الأخبار الكاذبة عملة مزيفة


نشر بمجلة الشروق الإماراتية -6-12 مارس 2017

نشرت صحيفة الحياة الجزائرية خبرا في عددها الصادر يوم 14 فبراير الماضي مفاده أن “ماري لو بان” ، زعيمة حزب اليمين المتطرف في فرنسا، صرحت في الحملة الانتخابية للرئاسية الفرنسية المقبلة أنها ستبني جدارا بين فرنسا والجزائر، وستلزم هذه الأخيرة بتمويل بنائه. وعززته  بصورتها. وقد نسبت خبرها هذا إلى صحيفة ” غورافي” الفرنسية.

أثار هذا الخبر لغطا كبيرا لدى الرأي العام الجزائري وسط وموجة من التعليقات الغاضبة في مواقع الشبكات الاجتماعية لم تهدأ رغم اعتذار الصحيفة عن الخطأ الذي ارتكبته. و ” غورافي”، لمن لا يعرفها، هي صحيفة ساخرة على غرار “نورد برس” البلجيكية، و” ذو أنيون” الأمريكية ، و” المنشار” الجزائرية، و” البرافدا” الكندية، وغيرها من الصحف التي تنشر الأخبار وكأنها حقيقية من باب المزاح والسخرية وليس لغرض سياسي. لكن من أين لقطاع واسع من الجمهور أصبح يتابع الأخبار عبر مواقع الانترنت ومحركاتها ومنصاتها الرقمية  التمييز بين الأخبار التي تنشر من أجل إعلامه وتلك التى ترمي إلى ممازحته في زمن استشرت فيه الأخبار المزيفة والكاذبة؟

لا يخفى على عاقل أن الأخبار الكاذبة والمزيفة ليست وليدة اليوم، لكنها أضحت تكتسي أبعادا غير منتظرة وخطيرة مع تزايد عدد مستخدمي مواقع الانترنت والشبكات الاجتماعية، خاصة أثناء الأزمات والحروب وفي ظل التنافس السياسي في الانتخابات البرلمانية والرئاسية ، مثلما حدث في الحملة الانتخابية للرئاسات الأمريكية مؤخرا.

لقد أكدت دراسة قام بها الموقع الإخباري الأمريكي في شبكة الانترنت “بوزفيد”  أن  المقالات التي تضمنت الأخبار المزيفة، و نشرت في موقع الفيسبوك  اثناء الحملة الانتخابية المذكورة، لقيت رواجا أكبر من المقالات التي تناولت المواضيع ذاتها واشتركت في نشرها 19 وسيلة إعلامية إخبارية أمريكية.

 

لعل هذه الدراسة تندرج ضمن العديد من الدراسات التي تُحمّل مواقع الشبكات الاجتماعية ومحركات البحث مسؤولية تزايد الإقبال على الأخبار المزيفة. والسبب في ذلك لا يعود إلى سرعة انتشارها فقط، بل لأن المرء يميل أكثر إلى الأخبار التي تساير قناعته وتلائم مزاجه فيتفاعل معها أكثر سواء بتعليقه عليها أو اقتسامها مع أصدقائه في موقع الفيسبوك، وتويتر، واليوتيوب. وغني عن القول أن الأخبار التي يتم اقتسامها أكثر تحقق عائدا ماليا أكبر من الإعلانات للمواقع الشبكات المذكورة التي تنشرها. فالخوارزميات التي تقود هذه المواقع صممت من أجل منح الأولية للمقالات التي تُقْتسم ، وتلك التي تحظى بتعليقات أكثر. وتستمد الأخبار الكاذبة قوة جذبها من كونها غير منتظرة، وحتّى صادمة وغريبة، وتحمل قدرا من المبالغة أكبر من الأخبار الصادقة.

لقد بدأ التخوّف من الأخبار المزيفة يخيم على الحملة الانتخابية في فرنسا وألمانيا، بعد أن سممت أجواء الانتخابات في إندونيسيا . وهذا ما أدى بالكاتب الفرنسي “هربرت غايو” إلى القول أننا نواجه فعلا عملية تفخيخ واسعة تستند إلى الكبس على الأيقونات الرقمية من أجل تصنيع الشائعات والتزييف والتضليل قصد الحصول على المال جراء الإعلان.

تذكرنا الأخبار المزيفة بالشائعات التي تنخر عالم الإعلام والصحافة خاصة عندما تتحول إلى فاعل سياسي نشيط. وهذا ما يقلق رجال السياسة وأصحاب القرار لأنها تنمي الشك  وتغرس الضغائن والأحقاد وتعسر كل حوار اجتماعي أو سياسي داخل المجتمع. ففي هذا الصدد يقول رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، باراك أوباما، في حديث أدلى به إلى مجلة “نيو يوركر” الأمريكية قُبَيْل مغادرته البيت الأبيض الأمريكي: ) إن القدرة على نشر الأخبار المضللة ، ونظريات المؤامرة التي يقودها الهذيان ، ووصف المعارضة بأبشع الأوصاف السلبية دون منحها إمكانية الرد والطعن ، كلها مظاهر تتسارع لتحدث استقطابا حادا في أوساط الناخبين مما يجعل كل حوار مشترك صعبا جدا).

تفســـــير

إن كان الكثير من المختصين لا يستبعدون العاملين التكنولوجي والمالي في استشراء ظاهرة  الأخبار المزيفة، فإن بعضهم يرى أنها تكشف عن أزمة ثقة. ثقة الجمهور في وسائل الإعلام التقليدية التي سيطر عليها رجال المال من خارج المهنة:  أرباب الصناعة ، والمصرفيون ، والمستثمرون في مجال العقار والبناء، وصناع الأسلحة. وهيمنت عليها جماعة الضغط واللوبيات السياسية فحرفوها عن وظيفتها الأساسية المتمثلة في الإعلام والتثقيف وتنوير الرأي العام بالحقائق. وهناك من يذهب إلى أبعد من هذا. فعالم الاجتماع الفرنسي “جيرار برونر ”  يرى أن الحجم الذي بلغته الأخبار المزيفة التي يتقاسمها مستخدمو شبكة الانترنت والمنصات الرقمية يعبر عن أزمة الديمقراطية في المجتمعات الغربية ومنظومتها السياسية والاتصالية. ويختزل هذه الأزمة في عبارة ” ديمقراطية المُصَدَّقين” التي يعني بها أن عدد الأشخاص الذين يصدقون الأخبار وما يتم تداوله عبر وسائل المنصات الرقمية ومواقع الشبكات الاجتماعية يتزايد باتساع هامش حرية التعبير. كما أن  انتشار الأخبار المزيفة وتصديقها يعبر عن خيبة أمل في كل الذين كانوا يسوقون الأفكار المثالية عن الانترنت؛ أي الذين كانوا يَعِدون البشرية بعصر الحياة المدنية الذهبي، والديمقراطية التشاركية في ظل انتشار شبكة الانترنت التي تجعل الشفافية وصحافة المواطن سيدة في مجال إنتاج الأخبار وتوزيعها. فالتكنولوجية التي تعد أداة التنوير تحولت إلى أداة مكيافيلية في نظر عالم الاجتماع المذكور.

 

صناع التزييف

تصنف عالمة الاجتماع الفرنسية، مليسا زيمدار، صناع الأخبار الكاذبة في مواقع الشبكات الاجتماعية والمنصات الرقمية، والتي قد تقتبسها بعض وسائل الإعلام التقليدية وحتى الرسمية، إلى الأصناف التالية : الراغبون في جمع المال من الإعلان الذي يحققه انتشارها ، والساعون إلى إبراز وجهات نظرهم ومواقفهم من الحياة العامة دفاعا عن القضية السياسية والأيديولوجية التي يؤمنون بها. وتندرج هذا الإطار الحركات السياسية الوطنية والقوى الأجنبية، والذين يقصدون التنكيت من وراء نشرها بغية المزاح والمداعبة، والذين ينشرونها دون أن يدرون أنها مزيفة؛ أي يعتبرونها حقيقية وصادقة. وهؤلاء هم الأخطر في نظر العاملين على مكافحة الأخبار المزيفة في الميديا الجديدة والتقليدية لأن البحث عن نواياهم السياسية والنضالية وأهدافهم الاقتصادية ورغبتهم في تصفية حساباتهم الشخصية صعب لأنهم ينشروها عن حسن نية أو دون وعي بتبعاتها.

يثار القلق من استشراء الأخبار المزيفة عبر مختلف وسائط الاتصال بتزايد الشك في إمكانية محاربتها ، خاصة من قبل مواقع الشبكات الاجتماعية ومحركات البحث التي تعد مَشاتِلها. والسبب في ذلك يعود في نظر بعض الأخصائيين إلى العامل التقني ، إذ يؤكدون أنه من الصعوبة بمكان أن ندرب نظام الذكاء الاصطناعي على القيام بفرز الأخبار المزيفة في سيل الأخبار المتدفق، بينما يمكن فقط توجيه الخوارزميات إلى ترتيب الأخبار في محركات البحث بمنح الأولية لتلك التي تستند إلى مصادر موثوقة. ولا يمكن أيضا إغفال العامل الاقتصادي في هذه المسألة. إن الأخبار المزيفة تشكل موردا ماليا لما تجذبه من إعلانات للمنصات الرقمية، و التصدي لها يتطلب تمويل جيش من الفنيين الأخصائيين ليسهروا على التدقيق في الأخبار المتداولة في شبكة الانترنت والمنصات الرقمية والتحرى في واقعيتها وصدقيتها. ومن الممكن أن تؤدي عملية الغربلة هذه إلى تقليص كمية المحتويات المتداولة ، وصد الكثير من مستخدمي الانترنت عنها.

ربما يخشى من رد فعل المجتمع المدني في البلدان الغربية على التدابير التي تتخذ  للحد من الأخبار المزورة أو القضاء عليها لأن هذا المجتمع شديد  التمسك بمبدأ الحريات العامة: حرية نشر الأخبار والحق في الإطلاع عليها. ومؤمن بأهمية الاقتسام الحر للمعلومات والمعارف، إذ يرى أن أي محاولة لحد من حرية التعبير تعتبر خطرا كبيرا يهدد النظام الاجتماعي والسياسي في هذه البلدان. ومن أجل طمأنة الناشطين في مجال حقوق الإنسان في المجتمعات المذكورة يؤكد آدم موسري، أحد نواب رئيس مؤسسة الفيسبوك بأن مؤسسته تعتقد أنها تسعى إلى منح صوت للشعب، ولا يمكن لها أن تصبح قاضيا يحكم على مدى صحة المحتويات المتداولة في موقعها وصدقيتها. لذا يرى أن على مؤسسته الالتزام بالحذر في معالجة هذه المسألة.

ضغوط

منذ الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة والولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية تمارس ضغوطا متصاعدة على محركات البحث الكبرى في شبكة الانترنت، مثل غوغل، وعلى المؤسسات المالكة لمواقع الشبكات الاجتماعية، مثل الفيسبوك، من أجل أن تمارس دورها الضابط  والمعدل لما تنشره وما تقوم بفهرسته. فلم تطلب منها حجب الأخبار التي يعتقد أنها مزورة أو مضللة خوفا من أن تتهم بأنها معادية لحرية التعبير وتصنف في خانة الدول التي تحرم مواطنيها من  استخدام شبكة الانترنت. ولا تطالب هذه الدول منها الحكم على الأخبار التي تنشرها بالصدق أو الزيف، بل تريد منها فقط أن تشير، بالطريقة المناسبة، إلى أن المواقع التي تنشر الأخبار المزيفة ليست وسائل إعلام. ويبدو أن هذا التوضيح ضروري ومفيد لأن مستخدم شبكة الانترنت يتعاطى مع ما تنشره من أخبار كأنها صادرة عن مؤسسة إعلامية! والكل يعلم أن الكثير من المؤسسات الإعلامية تتحري في صحة أخبارها للحفاظ على مصداقيتها لدى جمهورها أو زبائنها. وأن العاملين فيها يلتزمون ، بهذا القدر أو ذاك ، بمواثيق مهنية وأخلاقية. وهذا التوضيح كفيل بتنبيه مستخدمى شبكة الانترنت أن الكثير من المنصات تشبه إلى حد كبير المقاهي. وهذا يعني أن ليس كل ما تلوكه الألسن  في المقهى صادق .

 

تفاؤل

يبدو أن الضغوط التي  مارستها العديد من الدول على المؤسسات الكبرى المنتجة للمحتويات والموزعة لها عبر شبكة الانترنت بدأت تكلّل بالنجاح إذ برزت العديد من المبادرات الجادة لمحاربة الأخبار المزيفة . ففي الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت شركة الفيسبوك، التي تؤكد أنها ليست وسيلة إعلامية، يوم 15 ديسمبر الماضي، أنها شرعت في الاستعانة بمستخدميها في حربها على الأخبار المزيفة. وتمكنت يوم 6 فيفري الماضي من إبرام اتفاقية مع ثمان مؤسسة إعلامية فرنسية: وكالة الأنباء الفرنسية وكبريات الصحف الفرنسية وقنوات تلفزيونية. وتنص الاتفاقية على أنه إذ اشار أحد المشتركين في موقع الفيسبوك إلى أن هذا الخبر أو ذاك مزيف وأيدته في ذلك وسيلتان إعلاميتان فرنسيتان ممن شملتهما الاتفاقية ، يلتزم موقع الفيسبوك بوضع علامة تشير إلى أنه مزيف، ويرسل إشعارا أنيا إلى  كل من يكبس على رابطه الإلكتروني ليحذره من زيفه. وتأتي هذه التجربة بعد تلك التي قام بها هذا الموقع في الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع بعض المؤسسات الإعلامية. ومن المنتظر أن يعمم تجربته في ألمانيا بالتعاون مع وسائل الإعلام المحلية بمناسبة الانتخابات التشريعية.

وشرع محرك غوغل نيوز، من جهته، في استخدام تقنية ” التحري في الأحداث ) Fact Checking (” التي تساعد المستخدمين في الحصول على المحتويات التي خضعت للتدقيق والتحري. وأنشأ المحرك العملاق غوغل منصة “فرست دراف” بالتعاون مع مختلف وسائل الإعلام الأمريكية للكشف عن الأخبار المزيفة.

وبشكل مواز، بدأت المؤسسات الإعلامية الكبرى، في شحذ أدواتها الخاصة لمحاربة الأخبار المزيفة. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى تجربة صحيفة لوموند الفرنسية التي أنشأت مدونة ” ديكودكس” Décodex  في موقعها  في شبكة الانترنت.

نُشر بواسطة د. نصرالدين

- د. نصر الدين لعياضي، كلية علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر - 11الجمهورية الجزائرية شارع مختار دود بن عكنون الجزائر العاصمة العنوان الإلكتروني: alayadi2014@outlook.com

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: