها دون حيطة وحذر تحت ضغط المنافسة.

  • اتساع حقل المرئي: ظلت  مرؤئية  la visibilité الأشخاص والأفعال  لعدة قرون مرتبطة بالاشتراك في الحيز المكاني كشرط أساسي لوجودها . فسمح للأشخاص بالتحكم فيما يريدون إظهاره وإخفاء ما يرغبون في إخفائه،  لكن هذا الشرط  زال اليوم مع تطور تكنولوجيا الاتصال الراهنة  التي حرّرت الأشخاص من إكراهات المكان والزمان وحرّرت معهم  أفعالهم. فأصبحوا أكثر عرضة لرؤية الغير الذين لا يشاطرونهم الحيز المكاني، والذين لا يعرفونهم من قبل . لقد أفرز تطور أشكال المرؤئية، التي تجسدها وسائط الاتصال الحديثة، ظواهر جديدة تتعلق بطريقة الإعلام بالكلمات والصور. إن ادارة المرؤئية  أصبحت سمة من سمات الحياة السياسية المعاصرة . (, Pasquier, Relieu   , 2000  pp 187-213 ). قد يحتفي البعض بهذا الاتساع لأنه يسمح للكثير من الأشخاص  بالتغلب على تغيبهم من الفضاء العمومي، بل على اقصائهم منه. لكن هذا الاحتفاء لا يستطيع أن يخفي الصعوبات الإضافية التي يواجهونها ، والمتمثلة في عجزهم عن السيطرة على صورتهم في الفضاء الافتراضي . إنها الصعوبات التي تضع  وسائل الإعلام أمام مسؤوليات جديدة تتطلب مراجعة جوهرية لمعايير نشر ما أصبح مرئيا أمام الملأ. وتستدعي هذه المسؤوليات الجديدة  إعادة النظر في العديد من النصوص القانونية مثل تلك المتعلقة بــ ” الحق في الصورة”  المطبق في العديد من الدول. وهذا يقودنا إلى الحديث عن مفهوم الخصوصية في العصر الافتراضي.
  • انمحاء الخط الفاصل بين الخاص والعام:  بعد تزايد برامج تلفزيون الواقع التي تسابقت في استعراض الحياة الخاصة أو خصوصية الأشخاص، أصبح الناس ينشرون تفاصيل هذه الحياة طواعية وعن رضا ضمن مسار التنشئة الاجتماعية واستراتيجيات بناء رأسمالهم الاجتماعي في البيئة الافتراضية . هذا من جهة، ومن جهة أخرى أصبحت الحياة الخاصة مجالا للتنافس بين الشركات الكبرى المختصة في الإشهار والتسويق من أجل جمع البيانات الشخصية عن مستخدمي شبكة الانترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. وفي الحالتين تراجعت مسؤولية الفرد عن التحكم في المعلومات المتعلقة بحياته الشخصية، وضعفت قدراته في هذا المجال، بصرف النظر عن سيادة ” الرقابة السائلة”. فأمام تقلص مجال الحياة الخاصة واتساع رقعة الحياة العامة تعاظمت المسؤولية الاجتماعية المطروحة على كاهل وسائل الإعلام وصحافييها. لأن الصحافي أصبح يجد صعوبة في التمييز بين ما ينتمى للحياة الخاصة ويجب تجنب نشره، وما يتعلق بالحياة العامة ويجب إظهاره أمام الملأ وجعله مرئيا. ((, Pasquier, Relieu   , 2000 ; pp 187-213 ).
  • بروز ما بعد الحقيقة: يعتقد البعض أن مصطلح ” ما بعد الحقيقة” تعبير مجازي عن الكذب. بينما هو منطوق  يتضمن جوانب من الصدق وأخرى من الزيف. فـــ” للحقيقة أعداء أقوياء، وقوة مالية تملك الإمكانيات تجعل الحقيقة ما يؤمنون به” ( Jorion,2017 ) هذا ما يتجلى في التقارير التي ترفع لزرع الشك في العلاقة بين التدخين والسرطان، و تطعن في أطروحة تضخم ظاهرة الاحتباس الحراري وتشك في ظاهرة اتساع فجوة الأوزون، وتغيب الأسباب الحقيقية الكامنة في حدوث  الأزمة الاقتصادية التي انطلقت من الولايات المتحدة الأمريكية في 2008، وغيرها من الأحداث والظواهر. إن عواقب ” ما بعد الحقيقة” يتجلى أكثر في ديناميكية سياق ما يسميه عالم الاجتماع Gérald Bronner  بــ ” جمهورية المصدقين”. ويشرح هذه العبارة بالقول أنها تعبر عن العلاقة الوثيقة، والتي تحمل قدرا من المفارقة، بين اتساع هامش الحرية واتساع نطاق تصديق كل ما يُقال.” (  , 2017 Bronner )

إن  ”  عصر “ما بعد الحقيقة” أو ما بعد الحقائق والوقائع هو الحقبة الزمنية التي أصبح فيها البشر لا يُعْتَدون كثيرا بالحقائق والوقائع الموضوعية بقدر اعتدادهم بالعاطفة من أجل صياغة الرأي العام. (  2017,   ,Benoist)  وقد تمادت وسائل الإعلام في استغلال هذه العاطفة مثلما حدث في الحملة الانتخابية التي أدت إلى انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوربي، وفي الحملة الانتخابية التي توجت ببلوغ دونالك ترامب  البيت الأبيض الأمريكي، وبروز ما أصبح يعرف بالأخبار الوهمية أو المزيفة Fake News التي تزيد في ثقل المسؤولية الملقاة على عاتق الصحافيين ووسائل الإعلام في الدفاع على مشروعية نشاطهم. وهي المشروعية القائمة على مناشدة الحقيقة. وتتجلى لنا جسامة هذه المسؤولية إذا علمنا أن الرأي حل محل الحادثة في وسائل الإعلام المعاصرة.

  • بروز الواقع الفائق: يهدف الواقع الفائق إلى المزج بين الواقعي والافتراضي، بمعنى أن الافتراضي يتخلل الواقع، يعدّله أي يلغي (بصريا) بعض عناصره أو يستبدلها  بعناصر افتراضية ( 2003Gascuel Grasset, ). لكن ما علاقة الواقع الفائق بمسوؤلية وسائل الإعلام؟ إن جمهور وسائل الإعلام ومستخدمي الشبكات ومواقع التواصل الاجتماعي أضحوا يعتمدون أكثر فأكثر على ما هو بصري، مثل الفيديو، في تواصلهم وحصولهم على المعلومات والأخبار. وهذا ليس لاعتقادهم بأن الصورة أصدق من الكلمة فقط، بل لأن الصورة تختصر الحديث وتكسب الوقت وتتيح فرصة أكبر للفهم. هذا ما تجسده ” صحافة البيانات Data journalism” التي تعمل على تجديد العمل الصحفي باستعمال لغة البرمجة المعلوماتية في مسار جمع البيانات من مصادر مختلفة، واستظهارها. فصحافة البيانات تسرد القصص المعقدة وتحلّل الأحداث والظواهر بواسطة الرسوم البيانيّة والمجسمات التي قد تستلهم من الواقع الفائق. وهذا يجعلها تتحايل في بعض الأحيان على الواقع بذريعة تجارية أو ايديولوجية.

ما العمل؟

إن تحمل المسؤوليات المذكورة أعلاه تطرح مجموعة من المهام على السلطات العمومية والمؤسسات الإعلامية والصحافيين والجامعات والمجتمع المدني، نذكر منها.

  • إعادة النظر في تكوين الصحافيين وتأهيلهم:

يجب تكييف تكوين الصحافيين مع التحوّلات التي تعيشها البيئة الإعلامية ليأخذ مسلكين: المسلك الأول تقني، ويتمثل في تعزيز قدرات الصحافيين على كشف الأخبار المزيفة Fake News، وتطوير قدرات المؤسسة الإعلامية على التحري في صحة ما تنشره من صور وفيديوهات ونصوص في إطار المصادر الشعبية Crowdsourcing.

والمسلك الثاني يتمثل في الابتعاد عن تدريس مقياس أخلاقيات العمل الإعلامي من منظور ” الوعظ” أو التوغل في ” فلسفة الأخلاق”، ومناقشاتها على ضوء الممارسة الصحفية في معتركها اليومي، وما يجرى فعلا في البيئة الإعلامية المحلية والعالمية انطلاقا من المنظومة القانونية السائدة، ومتطلبات المهنة وإكراهاتها، والقيم الثقافية والأعراف الاجتماعية  السائدة.

  • بناء منظومة الضبط الذاتي للعمل الصحفي:

يعرف الضبط الذاتي بقيام الصحافيين ذاتهم بمشاركة المجتمع المدني بوضع الإجراءات وإنشاء الهيئات المستقلة الكفيلة بتحديد قواعد السلوك الصحفي على أساس الأخلاقيات المهنية، وأن يلتزموا باحترامها ( Labarthe, 2008, p7 ). ومن بين أدوات الضبط الذاتي يجب الإشارة بقوة إلى مجالس الصحافة ( تم تأسيس أول مجلس في السويد في 1916)، التي تشكل هيئة مستقلة تحاسب الصحافيين والمؤسسات الإعلامية على ما ينشرونه ويخالف قواعد العمل الصحفي أو يخل بحق الجمهور في الحصول على إعلام كامل وصادق وتعددي، وتلفت النظر إلى انحرافات وسائل الإعلام على الصعيد المهني أو انزلاقها الأخلاقي. فهي بمثابة محكمة شرفية تحاكم الصحافيين والمؤسسات الإعلامية، وتجسد مبدأ ” المحاسبة الاجتماعية”: محاسبة الصحافي والوسيلة الإعلامية. وتختلف تشكيلتها من دولة إلى أخرى، لكنها تتفق على استقلاليتها عن السلطة التنفيذية، وتلتزم الصحف بنشر قراراتها: توبيخ، أنذار، لفت النظر على صفحاتها. لقد بلغ تأثير هذه الهيئة على العمل الصحفي درجة أن الصحف أصبحت تتباهى بأن مجلس الصحافة لم يوجه لها أي ملاحظة لدلالة على مهنيتها واحترامها لقرائها.

  • مرشد أو دليل التحرير: تصدره المؤسسة الإعلامية بالتشاور مع الصحافيين تحدد فيه سياستها التحريرية ومبادئها المهنية والأخلاقية.
  • الوسيط : Le médiateur/ombudsman، وهو شخص كفء توظفه الوسيلة الإعلامية ليستمع إلى شكاوى جمهورها، ويدقق فيها وينشر أو يبث رأيه فيما يصله من شكاوي. وتتجلى أهمية الوسيط على المستويين: المستوى الأول لجم انحراف المؤسسة الإعلامية، وتنبيهها إلى أنها مراقبة من طرف الجمهور، وأن مصداقيتها بين يديه. والمستوى الثاني يقوم بدور ” تربوي” للجمهور، يعلمه بظروف إنتاج الأخبار وخصوصية العمل الصحفي، ويسلحه بمعايير الحكم عليه.
  • مجالس أخلاقيات الصحافة: وهي هيئة مستقلة اعتبارية تتشكل من الصحافيين تقوم برصد التجاوزات في العمل الصحفي والفصل في شكاوي الجمهور والصحافيين ووسائل الإعلام.
  • تعميم تدريس ” التربية الإعلامية” في مختلف مراحل النظام التعليمي وفي أوساط هيئات المجتمع المدني لتطوير قدرات الجمهور على نقد منتجات وسائل الإعلام، وتشخيص مسؤولياتها الاجتماعية.

المراجع:

  • مداخلة قدمت في الملتقي : الإعلام والمسؤولية الإجتماعية بين الأمس واليوم، قسم الإعلام ، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة المسيلة، 22/10/2018

Charles Monnard ( 2014) L’éthique de la responsabilité; Institut libéral

De Benoist  Alain ( 2016)  : « Post-vérité » – en suspendant le jugement, l’émotion permet la manipulation… entretien, bvoltaire.fr, 23 mars  retrieved October; 18;2018  from  http://www.bvoltaire.fr/post-verite-suspendant-jugement-lemotion-permet-manipulation/

 Denis Ruellan ) 2007 )  Le journalisme ou le professionnalisme du flou; Aux Presses Universitaires de Grenoble, 232 p

FPJQ ( Federation professionnelle des journalists du Quebec( ) 2010 (: Guide de déontologie des journalistes du Québec. Retrieved  October; 18 , 2018 from https://www.fpjq.org/fr/guide-de-deontologie

Grasset Raphaël, Gascuel Jean-Dominique ) 2003 ) Réalité Augmentée et Environnement Collaboratif: Un Tour d’Horizon. Retrieved  October; 18 , 2018 from https://hal.inria.fr/inria-00510184

Jorion Paul “: ( 2017 )La notion de post-vérité est beaucoup trop floue… » retrieved ; october  17; 2018 from  http://www.inaglobal.fr/idees/article/la-notion-de-post-verite-est-beaucoup-trop-floue-9620?tq=17

Hirschhorn Monique ( 2017) : Conversation avec Gérald Bronner : ce n’est pas la post-vérité qui nous menace, mais l’extension de notre crédulité; in The conversation ; Academic rigour, journalistic flair;  February 19

Labarthe Gilles (2003) : Conseils de presse, la solution ? Collection  Journalisme responsable; Alliance internationale des journalistes

Ricoeur Paul. Responsabilité et fragilité ( 2003)In: Autres Temps. Cahiers d’éthique sociale et politique. N°76-77, 2003.

Watine  Thierry; Beaucham  Michel ( 1996 ) La nouvelle responsabilité sociale des Médias et  des journalistes – Cahiers du journalisme n 2- decembre

Youhil ( 2014) : Quelle responsabilité sociale pour les médias retrieved ; october  17; 2018 from http://www.youphil.com/fr/article/07426-rse-medias-responsabilite-sociale-journalistes-information-television-public

[1] – [1] – هذا ما فعلته الصحافية والكاتبة Isabel Oakeshott ، العاملة في صحيفة Daily Mail,، ومؤلفة كتاب عن سيرة رئيس الحكومة البريطاني السابق دفيد كمرون  والذي  سردت عنه معلومات غير صحيحة بل مشينة وتسيء إلى سمعته كإنسان قبل أن يكون رئيس حكومة. إذ بررت فعلها هذا بالقول: ” إننا لم نقم سوى بنقل شهادة البعض ولم نقم بالتحري في صحتها… وتضيف قائلة على القارئ أن يصدق هذه الشهادة أو ينفيها”.  نقلا عن Katharine Viner  رئيسة تحرير    Guardian  التي تقول لو شاطرنا ما قالته هذه الصحفية  يجب التأكيد بأنه على الصحافيين عدم الايمان بما يكتبون، وليتحدثوا عما يريدون دون تقديم ما يثبت قولهم.

 

 

 

 

 

 

محاضرة : رهانات الاتصال في ظل الميديا الجديدة، أمام طلبة وأساتذة كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، بجامعة العربي بن مهيدي – أم البواقي- يوم 12 /12/ 2017

 

image oum el bouaki

نص المحاضرة  التي القيتها بمناسبة تكريمي رفقة الزميل عبد العزيز بوباكير و الشاب النشيط لطفي سلامي يوم 13/05/2017

التكريم من قبل جمعية الكلمة

الشباب ورهانات منظومة الاتصال الجديد

 سُئل الكاتب والصحفي الفرنسي جون دانيال بنسعيد، رئيس تحرير المجلة الفرنسية “نوفال ابسرفتور”، عن النصيحة التي يمكن أن يوجهها للشاب الذي يريد أن يكون صحفيا. فكانت إجابته كالتالي: يجب عليه أن يتقن ثلاث لغات على الأقل. ويعرف موضوعا ما خير معرفة، حيث يكون الوحيد تقريبا الذي يدركه أفضل من غيره. ويختار، إن امتلك الحق في ذلك، شهر جويلية أو أوت؛ أي فترة الصيف، للانطلاق في العمل الصحفي. ويواصل حديثه قائلا: منذ فترة قصيرة جاءتني فتاة تريد العمل بمجلتنا. فتاة جميلة، وذكية وودودة، تشع حيوية ونشاطا. أخبرتني أنها مسكونة برغبة الذهاب إلى الشيلي. ويستطرد قائلا : سألتها هل تعرفين بابلو نيرودا. فكان ردها بالنفي. ثم يردف: وغبريلا مسترال. ولا هذه أيضا. فيجيب عن سؤاله قائلا: إن قبريهما متقاربان في التشيلي، وقد نالا جائزة نوبل للآداب. فيقول جون دانيال. لقد ردت الفتاة علي قائلة: وما الفائدة من معرفتهما؟ فرد عليها قائلا: إن الأمر بسيط جدا، فروح الشعوب التي تبحثين عنها في التشيلي لم يصفها سوى الأدباء. فالأدب هو روبورتاج صحفي يذهب إلى أبعد من الروبورتاج. فإذا أردت أن تكوني صحفية فيجب عليك قراءة ما يكتبه الأدباء.

أعتقد أن الكثير من الشباب يرفض هذه النصيحة. ربما لهم الحق في ذلك لأن صاحبها شيخ يقترب عمره من القرن، نشأ وترعرع في حضن نمط الاتصال المكتوب وربما لم يستعمل الكمبيوتر في كتاباته وصقل موهبته في عصر التكنولوجيا التماثلية. بينما شباب اليوم هم أبناء العصر الرقمي.. جيل مواقع الشبكات الاجتماعية والمنصات وتطبيقات الواب ” 2″، جيل يستعد للعيش في كنف الواب 3. فهل نصائح شيخ من القرن الماضي تفيده؟

أمقت المقارنة بين الأجيال، ولا أعتقد أن هناك جيلا أفضل من جيل، كل ما في الأمر، أن هناك ظروفا وتحديات ورهانات تصقل الاجيال وتميّزها. لذا يمكن القول، بصرف النظر عن أي نزعة أبوية، أن أهمية النصيحة وقيمتها تقترنان بطبيعة التحديات والرهانات.

إن الشباب ليس مجرد كلمة، بل هو تمثل اجتماعي يختلف من ثقافة إلى أخرى، ومن فئة اجتماعية إلى أخرى حتى داخل المجتمع الواحد. لن اتحدث عن الرهانات التي تواجه الشباب الجزائري الذي يعاني من صعوبات عديدة ، والذي يقول عنه علماء الاجتماع بأن روابطه الاجتماعية تتفكك ماعدا رابطي الأسرة والدين في عالم يسير بخطى حثيثة نحو التنميط على الصعيد الاقتصادي والسياسي، ويتجه بنشاط نحو تنميط الثقافة التي لازالت ، إلى هذا الحد أو ذاك، ساحة للمقاومة والاستثناء في زمن يتسم بالعنف المسلح.

لذا سأكتفي بطرح بعض الرهانات المرتبطة بمنظومة الاتصال المعاصرة التي تواجهنا كأفراد، بصرف النظر عن السن، وكمجتمع والتي تحدثت عن بعضها في الندوة التي نظمتها الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية يوم 11/02/2017 . سأوجز هذه الرهانات في النقاط التالية التي نتمنى أن تشكل مباحث للدراسات الأمبريقية.

غياب معايير التقييم:

تكَوَّن الجيل السابق في سياق اجتماعي وثقافي له أطره وآلياته. فليس بوسع  أي شخص أن يصبح شاعرا أو كاتبا وحتى صحافيا دون أن يخوض امتحانا عسيرا. فهناك منتديات ومؤتمرات، وديار نشر بلجان تحكيمها،  ومجلات، وهيئات تحرير، ونقاد يقومون بدور الوسيط المستنير بين المنتج والمتلقي. والنتيجة أن هذه الهيئات، رغم كل نقائصها ومحاباتها، قامت بدور أساسي في غربلة الابداع ،وإنضاج المحاولات، وصقل التجارب. وقد عاني الأدباء والشعراء والفنانون والصحافيون الكثير من أجل انتزاع حق الاعتراف بوجودهم أولا وبمواهبهم وكفاءاتهم.

أما اليوم، وقد تحرّر الشباب من ثقل هذه الهيئات وبروقراطيتها، ورقابتها القاتلة، وأصبح النشر والبث والتوزيع في متناول الجميع… وانتقلنا فجأة من ندرة الإنتاج إلى وفرته، وبدأنا نشعر بالتخمة. أرجو ألا يفهم من كلامي هذا أنني ضد ما أحدثته المنظومة الاتصالية الحديثة من ديمقراطية النشر والبث والتوزيع. لقد أردت الإشارة إلى تبعات هذه الديمقراطية التي اختلط فيها الغث بالسّمين، وضاعت معها معايير التقييم، وأصبح كل قول يتساوى مع غيره…. وهذا ما حدا بالسيمويولوجي والفيلسوف أنبرتو إيكو إلى القول عن مواقع الشبكات الاجتماعية في 2015 أنها: ”  تمنح الحق في الكلام  لجحافل الحمقى الذين لم يكن لهم أن يتحدثوا في السابق سوى في الحانات بعد أن يحتسوا كأسا من الخمر دون أن يلحقوا أي أذي بالمجموعة الوطنية. وكنا نخرسهم بسرعة بينما أصبحوا اليوم يملكون الحق في الكلام شأنهم في ذلك شأن الحائز على جائزة نوبل”.[1] 

إن استشهادنا برأي أبرتو إيكو لا يدل أبدا على أننا نتمثل شبكة الانترنت ومواقع الشبكات الاجتماعية أنها جامعة أو يجب أن تكون مجلة راقية أو منتدى فكري. لقد أوردناه لاعتقادنا أننا لم ندرك بعد تبعاته في مجتمعنا، إذ يبدو لي أننا نعيش في ثقافة اليقينيات التي لا تطرح أسئلة بقدر ما تقدم أجابات جاهزة. ولعل المثال التالي يوضح جانبا من هذه الثقافة.   كتب الباحث هشام شرابي عن تجربته في الدراسة الجامعية في الولايات المتحدة الأمريكية مقارنة بدراسته في الثانوية والجامعة الأمريكية في بيروت قائلا: (  عند التحاقي بجامعة شيكاغو اكتشفت أن هناك بعض التعابير باللغة الأنجليزية  كنت أعرف معناها لكن لم استعملها إلا نادرا، مثل:  Probably  ، (من المحتمل) و Somewhat (  نوعا ما)  و  To some extent  (  إلى حد ما)  وهذه التعابير تستعمل للتخفيف من حدة الجزم. فتسبغ على الكلام اتزانا واعتدالا. غير أن أستاتذتنا لم يستعملوا هذه التعابير في محاضراتهم إلا نادرا.  لقد لاحظت بعد عدة اسابيع من التحاقي بجامعة شيكاغو أن زملائي واساتذتي لا يتكلمون دون استعمال هذه العبارات.  وكنت كلما شاركت في الحوار تكلمت بالمطلقات وبتعابير قاطعة نهائية.  وسرعان ما تبين لي أن السبب ليس اللغة فحسب، بل يرتبط بالفكر وأسلوب التعبير… كانت الفكرة في ذهني إما صحيحة أو خاطئة، شعرت أن الفكرة التي كنت أراها صحيحة يجب أن أدافع عنها دفاعا كليا، ربما لأننا كنا نعتقد مثل أبائنا وأساتاتذتنا أننا دائما على صواب والأخرين على خطأ. فكان موقفي دائما دفاعيا يرفض النقد.[2]

إن كان هذا حال الصفوة، فما هو وضع العامة. لعل الكثير منكم لاحظ التعقيبات التي يرد بها البعض على بعض المقالات والدراسات العلمية التي أرتى أصحابها نشرها في موقع التواصل الاجتماعي. أقل ما يقال عنها أنها تعقيبات حاسمة وقاطعة ترمي بالجهل كاتبها والأدهى أن الرد يكون في الغالب مكتوبا بلغة ركيكة ومفككة إن لم تكن باللغة الدارجة!

القص واللصق بدل المعرفة:

ذكر لي أحد أستاذة قسم المعلوماتية في جامعة عربية كان يدرس فيها باللغة الانجليزية أنه تعود على تكليف طلبته بالتحضير لموضوع الدرس القادم بتقديم ملخص عما قرأوه عنه. وكان موضوع الدرس نظرية هوفمان[3].  فسلمه كل طالب عمله. ولاحظ أن أحدهم سلم له ورقة باللغة الألمانية. فسأله هل تعرف اللغة الألمانية أجابه بكل صدق على الفور لا. وذكر له إنها أول نتيجة بحث جاد بها محرك غوغل فطبعها.

قد يتهمني البعض أنني ضد محرك غوغل أو ضد الانترنت. لذا أكرر ما قاله أنبرتو إيكو الذي وجهت له التهمة ذاتها. لقد ذكر أن هذه التهمة تشبه اتهام شخص بمعاداته السيارة عندما ينتقد الناس الذين يقودونها بسرعة فائقة في الطريق السريع أو في حالة سكر[4]. بالطبع يمكن لبعضكم أن يحمل الأساتذة مسؤولية ما قام به هذا الطالب، لأنهم لم يشرحوا له أن شبكة الانترنت مكتبة عظمى، بل الجملة الواحدة في شبكة الآنترنت قد تحيل إلى مكتبة إن كانت كلماتها تتضمن روابط Links . تيسر للطالب البحث وعليه أن يتعامل معها مثلما كان يتعامل مع المكتبة الورقية: يبحث عبرها في الموسوعات، والكتب، والمجلات العلمية لإنجاز ما كلف به. فالانترنت ليست أداة لتشجيع الكسل الذي يحث على استخدام تقنية القص واللصق أو طبع المادة الجاهزة. قد يقول قائل إن ثقافة القص واللصق لم تظهر مع ميلاد شبكة الانترنت، بل كانت موجودة بمسميات مختلفة، مثل السرقات العلمية والأدبية، والانتحال وغيرها. وكل ما قامت به الانترنت أنها جعلتها مرئية أكثر. لكن الانترنت أضفت عليها الطابع الجماهيري أيضا. لعل بعضكم التقى بالآباء في ” قاعات الانترنت” يتوسلون لأصحابها من أجل تسليمهم البحوث والواجبات التي طُلب من أبنائهم إنجازها.

الاتصال وغياب  التراتيبية:

يستند الاتصال في المجتمع الإنساني إلى مرجعيات تزيد في مصداقيته وترفع منسوب الثقة فيما يتم تداوله. وتتخذ هذه المرجعيات سمة تراتيبية تختلف من مجتمع إلى آخر ، ومن ثقافة إلى أخري نذكر، منها السن، والشهادة العلمية والمستوى التعليمي، والخبرة الاجتماعية والمهنية و المسؤوليات.

لقد كان المجتمع الجزائري، وربما لا يزال إلى حد ما، يولي قيمة اعتبارية للسن,  فالشخص المتقدم في السن يحظى بمكانة في مجتمعنا، مثل باقي المجتمعات الشفوية، لأنه يختزن الذاكرة والمعرفة والتجربة. وكانت مرجعية الاتصال تستند إلى هذه القيمة الاعتبارية مما يمنح الثقة والمصداقية لمن هو أكبر سن في اتصاله. لكن منطق مواقع الشبكات الاجتماعية يلغي فكرة التراتيبية ويختفي فيها عامل السن وراء البرتوكولات التقنية. لذا يبدو السؤال عن مآل الاتصال وطبيعته في مواقع الشبكات الاجتماعية مشروعا في ظل غياب التراتبية المبنية على السن.

الاتصال وانمحاء المكان:

بلور عالم الانتربولوجيا الأمريكي أدوارد هول  مفهوم القرب ” La proxémie” لفهم عملية التواصل وجها لوجه بين الأشخاص في المجتمع الأمريكي، وحاول أن يستشف من خلالها طبيعة العلاقة  القائمة بين المتصلين. وحصرها في المستويات الثلاثة التالية: المسافة الحميمية، والمسافة الشخصية، والمسافة الاجتماعية.[5] لقد تساءل بعض الباحثين عن دلالة مفهوم القرب في الفضاء الافتراضي ومنتديات الدردشة الالكترونية[6]. ولنا الحق أن نتساءل عن الاتصال في ظل غياب مفهوم القرب؟ ومشروعية هذا التساؤل تنبع من اعتبارين : الاعتبار الأول، يتمثل في ذوبان المكان في الزمن الافتراضي، والاعتبار الثاني يكمن في اعتقادنا بأن أبعاد القرب التي ضبطها هول لا تنطبق على المجتمع الجزائري الذي يبدو أن الهامش الذي يفصل المسافة الشخصية والاجتماعية منعدم، وأن المسافة الحميمية غير ثابتة في مجتمع يتحكم فيه الوجدان والعاطفة[7].

يندرج مفهوم ” القرب” ضمن الاتصال غير اللفظي، ويقال أن المسافة الحميمية تعبر عنها لغة حميمية. فهل استطاع الاتصال في الجزائر عبر مواقع التواصل الاجتماعي أن يكسب الجانب اللفظي ما فقده على الصعيد غير اللفظي، أي أن يعوض غياب الحميمية الفيزيائية بلغة حميمية؟ إن الاجابة عن هذا السؤال لا تكتمل إلا من خلال تحليل لساني للرسائل المتبادلة بين المتصلين في بعض مواقع التواصل الاجتماعي. في انتظار ذلك يمكن المغامرة بتقديم الملاحظة التالية: هناك صعوبة نفسية وثقافية في تحويل دلالات اللغة غير اللفظية إلى لغة لفظية لدى أبناء مجتمعنا الذي يجيد، إلى حد ما، تورية عاطفته أو ” يعحز” على التعبير عنها لأسباب تاريخية وثقافية ونفسية. لقد لاحظت مثلا أن بعض الجزائريين يخاطبون بعضهم عبر البريد الإلكتروني بـــ  Dear  My  فلانة إن استعملوا اللغة الانجليزية. لكنهم فيستغنون عن عبارة المجاملة هذه إن لجَؤُوا إلى الكتابة باللغة العربية ويستبدلها  بالصديقة أو الأخت، ومن يتمسك بها يقوم بتعديلها بشكل طفيف لتصبح العزيزة دون أي نسبة.

الانغلاق بدل الانفتاح

نميل إلى الاعتقاد بأن الاتصال عبر مواقع الشبكات الاجتماعية لا يفلت من ظاهرة التوحد homophilie التي يعرفها علم الاجتماع بأنه خطاب حتمي ينص على أننا نتجه لأن نشترك مع الأشخاص الذين نتقاسم معهم الأشكال التكاملية المرتبطة باللغة والجنس، والثقافة والعرق والمستوى الثقافي. [8] وتترجم هذه الظاهرة عمليا بأن مشتركي مواقع الشبكات الاجتماعية لا يتصاحبون إلا مع من يشبهونهم، ولا يتابعون منشورات إلا من يقاسمون معهم الأفكار ذاتهم والقناعات عينها، ناهيك عن اللغة وربما المستوى الثقافي. والنتيجة  أن التوحد المذكور يزيد في انعزال الفرد  ويحعله أكثر تعصبا وأضيق ذهنيا. بينما التجربة تؤكد بأنه كلما زاد الإنسان تجولا في الآفاق وإطلاعا على مختلف الأفكار والمذاهب انفرج عنه الإطار الفكري الذي نشأ فيه.

الحديث عبر الصور

يؤكد ميشال سير [9] بأن شبكة الانترنت تشكل القطيعة الانتربولوجية الثالثة في تاريخ البشرية، بعد اختراع الكتابة ثم المطبعة.  يمكن أن نتأكد من هذه القطيعة بمراجعة ما كُتب عن موقع ” سنابشات” Snapchat . فهذا الموقع، خلافا لبقية مواقع الشبكات الاجتماعية،  أنتج ما يسميه أندري غنترت André Gunthert [10] بالصورة الاجتماعية التي منحت النص بعدا إضافيا في نظر صحافي نيورك تايمز  فرهاد منجو Farhad Manjoo[11]  فجعلت الاتصال عاطفيا أكثر، وترفيهيا أكثر، وأقل تَفَكُّرِيًّا réflexif . والأكثر من هذا أنها جعلت من آلة التصوير بديلا للوح الأزرار le clavier . ويرى الصحافي ذاته في هذه التداعيات عودة الاتصال إلى عهده الشفهي. أي تحوله إلى اتصال شفهي أكثر منه مكتوب. لكن هذه التداعيات تكتسي أبعادا أخرى في مجتمعنا الذي لازالت علاقته بالصورة متوترة. ويعاني من صعوبات جمة في الاتصال المكتوب ليس بسبب الأمية فحسب، بل للتوتر الناجم عن الازدواجية اللغوية التي أفادت شعوبا لكننا لم نجن منا الفائدة المرجوة. فالكثير من التعليقات تكتب باللغة العربية بحروف لاتينية أو بلغة فرنسية بحروف عربية أو باللغة الدارجة أو بلغة هجينة لا هي عربية فصحى ولا فرنسية. فمرحبا بمزيد من الارتباك في الاتصال في عصر الشبكات.

المراجع والإحالات:

 [1] – cité par  Daphnée Leportois in Les nouvelles technologies selon Umberto Eco, ce faux troll; consulté le 10/05/2017 URL: http://www.slate.fr/story/114411/nouvelles-technologies-umberto-eco-faux-troll
[2] – هشام شرابي  : جمر ورماد، مذكرات مثقف عربي، دار الطليعة بيروت، 1978، ص 31،32
[3] –  théorème d’Hoffman-Singleton  نظرية خاصة بالغراف graphes أثبتها آلان هوفمان  في 1960
[4] – أنبرتو إيكو: يكتب عن الإنترنت، ترجمة احمد الزبيدي، ملحق صحيفة المدى، مسترجع بتاريخ 10/05/2017 من الموقع http://almadasupplements.com/news.php?action=view&id=14952#sthash.oxguSd2r.Z9E4VMfy.dpbs
[5] – حدد المسافة الأولى ب ما بين 15-45 سنتمتر، والثانية بما بين 1.20 و3.70 م، والثالثة بما أكثر من 3.70 م.
[6] – Ingrid TEDESCHI  Paulina KOSZOWSKA NOWAKOWSKA , Franck RENUCCI ( 2010):Communication interpersonnelle à l’ère du Web2.0 questions de l’interaction et de l’interactivité; consulté le 14/4/2017 URL:  http://culture.numerique.free.fr/publications/ludo10/tedeschi_nowakowska_renucci_ludovia_2010.pdf
[7] – سُؤل الممثل العالمي عمر شريف في حوار تلفزيوني بثته قناة العربية عن الفرق بين جمهوره العربي والغربي. فقال: لدي الكثير من المعجبين في مختلف الدول التي عشتها فيها أو زرتها بمناسبة مشاركتي في تصوير أفلامي أو في المهرجانات السنمائية. ولاحظت أن الجمهور الغربي يعترض طريقي ليطلب مني بكل أدب أن تخط له بعض الكلمات أو أوقع له Autographe. بينما يقترب مني جمهوري في دار البيضاء المغربية كثيرا، ولا يريد مني أتوغرافا، بل يريد أن يمسكني من يدي أن يتحسسني أو يحتضنني.
[8] – Casilli  Antonio )2010(: “Le web ne désocialise pas plus qu’il n’hypersocialise, mais il reconfigure notre manière de faire société, interiew accordée à Hubert Guillaud, consulté le 14/05/2017 URL: http://www.internetactu.net/2010/09/08/antonio-casilli-le-web-ne-desocialise-pas-plus-quil-nhypersocialise-mais-il-reconfigure-notre-maniere-de-faire-societe/
[9] – Michel Serres : bienvenue à l’homme nouveau, interview realisée par Élisabeth Lévy, le point, du 14/06/2012
[10] – نقلا   عن
Xavier de La Porte Quand nous parlons avec des photos, plus que des mots, consulté le 10/5/2017 URL: https://www.franceculture.fr/emissions/la-vie-numerique/quand-nous-parlons-avec-des-photos-plus-que-des-mots
[11] – نقلا عن المصدر ذاته

كلمة في افتتاح مؤتمر” سؤال العلاقة بين الميديا والثقافة”

 مخبر استخدامات وتلقي المنتجات الاعلامية والثقافية في الجزائر
15-16‎ /2/2017- الجزائر

 

لم يكن في نيتي أن أتدخل في هذا اللقاء. لقد فضلت وزملائي أن نترك الفرصة للأساتذة الشباب وطلبة الدكتوراه ليتدربوا على مهارات التفكير بصوت مسموع. وحتى لا يقال أن مختبر الاستخدامات والتلقي أصبح حكرا على ديناصورات الكلية ، مثلما قيل ذات مرة على الذين شاركوا في احتفالية خمسينية تدريس الإعلام والصحافة في الجزائر. لقد أكتشفت بالصدفة أن البعض رأني ديناصورا لأنني كنت ضمن المتدخلين في هذه الاحتفالية. سأكون كاذبا إن قلت لكم أنني سعدت بهذا الاكتشاف أو حزنت لاعتقادي أنه يبرهن على نجاح  مساعي الذين استغنوا في برنامج تكوين الصحافيين عن المواد التدريسية التالية: علم الاجتماع الإعلامي، وسيمولوجيا الإعلام، وجزء كبير من أشكال الكتابة الصحافية وعوضها بمساقي: علم الآثار والبيبلوغرافيا!

لكن نزولا عند رغبة زميلي رئيس المخبر قبلت أن أقوم بدور الممهد لهذا اللقاء الذي نتمنى أن يكون ثريا ومفيدا للجميع.

بودي أن أشير في البداية إلى أن ما أقوله في هذا المقام لا يدخل بأي شكل من الأشكال ضمن منطق تأطير النقاش حول السؤال الشائك عن علاقة الميديا بالثقافة. إنه شكل من التعاطف ومؤازرة المتحدثين في هذا المنبر لأن محاولة الإجابة عن السؤال المذكور يحتاج إلى شجاعة والقبول بخوض المغامرة. ها أنذا أخوض هذه المغامرة نيابة عن رئيس المخبر.

أعتقد أنه لا يمكن أن نتحدث عن الميديا والثقافة دون الإشارة إلى الاقتصاد والسوق تحديدا. فالاقتصاد هو الرابط  بينهما. وإن كانت علاقة السوق بالميديا علاقة تكوينية فإن علاقته بالثقافة تظل متوترة. فالفليسوف المغربي عبد السلام بنعبد العالي يقول أن وجود الثقافة مرتبط بالانكماش على الذات بينما وجود السوق مرتبط بالانفتاح على العالم. وإن كانت الثقافة تتسم بالطابع المحلي لأنها تعيش في أحضان الخصوصية  فالسوق يتسم بالطابع الكوني والعالمي.

وكدنا نعتقد أن هذه العلاقة ستلين في ظل التداخل بين الإعلام والترفيه، وفي ظل تسلية الثقافة بعد أن بدأت تذوب في اللعب في رحلة تحولها من سلعة تقتني بمقابل مالي إلى سلعة مجانية   لكنها ازدادت تعقدا وتوترا. فالكاتب والصحافي Rémi Sussan المهتم بالتكنولوجيا المعاصرة يضع يدنا على مفارقة من نوع آخر. ففي ظل العولمة وتطورات الميديا الجديدة تغير المشهد الثقافي بسرعة وتضاعف اللقاء والاحتكاك بين الحضارات. فما كان يحدث ببطء شديد، قبل قرون، على ايقاع القوافل التي تسلك طريق الحرير، أصبح يتحقق اليوم في رمشة عين بفضل كبسة زر. وقد أدى هذا إلى مفارقة: فمن جهة زاد انتشار الثقافة الواحدة والمتجانسة ذات المنبت الغربي وبسطت هيمنتها على أطراف الكرة الأرضية، ومن جهة أخرى برزت ” الثقافات الفرعية” والمحلية جدا وانتشرت بفضل شبكة الواب لتغمر العالم بعد أن كانت في طور الاندثار وتكاد تنسى في عقر دارها  ، مثل موسيقى الجهجوكة المغربية. والغريب في الأمر أن وجود الثقافتين أصبح متلازما. لكن هل يخلو وجودهما من التوتر والنزاع؟

يقدم عالم الانتربولوجيا الأمريكي ذو الأصول الهندية أرجون ابادوري مفاتيح لفهم مصادر العنف في المجتمعات المعاصرة القائم على أسباب ثقافية. وحاول قراءته عبر الثنائية التالية: العنف الممارس على الأقليات والعنف الذي تمارسه الأقليات. وهي الثنائية التي أحدثت انقلابا في البراديغم الخاص بفهم العلاقة بين الأقلية والأغلبية الذي ظل مهيمنا إلى غاية نهاية القرن العشرين والقائم على الخوف. خوف الأغلبية من أن تصبح أقلية – وهذا ما تعبر عنه زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا: مرين لوبان – وخوف الأقلية أن تظل أقلية وتتلاشى ولا تتمكن من أن تصبح أغلبية.

إن هذا الخوف هو وليد ” الحداثة السائلة”، التي طرحها عالم الاجتماعي البريطاني ذو الأصول البولونية، زيجمونت بومان Zygmunt Bauman ، والتي يعرفها بأنها حداثة بأقل قدر من الوهم. الوهم ببلوغ المجتمع وضع نهائي مرة واحدة وإلى الأبد. ولا يوجد فيه ما يمكن القيام به سوى تكرار ما نقوم به. حداثة تزداد فيها المشاكل كلما تقدمنا. وتظهر فيها الحضارة كضرب من التبادل والمقايضة نكسب فيها أشياء بفقدان أشياء أخرى.

إن السيولة مفهوم مركزي في فكر هذا العالم الاجتماعي الذي حفر في أخاديدها لينتج مجموعة من الكتب نذكر منها: الحداثة السائلة، الحياة السائلة، الحاضر السائل، الخوف السائل، الحب السائل. ولو شئنا أن نجمع كل الأفكار التي تضمنتها كل هذه الكتب وحررناها من نزعتها التشاؤمية لأصدرنا كتابا واحدا بعنوان: الثقافة السائلة. ثقافة اللايقين، ثقافة اللحظة الزائلة، الثقافة التي تنتج في اللامكان لتسابق الزمن، ثقافة عدم الاستقرار التي تتشكل بسرعة لتندثر بسرعة أكثر تجرها حمى الاستهلاك، فما هو مطلوب اليوم يصبح  قديما ومتجاوزا غدا. وقد لخص الفيلسوف المغربي عبد السلام بنعبد العالي[1] هذا الأمر بما يلي: إن الكائن الحديث كائن موضة. فالسيارة والملبس والقيمة والفكرة واللحن ، كل هذه الموضوعات لا تستبدل اليوم لما يعتريها من بلّي ، بل لكونها غدت بطبيعتها كائنات ظرفية. لا توجد إلا في انتظار ما سيأتي.

قد يقول قائل أن هذه الثقافة السائلة هي صنيعة الميديا. وقد يقول البعض الآخر أنها صنيعة السوق. لكن هل يمكن  القول أن للسوق حكمه الفيصل في الثقافة الصلبة أو السائلة في المجتمع الجزائري؟ الإجابة بنعم تعجز عن تفسير الظاهرة التالية: عندما تم تصفية الشركات الوطنية في الجزائر تحت عنوان ماكر ” إعادة هيكلة الشركات الوطنية” قامت الشركة الوطنية للكتاب باستخراج ما كان مكدسا في مخازنها من كتب لبيعه بسعر رمزي. أتذكر جيدا أن مسرحية بادن بدن لبرتورت بريخت، التي ترجمها المرحوم أبو العيد دودو، قد عرضت للبيع بـ 0.60  دج لكن الجمهور عزف عن شرائها رغم رمزية السعر؟  ولا تفسر لنا أيضا لماذا انتشرت الأغنية في ظل تراجع الشعر وتدني الذوق. وكيف تحول التعبير عن الحب من أغنية حيزية الخالدة لخلفي أحمد إلى جوزيفين في أغنية رضا الطلياني التي يقول فيها أنه يضع رأسه على الراية*، وأغنية الشاب قسيمو التي يقول فيها: قلبي وقلبك عند البوشي** معلقين.

أعرف بأن عرض مسألة الثقافة والميديا من هذه الزاوية يعبر عن شكل من الحنين إلى الماضي يجيد البكاء على أطلال الثقافة وفهمها الموروث عن عصر الأنوار الذي يحصر دورها في  التنوير والتحرر والرقي بالذوق وتهذيبه. وهو الفهم الذي لازال مهيمنا في تمثلنا للمنتج الثقافي الذي يغالي في ثقافة مجرة غتنبرغ  culture editoriale وببخس الثقافة الطافحة La culture de flot  التي ظهرت في العشرينات من القرن الماضي مع ميلاد التلفزيون. وهكذا أصبحنا نقدر قراءة الروايات التي تطبع في كتب ونثمنها، ونزدري مشاهدة الروايات ذاتها عندما تتحول إلى فيلم أو مسلسل تلفزيوني وذلك لأننا نعتبر أن الصورة مرادف الترفيه لاغير. ونعتقد أن هذا الفهم لازال ينظر للثقافة ” السائلة”، ثقافة الشبكات، كترفيه و تسلية فقط.

يبدو أنه من الأهمية العلمية والأنتربولوجية أن نعيد فهمنا لعلاقة الثقافة بالميديا. لقد تمكنت اللغات الأجنبية من نحت مفهوم يعبر عن هذه العلاقة من خلال إدغام الكلمتين: الثقافة والميديا: Mediaculture. وساهمت التكنولوجيا الرقمية ومختلف منصاتها في انتشار هذا المفهوم وفي التأسيس لفهم جديد للثقافة باعتبارها ممارسة يومية، وطقوس، ومنتجات، وتصور. الفهم الذي يستند إلى التفكير المركب La pensée complexe والمفارقاتي الذي يفهم ويتقبل ما كان يعتبر متباعدا ومتضاربا في القرون السالف، والمتمثل في الوجود المتزامن وحتّى المتداخل للثقافة الجماهيرية والثقافة الشعبية، والثقافة المحلية والثقافة الكونية، وثقافة الفرد وثقافة الجماعة Communauté ، والثقافة العالمة Savante و” ومثيولوجيا الحياة اليومية.”

نتمنى أن نرتقى بفكرنا لفهم تجليات العلاقة بين الميديا والثقافة في العصر الحالي.

المراجع والهوامش:

[1] – بن عبد السلام بن عبد العالي: مثيولوجيا الواقع، دار توبقال، 1999، ص 12

* كلمة فرنسية Rails   وهي السكك الحديدية

** كلمة فرنسية   Le bocher- القصاب

%d8%aa%d8%b1%d8%a3%d8%b3-%d8%a3%d9%88%d9%84-%d8%ac%d9%84%d8%b3%d8%a9-%d9%84%d9%85%d8%a4%d8%aa%d9%85%d8%b1-%d8%b3%d8%a4%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81

 

رهانات الاتصال في زمن الشبكات:  محاضرة  الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية

يوم 11-02-2017 – نادي الفنون والثقافة – الجزائر.

 

%d8%b1%d9%87%d8%a7%d9%86%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d9%84-%d8%ac%d9%85%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81

 

محاضرة حول التلفزيون والهوية الوطنية

شاهد المحاضرة كاملة على اليوتيوب عبر الرابط:

 


6 تعليقات

  1. Hadjer كتب:

    من فضلكم أحتاج إلى مراجع حول موضوع التفاعلية في الصحافة الإلكترونية .. شكرا

  2. abdelnour كتب:

    مرحبا دكتور ابحث عن التصنيفات الجديدة لجمهور الواب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: