حكاية من البرّ الجزائري


بعد أن انتهى من تقديم محاضرته على الساعة التاسعة ونصف صباحا تسأل في سره : أين يقضى وقته قبل أين يحين موعد تقديم المحاضرة الثانية المبرمجة على الساعة الثانية ونصف زوالا؟ إن الكلية التي يدرس بها تكتظ بالبشر وقاعة الأساتذة تحولت إلى سوق، ليس عكاظ بالطبع، بعد أن ضاقت بعدد الأساتذة المتزايد. فأصبحت تسبح في ضجيج السائلين عن الأساتذة ومن ينتظرهم والمتفرغين للثرثرة. فغادرها بعدما لم يتحمل الانتظار للظفر بكرسي. مر بسرعة على مكتبة الكلية التي تخلت عن تسميتها وأصبحت تسمى قاعة المطالعة  بدل محشر الطلاب.

تذكر أن المبنى الضخم  لا يأوي الكلية فقط ، بل توجد به مدرستان. فقصد إحداهما لعله يعثر على مكان هادئ ينصرف فيه إلى قراءاته إلى حين موعد محاضرته الثانية. دخل مكتبتها منشرح الصدر لأنها تخلو من البشر عدا طالبين انزويا في ركن من أركانها يتحدثان همسا.  فتح جهاز كمبيوتره المحمول وشرع في مراجعة البحث الذي أنتهى من إعداده البارحة.  ولم تمض سوى  دقائق معدودات حتىّ انتصب أمامه الحاجب سائلا دون مقدمات: هل أنت أستاذ جديد في المدرسة؟ فكان الجواب بالنفي. فأمره المغادرة فورا. حاول أن يقنع الحاجب بهدوء أن المكتبة خالية على عروشها وأنه لم يزعج أحدا ولم يطلب أي مرجع من موظف المكتبة. وأنه سيمضى بعض الوقت مع كمبيوتره المحمول وينصرف.  لكن الحاجب اعتبر أن هذا الأسلوب في الحديث استفزازا ليس لأنه تعود على الحديث الخشن، بل لاعتقاده أنه لا يوجد من يعطيه درسا في مجال عمله سوى مديره. فثارت أعصابه ولم تهدأ إلا بعد أن اخرجه من المكتبة. ويودعه بالجملة التالية: إن أردت العودة ثانية إلى هذا المكان فما عليك سوى الحصول على إذن من مدير المدرسة.

تخيل نفسه ينتظر المدير، الذي يعرفه شخصيا عندما كان هذا الأخير طالبا. في ديوانه وسكرتيرته تلح في السؤال عن سبب طلب مقابلته . وعندما تستوعب الشرح  المستفيض عن مبرر اللقاء تبتسم بمكر وتخبره أن المدير في اجتماع هام، أو غادر مكتبه متجها إلى الوزارة أو ان اليوم ليس يوم استقبال.

لم يبق أمامه من ملاذ سوى سيارته بعد أن تزود بعبوة ماء. لكنه لم يستطع فتح كمبيوتره لأن الذكريات سرحت به. وأعادته إلى ذاك اليوم الذي زار فيه مكتبة الجامعة الأمريكية. فتراءت له صورة ذاك الشاب البشوش الذي يبدو أنه مسؤول المكتبة عندما استقبله بالسؤال : مرحبا، هل من خدمة؟  إنه يتذكر جيدا كيف اندهش من هذا الاستقبال وهو الذي لا يدرس في الجامعة الأمريكية، بل في جامعة مجاورة لها. لقد خاطبه ذاك الشاب قائلا لسنا بحاجة إلى الـتأكد من هويتك المهنية. تفضل وأجلس في أي مكان يناسبك في الجناح المخصص للأساتذة. وأمامك الكمبيوتر للبحث عن المراجع و الكتب كل موظفي المكتبة في خدمتك. يحضرون لك ما تطلبه.  وعنما همّ بالخروج من المكتبة الجامعية لحق به ذاك الشاب ليودعه بلطف قائلا: بإمكاننا أن نصدر لك بطاقة اشتراك في المكتبة إن كنت تملك صورة شمسية. يسعدنا أن تكون من رواد مكتبتنا….

كاد أن ينسى هذه الحكاية من البرّ الجزائري لو لم يسأله مدير المدرسة المذكورة ذات مرة. ألست أنت الذي طردك الحاجب من مكتبتنا قبل أشهر؟ لم ينتظر الجواب بل استطرد قائلا. انا الذي طلبت منه ذلك. لو فتحت المجال لجاءنا أساتذة من خارج المدرسة!  بالطبع لم يعتذر له ولم يدعوه إلى زيارة المكتبة مرة أخرى. وكيف يفعل ذلك وهو مقتنع أن أفضل المكتبات هي التي يقل عدد زوارها وحتى ينعدم. وأحسنهم على الإطلاق تلك التي تظل أوراق كتبها ملتصقة ببعضها غير مقصوصة لم تصلها يد أي قارئ؟ لقد منعه أدبه من أن يخبر سعادة المدير بأنّه من فصيلة ذاك الشخص الذي سمع بفائدة الطاقة الشمسية اقتصاديا وبيئيا. فسعى إليها. فعندما انتهى من تثبيت الألواح الشمسية فوق سطح فيلته غطاها بصفيحة التنك خوفا من أن تؤذيها أشعة الشمس!

 

نُشر بواسطة د. نصرالدين

- د. نصر الدين لعياضي، كلية علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر - 11الجمهورية الجزائرية شارع مختار دود بن عكنون الجزائر العاصمة العنوان الإلكتروني: alayadi2014@outlook.com

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: