في انتظار “الميديا” المتأنية

نصر الدين لعياضي

من كان يدري أن حركة الاحتجاج التي قادها المواطن الايطالي” كارلو بيتريني” على افتتاح مطعم ماكدونالدز في ساحة ” سبنا” بروما في العام 1986 ستؤدي إلى ميلاد حركة دولية مناهضة للوجبات السريعة أو بالأحرى الأطعمة السريعة. وينظم إليها المثقفون والفنانون وعلماء الاجتماع ومزارعون. وتعترف بها الأمم المتحدة في 1989؟ لم يكن أحد يتنبأ في تلك السنة أن هذه الحركة التي اتخذت من الحلزون، رمز البطء، علامتها المميزة Logo تتحول إلى تيار فكري وفلسفي يتعدى الدعوة إلى العودة إلى الطبيعة في إنتاج المواد الغذائية وطبخها واستهلاكها. ويمتد إلى العديد من الميادين، مثل السفر، والعلاقات العامة، والأخبار، والصحافة، والتلفزيون، والميديا بصفة عامة.

لقد لاحظ الكثير من المختصين أن الانتقال إلى العصر الرقمي قد ضاعف كمية المعلومات والأخبار   وعجل في تدفقها وسريانها في أرجاء الكرة الأرضية. فالباحثة الفرنسية المختصة في إدارة المعلومات في الشركات، كارولين سوفجول-ريالوند، ترى أن عدد الأخبار يتضاعف كل أربع سنوات، وأن البشرية أنتجت من المعلومات عددا من الأخبار في السنوات الثلاثين الأخيرة ما يتجاوز ما أنجزته طيلة 5 ألاف سنة من تاريخها!

تخّمة الأخبار

يعتقد البعض أن كمية الأخبار المتداولة بين البشر ما انفكت في التزايد قبل ميلاد العصر الرقمي. فالباحث الأمريكي في العلوم الاجتماعية ” برترام ميرون”، ابتكر مفهوم ” الافراط في الأخبار” في 1962. وقد وظفه عالم المستقبليات الأمريكي ” آلفين توفلرفي كتابه المعنون بــ ” صدمة المستقبل” لتحليل تأثير التكنولوجيا على إدارة المؤسسات وعلى السلوك الاجتماعي. ولعل المفهوم الأكثر دقة ودلالة على ضخامة الأخبار التي تطفح عبر مختلف الحوامل الرقمية في العصر الراهن هو ” البدانة الإعلامية” infobesity  الذي ابتكره الكاتب والسينمائي الأمريكي ” دافيد شنك” في  مؤلف بعنوان: ضباب البيانات الدخاني: النجاة من تخمة المعلومات، ونشره في  1993. ويمكن تعريف هذه البدانة بكمية الأخبار والمعلومات  الرهيبة التي تصلنا عبر مختلف الوسائط التقليدية والحديثة بشكل آني ومتزامن ومتواصل، فتصيب الفرد بالتخمة. لقد بلغت هذه التخمة درجة أن 60  %من الأشخاص يتقاسمون المقالات التي تصلهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون أن يقرؤونها، حسب الدراسة التي قامت بها جامعة كولومبيا الأمريكية  وأصدرتها بمعية المعهد الوطني للبحث في علوم التكنولوجيا الرقمية الفرنسي  وقدمت صحيفة “الواشنطن بوست ” يوم 16 يونيو 2016 ملخصها. إن كانت التخمة تحول دون ابتلاع الأخبار فلا مجال للسؤال عن عملية هضمها؛ أي ترتيبها وفق نظام من الأولويات لأنها تتضمن الغث والسمين والمهم والتافه، وادراك معناها، وتذكرها. حقيقة أن قدرات الانسان الذهنية والعقلية التي تؤهله للاحتفاظ بالمعلومات لفترة طويلة وتذكرها متفاوتة، وتختلف من شخص لأخر، لكنها تظل محدودة في نهاية المطاف. فالتخمة الإخبارية لا تنهك الذاكرة فقط، بل تشتت أيضا الانتباه وتضعفه.

مفارقة

إن التغيير المتسارع في الإنتاج الإعلامي أدى إلى تراجع التقاليد الصحافية حيث اضطرت الكثير من الصحف إلى إنتاج أكبر عدد ممكن من المواد الإعلامية بأقل عدد من المهنيين لمواجهة الأزمة التي تعيشها  لقد وجدت وسائل الإعلام نفسها مضطرة إلى ركوب موجة التكنولوجيا الرقمية لمنافسة ” الميديا الجديدة” في أرضية ليست لصالحها: أرضية الآنية، والسبق الصحفي دون التأكد من مصدر الأخبار، والسعي للحصول على أكبر عدد من المتابعين والمعجبين بكبسة على الأيقونة قصد الحصول على أكبر نصيب من الإعلانات. ففي هذا الإطار يقول مؤسس المجلة البريطانية ” ديلايد غراتفيكشن”Delayed Gratification ”  ) الإشباع المتأخر ( إننا انتقلنا من شراء منتجات مادية بفضل الإعلانات التي تنشرها وسائل الإعلام إلى نموذج إعلاني خالص. يتمثل في التحريض على نشر المحتويات المستفزة، والتي تتسم بالإثارة الخالية من أي قيمة مضافة أو إبداع، مجانا للحصول على المال مع إدراج الإعلانات الغازية : شرائط الإعلان المنبثقة في الشاشة بشكل فجائي، وفيديوهات إشهارية مبرمجة آليا، وغيرها.

ظهرت ” الميديا المتأنية” في 2009  لمعالجة المفارقة الكبرى التي أصبحت تعاني منها البشرية: ففي الوقت الذي تزايدت فيه الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطبية والمناخية تعقدا، اتجهت ” الميديا”، بمختلف أنواعها، إلى التبسيط الذي يخل بالفهم، وإلى التسطيح الذي يتماهى مع التتفيه ، وإلى الكتابة المستعجلة القائمة على الصور النمطية والكليشيهات على حساب التروي والتأمل. فالجمهور لا يهمه معرفة من هي الوسيلة الإعلامية التي سبقت غيرها في نقل خبر انتخاب فلان في هذا البلد أو ذاك. فما يهمه حقا هو الشرح الذي يفسر له أهمية هذه الانتخابات وتأثيرها على حياته بشكل مباشر أو غير مباشر، وما ينتظر بلده منها.

ما هي الميديا المتأنية؟

تُعرف الصحافية “إميلي موغي” العاملة في الموقع الفرنسي في شبكة الانترنت” كاتر أور”Quatre heures ” أي ” أربع ساعات”، هذا الضرب من الميديا بأنه نوع من الاتفاق الذي يبرمه الناشر مع القارئ. إنه أكبر من دعوة إلى القراءة بل انغماس في الأحداث، يمثل قطيعة مع إيقاع الإنتاج الإعلامي وتوزيعه. وتقول عنها الصحافية  ” كلير برثليم ” من المجلة  الرقمية الفرنسية ” لانبريفي”  l’imprévu”” أي غير المتوقع”   أنها تتطرق إلى المواضيع التي تمر عليها وسائل الإعلام الكلاسيكية مرور الكرام.  تعالجها بعمق وتحللها: القضايا القضائية، والكوارث الطبيعية، والنزعات الاجتماعية؛ أي كل القضايا التي تبرزها وسائل الإعلام لفترة فتثير زوبعة من ردود الفعل، ثم تنصرف عنها بسرعة وتطوى في غياهب النسيان.

يعتقد البعض أن مسمى ” الميديا المتأنية” يحيل إلى المدة الزمنية التي تُصرف في إنتاج ما تبثه أو تنشره. وهذا خلافا لوسائل الإعلام التقليدية التي تسعى إلى تغطية أكبر عدد من الأحداث والموضوعات في أقصر فترة زمنية ممكنة وبطريقة سطحية. فالميديا المتأنية تشرك الكتاب والمثقفين والفنانين والباحثين في الكتابة عن الموضوعات المختلفة من وجهات نظر متنوعة تتضمن طائفة من الأفكار المتعددة. أنها تنأى قليلا عن الأحداث الطارئة والملتهبة  لتنظر إليها مليا وبتأمل من أجل إنتاج نصوص لا تموت في لحظة إنتاجها. ويمكن العودة إليها بشغف بعد أشهر. لذا نلاحظ أن الصحافة المتأنية استثمرت في الأنواع الصحفية التعبيرية والاستقصائية المطولة، مثل الريبورتاج، والتحقيق الصحفي، والبورتري. وأعادت المجد للسرد الصحفي الذي يعتبر أفضل وسيلة لاستعادة الذاكرة الجماعية وبعث الحياة في أحداث الماضي. لقد ابتكرت الصحافة المتأنية شكلا جديدا من الإنتاج المكتوب وهو ” موك”. وهذه الكلمة عبارة عن تركيب لمختصر الكلمتين الانجليزيتين: ماغازين”« magazine المجلة،  وبوك، أي كتاب. وأبرز مثال على ذلك هي المجلة  الفرنسية الفصلية  المسماة ” XXI “ التي تصدر في 256 صفحة. وتباع في المكتبات. وهي في الحقيقة نموذج متطور للمجلات الصادرة باللغة الانجليزية، مثل ” ذو نيويوركر”  The New Yorker ، و” أمبير” Empire .”

إعادة النظر

إن الميديا المتأنية” تعيد النظر في علاقة الوسيلة بالجمهور لأن مادتها الإعلامية لا تسلك اتجاها أحاديا: من الصحافي إلى الجمهور. ولا تعتبر هذا الأخير قاصرا أو دون مستوى، بل تتعامل معه كصاحب تجربة اجتماعية، ويملك خبرة في مجال معين. ويمكن أن يكون طرفا في عملية إنتاج موادها. وقد تلجأ بعض وسائل الإعلام التي تنتمى إلى هذا النوع من الميديا، مثل الموقع   الهولندي ” دو كرسبوندن” De Correspondent ، أي ” المراسل” في شبكة الانترنت إلى عرض بعض مقالته على متابعيه  قبل نشرها!

ويمكن أن نذكر بالمناسبة أن هذا الموقع يشكل النموذج الناجح لهذا الضرب من الميديا الذي حقق ما وعد به: إحداث القطيعة مع اقتصاديات وسائل الإعلام الكلاسيكية . فلا ينشر أي إعلان ولا يعتمد على المعلنين في تمويله، بل يستند إلى جمهوره فقط. لقد استطاع أن يجمع خلال أسبوع واحد مليون يورو، تبرع بها 15 ألف مستخدم لشبكة الانترنت. ولازال هذا الموقع يجذب 30 مشتركا جديدا يوميا. وتؤكد إحدى صحافيته، “ماييك غوسانغا” أن ثلاثة أرباع من المشتركين الجدّد يظلون أوفياء للموقع بعد مرور سنة على اشتراكم.

قد يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم أن هذا الضرب من الميديا يروم النوع وليس الكم، ولا يسعى ليكون جماهيريا. فهل هذا يعني أن جمهوره نخبوي؟ لا يفضل رواد ” الميديا المتأنية” صفة النخبوية، وإن كانوا يعترفون أن الصحافة غير المجانية تتطلب من القارئ، الذي تعود على المواد الصحفية المختصرة والمبسطة التي تنشرها الصحف المجانية أو مواقع التواصل الاجتماعي، بعض الجهد. وبهذا يؤكدون ما قاله مؤسس صحيفة “لوموند” أي ” العالم” الفرنسية،” هربرت بوف ميري”، ذات مرة، بأن ثمن جريدته يكمن في سعرها في السوق إضافة إلى الجهد الذي يبذل في قراءتها!

مبادئ

إن ” الميديا المتأنية” فلسفة قبل أن تكون منتجا. هذا  ما أكده البيان الذي أصدره بعض مناصريها الألمان في يناير 2010، وصاغوه في جملة من المبادئ. وترجمته الصحافة الانجلوساكسونية ، والفرنسية والسويسرية  والكندية. لكن لم نعثر، مع الأسف، على أي ترجمة له في الصحافة العربية. لذا نحاول أن نختصرها في النقاط التالية: تساهم هذه الميديا في ديمومة المحتوى خلافا للمقولة التي تنص على أن المادة الإعلامية، مثل الأخبار شديدة التلف، تموت بسرعة. وتشجع التركيز على المنتج والمتابعة في زمن يمجد السرعة ويعزز تشتت الذهن وانصرافه إلى الاهتمام بأكثر من شيء في الوقت ذاته. وتروم التميز، والجودة التي يمكن التماسها على مستوى المحتوى والإخراج. وتسعى إلى جعل الجمهور شريك في مسار الإنتاج بأفكاره وآرائه. وتعد الميديا المتأنية خطابا يغذي الحوار مع الجمهور.

تعددت التجارب الصحفية منذ 2009 ، تاريخ ميلاد ” الميديا المتأنية، لتشكل اليوم نماذج. فإضافة إلى مجلة XXI   التي ذكرناها أعلاه، والتي توزع 22 ألف نسخة  وتهتم بالشعر والأدب وتترجم الكثير من النصوص من المجلات الصادرة باللغة الانجليزية،  يمكن أن نذكر المجلة  الفصلية ”  Delayed Gratification   الإشباع المتأخر” البريطانية التي صدرت في 2011. والتي تغطي الأحداث والقضايا التي طرحت خلال الفصل بنظرة مغايرة وبأشكال تعبيرية ومرئية مختلفة. تباع في العديد من بلدان العالم. و المجلة الفرنسية  ” فيتون” التي صدرت في 2011 والتي طورت أشكال السرد الصحفي. إنها تسحب عشرين ألف نسخة توزع في فرنسا وبلجيكا وسويسرا وكندا.

التلفزيون المتأني

لم يتأخر التلفزيون عن تيار ” البطء” الذي يسعى إلى إعادة النظر في إنتاج الإعلام واستهلاكه. فالقناة التلفزيونية النرويجية ” أن أر كيو” NRK ” نصبت كاميرا في مقدمة القطار الذي يربط العاصمة ” أسلو” بمدينة ” بيرغت” على مسافة 500 كلم في 2009 . وبثت ما صورته لمدة سبع ساعات.  وجمعت 1.2  مليون مشاهدا، أي ربع السكان. وقد شجعها هذا النجاح على إعادة التجربة في رحلة بحرية بثت لمدة خمسة أيام، وتابعها 3,2 مليون مشاهد. وفي فرنسا خاضت القناة الرابعة تجربة مماثلة بعنوان ” طوكيو، الاتجاه المعاكس”  الذي يسرد رحلة من طوكيو إلى فرنسا. لكنها لم تجمع سوى 1,4 مليون مشاهدا خلال تسع ساعات من البث. لكن الغريب أن بعض الصحافيين الفرنسين أكدوا أن هذا البث لفت نظر رواد موقع تويتر فأرسلوا 13 ألف تغريدة عنه. وكان عددهم أكثر من الذين غردوا على تعيين “مانويل فالس” الذي عين رئيسا للحكومة الفرنسية في اليوم الذي بث فيه هذا الشريط.

هل أن التلفزيون المتأني يختلف عن التلفزيون الكلاسيكي  في طول المدة الزمنية التي يستغرقها بث مواده؟ إن كان الأمر كذلك فالكثير من البرامج  انزاحت عن المعايير المعروفة والمعتمدة في إنتاج المواد التلفزيونية، وهي 20، و52، و90 دقيقة. فبرامج تلفزيون الواقع، على سبيل المثال، كانت السباقة في هذا المجال.  للإجابة عن هذا السؤال يؤكد  بوريس رازون، مدير الكتابات الجديدة في التلفزيون العمومي الفرنسي قائلا: إن تلفزيون التأني لا يقول للمشاهد ما هي الأشياء التي يجب أن تفكر فيها.  فخلافا لبرامج تلفزيون الواقع، لا يتضمن في تلفزيون التأني سيناريو، ولا أدوارا سردية. إنه يعبر عن الأصالة. فالوقت الذي يقضيه المشاهد أمام الشاشة هو الزمن الحقيقي.

خلافا لما يعتقد، إن حركة التأني تنمو أيضا في حضن شبكة الانترنت التي تتميز بالسرعة. فالربورتاجات المتلفزة وأفلام الواب الوثائقية التي تستغرق وقتا طويلا لمشاهدتها بدأت في الانتشار. فالمواقع مثل ” نيوز دوت كم” News.me”، و ” بريف دوت مي ” Brief.me” وغيرها تنتقي من الأحداث والأخبار التي يعتقد أنها أكثر أهمية وتسلط عليها الأضواء.  ليس هذا فحسب، بل بدأت الكثير من التطبيقات الرقمية التي تسمح بتأجيل قراءة المواد الصحفية  في الانتشار لتضاف إلى التلفزيون الاستدراكي  والمشاهدة بأثر رجعي والتي تبين أن للمرء حياة أخرى وليس سجين شبكة الانترنت ومنصاتها الرقمية.

أخيرا، متى يحن موعد انطلاق ” الميديا المتأنية” في المنطقة العربية؟

العلّة في التفاصيل

نصر الدين لعياضي

يقول المثل الإنجليزي إنّ العلّة، وليس الشيطان، في التفاصيل. لذا سأحكي لكم القصة كلها. وأعذروني إن اثقلت عليكم بتفاصيلها لأن العبرة في العلّة.

كان الهاتف الجوال يرن بإلحاح. فاضطررت إلى ركن سيارتي على حافة الطريق لأن المتصل يهتف من رقم ثابت. وذاكرة هاتفي تخلو من مثل هذه الأرقام.

جاء الصوت من بعيد حتّى خلته قادما من أعماق الأرض.

ألو  ألو….. هل أنت السيد… ؟

نعم تفضلي.

أستاذ الإعلام؟

نعم مرحبا بك…

أنا السيدة ….. أكلمك من ديوان وزارة الاتصال.

أهلا بك…

لعلك تعلم أن الوزارة دأبت على تنظيم سلسلة من المحاضرات للصحافيين عن أخلاقيات الإعلام. واسمك تردّد كثيرا في أروقة الوزارة من أجل المساهمة فيها. لكننا أجلنا دعوتك لأنك قريب منا. ومنحنا الأولوية للأساتذة البعيدين ؛ أي المقيمين خارج الوطن. وها نحن اليوم ندعوك لتقديم محاضرة عن أخلاقيات الإعلام.

شكرتها على الالتفاتة الكريمة. وعبرت لها عن استعدادي لتقديمها. وأوضحت لها أن موضوع الأخلاقيات أصبح مستهلكا. وليس لدي ما أضيفه إلى ما قدمه الأساتذة المحاضرون الذين سبقوني. لكنني اقترحت عليها موضوعا أخر يتعلق بالرهانات المهنية والاجتماعية والأخلاقية في استخدام  وسائل الإعلام لمواقع التواصل الاجتماعي. وسيطرح موضوع الأخلاقيات في سياق الحديث. وكان هذا الموضوع آنذاك حديث الساعة، ومصدرانشغال وسائل الإعلام وصحافييها .ولا يزال كذلك.

وذكّرتها بأن الوزارة تدفع للمحاضرين القادمين من خارج  الوطن ثمن تذكرة الطائرة ( وهذا أمر طبيعي). وتضع تحت تصرفهم سيارة الوزارة مع ضيافة كاملة في فندق خمسة نجوم (وهذا منطقي). ولا أشك بأن الكرم  يتأخر عن هذه المناسبة ( وهذا من شيم الجزائري). بينما محاضرتي لا تكلف شربة ماء. لذا أطلب من الوزارة أن تتكرم وتصرف لي مكافأة مالية نظير أتعابي. إن طلبي هذا لا يعبر عن احساسي بالغرور بأن ما أقوله أصبح ماركة مسجلة لها مقابلها المالي، بل يأتي من باب التوضيح  بأن تقديم محاضرة يأخذ مني وقتا لإعدادها ، والإطلاع على ما هو جديد عن موضوعها. والوقوف على ما وصل إليه التفكير فيه على مستوى العالم.  ووظيفتي في الجامعة تفرض عليّ شراء كتب من الخارج بالعملة الصعبة. وتجديد الاشتراك في المجلات العلمية المتخصصة. ودفع تكاليف المشاركة في الملتقيات العلمية التي تعقد في الخارج. فلم يحدث أبدا أن استفاد العبد الضعيف الذي يحدثك بدينار واحد من الجامعة خارج راتبه الذي يذهب قسط كبير منه لما ذكرته.

استمعت إليّ بأدب واهتمام. وأنهت مكالمتها بالقول، سأرفع مقترحك وطلبك إلى صاحب القرار. وأعيد الاتصال بك من جديد.

نسيت هذه المكالمة. ولم أتذكرها إلا بعد حوالي أسبوعين على ما أظن عندما أخبرني أحد الطلبة أنه شارك في محاضرة نظمتها وزارة الاتصال. ألقتها أستاذة جامعية قدمت من بلجيكا. وكان موضوعها ذاته الذي اقترحته على السيدة التي اتصلت بي!

في الحقيقة لم يدفعني الفضول إلى الاهتمام بالمحاضرات التي كانت الوزارة تقيمها على مرمى حجر من مقر عملي. لقد لجأت الوزارة إلى الجامعة لتنظيم هذه المحاضرات قصد الاستعانة بالطلبة للتغطية على غياب الصحافيين.  فهؤلاء يعرفون أن هدف الوزارة من هذه المحاضرات يتمثل في استغلال الأساتذة المحاضرين، خاصة أن بعضهم من الأسماء الوازنة في علوم الإعلام والاتصال، لاعتلاء المنصة لــ “تشنّف” آذان الحضور بخطبة ممجوجة ومكررة تلقنهم فيها درسا في الأخلاق! وتجدّد تهديدها المجتر بحرمان أي صحيفة أو وسيلة إعلامية من عائدات الإشهار إن لم تلتزم بأخلاقيات العمل الصحفي.

لقد تحوّلت هذه المحاضرات إلى مبرر وجود الوزارة المذكورة. فاستغلتها للإقناع بأنه بالإمكان بناء مجتمع الأخلاق في ظل غياب مجتمع القانون أو باختراقه. بدليل أنها تصدت بشجاعة منقطعة النظير لفسخ عقد شراء صحيفة الخبر وقناتها التلفزيونية المقبورة بحجة أن القانون لا يسمح لمن اشتراها بامتلاك صحيفتين في آن واحد، والشاري يملك صحيفة ناطقة باللغة الفرنسية. ونجحت في ذلك، بل أبدعت ، والحق يقال، في الكيل بمكيالين لأن أحد اثرياء النظام، على الأقل، كان يملك صحيفتين وقانتين تلفزيونتين!

ماذا لو اعفتنا الوزارة المذكورة من الثرثرة عن أخلاقيات الإعلام في ذاك الوقت. واكتفت بإجراء واحد وسهل جدا يتمثل في الكف عن تمويل بعض الصحف بعائدات الإشهار التي لا تستطيع نشره لأنها ببساطة توقفت عن الصدور؟  لو فعلت ذلك لحررتنا من سذاجة الحديث عن أخلاقيات الإعلام. ولمّا وقفنا فاغري الأفواه  من مبلغ  4000 مليار دينار جزائري الذي قال العربي ونوغي، المدير العام للوكالة الوطنية للنشر والإشهار ، أن الصحف الجزائرية استفادت منه كعائد من الإشهار خلال السنوات الأربع الفارطة،وفق ما جاء في وكالة الأنباء الجزائرية. لقد فصل المبلغ بالقول أن مالكي 40 صحيفة لا صلة لهم بعالم الصحافة والإعلام استنفعوا بنصيب وافر منه! منهم من يملك صحيفتين أو أكثر بالعنوان ذاته!  “وأسبوعيات يصدرها 3 مرات في الأسبوع ! وصحف لا يسحبها من المطبعة ولا توزع بتاتا!

نشكر السيد العربي ونوغي الذي أكد لنا بأن العلّة في التفاصيل. ونبهنا ضمنيّا بأن كل حديث عن أخلاقيات الإعلام لا ينزل صاحبه إلى الميدان ويقترب أكثر من تفاصيل عالم الصحافة والإعلام وتحولاته هو مجرد ثرثرة. ألا يقال بأن الأخلاقيات هي ” الأخلاق التطبيقية”؟

 

اعتذار

أعتذر للطلبة الأعزاء عن عدم الرد على طلباتهم المتعلقة بتحكيم استمارة تحليل المحتوى أو صحيفة الاستبيان

لم أعثر لحد الآن في الدراسات والبحوث الأجنبية على من لجأ صاحبها إلى تحكيم استمارته أو صحيفة استبيانه.  وحاولت الإطلاع على الكتب والمراجع الأجنبية في مجال المنهجية فلم أجد ما يثبت الضرورة العلمية لمثل هذا التحكيم. لذا استنتجت بأنها مجرد بدعة لا تستند إلى أي أساس علمي.

قد يقول قائل وما الحرج لو أن الطالب أو الباحث لجأ إلى مثل هذا التحكيم من أجل الاستئناس برأي خبير أو باحث متمرس  حتى يتحكم أكثر في استخدام أدوات بحثه  ويستثمرها بشكل جيدا.

بالفعل، لا وجود لأي حرج في ذلك  لولا الأسباب التالية:

1-. يكتفي الطالب في الغالب  بالذكر اسماء الأساتذة والباحثين الذين حكموا أدوات بحثهم دون أن يهتموا بآراء المحكمين. ولا يصححوا حتى  الأخطاء التي أشاروا إليها. ويرد أحدهما في بعض الأحيان بالقول أن أستاذه المشرف رفض أي تغيير في أسئلة الاستبيان أو استمارة تحليل المضمون. ورغم هذا لا يتردد في وضع اسم المحكم الذي أهمل ملاحظاته في قائمة المحكمين!

2-  يعتقد بعض الساتذة المشرفين على البحوث- سامحهم الله- أن اللجوء إلى المحكمين يعفيهم من متابعة بحوث الطلبة الذين يشرفون عليهم ومن مراجعة  اسئلة استبيان أو صحيفة تحليل المضمون. ويكتفون بالإشهار بأسماء المحكمين في وجه أعضاء لجنة مناقشة بحوث طلبتهم يحصنهم من كل نقد.

3- لاحظت أن بعض الطلبة لم يكلفوا أنفسهم مشقة الاطلاع على ما هو الاستبيان وما هي ضرورة استخدامه ، وشروط وضع الأسئلة والأجوبة ومستلزمات إخراجه. بل يعتمدون على المحكم لعل يراجع الاستبيان أو صحيفة تحليل المحتوى برمتها ويعيد صياغتها من جديد!

4- لقد سبق لي أن اطلعت على بعض ما أرسل لي من الاستبيانات التي وضعها الطلبة أو استمارات تحليل المضمون. وطلبت من أصحابها أن يرسلوا لي إشكالية بحثوهم وفرضياتهم وأهداف بحثهم. وبعد مراجعة دقيقة لكل ما أرسل لي. نبهتهم بأن أداة البحث المختارة لا تحقق لهم الأهداف المرسومة أو أنها غير مناسبة لمعالجة إشكالية بحثوهم. وقد واجهت في هذه الحالة موقفين. الموقف الأول: لا يرد  صاحب الطلب على ملاحظتك بتاتا. ويستكثر فيك كلمة شكرا. وهذا الموقف أصبح عاديا. الموقف الثاني، يحاول صاحبه أن يأخذ من وقتك الكثير ويجرك في سجال عقيم يثبت أنك لم تفهم بحثه. وبعد أخذ ورد يعترف لك بأنه قضى سنوات طوال في إنجازه. وأنه غير مستعد لإجراء أي تغيير لأن الوقت لم يعد لصالحه!

لكل ما سبق أجدد اعتذاري معتمدا على تفهمكم

 

توضيح وتعقيب على التساؤلات والاستفسارات

عن المحاضرة

 

في البداية أجدّد شكري وتقديري للساهرين على صفحة آفاق في الإعلام والاتصال على مبادرتهم الطيبة. وأشكر الطلبة والأساتذة من داخل الوطن وخارجه على متابعتهم  للمحاضرة التي قدمتها ليلة الأربعاء الموافق لـ 6 ماي 2020، وعلى صبرهم لأن مدة المحاضرة تجاوزت الساعة ونصف.

كما اعتذر على الخلل التقني الذي طرأ في نهاية المحاضرة. فتوقف البث دون أن أختتمها.  فاستجابة لمن طلب توضيح النقطة الأخيرة من المحاضرة أقول أن أبرز نتيجة توصلت إليها معدة أطروحة الدكتوراه  الموسومة : تحليل تطور عالم الصحافة المكتوبة من خلال دراسة الممارسات المعاصرة الناشئة التي يجمعها مفهوم الصحافة التساهمية، هي ضرورة إعادة التأطير لفهم الظاهرة المدروسة. و لم تستلهم مفهوم إعادة التأطير Recadrage  من نظرية التأطير الإعلامي  framing Media المعروفة لدى دارسي الإعلام، بل استلهمتها من مدرسة بالو ألتو Palo Alto المشهورة، والتي ترى أنه عندما يصبح النفاذ المباشر لظاهرة ما غير فعال، ولا يسمح بفهمها بشكل أفضل، لابد من تغيير الإطار الذي ننظر من خلاله إليها. وهذا ما قامت به هذه المدرسة في علاج المصابين بمرض انفصام الشخصية. فإعادة التأطير  تشبه، في هذا المقام  ما يسميه الابستمولوجيون بتغيير البرادغم.

من الصعب الإجابة عن كل التساؤلات والاستفسارات التي طرحت عليّ لكثرتها من جهة، ولتقاطعها من جهة أخرى. لذا سأحاول الاجابة عنها عبر النقاط التالية:

  • عنوان المحاضرة هو : في الترقيع المنهجي في علوم الإعلام والاتصال

البعض امتعض من مفهوم الترقيع  نظرا لما يحمله من تضمينات سلبية وتحقيرية في الثقافة الشعبية الجزائرية.  في الحقيقة لم أجد كلمة أقرب للكلمة الفرنسية Bricolage  سوى الترقيع.  بعض الناطقين باللغة الانجليزية حافظوا على الكلمة الفرنسية في استعمالاتهم اليومية. وغالبيتهم استغنت عنها بـ ” Do it Your self “. وتكتب بالحروف الأولى DIY اختصارا.

في الحقيقة ترددت كثيرا في استعمال كلمة بديلة في اللغة العربية وهي: الترميق”  وتعني في قواميس اللغة العربية: المبالغة في عمل ما دون اتقانه. وهذا المعنى يبعدنا المعنى المقصود من Bricolage الذي دخل العلوم الانسانية منذ 1960، واستخدم في الانتربولوجيا، والأدب، وعلم النفس والتربية تحديدا، وخاصة في علم التسيير. ولم يصل إلى علوم الإعلام إلا حديثا، أي خلال بضع سنوات فقط.

وتردّدت أيضا في استعمال ” الاستنهاج” كبديل للترقيع. وذلك لأن الاستنهاج يعني أن ما قام به الباحث من ” ترقيع” تحول إلى منهج. وهذا القول غير دقيق من وجهة نظري، إذ من المحتمل أن يتحول بعض الترقيع إلى  أداة منهجية إن ترسخت في الممارسة. وفي هذه الحالة تندرج ضمن الأدوات المنهجية التوافقية على قول الأستاذ العياشي عنصر، الذي تفضل مشكور بتصويب ترجمة Conventionnel. وبهذا لا يصبح ترقيعا. أؤكد مرة أخرى أن الترقيع  يملك قيمة نبيلة في العلوم الاجتماعية والإنسانية ويحيل إلى الابتكار والتجديد والبراعة والحذاقة.

البعض اقترح استخدام التناهج بدل الترقيع. أخشى أن يكون التناهج مقابلا للمصطلح الفرنسي  Interdisciplinarité، مثلما ترجمه الاستاذ محمد غانم، في مقدمة العدد الثالثة من المجلة الجزائرية في الأنتروبولوجيا  والعلوم الاجتماعية ، الصادر في 1998. وبالتالي ينحرف المعنى المقصود من الترقيع الذي ذكرناه أعلاه.

  • من يريد التأكد من تصنيف المقاربات المنهجية للممارسة الإعلامية الراهنة – أي طريقة حصول الناس على الأخبار الصحفية، الذي قدمه الباحثان Serge proulex، و Julien Rueff ، فهي أربعة: المقاربات التوافقية ( المناهج الكمية والكيفية)، ومقاربة الإثنوغرافيا في/ عبر شبكة الانترنت، ومقاربة الحوسبة، والمناهج الرقمية Digital Methods.

لكل شخص الحق في الاختلاف مع هذا التصنيف  مثلما فعلت. المهم يكون اختلافه مؤسسا فقط.

  • البعض استغرب من ذكر المناهج المختلطة التي تجمع المناهج الكمية والكيفية في محاضرتي. وربطها – لست أدري كيف- بأنني أسير على درب الداعين إلى أسلمة العلوم! بمعنى أخر إنني أروم ، ضمنيا، النزعة التلفيقية. لست بحاجة إلى التأكيد بأن المناهج المختلطة ليس من بنات أفكاري. وللإطلاع على مبررات وجودها يمكن العودة إلى المراجع الأساسية، نذكر منها:

Marc Corbière et Nadine Larivière (Sous la direction de( : MÉTHODES QUALITATIVES, QUANTITATIVES ET MIXTES Dans la recherche en sciences humaines; sociale et de santé; presse de l’université du Québec 2014 , 720 pages

على الصعيد العملي الكثير من رسائل الدكتوراه ومذكرات الماستر والبحوث المنشورة في المجلات العلمية باللغات الأجنبية استخدمت المناهج المختلطة. وقد قدمت مثلا عنها في المحاضرة. وأقصد المذكرة التي تناولت موضوع ” السيلفي”

  • عقب البعض على وصفي بالميديا الهجينة بالقول : “ما هو سائد اليوم”. إن كان هذا التعقيب يقصد به التداخل الحاصل اليوم في وسائل الإعلام بين الميديا التقليدية والميديا الجديدة  فإنه صائب جدا. إننا نتابع  اليوم البرامج والإخبارية والمنوعات عبر التلفزيون الاجتماعي، الذي يجمع بعض ما هو موجود في التلفزيون الكلاسيكي وخصائص مواقع التواصل الاجتماعي.
  • تساءل البعض: أليس من الأجدى القول المنهج المتكامل. نعم لقد استخدم هذا المصطلح في السابق ، وكان يقصد به تكامل المناهج التوافقية. أما العصر الراهن، الذي اصبحت فيه الظاهرة الإعلامية والاتصالية أكثر تعقيدا، فقد منح مبررا لظهور مفهومي ” المنهج الهجين” والترقيع المنهجي”.
  • أكد بعض السائلين أنه لم ير أي ترقيع منهجي في النموذج الأول الذي قدمته في المحاضرة، أي المذكرة التي عالجت موضوع السيلفي”. ربما لم ينتبه إلى فطنة الباحثة في إنشاء صفحة في موقع Tumblr أو لم يقدر أهمية هذا الموقع مقارنة ببقية مواقع التواصل الاجتماعية: الفيسبوك وتويتر وسنابشات. لقد أكدت الباحثة أنها لجأت إلى الترقيع المنهجي في بحثها. وما يضفي المصداقية على ما أكدته. أنها استطاعت أن تحوّل الصفحة التي أنشأتها إلى ما يشبه العينة الضابطة أو المجموعة الضابطة في البحوث التجريبية أو المخبرية. وبفضلها تمكنت من توجيه عدتها المنهجية بما جمعته من بيانات، وما استنتجته من ملاحظات على التفاعلات في هذه الصفحة.
  • البعض يتساءل ألم يحن الوقت بعد لتطليق المناهج برمتها والابتعاد عنها في إعداد البحوث؟ في الحقيقة يوجد البعض من دعوا في السابق إلى ـ ” La transdiciplinarité “، اي عبر المنهجيات. والقصد منها تجاوز المنهجيات وتخطيها. لا أنصح بتبنى هذه الدعوة . وأنبه إلى خطورتها لأنها تنسف إحدى مبادئ علمية العلوم.
  • البعض يتساءل أليس الترقيع المنهجي علاجا لعجز الباحث عن توظيف، وليس اسقاط، النظرية في بحثه، ومنفذا للخروج من التيه والانفلات من الضوابط المنهجية. يبدو لي أن من يعجز عن توظيف النظرية في بحثه لا يستطيع أن ينجز بحثا. ولا يفيده الترقيع المنهجي. ربما العجز المذكور يعود إلى ما قالته أستاذة من كلية الإعلام في الجزائر، مشكورة . أي إلى تدريس المناهج كمادة تلقينية أو محفوظة بعيدة عن المعترك اليومي، ومفصولة عن الإشكاليات الإعلامية المعاصرة. واسمحوا لي أن أكرر ما قلته: من لم يستوعب المقاربات النظرية، خاصة الحديثة ويهضمها . ومن لا يتحكم في المناهج البحثية المعروفة والمتفق عليها أنصحه بالابتعاد عن الترقيع المنهجي لأنه يتهم بأنه يتفذلك منهجيا فقط.
  • إن القول بأن كل المناهج التقليدية ، أي التوافقية” فقدت صلاحيتها في دراسة الميديا الجديدة ولم يبق سوى المنهج الإثنوغرافي يجانب الصواب في اعتقادي. نعم يمكن أن نستعين بهذا المنهج في دراسة الهوية الرقمية لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي. لكن ماذا لو كان موضوع البحث هو دور مواقع التواصل الاجتماعي في تطوير المشاركة السياسية ؟
  • يتساءل أحد الطلبة عن رائي في المنجز البحثي الجزائري في مجال علوم الإعلام والاتصال. أولا لست مطلعا على كل ما تم انجازه في مجال البحث في علوم الإعلام والاتصال، ثانيا، أخشى السقوط في التعميم القاتل. بل يمكن الإشارة فقط إلى أنني نشرت نصا عن غياب الأفق النظري في بحوث الإعلام في المنطقة العربية ، وأخر عن الابستمولوجيا والايديولوجيا في بحوث الإعلام والاتصال في المنطقة العربية. ويمكن العثور عليهما في شبكة الانترنت. أعتقد أنني لا أضيف لما شعر به صديقي الدكتور كمال حجام، وهو يراجع بعض البحوث الإعلامية، وكتبه في احدى تدويناته. إنه الشعور ذاته الذي انتابني وأنا أراجع قسطا من البحوث العربية في مجال علوم الإعلام والاتصال، إذ لاحظت أن حوالي 80% منها استخدمت نظرية الاستخدامات والإشباعات. فهذه النظرية حاضرة في العديد من البحوث التي اطلعت عليها بصرف النظر عن مواضيعها! أعتقد أن هذه الملاحظة لا تتضمن أي اتهام لزملائي واصدقائي الأساتذة المؤطرين داخل الجزائر وخارجها لأن جزءا كبير منهم يشاطرني الرأي في أن ظروف التعليم في الجامعة دفع البحث الإعلامي ليتطابق مع عنوان كتاب الفيسلوف الايطالي: ” أن نقول الشيء نفسه تقريبا”.

أخيرا ، إن الترقيع المنهجي” ليس إعلانا عن موت المناهج التوافقية في بحوث الإعلام والاتصال، ولا يتضمن أي دعوة للاستغناء عنها. إنه إثراء لها بفتح ” كَوَّة” جديدة يتسلل منها الضوء لإنارة بعض الجوانب في الظاهرة المدروسة التي لم يصلها نور المقاربات المنهجية المعهودة. إنه ضرب من البراعة في ابتكار اساليب لجمع البيانات عن الظاهرة المدروسة لتجاوز بعض الصعوبات المنهجية سواء كانت كمية أو كيفية أو مختلطة أو للتحري في صحة المقاربات النظرية وإثرائها أو تفنيدها.

إن علوم الإعلام والاتصال تعيش اليوم ما عاشه التاريخ في مطلع القرن الماضي، والذي قال عنه ماكس فيبر ما يلي:

” هناك علوم كتب لها أن تظل فتية على الدوام. هذا حال التاريخ وكل المعارف التي تطرح عليها حركة الحضارة اللامتناهية  مشاكل جديدة.”[1]

[1] – M weber : Essais sur la theorie de la science, Premier essai :  l’objectivité de la connaissance dans les sciences  sociales ) 1904( ; Plon 1965. P 206

 

 

كوفيد 19 : ماذا سيغير فينا ؟

نصر الدين لعياضي

ماذا يفعل المرء الذي حكمت عليه جائحة “كوفيد 19″، التي تجتاح العالم، بالإقامة الجبرية في منزله حفاظا على حياته  وحياة غيره؟  سيشاهد الأفلام بدون شك، ويتابع برامج مختلف القنوات التلفزيونية التي تتخمه بالأخبار المأسوية. فترفع منسوب قلقه بارتفاع عدد المصابين بهذه الجائحة. وتزيد في خوفه بتزايد  ضحاياها.

سيتذكر المرء أن أكبر حليف لهذه الجائحة هو الخوف والهلع . إذا سيقاوم خوفه بالتفكير في الشخص الذي بنى أول سجن في التاريخ في القرن الثالث عشر ميلادي ليكون مؤسسة ” تأديبية””. ساعتها سيدرك أن أقسى عقوبة تسلط على الشخص هو حجره ؛ أي عزله فيزيائيا عن المجتمع. لكن هذه القسوة تتضاءل في نظره لأن عزل السجين إن كان مجرما يستهدف حماية المجتمع من الخطر الذي يمكن أن يشكله. لكن حجره ” الاختياري” في منزله هو حماية له أولا! ربما ستحرّره هذه الفكرة من وطأة القلق نسبيا لأن المنزل أصبح ملجأ صحيّا. ” فالخوف من هذه الجائحة أعاد إلى المنزل وظيفته البدائية: الحماية من خطر الانقراض تحت تهديد «حيوانات» مفترسة أو متوحشة سائبة في الجوار، مثلما يؤكد الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني.

                             في معنى الحجر

يلفت نظرنا الفيلسوف الفرنسي، ميشال فوكو، في كتابه : “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”، الصادر في 1961 ، إلى أن العزل الفيزيائي والاجتماعي لم يمارس على المساجين فقط ، بل مورس أيضا على المجذومين،  لكن مع تراجع مرض الجذام في المجتمع حلّ محلهم المجانين. لكن أليس المجانين اليوم هم الذين يهيمون على وجهوهم أو “يتدافعون” في المتاجر من أجل الحصول على المزيد من المواد الغذائية لتكديسها. فيتمكّن منهم فيروس “كورونا”. في هذه الحالة يتساوى أبناء هذا البلد العربي أو ذاك وسكان لندن! إنه منطق العنزة التي تقبل ما عرضه عليها الذئب : منحها قنطار شعير ليأكلها ، مثلما تقول الحكاية التي تُروى للاطفال.  إن العقّال اليوم ” محجوزين ” وليسوا طلقاء يتسكعون في الشوارع. إنهم العاكفون في منازلهم. والاعتكاف خوفا من هذه الجائحة يدفع الكثيرين  إلى الوقوف على عتبة الزهد والتَّصَوُّفِ، بمعنى بالابْتِعَاد عَنْ مُخَالَطَة النَّاس.

                     من تفاصيل ” الطاعون”.

يُنصح  بقراءة الأدب في ” الحجر المنازلي” والروايات على وجه التحديد، خاصة تلك التي اتخذت من الأمراض والأوبئة موضوعها  لعلها ترفع المعنويات، وتخبر القارئ  كيف تعايش الناس مع الأوبئة وانتصروا عليها. فيزداد تفاؤله. ربما قرأ الكثيرون رواية ” الحب في زمن الكوليرا” لغارسيا ماركيز أو ” الطاعون” للكاتب الوجودي ألبير كامي. تسرد هذه الرواية تفاصيل يوميات الأوربيين في مدينة وهران، التي تقع غرب عاصمة الجزائر وتبعد عنها بــ 351 كلم، والتي اجتاحها وباء الطاعون في 1945. من التفاصيل الدالة التي التقطها الروائي نذكر غضب الأوربيين على أحد الكهنة، الذي أغلق أبواب أكبر كنيسة في المدينة في وجه من يأتون بأمواتهم للصلاة عليهم وتشعيهم إلى مثواهم الأخير خوفا من إصابته بالعدوى.  لقد بلغ غضب بعضهم درجة الانتقام من الكاهن. فصعدوا إلى سطح الكنسية، ونزعوا قرميدها ورموا من علوها بجثة أحد ضحايا الطاعون داخل الكنسية. لقد اتهم أحد الغاضبين الكاهن بضعف إيمانه الذي منعه من الصلاة على الأموات خوفا من العدوى . وذكّر الحاضرين بإمام احدى المساجد في مدينة مغربية قريبة من وهران. لقد كان يقوم بغسل أموات المسلمين ضحايا الطاعون، ولم تصبه العدوى! لكن من أين لهذا الغاضب معرفة الحقائق العلمية في الطب التي تؤكد وجود الحامل السليم للفيروس؟

لقد عزّزت الأوبئة التي فتكت بالبشرية عبر التاريخ النزعة القدرية. لم يجد المسيحيون ما يواجهون به ” الأنفلوانزا الإسبانية” التي كُنيت بالطاعون الأسود، واجتاحت أوربا خلال الفترة الممتدة من  ( 1918-1920) و قضت على حوالي 50 مليون شخص، سوى القول أنها عقاب سلطه الله عليهم لكثرة معاصيهم. العقاب لا يتعلق بالأوبئة فقط ، بل يشمل الكوارث الطبيعية، والحروب أيضا. لقد ذكر بورس سيلرنيك، أخصائي الأعصاب والأمراض العقلية الفرنسي، أنّ الكولومبين كانوا يشكرون الرب على عقابهم لسوء أعمالهم بعد كل مجزرة تحصد أرواح مواطنيهم. إنها نزعة قدرية تبرّئ الجناة.

                  المالتوسية الجديدة

حاولت بعض الدول أن تستثمر هذه النزعة ، مثل بريطانيا وهولندا قبل أن تتراجعا، والسويد. فدعت إلى سياسة ” مناعة القطيع” من أجل تحقيق الاصطفاء الصحي.  ويتطلب تطبيق هذه السياسة ترك المواطنين يعيشون حياتهم على سجيتهم ، أي دون حجرهم  أو إجبارهم على التقيد بالقواعد المعروفة للوقاية من العدوى. لقد قدر أن كل مصاب بالفيروس يعدي ما يعادل 2.5 من الأشخاص الأصحاء. وهذا يعني أن الوباء سيزول بمجرد أن يصيب 60 % من السكان. كانت ” مناعة القطيع” الحل الوحيد لمواجهة مرض الجدري الذي انتشر في القرون الوسطى، و” الأنفلونزا الإسبانية” في اجتاحت أوروبا في الحرب العالمية الأولى. و كانت حجة أنصار هذه السياسة تتلخص في القول أن العلوم الطبيّة لم تكن متطورة آنذاك، ولم تتوصل البشرية بعد إلى اختراع لقاح ضد الأوبئة. لذا رأت أنه لابد من التضحية  بمن لا يملكون مناعة قوية ويموتون حتّى وإن قدرت نسبتهم بـ 6% من مجمل المصابين. وهذا من أجل انقاذ بقية السكان. لكن ما هو مبرّر هذه السياسة اليوم؟ إنها النيوليبرالية التي أعادت الحياة لفكر توماس مالتوس ( 1766-1834) ، القسيس البريطاني الذي أصبح أستاذ الاقتصاد والذي كان يشكو من أن النمو السكاني يتزايد في الكرة الأرضية بمعدل يفوق معدل نمو المواد الغذائية، مما يؤدي إلى خلّل في النمو. وكان ينتظر من الحروب والأوبئة أن تتدخل لإحداث التوازن المطلوب.

إن المالوتسية الجديدة التي تتطلب انقاذ رأسمال قبل البشر يمكن أن تساعدنا على تفسير سبب ارتفاع نسبة الوفيات من مجمل عدد المصابين في الولايات المتحدة الأمريكية، مقارنة بألمانيا على سبيل المثال. فهذه الأخيرة قامت بفحص منتظم لسكانها من أجل التكفل بالمصابين منهم قبل أن يستشري المرض في أبدانهم. بينما قام ترامب بإلغاء بطاقة التأمين الصحي التي أقرها الرئيس الأمريكي السابق بعد وصوله إلى سد الحكم. قد يقول قائل  وكيف نفسر ارتفاع عدد الأموات في إيطاليا؟ يمكن الإشارة إلى عاملين أساسيين دون إبعاد العامل الاقتصادي. أولهما بيولوجي، ويتمثل في شيخوخة الإيطاليين. فالإحصائيات الرسميّة  تشير إلى أن ايطاليا من الدول الأوربية التي يعيش فيه أكبر عدد من المعمرين. فمعدل  الأعمار فيها بلغ 83.1 سنة. وثانيهما عامل اجتماعي، إذ يُعرف الإيطاليون بحبهم الشديد للحياة الجماعية، واختلاط بعضهم ببعض مما سهل انتقال فيروس الكورونا.

أزمة النيو ليبرالية.

لعل بعض حكام العالم سمعوا ما ردّده الصحافي والكاتب الفرنسي، برنار بيفو متندّرا  على  جائحة الكورونا. لقد قال عنها أنها ذات نزعة معادية للرأسمالية: تحب الذهب فرفعت قيمته بنسبة 8%  في الأسواق العالمية . وتكره رأسمال فألحقت أضرار بليغة بالبورصات العالمية. لذا قرر هؤلاء الحكام محاربة هذه الجائحة بما تكرهه.  فوجهوا عنايتهم الصحية لرأسمال والاقتصاد خوفا من انهياره قبل أن يعتنوا بالبشر!

لقد كشف وباء ” كوفيد 19″ أن النيوليبرالية الجديدة غير إنسانية. لقد دفعت إلى الوقوف ضد تدعيم السياسات الاجتماعية في العديد من بلدان العالم، خاصة في مجال الصحة العامة. فتراجعت الاعتمادات المالية المخصصة لمستشفيات القطاع العام ، وقلصت عدد العاملين فيها.  وها هي اليوم تدفع ثمن سياستها.

يذكرنا كمال بومنير، على لسان الفليسوف الفرنسي لوك فيري، بأن جائحة كورونا تعد مكسبا للكوكب الأرضي! وانتصارا لجمعيات حماية البيئة وأحزابها التي عبرت عن مخاوفها من دمار العالم جراء السياسة النيو ليبرالية التي عقلنت الاقتصاد بشكل مفرط . ودفعت بالإنتاج المادي إلى ذروة الزيادة على حساب الطبيعة. لكن يبدو أن هذه الجمعيات ليست الوحيدة التي تردّد في سرها الكلمة الألمانية: Schadenfreude، والتي  تعني حسب المترجم المذكور “الابتهاج بمصائب الآخرين” لأن الجائحة المذكورة بيّنت أنها كانت على صواب. قد تشاركها في الابتهاج الشركات الصيدلانية العالمية ووكلائها الذين يتعاركون في بلاطوهات التلفزيون وفي صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي كلما بدت بارقة أمل في استعمال دواء جديد رغبة منهم في احتكار العلاج.

الإنسان الأعلى

في هذه الظروف الأليمة يتجلى “الإنسان الأعلى”،  بمفهوم الفيلسوف الألماني نتشه الذي يراه متحرّرا  من الأخلاق والأديان، وحتّى من الفلسفة؛ أي الحكمة، فتنفجر قدراته اللاعقلانية. كيف لا وعدد المؤمنين بالمبدأ الميكيافلي : الغاية تبرّر الوسيلة في تزايد مضطرد؟

 رفع الرئيس الفرنسي شعار ” الانسحاب القومي” وهو يخاطب مواطنيه،  وكأنه كان يردّد ” من بعدي الطوفان” ، وهو القول الفرنسي المنسوب إلى مدام دي بومبادور عشيقة لويس الخامس عشر. يترجم هذا الشعار انطواء الدول على ذاتها في زمن الوباء الكوني. ويبرّر تلكؤ، وربما تقاعس، الاتحاد الأوربي في تقديم الإعانة المالية لإيطاليا وإسبانيا لمواجهة الوباء الذي أصبح يهدّد سكانهما بالفناء.

سقوط الأوهام

لقد اسقطت جائحة كوفيد 19 الكثير من الأوهام، تأتي في مقدمتها فلسفة ” الانسانية المتجاوزة” التي تؤمن بـ ” الخلود الصحي” نتيجة قوة الإنسان على قهر الشيخوخة والمرض. ألم يقل الكاتب وعضو الأكاديمية الفرنسية، أريك أورسينا:  بقدر ما تكون قويا يظهر ضعفك؟ من يشك في صحة هذا القول لينظر إلى وضع الولايات المتحدة، التي لا تحتاج إلى من يثبت قوتها العسكرية والاقتصادية وتفوقها العلمي. ها هو ضعفها يتحدث عنها، وهي تنتظر المساعدات  لمقاومة الجائحة المذكورة.

 وها هي البشرية اليوم تدفع ثمن ايمانها المطلق ” بما بعد الحداثة” التي سيّدت العقل الأداتي/ الوظيفي على حساب العقل التواصلي. وتنكرت لكل السرديات القديمة. ولم تهتم سوى بما هو يومي. ولم نحتف سوى بما هو آني. لكن الزمن “يتجمد” في الحجر الاجبارى الذي يختزل الكون في المنزل. و تلاشت الحياة اليومية وهي تقترب من العدم . فلا مناص من  التساؤل مع الفيلسوف الايطالي، جرجيو أغامبان : كيف أصبح الانسان المعاصر إنسانا عاريًّا وهو يواجه مصيره ، لا يفكر سوى في وجوده البيولوجي؟ يروم البقاء فقط متنازلا عن شروط حياته الطبيعية: أهله، وأصدقائه ، وحياته الاجتماعية وهواياته، وعمله، وطقوسه الحياتية خوفا من الإصابة بالمرض؟ وهل المجتمع الذي يعيش حالة الطوارئ الدائمة يمكن أن يكون حرا؟

يتساءل الفيلسوف السلوفيني، سلافوي جيجك، المثير للجدل: ماذا لو كانت ” وهان الصينية” مستقبلنا في عالم متشابك ومترابط؟ سؤال يطمح منظرو إيديولوجية الاتصال أن يتحقق عبر احتفائهم في كتابتهم بالإنسان المعاصر الذي يختزل عالمه في مسكنه. ولا يغادره إلا لماما: يشتغل عن بعد؛ أي في بيته. ويشارك في الاجتماعات والمؤتمرات دون أن يبرح مكانه. ويدفع فاتوراته عبر شبكة الانترنت، ويتسوق الكترونيا، ويقرأ الصحف ويشاهد الأفلام ويتواصل دون أن يغادر منزله. إنسان يُحجر برضاه دون تململ أو امتعاض.  يقول عالم الاجتماعي الفرنسي، ” ألان توران “، عن هذا المستقبل أنه يمثل نهاية المجتمعات.

              أي مستقبل؟

يحاول بعض الكتاب والاقتصاديين والسياسيين قراءة المستقبل من موقع اختصاصهم : ماذا بعد جائحة كوفيد 19 ؟  يتفقون على القول أنها تعيد ترتيب العالم الذي سيتغير لا محالة. ويتنبئون بزوال الأحادية القطبية بتراجع الولايات المتحدة الأمريكية ، وتفكك الاتحاد الأوربي، وانهيار الاقتصاد العالمي، وصعود الصين كقوة عالمية رائدة بعد انكسار النيوليبرالية. وأن الناجي من هذه الجائحة  سيكون مختلفا عما كان عليه قبل أخر شهر من السنة الماضية. هل هناك مبالغة في هذا الاتفاق؟ بعض التنبؤات استخلصت من دروس الماضي. ففي هذا الصدد يقول جاك أتالي، مستشار الرئيس الفرنسي السابق ميتران: أن كل جائحة تصيب البشرية تنتج نظاما خاصا بها من المعتقدات والرقابة. لقد أنتهى وباء الطاعون في القرن الرابع عشر بتجريد الكنسية من سلطتها السياسية والروحية لعجزها عن الحفاظ على صحة الناس. فحلّ الشرطي، الذي ينتمي إلى القوة الفاعلة في حماية حياة البشر والحفاظ على صحتهم، محلّ الكاهن. وحلّ الطبيب، الذي يتمتع بكفاءة علمية في الحفاظ على حياة الناس، محلّ الشرطي في نهاية القرن الثامن عشر.  وانتهى إلى قول ما يلي: ” إذا عجزت السلطات في البلدان الغربية عن التحكم في هذه المأساة البشرية  سيُطْعن في نظامها السياسي. وستكون أسسه الأيديولوجية وسلطته موضع تشكيك . وسيحل محلة نموذج يقوم على الثقة. ويستند إلى منظومة قيمية أخرى، بعد أن تجتاز البشرية فترة قاتمة.

رغم الخوف من الفترة القاتمة التي تحدث عنها جاك أتالي إلا أن الإنسان متفائل بطبعه رغم المآسي. هذا ما يقوله الروائي “ألبير كامي” في رواية الطاعون: « ما نتعلمه في خضم الكوارث هو أن لدى البشر من الأشياء ما يستحق الإعجاب أكثر مما لديهم مما يثير الاشمئزاز».

لكن ما يثير الاشمئزاز في محنة البشرية مع ” كوفيد 19″؟  إنه الاقتراح الذي تقدم به طبيبان فرنسيان عبر قناة  تلفزيونية فرنسية، والمتمثل في تجريب المصل المضاد لفيروس كورونا الذي يُخترع مستقبلا على الأفارقة قبل تلقيح الأوربيين به ! لقد فاق هذا الاقتراح ذاك التصريح الذي دعا فيه رئيس وزراء بريطانيا مواطنيه إلى وداع آبائهم وأجدادهم! فوباء كوفيد 19 يختار ضحاياه من كبار السن.

ربما ستتغير الكثير من الأشياء بعد أن تتغلب البشرية مجتمعة على هذه الجائحة ونتمنى أن يكون ذلك في أقرب وقت. لكن هل سيتم القضاء على الأنانية والجشع والعنصرية بمختلف أشكالها؟

هل يمكن الخروج من مملكة غوغل؟

                                                      نصر الدين لعياضي

هل يمكن الخروج من مملكة غوغل؟ القليل من يطرح هذا السؤال، لكن الصحافية ” كاشمير هيل” الخبيرة في التكنولوجيا الرقميّة، التي التحقت بالعمل في صحيفة نيويورك في السنة الماضية، لم تكتف بطرحه بل خاضت التجربة فعلا. لقد حاولت العيش دون الاستعانة بخدمات شركات “غافا”، التي تختصر بالحروف الأولى للشركات الأربعة المسيطرة على شبكة الانترنت، وهي: غوغل، وآبل، وفيسبوك، وأمازون. فاستغنت طيلة كل أسبوع عن خدمات كل شركة تباعا. لقد ارتأت خوض هذه التجربة بعد أن نشرت سلسة من المقالات المقلقة عن التغيرات التي أدخلتها التكنولوجيا الرقمية على حياتنا الخاصة استخلصتها من تجربتها الشخصيّة. إذ يذكر أنها حَوَّلت منزلها إلى بيت ذكي. ورصدت ما يرسله من بيانات ومعلومات شخصيّة.

لكن ” فرامسوفت”  Framasoft، وهي إحدى الجمعيات الفرنسيّة الناشطة في مجال التكنولوجيا الرقمية، حَوَّلت السؤال المذكور إلى الشعار التالي: ” لنحرّر الانترنت من سلطة غوغول”. فهل استطاعت أن تفعل ذلك؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال يتوجب التعريف بهذه الجمعية وانجازاتها والدواعي التي دفعتها إلى رفع التحدي المتمثل في الاستغناء عن غوغل في استخدام شبكة الانترنت.

انطلقت هذه الجمعية على يد “كارولين أتابكيان”، أستاذة اللغة الفرنسيّة، و”ألكسيس كوفمان” أستاذ الرياضيات في مدرسة بالضاحية الباريسيّة. لقد أطلقا في نهاية تسعينات القرن الماضي مشروعا تعليميّا أسماه ” فرمنات”، وهو اختصار للحروف الأولى للكلمات اللاتنية ” لغة فرنسية، رياضيات. وأضافا لها عبارة  نت اختصارا لكلمة ” أنترانت” “intraNET”، أي الشبكة الداخلية، لأن مشروعهما تجسد عبرها.     وتضمن هذا المشروع جزءا يتعلق بجرد كامل لبرامج الكمبيوتر الحرة، أي المجانية، التي تشتغل وفق نظام “ويندوز” التي يحتاجها الأساتذة لتطوير كفاءتهم وتحسين أداءهم.

             البداية

لقد انطلق هذا المشروع من مبدأ الاعتراض على دفع المقابل المالي جراء استخدام بعض برامج الكمبيوتر. واستند في ذلك إلى الرياضيات إذ لم يتصور أصحابه تطور الهندسة لو اشْتُرط من كل مستخدم لنظرية فيثاغورس دفع ثمن استخدامه لها. فوجدوا في برامج الانترنت الحرة ضالتهما.

تحوّلت هذه الجمعية إلى ” فرماسوفت” في 2004 بعد أن تعززت قناعة أصحابها وأدركوا بأن الرهان في العالم الرقمي لا ينحصر في دفع مقابل مالي جراء استخدام برامج الكمبيوتر وشبكة الانترنت، بل يشمل أيضا الطابع المركزي لشبكة الانترنت الذي يسمح باستغلال بيانات ومعلومات مستخدميها لأغراض تجارية وأخرى مشبوهة. فوضعت هذه الجمعية نصب أعينها هدفا كبيرا يتمثل في إنشاء خدمات بديلة ومساوية لتلك التي تقدمها شركات ” غافا”؛ أي خدمات مجانية، وغير مركزية، وصائنة لحياة مستخدميها الشخصية. لذا سعت هذه الجمعية منذ إنشائها إلى الامتناع عن تجميع البيانات الشخصية عن مستخدمي برامجها الخاصة، والحد من تبعيتهم إلى الشركات الكبرى المسيطرة على ” الواب”.

إن التصدي لشركات ” غافا” يمثل تحديًّا كبيرا إن لم يكن ضربا من جنون جمعية متواضعة الإمكانيات. إنها تتكون من 35 عضوا متناثرين في المدن والقرى الفرنسية، منهم تسعة فقط موظفين مقابل أجر دائم والبقية متطوعين. ومواجهة الشركات المذكورة ليس بالأمر الهين لأن سيطرتها التقنيّة تتعدى نطاق شبكة الانترنت وتمتد إلى الذكاء الاصطناعي، والسيارات الذكيّة، والهواتف، وربط الأشياء المادية بشبكة الانترنت. وسيطرتها التقنيّة مستمدة من سطوتها الاقتصاديّة. ولتوضيح هذه السطوة يمكن الإشارة إلى أن شركة ” مايكروسفت” كانت الوحيدة التي تنتمي إلى الشركات الخمس المالكة لأكبر رأسمال في السوق العالمية في السنة 2001، وبعد 15 سنة، أي في السنة 2016 ، أصبحت الشركات الخمس المسيطرة على رأسمال السوق العالمية هي: آبل، ألفابي: الشركة المالكة لغوغل، و مايكروسفت ، وأمازون، والفيسبوك. هذا إضافة إلى سيطرة هاته الشركات على الصعيد السياسي والثقافي والتي توجت بما أصبح يعرف بــ ” ما بعد الرأسمالية” التي تقوم على ما أسمه العالم الاقتصادي الأمريكي، شوشانا زيبوف، بــ ” رأسمال المراقبة” الذي يكشف عن الدور الاقتصادي المتنامي لأشكال مراقبة السكان في تزايد تراكم رأسمال في مختلف القطاعات. فبعض المصادر تشير إلى أن جمع البيانات الشخصية حقق للولايات المتحدة الأمريكية رقم أعمال قدر بــ 200 مليار دولار أمريكي في السنة 2013 ؛ أي ما يعادل ثلاثة أضعاف المبلغ الذي تمنحه لمختلف أجهزتها الأمنية!

يقرّ مسؤول جمعية ” فرامسوفت” أن ما نقوم به يعد تحديا فعلا لكنه ليس جنونا بكل تأكيد. فعندما رفعت شعار ” لنحرر شبكة الانترنت من غوغل ” كانت بمثابة من يريد تسلق جبل الهيملايا بخُفّ مطاطي. لكنها رفعت التحدي لأنها تؤمن بأنه حتّى وإن كان احتمال الانهزام في المعركة كبيرا يجب خوضها. وبيّنت جمعية ” فرامسوفت” المتواضعة أنها تستطيع أن تتحرّر من خدمات بريد غوغل السريع ” جيميل” Gmail، ومحرك غوغل الذي يحلّل المواقع الإلكترونيّة في شبكة الانترنت، ” غوغل أنالتيكس” ، ووكالة غوغل الإشهارية ، وغيرها من البرامج وملحقات شركة ” ألفابي” المالكة لغوغل.

                                                            المنجزات

استطاعت شركة ” فرامسوفت” أن تبتكر وتطور37 برنامجا وخدمة في مجال الأنترنت خلال  السنوات الخمس الأخيرة من وجودها، اشترك فيها حوالي 600 ألف شخص كل شهر. فسمحت لهم بالاستغناء عن خدمات شركة “ألفابي”. ويمكن أن نذكر منها على سبيل المثال، وليس الحصر، ” تنتون روجي” Tonton Roger،  وهو محرك بحث بديل عن محركات البحث الثلاثة في آن واحد: غوغل، وياهو، وبنغ   Bing. وفرامادرايف” Framadrive ” عوضا عن برنامج ” دروببوكس” ” Dropbox”، وهو برنامج يخزن الملفات في شبكة الانترنت ويقوم باقتسامها بين مستخدميه. و” فرامابوكين” ، وهو البرنامج التي ابتكرته الجمعية المذكورة ليكون بديلا عن “غوغل بوكس” ينشر صفحات وفصول كاملة من الكتب. ويتيح لمستخدمه من تصفحها فقط. و”فرماكارت” وهي البديل المقترح لبرنامج غوغل مابس، أي المحرك المختص في الخرائط. و” فرامابيك” Framapic   المختص في تبادل الصور. وفرماباد FramaPad الذي يعرض 200 ألف ملف مكتوب للتداول ليكون بديلا عن برنامج غوغل دوكس Google Docs ، وفراماسفير” Framasphère ، المنصة الرقمية للتواصل الاجتماعي تجمع بين خدمات موقعي الفيسبوك وتويتر لتكون بديلا عنهما. للإشارة لقد بلغ عدد مستخدمي هذه المنصة قبل سنتين 32 ألف مستخدما. وغيرها من البرامج والمنصات.

قد يقول البعض أن عدد المشتركين في منصات جمعية ” فرماسوفت”  ومستخدمي برامجها وأدوات بحثها لازال متواضعا ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينافس الشركة المالكة لغوغل، ناهيك عن بقية شركات ” غافا”.

             لبديل ممكن

اعترف “كريستوف ماسوتي”، رئيس الجمعية المذكورة السابق، بهذه الحقيقة. وأكد بأن غاية جمعيته ليس الاستحواذ على أكبر عدد من مستخدمي شبكة الانترنت، بل تقديم الحجة بأن التحرّر من غوغل ممكن جدا. فطموح جمعيته ليس احتلال مكانة شركات الـ “غافا”، بل تقديم بديل ملموس عنها، والبرهان على أن سيطرتها التقنيّة والاقتصاديّة والثقافيّة ليست حتميّة وأزلية. وأن هناك حلولا أخرى للانفلات من الخضوع لمعيارية القرية العالمية التي يسيطر عليها الأمريكيون.

يتفق الناشطون في جمعية ” فرماسوفت” على القول أنهم لا ينافسون غوغل. فمنافسته تعني الانسياق لاستنساخ نموذجه وفق مبادئه، بينما يقوم مشروعهم على فلسفة مغايرة تقنيا واقتصاديا. فبرنامج ” بيرتيوب” PeerTube ، على سبيل المثال، الذي يشبه إلى حد كبير المنصات المعروفة في مجال بث الفيديوهات، والذي طورته الجمعية المذكورة يقدم تصورا مختلفا لشبكة الانترنت: شبكة غير مركزية ولا يراقبها سوى مستخدموها. فميزة هذا البرنامج أنه يستند إلى نموج ” الند للند” الذي يعني أن المستخدم يمكن أن يتحوّل إلى خادم، ويأوي شرائط الفيديو ويوزعها على نظرائه. ويسمح طابعه غير المركزي لكل مستخدم بمشاهدة شرائط الفيديو وحتّى تحمّيلها دون أن يشكو من التباطؤ المعهود الذي يلاحظه مستخدمو المنصات المشابهة عندما يتزايد عددهم أثناء مشاهدة إحدى فيديوهاتها في الوقت ذاته. ولا يعاني برنامج ” بيرتيوب” من العطل مثلما يحدث لخوادم منافسيه التقليديين: ” يوتيوب” ودلي موشن”.  هذا إضافة إلى أن محتوى ما يبثه يدار من قبل أصحاب المواقع، ولا تتحكم فيه الشركات الرقمية الكبرى.

يؤكد رئيس جمعية “فرماسوفت” أن البيانات الشخصية لمستخدمي برامجها ومنصاتها لا تُجَمع ولا تُباع وذلك لأن اقتصادها لا يقوم على الإعلان، بل يستند إلى العطاء والهبات. لقد قفز مبلغ هذه الهبات من 150 ألف يورو في 2013 إلى 415 ألف يورو في2017 قدمها خمسة ألاف شخص منهم ألف شخص تعودوا على تقديم هبات مالية منتظمة كل شهر.

لم تسع الجمعية المذكورة إلى طلب الإعانة من الحكومات الفرنسية المتعاقبة وذلك حفاظا على استقلالها، وخوفا من الضغط عليها ودفعها إلى تجميع المعلومات الشخصية عن مستخدميها لتوظف لأغراض مختلفة. ولم تمارس الحكومات الفرنسية أي ضغط على هذه الجمعية وغيرها من الجمعيات الناشطة في مجال اختراع برامج الكمبيوتر والانترنت الحرة لأنها بحاجة ماسة إلى مثل هذه الجمعيات حتّى تُحرّر جزئيا بعض مؤسساتها من التبعية لشركات الــ “غافا” من جهة، ومن أجل تعزيز قدراتها على التفاوض مع ممثلي هذه الشركات من أجل الحصول على خدماتها بكلفة أقل وبشروط معقولة، من جهة أخرى، مثلما فعلت وزيرة التعليم السابقة، نجاة فالو بلقاسم، في تعاقدها مع شركة “مايكروسفت” في نوفمبر 2015.

إن ما حقّقته هذه الجمعية من نجاح بفضل الناشطين في حقل برامج شبكة الانترنت الحرة، أدى إلى تزايد المبادرات في بعض البلدان الأوربية على حذت حذوها، مثل  أرضية ” أكس نت” X-net  التي تجمع كل الأنشطة الرامية إلى توفير العدّة التي يمكن أن تسهم في تحرير شبكة الانترنت من غوغل في إسبانيا. ومنصتي “ويهو.أست”Weho.st  و”ديستروت” Disroot في هولاندا، ومنصة “ألمند. أي أو” Allmende.io” في ألمانيا.

الانترنت السيادية

لم تتبن روسيا الإستراتيجيّة الفرنسيّة مع شركات “غافا”، بل سعت إلى تجسيد رؤيتها لما اسمته شبكة الانترنت السيادية بموجب القانون الذي دخل حيز التنفيذ في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. لقد اتجهت إلى تأسيس بنيتها القاعديّة التقنيّة المستقلة التي تسمح لها بعزل شبكة الانترنت المنتشرة في الأراضي الروسيّة عن الخوادم العالمية الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوربيّة. وبهذا الفصل تضمن روسيا استمرارية استخدام الانترنت في حالة الإعلان عن حصارها أو تعرضها لحرب إلكترونيّة عالميّة أو عندما تصاب الخوادم العالمية بعطب نتيجة زلزال أو حرب تجبرها على التوقف عن الخدمة.

طمأن ” ايفغني نوفيكوف”، الناطق الرسمي باسم وزارة الاتصالات الروسيّة، مستخدمي شبكة الانترنت في روسيا قائلا بأن التغيير الجاري في البنية التقنيّة الناقلة لخدماتها لا يؤثر على استخدامها لها، بل لا يشعرون به أصلا. لكن بعضهم لازال يخشى استغلال هذه الإستراتيجيا لممارسة الرقابة على شبكة الانترنت. إذ يعتقدون أن القاعدة التقنيّة المستخدمة تسمح للسلطات الروسيّة بتحليل البيانات المتدفقة عبر الخوادم الروسيّة والموجهة إلى المواقع والمنصات الإلكترونيّة المختلفة وغربلتها. وهذا ما حدا بالرئيس الأمريكي ” فيلادمير بوتين” إلى التأكيد على عدم وجود أي تناقض بين وجود شبكة “انترنت مسؤولة وحرة” في الوقت ذاته، في مؤتمره الصحفي السنوي الذي عقده في نهاية السنة المنصرمة.

ما سبق قوله لا يعني أن روسيا لم تسع إلى إنشاء مواقع للتواصل الاجتماعي ” وطنية”. لقد أنشأت موقع ” أودنولاسنيك ” Odnoklassnik ، ويعني ” زملاء الدراسة”، و ” موقعا أخر اختير له اسم مختصر من حرفين : “في ك” VK  ويُترجم بــ ” التواصل” في 2006. ويُعد هذا الأخير أكثر استخدما في روسيا حيث  قدر عدد مستخدميه بــأكثر من 276 مليون مستخدما. ويحتل المرتبة الأولى في بلاروسيا والمرتبة الثالثة في كزاخستان. لقد صمم على شكل موقع ” الفيسبوك”. وفي يونيو 2015 أنشأ خدمة خاصة بتقاسم الصور أطلق عليها مسمى ” سنابستر” Snapster ” يمكن تحمّيلها على هواتف ” آبل الذكية” وأنظمة أندرويد.    

إستراتيجيا مغايرة

لم تحذو الصين حذو روسيا وتسعى إلى بناء شبكة انترنت سيادية لمحدودية قدرتها التكنولوجيا القاعدية. لكنها عملت على تطوير قدراتها في مجال تطبيقات الكمبيوتر وبرامج شبكة الانترنت مما رشحها لتكون رائدة عالميا في مجال التجارة الرقمية، والدفع عن طريق الهاتف الذكي، ومواقع التواصل الاجتماعي. لقد أصبحت الشركات الصينية الكبرى المهيمنة على الاقتصاد الرقمي التي يرمز لها بحروفها الأولى: باتكس ” BATX” ، وهي “بايديو ” Baiduو” علي بابا” Alibaba و”تنسنت” Tencentو”إكينيومي” Xiaomi ” تهدّد عرش شركات “غافا” الأمريكيّة.

تُعدّ الصين البلد الأكثر تشبيكا بالانترنت، حيث بلغ عدد مستخدميها 854 مليون مشتركا في شهر أغسطس الماضي، متقدمة بذلك على الولايات المتحدة الأمريكية التي يبلغ عدد مستخدميها 300 مليون مستخدما. وقد شجعها هذا الوضع على تطوير مواقع تواصلها الاجتماعي. فالمنصة الرقمية الصينية المسماة ” توتياو” Toutiao” ومعناها ” عنوان اليوم” التي أنشأت في 2012  لتحاكي موقع ” غوغل نيوز” تفوقت عليه. إذ أصبحت تقدم الأخبار وشرائط الفيديو وفق حاجيات ورغبات مستخدميها الذين بلغ عددهم 120 مليون مستخدما نشيطا يوميا يقضون ما معدله 74 دقيقة في اليوم. وتجمع 1.2 مليونا مُنْتِجا للمحتوى: وسائل الإعلام التقليديّة، ووكالات حكوميّة، ومؤسسات اقتصادية وثقافية، وحتّى المشاهير والمؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي.

ولم تستطع شركة ” يوبر” « Uber » الأمريكيّة منافسة نظيرتها الصينيّة ” ديدي” التي صُمّمت على منوالها لنقل الزبائن في سيارات خاصة، إذ تنازلت على نشاطها في الصين مقابل 20 % من رأسمالها. ووسعت “ديدي” نشاطها خارج الصين لتقدم خدمات أخرى عبر موقعها في شبكة الانترنت: تأجير السيارات، توفير سيارات كهربائية مع سائق، تأجير الدراجات الهوائية، توصيل الوجبات الغذائية إلى الزبائن.  لقد تغلبت على الشركات المشابهة في الهند، وأزاحت مثيلتها في سنغافورة، وإستونيا ، والبرازيل، وأخيرا وصلت إلى السوق المكسيكية.

هذا ناهيك عن بقية مواقع التواصل الاجتماعي، مثل ” تيك توك” الصيني الذي غزا المراهقين في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوربية.

أخيرا، هل يمكن القول أن نبوءة المدير السابق لشركة غوغل، ” ايرك شميت، في طريقها للتحقق. لقد تنبأ  بأن الانترنت ستُقسم إلى قسمين، قسم للولايات المتحدة والأخر للصين. هذا بعد أن لاحظ أن نموذج الانترنت الصيني أصبح أكثر شعبية في العالم.

التغريد في مملكة التلفزيون.

نصر الدين لعياضي

يأخذ موقع شبكة تويتر النصيب الأوفر من الحديث عن التلفزيون الاجتماعي أو التلفزيون التشاركي مثلما يسميه الناطقون باللغة الفرنسيّة. والسبب في ذلك لا يعود للمصداقية التي يتمتع بها هذا الموقع في أوساط الصحافيين وممتهني الإعلام وميلهم إلى اعتماده كمصدر إعلامي فحسب، بل لكونه أيضا من أنشط  مواقع التواصل الاجتماعي التي منحت للتلفزيون بعده التشاركي، وأثرت تجربة المشاهدين التلفزيونيّة.

لقد بدأت القوات التلفزيونية تستعين بالتغريدات في برامجها التلفزيونية بدءا من 2012، والسبب في ذلك لا يعود إلى تزايد عدد مستخدمي هذا الموقع لأن موقع الفيسبوك، على سبيل المثال، يتفوق عليه في هذا المجال ، بل لأن نصيب التلفزيون من المضامين التي تتداولها التغريدات ما انفك يتزايد. لقد قدر بعض المختصين بأن 50% من التغريدات التي أرسلها مستخدمو موقع شبكة تويتر الفرنسيون في السنة المذكورة أعلاه كانت ذات صلة ببرنامج من برامج التلفزيون: موضوعه،  مذيعيه وضيوفه. وقدّر المركز الفرسي لقياس المشاهدة التلفزيونيّة أن عدد التغريدات التي أرسلت إلى البرامج  التي بثها التلفزيون الفرنسي في السنة 2015  بلغ 70 مليون تغريدة!  رقم رهيب أليس كذلك؟

التنافس

مكنّت هذه التغريدات التلفزيون الفرنسي من تحقيق أمنيته الغالية والمتمثلة في الالتحاق بركب القنوات التلفزيونيّة الأمريكيّة. فالبرنامج المسمى بــ ” لي برول أي لي زاكت” Les paroles et les actes ،” الأقوال والأفعال”، الذي كانت تبثه قناته الثانية خلال الفترة الممتدة من 23 يونيو 2011 إلى 26 مايو 2016 “، تلقى حوالى 40063 تغريدة في إحدى حلقاته  حسب مؤسسة ميزاغراف ” Mesagraph”، شريكة التلفزيون الفرنسي في مجال قياس استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.

إن البرنامج التلفزيوني المذكور سياسي بامتياز، يستضيف شخصية سياسية بارزة في حوار يدوم ساعتين ونصف، يشارك فيه صحافيون من مختلف وسائل الإعلام الفرنسية ونشطاء في المجتمع المدني واخصائيون في مجالات مختلفة: الاقتصاد، التجارة، الزراعة، السكن، الصحة، العمل والتشغيل، الهجرة، الطاقة، وغيرها من المجالات.

إن العدد الأسبوعي للتغريدات التي ترسل إلى حساب هذا البرنامج في الفيسبوك يقترب من البرامج السّياسيّة الكبرى التي يبثّها التلفزيون الأمريكي، مثل البرنامج الشهير”  Meet the press ” ميت ذو برس” ” في لقاء الصحافة” الذي شرعت قناة ” أن بي سي” “NBC “ في بثه في 1947 والذي يتلقى 109717 تغريدة. وبرنامج “” “Fox News Sunday  فوكس نيوز ساندي” ” أخبار الأحد في فوكس نيوز” الذي شرعت في بثّه في 1996، والذي يتلقى 51940 تغريدة . وبرنامج Al Punto” “ البانتو” أي ” في آنه” الذي تبثهّ قناة ” أي بي سي” ABC للمشاهدين المنحدرين من جنوب القارة الأمريكيّة والذي يحظي بـ 41336 تغريدة.

لقد كانت القنوات التلفزيونيّة تتنافس لكسب أكبر عدد من المشاهدين. وهاهي رقعة المنافسة تتسع اليوم لتشمل عدد التغريدات التي تحصل عليها برامجها!  

قد يلاحظ القارئ الكريم أن هذه البرامج المذكورة كلها سياسيّة وبدأت تنافس برامج الرياضة وبرنامج تلفزيون الواقع، مثل “ستار أكاديمي” في عدد التغريدات! حيث لم يتجاوز عددها في أي برنامج من البرنامجين 20 مليون تغريدة طيلة السنة!

تعدّد الشاشات

يشترط التلفزيون الاجتماعي من المغرد أن يمتلك شاشتين على الأقل، شاشة التلفزيون التي يتابع عبرها البرنامج التلفزيوني وشاشة أخرى: لوح إلكتروني أو هاتف ذكي ليرسل عبر أحديهما تغريداته في شكل نص، لا يزيد عن 280 علامة بعد أن كان يقتصر على 140 علامة، أو صور أو فيديوهات أو روابط إلكترونية. فتظهر التغريدة في أسفل شاشة التلفزيون لبرهة لا تزيد عن اثنى عشرة ثانية.  ويمكن لأي مغرد أن يضع ” hashtag  ” هاشتاغ”، أي الوسم، الذي يعمل على توحيد التغريدات في محور أو في عبارة واحدة. ويعتبر هذا الوسم ككلمة مفتاحية ذات صلة بعنوان البرنامج التلفزيوني أو الموضوع الذي يطرحه للنقاش مما يسمح للمغردين بمتابعة الحوار على موقع شبكة تويتر والتعليق على ما جاء في البرنامج.

من المنطقي، بل من الضروري ألا ينشر أي برنامج تلفزيوني كل التغريدات التي تصله حتّى وإن كان في استطاعته فعل ذلك. فإن فعل فإنه يُدفن في سيل التغريدات ويُطمس. فالبرنامج التلفزيونيّ الفرنسيّ المذكور أعلاه لا يبث سوى حوالى 60 تغريدة  من بين ملايين التغريدات التي تصله عبر هاشتاغ ” وسمه”، حسب الباحث حسان عطيفي من جامعة التكنولوجيا بـمدينة ” تروا” Troyes الفرنسية. يتولى سبعة أشخاص مهمة انتقاء التغريدات التي تعتبر مهمة لعرضها على رئيسي التحرير للنظر في إمكانية بثّها عبر الشاشة عندما يتطرق البرنامج التلفزيوني إلى المحور الذي تثيره. وقد تساءل الكاتب ذاته عن معايير انتقاء التغريدات ملمحا إلى أنها تبطل الحديث عن موت حارس البوابة الإعلامية الذي راج بعد تزايد استخدام شبكة الانترنت وتدفق الأخبار في شرايينها. إنه الحديث الذي لم يأخذ في الحساب عملية تملّك وسائل الإعلام التّقليديّة لمنصات التواصل الاجتماعي.

                                                    انتقاء

استنتج الباحث حسان عطيفي جملة من القواعد التي يسترشد بها رئيسا تحرير البرنامج المذكور في عملية اختيار التغريدة التي تظهر على شاشة التلفزيون. منها على وجه التحديد اختيار عينة تمثيلية من التغريدات مع الحفاظ على التوازن في اتجاهاتها، أي عدم نشر التغريدات التي تعارض فقط الضيف أو تخالف رأيه، والامتناع عن نشر التغريدات التي تقدح أو تسبّ الضيف أو أحد المشاركين في الحوار. وكذا التغريدات التي تكون عبارة عن وصلات إلكترونيّة لصفحات ومواقع في شبكة الانترنت أو اقتباس ما قاله الضيف في البرنامج.  هذا إضافة إلى الأخذ بعين الاعتبار الإكراهات التقنيّة، أي نشر التغريدات وفق فاصل زمني محدّد، وعدم إبراز التغريدة في الشاشة بطريقة تغطي وجه ضيف البرنامج.

أحدث اقحام التغريدات في متن البرامج التلفزيونيّة تغييرا في طريقة عمل التلفزيون وفي عقد الاتصال الضمني الذي يجمع مذيع البرنامج التلفزيوني وجمهوره وضيفه. فالتغريدات التي تظهر على شاشة التلفزيون يشاهدها مذيع البرنامج ويتابعها المشاهدون ولا يطلع عليها المشاركون في الحوار ولا الضيف رغم أنها موجهة إلى هذا الأخير! ويكتفي المذيع بقراءتها ويطلب من ضيفه التعليق عليها أو الرد على أصحابها. إن هذه الطريقة المتبعة في نشر التغريدات تنتج شكلا من التواصل غير المتكافئ إن صح التعبير. فالمغردون يعرفون الضيف الذي قدمه المذيع في بداية بث البرنامج ويطلعون على مساره المهني وربما الاجتماعي. وفي المقابل لا يعرف هذا الضيف أي شيء عن هوية الذين تنشر تغريداتهم. وهذا خلافا للاتصال الهاتفي في البرامج الإذاعية والتلفزيونية التي كان التواصل فيها مع الجمهور يتم عبر الهاتف، حيث يطلب المذيع من المتصل ذكر اسمه، والمنطقة التي يتصل منها، ومهنته في بعض الأحيان، وحتى سنه إن اقتضت الضرورة. إن حرمان الضيف والمشاركين من متابعة التغريدات التي تبثّ عبر الشاشة يضعف مبدأ التفاعلية التي هلّل لها الكثيرون منذ عقدين من الزمن. وذلك لأنها تظل محصورة بين مستخدمي موقع شبكة تويتر، ولا تسجل حضورا قويًّا في الشاشة. لذا لم يتردّد الباحث حسن عطيفي عن وصفها بالتفاعلية المخادعة! إذا ما الجدوى من نشر التغريدات في برامج التلفزيون؟

                                                          الإجابة

تختلف الإجابة عن هذا السؤال باختلاف مسارات المجيبين. فمدير قسم التلفزيون في مؤسسة قياس المشاهدة ” ميديا متري” Médiamétrie “، جوليان روسفالون، يرى أن القنوات التلفزيونيّة مهتمة برفع عدد مشاهديها. لذا تشجعهم على الانخراط في الحديث الرقمي عن البرامج التلفزيونيّة. ويرى نائب مدير الطبعات الإلكترونية في مؤسسة التلفزيون الفرنسي، من جهته: ( أن التغريد عبر شاشة التلفزيون يعدّ وسيلة من أجل تعويد الجمهور وجرّه إلى الحفاظ على صلته بالبرنامج التلفزيوني قبل بثّه، وفي أثناء بثّه، وبعد نهاية إرساله. فالتغريدة التي تبثّ عبر شاشة التلفزيون تولد جملة من التعليقات والتعقيبات بين مستخدمي شبكة الانترنت.)

إن التغريدات التي تبث في البرامج التلفزيونيّة  تؤكد على التناغم والتكامل بين خطاب البرنامج التلفزيوني وخطاب جزء من مشاهديه. وتدعو إلى التفكير في المنطق الذي يجعل ” الخطاب الخاص”، الذي تتضمنه تغريدات بعض المغردين، ينفذ إلى شاشة التلفزيون وينتشر في الفضاء العمومي.

يعتقد الكثير من الباحثين أن توظيف القنوات التلفزيونية لمواقع التواصل الاجتماعي، وشبكة تويتر تحديدا يندرج ضمن المسار الذي سلكه التلفزيون منذ مطلع تسعينات القرن الماضي. والذي دُشن ببرامج الحوار الاستعراضي ” Talk show ” وتلفزيون الواقع الذي أعطى الحق في الكلام للأشخاص العاديين والمغمورين، أي من عامة الناس الذين يأتون إلى الأستوديو لتقديم شهاداتهم العفوية على واقعهم المعيش.

ويعتقد البعض أن ” التغريد في مملكة التلفزيون” يندرج ضمن التحول العام الذي يشهده قطاع الإعلام والثقافة والتعليم، والذي يستند إلى فكرة التشارك في الإنتاج، وتقاسم المنتج، وتطبيق الذكاء الجماعي، كما هو مجسد في موسوعة ” ويكيبيديا” على سبيل المثال. وفي هذا التحوّل تغيرت مكانة الجمهور في المعادلة الإعلامية، إذ انتقل من جمهور مستهلك إلى جمهور مواطن. ومع تملك وسائل الإعلام التّقليديّة لمواقع التواصل الاجتماعي ظهر الجمهور الشاهد، والمناضل، والقاضي والمحلّل.

كيف نفكر في أخلاقيات الصحافة في المنطقة العربية؟

                                                     نصر الدين لعياضي

يعتقد البعض أن وهن الصحافة في المنطقة العربية وانحرافها يعود  أساسا إلى عدم احترام أخلاقيات الإعلام . يمكن أن نعتبر هذا الرأي بمثابة إجابة جيدة. لكن أين السؤال؟ 

تطلعنا بعض المنظمات المهنية وبعض الصحافيين بين الحين والآخر، على جملة من الانتهاكات لأخلاقيات الصحافة في هذا البلد العربي أو ذاك. فمن التحرش ببعض المتهمين في بعض القضايا التي لازالت في مرحلة التحقيق على مستوى الأجهزة الأمنية وتقمص دور القاضي الذي يحكم عليهم، مرورا ببث صور مهينة لأشخاص ساعة اعتقالهم بعد أن صدرت بحقهم مذكرات توقيف، وتثبيت التهم المنسوبة إليهم قبل امتثالهم أمام المحكمة، واستغلال صور أطفال قصر لأغراض تجارية ودعائية، وبثّ صور صادمة للقتل والتمثيل بالجثث التي تمارسها الجماعات المتطرفة، ونشر أخبار كاذبة دون تصحيحها[1]، واختلاق أحداث لا وجود لها في الواقع، ونشر مواد صحفية تمزج بشكل مشبوه بين الإشهار والإعلام، وتحريف المعلومات، والإفراط في نشر الأخبار مجهولة المصدر، والتحيز في نقل الأخبار وعدم الانصاف، والتحريض على ممارسة  العنف والميز العنصري،  وصولا إلى ابتزاز رجال المال والأعمال من أجل الحصول على امتيازات شخصية دون وجه حق أو دعم مالي للمؤسسة الإعلامية باسم الإشهار[2]. هذه بعض الأمثلة التي يبدو أنها تتفاقم في المستقبل القريب مع تعدّد حوامل الأخبار وانخراط أطراف جديدة في إنتاجها وبثّها.

إن الوعي بخطورة هذه الممارسات يختلف بين ممارسي الإعلام في هذا البلد العربي أو ذاك. فممتهنو الصحافة في بعض البلدان العربية يفتقدون المواثيق التي تؤطر النشاط الصحفي على الصعيد الأخلاقي ، وبعضهم بادروا بإصدارها مثلما حدث في المغرب وتونس. وأقدمت بعض المؤسسات الإعلام العربية، القليلة، على إصدار ميثاق أخلاقيات العمل الخاص بها. والسؤال الذي يمكن أن يطرحه البعض يتمثل فيما يلي: ما هو نصيب هذه المواثيق من النجاح في الحدّ من الممارسات المذكورة أعلاه التي تطعن في مشروعية العمل الصحفي؟

ربما يجرّنا هذا السؤال إلى سؤال أخر : ما هي الأسباب التي ساهمت في بروز هذه الممارسات وتلك التي ساعدت على استشرائها؟  فمن الصعوبة القضاء عليها دون معرفة أسبابها.

لتذليل هذه الصعوبة نميل إلى مراجعة الخطاب عن أخلاقيات الإعلام في المنطقة العربية وتحليله. وهذه مهمة ليست يسيرة نتيجة تعقد هذا الخطاب وتعدّد منتجيه ومصادره . لكن يمكن، من باب التبسيط، تصنيفه إلى فئتين : فئة الخطاب الجامعي، وفئة خطاب المهنيين والسياسيين والمثقفين.

خطابان.

لازال الدّرس الجامعي في العديد من الجامعات العربية يتناول موضوع أخلاقيات الإعلام من زاوية مذاهب الإعلام الكبرى: السلطوي، الليبرالي، والمسؤولية الاجتماعية والاشتراكي، وقد يضيف له البعض الإسلامي! ويثرى بشرح لنماذج من مواثيق أخلاقيات الإعلام التي صادقت عليها النقابات والمنظمات الصحفية الوطنية والدولية. ويعتقد بعض الطلاب: صحافيو المستقبل، أن هذا الدّرس لم يساعدهم كثيرا على مواجهة ما يعترضهم من قضايا ذات الصلة بأخلاقيات الصحافة في نشاطهم الميداني. هذا إضافة إلى أن المذاهب المذكورة قد تعجز عن تفسير الاختلاف في النظر إلى مسألة أخلاقيات الصحافة في البلدان التي تستمد ممارستها الإعلامية من الفلسفة الليبرالية ( فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية مثلا.) ويلاحظ أن بعض الأساتذة يدفعون بالدّرس الجامعي عن أخلاقيات الإعلام في اتجاه فلسفة الأخلاق وفق التّصوّر الكانطى، الذي يسمو بالواجب حتّى وإن كان ضد المنفعة. إنه التّصوّر الذي يؤكد على أن ( سيرتنا صحيحة إن كانت بغرض احترام القانون الأخلاقي، وليس لأننا نجني منفعة منها، أو لأن هذه السيرة  تكون لصالح سعادتنا. فالتصرف بحكم الواجب لا غير هو الذي يمنح قيمة أخلاقية لفعل ما (.[3] وينتهي هذا الدرس، مع الأسف، إما بتقديم “مواعظ” مهنية أو التنديد بسلوك الصحافة والصحافيين!

ينأى هذا التّصوّر عن واقع الممارسة الصحفيّة. ويسمو بالأخلاقيات عن العراك اليومي، ويجنب أصحابه المشاكل التي قد تترتب عن الحفر في العوامل التي تنتج الانحرافات في الممارسة الصحفية. لكنه يقع ، مع الأسف، في الخلط بين الأخلاق Morals والأخلاقيات Deontology. فالأخلاق تحيلنا إلى مجموعة من القيم والمبادئ التي نهتدى بها في حياتنا اليومية، وتمكّننا من التمييز بين الخير والشر، والعدل والظلم، والمقبول والمرفوض. بينما يعود مفهوم ” الأخلاقيات” إلى اللغة اليونانية ” دينوتس” ( deontos ) والتي تعني ” الواجب” وتتضمن جملة من الالتزامات التي يتطلب من الأشخاص القيام بها في عملهم؛[4] أي أنها مجموعة من التوصيات الأدبية والاعتبارية، ومدونة سلوكية يتبعها المحترفون في مهن محددة، ويستدلون بها في نشاطهم لأنها توجههم نحو ما هو أفضل للتصرف في مواقف وأوضاع معينة. يتبنونها بشكل طوعي ولا تفرض عليهم بالقوة لأنهم هم من سَنّوها.

                                                      تعارض

هل يمكن للأخلاقيات أن تتعارض مع الأخلاق؟ سؤال لا زال يثير الكثير من الجدل. فبعض الصحافيين ومنظماتهم المهنية يعتقدون أن الأخلاق تملي على المصور الصحفي، على سبيل المثال، التدخل لإنقاذ غريق حتّى وأن تطلب الأمر التخلي عن مهمته، بينما الأخلاقيات تتطلب منه أداء واجبه المهني والتقاط صور للغريق كالتزام مهني وتلبية للحق في الإعلام.

ويضع هذا التصور مسألة أخلاقيات الصحافة على كاهل الصحافي المطالب بالاحتكام إلى ضميره وتغليب واجبه حتّى وإن تعارض مع مصلحته. بينما يدرك الأخصائيون بأن (أخلاقيات الإعلام لا تختزل في الفعل الذي يقوم به الأشخاص المرئيون أكثر في حقل الإعلام: الصحافيون، والمصورون، والمخرجون، وفنيو التلفزيون. إنها ترتبط أيضا بالفعل الذي يقوم به قادة وسائل الإعلام ، والمؤسسات الإعلامية)[5].

أمام تقاعس بعض الأنظمة العربية عن تطبيق بعض بنود قوانين الإعلام التي سنّتها يتداخل في ذهن بعض الكُتّاب والمهنيين والسياسيين وحتّى النقابيين المفهومين التالين : القانون والأخلاقيات. هذا ما يتضح على سبيل المثال من إدراج بعضهم المساس بالحياة الخاصة للأشخاص العاديين ” و”التشهير بالغير” في خانة انتهاك أخلاقيات العمل الصحفي [6] ، بينما أدرجها المُشَرّع في خانة قوانين الإعلام في جلّ الدول العربيّة. كذلك الأمر بالنسبة لحق الرد الذي يُعدّ فصلا كاملا في قوانين الإعلام لكن لا تلتزم به جلّ وسائل الإعلام في المنطقة العربية،[7] ولا يندرج في باب الأخلاقيات. ويتأكد هذا الخلط أكثر في مواثيق أخلاقيات الإعلام التي صدرت في لبنان في 1958، و1974، و 1992، و 2006 التي أبرمت بعضها نقابة الصحافيين مع الحكومة. وجاء بعضها الآخر بعد اتفاق بين مجالس إدارة المؤسسات السمعية البصرية والحكومة. وتعتبر هذا المواثيق بمثابة وثائق تكرس التوافق بين السلطة السّياسيّة والصحافة لضمان حرية التعبير وتحدّيد مسؤوليات وسائل الإعلام في ظروف سياسية خاصة مر بها لبنان[8]. ولم تنبع من قاعات التحرير، ولم يصغها الصحافيون بقصد تنظيم مهنتهم وضبطها.

يمكن القول من باب توضيح الفرق بين القانون وأخلاقيات الإعلام بأن (القانون يحدّد مجمل القواعد التي تطبق في مجتمع معين. ويعاقب كل من لم يلتزم بها. ويروم إحداث الانسجام الإنساني في المجتمع، والتوافق بين مصالح جميع المواطنين، ويمنع حدوث النزاعات ويحلّها إن حدثت في إطار بعض القيم الأساسية الخاصة بمجتمع ما وثقافة معينة.)[9] إذا القانون يتسم بطابعه الزجري ويطبق على مهنة ما دون الحصول على موافقة مسبقة من أصحابها. بينما الأخلاقيات هي مجمل الواجبات والمعايير التي تضبط مهنة ما والتي يتفق عليها أصحابها. والسؤال المطروح هل أن الأخلاقيات تتعارض مع القانون؟ سؤال لازال يثير الكثير من الصراع بين السلطة القضائية وممثلي بعض المهن. فبعض المنظمات الطبيّة، على سبيل المثال، تجيز ممارسة ” القتل الرحيم” في مدوناتها الأخلاقية عندما تفقد الهيئة الطبيّة المشرفة على علاج المريض الأمل في شفائه، وتقرّ بأن الأفضل الرفق به وتخليصه من عذابه. بينما القانون يُجرّم القتل مهما كانت صفته  رحيما أو غير رحيم، سواء كان مُتَعَمِّداً أو دون قصد.

   أسباب

السؤال الذي يثار هو كالتالي: لماذا لا تحترم أخلاقيات الإعلام في الصحافة العربيّة؟                        يحصر بعض الصحافيين والنقابيين وأساتذة الصحافة الأسباب التي تقف وراء عدم الالتزام بأخلاقيات مهنة الصحافة في العديد من البلدان العربيّة، في العوامل التالية: القيود التي تفرضها السلطة السّياسيّة وجماعات الضغط على الصحافة، وخضوع الإعلام للأجندات السّياسيّة للدول، وهشاشة اقتصاد وسائل الإعلام وتبعيته للإشهار ، والخلط بين الإعلام والإشهار، ومزج الإعلام بالعلاقات العامة[10]، وثقافة المجتمع، والترهيب الذي تمارسه الجماعات المتطرفة[11]، ورؤية الصحافيين لذاتهم[12]، والتحاق من لا مهنة لهم بالعمل في قطاع الصحافة.[13] وضعف تكوين الصحافيين.[14]

لفهم الإخلال بأخلاقيات مهنة الصحافة في البلدان العربية بشكل أفضل، يجب النظر إلى السياق التاريخي الذي نشأت فيه هذه الصحافة وتطورت ، والذي يختلف عن السياق الذي نشأت فيه الصحافة الأجنبية في بلدان شمال أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. ففي هذه البلدان ظهرت الصحافة في سياق حرية الفكر والتعبير، مما يفترض وجود تعددية الرأي والفكر. وتطورت في ظل منافسة اقتصادية تؤطرها جملة من القوانين والتشريعات التي تتجدّد باستمرار بتطور المجتمعات ، وفي ظل تطور مجتمع مدني قوي تشارك فيه جمعيات الصحافيين ونقاباتهم التي لعبت دورا كبيرا في صياغة مواثيق أخلاقيات الإعلام. بينما ظهرت الصحافة في المنطقة العربيّة ضمن مشروع سياسي مناهض للاستعمار ، بدءًا بصحيفة “العروة الوثقى” التي أصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في باريس في 13 مارس 1884. وهذا يعني أنها صحافة نضال وتجنيد ضد العدو. فــفي عرفها “كل من ليس معها هو ضدها”؛ أي عدو وليس منافسا أو غريما تختلف معه في الرأي أو الموقف أو الإستراتيجيا ، بمعنى أنها صحافة أحادية الفكر تعتمد أكثر على مواد الرأي على حساب المعلومات والاستقصاء. تُخوّن كل ذي فكر مخالف و”تشيطنه”. فالمهم بالنسبة لها يكمن في مضمون الرسالة التي توصلها إلى الجمهور. ولا تولي الكثير من الاهتمام والعناية بالجوانب المرتبطة بأخلاقيات الإعلام ، مثل ضرورة التحرّي عن صحة المعلومات والأخبار ، وعدم الافراط في الاستناد إلى مصادر الأخبار المجهولة أو التستر عليها،  والإنصاف في المعالجة الصحفيّة للقضايا المختلفة، وعدم استعمال الأساليب المشينة للحصول على المعلومات. ضمن هذا السياق رسخت الممارسة الصحفيّة في العديد من البلدان العربية في ظل عدم الفصل بين السلطات: التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة، مستفيدة من تعثر الصحافيين في تنظيم مهنتهم وضبطها على غرار الفئات المهنيّة الأخرى: الأطباء ، والصيادلة، والمهندسين المعماريين، والمحامين، والقضاة، وغيرهم. واستندت الكثير من وسائل الإعلام الخاصة، التي انطلقت كمشاريع تجاريّة في العديد من البلدان العربيّة، إلى هذه الممارسات. وأضافت لها ما يوحي ” بالتراجع” في ممارسات أخلاقيات الإعلام، مثل ابتزاز الغير ومساومتهم للحصول على الإشهار أو على امتيازات مثلما ذكرت بعض النقابات.[15] وقد تفاقمت هذه ” الإضافات “، مع الأسف، بعد أن التحمت مصالح الجماعة المالكة لوسائل الإعلام والقوى السّياسيّة المتحكمة في صنع القرار. وجعلت من وسائل الإعلام أداة لتصفية الحسابات السّياسيّة كما حدث في الجزائر¨.

لعل القارئ الكريم يخالفنا الرأي بالقول أنه من الخطأ تقييم ممارسات أخلاقيات الإعلام في المنطقة العربية على ضوء مواثيق الشرف والمدونات الأخلاقية المعمول بها في المؤسسات الإعلامية الغربية. وذلك لأن الأخلاقيات معطى نسبي يخضع لتطور المجتمعات. ففي فرنسا على سبيل المثال أقدمت إدارة قناة التلفزيون الفرنسي الثانية على فصل مذيعة أخبار عن العمل في 1976 لأنها تجرأت وقدمت نشرة الأخبار وهي مرتدية تنّورة تظهر ركبتيها. واليوم لا أحد يعترض على صور المذيعات وضيفات البرامج التلفزيونية اللواتي ترتدين لباسا لا يخفي من مفاتنهن إلا القليل! لا سلطة ضبط السمعي البصري، ولا السلطات العمومية، ولا الصحافيين ولا المشاهدين. وتعبر أخلاقيات الإعلام عن الاختلاف الثقافي بين الشعوب وتعكس خصوصيات  كل شعب وقيمه. إذ يختلف موضوع الحياة الشخصية، على سيل المثال، في المجتمع الفرنسي عن المجتمع الأمريكي. لعل البعض يتذكر أن الصحافة الأمريكيّة لم تتردّد في نشر الملف الطبي للرئيس الأمريكي الراحل “رولاند ريغن” الذي تضمن صورا بالأشعة لجهازه الهضمي أثناء مرضه! بينما حكم القضاء الفرنسي بمنع توزيع كتاب “السر الكبير”، الذي ألفه كلود غولبي طبيب الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا متيران، الخاص بمعية الصحافي الفرنسي ميشال غونود. والذي يروى تفاصيل عن مرض الرئيس المذكور بعد أسبوع من وفاته.

اعتراض

قد يجد البعض أن ما سبق قوله يفتقد الدقة لأنهم يعتقدون أن الحديث عن أخلاقيات الإعلام لا يجدي نفعا في غياب ميثاق الشرف داخل المؤسسة الإعلامية أو على مستوى منظمات الصحافيين والهيئات الساهرة على تطبيقه . فالقول بأن أخلاقيات الإعلام تراجعت في المؤسسات الإعلامية يعني أن هذه المؤسسات كانت تملك ميثاقا للشرف المهني والتزمت فعلا بتطبيقه لكنها تراجعت عن تجسيده في الممارسة العملية لأسباب مجهولة. وهنا يكمن التغريب الذي يحوّل الشيء أو الظاهرة التي نريد دراستها من أمر “عاد جدا” ماثل مباشرة أمامنا إلى أمر مدهش غير متوقع.” ففي معنى من المعاني يصير الوضوح في حد ذاته غير مفهوم، على حين أن هذا لم يحدث إلا لكي يجعله مفهوما كل الفهم.” [16]

 وقد يلومنا البعض على التطرق لموضوع أخلاقيات “الإعلام العربي” دون الأخذ بعين الاعتبار تجدّدها وتطورها بتطور الطلب الاجتماعي واستشعار الصحافيين ورجال الإعلام الصعوبات الجديدة والمخاطر التي تهدّد مهنتهم. ويستدلون في ذلك بميثاق الوجبات المهنية للصحافيين الفرنسيين الذي صودق عليه في 1918. وتمّت مراجعته في 1938. وعُدّل في 2011  ليُضاف له مبدأ السر المهني لحماية مصادر الأخبار. وليحظر كل الأساليب غير النزيهة والمشينة للحصول على الأخبار والمعلومات.[17] وربما يبلغ اللوم مداه إن اقترن بالقول أن الكثير من وسائل الإعلام العربيّة، خاصة العموميّة، لا تحتاج إلى حماية السر المهني لأنّها لازالت “صحافة جالسة”، أي أن صحافييها لا يغادرون قاعات التحرير إلا لِمَامًا ، ينتظرون البيانات وبرقيات وكالات ألأنباء لنشرها. وإن غادروها فتظلّ مصادر معلوماتهم رسميّة في الغالب حتّى وإن تستّروا عليها. لعل بعض صحافيي وسائل “الإعلام العربية” المتشائمين لا يرون أي جدوى من حظر الأساليب المشبوهة للحصول على المعلومات والأخبار في مجتمع يعاني من فساد طبقته السّياسيّة ونخبته الاقتصاديّة. فالصحافة في نظرهم لا تنشط في بيئة معزولة عن المجتمع. ويحتمل أن ينمّ هذا الرأي عن نزعة تبريريّة يعزّزها القول بأنّ الصحافة مؤسسة اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة ولا تشكل حالة استثنائيّة في أي مجتمع.

تأسيسا على ما سبق ذكره، هل يمكن أن تستدرك وسائل الإعلام العربيّة ” تأخرها” في تطبيق أخلاقيات العمل الإعلامي إن توفرت الشروط الضروريّة لذلك، مثل تنظيم مهنة الصحافة وتبني سياسة توظيف واضحة وتطبق على الجميع، وضمان حقوق الصحافيين بما يضمن لهم كرم المعيشة، وقيام الصحافيين ذاتهم بإصدار لوائح لأخلاقياتها ، وإخضاعهم للمساءلة من قبل نظرائهم. وإجبار المؤسسة الإعلامية على الرد على مساءلتها. وإنشاء هيئات مستقلة لضبط العمل الصحفي والبثّ الإذاعي والتلفزيوني تشمل ممثلي المجتمع المدني: محامين، قضاة، فنانين، مثقفين، وهذا تجسيدا لقناعة راسخة بأن الحق في الإعلام وصيانة حرية التعبير ومقاومة انحراف وسائل الإعلام كلها مهام لا تقع على كاهل وسائل الإعلام والسلطات العمومية وحدها لأنها تعد شأنا مجتمعيا.

تفاديا للسقوط في التعميم، يمكن القول أن هذا ” التأخر” متفاوت بين وسائل الإعلام العربيَة من جهة، وبين البلدان العربيّة من جهة أخرى. فهناك بعض البلدان استكملت شروط ضبط العمل الصحفي، وتعمل المنظمات الصحفية بجدّ على مراقبة الالتزام بأخلاقياته.

                                              هاجس كوني

لم يكف مجال الأخلاقيات عن التوسع والتمدّد. وهدفها لم يعد مقتصرا على تحديد الواجبات المهنيّة، بل أضحى يروم تنظيم النشاط الاقتصادي سواء بالحد من تدخل الدولة الملزم أو ترقية نشاط ما وتطبيع المنافسة.[18] لذا أصبحت الأخلاقيات تشكل هاجس كونيًّا متجددًّا بتعقد قطاعات النشاط الاقتصادي والاجتماعي والعلمي، وبتطور المهن. فهامش استقلالية الصحافة كمهنة نشأ محدودا وهشّا ويزداد هشّاشة بتضاعف الإكراهات الاقتصاديّة والسّياسيّة والتكنولوجيّة ، مما دفع بعض المختصين إلى الاعتقاد بأن أخلاقيات الإعلام تحوّلت إلى أمنية أو ضرب من الوهم اللذيذ  أمام الإخفاق في تحقيق{ التمفصل الضروري بين قواعد ما يجب ” إنجازه على أكمل وجه” ( وهو من صلب الأخلاقيات)، والشروط الملموسة ” لإنجازه” والتي لا تتزامن بالضرورة مع ” الخبرة والمهارات”}[19]

 يشكل هذا التمفصل تحديا كبيرا للصحافيين والمؤسسات الإعلامية  ذا أبعاد مختلفة: تكنولوجية واقتصادية وسياسية.

على الصعيد التكنولوجي: لازالت القنوات التلفزيونيّة تعاني من وطأة البث التلفزيوني المباشر. فالصحافي الموجود في مكان وقوع الحدث لينقله ساعة حدوثه لا يملك من الوقت ما يسمح له بالتحرّي في تفاصيله وسياقه وخلفياته. ولا يستطيع النأي قليلا عنه والتفكير المتروّي فيه. وإن حاول أن يفعل ذلك فالمنافسة بين القنوات التلفزيونيّة وبقية وسائط الاتصال لا ترحمه. أمام هذه المعاناة في تحقيق المطلب الأخلاقي: الدقة في نقل الأخبار والمعلومات، داهمت مواقع التواصل الاجتماعي المؤسسات الإعلامية وحاولت أن تغير قاعدة تعاملها مع الأخبار، بعد أن أصبحت تنشرها قبل التحقق في صحتها ومصداقيتها. بل تخلت عن هذه المهمة وأحالتها إلى مستخدمي هذه المواقع. وقد حاولت وسائل الإعلام مجاراة هذا التحوّل في العمل الصحفي وأصبحت تستعين بمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي للتأكّد من صحة المعلومات قبل نشرها. غيرت هذه المواقع بعض القيم الإخباريّة ، مثل الواقعية والحقيقة، وجعلتها تُقاس بعدد الذين يطلعون على الخبر. فكلما ازدادوا ارتفعت مصداقيته! لقد ابتكرت هذه المواقع ” الأخبار الفيروسيّة”، أي التي تُعدي مثل الفيروس. فلا تراعي فيما تنشره الانصاف والنزاهة والواقعية والدقة لأنها تَتَعّمد الاستفزاز واستثارة العاطفة من أجل جذب اهتمام أكبر عدد من مستخدمي هذه المواقع ، ليكبسوا على أزرار: أحب أو أتقاسم  لرفع نصيبها من الإشهار.[20] وها هي وسائل الإعلام تواجه اليوم تحديًّا جديدا ممثلا في الأخبار المزيفة  Fake News ، وشرائط الفيديو المضللة Deep Fake. والقليل جدا من وسائل الإعلام العربية أعدّت العُدّة لمقاومتها.

على صعيد المؤسساتي: يمكن القول أن المؤسسة الإعلاميّة تعيش طفرة جينيّة. فرضت على الصحافي أن ينوع مهاراته ويطور كفاءته. فبعض المهن اندثرت، وانصهرت أخرى في مهنة واحدة. وظهرت مهن جديدة. تؤكد هذه الطفرة أن العمل الصحفي أصبح متلاحما. فالمادة الصحفية التي تنشر أو تبث هي ثمرة تعاون العديد من الأطراف. فمن الصعب القول أن هذه المادة الصحفية من إنتاج فلان بمفرده. فكل واحد يتكفل بمهمة أو يقوم بإنجاز جزء معين من المادة الصحفية: الموثق الذي يجمع البيانات والوثائق الورقيّة والرقميّة ، ومحلّل البيانات ، والمختص في الغرافيكس الذي يعطي بعدا مرئيا للمادة الصحفية سواء من خلال الأشكال والرسوم البيانيّة والمجسمات أو على صعيد الإخراج ككل ، والفني أو المهندس الذي يشرف على موقع الوسيلة الإعلامية في شبكة الانترنت وينشر المواد تباعا، والشخص الذي يتابع تعاليق الجمهور وتفاعلاته مع المادة المنشورة فينتقي منها ما يصبح جزءا أساسيا من متن المادة الصحفية.  هكذا انفتح المجال لتعدّدية المسؤولية على ما ينشر أو يبث فطرح صعوبة على صعيد أخلاقيات العمل الصحفي. فهذه الأخيرة  تنص على مبدأ  “التنسيب” imputability؛ أي تعيين الشخص الذي يمكن تحمّيله مسؤولية الإخلال بإحدى بنود ميثاق أخلاقيات الصحافة في هذه المادة الإعلاميّة أو تلك.

على الصعيد الاقتصادي: اشتد التوتر البنيويّ بين أهداف الصحافة كمهنة بكل ما تحمله من مثل وواقع المؤسسة الإعلامية الاقتصادي. ومع تفاقم الأزمة التي يعيشها قطاع الإعلام  ترتب عن هذا التّوتّر بعض التنازلات على صعيد أخلاقيات الإعلام، والتي يمكن ملاحظاتها على أكثر من مستوى، منها المزج بين الإعلام والإشهار وتأسيس ما أصبح يعرف ” بالربورتاج الإشهاري ” advertorial ” publireportage” في الصحافة المكتوبة أولا، ثم عمّ مختلف وسائل الإعلام. وInfotainment” ، التي تدل على اتجاه في معالجة مجمل البرامج – التلفزيونية والإذاعية- والإخبارية وفق أساليب الترفيه[21]. وهذا بقصد تقريب الأخبار من الجمهور وجعلها في متناول الجميع، وزيادة شعبية الوسيلة الإعلامية وبرامجها للحصول على أكبر عائد من الإشهار. وقد اتسع هذا الاتجاه بعد أن أصبحت شبكة الانترنت ومنصاتها الرقمية منافسا لوسائل الإعلام السمعية، والسمعية البصرية، في مجال الإشهار.

لقد انتهى التّوتّر المذكور بتسليم إدارة المؤسسات الإعلامية إلى إداريين قادمين من قطاعات مختلفة: البنوك، والبناء والإسكان، والتجارة الذين لا هم لهم سوى تعديل موازنة المؤسسة وتحقيق الأرباح. وقد دفع الصحافيون ثمن هذا التّوتّر: تسريح الكثير منهم، والتوجه إلى الاعتماد المتزايد على الصحافيين الناشئين الذين يتعاملون بالقطعة أو ضمن عقود عمل محدودة المدى والذين لا يسعفهم وضعهم المهني للدفاع عن أخلاقيات العمل الصحفي.

أخيرا، يمكن القول أن خلاص الصحافة من متاعبها لا يأتي من ترحيل مشاكل وسائل الإعلام المعقدة وتعليقها على مشجب ” غياب أخلاقيات العمل الصحفي”. وهذا لا يعني استصغار البعد الأخلاقي في الارتقاء بالعمل الصحفي، بل يقرّ بأن الإخلال بأخلاقيات العمل الصحفي ليست السبب الأساسي في  متاعب العمل الصحفي في المنطقة العربية. إنها نتيجة لجملة من العوامل يجب حصرها والبحث عن أسباب التي أدت إلى نسف الكثير من مبادئ أخلاقيات العمل الصحفي، والتفكير في أفضل السبل لمكافحتها ضمن هيئات الضبط الذاتي للمهنة، وتحرير هذه الأخيرة ضغط  المعادلة الثلاثية : السلطة والصحافيين وراسمال الخاص.  وجعل الصحافة، باعتبارها مهنة وليست منتجا، قضية الجميع، قضية المجتمع بأسره.

المراجع:

¨ يمكن القول من باب التحديد أن الجزائر لا تشكل استثناءً ، لأن هذا القول يشمل العديد من الصحف بما فيها تلك التي ظهرت في المهجر منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي. لقد أنُْشئت ووجهت لتصفية الحسابات بين الأنظمة العربية وليس لإعلام المواطن العربي بما تتطلبه أخلاقيات العمل الصحفي. وبهذا تكون استفادت من التراث الشعري الجاهلي واتجهت إما إلى المدح أوالهجاء!

[1] – يمكن أن نذكر على سبيل المثال الإعلان عن وفاة  الرئيس التونسي السابق، محمد الناصر، والإعلان المكرّر عن وفاة المجاهدة  الجزائرية جميلة بوحيرد  وتكذيبه أكثر من مرة.

[2] – أنظر على سبيل المثال البيان الذي نشرته نقابة الصحافيين الأردنيين والمنشور في صحيفة الرأي الأردنية يوم 6/11/2014

[3]-Philocours.com: La Morale Qu’est-ce qui rend une action bonne ? étude de la philosophie morale kantienne consulté le 21/11/2019 sur le site: http://www.philocours.com/new/cours/pages/cours-moralekant.html

[4]-La commission d’éthique  en science et technologie- Québec : Qu’est-ce que l’éthique, consulté le 20 –112019 sur le site : http://www.ethique.gouv.qc.ca/fr/

[5] – Cornu Daniel, L’éthique de l’information, Paris, PUF, 1997, p8

[6] – أنظر على سبيل المثال : سليمة لبال، شرف الصحافة العربية.. مواثيق حبر على ورق! صحيفة القبس- الكويت- الصادرة يوم  6 نوفمبر 2018  وبيان نقابة الصحافيين الأردنيين التي ذكرناها أعلاه.

[7] – يبدو أن عدم تمكين المواطنين من حق الرد في وسائل الإعلام العربية تحوّل إلى قاعدة عمل ولا يعد استثناء ً وهذا منذ عقود من الزمن. يذكر الكاتب الساخر، محمود السعدني أنه عندما صدر الحكم لصالحه في تهمة الإساءة إلى مسؤولي قطاع السينما بتبديد المال العام لم تقبل الصحف المصرية نشره بعد التشهير به.  فاضطر إلى نشره في الإعلانات المبوبة في جريدة الأهرام بمقابل مالي لكنه ظهر بخط صغير لا يُرى في موضع  إعلانات بيع السيارات المستعملة وتأجير الشقق المفروشة، أنظر كتابه الموسوم ” الولد الشقي في المنفى” مطبوعات أخبار اليوم د.ت مصر ص 18.                                                        لقد أخذت هذه الممارسة في الجزائر أبعادا أخرى أكثر خطورة. فعندما ترفض صحيفة ما نشر حق الرد لشخص ما. يلجأ هذا الأخير إلى صحيفة أخرى لنشره كنص إشهاري ويستغل الفرصة لينال من سمعة الصحيفة التي لم تلتزم بحق الرد المنصوص عليه في كل قوانين الإعلام الجزائرية. فترد هذه الأخيرة في صفحاتها على الصحيفة التي سمحت للغير بالنيل من سمعتها. وهكذا تندلع معركة القدح والذم بين الصحيفتين!

[8] – جورج صدقه: الأخلاق الإعلامية بين المبادئ والواقع، مؤسسة مهارات، بيرت، 2008، ص 68-71

[9] – La commission d’éthique, op cité

[10] – عصام سليمان الموسى:  أخلاقيات الإعلام في الأردن: مسألة لها خمسة جوانب، مسترجع بتاريخ 20/11/2019  من الموقع، https://urlz.fr/b9iA

[11] – Moukalled Diana:  Proceedings of Conference Media Ethics & Journalism in the Arab World: Theory, Practice & Challenges Ahead, Lebanese American University Beirut, Lebanon- Institute for Professional Journalists in cooperation with the Heinrich Böll Foundation  June 9–11, 2004

[12] عبد الوهاب بوخنوفة: دور الإعلام العربي في المرحلة الراهنة : دراسة في تصورات الصحفيين العرب، مداخلة في مؤتمر” الإعلام العربي وأسئلة التغيير في زمن التحوّلات ، كلية الإعلام والتوثيق ، بالتعاون مع دراسات إعلامية لبنانية، بيروت ،  5-7 مايو 2016

[13] – سليمة لبال، مرجع سابق

[14] –  للدلالة على ذلك يورد محمد شلبي أن وسائل الإعلام المختلفة، بما فيها العربية، نشرت يوم 5 فبراير 2003 خبر مفاده أن كاتب الدولة للخارجية الأمريكي، كولن باول عرض في مجلس الأمن صورا للأقمار الصناعية “تثبت” أن العراق يملك أسلحة دمار شامل. وقد فات على ذهن الصحافيين إدراج فعل ” قال ” ، لتصبح قال باول أنها تثبت…. وهذا حتى لا يبدو أن كٌتّاب الخبر يشاطرون ما ذكره  وزير الخارجية الأمريكي: أنظر:  عندما يغيب التحرّي في الوقائع تكون الصحافة أدنى من الهاوية صحيفة العرب الصادرة يوم الإثنين 22/07/2019 مسترجع بتاريخ 21/11/2019 من الموقع: https://urlz.fr/b9jJ

[15] – أنظر على سبيل المثال البيان الذي نشرته نقابة الصحافيين الأردنيين

[16] – محمد غنيم هلال : في النقد المسرحي ، دار العودة بيروت 1975، ص 68

[17] De Vulpillières  Eléonore : Ethique professionnelle du journaliste et critique du système médiatique : vers la refonte d’une profession; consulté le 21/11/2019 du ditehttp://eleonoredv.over-blog.com/2017/06/ethique-professionnelle-du-journaliste-et-critique-du-systeme-mediatique-vers-la-refonte-d-une-profession.html

[18] Decoopman Nicole – Droit et déontologie, contribution à l’étude des modes de régulation  consulté le 23/11/ 2019 sur le site: https://www.u-picardie.fr/curapp-revues/root/23/decoopman.pdf

[19] – Cornu Daniel: La déontologie entre l’évolution des pratiques, la sédimentation des idées reçues et la permanence des valeurs. Journalisme et objectifs commerciaux, consulté le 20/11/2019 sur le site: http://metamedias.blogspot.com/2005/07/la-dontologie-entre-lvolution-des.html

[20] – Aidan White Le journalisme éthique refait la Une, Courier de l’unesco Juillet – septembre 2017

[21] – We Are COM: Infotainment  consulté le 26/11/2019 sur le site: https://www.wearecom.fr/dictionnaire/infotainment/

 


مع العالم النفساني والفيلسوف “ميغيل بنسياغ” : لا أخ أكبر في الإعلام.

حديث أدلى به لمجلة ” Media” الفرنسية في عددها الصادر في يونيو 2004

ترجمة د. نصر الدين لعياضي

Portrait de Miguel Benasayag

 ميغيل بنسياغ فيلسوف ومحلل نفساني فرنسي من أصول أرجنتينية، أستاذ بجامعة ليل الفرنسية، ومشرف على مخبر بحث حول العلوم الاجتماعية بالأرجنتين. كان يعبر عن أرائه الفلسفية حول الثقافة والإنسان والمجتمع في البرنامج الصباحي الذي تبثه ” إذاعة فرنسا الدولية”. لقد اصدر العديد من المؤلفات التي تعبر عن توجهاته الفكرية وإنتاجه العلمي، نذكر منها: “الشغف الحزين: الآلام النفسية والأزمة الاجتماعية”، و” لن أكون وحيدا أبدا: ظاهرة الهاتف الجوال”. ولعل الكتاب الذي ألفه بمعية الصحافية الفرنسية فلورنس أوبناس، والموسوم ” صناعة الإعلام: الصحافيون وإيديولوجية الاتصال” يُعّد من أبرز مؤلفاته التي أثارت الكثير من الجدل وسط الصحافيين والمثقفين. و”الهشاشة” هو أخر مؤلف أصدره “.

وفي ما يلي نص الحوار الذي أدلى به إلى مجلة ” ميديا”، في يونيو 2004، حول الرهانات الاجتماعية والثقافية للصحافة في العصر الحالي الذي أرتينا أن نترجمه للقارئ العربي نظرا لأصالة أفكاره التي تسعى إلى إحداث قطيعة مع النزعة اليقينية التي طغت على الحديث عن وسائل الإعلام والمجتمع.

لقد قلتم إن الكلمة كانت “مقدسة” بالأمس، بينما نلاحظ اليوم أن المعلومات التي تقدمها الصحافة أصبحت في نظر من يقرأونها خاطئة بالضرورة أو مشكوك في صحتها. فبماذا تفسرون هذا الأمر؟

تعاني الصحافة اليوم من أثار ما يسمى بما بعد الحداثة، حيث أصبح لكل شخص حقيقته. إننا نعيش في غمرة نظام خطير جدا. نظام لا نقول عنه ديمقراطي، بل نظام “ديمقراطوي” تتساوى فيه كل الآراء. إننا نعيش مغالطة شاملة. فالأفكار التي يخلص إليه شخص اشتغل على  موضوع معين لمدة عشرين سنة تتساوى مع ما يقوله أي شخص نكرة في مقهى شعبي. إنه وضع عام يعيشه مجتمعنا. ففي هذا الإطار فإن الصحافة الملتزمة، التي تزن جيدا كلماتها حتى تكون أكثر قربا من الأحداث، لا تسوى سوى ما تساويه وجهة نظر أي شخص. إننا لا نأخذ بعين الاعتبار العمل والجهد الذي بذلته هذه الصحيفة. فكل شيء تحول إلى رأي. فمن هذا المنظور فالصحافة لم تتغير بل أهمية الكلمة هي التي تغيرت، والمكتوبة منها على وجه التحديد. والأمر لا يتعلق بعوامل داخلية مرتبطة بالصحيفة. فنحن بالأحرى أمام مدحلة بخارية داست كل الكلمة، فأفقدتها أهميتها.

إنكم تسخرون  من أطروحات بعض المثقفين التي تنص على تواطؤ الصحافيين مع دوائر السلطة. ومن جهة أخرى، ترفضون فكرة المؤامرة  ومنع الصحافيين من التطرق لبعض المواضيع واعتبارها محرمة، أي أنك تسخر من فكرة الأخ الأكبر الذي يحرك خيوط الصحافة؟

 إنني أمقت هذه النظرة التشكيكية المفرطة، رغم أن فكرة الأخ الأكبر الذي يحرك الخيوط تعد تفاؤلية في آخر المطاف. فلو وُجد الأخ الأكبر لأصبح العالم أكثر بساطة. ففي عالم الصحافة يوجد، بكل تأكيد، نوع من المحاباة والشللية، والاتصال الهاتفي ببعض الصحافيين، ودعوتهم لمأدبة عشاء قصد استمالة مواقفهم أو للتخفيف من حدّتها. لكن كل هذا لا يفسر أبدا أن اللغة فقدت سلطتها وجُردت من جوهرها. وهذا هو الأمر الذي يعاني منه مجتمعنا. فلم نعد نملك لغة تكون فيها لهذه الكلمة أو تلك معناها الدقيق. فكل شيء أصبح متعدد المعاني كما نقول الآن. فكل كلمة تدل على معنى معين وضده. فلا يوجد خبر يملك الحقيقة. إننا نربض أمام المذياع و شاشة التلفزيون في انتظار الخبر الذي يكذب سابقه.

إنكم تؤكدون دائما على ” القواعد الخاصة” بوسائل الإعلام التي تعمل على انتقاء الأحداث لتنشر ما تراه مهما وتتجاهل البقية؟ فعلى أي أساس يتم هذا الانتقاء؟ وبناءًا على أي افتراضات.

إن الصحافة تعكس العالم الذي يتزايد فيه تهافت الرجال والنساء على الآنية. إنني محلل نفساني وأرى أنه لا وزن لأي شيء أمام وجبة غداء يوم الأحد لدى الحماة. إن العالم الواقعي بمشاكله الخطيرة هو تجريد. والصحافة يجب أن تحيا، ويوجد لدى بعض الصحف اتجاها يتأكد شيئا فشيئا لمعالجة هذه المشاكل الصغيرة.

لكن الجمهور الواسع  يملك انطباعا بأن الصحافيين في وسائل الانصال الجماهيري الكبرى تعالج، دائما، المشاكل ذاتها في الوقت ذاته.

نعم، هذا الأمر نسميه بعدد الأموات في الكلومتر. فخبر خاص بعشرة قتلى في برلين يساوى  خبر عن مقتل خمسة ألاف شخص في بومباي، ناهيك عن عددهم في دولة إفريقية. لكن هذا الأمر يتناسب مع الظاهرة الكونية التي تجعل كل ما يجري في ” حصننا” خبرا. وكل ما يجري في جريرة خالية من السكان ليس مهما بتاتا. والصحافيون يعكسون هذا النظام السائد في العالم. إذا لا توجد ، بكل تأكيد، أي إرادة إيديولوجية وراء هذا الأمر. فجنون العظمة التي تعبر عنه فكرة الأخ الأكبر هو محاولة  للهروب من هذا الواقع، ومن تعقده.

يبدو أنكم ترون، عكس ما قلناه وكررناه منذ سنوات، بأن التنديد العلني والعام بوضع ما- بواسطة الصحافة على وجه التحديد- لا يغير شيئا في حدوث المأساة.

إن المجتمعات التي نعيش فيها ليست تفاعلية. بمعنى أن الإعلام والمعلومات موجودة، لكن إذا لم تصب الناس، فالسبب لا يعود للصحافيين الذين لم يبذلوا قصار جهدهم لتفسيرها وتوضيحها، بل للصعوبة التي يعاني منها الرجال والنساء في مجتمعنا. إنها صعوبة وجودية حقا. إننا نطلع على بعض الأحداث في العالم لكنها تظل بعيدة عنا. فهذه المسافة التي تفصل الأشخاص عن الأحداث- كل شخص منصرف إلى انشغالاته الآنية- جعلت تفاعل المجتمع معقدا. فالقول أننا لا ننفعل لأن وسائل الإعلام تكذب علينا أو لا تقول أي شيء هو غباء. فهناك أسباب عميقة تفسر لماذا تجد مجتمعاتنا صعوبة في التفاعل، والتدخل، و تحمل الواقع، ومواكبة الآني. فألم الضرس الذي يعاني منه شخص ما يشغله ويهمه أكثر من الكون كله. فالعالم أصبح نوعا من الديكور تعيش فيه حيوات الأشخاص الصغيرة جدا.

إذا، هل العلم بالأحداث لا يعني شيئا؟

بالفعل، إن المعلومات لذاتها لا تعني شيئا. لكن الأخطر أن تراكمها  في شكل أخبار يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية، وتتمثل في نوع من اللذة الجهنمية. فالإعلام يمكن أن يصبح ضربا من العجز. هناك فرق بيّن بين المعلومات والمعرفة. فالمعرفة  شيء يهيكلك، بينما المعلومات شيء يلتصق بك، ولكنه لا يغيرك. فالصحافة لا دور لها في إنتاج المعرفة،  لأنها تنتج المعلومات والإعلام الوفي والمنتج بشكل جيد.  فمسألة تحويل المعلومات والبيانات إلى معرفة تتوقف على جملة من العوامل ليست من مسؤولية الصحافة.

إذا، ألا يوجد نوع  أخر ممكن من الصحافة؟

من الممكن أن توجد صحافة أخرى إن وجد رابط اجتماعي أخر. إن وجود صحافة لا يعكس حالة وعي ونمط معيشة مجتمع أمر لا يصدق.  فإذا كان الجميع غير مبال بما يجري في “تنجانيـقا” (Tanganyika )* فلست أدرى لماذا ينفق مالك صحيفة أمواله ليبعث صحافييه إلى “تنجانيـقا” . فالرغبة في معرفة ما يجري  في “تنجانيـقا” لا تصدر سوى عن الجسم الاجتماعي بفعل التضامن أو البحث أو يعبر عنها الأنتروبولوجيون.

لكن ألا يمكن أن تكون الصحافة سباقة؟

وهذا ما تقوم به جزئيا، حيث توجد صحافة تسعى دائما إلى توسيع دائرة مصالحها، وتجتهد في  إظهار الأمور على أنها ليست بسيطة. فتعد مهمازا يهمز الناس. وتوجد، أيضا، صحافة تجعجع وسعيدة بما تقوم به. لكن من الصعب التعميم. ففي الصحيفة الواحدة يوجد صحافيون ينددون بحدود من يجعجع داخل ” قلعة” المجتمع، بينما ينظر آخرون إلى هذا التنديد نظرة سلبية إذ يعتقدون أن الأشياء المهمة هي التي تجري داخل هذه القلعة. ففي الصحافة يوجد الصنفان. فكلما قلت رغبة الصحف في الذهاب بعيدا للكشف عما يجري داخل المجتمع، قلت الإمكانيات العملية التي تسمح لصحافيين الراغبين في الإطلاع على ما هو أبعد لتحقيق رغبتهم.

    هل تشعرون أن الصحافيين يطرحون هذه الأسئلة على أنفسهم؟

إننا نعيش في مجتمع ليس على ما يرام، وكذلك الأمر بالنسبة للصحافة. إنها تتحدث، أكثر فأكثر، عن ذاتها. إننا ندور جميعا في فراغ  إلى حد ما. وهذا نسميه الزمن المظلم. ففي هذا الزمن يصعب على الصحف أن تكون كاشفة وتنير طريق الناس بمقالاتها، وتوقظهم. وفي هذا الزمن يكتفي الطبيب المختص في الأمراض العقلية بالتخفيف على المريض حتى لا يتفاقم مرضه. هذا هو الزمن المظلم الذي تقل فيه الرغبة ونترك الأشخاص يُصرعون لأنهم يعيشون في ظروف معقدة وغير واضحة. إنه زمن يتقدم فيه الرعب ويتحول إلى نوع مألوف ومبتذل.

هل هذا يزن بثقله على الصحف أكثر من الرأسمال الكبير، وأرباب الصحف أو العولمة؟

يكون الأمر جيدا لو كان هذا الأمر يتعلق بأرباب الصحف ورأسمال، فساعتها نعرف المشكل. بكل تأكيد إن أرباب العمل ورأسمال الكبير يتفقان جيدا على تجنب الحديث عن منع الأدوية الجنيسة في إفريقيا أو التطرق أليها بشكل مقتضب، أو التزام الصمت تجاه التلوث البيئي الذي تتسبب فيه الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 50%، أو ترحيل الصناعة إلى أندونسيا. بالطبع إن رأسمال الكبير يتلذذ بهذا الوضع.  فالتلذذ من هذه الوضعية أو الاستفادة منها لا يعني بتاتا التحكم فيها. وهذا ما يجب أن يعرفه اليساريون  ويفهمونه. فأن يكون هناك منتفعون لا يعني بأن هؤلاء يسيطرون على الوضع.

لقد صرحتم بأن ” الصحافيين قد اضاعوا جماعيا ثورتهم” فماذا تقصدون بهذه الجملة؟

إنه تلميح إلى ما يسمى ” ثورة الحوليات”. لقد أدرك المؤرخون منذ قرن أن التاريخ ليس تاريخ ملوك فرنسا، وليس تاريخ التمثلات. فالتاريخ ينجم عن عدد هائل من الأحداث الصغرى. وقد رأى المؤرخون أنه  من الواجب اخذ كل هذه الأحداث بعين الاعتبار.  بينما ظل الصحافيون، وخاصة الذين يشتغلون في المجال الجيو- سياسي بمنأى عن كل الأحداث الصغيرة وكأنهم يعيشون في عصر سبق ثورة الحوليات. إنهم يتعاملون مع التمثلات representations  وكأنها أشياء فعلية. ففي الغالب ، إن الأحداث الصغرى هي التي تؤسس لتلك الكبرى و لا تهم سوى البعض في مجال الجيو- سياسي.

ألا نطلب الكثير من الصحف؟

إن معظم النقد الموجه إلى الصحافة يغالى، ضمنيا، في سلطتها. لكنني أوجه حديثي، في هذا المقام إلى أوربا. وأقول يجب على كوبا أن تمتلك الكثير من الشجاعة حتى تنشر  خبرا ضد سياسة كاسترو. لكن بالمقابل يجب أن نمتلك الشجاعة ذاتها ونذهب إلى كوبا لعرض كتاب ينقد الصحافة الغربية.

    ——————————————————–

  • تنجانيـقا اسم دولة استقلت عن بريطانيا في 9 يونيو 1962 واتحدت مع جزيرة زنجبار عام  1964  ليكونا جمهورية تنزانيا الاتحادية – المترجم.

 

الإشهار السياسي: صداع الدول المزمن

                                                        نصر الدين لعياضي

 

هل أصبحت دول الاتحاد الأوروبي الثماني والعشرون تعاني من صداع مزمن اسمه الإشهار السياسي في مواقع التواصل الاجتماعي؟ يبدو أنها لم تقتنع بالإجراءات المتخذة للحدّ من الإشهار السياسي في مواقع التواصل الاجتماعي بعد النداء العاجل الذي وجهته إلى المؤسسات الرقميّة الكبرى، وتحديدا إلى شركة الفيسبوك، وتويتر، وغوغل، قبل أربعة أشهر من انتخاب أعضاء البرلمان الأوروبي. لقد أدركت لجنة هذا الاتحاد أن هذا الإشهار أصبح يشكل خطرا على الناخب الأوربي بسبب مواقع التواصل الاجتماعي، بل يمكن أن يهدّد مالكي سلطة القرار في البلدان الأوربية. كيف لا وهى ترى أن آثار الإشهار السياسي الذي نشرته مواقع التواصل الاجتماعي لم تقف عند تخويف الناخب البريطاني، وحثّه على للتصويت لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوربي في الاستفتاء الذي جرى  في 23 يونيو 2016. لقد قدرت الشركة الأمريكية المختصة في مجال الإعلام والانترنت، “بزفيد” Buzzfeed، أن القوى السّياسيّة المتصارعة في بريطانيا صرفت 1.1 مليون يورو على الإشهار السياسي الموجه للمواطنين البريطانيين قصد إرسال رسائل لنوابهم يطالبونهم فيها برفض المشروع الذي تقدمت به رئيسة الوزراء السابقة ، ” تيريزا ماي” قبل أيام قلائل من التصويت عليه  يوم 15 يناير 2019. التصويت الذي انتهى باستبعاد المشروع المذكور واستقالة الحكومة. وصرفت القوى السّياسيّة المطالبة بإعادة الاستفتاء على القانون المتعلق انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوربي 250 ألف دولار على الإشهار السياسي عبر موقع الفيسبوك وحده! ربما ما يقلق أكثر في الإشهار السياسي ليس المبالغ المالية الضخمة التي صرفت من أجله، بل أن قسطا كبيرا من هذا الإشهار كان مجهول المصدر! ومن المتوقع أن  يتكرّر هذا السيناريو في بريطانيا في المستقبل إذا علمنا أن قسطا كبيرا من الإشهار السياسي الذي استهدف الناخبين البريطانيين  في حملة الاستفتاء على الانسحاب من الاتحاد الأوربي- البركسيت في يونيو 2016 كان كاذبا وبُثّ بأسماء مستعارة  “.

لم تقع بريطانيا وحدها ضحية الإشهار السّياسيّ المزيّف. ففي الولايات المتحدة الأمريكيّة لازال الاتهام يلاحق موقع الفيسبوك لـــ” تساهله ” مع الإشهار السياسي الموجه إلى الأمريكيين، والذي يعتقد أنه ساعد الرئيس الأمريكي الحالي على الوصول إلى البيت الأبيض الأمريكي. فأيرلندا ، تعرضت هي الأخرى، إلى موجة من الإشهار السياسي في الاستفتاء على مشروع قانون الإجهاض الذي جرى في مايو 2018.

                                        الخلط

قد تختلط الأمور على القارئ الكريم ، ويتداخل فى ذهنه الخبر السياسي والدعاية والإشهار السياسي. ولتوضيح الفرق بينهم يمكن القول أن الخبر السياسي هو التبليغ عن حدث ذي طابع سياسي. وتُعرّف الدعاية بأنها بثّ ونشر ما من شأنه يشجع القبول بفكرة أو موقف أو نظرية سياسية. وهدفها هو التأثير على الرأي العام، وتغيير تصوره للأحداث والأشخاص. وتجنّيده لتبني هذه الفكرة أو لمناصرة أصحابها. أما الإشهار السياسي فيدل على الأفعال ذات الطابع التجاري المروجة للأفكار أو لشخصيات سياسية أو برامج أو مواقف سياسية. ربما لا يفهم البعض سر القلق من الإشهار السياسي ووصفه بالصداع طالما أنه يلتقى مع الدعاية في الهدف. إن السر لا  يتلخص في أن الدافع لنشر الإشهار السياسي هو مالي قبل أن يكون سياسيا ، وأن دافع الدعاية سياسي بحت ، بيد أن مصدر القلق لا يكمن في المال، مهما ارتفع مبلغه، الذي يدفع مقابل بث هذا الإشهار ، بل في الخصوصية التي يكتسبها عندما يبثّ عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة: الفيسبوك، تويتر، انستغرام، اليوتيوب وغيرها. إذ يمكن لمموّله ، شخص طبيعي أو معنوي ( هيئة ، مؤسسة)، أن يختفي وراء اسم مستعار. ويستطيع موقع التواصل الاجتماعي أن يمنح له الفرصة في اختيار ما يشاء من المعايير، نذكر منها انتقاء الشريحة التي يستهدفها ، مثل النساء أو الرجال، أو فئات عمرية دون سن معين، أو ذوي الدخل المعين أو الأشخاص الذين نقروا على زر ” أحب” هذا المحتوى أو ذاك. وهذا يعني تمكين المشهر من تصميم إشهاره السياسي وفق خصوصيات ناخبين معينين، من المحتمل أن يكونوا مجهولين من قبل المرشحين ذاتهم ناهيك عن بقية الناخبين.

                                        الحدود

يرى البعض أن هناك نوعا من المبالغة في تقدير تأثير الإشهار السياسي على نتائج الانتخابات والاستفتاءات الشعبية في البلدان الأوربية،  وحتّى في الولايات المتحدة الأمريكية. وذلك لأنهم يؤمنون يعجزه على تغيير اختيار الناخبين الذين حسموا أمرهم وقرروا منح صوتهم للمترشح الذي يتفق مع آرائهم ومواقفهم أو لصالح المشروع الذي يرونه مناسبا لهم. توضح أستاذة الاتصال ، “كثلين هال جميسون”، هذا الرأي في كتابها المعنون بـ ” سيبر وار” الحرب السيبرنية ” بالقول أن جميع المواطنين يقاومون الاتصال السياسي إلى حد كبير، لكن الاشخاص الذين يشعرون بعدم الارتياح إذا طُلب منهم أن يختاروا ، والذين يؤجلون اتخاذ القرار على من يصوتون  إلى أخر دقيقة هم أكثر تأثرا بالاتصال السياسي. وشركات الواب الكبرى تستهدف هؤلاء الأشخاص ذوى المواقف والآراء الهشة بإشهارها السياسي بمقابل مالي يكاد لا يذكر.

 إن تجربة الإشهار المدسوس في مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة الفيسبوك ، في حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 2016 تدعونا إلى التفكير في الإشهار السياسي من زاوية مغايرة. فالإشهار السياسي الذي مُوِّلته روسيا استهدف الناخبين الديمقراطيين التقليدين تحديدا، والزنوج القاطنين في الأحياء السكنيّة الفقيرة. ولم يرم إقناعهم بالتصويت لصالح  المترشح الجمهوري ، بل سعي إلى ثنيهم على التصويت أصلا ، وذلك من خلال إقناعهم بعدم الجدوى من الانتخابات. والكل يعلم اليوم أن صد هذه الشريحة عن التصويت أضّعف ” هيلالي كلنتون” وخدم المرشح الجمهوري .

                                        موقف وموقف

فاجأ مدير عام موقع شبكة تيوتر، جاك دورسي، بقية مواقع التواصل الاجتماعي: فيسبوك، يوتيوب، وسناب شات، وغيرها، عندما أعلن أنه سيحظر بثّ الإشهار السياسي في موقعه بدءًا من 22 نوفمبر الماضي. وعلّل قراره هذا القول أن بثّ هذا الإشهار الذي يستهدف أشخاص بعينهم قد يلغي قدرتهم على اتخاذ القرار. وهذا الإلغاء الذي يحركه المال يشكل خطورة فعلية على المجتمع ،  ولا صلة له بحرية التعبير. فدفع الأموال من أجل زيادة تأثير الخطاب السياسي تترتب عنه نتائج لا تستطيع الإمكانيات التي تتمتع بها الديمقراطية اليوم على إدارتها . نتائج قد تؤثر على حياة ملايين الأشخاص. وكأن ” جاك دروسي” بقوله هذا يستهدف شركة الفيسبوك قبل أن تعلن عن موقفها صراحة من الإشهار السياسي.

صرح المدير العام لشركة الفيسبوك، مارك زوكربيرغ،  أنه لن يمنع نشر الإشهار السّياسيّ   في موقعه. وعلّل موقفه هذا بالقول أن ما يجنى من أموال من هذا الإشهار لا يبرّر كل هذا الجدل الذي اثير عنه ، متمنيا أن يفتح هذا الجدل النقاش عن مستقبل وسائل الاتصال المعاصرة في المجتمع. وأكد على أن أهمية الإشهار السياسي تكمن في مضاعفته للخطابات السّياسيّة ، خاصة تلك التي يدلي بها المترشحون في الانتخابات المحلية ، وكل الذين يسعون لرفع التحدي في الانتخابات ، والمجموعات التي تدافع عن بعض القضايا التي لا تحظى بأي اهتمام إعلامي سوى هذا الإشهار. فحظر الإشهار السياسي يعني تقديم خدمة للأشخاص المتربعين على سدة الحكم، والذين اختارت وسائل الإعلام التقليدية تغطية نشاطهم. إن موقف ” مارك زوكريبرغ” من الإشهار السياسي ليس جديدا. فقد سبق وأن دافع عنه في أكتوبر 2018 أمام طلبة جامعة “جورج تاون” بواشنطن وأساتذتها . لقد أكد ساعتها أنه يرفض أن يكون ” قاضيّا في محاكمة  الحقيقة” . ولن يقف ضد حرية تعبير  2.4 مليار مشترك في مواقع شركته وتطبيقاتها المختلفة: أنستغرام، وواتسات، وميسنجر. ويعتقد أن المواطنين الذين يعبرون على آرائهم جهرا وأمام الملأ يشكلون قوة في عالمنا ، بل سلطة خامسة تضاف إلى هيئات السلطة السياسية في مجتمعاتنا المعاصرة.

تدابير

يُعتقد أن شركة الفيسبوك قد استفادت من تجاربها السابقة، ومن الغرامة التى أجبرت على دفعها، والمقدرة بــ 500 ألف يورو ، بسبب قلة الإجراءات المتخذة لحماية بيانات مستخدميها! وهي البيانات التي جمعتها شركة ” كامبرج أناليتيكا” واستفادت منها بطريقة غير شرعية. هذا ما يوحي به الإعلان على لسان مديرها العام يوم 21 أكتوبر الماضي عن القيام بجملة من الإجراءات والتدابير الكفيلة بضمان شفافية الإشهار السّياسيّ وحماية الديمقراطيّة في الانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة التي تجرى في السنة القادمة. و يمكن أن نذكر منها الكشف عن السلوك المشبوه في بعض صفحات الموقع. وفي هذا الإطار يقول مارك زوكربيرغ أنه ألغي بعض الحسابات التي انشأها أشخاص من روسيا وإيران. ويعتقد أنها كانت تستهدف الولايات المتحدة الأمريكية. وأنشأ نظام ” فيسبوك  بروتكت” Facebook Protect، لحماية المترشحين ومساعديهم من خصومهم السياسيين، ومن كل القراصنة الذين يمكن أن  يستولوا على بياناتهم الشخصية وعلى المعلومات الخاصة بمعارفهم وأصدقائهم بطرق غير شرعية، ويستغلونها ضدهم. ويستعملونها في نشر الأخبار المزيفة.

ويعمل الفيسبوك على نشر معلومات عن المنظمات وحتّى الدول المشرفة على إدارة الصفحات المشبوهة وهذا حتّى يكون مستخدم الفيسبوك حذرا في تعامله مع الصفحات التي يعتقد أنها مستقلة ومحايدة. لقد أضاف موقع الفيسبوك هذه الخدمة إلى تلك التي كانت متوفرة سابقا والتي تكشف عن أي تغيير يطرأ على مسمى صفحات الفيسبوك والبلد الذي أنشئت فيه. وقد ذهب مدير عام الفيسبوك في محاربته الإشهار السياسي إلى حد اتاحة الفرصة لكل مستخدمي موقعه لمعرفة ما أنفقه كل مرشح في الانتخابات للرئاسية الأمريكية المقبلة من مال على الإشهار السّياسيّ، وفي كل ولاية من الولايات المتحدة الأمريكية عبر كل موقع الفيسبوك وأنستغرام، ومسنجر.

أما بخصوص الأخبار المزيفة، فقد وعد المدير العام لشركة الفيسبوك بتوسيمها من أجل لفت الانتباه إلى أنها تفتقد المصداقية. وإذا أصر مستخدم الفيسبوك على الإطلاع عليها رغم التوسيم فيصله إشعار بأن المتعاونين مع موقع الفيسبوك تَحَرّوا عن صحة هذا الخبر واعتبروه مزيفا.

وقد سبق لموقعي الفيسبوك وغوغل بأن تعهدا بأنهما سيضعان العدّة التقنيَة ذاتها المستخدمة في الولايات المتحدة الأمريكية تحت تصرف الدول الأوربية من أجل مراجعة أرشيفها المتعلق بالإشهار السّياسيّ: من؟ نشر ماذا؟ ومن أي مكان؟

تعقد

يرى المختصون بأن موضوع الإشهار السياسي معقد جدا. فإن كانت ممارسته في الحملات الانتخابية واضحة، بهذا القدر أو ذاك. فإنه يصعب في بعض الأحيان تمييزه عن غيره من الإشهار السّياسيّ الذي يبث في مواعيد غير انتخابية. وتبدو الحدود التي تفصله عن إعلام المواطن غامضة. الأمر يتعلق بالإشهار الذي تموله الحكومات خارج الحملات الانتخابيّة والتي يصعب الحكم عليه هل يندرج ضمن مسؤوليات الدولة على إعلام المواطنين أم أنه عبارة عن إشهار سياسي يروج ، بشكل ضمني” للحزب السياسي الحاكم؟ السؤال ذاته يطرح على الإشهار الذي تمولها الجمعيات ذات النفع العام على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل تلك التي قامت بها منظمة ” السلام الأخضر” الفرنسية المتعلقة بمخاطر المحطة النووية في إقليم “الدروم” الواقع جنوب شرق فرنسا. ومخاطر استخراج المعادن من أعماق المحيطات.  والإشهار الذي يبثه بين الحين والأخر الاتحاد القومي الأمريكي للأسلحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتي يعارض فيه أي مبادرة لحظر بيع الأسلحة النارية الشخصية. وغيرها من الإعلانات المسببة للصداع ، خاصة تلك التي تدعو إلى الاقصاء والميز العنصرى على أسس عرقية أو دينية، والتي  تسهم في تقسيم المجتمع.  لكن مواقع التواصل الاجتماعي لم تحدّد بعد موقفها منها.

ويبدو أن هذا الغموض سيعمر طويلا في ظل التأخر في إصدار القوانين المنظمة للإشهار السياسي في جلّ دول العالم.

ففرنسا التي تملك ترسانة من القوانين الزاجرة في المجال الإعلامي، وتحظر بث الإشهار السياسي الموجه للناخبين عبر شبكة الانترنت في الحملات الانتخابية، لم تصدر أي نص قانوني من شأنه أن يرفع اللبس عن الإشهار السياسي، خاصة ذاك الذي يضر بالمصلحة الوطنية ويهدّد وحدة الأمة ، ويميزه عن إعلام المواطن. وألمانيا المتشددة في حماية المعلومات الشخصية، تبيح بثّ الإشهار السياسي بشرط ألا يتعارض مع مبادئ الدستور الألماني. بينما تعاني بريطانيا، التي كانت ضحية إنزال شديد للإشهار السياسي الكاذب، كما ذكرنا أعلاه، من غياب القوانين المنظمة للإشهار السياسي. ولم تمنع، على الأقل، بثّه خلال الحملات الانتخابية. إنها المعاناة ذاتها التي يشتكي منها مواطنو بلدان أوربا الشرقية.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية التي تعد نموذجا في حرية الإعلام ، يخضع البث الإذاعي والتلفزيوني إلى مراقبة اللجنة الفيدرالية للاتصال. إذ يذكر أن الشبكات التلفزيونية الأمريكية الكبرى، مثل ” سي أن أن ” CNN ، و الأن بي سي NBC، وحتى قناة “فوكس نيوز” قد رفضت بث إشهار سياسي يسيء إلى “جو بايدن” المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020. وهذا في اطار الحملة الانتخابية التي يخوضها الرئيس الأمريكي الحالي للاستمرار في الحكم لعهدة انتخابية ثانية. بينما ترك المشرع الأمريكي المجال لمواقع التواصل الاجتماعي لنشر هذا الإشهار أو رفضه.

أما البلدان العربية فيبدو أنها لم تعان بعد من هذا الصداع المذكور. وإن كانت بعضها قد شرعت  في التفكير فيه بصوت مسموع خلال إعداد مدونات لأخلاقيات الإعلام.

الحراك الجزائري و”فيسبوك”


368

 

يطرح الحراك الشعبي الجزائري ضرورة مناقشة العلاقة بين الحركات الاجتماعية الواسعة ومواقع التواصل الاجتماعي، من جديد، ومساءلتها. المناقشة التي احتدّت في بداية الربيع العربي ظلت سجينة السؤال: هل حرّك موقعا فيسبوك وتويتر الشارع؟ لم يرتق السؤال إلى مراجعة مفهوم “الفضاء العمومي المعارض” الذي صاغه الفيلسوف أوسكار نغت، على ضوء أطر النقاش والتمثيل التي شكلتها الحركات الاجتماعية في الشارع، أو أنها في طور تشكيلها، واكتسحت الفضاء الافتراضي عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 

أفرز النقاش بشأن دور مواقع التواصل الاجتماعي في ثورات الربيع العربي اتجاهين أساسيين: الأول راح يبحث عن جذورها “الرقمية”، مستأنسا، ولو ضمنا، بأطروحات الفيلسوف الكندي مارشال مكلوهان، التي تؤمن بالدور الحاسم للتكنولوجيا في تَشكُّل الدولة المركزيّة، وفي إحياء القوميات، واندلاع الحروب. ومنها انطلق هذا الاتجاه في التأكيد على قدرة شبكة الإنترنت على تحرير الأشخاص من الأنظمة الاستبداديّة. وحجتهم في ذلك أن إزاحة الرئيسين زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر عن سدة الحكم ما كانت لتتحقق لولا “فيسبوك” و”تويتر”.

 

واستند الاتجاه الثاني إلى تصور الكاتب الأميركي من أصول بيلاروسية، الأستاذ في جامعة ستانفورد، يفغيني مروزوف، والذي قلّل من دور مواقع التواصل الاجتماعي في النضال الديمقراطي والثوري. وراح يبحث عن حججه في الانتفاضات الشعبيّة في أكثر من بلد، بدءًا بمولدوفيا، مرورا بأوكرانيا، ووصولا إلى إيران في يونيو/ حزيران 2009. وتعجب كيف نسمي “الأحداث التي شهدتها هذه البلدان بثورة تويتر أو ثورة فيسبوك، ونؤكد في الوقت نفسه أن حكامها حرموا مواطنيهم من الاتصال بشبكة الإنترنت، في أحيان كثيرة، وراقبوا مواقع التواصل الاجتماعي، ولاحقوا نشطاءها! ويذكر أن طلب تأجيل صيانة موقع شبكة تويتر الذي تقدّمت به حكومة أوروبية إلى مديره يوم 15 يونيو/ حزيران 2009، من أجل إتاحة الفرصة للإيرانيين لاستخدامه في حراكهم الشعبي، لم يؤد سوى إلى زيادة عدد التغريدات التي أُرْسِل أغلبها من الولايات المتحدة الأميركيّة ودول أوروبا الغربيّة باللّغة الإنكليزيّة!

يمكن إيجاز رؤية مروزوف للعلاقة القائمة بين “الانتفاضات” الشعبيّة ومواقع التواصل الاجتماعي في القول إن من الصعوبة بمكان أن تترجم العلاقات الاجتماعية التي تُبْنَى عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى أفعال ونشاطات جماعيّة في أرض الواقع.

قد يتساءل بعضهم: كيف خرج آلاف الجزائريين في مسيراتٍ في شوارع كل المدن الجزائرية، تقريبا، في يوم واحد، والتوقيت نفسه استجابة لنداء “مجهول” في موقع فيسبوك؟ بصرف النظر عن خلفيات هذا السؤال، فإنه يقودنا إلى سؤال آخر: لماذا لم يخرج الجزائريون بالآلاف للتظاهر في الشوارع يوم 12 يناير/ كانون الثاني 2011، أي في عز “الربيع التونسي”، عندما وُجِه لهم نداء عبر “فيسبوك”؟

من الصعوبة الفصل بين الواقعي والافتراضي في الحراك الجزائري، فخروج ملايين الجزائريين إلى الشارع، منذ 22 فبراير/ شباط الماضي، هو وليد تراكمات من النضال والإحباط والغضب التي تجسّدت في سلسلة إضراباتٍ واحتجاجاتٍ بدأت بإقامة الحواجز في الطرقات، وإشعال النار في عجلات السيارات لمنع التنقل بين المدن والمحافظات، احتجاجا على رفع أسعار المواد الأساسيّة، أو للمطالبة بالحق في السكن والعمل، وإصلاح الطرقات، وتوصيل الغاز الطبيعي إلى سكان القرى. فأضحى هذا الاحتجاج أسلوب اتصال ومخاطبة النظام السياسي! هذا ما يؤكده تزايد عدد هذه “الانتفاضات” التي ظلت تحتفظ بطابعها المحلي، ولم ترتق إلى المستوى الوطني. إذ يذكر أن عددها قفز من 49 “انتفاضة” في 2006 إلى 131 انتفاضة في 2008. وعلى الرغم من سعي النظام إلى شراء السلم المدني، خصوصا بعد 2011، إلا أن حركات الاحتجاج لم تهدأ، بل تنوعت أشكالها في ظل محاولة إخماد صوتها بالقوة الخشنة والناعمة، أي وسائل الإعلام.

أمام اتساع عملية إقصاء قطاع واسع من الجزائريين، من شرائح اجتماعية مختلفة وقناعات سياسيّة متباينة، من مختلف الهيئات المنْتَخَبة، وأمام احتكار الفضاء العمومي، وإفراغ النشاط السياسي من محتواه، لم يبق أمام الشباب الجزائري سوى ملاعب كرة القدم، للتعبير عما يعانون من ظلم وضنك العيش، وتعسّف في استخدام السلطة وتلاعب بالقوانين. والتوجه الجماهيري إلى الفضاء الافتراضي للإفصاح عن سخطهم على الوضع عبر أغنيات الراب، وبث أهازيج أنصار الفرق الرياضية المعادية للسلطة، ونشر الصور التي تُكذّب الخطاب الرسمي، والوثائق التي تثبت حالات الفساد والرشاوى، وأخذت ناشريها إلى السجون. والسخرية من رغبة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، العاجز عن الحركة والكلام، في أن يستمر في السلطة بعد عشرين سنة من الحكم، السخرية بالرسم الكاريكاتوري والنكت والأشعار. ولكن ترشُّح بوتفليقة لعهدة خامسة كان الفتيل الذي أذكى غضب الجزائريين في الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي. لقد جَرحَ كبرياءهم واعتبروا ترشحه إهانة لهم ولتاريخهم.

كان النقل المباشر بالصوت والصورة للمسيرات عبر موقع فيسبوك الحلقة الأمتن التي ربطت الحراك الشعبي بالفضاء الافتراضي، فلم تقم مواقع التواصل الاجتماعي بإعلام الجزائريين فقط، في ظل ارتباك بعض وسائل الإعلام التقليديّة في التغطية الإخباريّة لأول مسيرة، وانحياز بعضها ضد الحراك، بدءًا من الجمعة الثالثة: 8 مارس/ آذار الماضي، بل قامت بدور توجيهي للحفاظ على الطابع السلمي للحراك.

لقد عزّزت مواقع التواصل الاجتماعي شعور الجزائريين بالانتماء إلى الوطن، وجعلتهم يكتشفون ذاتهم بعد سنواتٍ من الرعب والخوف واليأس، فأدركوا أنهم يشكلون وحدة في التنوع. هذا ما يعبر عنه تحليل الصور، وصور “السيلفي”، الملتقطة من قلب الحراك، والمتداولة عبر مواقع فيسبوك ويوتيوب وواتساب وفايبر. ليست هذه المواقع أرضيات شخصية فقط، بل جماعية أيضا، لأن الجزائريين لا يتردّدون في عرض ما يصل إليهم من صور وشعارات ونكت وأغان وأشعار على موقع فيسبوك على أفراد أسرهم غير المتصلين بشبكة الإنترنت، أو أنهم غير مشتركين في هذا الموقع. علما أن نصف الجزائريين تقريبا لا يملكون اشتراكا فيه.

غني عن القول إن مواقع التواصل الاجتماعي توسع مجال المرئي، وتجعل ما هو مرئي مقروءا، على حد قول الباحث فرنسوا جوست، وتمكّن المهمشين اجتماعيا والمقصيين سياسيا من انتزاع الحق في الاعتراف، فالسياسة في هذه المواقع تضاعف وجودها، وتعدّد أشكال تمثيلها. لقد جعلت هذه المواقع مسيرات الجمعة استعراضا وفُرْجَةً. والفرجة ليست “مشاهدةُ ما يُتَسلَّى به” فحسب، بل إنها أيضا “انكشاف الهم”، وانفلاتٌ عن معايير التعبير والاتصال وأشكالهما، وتملُّك حق القول بصوت مرفوع، والخروج عما هو امتثالي ومفروض من النظام السياسي.

تتسم مواقع التواصل الاجتماعي بسعتها غير المحدودة، فيتملّكها من يجنح إلى المزايدة على الحراك الشعبي، ويمارس التضليل والتشهير، ويُشكّك في نيات الكل، أو من يوعز له بفعل ذلك. وخطر هذا التملُّك في تناغم ذهنيّة الجزائري، وربما العربي، مع خصائص بعض مواقع التواصل الاجتماعي التي تتيح، بل تسعى، إلى الإحماض الذي يعني الافاضة في ما يؤنس الفرد من الحديث والكلام، والإحماض الرقمي حلقة أخرى في العلاقة الجدليّة بين الحراك الشعبي والفضاء الافتراضي.

دورة تكوينية لطلبة الدكتوراه بقسم الإعلام بكلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بأم البواقي حول مناهج البحث في الميديا الجديدة يومي 12 و13 /12/ 2017