الرئيسية


رهانات تدريس الأنواع الصحفية في المنطقة العربية  في ظل مواقع الشبكات الاجتماعية

د. نصر الدين لعياضي

مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية ، جامعة الشارقة،  المجلد 8، العدد 2، يونيو 2011 ، ص ( 87-139)

 

ABSTRACT

The challenges of teaching Journalistic Genres in the Arab world in the era of social network  Sites

The researcher aims to study the experiments of some mass communication departments and colleges in the Arab countries in the pedagogical of the journalistic genres in terms of content, span of time, and teaching methods.

Based on the previous, the researcher tries to identify certain parameters of the college level education. For example, there is a need for examining the journalistic genres in the curriculum plans. Also, there is need for figuring out the epistemological boundaries in the educational process and how does this relate to the new changes in the field of mass media studies. Other areas of inspection include the: identity of the contemporary journalist, interactivity, and the changing nature and structure of the journalistic text.

.Even though many of the media schools and departments try the best to supply the market with well-trained media personnel, still many obstacles appear recurring in the field. First, there is no reciprocal cooperation between scholars of communication and media studies on the one hand and professional media personnel on the other hand in educating journalists. Second, many of the schools and departments of media studies do not offer innovative courses that meet the requirements of new media organizations in the Arab World.

Thus, the researcher demonstrates that the teaching of journalistic genres became a technical issue that benefits neither the scientific contributions of sociology and semiotics of mass media or the philosophy of communication in the age of social networks.

Key Words:  Journalistic Genres,  Informative Genres,  Editorial Genres,  Journalistic Field, text, Journalistic Paradigm

ملخص:

يستعرض الباحث تجربة بعض أقسام الإعلام وكلياته ومعاهده في المنطقة العربية في مجال تدريس الأنواع الصحفية Journalistic Genres من ناحية المضمون، والمدة الزمنية، وطرق التدريس.

وحاول أن يكشف عن حدود هذا التدريس من ناحية تناسق مساقاته عبر مراحل التعليم الجامعي،  وغياب بعض الأنواع الصحفية في الخطط الدراسية ، وبيّن الحدود المعرفية  في هذا التدريس  على ضوء التغييرات الكبرى الذي يعيشها عالم الإعلام والاتصال ، والتي طرحت الكثير من التساؤلات عن هوية الصحافي ودوره، و مكانة الجمهور المشارك بفاعلية في العملية الإعلامية التي تتسم بالتفاعلية، والتغيير الحاصل في مفهوم النص الصحفي وأشكال بنائه.

لقد سعت أقسام الإعلام وكلياته ومعاهده في المنطقة العربية لتلبية حاجات سوق العمل من خلال ربط  البعدين النظري والعملي  في تعليم الصحافيين. هذا ما يثبته  تزودها  بمختبرات المكنتوش واستوديوهات  الإذاعات والتلفزيون. لكن هذا المسعى يظل يعاني من عدة نقائص منها، هشاشة التعاون بين الأكاديميين والمهنيين في مجال تعليم الصحافيين من جهة، وسقوط مؤسسات التعليم الجامعي في الامتثال، بمعنى أنها تعيد إنتاج قوالب الكتابة الصحفية ذاتها، وكأنها قوالب جامدة لا تتطور بتطور متغيرات العمل الإعلامي، كما تكشف عنه الممارسة الإعلامية الحديثة في العالم وفي المنطقة العربية ذاتها.

و يبرهن الباحث على أن تدريس الأنواع الصحفية تحول في بعض أقسام الإعلام وكلياته في المنطقة العربية إلى مسألة تقنية أو شكلية. لا يستفيد من الزاد المعرفي في مجال سوسيولوجية وسيميولوجية  الإعلام والاتصال، واقتصاد المؤسسات الإعلامية، وفلسفة الاتصال في ظل الشبكات الاجتماعية في الانترنت.

الكلمات المفتاحية: النوع الصحفي، الأنواع  الإخبارية، الأنواع الصحفية الفكرية، البراديغم  الصحفي، الحقل الصحفي، النص.

المقدمة

يُعدّ تدريس الكتابة الصحفية العمود الفقري لتكوين الصحافيين. فالمؤسسات الإعلامية تُقيّم خريجي كليات الإعلام ومعاهده، عادة، بالنظر إلى مدى تحكمهم في الأنواع الصحفية. وإذا كان المهنيون والباحثون في مجال الصحافة في الدول المتقدمة قد وضعوا تدريس الأنواع الصحفية موضع تساؤل وتفكير منذ سنوات، فلم يشكل الحديث عن الأنواع الصحفية، في الأوساط الأكاديمية والمهنية في المنطقة العربية، هاجسا معرفيا أو مهنيا.

 إن ما يسمى الميدبا الجديدة جدّد النقاش حول الأنواع الصحفية، وطرح على مؤسسات تعليم الصحافيين الكثير من الأسئلة الجوهرية التي تتعلق بمشروعية أشكال الكتابة الصحفية التي ظهرت، وتطورت في ظل وسائل الإعلام الكلاسيكية، بل مشروعية وجود هذه الوسائل ذاتها.

إن صمود الصحافة المكتوبة في ظل التنافس بين الأشكال الإعلامية المختلفة، أو انتقالها إلى صحافة إلكترونية أو الاحتفاظ بطبعتيها: الورقية والالكترونية معا، هو اختيار لم تمله ضرورة تجارية فقط، بل فرضه التغيير الحاصل في ايكولوجية عالم الإعلام والاتصال، وصناعة الصحافة، وتمثّل الجمهور للوسيلة الإعلامية وموادها الصحفية.

إن النقاش الذي يتجدّد في اللقاءات التي تجمع المهنيين والأكاديميين في الدول الغربية، و تحول إلى هاجس أساسي، يختصره السؤال التالي: كيف ينعكس هذا التغيير الايكولوجي على مستوى أشكال التعبير الصحفي؟ بمعنى يمكن القول أن وسائل الإعلام، والصحافة المكتوبة تحديدا تعيش مرحلة التغيير في قوالب كتابتها نظرا لظروف إنتاجها، وتعدد المساهمين في حلقات إنتاجها، والاكراهات المرتبطة بظهورها في الشاشة وشروط قراءتها غير الخطية، وتغير موقع القارئ في المعادلة الإعلامية الكلاسيكية.

 نعتقد أن هذا النقاش لم ينطلق بعد في المنطقة العربية ليس لقلة المنابر التي تجمع المهنيين والأكاديميين فحسب، بل لأن اللقاءات التي اقتصرت على المهنيين، أو الأكاديميين، تجنبت طرح مثل هذه التساؤلات لأسباب موضوعية وذاتية لا يسع المقام لذكرها. أما المواعيد التي فتحت جسور اللقاء والنقاش بين المهنيين والأكاديميين فقد استحوذ عليها الهاجس السياسي والانشغال التقني اللذان قاداها إلى المراهنة على فناء الصحافة المكتوبة والاحتفاء بالصحافة الإلكترونية.

إشكالية الدراسة:

إنّ مراجعة بعض البحوث العلمية حول الأنواع الصحفية تؤكد أنها صيغ تعبيرية غير جامدة، تتميز بمرونتها ومقدرتها على التجدد والتغيير. فثباتها واستقرارها في الممارسة الصحفية يكتسي طابع النسبية. والسؤال النظري الذي يثار عادة يتمثل في طبيعة القوانين التي تتحكم في استقرارها النسبي، والعوامل التي تتدخل في تجديدها وتغييرها.

فإذا كان تغيير الأنواع الصحفية في العقود السابقة يتسم ببطء ولا يتجلى إلا عبر التراكم الطويل  نتيجة ثقل الترسبات الثقافية والاجتماعية والسياسية، ووطأة تقاليد العمل الصحفي وروتينه، فإن التغيير في الأنواع الصحفية أصبح، اليوم، أسرعا، وأكثر إلحاح ضمن إيكولوجية الإعلام الجديد وتنوع وسائطه المختلفة.

إن محاولة طرح مسألة التغيير/التجديد في أشكال الكتابة الصحفية في المنطقة العربية يتطلب التفكير في مؤسسات تدريس الصحافة والإعلام التي من المفروض أن تواكب كل جديد يطرأ على الأنواع الصحفية كما تتجلى في الممارسة المهنية. فما هو المنطق الذي يتحكم في تدريس الأنواع الصحفية في المنطقة العربية؟ وكيف تتمثل كليات الإعلام ومعاهده الكتابة الصحفية في ظل الإيكولوجية الجديدة التي يعيشها حقل الإعلام والاتصال؟

تساؤلات البحث:

ما هو حجم الاهتمام الذي توليه الكليات ومعاهد الإعلام في المنطقة العربية لتدريس الأنواع الصحفية؟

ما هي أهم المفردات التي يُعتمد عليها لتأهيل طلاب الصحافة قصد تمكينهم من التحكم في الكتابة الصحفية على الصعيدين النظري والعملي؟

كيف يصمد منطق تدريس الكتابة الصحفية في كليات الإعلام ومعاهده في  ظل الايكولوجية الجديدة للإعلام، أو يتكيّف معها؟

منهج البحث وأدواته :

اعتمد الباحث على المنهج الوصفي المقارن لدراسة الخطط التدريسية التي تطرحها بعض كليات الإعلام ومعاهده في المنطقة العربية. ووظف تقنية تحليل المضمون معتمدا على وحدات التحليل والتصنيف التالية:  المساق التدريسي[1]، حجم الساعات التدريسية للأنواع الصحفية والمساقات المساندة، ومجمل الساعات التدريسية المعتمدة في الخطط التدريسية،  وعدد مساقات الأنواع الصحفية مع الساعات الممنوحة للمساقات المساندة، وعدد المساقات المطروحة في الخطط الدراسية لنيل شهادة البكالوريوس في الصحافة. هذا مع الإشارة إلى الباحث قام بتحليل الخطط الدراسية الخاصة بتخصص الصحافة المكتوبة دون غيرها.

 وقد اعتمد الباحث على عينة قصدية قوامها ثماني كليات الإعلام في المنطقة العربية[2]، نعتقد أنها تغطي مجمل المدارس والرؤى لتدريس الصحافة في المنطقة العربية.  إن القصدية هنا فرضتها طبيعة البحث الذي يشترط الإطلاع على الخطة التدريسية وتوصيف مساقاتها. فالقليل من كليات الإعلام في المنطقة العربية تنشر خطتها التدريسية مع توصيف وحداتها التدريسية. والعديد من كليات الإعلام لا تنشر خطتها الدراسية ، وبعضها يكتفي بنشر محاور التدريس بالكلية فقط. لذا اعتمد الباحث على عينة من الكليات التي توفر معلومات عن خطتها الدراسية في مجال الصحافة المكتوبة. وتجنب إدخال المعاهد والمدارس غير الجامعية ضمن مجتمع بحثه.

وقد قارن الباحث بين الوحدات إحصائيا للكشف عن التطابق والاختلاف في تدريس الأنواع الصحفية    في المعاهد وكليات الإعلام في المنطقة العربية.

لقد بدا للباحث أن أداة تحليل المضمون قاصرة عن معالجة الإشكالية المطروحة أعلاه، والإجابة على أسئلة البحث. لذا لجأ الباحث إلى توظيف إحدى أدوات البحوث الكيفية، وهي الملاحظة بالمشاركة. وقد تشكلت هذه الملاحظة لدى الباحث من خلال ممارسته للتدريس الأنواع الصحفية في عدة جامعات عربية لعدة سنوات، ومعايشته لأساتذة الإعلام في العديد من الجامعات العربية، واستمراره في الكتابة للصحف والمجلات العربية، واحتكاكه الدائم بالصحافيين، ومواكبته لأشكال التعبير الصحفي فيها. وقد تعززت هذه الملاحظة من خلال إطلاع الباحث على كل ما يستجد على صعيد التفكير في مجال الأنواع الصحفية.

الدراسات السابقة:

لم يشكل تدريس الأنواع الصحفية موضوع بحث مستقل في التراث العلمي حول علوم الإعلام والاتصال في المنطقة العربية، بل احتل جزءا من الاهتمام الكبير بمسألة تكوين الصحافيين وتأهيلهم الذي يعتقد الكثيرون من خاضوا فيها بأنها تظل مطروحة في كل الحقب التاريخية  بسبب التغيرات الاجتماعية والثقافية والتطور التكنولوجي المتزايد.( Rieffel ، 2001، Larue-Langlois ، 1989) وقد شاركت بعض البحوث العربية القليلة في التفكير في مسألة تكوين الصحافيين وتأهيلهم خاصة في مجال التلفزيون، وطالبت ” بضرورة إعادة النظر في أساليبه لأنه لا يستند إلى رصيد فكري معرفي، ولا يملك إطارا نظريا يكون بمثابة المرجعيّة العلميّة. إنّه يجري على نحو يغيّب التفكير في ما يحيط بالصّورة من أطروحات وأدبيات تفسّر وظائفها وتحلّل أبعادها؛ أي إنّه غارق برمّته في المنظومة التقنية الخالصة.( الحيدري، 2005)

ويظل الاهتمام الفكري والمعرفي بالأنواع الصحفية في المنطقة العربية شبه غائبا مقارنة بعدد البحوث والدراسات التي حظيت بها في فضاءات ثقافية مختلفة، حيث يمكن أن نذكر على سبيل المثال، وليس الحصر، برنامج البحث الذي حمل عنوان: “الهجانة وإبداع الأنواع الإعلامية: حقائق، وتمثّلات، واستخدامات تحولات الإعلام” (Ringoot ,Utard ،2009: 215)، والذي جمع 27 باحثا من مجالات علمية متعددة وبلدان مختلفة: كندا، وفرنسا، والبرازيل”. لقد تساءل الباحثون عن الأنواع الصحفية باعتبارها قرائن لتطور الإنتاج الصحفي على المستويات الثلاثة التالية: القواعد الخطابية المتحكمة في الإنتاج الصحفي ، والعلاقة بين الأنواع الصحفية والخط التحريري أو سياسة الوسيلة الإعلامية، وتحولات الأنواع الصحفية في الصحافة الوطنية، والمقارنة بين الأنواع الصحفية عبر الثقافات…

حاولت القليل من البحوث العربية استبصار أشكال الصحافة في المنطقة العربية من خلال دراسة الصحافة الإلكترونية، حيث يمكن أن نذكر في هذا المقام، البحث المعنون: الصحافة الإلكترونية: أحادية الشكل وتعدد المضامين أم أنواع صحفية جديدة؟ ( لعياضي، 2006 : 20 ) و” تجديد الإعلام: مناقشة حول هوية الصحافة الإلكترونية”. ( الحمامي،2009)  وقد تقاطع البحثان مع العديد من الإشغالات العلمية التي اهتم بها العديد من الباحثين الغربيين والتي ركزت على أشكال الكتابة الصحفية في صحافة الانترنت وتأثيرها على قوالب التعبير الصحفي الكلاسيكي.

نتائج تحليل الخطط التدريسية للأنواع الصحفية في الكليات في المنطقة العربية:                          تتراوح مدة الحصول على شهادة البكالوريوس صحافة في كليات الإعلام ومعاهده في المنطقة العربية  ما بين  170 ساعة ( قسم الإعلام، بكلية الآداب بجامعة عدن)، و125 ساعة (  قسم الإعلام بكلية الآداب، جامعة 7 أكوبر بليبيا)-

كما تتراوح نسبة الحصة الزمنية التي  تحظى بها مساقات الأنواع الصحفية والمساقات المساندة ما بين 6% من مجمل الساعات التي حددتها الخطة الدراسية لكلية الإعلام بالقاهرة، و17% من مجمل الساعات التدريسية في قسم الإعلام والسياحة بكلية الآداب بالبحرين. وهي النسبة ذاتها التي تعبر عن علاقة مساقات الأنواع الصحفية بمجمل المساقات التي تتضمنها الخطط الدراسية.

تكتفي بعض الكليات بتدريس الكتابة الصحفية فقط، كما هو شأن في كليتي الإعلام في القاهرة وبغداد. بينما تسعى الكليات الأخرى، بدرجات متفاوتة، إلى إضافة تدريس مساق الكتابة الإعلامية والكتابة الإذاعية ، كما هو الأمر بالنسبة قسم الإعلام بكلية الآداب، جامعة 7 أكوبر بليبيا- والكتابة لوكالات الأنباء  بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار.

لتقريب تدريس الأنواع الصحفية من الممارسة اكتفت بعض الكليات بتخصيص مساق للتدريب على الكتابة الصحفية سواء في المؤسسات الإعلامية أو داخل الكلية، أو توجيه الطلبة لإعداد أنواع صحفية ثقيلة       ( تحقيق صحفي، ريبورتاج)، كما هو الأمر بالنسبة  لقسم الاتصال الجماهيري، بكلية الآداب، جامعة الإمارات، وقسم الإعلام، بكلية الآداب بجامعة عدن، وقسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز بالسعودية. واتجهت الكليات الأخرى إلى إدراج مساقات ضمن الخطة الدراسية وهي عبارة عن معمل أو ورشة تحمل عناوين مختلفة، مثل ورشة الكتابة الصحفية، أو تطبيقات في الصحافة، كما هو الأمر بالنسبة لكلية الإعلام بالقاهرة وبغداد، ومعهد علوم الأخبار بتونس، وقسم الإعلام والسياحة بكلية الآداب بالبحرين.

تختلف أساليب تدريس مساقات الكتابة الصحفية في كليات الإعلام في المنطقة العربية فبعضها يفصل بين النظري والتطبيقي من ناحية عدد الساعات، كما هو الشأن في معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس، وقسم الإعلام بليبيا، وقسم الإعلام باليمن(عدن). لقد خصصت هذه المؤسسات الجامعية ساعات عملية لتطوير مهارات طلاب الصحافة وتدريبهم على كتابة ما تعلموه نظريا. ويتراوح حجمها الساعاتي ما بين 5 ساعات، و18 ساعة ( وهذه عبارة عن أعمال موجهة يطبقها معهد الصحافة وعلوم الأخبار تمتزج فيها مراجعة المعلومات النظرية وممارستها). أما بقية الأقسام وكليات الإعلام فقد تركت الأمر بيد أستاذ المساق الذي يمكنه أن يخصص جزءا من محاضراته إلى الممارسة إذا أراد ذلك، أو يكلف الطلبة بكتابة أنواع صحفية معينة خارج الوقت المخصص للمحاضرة.

يبدو أن ما سبقه ذكره من اختلاف في تدريس الكتابة الصحفية أمر طبيعي، لأنه يعبر عن اختلاف المدارس في تكوين وتأهيل الصحافيين في المنطقة العربية ومرجعياتها، وهو الاختلاف الذي نشاهده على مستوى دولي.  فتقسم ساعات تدريس الأنواع الصحفية في العديد من المؤسسات الجامعية الأوربية إلى قسمين: قسم نظري، وقسم عملي. وإن كانت الأهمية تولى إلى القسم النظري. أما في التجربة الأنجلو سكسونية والأمريكية تحديدا، فيمتزج النظري بالعملي. لكن تشترك التجربتان في الاستفادة من خبرات المهنيين في تدريس الكتابة الصحفية.

لقد كشفت التجربة أن نسبة تدريس الأنواع الصحفية من مجمل الساعات المحددة في الخطة الدراسية تبدو غير كافية، لأن الكثير من الطلبة يلتحقون بكليات الإعلام دون أن يتحكموا في قواعد الكتابة بصفة عامة. لكن المسألة لا تقف عند الكم، بل تطرح ما هو أعمق.

لتوضيح جوهر الأنواع الصحفية، والاختلاف بينها نورد التصنيفات التالية:

التصنيف الأول: قدمه الباحث De Baucker  Masé  (Adam، 1997) ، حيث وضع الأنواع الصحفية الكبرى ضمن خانتين فقط، وهما: الأنواع الإخبارية والأنواع التعليقيةof  Commentaries   Genres . وهذا التصنيف يقوم على مسلمة الفصل بين الخبر والتعليق بالاستناد إلى المعايير الثلاثة التالية: الموضوع، وقصدية الكتابة الصحفية. بمعنى هل تستهدف هذه الأنواع الصحفية الإخبار والتبليغ أو تفسير الأحداث والتعليق عنها؟ وما هو موقف الصحافي في خطابه؟ وما هي مصادره الإخبارية؟

التصنيف الثاني ( لعياضي، 2007: 30،31 ) يرى أن الأنواع الصحفية تتسم بثرائها ومساهماتها المختلفة والمتباينة في بناء الواقع، فتصنيفها يجب أن يعكس هذا الثراء ويكون أكثر شمولية، ويعتمد على معايير متعددة تتجاوز القصدية والموضوع، والموقف من المصدر لتشمل حجم المادة الصحفية، وعملية تلفظها، وآنيتها، لذا أدرجها في مجموعات تبدو أنها متقاربة، مثل الأنواع الإخبارية ( الخبر والتقرير الصحفيين)، والأنواع الفكرية ( المقال الافتتاحي، والمقال التحليلي، والعمود الصحفي)، والأنواع الاستقصائية ( التحقيق الصحفي) والأنواع التعبيرية ( الريبورتاج، والبورتري( Portrait  ) أو البروفايل )  (Profil  .

لا يأخذ تدريس مساقات الكتابة الصحفية في العديد من كليات الإعلام وأقسامه في المنطقة العربية بعين الاعتبار مسألة التدرج المعرفي والعملي للأنواع المصنفة أعلاه. فجل الكليات والمعاهد الإعلامية في الدول المتقدمة تشرع في تدريس الأنواع الإخبارية أولا، ثم تنتقل إلى تدريس بقية الأنواع وذلك انطلاقا من فهم صائب وهو أنه من الصعب التحكم في الأنواع الصحفية الفكرية، والاستقصائية، بدون التعرف على الأنواع الإخبارية. بيد أن بعض كليات الإعلام القليلة تحشر تدّريس التقرير الصحفي وسط الأنواع الفكرية، أو تنتقل مباشرة من تدرّيس الخبر الصحفي إلى تدريس التحقيق الصحفي. وهذا خلافا للتصور الذي يرى أن تدريس التحقيق الصحفي يجب أن يتوج التحصيل العلمي في جميع مساقات الكتابة الصحفية لأنه يستوعب الكثير من العناصر الأنطولوجية للأنواع الصحفية؛ أي أنه يتطلب الإلمام بالوظيفة الإخبارية التي يقوم بها الخبر والتقرير الصحفيين ( لأنها تجيب على سؤال ماذا جرى؟، واستيعاب مقومات المقابلة الصحفية ( تقديم شهادة أو خبرة…) والتحكم في الكتابة التي تحلل الأحداث ( المقال الصحفي).

إذا كان معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس يُدرّس الريبورتاج، ويتعامل مع البورتري كصنف من أصناف الحديث الصحفي، فإن الكثير من معاهد الإعلام  وكلياته في المنطقة العربية لا تتجاهل تدريس الأنواع الصحفية التعبيرية، مثل البورتري و الريبورتاج، على وجه التحديد، فقط بل تنفي مشروعية هذا الأخير كنوع صحفي قائم بذاته، وتنكر وجوده كشكل من أشكال الكتابة الصحفية الأكثر نبلا، والذي بُني عليه التمثّل الجماعي للمراسل الصحفي في المنتصف الثاني من القرن العشرين

يرتبط الريبورتاج في ذهن المهنيين في الدول الأوربية بالممر الذي انتقل عبره الكثير من الكتاب إلى عالم الأدب.[3] لقد ظهر هذا النوع الصحفي في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة الممتدة من 1861 إلى 1865، وأرسى الأسس المهنية للصحافة، لأنه أنزل الصحافي إلى الميدان لمتابعة ما يطرأ من تغيرات في الحياة اليومية، وليكون” الشاهد” المؤقت على حدوثها.( Balle ، 1987: 87)

إن الريبورتاج الذي يعبر عن ازدهار عصر الصحافة التجارية التي أطرت الصحافة الإخبارية طرح على الصحافة الأوروبية ضرورة الانتقال من سيطرة الكتابة ذات الطابع الفكري، التي انشغلت بتأويل ما يجري،  إلى الكتابة الصحفية التي تهتم بما يجري ( أي نقل الأحداث والوقائع). ويجد هذا الاهتمام  جذوره الفلسفية في السوسيولوجية الوظيفية (Ruellan ، 2008)  التي حررت العمل الصحفي من ارتباطه بالمصادر الرسمية والمؤسساتية، وفتحته على تعددية المصادر ليستقي معلوماته من مختلف الأطراف الاجتماعية بما فيها المواطن العادي.

فإذا كان تطور الريبورتاج الصحفي الذي يقوم على الالتصاق بتفاصيل الواقع قد أثار نقاشا نظريا حول البعد الذاتي في الكتابة الصحفية، فإنه  ساهم في تعزيز شرعية للصحافة التجارية التي سعت للانفلات من الرقابة الكلاسيكية التي تمارسها السلطة السياسية، وشارك في تأسيس الصحافة المعاصرة  وهي تعيش مرحلة تصنيعها، حيث أضحى جمع المعلومات والأخبار نشاطا اقتصاديا مربحا.(Ruellan ، 2008)

إن تغييب تدّريس الريبورتاج في الكثير من كليات الإعلام وأقسامه يمكن تفسيره بقلة استخدامه في وسائل الإعلام العربية، والصحافة تحديدا، لأن الصحافة العربية تغذت ولا زالت تتغذى من الترسبات التاريخية والاجتماعية، والتي دفعتها إلى تجسيد انشغال سياسي وثقافي، وحمّلتها رسالة نضالية وكفاحية. لذا نلاحظ أن الصحف العربية تبجل المقال، وتتعالى على الخبر الذي يشكل لحّمة الأنواع الصحفية.  فولع الصحف العربية بالمقال، وانشغالها بكل ما هو رسمي جعل الخطاب الصحفي العربي شديد الارتباط بالخطاب السياسي، يتغذى أساسا بالمقال والتقرير الصحفي. والنتيجة أن التقرير هيمن في  الممارسة الصحفية وتدّريسها الأكاديمي لأنه  يتناغم مع النشاط الرسمي والمؤسساتي أكثر من الريبورتاج، لكن ظروف الدول العربية تغيرت، ووسائل انتقال المعلومات تغيرت هي الأخرى ولم تعد حكرا على المؤسسات الرسمية.

إن تدريس الكتابة الصحفية في أكثر من جامعة عربية، والاحتكاك بتجارب مختلف الأساتذة العرب من جامعات عربية مختلفة يؤكدان أن تدريس الأنواع الصحفية لم يستفيد بشكل مباشر أو غير مباشر، من تقاليد السرد في الثقافة العربية الإسلامية.

إن المتتبع الحصيف للتراث العربي الإسلامي يعثر فيه على بعض سمات الريبورتاج. هذا ما نلاحظه على سبيل المثال في كتاب تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار لابن بطوطة، والذي يروي فيه رحلاته التي قادته إلى الهند والصين. وكتاب أحمد بن العباس بن رشد بن حماد المعروف باسم بن فضلان  الذي يسرد فيه رحلته إلى  روسيا وبلغاريا.

ولم يستلهم تدّريس الأنواع الصحفية على الصعيد النظري مما توصلت إليه الأنواع الأدبية العربية التي تعد أكثر تأثرا بالمتغيرات الثقافية والفكرية في العالم والمنطقة العربية. فمفهوم النص الصحفي المفتوح الذي يعني عدم خضوعه لنمطية القالب الواحد في الكتابة نتيجة الكتابة في شبكة الانترنت وفق منطق النص الفائق أو الفائض HyperText قد وجد في الأدب. ومارسه بعض الأدباء العرب في إنتاجهم الروائي الذي اجتمعت فيه عناصر الرواية والشعر والقصة القصيرة والمقالة. ( العزاوي،2000 )

يوجد عدد قليل من كليات الإعلام في المنطقة العربية التي أدرجت الصحافة الإلكترونية في تكوين الصحافيين. إن هذا الإدراج في اعتقادنا يطرح ضمن مطلب إطلاع الطالب على خصوصية الصحافة الإلكترونية، وتعريف الطلبة بالفرق بينها وبين الصحافة الورقية على صعيد الإخراج والتبويب، والمواد الصحفية المنشورة، أكثر من التفكير في التحول الجذري الذي تعيشه الصحافة اليوم على صعيد الكتابة والهوية، والناجم عن العديد من العوامل والتي تساهم كلها في تطور النظرة لما هو النص الصحافي وأشكال بنائه أو تشظيه.

أعتقد أن التصور المعمول به في تدريس ” الكتابة الصحفية” يقف عند طموح واحد ومحدد: تخريج طلاب يستطيعون أن يتأقلموا بسرعة مع ظروف العمل الصحفي والبيئة التقنية لهذه الوسيلة الإعلامية أو تلك، ويلتحقون بسرعة في دورة الإنتاج الصحفي. وهذا خلافا لخريجي بقية العلوم الاجتماعية والإنسانية الذين يقضون فترة أطول حتى يعول عليهم في المؤسسة الصحفية. ولعل هذا الطموح كان وراء إدراج بعض أقسام، مثل  قسم الإعلام  بجامعتي الإمارات والبحرين، مساقات ذات طابع تقني- إجرائي في الخطة التدريسية، وهو استخدام الكمبيوتر وبرامجه في تأهيل الصحافيين لجمع المعلومات، و إظهار البيانات والإحصائيات بشكل أسرع وأدق باستخدام برنامح SPSS، و ميكروسفوت أوفيس أكسس، وإكسال، وون نوت ( Microsoft Office One Note )

يبدو أن هذا الطموح منطقي ومبرر لأنه يسعى إلى التناغم مع متطلب سوق العمل في المجال الإعلامي، لكنه يعاني من نقيصتين. النقيصة الأولى وتتمثل في دفع التعليم الجامعي في مجال الإعلام إلى الامتثال؛ أي تكوين صحافيين قادرين على إعادة إنتاج قوالب الكتابة المهيمنة في وسائل الإعلام بدون امتلاك رصيد معرفي يسمح لهم بتجاوزها. لقد شكلت هذه النقيصة مأخذا على معهد تكوين الصحافيين الفرنسيين، الذي يُعّد أقدم وأبرز هيئة تعليم مهن الصحافة والإعلام في فرنسا. لقد اتهم بأنه مصنع لإنتاج الامتثال في الصحافة، لأنه يعكف على تدريب الصحافيين على القوالب التعبيرية ذاتها بالأسلوب ذاته الذي ظل سجين الصور النمطية لارتهانه لسلطة المال التي تتحكم في معظم وسائل الإعلام الفرنسية. (Ruffin، 2003)

ما يرسخ هذا الاعتقاد هو عدم انفتاح تدّريس الكتابة الصحفية في المنطقة العربية على المهنيين، وغلق المعرفة النظرية في مجال الكتابة على بعض الكتب المقررة، التي تتوارث المعلومات ذاتها مجسدة منطق ” المحلية الأكاديمية”. وبهذا فإنها لم تتجدد بما ينشره المهنيون عن تجاربهم وخبراتهم المهنية، ولا تثري بما يستجد من الكتابات الفكرية الخاصة بتطور أشكال الكتابة الصحفية في العالم، والتي تناولها بالتفصيل لاحقا. هذا إضافة إلى وجود نسبة من أساتذة الصحافة في الجامعات العربية لا تملك رصيدا مهنيا في مجال الممارسة الصحفية، واستمرار القطيعة، بهذا القدر أو ذاك، بين الأكاديميين والمهنيين.

تأسيسا على ما تقدم نعتقد أن مسمى ” الكتابة الصحفية أو الإعلامية”، و” فنيات التحرير” أو التحرير الصحفي” المدرج في الخطط الدراسية في أقسام وكليات الإعلام العربية يرسخ الفهم السائد والمتمثل في أن تدريسها مسألة تقنية تختصر في تلقين الطالب مجموعة من القوانين المرتبطة ببعض الأنواع الصحفية، وليس كلها، وتطبيقها على الأحداث والوقائع. وبهذا توحي ضمنيا بأن الكتابة الصحافية ظلت على ما هي عليه منذ  ظهور الصحف الأولى في المنتصف الأول من القرن السابع عشر! لهذا نلاحظ أن المؤسسات الأكاديمية المكلفة بتكوين الصحافيين وتأهيلها، تتجنب التعامل مع الكتابة الصحفية   في بعدها الفكري، أي لا تحولها إلى إشكالية ترتبط بكيفية نشوء الأنواع الصحفية والعوامل المتحكمة في تطورها، أي لم تضعها في نقطة تقاطع الكثير من العلوم: اللسانيات، السيمولوجيا، علم الاجتماع، الفلسفة، كما هو معمول به في أقسام الأدب وكلياته التي تعكف على تدريس الأنواع الأدبية. وحتى كليات الصحافة في أوربا. فالمدرسة العليا للصحافة بمدينة  ليلLile الفرنسية رفدت تدريس الكتابة الصحفية بمساق خاص بالتفكير في تعقد مهنة الكتابة الصحفية.

يمكن القول من باب الإنصاف، أن الكثير من كليات الإعلام وأقسامه، تمهد لتدريس ” الكتابة الصحفية أو الإعلامية” بمادة معرفية عن الفرق بين الصحافة والأدب، وخصائص الأسلوبين الصحفي والأدبي. وقد تجد هذه المادة مبرر وجودها في مساهمة المؤسسات الأكاديمية في تحرير الكتابة الصحفية من الإرث الأدبي الذي أثقلها. فالكل يعلم أن الصحافة في المنطقة العربية لم تظهر، في بدايتها، في شكلها اليومي الإخباري الذي يسمح لها بمتابعة الأحداث ونقلها بآنيتها، كما أن أغلبية محرريها كانوا من الأدباء والمصلحين إلى درجة أن بعض الأحداث الدولية كانت تنقل شعرا في الصحافة![4] لكن الأمور تغيرت، ولا توجد ضرورة للحديث المسهب عن الفرق بين الأدب والصحافة. فالضرورة تكمن في تشخيص الفرق بين الخطاب السياسي والإعلامي. فالكل يعلم أن الخطاب السياسي قد ” اغتصب” الخطاب الإعلامي في المنطقة العربية منذ  الخمسينيات من القرن الماضي.

إذا من أجل فهم رهانات تدريس الكتابة الصحافية في ظل الإعلام الجديد يجب التوقف قليلا عند الفهم السائد للأنواع الصحفية وتمثّل Representation لتطورها في الوسط الأكاديمي.

 أطروحتان لإدراك التغيرات التي عاشتها وتعيشها الصحافة.

من الصعب أن نفهم الأنواع الصحفية بدون إدراك أن الصحافة كائن حي يتغير، ويتجدد بفعل مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. فالمقارنة بين نسخ الصحف الأولى التي ظهرت في مطلع القرن التاسع عشر، وطبعات بعض عناوين الصحف الحالية، يبرز التغيير الكبير في سجل مواضيع المادة الصحفية، ومحتوياتها، وطرق تبويبها وإخراجها. ويكشف عن تطور أشكال كتابتها. إن هذه التغييرات لم تحدث مرة واحدة، ولم تسلك مسلكا خطيا، ولم تقض على كل تقاليد الممارسة الصحفية السابقة، بل كانت وليدة مسار معقد، ومتفاوت التأثير من منطقة إلى أخرى.

يفضل الباحث فرنسو دُمير (Demers، 2007) وصف هذا المسار بـ” الفك وإعادة التركيب”، بينما يعبر عنه  :Camille Laville  2008 بتغيير التشَكًل أو التكوين  Configuration الذي استلهمه من كتابات الباحث  Norbert Elias ، فيرى ( أن  الممارسات الصحفية تندرج ضمن عملية تشكيل تؤسسها مجموعة من العوامل الاقتصادية والثقافية والتقنية والسياسية.  فكل هذه العوامل تتجسم في الواقع الملموس الذي تصنعه المؤسسات، والفاعلون، والتقنيات. إنها تصنع تشكيلا غير ثابت، يتطور عبر التاريخ.”)

الأطروحة الأولى:  “براديغم” الصحافة    journalistic paradigm

لفهم منطق هذا التشكيل، يوظف الباحثان الكنديان: جون دو بوفيل  Jean de Bonville، و جون شارو Jean Charron  مفهوم  براديغم الصحافة journalistic paradigm. ويعرفانه بأنه  نسق معياري أنجبته الممارسة القائمة على الأنموذج والمحاكاة، ويتشكل من افتراضات، ومخططات تأويلية، وقيم وقوالب نموذجية ترجع  إليها جماعة من الصحافيين في إطار زماني ومكاني محدد. وتعمل على تمتين انتمائهم. وتستخدم لإعطاء شرعية للممارسة الصحفية. (Charron ،Bonville، 2000)

عند تنزيل هذا النسق المعياري في أرض الواقع يصبح يغطي ما يمتلكه الصحافيون من قواعد إنتاج المادة الصحفية. وهذه القواعد ليست ذات طبيعة قانونية أو أخلاقية، كما يذهب إليه الباحثان، بل جملة من المعايير الشكلية المتسترة التي يستبطنها الصحافي في الممارسة، وتحدد ما يجب قوله في هذا القالب الصحفي، والأسلوب الذي يقال به، وما لا يجب قوله، بل تفرز جملة من القوالب التي يمكن أن تستوعب هذا النوع من القول أو ذاك.

يرى الباحثان المذكوران أن براديغم صحافة الاتصال نابع من التغيير الحاصل في التصور للإعلام Information، حيث أصبح مختلفا عما كان سائدا من تصورات سابقة، إذ يؤكدا بأن مفهوم الإعلام أصبح في الصحافة المعاصرة يغطي حقلا سميائيا أكثر اتساعا من ذاك الذي يحصره  في نقل، و الإخبار أو التعليق عن الأحداث السياسية والدبلوماسية. وقد حاول الإعلامي بونوا رفائيل (Benoit ، 2008  )   حصر ثماني” جينات” Genes التي يتكون منها الحامض النووي  DNA Deoxyribonucleic acid   الجديد للإعلام في العصر المعاصر في مدونته الإلكترونية،  وهي كالتالي: التشظي الفائق، والتراكم من وحدات إعلامية صغرى، والنقل المباشر، ورشة مفتوحة دائما، ذو طابع اجتماعي أكثر، شخصي أكثر، لا يخضع لتراتبية الوسيلة الإعلامية مثلما كان في السابق، ذو قابلية لإعادة للتشكُل. وعلى هذا الأساس تغيرت الصحافة المعاصرة بفعل الجينات الجديدة التي غيرت محتوى الإعلام وشكله.

 يرى البعض أن سبب بروز براديغم صحافة الاتصال يعود إلى التغيير الحاصل في تمثّل المؤسسات الصحفية ومنتجيها للجمهور. فالجمهور كان مناضلا في تصور صحافة الرأي ، ومواطنا في تصور الصحافة الإخبارية يتمتع بحقه في الإعلام والمعرفة، وزبونا في تصور صحافة الاتصال ينتظر من وسائل الإعلام أن تقدم له سلعة.

الأطروحة الثانية: التشكيل الخطابي للصحافة   journalistic discursive formation

وظف الباحثان  روزلين رنغوت Roselyne Ringoot  وجون ميشال  ايوتار    Jean-Michel Utard أطروحة أخرى لشرح التحولات التي تعيشها الصحافة، إنها أطروحة  التشكيل الخطابي للصحافة   journalistic discursive formation   (Ringoot ، Ruellan ، 2006)

ويرى الباحثان أن التشكيل الخطابي للصحافة يعبر عن حالة من التجاذب بين النظام والتشتت. فالمقصود بالنظام قواعد العمل الصحفي أما التشتت فعبر عن التغيير في أشكال الكتابة الناجم عن المؤثرات الخارجية التي تؤثر على الصحافة باعتبارها مؤسسة. فإذا سلمنا بنظام الخطاب الصحفي، فإننا نسلم، أيضا، بالتشتت القادم من خارج الخطاب. (Ruellan ، Ringoot ، 6200)

إذا كانت الأطروحتان تشتركان في الإيمان بأن الصحافة هي اختراع اجتماعي متجدد، تعكس ديناميكية التغيير وتساهم فيها، فإنهما تختلفان في الرؤية لثقل وتأثير القواعد والانتظام regularities  & rules. )  Charron ، Bonville: 1996)  في إنتاج المادة أو الخطاب الصحفي.

تعتقد أطروحة البراديغم الصحفي أن القواعد rules  المختلفة تشكل نظاما معياريا؛ أي أنها هي التي تؤدي إلى انتظام الإنتاج الصحفي وتواتره وفق نفس المواصفات. بينما يرى أصحاب أطروحة التشكيل الخطابي للصحافة أن هذه المعيارية تتشكل من خلال الانتظام، والانتظام لا يأتي من داخل المؤسسة الصحفية بل تفرضه مختل قوى خارجية.

لتوضيح الاختلاف بين الأطروحتين يمكن القول أن أصحاب الأطروحة الأولى يعتبرون الأنواع الصحفية هي قواعد إنتاج المادة الصحفية، بينما يعتبرها أصحاب الأطروحة الثانية أن هذه الأنواع هي مظهر مؤقت لمسار في الكتابة أو الإنتاج.

إن القواعد التي تحدث عنها أصحاب الأطروحة الأولى تتعلق بالنشر والكتابة، ويمكن أن تكون ذات طبيعة إجرائية أو سميائية أو معيارية. فالمقارنة بين الأنواع الصحفية المختلفة: الخبر، والريبورتاج والتقرير، والتحقيق الصحفي تبيّن أن هذه القواعد إجبارية وملزمة وتفرض على كل خطاب ينتجه هذا النوع الصحفي أو ذاك. وبهذا فإن هذه القواعد هي تأسيسية بالنسبة للأنواع الصحفية. والأكثر من هذا أنها تكتسي طابعا كونيا وتتسم بصرامتها. بينما لا تنفي الأطروحة الثانية هذه القواعد، لكن لا تعطيها القوة والتأثير ذاته، بل تراها بجانب عناصر أخرى، مثل:  الموضوع، ونمط التلفظ، وتراها عبارة عن استراتيجيات تنتظم لتتحول إلى قواعد.)  Charron ، Bonville، 1996)

إذا الأطروحة الأولى تقر بحالة من الثبات والاستقرار في الكتابة الصحفية، ضمن أفق الانتظام. بينما تؤكد الأطروحة  الثانية طابع التغيير في الكتابة الصحفية. فهذه الأخيرة لا تتغير بفعل القواعد الداخلية التي تتحكم فيها والتي تتحول إلى قوة محايثة تعيد إنتاجها، بل تتطور بفعل ما ” يوجد من الخارج في داخلها”، أي بفعل الأطر الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والسياسية والثقافية والفاعلين الذي ينتجون خطابات اجتماعية مختلفة فتمنحها استقرارا مؤقتا.

يجد  بعض الباحثين صعوبة في فهم الأنواع الصحفية على ضوء الأطروحتين المذكورتين، لأنهما يشترطان التمييز الدقيق بين الثابت والمتغير في الصحافة. ويقترحون الانطلاق في مناقشة الأنواع الصحفية من زاوية النص. وبهذا، فإنهم يسايرون اللسانيين الذين يعتبرون هذه الأنواع ظاهرة لسانية. ويحصرون النص في التعريف الذي قدمه له اللساني برونكارت جون بيار Bronckart J.-P.؛ ولخصته Florimond فيما يلي: ( هو كل وحدة منتجة لفظيا تنقل رسالة منظمة لسانيا وتسعى إلى ممارسة تأثير منسجم على متلقيها. فهذه الوحدة اللفظية يمكن أن نعتبرها كوحدة اتصالية بدرجة أساسية.) (Florimond، 2002). فكل نص يحافظ على مجموعة من العناصر التي تزوده بنوع من الاستقرار من جهة، وتحدد موقعه بالنسبة لبقية النصوص. فطائفة النصوص التي تلتقي في قواسم مشتركة يمكن القول أنها تشكل نوعا. فالنص الصحفي يتشكل من العناصر التي حصرها  خضور ، 1993: 57، 58) في: الموضوع، الشرح والتفسير، التعليق والتحليل، الحقائق والوقائع، الأسلوب، الحجم أو المساحة. ويمكن أن نضيف لها عنصرين أساسيين، وهما: الآنية، وقصدية النص اللتان يؤكد عليهما اللسانيون.

إن العلاقة القائمة بين هذه العناصر والقوانين، التي تزن بثقلها لترزح كفة عناصر على حساب عناصر أخرى، هي التي تحدد انتماء نص ما إلى نوع صحفي معين. فإذا كان قصد النص، على سبيل المثال،  الإبلاغ والإخبار، وتضمن عنصر الآنية، وامتثل لمتطلب الحجم أو المساحة المطلوبة، يمكن إدراجه في خانة الخبر الصحفي.

إن النظر إلى الأنواع الصحفية بالانطلاق من مفهوم النص تطرح مسألتين شائكتين، وهما:

إذا كان حقل الأدب يؤكد لنا صعوبة الإجماع على أن  الوحدة المنتجة لفظيا والتي تنقل رسالة منظمة لسانيا وتسعى إلى ممارسة تأثير منسجم على متلقيها تُعّد نصا، بمعنى أن ما تعتبره هذه الثقافة نصا لا يعد كذلك في ثقافة أخرى. ( كيليطو، 2007: 21)  فإن الأمر يعدو أكثر صعوبة في الحقل الصحفي، وذلك لأن كل ما يكتب لا يُعّد نصا صحفيا، فيُزكى انتماؤه لهذا النوع الصحفي أو ذاك، والسبب لا يعود لخلو هذا النص من العناصر المذكورة أعلاه، بل لأسباب تتعدى النص والمؤسسة الإعلامية. وللتأكيد على هذه الفكرة نشير إلى أن الصحافي الجزائري سليمان جوادي نشر، في منتصف الثمانينات، بعض النصوص في صحيفة الشعب الجزائرية  في شكل مقامات تعالج الأحداث والقضايا المطروحة في المجتمع الجزائري. لكن إدارة الجريدة أوقفت نشرها، والسبب في ذلك لا يعود إلى أن الصحيفة المذكورة اقتنعت بوجهة نظر بعض النقاد الذي يرون أن المقامات لم تأت بأي جديد على صعيد المضمون، فاكتفت باللعب على اللغة وبها، بل لأن المنظومة الإعلامية والسياسية في ذاك الوقت كانت تحدد النص الصحفي بمدى قدرته على الامتثال لغائية الصحافة التجنيدية والتعبوية التي تميزه بالجدية. وتخشى أن تفعل المقامات في الصحافة الرسمية في ذلك الوقت، ما فعلته في الأدب في زمن ازدهارها: ( حرية في التخيل، وعدم التقييد بقيود الرواية والنقل والأسانيد التقليدية.) (مروة، 1985: 209)

لقد أفلحت هذه المنظومة، في فضاءات ثقافية أخرى، في احتواء بعض النصوص التي تنشرها المدونات الإلكترونية، فأدمجتها في مستوياتها التعبيرية المختلفة: الأبواب الصحفية  والأنواع الصحفية. لقد تعاملت معها كريبورتاج أو مقال الصحفي. فصحيفة الغردين اللندنية The Guardian ، على سبيل المثال،  كانت تنشر بشكل نصف شهري ما ينشره  Salam Pax، وهو الاسم المستعار لصاحب مدونة Where’s Raed ، عن يوميات الحرب في العراق ومزاج الشارع البغدادي في مدونته،  فتعاطت الصحيفة المذكورة مع هذه الكتابات على أساس أنها نوع صحفي قائم بذاته: المقال الصحفي. بينما نشرتها الطبعة الشهرية التي تصدرها الصحيفة الفرنسية ” لوموند” في ركن: ” فاكسات” (fac similé).  إن الفرق في التعامل  مع النصوص المذكورة يقاس بمدى تبني الصحيفتين لمضامين النصوص أو عدم تبنيها.

 تأسيسا على ما سبق من الصعب تعميم القول أن الأنواع الصحفية هي قوالب تعبيرية كونية تتجاوز الثقافات والمجتمعات. والدليل على ذلك أن الصحافة الفرنسية، على سبيل المثال، تستخدم أنواعا لا توجد بالمسمى والشكل والمحتوى ذاته في الصحافة العربية، مثل: Maronnier ، الذي يُعرف بأنه مادة صحفية قصيرة تتناول الموضوع ذاته تنشره مرة كل سنة، وEcho  والذي يدل على خبر قصير يتسم بطابعه التنكيتي وأسلوبه الساخر، وPotin  ( (Gossip والتي تعني ثرثرة عن أشخاص أو شائعة. ويمكن الإشارة إلى أن الصحافة الجزائرية الصادرة باللغة الفرنسية مازالت تحتفظ ببعض هذه الأنواع الصحفية، على غرار صحيفة ” ليبرتي” ) Liberté) الجزائرية التي تصدر البعض من موادها المختصرة تحت مسمى ” Télé Potins” ، أي ثرثرة عن التلفزيون.

إذا انطلقنا من تصور بأن الخطاب الصحفي هو تعبير سميائي عن الممارسة الاجتماعية، فإننا نستنتج بأن متنه تتقاطع فيه جملة من الخطابات الصادرة عن الأطراف المرتبطة بهذه الممارسة، أي  مصادر إخبارية مختلفة، وشهود عيان، وخبراء وأخصائيين، ومعطيات وثائقية، وخطابات صحفية سابقة  أو موازية عن الحدث/ الموضوع الذي يتناوله. فهذه الخطابات لا تحمل جملة من الملفوظات التي تحدد سياق النص الصحفي أو معطياته فقط، بل تتضمن مقاصده الاتصالية أو غاياته. لذا يمكن التعامل مع النص في مجال الصحافة على أساس أنه ملتقى العديد من النصوص، فهو ثمرة التناص Intertextuality.

إن النص الإلكتروني يسير بالتناص إلى أقصى حدوده( الصادق،2009)، إذ أنه يمّد حدوده عبر جملة من الإحالات إلى داخله ) في الصفحة التي يظهر فيها أو المواقع الإلكتروني) أو خارجه ( إلى وثائق ونصوص  أخرى). إذا النص الصحافي الإلكتروني هو إفراز لتناص التناص، أي يتشكل من مستويين من التناص ، المستوى الأول كامن في الشرط الأنطولوجي لكل نص صحفي، كما ذكرنا أنفا، والمستوى الثاني هو إفراز لمنطق الكتابة وفق متطلبات النص المتشعب HyperText  التي أخرجت النص الصحفي من أحاديته بما تتيحه من تنوع النوافذ التي يطل منها على الحدث/الموضوع. (الصادق، 2009)

الأنواع الصحفية في متغيرات الحقل الإعلامي.

إن تعريف الصحافة كممارسة بناء اجتماعي للواقع تسمح  بتعزيز الافتراض بأن ما نعيشه من ممارسات صحفية لا يتناغم مع ظاهرة مزج الأنواع الصحفية، بل ينسجم مع إعادة تحديد الممارسات الصحفية. ( Ringoot ،Utard، 2005: 105)

نعتقد أن هذا الفهم يحيلنا إلى التساؤل عن دور المؤسسة الصحفية في تأسيس النوع الصحفي. فإذا كان الحديث عن النوع الصحفي مجردا فإنه يقلل من مساهمة الوسيلة في ميلاده، أما إذا أبرزنا دور المؤسسة الحاسم في نشوء الأنواع الصحفية وتطورها وفق خصوصيتها التواصلية والجمالية، فلا مناص من ربط الأنواع الصحفية بالوسيلة، كأن نقول الأنواع في الصحافة المكتوبة، أو الأنواع الإذاعية، أو التلفزيونية، أو نربطها بالحقل كما حدده عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، والذي يعرفه بأنه ( تشغيل للمبدأ الأساسي الذي ينطلق من أن الواقع الاجتماعي هو علائقي. فما يوجد في الواقع هو حزمة من العلاقات ليس بمعنى العلاقات الاجتماعية، بل بمعنى البُنى غير المرئية….. كما أن تشغيل هذا المبدأ يؤدي إلى بناء حقول، مثل الحقل السياسي، والحقل الفكري، والحقل الفني، والحقل الديني…). (Mauger ،Pinto ،  1994) فالحقل الصحفي يضم الفاعلين الأساسيين ( الصحافيين، المؤسسات الصحفية وملاكها سواء كانوا خواص أو غيرهم، ومشرعي العمل الصحفي ومنظميه) والجمهور ( الفعلي أو المحتمل)، ومصادر الأخبار والمعلومات ( مؤسسات رسمية وطنية وأجنبية، أحزاب سياسية وتجمعات المجتمع المدني، وخبراء ومختصين، نجوم ومشاهير، عامة الناس)، ووسائط الاتصال المختلفة ( جرائد ومجلات ورقية، صحافة إلكترونية، إذاعة وتلفزيون…)

ظل التفكير في التغيرات التي أحدثتها تكنولوجيا الاتصال رهينة النظرة الاقصائية التي ترى أن كل واسطة اتصالية جديدة تقضي على القديمة، وتستعيد الوظائف التي كانت تقوم بها، وتستحدث وظائف أخرى جديدة . (De Laubier، 2000: 65). لقد استنفذ هذا التفكير أفقه المعرفي بعد أن قدمت الأيام البرهان على أن ما يُعّد إعلاما “جديدا” لم يلغ ما يُعّد قديما. وبدأ الحديث عن تكامل وسائل الإعلام يتزايد لتبرير ارتفاع عدد وسائط الاتصال وتنوع مضامينها دون اندثار وسائل الإعلام الكلاسيكية.( Maigret ،2007)

نعتقد أن مصطلح ” التكامل” هو صيغة تعبر عن نزعة توفيقية في النقاش الحاد بين أنصار وسائل الإعلام الكلاسيكية ومناصري “الإعلام الجديد”  New Media، وتحد من غلو منافحي الحتمية التكنولوجية أكثر مما تفسر ما تعيشه وسائل الإعلام من تغيير. فالتكامل يطرح على مستوى الاستخدام وليس على مستوى الحامل التقني، لأنه من الصعب الإقرار بعدم اكتمال وسيلة إعلامية. (Prerrier ، 2001) بمعنى أن الجمهور/ المستخدم ينتقل من قراءة الصحفية الإلكترونية إلى الصحيفة الورقية ثم إلى مشاهدة التلفزيون، ومتابعة شريط الأخبار في إحدى البوابات الإلكترونية على شبكة الانترنت .

نعتقد أن التغيرات التقنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاتصالية التي تعتمل في حقل الإعلام والاتصال أدت إلى ميلاد الوسيط الإعلامي الهجين  Medium Hybrid. فالتلفزيون الحالي هو قديم وجديد في ذات الوقت. فالقنوات التلفزيونية شرعت، بعد تردد، في ” صب” بعض موادها مجانا في شبكة اليوتيب، والبعض منها بدأ في بث مسلسلاته التي استقطبت أكبر عدد من المشاهدين، في مواقع إلكترونية، وبدأت بعضها ببث ما يصلها من المشاهدين من شرائط فيديو مباشرة أو من خلال الفيس بوك، والجمهور تحرر من سلطة التلفزيون التي كانت تبرمج له ما يشاهده في اليوم والوقت الذي يشاهده، وأصبح يخطط لما يشاهده وفق برنامجه اليومي سواء باسترجاع البرامج التلفزيونية التي تم بثها من المواقع الإلكترونية مباشرة أو بمساعدة محركات البحث المختصة أو باللجوء إلى خدمة ” فيديو تحت الطلب”  ( VOD)  Video on Demand

  رغم أن الصحافة الإلكترونية لم تقطع صلتها بإرث الصحافة الورقية إلا أنها  تجاوزت الكثير من الإشكاليات التي طرحت عليها في نهاية التسعينيات في انتقالها إلى النشر عبر شبكة الانترنت، والتي لخصها الباحث دا لاغ أوليفي (Da lage ،2001) في الأسئلة التالية: ماذا ننشر في هذه الشبكة؟ ما هو المظهر الذي يجب أن تظهر به الصحيفة في الانترنت؟  هل تخضع الصحيفة لإلكترونية للإكراهات ذاتها التي تعاني منها الصحافة الورقية، والمتمثلة في تحديد موعد زمني لتسليم المادة للمطبعة، وبالتالي الالتزام بدورية الصدور؟  من يجب أن يشتغل في الصحيفة الإلكترونية؟  ما هو الأنموذج الاقتصادي الذي يعول عليه  في الصحافة الإلكترونية؟

لقد غيرت التفاعلية التمثّل لماهية الصحيفة، ونقلتها من مادة للقراءة إلى حيز رمزي للقاء، والتبادل والمشاركة. فالصحيفة الإلكترونية غيرت تبويبها ومنحت مكانا للقراء/ المستخدمين، تسمح لهم بالمشاركة في الرأي، والرد، والاقتراح، والتصويت، واللعب، والدردشة، فصحيفة  الوشنطن بوست Washington Post ، على سبيل المثال، أدمجت الفيس بوك ضمن أبوابها (Epelboin ، 2010)، متخذة من أنشطة قرائها وعلاقاتهم في الفيس بوك أرضية للتوسع اجتماعيا للاقتراب أكثر منهم قصد نسج علاقات قد تختلف عن تلك التي كانت تربط الصحيفة بقارئها، بل تتحول إلى فضاء للحوار والنقاش حول الشأن المحلي في عالم معولم يسعى للقفز على كل ما هو محلي.

كما أصبحت الصحف تستعمل شبكة الفيس بوك للحصول على شهود عيان عن الأحداث، خاصة تلك المفاجئة والتي تحمل طابعا مأسويا أو دراميا. وذلك لأهمية المصادر في منح مصداقية أكثر للأحداث.

كما فتحت الكثير من الصحف أركانا خاصة بالمدونات، بعد أن كفت هذه الأخيرة عن القيام بما كانت تقوم به في بداية ميلادها، والمتمثل في إعادة نشر ما تبثه الصحف أو اقتباس مقاطع كبرى منه. وبهذا فإنها تعمل على كسب الرهان في مجال الإعلام العمودي في ظل سيادة الإعلام الأفقي. لقد جذبت المدونات صوت الأخصائيين في مجالات معرفية معينة ( تقديم ملخصات الكتب، الفنون المعاصرة، علوم…)، وأضافت إلى الصحيفة تلك اللهجة الذاتية التي كانت مهمشة في الصحافة الكلاسيكية بحجة ضرورة الالتزام بالموضوعية. وشكلت هذه اللهجة همزة وصل مع قرائها الذين يميلون إلى متابعة ” الآراء الشخصية والذاتية”، التي تتسم بقدر من الملموسية والحرية، حول القضايا التي تهمهم.

إذا لم تتخذ الصحف من إدماج المدونات الإلكترونية في منظوماتها الاتصالية كاختيار تكتيكي، ولا حتى استراتيجي، بل اعتبرته مطلبا انطولوجيا فرضته ايكولوجيا عالم الاتصال الجديدة.

عجزت المؤسسات الإعلامية عن الوقوف متفرجة على الشبكات الاجتماعية في الانترنت التي تبشر بديناميكية جديدة في عالم الاتصال تستند إلى مرجعية الفرد، وليس الجماهير أو الحشد كما كانت عليه الصحافة الجماهيرية. فبعض الصحف، مثل  صحيفة نيويورك تايمز عينت رئيسة تحرير مكلفة بأدوات الاتصال الجديدة لتطوير أشكال البحث عن مصادر إعلامية جديدة، وجمع المعلومات وتوزيعها.           (Ternisien ، 2009)  وحرصت بعضها، مثل صحيفة الواشنطن بوست، ووكالة رويترز على  تزويد صحافييها بتعليمات صارمة في التعامل معها، وذلك لضرورات مهنية وأخلاقية، تتمثل في الفصل بين الصحافي كشخص له الحق في الاتصال بحرية  وكمهني محدد بانتمائه لمؤسسة صحفية، والحذر في التعامل مع ما يصله من معلومات عبرها خوفا من تضليل الصحيفة، والحيطة في الحفظ على مصادر الأخبار.

لقد عززت بعض الدراسات  المسلك الذي سلكته الصحف في تعاملها مع موقع  تويتر، حيث أكدت بأنه اقرب إلى وسيلة إعلامية كلاسيكية من شبكة اجتماعية، خاصة بعد أن غير اهتمامه من الإجابة على السؤال ماذا تفعل الآن؟ إلى ما هو الجديد؟ (Doyen، 2010) وقد وصفه جيف مينون  Jeff Mignon، الخبير في وسائل الإعلام، بأنه وكالة أنباء مهنية وشخصية. ( Ternisien ، 2009) لأنه يجسد مفهوم ” crowdsourcing”؛ أي الاعتماد على الحشد كمصدر يزود الصحيفة بالأخبار والمعلومات.  لكن امتزاج المهني بالشخصي قد يؤدي بشبكة تويتر إلى عدم الفرز بين الإعلام، ورد الفعل العاطفي أو الانطباع أو حتى الرأي الشخصي الذي يتداول في هذه الشبكة وتلتقطه الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون، وتحوله إلى مادة إخبارية أو عنصر في مادة صحفية. فالمرجعية المعتمد عليها في هذه العملية ليس مصداقية من أرسله، بل عدد المشتركين الذين تقاسموه. بالفعل، إن للعدد/ الكم حكمه في فضاء الإعلام الجديد. لذا تتسابق الصحف اليوم لرفع عدد المشتركين في خدماتها المرتبطة بالشبكات الاجتماعية. لقد تجاوز عدد متابعي followers  خدمات تويتر التي وفرتها بعض الصحف عدد قرائها!

تطوير تدريس الأنواع الصحفية:  الضرورات الفكرية والمتطلبات المهنية.

ما هي العلاقة بين كل ما تم طرحه عن اتساع الحقل الإعلام، بالمفهوم البرديوي ( نسبة إلى بورديو) على حساب الحقل الصحفي، وهجانة الوسائط على الأنواع الصحفية وتدّريسها؟

يمكن الاقتراب من مظاهر التغيير في الخطاب الصحفي من خلال ما يلي:

 -1تعود قارئ الصحيفة الورقية على انتظار الصدور الدوري لصحيفته مما يخلق لديه نوعا من الترقب والألفة. فدورية الصدور تعني مدة زمنية افتراضية تحدد حياة الصحيفة، فإذا تجاوزتها أصبحت مادة أرشيفية أو وثائقية. فغياب هذه المدة في الصحف الإلكترونية يمنحها عمرا مستمرا، و يطرح مسألة الحدث على بساط النقاش. إن الحدث مرتبط بمعلم زمني، وبسياق معين في إنتاجه وقراءته. فاستمرار بقاء الإعلام المرتبط بحدث ما في شبكة الانترنت لمدة طويلة  يجعله أقرب إلى المعلومات Data.( Pélissier ، 2007)

إن مركز ثقل الشبكات الاجتماعية المختلفة في شبكة الانترنت لا يكمن في الأحداث، بل يتمثل في المعلومات، والآراء، والأفكار، والانطباعات، والذكريات، وردات الفعل، والتجارب، والدردشة، وتقاسم المشاعر، وخلق علاقات…  إن هذا الأمر لا يعني فقط تراجع الأحداث أمام طفوح المعلومات في شبكة الانترنت التي عرفها بعضهم بأنها مخزن كبير للمعلومات أو للمواد الإعلامية الخام (Pélissier ، 2007)  التي لا يتم توصيلها إلى البيت فحسب، بل توضع تحت تصرف المستخدم حيثما يوجد. إنه يدل على تراجع  دور الصحف في وضع أجندة الأحداث بعد انتقائها وترتيبها وإدراجها في سياقاتها، ويعبر عن تشذر الأحداث حسب الاهتمامات الفردية، والجماعية التي تبرز في الشبكات الاجتماعية.

يؤكد انغمار الأحداث في يم المعلومات تغيير مهام الصحافي. فهذا الأخير لم يعد، حسب عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، يكتفي بالبحث عن الأحداث فقط لنقلها، بل أصبح يطلب منه  تسييقها حتى تفهم؛ أي إدراجها فورا في سياق تاريخي، وسياسي واجتماعي. فالصحافي يصطدم يوميا بتعقد العالم ويجب يقدم لنا تقريرا عن هذا التعقد (Morin،. (2005 وهذا يجرنا إلى التساؤل عن مآل بناء الأنواع الصحفية التي تقوم على الحدث، مثل الخبر والتقرير الصحفيين، هل يتحولان إلى مادة مشبعة بالمعلومات يوظفها المتلقي وفق السياقات التي يراها مناسبة؟ هل يندثران بعد أن جزأت شبكة تويتر الأحداث، وأضحت ترسلها وتتداولها في شكل شرائح وجزئيات؟ هل ستُشَّكَل من جديد في اتجاه مزيد من الاختصار، والسرعة حتى تتماهى مع الرسائل النصية القصيرة  وtweets ؟ ألا يوجد منطق محدد يربط تشذر نقل الأحداث في شكل شرائح رقيقة بمفهوم ” الحداثة السائلة” Liquid Modernity الذي  يقوم على مبدأ التشظي. فالعالم المعاصر والحياة الفردية تتشذر وتتحول إلى لحظات متفرقة ومتتالية لكنها متجانسة. (Zygmun ، 2006: 26). هل يعيد النوعان المذكوران النظر في مفهوم News الذي أصبح، في ظل الإعلام الجديد، يشمل ردات الفعل الاجتماعية على الأحداث وتداعياتها؟

إن الانترنت دفعت بالآنية إلى حدها الأقصى، لكن  بناء المادة الصحفية وفق منطق النص المتشعب تجعل القارئ/ المستخدم يتنقل بسرعة وخفة بين الماضي، والحاضر، والمستقبل، فتبدو له الأحداث كقطع منفصلة عن بعضها،( Pélissier، 2007) بينما تَعوَّد في الصحافة الورقية على الفصل بين الماضي ( القابع في الأرشيف) والحاضر الذي تتضمنه الأحداث الآنية. فإذا تجاور الحاضر والماضي في بعض الأنواع الصحفية ( المقال الصحفي، التحقيق الصحفي، الحديث الصحفي…) فيبدوان مترابطين ومدرجان ضمن منطق محدد يساهم في إدراك الأحداث وفهم مغزاها.

ربما يعتقد البعض أن مسألة الحدث لا تطرح على الصحافة العربية  لأنها مازالت تحمل الكثير من إرهاصات الصحافة التعبوية التي لا تعبأ بالحدث لأنها تتخذه ذريعة لتمرر اللغة الجاهزة، وكأن دور الحدث يختصر في تبرير وجود هذه اللغة. وفي هذه الحالة تخون هذه اللغة الحدث، وتصبح لغة غير اتصالية! ربما يحتاج هذا الاعتقاد إلى نقاش أكثر وأعمق لا يستوعبه هذا المقام.

2 –   إن النص المتشعب ساهم في تعميق أزمة السردية الكلاسيكية، وربطها بالتقنيات الجديدة التي تمزج العوالم الواقعية والافتراضية.( الصادق،2009). ونعتقد أن للعامل التقني دور في تغيير البناء السردي للنص إذا انطلقنا من مفهوم محدد للسرديات، بمعنى أنه ليس القول الذي يسلك مسلكا خطيا، ويتصاعد فيه الحكي مندفعا إلى الأمام حسب تطور الأحداث، وذلك لأن بعض الأنواع الصحفية التي تستمد وجودها من السرد ( الخبر، التقرير الصحفي)، وإلى حد ما الريبورتاج،  تمردت على النمط الخطي للسرد وأعادت تشكيله من جديد. إن النص الإلكتروني أحدث أزمة في السرد ليس من منظور تشظيه عبر وسائل نقله وتداوله، بل لامتزاجه بأنماط تلفظية مختلفة يتداخل فيها التعليق على الأحداث مع نقلها، وتمزج فيه الشهادات بتقييم الأحداث المنقولة.

حقيقة، إن النص الإلكتروني أضاف للفعل التلفظي الصحفي شفافية، حيث وضع في يد القارئ مصادره، وسمح له بالاطلاع على النص الكامل للشهادات والأقوال والوثائق والإحصائيات التي استقى منها مادته. فالسرد كما هو معروف يرتبط بالحكي عن حدث مضى وانتهى. أي له بداية ونهاية، وتسمح للسارد أن ينأى قليلا عنه من أجل سرده، وهذا الأمر أصبح صعبا وفق منطق النص الإلكتروني الذي يظل مفتوحا، كما سنرى لاحقا.

قد يرى البعض أن أزمة السرد قد بدأت قبل النص الإلكتروني لأنها ارتبطت بالنقل التلفزيوني والإذاعي الحي للأحداث، والبث التلفزيوني المباشر في أواخر الثمانيات من القرن الماضي. إن هذا القول لا يجانب الحقيقة، ويتطلب البحث في تداعياته والتي يمكن أن نلتمسها في التحول الذي شهده السرد التلفزيوني الإخباري الذي لم يعد يتمركز حول رواية الأحداث، بل تعداها إلى تقديم الشهادة على حدوثها وإشراك الجمهور في الإحساس بوقوعها أمام نظره. وهذا التحول أثر بدوره على الأنواع الصحفية، حيث حُجم دور التقرير الصحفي في نقل الأحداث، وفَعَّل الريبورتاج الصحفي الحي الذي استثمر طاقته في الوصف المشبع بوجهة نظر ذاتية.

كان الصحافي يبنى نصه الصحفي بناء على تصوره لقرائه المحتملين لأنه لا يعرف قراءه الفعليين معرفة كافية. بينما قلص النص الصحفي الإلكتروني الفرق بين القراء الفعلين والمحتملين، بل غير مفهوم القارئ  لأنه أصبح  شريكا في إنتاجه وصياغة معناه، الأمر الذي كانت له استتباعات على مستوى بناء النص الصحفي الإلكتروني ، وعلى مستوى تحديد نوعه. فالنص الصحفي لم يعد يقف عند حدود ما يكتبه الصحافي و تنشره الصحيفة. فمتن المادة الصحفية أضحى يشمل التعليقات عن المادة المنشورة talkback التي أصبحت تملك قيمة لدى القراء تفوق قيمة النص الذي كتبه الصحفي. إن هذا المتن الشامل فتح النص الصحفي الإلكتروني، وجدده بما يتغذى به من تعليقات القراء وأرائهم ومعلوماتهم من جهة. فالمتن الصحفي الشامل يتشكل من كلام الصحفي، وكلام القراء عن كلامه. ولعل هذه النقطة الأخيرة هي التي تثير الاهتمام بالنظر إلى الأنواع الصحفية. لقد سبق وأن ذكرنا أن القصد، الذي ينطلق منه الصحافي أو المؤسسة لنشر المادة الصحفية يتدخل في تحديد هوية النوع الصحفي. فما يلاحظ في المتن الصحفي الإلكتروني أنه تحول إلى ملتقى لأكثر من قصد: قصد الصحفي والمؤسسة الإعلامية، وقصد المعلقين عنه، والتي تتنوع بدءا من تصحيح المعلومات والأخطاء الإملائية والنحوية  إلى إبداء الرأي والتعبير عن وجهة نظر مؤيدة أو معارضة  لما كتبه الصحافي أو فتح المجال  للنقاش حول الموضوع الذي أثاره.

إن التفكير في هذا الأمر يدعو إلى إعادة النظر في وزن القصد الاتصالي في تحديد معمار النص الصحفي وبالتالي تشخيص هوية نوعه.

ربما يرى البعض أن ما سبق قوله يتعلق بالأنواع الصحفية في الصحف الإلكترونية، وتأثيره لم يتجل بالوضوح المذكور في الصحافة العربية التي تطلق على نفسها تسمية الصحافة الإلكترونية. فصحيفة ” إيلاف الإلكترونية، على سبيل المثال” التي احتفلت بالعقد الأول من تجربتها، لم تستطع أن تتحرر من عقلية الصحافة الورقية المنشورة في شبكة الانترنت، واستعانتها بالشبكات الاجتماعية الإلكترونية لم تخرج عن كونها  ناقل لمضامينها لا غير. فالمدونات تفقد مقوماتها ومبررات وجودها في صحيفة إيلاف، لأن معظم ما ينشر منها يخضع لأجندة الصحيفة، وأسلوبها، وطريقة كتابتها. بل أن بعض موادها الإعلامية تنشرها في باب ” مدونات”!(فاطمة الزهراء، 2010). كما تستخدم شبكة تويتر للنقل الإعلاني لعناوين موادها الصحفية فقط، وليس كوسيلة لجمع المعلومات والأخبار وتوزيعها.

هل يعني هذا أن الصحافة العربية الإلكترونية والورقية بمنأى عن هذه التغييرات والمؤثرات التي حدثت في الحقل الإعلامي، وبالتالي لا يمكن لتدريس الأنواع الصحفية أن يلتفت إليها؟

إن القراءة المتأنية لصحيفة “القدس العربي” التي تصدر في لندن تبيّن، بشكل جلي، ملامح التغيير في كتابتها الصحفية. فباستثناء الافتتاحية، تتضمن بقية المواد الصحفية المنشورة هامشا من الذاتية يختلف، بهذا القدر أو ذاك، من مادة صحيفة إلى أخرى. فالموضوعية التي كانت تعد عنصرا أساسيا مؤسسا لمصداقية الصحف، وضامنا لشرعيتها  تراجعت في هذه الصحيفة بتأثير من المدونات الإلكترونية التي لم تكتسب شعبيتها من المواضيع التي تطرحها، بل من أسلوب كتابتها الذي يتسم بالذاتية ولغتها البسيطة والمباشرة التي تقترب من لغة الاستعمال اليومي في الشارع. فتضعضع مكانة ثنائية الموضوعية/ الذاتية في مثل هذه الصحيفة  يحث على التفكير في الحدود الجديدة بين الأنواع الصحفية، لأن هذه الثائية شكلت في السابق عاملا أساسيا في التمييز بين الأنواع الصحفية المختلفة. فالخبر والتقرير والمقال الصحفي يتسمون بالموضوعية أما العمود الصحفي و” البورتري” فيقومان على بعد ذاتي أكبر من بقية الأنواع.

إن الكثير من المواد التي تنشرها الصحيفة المذكورة أصبحت تنسج على منوال المدونات الإلكترونية؛ أي أنها لا تقوم على وحدة الموضوع. فالعديد من المواضيع أصبحت  تتعايش بشكل منفصل في المادة الصحفية الواحدة، وتقتبس خصائص الكثير من الأنواع الصحفية: الخبر، العمود الصحفي، المقال الصحفي… وهذا ما يعتبره البعض انزياحا عن للأنواع الصحفية، ويراه البعض ميلاد أنواع صحفية هجينة.

كما بدأت هذه الصحيفة تعنون موادها الصحفية بعناوين تنفرد بطولها وتفاصيلها، وكأنها تريد أن تلخص كل ما تتضمنه.

هذان المثالان  يخالفان قواعد كتابة العنوان التي دأبت كليات الإعلام على تدريسها، والمتمثلة في الاختصار، وعدم فضح مضمون المادة الصحفية، وأن يتضمن العنوان فعلا يفضل أن يكون في المضارع إذا كان ذا طبيعة إخبارية، وأن يبرز الجديد والأصيل، وغيرها من القواعد.

إن الصحف التي أصبحت تعاني من منافسة كبرى في عالم يتسم بالسرعة اضطرت إلى تغيير قواعد كتابة العناوين من أجل جذب قرائها. والحقيقة أن قواعد كتابة العناوين قد تغيرت عبر الزمان سواء في المنطقة العربية أو في العديد من دول العالم، كما تبيّن ذلك الدراسة التي أعدها الباحث جون بوفيل ( De Bonville، 2008) عن عناوين الأخبار المحلية في صحافة مقاطعة الكيبيك، في كندا، في القرن التاسع عشر.

يُعتبر النظر إلى مسألة العنوان كعنصر مستقل عن المادة الصحفية نوع من الإجحاف في حق التفكير في التغيرات التي طرأت على بعض الأنواع الصحفية نتيجة خضوعها لأنموذج صحف المشاهير أو ما يصبح يعرف باسم Press  People . فما يهمنا في هذا الأنموذج ليست المواضيع التي يطرحها، والاهتمامات التي يعبر عنها، بقدر اهتمامنا بأشكال الكتابة التي يجنح إليها.

نعتقد أن الملحقين ” دنيا”  و” 5 الحواس”، التابعين، على التوالي، لصحيفة الاتحاد الإماراتية، وصحيفة البيان الإماراتية  يتماهيان في  الأنموذج  المذكور. لذا نلاحظ قلة حضور الأنواع الفكرية أو غيابها فيها، مع تعميم قالب الكتابة الذي قرب العديد من الأنواع الصحفية بين بعضها. فإذا كان البورتري يعني سمك الحياة، والحديث الصحفي هو علو الصوت الشخصي، فإنهما يتقاربان في هاذين الملحقين لأنهما يشتركان في التقاط نوادر الشخصية التي تشكل محور هاذين النوعين الصحفيين، وتفاصيل ساخرة ومرحة  وغريبة في حياته المهنية أو العاطفية. فهنا تطرح ضرورة التفكير في حدود النوعين المذكورين. كما أن خصائص كتابة العمود الصحفي التي تتسم برشاقة الأسلوب، وبساطة لغته التي تقترب من العامية التي لا تتردد في استعمال الكلمات الأجنبية، وارتباطها بالمفارقات، والأقوال المأثورة، والنكت، قد تسللت إلى الكثير من المواد الصحفية التي تنشرها هذه الملاحق.

الخاتمة:

رغم أن بعض التغيرات العميقة والمعقدة التي طرحناها آنفا  لم يتصلب عودها بعد في المنطقة العربية حتى يُمكن الاعتماد عليها في قراءة الثابت والمتحول في الأنواع الصحفية، ألا أنها تطرح على التدريس الأكاديمي للكتابة الصحفية العديد من التساؤلات حول طبيعة القوانين التي تضبط ” القواعد” و”الانتظام” مما يسمح للنوع الصحفي بالتعبير عن ذاته في ظل التغيرات التي تطرح على مختلف عناصر الحقل الإعلامي التي ذكرناها أعلاه.

وتكشف أن التفكير في تطور الأنواع الصحفية  تلتقي فيه مختلف  الفروع المعرفية: علم الاجتماع الإعلامي، سيمائية الاتصال، اللسانيات، والاقتصاد، وفلسفة الاتصال المستلهمة من فلسفة ممارسة New Media . لذا يمكن القول أن تدريس الكتابة الصحفية في المنطقة العربية لم توظف المكتسبات المعرفية التي حصلت عليها الفروع المعرفية المذكورة أعلاه، ولم تفتح أفق التفكير في الكتابة الصحفية على ضوء التغيير الحاصل في مكانة الصحافي وموقعه في العصر الحالي ومشروعية وظائفه، وكذا موقع الجمهور في ظل التفاعلية التي جعلت منه متلقيا للمادة الصحفية ومنتجا لها في آن واحد.

نعتقد أن تدريس مساق الكتابة الصحفية استفاد، إلى حد ما، من أخلاقيات المهنة، خاصة في جانب التعامل مع مصدر المعلومات، هذا إذا لم نقل أن تدريس بعض الأنواع الصحفية تحول ببساطة إلى ” وعظ مهني”

  إن اهتمام الدرس الأكاديمي بهذه الجوانب لا يعني مطلقا تحويل تدّريس الأنواع الصحفية إلى مناظرة فكرية، ومرتع نظري من أجل حرمان الطلبة من التدريب على الكتابة الصحفية وخوض تجربتها في ربوع الجامعة.

أعتقد أن ما سبق عرضه وتحليله يمكن أن يشكل رصيدا معرفيا لتدريس الأنواع الصحفية، ويساهم، بالتالي، في شحذ وعي الطالب بما يكتب حتى لا يشعر بالغربة في قاعات التحرير التي بدأت تطوع أشكال تعبيرها الصحفي، وحتى لا يتهم مدرسو الأنواع الصحفية بأنهم سجنوها في قوالب تاريخية بعيدة عن نبض الحياة الاجتماعية والثقافية المعاصرة وسدوا مسالك التفكير في أفق تطورها. ويدفع الجامعة للمشاركة في التنظير للتغير في أشكال التعبير الصحفي  بعد أن تستوعب عملية الفك والتركيب التي تعيشها الممارسة الصحفية التي تحدث القطيعة والاستمرارية في الأنواع الصحفية.

لذا يتوجب إعادة النظر في تدريس الأنواع الصحفية بالأخذ بعين الاعتبار ما يلي:

التأكيد على أن الأنواع الصحفية ليست قوالب جامدة، بل أشكال تعبيرية مرنة وحية تتطور بتطور المجتمع، وتخضع لخصوصياته الاجتماعية والثقافية.

الكشف عن التغيرات التي حدثت في حقل الإعلام والاتصال وأثرت في الكتابة الصحفية.

تدريب الطلبة على كتابة النص الفائق أو المتشعب، بعد الشرح النظري لخصوصيته ودوره في الصحافة المعاصرة.

تمكين الطلبة من التحكم في أشكال التعبير والاتصال التي أصبحت تميز إيكولوجيا الإعلام الجديدة، مثل المدونات الإلكترونية، بعد تسليط الضوء عن مكانتها ودورها في الفضاء الإعلامي المعاصر، وتأثيرها المتزايد على أشكال التعبير في الصحافة.

تأهيل الصحافيين في مجال جمع المعلومات من المصادر المختلفة، بما فيها الانترنت والشبكات الافتراضية، والتحقق من مصداقيتها، وتطوير أشكال توظيفها في كتابة الأنواع الصحفية المختلفة. لقد أدرجت عملية جمع المعلومات، وغربلتها، وأشكال التحري في صحتها مادة تعليمية تدرس في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. بجانب تدريس خصائص الكتابة لشبكة الانترنت.

تبصير الطالب بأن قوالب التعبير الصحفي لم تعد مقتصرة على اللسان فقط، بل لابد من توظيف الوسائط المتعددة في البناء المعماري للنوع الصحفي. حيث يمكن الإشارة إلى أن منتجات هذه الوسائط اقتحمت التي تصهر العديد من الأنواع الصحفية قد ولجت عالم المسابقات لنيل جوائز مهنية في الولايات المتحدة الأمريكية، على غرار التحقيقات الصحفية.

تجسير العلاقة بين العالمين المهني والأكاديمي بما يسمح لتدريس الأنواع الصحفية من الانفلات سطوة الكتب التي تعيش قطيعة مع تطورات مهنة الصحافة. ويتيح التخلي عن الأسلوب الدفاعي الذي لا يرفض كل جديد في العمل الصحفي بحجة أنه لا يتطابق مع الكتب الكلاسيكية. هذا دون التشبع بالنظرة المثالية التي تمجد الممارسة المهنية في المنطقة العربية. هذه المهنة التي مازالت خاضعة للمؤسسة الصحفية التي تعاني من هشاشة اقتصادية، وقانونية، وتنظيمية، وتعاني من ضغوطات البيئة السياسية والاجتماعية والثقافية.

الإحالات :

[1] –  يوحي للبعض أن البحث اكتفى بتحليل مسميات المساقات الخاصة بالأنواع الصحفية دون محتواها. لكن بالنسبة للمختصين، فإن مسمى المساق ، مثل ” الخبر الصحفي” يعكس محتواه التعليمي، والذي يشمل : تعريفه، مصادره، أشكال كتابته، وبنيته ( العنوان، المقدمة، الجسم). وهذا ينطبق على جل الأنواع الصحفية. والسؤال الذي يثيره هذا البحث يتعلق بالرؤية الجامدة للنوع الصحفي، المنفصلة عن بقية الأنواع الصحفية.

[2] – وتشكلت مفردات عينة البحث من الكليات التالية:  كلية الإعلام بالقاهرة، قسم الإعلام بكلية الآداب ( جامعة 7 أكوبر بليبيا)، قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز المملكة السعودية، وكلية الإعلام بجامعة بغداد، قسم الصحافة والإعلام  بكلية الآداب باليمن، قسم الاتصال الجماهيري بجامعة الإمارات، قسم الإعلام والسياحة بكلية الآداب بالبحرين، معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس.

[3] –  نذكر منهم، على سبيل المثال وليس الحصر: أميل زولا، جون ريد، همنغواي، غارسيا ماركيز، والروائي البيروفي فرغاس يوسا الذي نال جائزة نوبل للآداب في السنة الحالية.

[4] – إن الأمر لا يقتصر على الأخبار فقط، بل امتد إلى العديد من المعارف التي تداولها الأقدمون في شكل نظم ، نذكر على سبيل المثال علم المنطق  الذي لخصه عبد الرحمن الصغير الأخضري في قصيدة مطولة بعنوان: ( السلم المرونق في فن المنطق)، وألفية بن مالك التي لخصت قواعد الصرف والنحو

المراجع:

المراجع بالغة العربية:

  1. (الحمامي) الصادق ( 2009) : تجديد الإعلام: مناقشة حول هوية الصحافة الإلكترونية، المملكة العربية السعودية، المجلة العربية للإعلام والاتصال، العدد الخامس، نوفمبر، ص73-14
  2. (الحيدري) عبدالله: الرّمز والأداة في مجتمع المعلومات، التكوين الإعلامي في مجال التلفزيون بأقسام الإعلام العربيّة، استرجعت بتاريخ 5/5/2009 من الموقع: http://www.arabmediastudies.net/images/stories/pdf/formation.pdf
  3. ( العزاوي) فاضل ( 2000):مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة“، ألمانيا، منشورات ” الجمل”
  4. القدس العربي اللندنية ( 2010) الصادرة يوم الجمعة 28 مايو
  5. (خضور) أديب ( 1993): مدخل إلى الصحافة نظرية وممارسة، سلسلة المكتبة الإعلامية، سوريا،
  6. فاطمة الزهراء)  ( 2010 :   أطول قطار في العالم سيربط السعودية بالأردن ودول مجلس التعاون الخليجي بنهاية العام الحالي2010، القدس العربي، مسترجع بتاريخ 18 سبتمبر 1010 من الموقع: http://muslimgirl.elaphblog.com/posts.aspx?U=3645&A=52324
  7. ( كيليطو) عبد الفتاح  )2007): الأدب والغرابة، دراسة بنيوية في الأدب العربي، المملكة المغربية،  دار توبقال
  8. (لعياضي) نصر الدين ( 2006): اقترابات نظرية من الأنواع الصحفية، الجزائر، الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية.
  9. (مروة) حسين ( 1985): تراثنا كيف نعرفه؟ لبنان، مؤسسة الأبحاث العربية،

المراجع باللغات الأجنبية:

  1. Rieffel Rémy ( 2001):Vers un journalisme mobile et polyvalent ?  Revue Quaderni.  France, N. 45, Automne, 153-169.
  2. Larue-Langlois Jacques( 1989):The teaching of journalism in French Quebec: Where from? Where to? Canadian Journal of journalism, Canada , Vol 14, No 2,  59-63
  3. Ringoot Roselyne & Jean-Michel Utard (dir.) ( 2005):Le journalisme en invention,  Rennes, PUR, coll. Respublica, 2005
  4. Adam Jean-Michele 1997 )  ): Unités rédactionnelles et genres discursifs, Cadre général pour une approche de la presse écrite, Revue Pratiques, France, N 91 juin, 3-18
  5. Balle Francis ( 1987) : Et si la presse n’existait pas..., France, J.-C. Lattès,
  6. Ruellan Denis: ( 2004) : Aux origines du journalisme, le reportage ; retrieved  December 3, 2008, from http://www.cyberjournalisme.com.ulaval.ca/module0.2/0.2.4_origines.php
  7. DemersFrançois )  2007) : Déstructuration et restructuration du journalisme ,  Revue tic & société, Vol. 1, n°1 |  2007  Retrieved  December 7. 2010 from : http://ticetsociete.revues.org/298
  8. Laville Camille: Journalisme ( 2008) : former au changement Comment les formations se saisissent des transformations , mediamorphoses Revue d’analyse et de réflexion ; INA ; France ; n.24,  92-96
  9. Charron Jean & Bonville  Jean ( 2000): Le paradigme journalistique, Usage et utilité du concept, retrieved  June 30,2007; from http://hal.archives-ouvertes.fr/docs/00/06/23/18/PDF/sic_00000790.pdf
  10. Benoit Raphael  )2008): Demain tous journalistes, Published January, 10, Retrieved August 20, 2009 from http://benoit-raphael.blogspot.com
  11. Ringoot Roselyne & Ruellan Denis ( 2006): Ordre, flou et dispersion, Le journalisme comme invention permanente et collective, Communication à la conférence internationale Thinking Journalism across National Boundaries: New Challenges and Emergent Perspectives, organisée par Associação brasileira de pesquisadores em jornalismo (SBPJOR), Porto Alegre, 3-5 novembre. Brésil retrieved February, 10, 2009 from http://www.surlejournalisme.com/
  12. Charron Jean & Bonville Jean (1996) : Le paradigme du journalistique de communication, essai de definition, Revue Communication Vol 17 Numéro 2, 51-97
  13. Florimond Rakotonoelina) 2002) :Écriture numérique et révolution des genres anamorphose du genre ,« débat public », actes du colloque : écritures en ligne pratique et communautés, Sous la direction de Chapelain Brigitte , Université de Rennes 2. CERCOR (CERSIC) , 26, 27 Septembre
  14. Mauger  Gérard & Pinto  Louis (1994): Lire les sciences sociales 1989-1992. Vol. 1.- Source bibliographique Paris, Belin, 1994, pp 326-329
  15. De laubier Charles ( 2000): La presse sur Internet, France, Que sais-je n° 3582, PUF
  16. Maigret Éric ( 2007): L’Internet : concurrence ou complémentarité avec les autres médias ? Revue  Cahiers français, France, n°338,  mai – juin, 26-32
  17. Prerrier Valerie Jeanne ( 2001): Media imprimé et media informatisé: la leurre de la complémentarité, Revue Communication et langages, France, n° 129, troisième semestre,  49 – 63
  18.  Da lage Olivier (2001): la presse saisie par l’internet,  Revue Communication et langages,  France, n° 129, troisième semestre , 37 – 48
  19. Epelboin Fabrice ( 2010) : Pourquoi la presse doit tenir compte de Facebook au plus vite. Retrieved, April30, from http://fr.readwriteweb.com/2010/04/23/a-la-une/pourquoi-presse-doit-tenir-compte-de-facebook-vite
  20. Ternisien: Xavier (2009) : Le réseau Twitter émerge comme source d’information pour les médias, France, Le monde du 11 juin
  21. Doyen Guy ( 2010): Twitter : média d’actualités ou réseau social ? Retrieved May 23,2010 from http://thenextweb.com/fr/2010/05/01/twitter-media-actualites-ou-reseau-social/
  22. – Nicolas Pélissier ( 2002): L’information en-ligne: un nouveau paradigme pour le journalisme,  Retrieved May 10, 2007, from  ccsd.cnrs.fr/sic_00000145/en
  23. – EdgarMorin ( 2005): J’apprécie les tout petits médias , Revue Medias,  France, n°4 mars, Retrieved May 10, 2007 from  http://www.revue-medias.com/-no4,9-.html
  24. – Zygmunt Bauman) 2006:(La Vie liquide, traduit de l’anglais par christophe Rosson, édition  Rouergue, France,
  25. De Bonville  Jean(2008): Le titre des nouvelles locales dans la presse québécoise à la fin du XIXème siècle,  Revue Semen, France, n° 25,   27 40
%d مدونون معجبون بهذه: