فانسن كولونا: إنه عصر البطل السلبيّ في المسلسلات التلفزيونيّة


ترجمة نصر الدين لعياضي

فانسن كولونا، من مواليد الجزائر في 1958، خبير  المسلسلات التلفزيونيّة وسيميائيّ. ابن عالمة الاجتماع “فاني كولونا” والطبيب “بيار كولونا” الفرنسيان اللّذان تعاطفا مع الثورة الجزائريّة وقرّرا البقاء في الجزائر بعد أن نالت استقلالها، واختارا الجنسيّة الجزائريّة.

يهتم “فانسن كولونا” بدرّاسة المسلسلات التلفزيونيّة المعاصرة التي تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعيّة أحدثت انقلابا كبيرا في صفوف المشاهدين. فأخر كتاب أصدره حمل عنوان:” فن المسلسلات التلفزيونيّة” في جزئين. يحدّثنا بنظرة فلسفيّة في هذا الحوار، الذي أجراه معه الصحافي “آلان بورتر” ونشر في ” ميغرو مغازين”، وهي أكبر مجلة سويسريَة ناطقة باللغتين الفرنسيّة والألمانيّة، في أكتوبر 2015، عن النزعة التخريبيّة لدى الجيل الجديد من المسلسلات التلفزيونيّة الغربيّة، والأمريكيّة تحديدا، وعن انزياحها عن الفهم الشائع للأخلاق. ففي نظره إن بروز هذه المسلسلات المعاصرة  يُعدّ علامة عن ولوجنا عصر فَنّيّ وثقافيّ وفكري جديد.

 

لقد أطاحت المسلسلات التلفزيونية بالأفلام من عرشها في الشاشات الصغيرة في أثناء ذورة البثّ التلفزيونيّ. وأصبحت الكتابة عنها تحتل الصفحات الأولى في الجرائد. فأضحت حديث حميع الناس. فلماذا كل هذا التتيّم والإعجاب الغريب بهذا النوع التلفزيونيّ الذي وُجد منذ بضعة عقود؟

السبب الرئيس يكمن في نوعيّة هذه المسلسلات التي سجلت تقدمًا كبيرًا سوى على مستوى السيناريو أو على الصعيد المرئي ( التصوير والإخراج، والغرافيكس، والديكور…). وأيضا على مستوى الحكايات التي تسردها التي أضحت أكثر تركيبًا وتعقّدًا وتنوّعًا لتشمل كل المواضيع. لقد  كانت الكثير من المواضيع ممنوعة من التناول في التلفزيون في الماضي. لقد شق هذا التغيير طريقه في تسعينات القرن الماضي، وتأكّد بقوّة في العقد الأول من الألفيّة الحاليّة. إننا اليوم أمام دائرة فعّالة ومُحَكّمة. فالمسلسلات التلفزيونيّة أضحت اليوم تتّسم بنوعيّة جماليّة جيّدة ونقديّة من وجهة نظري. إنها تُعَوِّد الجمهور الذي أَلِفَها، وتُحَقِّق أرباحا كبرى للفاعلين في الإنتاج التلفزيونيّ وتسويقه وبثّه.

ما يثير الدهشة فعلا أن هذه المسلسلات التلفزيونيّة افلحت في جذب وحتّى أسر الشباب، جيل المشاهدة التلفزيونية المُوَاثِبة Zapping ، والذي يُعرف بأنه غير مواظب على مشاهدة برامج التلفزيون.

اشْتُهر هذا الجيل من الشباب بأنه لا يشاهد ما يبثه التلفزيون باستثناء برامج تلفزيون الواقع. لكن هذه المسلسلات التلفزيونيّة أعادته نسبيّا إلى الشاشة الصغيرة. نعم نسبيّا لأنه يشاهدها كثيرا على شاشتي الكمبيوتر واللوح الإلكتروني.

تصفون في كتابكم الأخير هذه المسلسلات التلفزيونية بأنها تقوم بالدور ذاته الذي تقوم به الألعاب التي تأخذ شكل الحيوانات المحشوة بالقش في أوساط المراهقين والشباب الذين بلغوا سن الرشد… 

يؤكد الطبيب المختص في الأطفال والمُحَلِّل النفساني البريطاني “فينيسكوت” أن الحيوانات المذكورة تجلب عالما ثالثا للأطفال الصغار، وتقدم شيئا يسمح لهم بتهيئة علاقتهم بغرائزهم الداخلية، و بالمطالب الخارجية أيضا. فالمسلسل التلفزيوني يشبه هذه الحيوانات المحشوة بالقش لأنها تقترح على شباب اليوم، التائه في عالم يغري بفن التصرف والتدبير، قيّمًا ومعالم. أعتقد أن هذا السبب يفسر لنا تعلقهم بهذه المسلسلات وحتّى إدمانهم على مشاهدتها.

لقد ظلت هذه المسلسلات تعتبر” دونيّة” وعديمة المعنى إلى غاية تسعينات القرن الماضي. لكنها تُحظى اليوم باعتراف الانتليجنسيا ، وتشيد بها الطليعة الفنيّة. فماذا تغير بالضبط طيلة هذه السنوات؟

إن نوعيّة هذه المسلسلات جيّدة ومن الصعب نكرانها. هذا إضافة إلى أن إشادة مختلف الأوساط وحتّى النقاد المتشدّدين والمعروفين بعدم المجاملة بالمواضيع الشعبيّة، مثل المسلسلات التلفزيونيّة، يُعدّ أيضا علامة بأننا نغادر عصرا سادت فيه شبه حرب بين الثقافتين الساميّة       والشعبيّة. هناك حقب في التاريخ تتضمن هُوَّة بين الثّقافة الشعبية والثّقافة الاستقراطيّة، و تنعدم هذه الهوّة في بعض الفترات. ونحن بصدد الانتقال من عصر إلى آخر. وهناك العديد من العلامات التي تؤكد هذا الانتقال. وشبكة الانترنت تساهم في هذا التغيير بطريقة هامة جدا.

هذه المسلسلات إبتكارية، متطورة ومتقنة الصنع، بيد أن مسلسلات المؤلف، مثل مسلسل بريكينج باد ” Breaking Bad[1] ” اختلال ضال ” “، ودكستر” ” [2]Dexter” و  ” جيم اوف ثرونز ” Game of Thrones” ” صراع العروش”[3] تبدو تخريبيّة أيضا.

نعم إنها شديدة النقد للمؤسسات والسلوك، وللفجوة القائمة بين ما يتطلبه المجتمع وما نفعله عمليّا. إن هذه المسلسلات تقوم بالدور الذي كان يُناط أكثر بالرّواية. إنه الدور الذي يجعل المرء أقل سذاجة، ويتجاوز المظاهر الخداعة في الحياة. فهذه المسلسلات تكشف لكم ماهو الواقع، والحكم، والسلطة، والمال… باختصار إنها تدين الكثير من العيوب المعاصرة. وتكتسي هذه المسلسلات أهمية كبرى لأنها بعيدة عن الأيديولوجيا. ووظيفتها هي تفكيك الكثير من الأشياء في المجتمع.

التلفزيون، أفيون الشعوب ، بيد أنه يعمل في هذه المسلسلات على فتح عيون المشاهدين. أليست هذه الملاحظة مُطَمْئِنّة؟

بالفعل، إن لهذه المسلسلات وظيفة صحّيّة وسليمة. لقد أخطأت الأنتليجنسيا عندما فكرت بأن الترفيه الشعبيّ أفيون الشعوب. وهذا في الغالب تأكيد جزافيّ ومجانيّ، ولم يستند إلى أي دراسة وتحليل فعليين. إذ يبدو لنا أن هذا التفكير يعدّ طريقة لتثمين الأشياء التي لا تُحظى بمشاهدة الكثيرين.

إن الخواتم غير السارة لهذه المسلسلات التلفزيونيّة، وأبطالها الغامضون جعلوها ” تزعزع” الأخلاق. وهذا أمر جديد في التلفزيون الذي يعدّ وسيلة في خدمة الفضيلة.

بالفعل، عندما نقوم بفحص تاريخيّ للاستعراضات الشعبيّة ولبرامج التلفزيون ندرك بأن القصص والحكايات كانت فاضلة، بمعنى أن العدل هو المنتصر دائما في نهايتها وأن الشّرّير ينال جزاءه. أما اليوم، فالأمر يختلف، وأصبح أكثر تعقيدا. لنأخذ مثلا بطل إحدى المسلسلات، وليكن ” دكستر” القاتل بالتسلسل والذي يمارس وظيفته كتقني في الشرطة في ذات الوقت. إنه ينتصر في نهاية المسلسل التلفزيونيّ. إن هذه الظاهرة في نمو مُطَّرِد. وما يصدم أكثر أنها جديدة، لم نشاهدها من قبل أبدا.

لماذا يتعلق المشاهدون بأبطال لا يؤمنون بأي شيء ولا يحترمون أي قانون على غرار أستاذ الكيمياء في مسلسل ” بريكينج باد ” Breaking Bad” اختلال ضال” الذي يؤسس أمبراطورية المخدرات ….

لأول مرة  تقدم المسلسلات التلفزيونيّة أبطالاً سلبيين. فماذا يعني هذا الأمر؟ هل يعني أن الوعي الأخلاقي في طور التغيير؟ هل أننا بصدد استبدال حدود ما هو قانوني وماهو مخالف للقانون بحدود الشر والخير؟ هل تطورت علاقتنا بالأفلام والمسلسلات  حتى أضحى الجمهور يدري جيّدا بأن هؤلاء الأبطال غير الأخلاقيين ليسوا بوصلات ولا نماذج؟ هل هو شيء آخر؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال. لكن يمكن القول في كل الحالات أن الافتتان بهؤلاءالأبطال السلبيين يعود لكونهم يفكرون في ذاتهم قبل كل شيء، ويتدبرون أمرهم بأنفسهم. وأنهم مستقلون ذاتيّا ولا يتردّدون في الاعتراض على المجتمع إن اقتضت الضرورة ذلك.

هل يمكن القول وداعا للأخلاق؟

إننا في مجتمع يولي أهمية أقل للأخلاق . مجتمع تتعاظم فيه مكانة الجانب القانونيّ باستمرار. ويشكل المجتمع الأمريكي أنموذجه. فكل شيء في الولايات المتحدة اليوم يخضع للتّشريع. فعندما نسحب منك قسطا من الحرية وآخر من المسؤولية فيسكون لما يسحب تأثير على الأخلاق لأن الأخلاق هي استخدام لحريتك.

ماذا يُقال عنا، وعن مجتمعنا؟

يقال أن المجتمع يزداد صعوبة. ويُقال أيضا أن الدولة تنسحب وأصبحت تَتَكفّل، بشكل أقل، بالأفراد. وكأن جزء من هذه المسلسلات يقول:  طيب، نعم إنّنا نعيش معا! والعيش معا هام جدا!  لكن حذار لا أحد يَتَكفّل بكم. وعليكم أن تًتَكفّلوا بأنفسكم حتّى وإن اقتضى الأمر ارتكاب أشياء غير أخلاقية، وحتّى وإن كان ثمنها مغازلة الشر.

يعد بروز هذه المسلسلات، بالنسبة إلى البعض، أمارة انحطاط الثّقافة، وبالتالي مجتمعنا.

الحديث عن  الانحطاط  هو أمارة الخوف دائما وعدم فهم ظاهرة جديدة في طور التطور. تعادل المسلسلات الحديثة الرّواية أو الفيلم المستقل نظرا إلى سردها وخطابها وصورها، وتعقّد حكاياتها وقصصها. لذا يبدو بأنّ الحديث عن الانحطاط ليس حديثا جِدّيًّا. لكن بالمقابل يمكن الحديث عن تغيير كبير، وعن تحوّل ثقافي هائل. وهذه هي الفكرة التي أوافق عليها. فحتّى وإن بلغت علاقة المسلسلات بالشر المستوى الذي تحدّثنا أنفا فلا يعني أنها منحطّة. فهذه النزعة غير أخلاقية وُجِدت منذ زمان بعيد في الأعمال الأدبيّة الكبرى، وفي الفنّ التَّشْكِيلِيّ الكبير، والأوبرا. فمن وجهة نظري إنها بالأحرى علامة عن نضج جمالي أكثر من كونها علامة انحطاط.

في كتابكم الأخير، الذي خصصتموه إلى المسلسلات التلفزيونيّة، ذهبتم إلى حدّ التأكيد على أن هذه الظاهرة الثقافيّة تشكل ثورة حقيقيّة، وتعدّ علامة على أننا ولجنا عصرا فنّيّا وفكريا. فهل بلغت هذه المسلسلات هذه الدرجة؟

إننا أمام ثورة لا تُصَدّق ومن الصعب قبولها. فمن المؤكد أن مكانة الكتاب والسينما تضاءلت. إن الأمر أصبح يشبه ما جرى للفاينيل أو الايثينيل-مادة كيمائية تستخدم لصناعة القماش الاصطناعي منذ سنوات. بالفعل إننا نفقد أشياء لكننا نكسب آخرى. فمثلا ستتضاعف كل متاحف العالم بطريقة افتراضية ونستطيع أن نزورها  مقابل سعر زهيد. سنعيد إنتاج أشياء هشة جدا على غرار كنيسة سيستينا[4]. وهذه حالة كهف شوفيه[5] بفرنسا. إن الافتراضيّ يغزو كلّ مجالات الحياة.

الهوامش:

[1] – ينـاول هذا المسلسل قصـة مدرس كيميـاء يصاب بسرطان الرئـة. ويرى أن موته محقق نظرا لغلاء ثمـن العـلاج الذي ليس في متناوله، فيستغل ” كفاءته العلمية” في صناعة نوع من المخدرات ويخوض مغامرات مع أحد طلبته

[2] –  اقتبس هذا المسلسل من الرواية الموسومة بـ “حلم دكستر الأسود  للكاتب “جيف ليندساي” يروى هذا المسلسل قصة ديكستر مورغان  الذي يشتغل في قسم الشرطة الجنائية بميامي كمحلّل دماء في العلن، ويجسد ميولاته المرضية في السر والمتمثلة في القتل العمدي المتسلسل.

[3] – صراع العروش أو لعبة العروش ( مسلسل  ملحمي اقتبسه ديفيد بينيوف من رّواية ”  أغنية من ثلج ونار” للكاتب  جورج آر. آر مارتن.  يصور هذا االأساقفة منذ الذي يدور بين سبع عائلات للسيطرة على عرش المماليك في قارّتين خياليتين ويطرح في ثنايا هذا الصراع العديد من القضايا ذات الصلة بالحياة اليومية للبشر في الواقع مثل الجريمة، والعدالة، والدين والحرب والولاء وغيرها.

[4] – كنيسة سيستينا، هي إحدى قاعات القصر البابوي ، يعود إسمها إلى البابا سيستوس الرابع، الذي بناها في الفترة الممتدة من 1477 إلى 1483.  لقد اعتاد الأساقفة  منذ القرن 15 على الاجتماع في هذه الكنيسة من أجل انتخاب البابا جديد. وأصبحت اليوم تنتمي إلى متحف الفاتكان- المترجم.

[5] –  استكشف هذا الكهف لأول مرة في 18 ديسمبر 1994 في منطقة الأرديش بجنوب فرنسا. يتضمن العديد من الرسومات لمختلف الحيوانات. ويقدم هذا الإكتشاف شهادة عن الحياة في العصر الحجري القديم.  وللحفاظ على محتويات هذا الكهف من التلف تم إنشاء نسخة  له طبق الأصل في 2015 – المترجم

نُشر بواسطة د. نصرالدين

- د. نصر الدين لعياضي، كلية علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر - 11الجمهورية الجزائرية شارع مختار دود بن عكنون الجزائر العاصمة العنوان الإلكتروني: alayadi2014@outlook.com

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: