التغريد في مملكة التلفزيون.

نصر الدين لعياضي

يأخذ موقع شبكة تويتر النصيب الأوفر من الحديث عن التلفزيون الاجتماعي أو التلفزيون التشاركي مثلما يسميه الناطقون باللغة الفرنسيّة. والسبب في ذلك لا يعود للمصداقية التي يتمتع بها هذا الموقع في أوساط الصحافيين وممتهني الإعلام وميلهم إلى اعتماده كمصدر إعلامي فحسب، بل لكونه أيضا من أنشط  مواقع التواصل الاجتماعي التي منحت للتلفزيون بعده التشاركي، وأثرت تجربة المشاهدين التلفزيونيّة.

لقد بدأت القوات التلفزيونية تستعين بالتغريدات في برامجها التلفزيونية بدءا من 2012، والسبب في ذلك لا يعود إلى تزايد عدد مستخدمي هذا الموقع لأن موقع الفيسبوك، على سبيل المثال، يتفوق عليه في هذا المجال ، بل لأن نصيب التلفزيون من المضامين التي تتداولها التغريدات ما انفك يتزايد. لقد قدر بعض المختصين بأن 50% من التغريدات التي أرسلها مستخدمو موقع شبكة تويتر الفرنسيون في السنة المذكورة أعلاه كانت ذات صلة ببرنامج من برامج التلفزيون: موضوعه،  مذيعيه وضيوفه. وقدّر المركز الفرسي لقياس المشاهدة التلفزيونيّة أن عدد التغريدات التي أرسلت إلى البرامج  التي بثها التلفزيون الفرنسي في السنة 2015  بلغ 70 مليون تغريدة!  رقم رهيب أليس كذلك؟

التنافس

مكنّت هذه التغريدات التلفزيون الفرنسي من تحقيق أمنيته الغالية والمتمثلة في الالتحاق بركب القنوات التلفزيونيّة الأمريكيّة. فالبرنامج المسمى بــ ” لي برول أي لي زاكت” Les paroles et les actes ،” الأقوال والأفعال”، الذي كانت تبثه قناته الثانية خلال الفترة الممتدة من 23 يونيو 2011 إلى 26 مايو 2016 “، تلقى حوالى 40063 تغريدة في إحدى حلقاته  حسب مؤسسة ميزاغراف ” Mesagraph”، شريكة التلفزيون الفرنسي في مجال قياس استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.

إن البرنامج التلفزيوني المذكور سياسي بامتياز، يستضيف شخصية سياسية بارزة في حوار يدوم ساعتين ونصف، يشارك فيه صحافيون من مختلف وسائل الإعلام الفرنسية ونشطاء في المجتمع المدني واخصائيون في مجالات مختلفة: الاقتصاد، التجارة، الزراعة، السكن، الصحة، العمل والتشغيل، الهجرة، الطاقة، وغيرها من المجالات.

إن العدد الأسبوعي للتغريدات التي ترسل إلى حساب هذا البرنامج في الفيسبوك يقترب من البرامج السّياسيّة الكبرى التي يبثّها التلفزيون الأمريكي، مثل البرنامج الشهير”  Meet the press ” ميت ذو برس” ” في لقاء الصحافة” الذي شرعت قناة ” أن بي سي” “NBC “ في بثه في 1947 والذي يتلقى 109717 تغريدة. وبرنامج “” “Fox News Sunday  فوكس نيوز ساندي” ” أخبار الأحد في فوكس نيوز” الذي شرعت في بثّه في 1996، والذي يتلقى 51940 تغريدة . وبرنامج Al Punto” “ البانتو” أي ” في آنه” الذي تبثهّ قناة ” أي بي سي” ABC للمشاهدين المنحدرين من جنوب القارة الأمريكيّة والذي يحظي بـ 41336 تغريدة.

لقد كانت القنوات التلفزيونيّة تتنافس لكسب أكبر عدد من المشاهدين. وهاهي رقعة المنافسة تتسع اليوم لتشمل عدد التغريدات التي تحصل عليها برامجها!  

قد يلاحظ القارئ الكريم أن هذه البرامج المذكورة كلها سياسيّة وبدأت تنافس برامج الرياضة وبرنامج تلفزيون الواقع، مثل “ستار أكاديمي” في عدد التغريدات! حيث لم يتجاوز عددها في أي برنامج من البرنامجين 20 مليون تغريدة طيلة السنة!

تعدّد الشاشات

يشترط التلفزيون الاجتماعي من المغرد أن يمتلك شاشتين على الأقل، شاشة التلفزيون التي يتابع عبرها البرنامج التلفزيوني وشاشة أخرى: لوح إلكتروني أو هاتف ذكي ليرسل عبر أحديهما تغريداته في شكل نص، لا يزيد عن 280 علامة بعد أن كان يقتصر على 140 علامة، أو صور أو فيديوهات أو روابط إلكترونية. فتظهر التغريدة في أسفل شاشة التلفزيون لبرهة لا تزيد عن اثنى عشرة ثانية.  ويمكن لأي مغرد أن يضع ” hashtag  ” هاشتاغ”، أي الوسم، الذي يعمل على توحيد التغريدات في محور أو في عبارة واحدة. ويعتبر هذا الوسم ككلمة مفتاحية ذات صلة بعنوان البرنامج التلفزيوني أو الموضوع الذي يطرحه للنقاش مما يسمح للمغردين بمتابعة الحوار على موقع شبكة تويتر والتعليق على ما جاء في البرنامج.

من المنطقي، بل من الضروري ألا ينشر أي برنامج تلفزيوني كل التغريدات التي تصله حتّى وإن كان في استطاعته فعل ذلك. فإن فعل فإنه يُدفن في سيل التغريدات ويُطمس. فالبرنامج التلفزيونيّ الفرنسيّ المذكور أعلاه لا يبث سوى حوالى 60 تغريدة  من بين ملايين التغريدات التي تصله عبر هاشتاغ ” وسمه”، حسب الباحث حسان عطيفي من جامعة التكنولوجيا بـمدينة ” تروا” Troyes الفرنسية. يتولى سبعة أشخاص مهمة انتقاء التغريدات التي تعتبر مهمة لعرضها على رئيسي التحرير للنظر في إمكانية بثّها عبر الشاشة عندما يتطرق البرنامج التلفزيوني إلى المحور الذي تثيره. وقد تساءل الكاتب ذاته عن معايير انتقاء التغريدات ملمحا إلى أنها تبطل الحديث عن موت حارس البوابة الإعلامية الذي راج بعد تزايد استخدام شبكة الانترنت وتدفق الأخبار في شرايينها. إنه الحديث الذي لم يأخذ في الحساب عملية تملّك وسائل الإعلام التّقليديّة لمنصات التواصل الاجتماعي.

                                                    انتقاء

استنتج الباحث حسان عطيفي جملة من القواعد التي يسترشد بها رئيسا تحرير البرنامج المذكور في عملية اختيار التغريدة التي تظهر على شاشة التلفزيون. منها على وجه التحديد اختيار عينة تمثيلية من التغريدات مع الحفاظ على التوازن في اتجاهاتها، أي عدم نشر التغريدات التي تعارض فقط الضيف أو تخالف رأيه، والامتناع عن نشر التغريدات التي تقدح أو تسبّ الضيف أو أحد المشاركين في الحوار. وكذا التغريدات التي تكون عبارة عن وصلات إلكترونيّة لصفحات ومواقع في شبكة الانترنت أو اقتباس ما قاله الضيف في البرنامج.  هذا إضافة إلى الأخذ بعين الاعتبار الإكراهات التقنيّة، أي نشر التغريدات وفق فاصل زمني محدّد، وعدم إبراز التغريدة في الشاشة بطريقة تغطي وجه ضيف البرنامج.

أحدث اقحام التغريدات في متن البرامج التلفزيونيّة تغييرا في طريقة عمل التلفزيون وفي عقد الاتصال الضمني الذي يجمع مذيع البرنامج التلفزيوني وجمهوره وضيفه. فالتغريدات التي تظهر على شاشة التلفزيون يشاهدها مذيع البرنامج ويتابعها المشاهدون ولا يطلع عليها المشاركون في الحوار ولا الضيف رغم أنها موجهة إلى هذا الأخير! ويكتفي المذيع بقراءتها ويطلب من ضيفه التعليق عليها أو الرد على أصحابها. إن هذه الطريقة المتبعة في نشر التغريدات تنتج شكلا من التواصل غير المتكافئ إن صح التعبير. فالمغردون يعرفون الضيف الذي قدمه المذيع في بداية بث البرنامج ويطلعون على مساره المهني وربما الاجتماعي. وفي المقابل لا يعرف هذا الضيف أي شيء عن هوية الذين تنشر تغريداتهم. وهذا خلافا للاتصال الهاتفي في البرامج الإذاعية والتلفزيونية التي كان التواصل فيها مع الجمهور يتم عبر الهاتف، حيث يطلب المذيع من المتصل ذكر اسمه، والمنطقة التي يتصل منها، ومهنته في بعض الأحيان، وحتى سنه إن اقتضت الضرورة. إن حرمان الضيف والمشاركين من متابعة التغريدات التي تبثّ عبر الشاشة يضعف مبدأ التفاعلية التي هلّل لها الكثيرون منذ عقدين من الزمن. وذلك لأنها تظل محصورة بين مستخدمي موقع شبكة تويتر، ولا تسجل حضورا قويًّا في الشاشة. لذا لم يتردّد الباحث حسن عطيفي عن وصفها بالتفاعلية المخادعة! إذا ما الجدوى من نشر التغريدات في برامج التلفزيون؟

                                                          الإجابة

تختلف الإجابة عن هذا السؤال باختلاف مسارات المجيبين. فمدير قسم التلفزيون في مؤسسة قياس المشاهدة ” ميديا متري” Médiamétrie “، جوليان روسفالون، يرى أن القنوات التلفزيونيّة مهتمة برفع عدد مشاهديها. لذا تشجعهم على الانخراط في الحديث الرقمي عن البرامج التلفزيونيّة. ويرى نائب مدير الطبعات الإلكترونية في مؤسسة التلفزيون الفرنسي، من جهته: ( أن التغريد عبر شاشة التلفزيون يعدّ وسيلة من أجل تعويد الجمهور وجرّه إلى الحفاظ على صلته بالبرنامج التلفزيوني قبل بثّه، وفي أثناء بثّه، وبعد نهاية إرساله. فالتغريدة التي تبثّ عبر شاشة التلفزيون تولد جملة من التعليقات والتعقيبات بين مستخدمي شبكة الانترنت.)

إن التغريدات التي تبث في البرامج التلفزيونيّة  تؤكد على التناغم والتكامل بين خطاب البرنامج التلفزيوني وخطاب جزء من مشاهديه. وتدعو إلى التفكير في المنطق الذي يجعل ” الخطاب الخاص”، الذي تتضمنه تغريدات بعض المغردين، ينفذ إلى شاشة التلفزيون وينتشر في الفضاء العمومي.

يعتقد الكثير من الباحثين أن توظيف القنوات التلفزيونية لمواقع التواصل الاجتماعي، وشبكة تويتر تحديدا يندرج ضمن المسار الذي سلكه التلفزيون منذ مطلع تسعينات القرن الماضي. والذي دُشن ببرامج الحوار الاستعراضي ” Talk show ” وتلفزيون الواقع الذي أعطى الحق في الكلام للأشخاص العاديين والمغمورين، أي من عامة الناس الذين يأتون إلى الأستوديو لتقديم شهاداتهم العفوية على واقعهم المعيش.

ويعتقد البعض أن ” التغريد في مملكة التلفزيون” يندرج ضمن التحول العام الذي يشهده قطاع الإعلام والثقافة والتعليم، والذي يستند إلى فكرة التشارك في الإنتاج، وتقاسم المنتج، وتطبيق الذكاء الجماعي، كما هو مجسد في موسوعة ” ويكيبيديا” على سبيل المثال. وفي هذا التحوّل تغيرت مكانة الجمهور في المعادلة الإعلامية، إذ انتقل من جمهور مستهلك إلى جمهور مواطن. ومع تملك وسائل الإعلام التّقليديّة لمواقع التواصل الاجتماعي ظهر الجمهور الشاهد، والمناضل، والقاضي والمحلّل.

كيف نفكر في أخلاقيات الصحافة في المنطقة العربية؟

                                                     نصر الدين لعياضي

يعتقد البعض أن وهن الصحافة في المنطقة العربية وانحرافها يعود  أساسا إلى عدم احترام أخلاقيات الإعلام . يمكن أن نعتبر هذا الرأي بمثابة إجابة جيدة. لكن أين السؤال؟ 

تطلعنا بعض المنظمات المهنية وبعض الصحافيين بين الحين والآخر، على جملة من الانتهاكات لأخلاقيات الصحافة في هذا البلد العربي أو ذاك. فمن التحرش ببعض المتهمين في بعض القضايا التي لازالت في مرحلة التحقيق على مستوى الأجهزة الأمنية وتقمص دور القاضي الذي يحكم عليهم، مرورا ببث صور مهينة لأشخاص ساعة اعتقالهم بعد أن صدرت بحقهم مذكرات توقيف، وتثبيت التهم المنسوبة إليهم قبل امتثالهم أمام المحكمة، واستغلال صور أطفال قصر لأغراض تجارية ودعائية، وبثّ صور صادمة للقتل والتمثيل بالجثث التي تمارسها الجماعات المتطرفة، ونشر أخبار كاذبة دون تصحيحها[1]، واختلاق أحداث لا وجود لها في الواقع، ونشر مواد صحفية تمزج بشكل مشبوه بين الإشهار والإعلام، وتحريف المعلومات، والإفراط في نشر الأخبار مجهولة المصدر، والتحيز في نقل الأخبار وعدم الانصاف، والتحريض على ممارسة  العنف والميز العنصري،  وصولا إلى ابتزاز رجال المال والأعمال من أجل الحصول على امتيازات شخصية دون وجه حق أو دعم مالي للمؤسسة الإعلامية باسم الإشهار[2]. هذه بعض الأمثلة التي يبدو أنها تتفاقم في المستقبل القريب مع تعدّد حوامل الأخبار وانخراط أطراف جديدة في إنتاجها وبثّها.

إن الوعي بخطورة هذه الممارسات يختلف بين ممارسي الإعلام في هذا البلد العربي أو ذاك. فممتهنو الصحافة في بعض البلدان العربية يفتقدون المواثيق التي تؤطر النشاط الصحفي على الصعيد الأخلاقي ، وبعضهم بادروا بإصدارها مثلما حدث في المغرب وتونس. وأقدمت بعض المؤسسات الإعلام العربية، القليلة، على إصدار ميثاق أخلاقيات العمل الخاص بها. والسؤال الذي يمكن أن يطرحه البعض يتمثل فيما يلي: ما هو نصيب هذه المواثيق من النجاح في الحدّ من الممارسات المذكورة أعلاه التي تطعن في مشروعية العمل الصحفي؟

ربما يجرّنا هذا السؤال إلى سؤال أخر : ما هي الأسباب التي ساهمت في بروز هذه الممارسات وتلك التي ساعدت على استشرائها؟  فمن الصعوبة القضاء عليها دون معرفة أسبابها.

لتذليل هذه الصعوبة نميل إلى مراجعة الخطاب عن أخلاقيات الإعلام في المنطقة العربية وتحليله. وهذه مهمة ليست يسيرة نتيجة تعقد هذا الخطاب وتعدّد منتجيه ومصادره . لكن يمكن، من باب التبسيط، تصنيفه إلى فئتين : فئة الخطاب الجامعي، وفئة خطاب المهنيين والسياسيين والمثقفين.

خطابان.

لازال الدّرس الجامعي في العديد من الجامعات العربية يتناول موضوع أخلاقيات الإعلام من زاوية مذاهب الإعلام الكبرى: السلطوي، الليبرالي، والمسؤولية الاجتماعية والاشتراكي، وقد يضيف له البعض الإسلامي! ويثرى بشرح لنماذج من مواثيق أخلاقيات الإعلام التي صادقت عليها النقابات والمنظمات الصحفية الوطنية والدولية. ويعتقد بعض الطلاب: صحافيو المستقبل، أن هذا الدّرس لم يساعدهم كثيرا على مواجهة ما يعترضهم من قضايا ذات الصلة بأخلاقيات الصحافة في نشاطهم الميداني. هذا إضافة إلى أن المذاهب المذكورة قد تعجز عن تفسير الاختلاف في النظر إلى مسألة أخلاقيات الصحافة في البلدان التي تستمد ممارستها الإعلامية من الفلسفة الليبرالية ( فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية مثلا.) ويلاحظ أن بعض الأساتذة يدفعون بالدّرس الجامعي عن أخلاقيات الإعلام في اتجاه فلسفة الأخلاق وفق التّصوّر الكانطى، الذي يسمو بالواجب حتّى وإن كان ضد المنفعة. إنه التّصوّر الذي يؤكد على أن ( سيرتنا صحيحة إن كانت بغرض احترام القانون الأخلاقي، وليس لأننا نجني منفعة منها، أو لأن هذه السيرة  تكون لصالح سعادتنا. فالتصرف بحكم الواجب لا غير هو الذي يمنح قيمة أخلاقية لفعل ما (.[3] وينتهي هذا الدرس، مع الأسف، إما بتقديم “مواعظ” مهنية أو التنديد بسلوك الصحافة والصحافيين!

ينأى هذا التّصوّر عن واقع الممارسة الصحفيّة. ويسمو بالأخلاقيات عن العراك اليومي، ويجنب أصحابه المشاكل التي قد تترتب عن الحفر في العوامل التي تنتج الانحرافات في الممارسة الصحفية. لكنه يقع ، مع الأسف، في الخلط بين الأخلاق Morals والأخلاقيات Deontology. فالأخلاق تحيلنا إلى مجموعة من القيم والمبادئ التي نهتدى بها في حياتنا اليومية، وتمكّننا من التمييز بين الخير والشر، والعدل والظلم، والمقبول والمرفوض. بينما يعود مفهوم ” الأخلاقيات” إلى اللغة اليونانية ” دينوتس” ( deontos ) والتي تعني ” الواجب” وتتضمن جملة من الالتزامات التي يتطلب من الأشخاص القيام بها في عملهم؛[4] أي أنها مجموعة من التوصيات الأدبية والاعتبارية، ومدونة سلوكية يتبعها المحترفون في مهن محددة، ويستدلون بها في نشاطهم لأنها توجههم نحو ما هو أفضل للتصرف في مواقف وأوضاع معينة. يتبنونها بشكل طوعي ولا تفرض عليهم بالقوة لأنهم هم من سَنّوها.

                                                      تعارض

هل يمكن للأخلاقيات أن تتعارض مع الأخلاق؟ سؤال لا زال يثير الكثير من الجدل. فبعض الصحافيين ومنظماتهم المهنية يعتقدون أن الأخلاق تملي على المصور الصحفي، على سبيل المثال، التدخل لإنقاذ غريق حتّى وأن تطلب الأمر التخلي عن مهمته، بينما الأخلاقيات تتطلب منه أداء واجبه المهني والتقاط صور للغريق كالتزام مهني وتلبية للحق في الإعلام.

ويضع هذا التصور مسألة أخلاقيات الصحافة على كاهل الصحافي المطالب بالاحتكام إلى ضميره وتغليب واجبه حتّى وإن تعارض مع مصلحته. بينما يدرك الأخصائيون بأن (أخلاقيات الإعلام لا تختزل في الفعل الذي يقوم به الأشخاص المرئيون أكثر في حقل الإعلام: الصحافيون، والمصورون، والمخرجون، وفنيو التلفزيون. إنها ترتبط أيضا بالفعل الذي يقوم به قادة وسائل الإعلام ، والمؤسسات الإعلامية)[5].

أمام تقاعس بعض الأنظمة العربية عن تطبيق بعض بنود قوانين الإعلام التي سنّتها يتداخل في ذهن بعض الكُتّاب والمهنيين والسياسيين وحتّى النقابيين المفهومين التالين : القانون والأخلاقيات. هذا ما يتضح على سبيل المثال من إدراج بعضهم المساس بالحياة الخاصة للأشخاص العاديين ” و”التشهير بالغير” في خانة انتهاك أخلاقيات العمل الصحفي [6] ، بينما أدرجها المُشَرّع في خانة قوانين الإعلام في جلّ الدول العربيّة. كذلك الأمر بالنسبة لحق الرد الذي يُعدّ فصلا كاملا في قوانين الإعلام لكن لا تلتزم به جلّ وسائل الإعلام في المنطقة العربية،[7] ولا يندرج في باب الأخلاقيات. ويتأكد هذا الخلط أكثر في مواثيق أخلاقيات الإعلام التي صدرت في لبنان في 1958، و1974، و 1992، و 2006 التي أبرمت بعضها نقابة الصحافيين مع الحكومة. وجاء بعضها الآخر بعد اتفاق بين مجالس إدارة المؤسسات السمعية البصرية والحكومة. وتعتبر هذا المواثيق بمثابة وثائق تكرس التوافق بين السلطة السّياسيّة والصحافة لضمان حرية التعبير وتحدّيد مسؤوليات وسائل الإعلام في ظروف سياسية خاصة مر بها لبنان[8]. ولم تنبع من قاعات التحرير، ولم يصغها الصحافيون بقصد تنظيم مهنتهم وضبطها.

يمكن القول من باب توضيح الفرق بين القانون وأخلاقيات الإعلام بأن (القانون يحدّد مجمل القواعد التي تطبق في مجتمع معين. ويعاقب كل من لم يلتزم بها. ويروم إحداث الانسجام الإنساني في المجتمع، والتوافق بين مصالح جميع المواطنين، ويمنع حدوث النزاعات ويحلّها إن حدثت في إطار بعض القيم الأساسية الخاصة بمجتمع ما وثقافة معينة.)[9] إذا القانون يتسم بطابعه الزجري ويطبق على مهنة ما دون الحصول على موافقة مسبقة من أصحابها. بينما الأخلاقيات هي مجمل الواجبات والمعايير التي تضبط مهنة ما والتي يتفق عليها أصحابها. والسؤال المطروح هل أن الأخلاقيات تتعارض مع القانون؟ سؤال لازال يثير الكثير من الصراع بين السلطة القضائية وممثلي بعض المهن. فبعض المنظمات الطبيّة، على سبيل المثال، تجيز ممارسة ” القتل الرحيم” في مدوناتها الأخلاقية عندما تفقد الهيئة الطبيّة المشرفة على علاج المريض الأمل في شفائه، وتقرّ بأن الأفضل الرفق به وتخليصه من عذابه. بينما القانون يُجرّم القتل مهما كانت صفته  رحيما أو غير رحيم، سواء كان مُتَعَمِّداً أو دون قصد.

   أسباب

السؤال الذي يثار هو كالتالي: لماذا لا تحترم أخلاقيات الإعلام في الصحافة العربيّة؟                        يحصر بعض الصحافيين والنقابيين وأساتذة الصحافة الأسباب التي تقف وراء عدم الالتزام بأخلاقيات مهنة الصحافة في العديد من البلدان العربيّة، في العوامل التالية: القيود التي تفرضها السلطة السّياسيّة وجماعات الضغط على الصحافة، وخضوع الإعلام للأجندات السّياسيّة للدول، وهشاشة اقتصاد وسائل الإعلام وتبعيته للإشهار ، والخلط بين الإعلام والإشهار، ومزج الإعلام بالعلاقات العامة[10]، وثقافة المجتمع، والترهيب الذي تمارسه الجماعات المتطرفة[11]، ورؤية الصحافيين لذاتهم[12]، والتحاق من لا مهنة لهم بالعمل في قطاع الصحافة.[13] وضعف تكوين الصحافيين.[14]

لفهم الإخلال بأخلاقيات مهنة الصحافة في البلدان العربية بشكل أفضل، يجب النظر إلى السياق التاريخي الذي نشأت فيه هذه الصحافة وتطورت ، والذي يختلف عن السياق الذي نشأت فيه الصحافة الأجنبية في بلدان شمال أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. ففي هذه البلدان ظهرت الصحافة في سياق حرية الفكر والتعبير، مما يفترض وجود تعددية الرأي والفكر. وتطورت في ظل منافسة اقتصادية تؤطرها جملة من القوانين والتشريعات التي تتجدّد باستمرار بتطور المجتمعات ، وفي ظل تطور مجتمع مدني قوي تشارك فيه جمعيات الصحافيين ونقاباتهم التي لعبت دورا كبيرا في صياغة مواثيق أخلاقيات الإعلام. بينما ظهرت الصحافة في المنطقة العربيّة ضمن مشروع سياسي مناهض للاستعمار ، بدءًا بصحيفة “العروة الوثقى” التي أصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في باريس في 13 مارس 1884. وهذا يعني أنها صحافة نضال وتجنيد ضد العدو. فــفي عرفها “كل من ليس معها هو ضدها”؛ أي عدو وليس منافسا أو غريما تختلف معه في الرأي أو الموقف أو الإستراتيجيا ، بمعنى أنها صحافة أحادية الفكر تعتمد أكثر على مواد الرأي على حساب المعلومات والاستقصاء. تُخوّن كل ذي فكر مخالف و”تشيطنه”. فالمهم بالنسبة لها يكمن في مضمون الرسالة التي توصلها إلى الجمهور. ولا تولي الكثير من الاهتمام والعناية بالجوانب المرتبطة بأخلاقيات الإعلام ، مثل ضرورة التحرّي عن صحة المعلومات والأخبار ، وعدم الافراط في الاستناد إلى مصادر الأخبار المجهولة أو التستر عليها،  والإنصاف في المعالجة الصحفيّة للقضايا المختلفة، وعدم استعمال الأساليب المشينة للحصول على المعلومات. ضمن هذا السياق رسخت الممارسة الصحفيّة في العديد من البلدان العربية في ظل عدم الفصل بين السلطات: التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة، مستفيدة من تعثر الصحافيين في تنظيم مهنتهم وضبطها على غرار الفئات المهنيّة الأخرى: الأطباء ، والصيادلة، والمهندسين المعماريين، والمحامين، والقضاة، وغيرهم. واستندت الكثير من وسائل الإعلام الخاصة، التي انطلقت كمشاريع تجاريّة في العديد من البلدان العربيّة، إلى هذه الممارسات. وأضافت لها ما يوحي ” بالتراجع” في ممارسات أخلاقيات الإعلام، مثل ابتزاز الغير ومساومتهم للحصول على الإشهار أو على امتيازات مثلما ذكرت بعض النقابات.[15] وقد تفاقمت هذه ” الإضافات “، مع الأسف، بعد أن التحمت مصالح الجماعة المالكة لوسائل الإعلام والقوى السّياسيّة المتحكمة في صنع القرار. وجعلت من وسائل الإعلام أداة لتصفية الحسابات السّياسيّة كما حدث في الجزائر¨.

لعل القارئ الكريم يخالفنا الرأي بالقول أنه من الخطأ تقييم ممارسات أخلاقيات الإعلام في المنطقة العربية على ضوء مواثيق الشرف والمدونات الأخلاقية المعمول بها في المؤسسات الإعلامية الغربية. وذلك لأن الأخلاقيات معطى نسبي يخضع لتطور المجتمعات. ففي فرنسا على سبيل المثال أقدمت إدارة قناة التلفزيون الفرنسي الثانية على فصل مذيعة أخبار عن العمل في 1976 لأنها تجرأت وقدمت نشرة الأخبار وهي مرتدية تنّورة تظهر ركبتيها. واليوم لا أحد يعترض على صور المذيعات وضيفات البرامج التلفزيونية اللواتي ترتدين لباسا لا يخفي من مفاتنهن إلا القليل! لا سلطة ضبط السمعي البصري، ولا السلطات العمومية، ولا الصحافيين ولا المشاهدين. وتعبر أخلاقيات الإعلام عن الاختلاف الثقافي بين الشعوب وتعكس خصوصيات  كل شعب وقيمه. إذ يختلف موضوع الحياة الشخصية، على سيل المثال، في المجتمع الفرنسي عن المجتمع الأمريكي. لعل البعض يتذكر أن الصحافة الأمريكيّة لم تتردّد في نشر الملف الطبي للرئيس الأمريكي الراحل “رولاند ريغن” الذي تضمن صورا بالأشعة لجهازه الهضمي أثناء مرضه! بينما حكم القضاء الفرنسي بمنع توزيع كتاب “السر الكبير”، الذي ألفه كلود غولبي طبيب الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا متيران، الخاص بمعية الصحافي الفرنسي ميشال غونود. والذي يروى تفاصيل عن مرض الرئيس المذكور بعد أسبوع من وفاته.

اعتراض

قد يجد البعض أن ما سبق قوله يفتقد الدقة لأنهم يعتقدون أن الحديث عن أخلاقيات الإعلام لا يجدي نفعا في غياب ميثاق الشرف داخل المؤسسة الإعلامية أو على مستوى منظمات الصحافيين والهيئات الساهرة على تطبيقه . فالقول بأن أخلاقيات الإعلام تراجعت في المؤسسات الإعلامية يعني أن هذه المؤسسات كانت تملك ميثاقا للشرف المهني والتزمت فعلا بتطبيقه لكنها تراجعت عن تجسيده في الممارسة العملية لأسباب مجهولة. وهنا يكمن التغريب الذي يحوّل الشيء أو الظاهرة التي نريد دراستها من أمر “عاد جدا” ماثل مباشرة أمامنا إلى أمر مدهش غير متوقع.” ففي معنى من المعاني يصير الوضوح في حد ذاته غير مفهوم، على حين أن هذا لم يحدث إلا لكي يجعله مفهوما كل الفهم.” [16]

 وقد يلومنا البعض على التطرق لموضوع أخلاقيات “الإعلام العربي” دون الأخذ بعين الاعتبار تجدّدها وتطورها بتطور الطلب الاجتماعي واستشعار الصحافيين ورجال الإعلام الصعوبات الجديدة والمخاطر التي تهدّد مهنتهم. ويستدلون في ذلك بميثاق الوجبات المهنية للصحافيين الفرنسيين الذي صودق عليه في 1918. وتمّت مراجعته في 1938. وعُدّل في 2011  ليُضاف له مبدأ السر المهني لحماية مصادر الأخبار. وليحظر كل الأساليب غير النزيهة والمشينة للحصول على الأخبار والمعلومات.[17] وربما يبلغ اللوم مداه إن اقترن بالقول أن الكثير من وسائل الإعلام العربيّة، خاصة العموميّة، لا تحتاج إلى حماية السر المهني لأنّها لازالت “صحافة جالسة”، أي أن صحافييها لا يغادرون قاعات التحرير إلا لِمَامًا ، ينتظرون البيانات وبرقيات وكالات ألأنباء لنشرها. وإن غادروها فتظلّ مصادر معلوماتهم رسميّة في الغالب حتّى وإن تستّروا عليها. لعل بعض صحافيي وسائل “الإعلام العربية” المتشائمين لا يرون أي جدوى من حظر الأساليب المشبوهة للحصول على المعلومات والأخبار في مجتمع يعاني من فساد طبقته السّياسيّة ونخبته الاقتصاديّة. فالصحافة في نظرهم لا تنشط في بيئة معزولة عن المجتمع. ويحتمل أن ينمّ هذا الرأي عن نزعة تبريريّة يعزّزها القول بأنّ الصحافة مؤسسة اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة ولا تشكل حالة استثنائيّة في أي مجتمع.

تأسيسا على ما سبق ذكره، هل يمكن أن تستدرك وسائل الإعلام العربيّة ” تأخرها” في تطبيق أخلاقيات العمل الإعلامي إن توفرت الشروط الضروريّة لذلك، مثل تنظيم مهنة الصحافة وتبني سياسة توظيف واضحة وتطبق على الجميع، وضمان حقوق الصحافيين بما يضمن لهم كرم المعيشة، وقيام الصحافيين ذاتهم بإصدار لوائح لأخلاقياتها ، وإخضاعهم للمساءلة من قبل نظرائهم. وإجبار المؤسسة الإعلامية على الرد على مساءلتها. وإنشاء هيئات مستقلة لضبط العمل الصحفي والبثّ الإذاعي والتلفزيوني تشمل ممثلي المجتمع المدني: محامين، قضاة، فنانين، مثقفين، وهذا تجسيدا لقناعة راسخة بأن الحق في الإعلام وصيانة حرية التعبير ومقاومة انحراف وسائل الإعلام كلها مهام لا تقع على كاهل وسائل الإعلام والسلطات العمومية وحدها لأنها تعد شأنا مجتمعيا.

تفاديا للسقوط في التعميم، يمكن القول أن هذا ” التأخر” متفاوت بين وسائل الإعلام العربيَة من جهة، وبين البلدان العربيّة من جهة أخرى. فهناك بعض البلدان استكملت شروط ضبط العمل الصحفي، وتعمل المنظمات الصحفية بجدّ على مراقبة الالتزام بأخلاقياته.

                                              هاجس كوني

لم يكف مجال الأخلاقيات عن التوسع والتمدّد. وهدفها لم يعد مقتصرا على تحديد الواجبات المهنيّة، بل أضحى يروم تنظيم النشاط الاقتصادي سواء بالحد من تدخل الدولة الملزم أو ترقية نشاط ما وتطبيع المنافسة.[18] لذا أصبحت الأخلاقيات تشكل هاجس كونيًّا متجددًّا بتعقد قطاعات النشاط الاقتصادي والاجتماعي والعلمي، وبتطور المهن. فهامش استقلالية الصحافة كمهنة نشأ محدودا وهشّا ويزداد هشّاشة بتضاعف الإكراهات الاقتصاديّة والسّياسيّة والتكنولوجيّة ، مما دفع بعض المختصين إلى الاعتقاد بأن أخلاقيات الإعلام تحوّلت إلى أمنية أو ضرب من الوهم اللذيذ  أمام الإخفاق في تحقيق{ التمفصل الضروري بين قواعد ما يجب ” إنجازه على أكمل وجه” ( وهو من صلب الأخلاقيات)، والشروط الملموسة ” لإنجازه” والتي لا تتزامن بالضرورة مع ” الخبرة والمهارات”}[19]

 يشكل هذا التمفصل تحديا كبيرا للصحافيين والمؤسسات الإعلامية  ذا أبعاد مختلفة: تكنولوجية واقتصادية وسياسية.

على الصعيد التكنولوجي: لازالت القنوات التلفزيونيّة تعاني من وطأة البث التلفزيوني المباشر. فالصحافي الموجود في مكان وقوع الحدث لينقله ساعة حدوثه لا يملك من الوقت ما يسمح له بالتحرّي في تفاصيله وسياقه وخلفياته. ولا يستطيع النأي قليلا عنه والتفكير المتروّي فيه. وإن حاول أن يفعل ذلك فالمنافسة بين القنوات التلفزيونيّة وبقية وسائط الاتصال لا ترحمه. أمام هذه المعاناة في تحقيق المطلب الأخلاقي: الدقة في نقل الأخبار والمعلومات، داهمت مواقع التواصل الاجتماعي المؤسسات الإعلامية وحاولت أن تغير قاعدة تعاملها مع الأخبار، بعد أن أصبحت تنشرها قبل التحقق في صحتها ومصداقيتها. بل تخلت عن هذه المهمة وأحالتها إلى مستخدمي هذه المواقع. وقد حاولت وسائل الإعلام مجاراة هذا التحوّل في العمل الصحفي وأصبحت تستعين بمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي للتأكّد من صحة المعلومات قبل نشرها. غيرت هذه المواقع بعض القيم الإخباريّة ، مثل الواقعية والحقيقة، وجعلتها تُقاس بعدد الذين يطلعون على الخبر. فكلما ازدادوا ارتفعت مصداقيته! لقد ابتكرت هذه المواقع ” الأخبار الفيروسيّة”، أي التي تُعدي مثل الفيروس. فلا تراعي فيما تنشره الانصاف والنزاهة والواقعية والدقة لأنها تَتَعّمد الاستفزاز واستثارة العاطفة من أجل جذب اهتمام أكبر عدد من مستخدمي هذه المواقع ، ليكبسوا على أزرار: أحب أو أتقاسم  لرفع نصيبها من الإشهار.[20] وها هي وسائل الإعلام تواجه اليوم تحديًّا جديدا ممثلا في الأخبار المزيفة  Fake News ، وشرائط الفيديو المضللة Deep Fake. والقليل جدا من وسائل الإعلام العربية أعدّت العُدّة لمقاومتها.

على صعيد المؤسساتي: يمكن القول أن المؤسسة الإعلاميّة تعيش طفرة جينيّة. فرضت على الصحافي أن ينوع مهاراته ويطور كفاءته. فبعض المهن اندثرت، وانصهرت أخرى في مهنة واحدة. وظهرت مهن جديدة. تؤكد هذه الطفرة أن العمل الصحفي أصبح متلاحما. فالمادة الصحفية التي تنشر أو تبث هي ثمرة تعاون العديد من الأطراف. فمن الصعب القول أن هذه المادة الصحفية من إنتاج فلان بمفرده. فكل واحد يتكفل بمهمة أو يقوم بإنجاز جزء معين من المادة الصحفية: الموثق الذي يجمع البيانات والوثائق الورقيّة والرقميّة ، ومحلّل البيانات ، والمختص في الغرافيكس الذي يعطي بعدا مرئيا للمادة الصحفية سواء من خلال الأشكال والرسوم البيانيّة والمجسمات أو على صعيد الإخراج ككل ، والفني أو المهندس الذي يشرف على موقع الوسيلة الإعلامية في شبكة الانترنت وينشر المواد تباعا، والشخص الذي يتابع تعاليق الجمهور وتفاعلاته مع المادة المنشورة فينتقي منها ما يصبح جزءا أساسيا من متن المادة الصحفية.  هكذا انفتح المجال لتعدّدية المسؤولية على ما ينشر أو يبث فطرح صعوبة على صعيد أخلاقيات العمل الصحفي. فهذه الأخيرة  تنص على مبدأ  “التنسيب” imputability؛ أي تعيين الشخص الذي يمكن تحمّيله مسؤولية الإخلال بإحدى بنود ميثاق أخلاقيات الصحافة في هذه المادة الإعلاميّة أو تلك.

على الصعيد الاقتصادي: اشتد التوتر البنيويّ بين أهداف الصحافة كمهنة بكل ما تحمله من مثل وواقع المؤسسة الإعلامية الاقتصادي. ومع تفاقم الأزمة التي يعيشها قطاع الإعلام  ترتب عن هذا التّوتّر بعض التنازلات على صعيد أخلاقيات الإعلام، والتي يمكن ملاحظاتها على أكثر من مستوى، منها المزج بين الإعلام والإشهار وتأسيس ما أصبح يعرف ” بالربورتاج الإشهاري ” advertorial ” publireportage” في الصحافة المكتوبة أولا، ثم عمّ مختلف وسائل الإعلام. وInfotainment” ، التي تدل على اتجاه في معالجة مجمل البرامج – التلفزيونية والإذاعية- والإخبارية وفق أساليب الترفيه[21]. وهذا بقصد تقريب الأخبار من الجمهور وجعلها في متناول الجميع، وزيادة شعبية الوسيلة الإعلامية وبرامجها للحصول على أكبر عائد من الإشهار. وقد اتسع هذا الاتجاه بعد أن أصبحت شبكة الانترنت ومنصاتها الرقمية منافسا لوسائل الإعلام السمعية، والسمعية البصرية، في مجال الإشهار.

لقد انتهى التّوتّر المذكور بتسليم إدارة المؤسسات الإعلامية إلى إداريين قادمين من قطاعات مختلفة: البنوك، والبناء والإسكان، والتجارة الذين لا هم لهم سوى تعديل موازنة المؤسسة وتحقيق الأرباح. وقد دفع الصحافيون ثمن هذا التّوتّر: تسريح الكثير منهم، والتوجه إلى الاعتماد المتزايد على الصحافيين الناشئين الذين يتعاملون بالقطعة أو ضمن عقود عمل محدودة المدى والذين لا يسعفهم وضعهم المهني للدفاع عن أخلاقيات العمل الصحفي.

أخيرا، يمكن القول أن خلاص الصحافة من متاعبها لا يأتي من ترحيل مشاكل وسائل الإعلام المعقدة وتعليقها على مشجب ” غياب أخلاقيات العمل الصحفي”. وهذا لا يعني استصغار البعد الأخلاقي في الارتقاء بالعمل الصحفي، بل يقرّ بأن الإخلال بأخلاقيات العمل الصحفي ليست السبب الأساسي في  متاعب العمل الصحفي في المنطقة العربية. إنها نتيجة لجملة من العوامل يجب حصرها والبحث عن أسباب التي أدت إلى نسف الكثير من مبادئ أخلاقيات العمل الصحفي، والتفكير في أفضل السبل لمكافحتها ضمن هيئات الضبط الذاتي للمهنة، وتحرير هذه الأخيرة ضغط  المعادلة الثلاثية : السلطة والصحافيين وراسمال الخاص.  وجعل الصحافة، باعتبارها مهنة وليست منتجا، قضية الجميع، قضية المجتمع بأسره.

المراجع:

¨ يمكن القول من باب التحديد أن الجزائر لا تشكل استثناءً ، لأن هذا القول يشمل العديد من الصحف بما فيها تلك التي ظهرت في المهجر منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي. لقد أنُْشئت ووجهت لتصفية الحسابات بين الأنظمة العربية وليس لإعلام المواطن العربي بما تتطلبه أخلاقيات العمل الصحفي. وبهذا تكون استفادت من التراث الشعري الجاهلي واتجهت إما إلى المدح أوالهجاء!

[1] – يمكن أن نذكر على سبيل المثال الإعلان عن وفاة  الرئيس التونسي السابق، محمد الناصر، والإعلان المكرّر عن وفاة المجاهدة  الجزائرية جميلة بوحيرد  وتكذيبه أكثر من مرة.

[2] – أنظر على سبيل المثال البيان الذي نشرته نقابة الصحافيين الأردنيين والمنشور في صحيفة الرأي الأردنية يوم 6/11/2014

[3]-Philocours.com: La Morale Qu’est-ce qui rend une action bonne ? étude de la philosophie morale kantienne consulté le 21/11/2019 sur le site: http://www.philocours.com/new/cours/pages/cours-moralekant.html

[4]-La commission d’éthique  en science et technologie- Québec : Qu’est-ce que l’éthique, consulté le 20 –112019 sur le site : http://www.ethique.gouv.qc.ca/fr/

[5] – Cornu Daniel, L’éthique de l’information, Paris, PUF, 1997, p8

[6] – أنظر على سبيل المثال : سليمة لبال، شرف الصحافة العربية.. مواثيق حبر على ورق! صحيفة القبس- الكويت- الصادرة يوم  6 نوفمبر 2018  وبيان نقابة الصحافيين الأردنيين التي ذكرناها أعلاه.

[7] – يبدو أن عدم تمكين المواطنين من حق الرد في وسائل الإعلام العربية تحوّل إلى قاعدة عمل ولا يعد استثناء ً وهذا منذ عقود من الزمن. يذكر الكاتب الساخر، محمود السعدني أنه عندما صدر الحكم لصالحه في تهمة الإساءة إلى مسؤولي قطاع السينما بتبديد المال العام لم تقبل الصحف المصرية نشره بعد التشهير به.  فاضطر إلى نشره في الإعلانات المبوبة في جريدة الأهرام بمقابل مالي لكنه ظهر بخط صغير لا يُرى في موضع  إعلانات بيع السيارات المستعملة وتأجير الشقق المفروشة، أنظر كتابه الموسوم ” الولد الشقي في المنفى” مطبوعات أخبار اليوم د.ت مصر ص 18.                                                        لقد أخذت هذه الممارسة في الجزائر أبعادا أخرى أكثر خطورة. فعندما ترفض صحيفة ما نشر حق الرد لشخص ما. يلجأ هذا الأخير إلى صحيفة أخرى لنشره كنص إشهاري ويستغل الفرصة لينال من سمعة الصحيفة التي لم تلتزم بحق الرد المنصوص عليه في كل قوانين الإعلام الجزائرية. فترد هذه الأخيرة في صفحاتها على الصحيفة التي سمحت للغير بالنيل من سمعتها. وهكذا تندلع معركة القدح والذم بين الصحيفتين!

[8] – جورج صدقه: الأخلاق الإعلامية بين المبادئ والواقع، مؤسسة مهارات، بيرت، 2008، ص 68-71

[9] – La commission d’éthique, op cité

[10] – عصام سليمان الموسى:  أخلاقيات الإعلام في الأردن: مسألة لها خمسة جوانب، مسترجع بتاريخ 20/11/2019  من الموقع، https://urlz.fr/b9iA

[11] – Moukalled Diana:  Proceedings of Conference Media Ethics & Journalism in the Arab World: Theory, Practice & Challenges Ahead, Lebanese American University Beirut, Lebanon- Institute for Professional Journalists in cooperation with the Heinrich Böll Foundation  June 9–11, 2004

[12] عبد الوهاب بوخنوفة: دور الإعلام العربي في المرحلة الراهنة : دراسة في تصورات الصحفيين العرب، مداخلة في مؤتمر” الإعلام العربي وأسئلة التغيير في زمن التحوّلات ، كلية الإعلام والتوثيق ، بالتعاون مع دراسات إعلامية لبنانية، بيروت ،  5-7 مايو 2016

[13] – سليمة لبال، مرجع سابق

[14] –  للدلالة على ذلك يورد محمد شلبي أن وسائل الإعلام المختلفة، بما فيها العربية، نشرت يوم 5 فبراير 2003 خبر مفاده أن كاتب الدولة للخارجية الأمريكي، كولن باول عرض في مجلس الأمن صورا للأقمار الصناعية “تثبت” أن العراق يملك أسلحة دمار شامل. وقد فات على ذهن الصحافيين إدراج فعل ” قال ” ، لتصبح قال باول أنها تثبت…. وهذا حتى لا يبدو أن كٌتّاب الخبر يشاطرون ما ذكره  وزير الخارجية الأمريكي: أنظر:  عندما يغيب التحرّي في الوقائع تكون الصحافة أدنى من الهاوية صحيفة العرب الصادرة يوم الإثنين 22/07/2019 مسترجع بتاريخ 21/11/2019 من الموقع: https://urlz.fr/b9jJ

[15] – أنظر على سبيل المثال البيان الذي نشرته نقابة الصحافيين الأردنيين

[16] – محمد غنيم هلال : في النقد المسرحي ، دار العودة بيروت 1975، ص 68

[17] De Vulpillières  Eléonore : Ethique professionnelle du journaliste et critique du système médiatique : vers la refonte d’une profession; consulté le 21/11/2019 du ditehttp://eleonoredv.over-blog.com/2017/06/ethique-professionnelle-du-journaliste-et-critique-du-systeme-mediatique-vers-la-refonte-d-une-profession.html

[18] Decoopman Nicole – Droit et déontologie, contribution à l’étude des modes de régulation  consulté le 23/11/ 2019 sur le site: https://www.u-picardie.fr/curapp-revues/root/23/decoopman.pdf

[19] – Cornu Daniel: La déontologie entre l’évolution des pratiques, la sédimentation des idées reçues et la permanence des valeurs. Journalisme et objectifs commerciaux, consulté le 20/11/2019 sur le site: http://metamedias.blogspot.com/2005/07/la-dontologie-entre-lvolution-des.html

[20] – Aidan White Le journalisme éthique refait la Une, Courier de l’unesco Juillet – septembre 2017

[21] – We Are COM: Infotainment  consulté le 26/11/2019 sur le site: https://www.wearecom.fr/dictionnaire/infotainment/

 

نُشر بواسطة د. نصرالدين

- د. نصر الدين لعياضي، كلية علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر - 11الجمهورية الجزائرية شارع مختار دود بن عكنون الجزائر العاصمة العنوان الإلكتروني: alayadi2014@outlook.com

%d مدونون معجبون بهذه: