كيف نفكر في أخلاقيات الصحافة في المنطقة العربية؟

                                                     نصر الدين لعياضي

يعتقد البعض أن وهن الصحافة في المنطقة العربية وانحرافها يعود إلى أساسا إلى عدم احترام أخلاقيات الإعلام . يمكن أن نعتبر هذا الرأي بمثابة إجابة جيدة. لكن أين السؤال؟ 

تطلعنا بعض المنظمات المهنية وبعض الصحافيين بين الحين والآخر، على جملة من الانتهاكات لأخلاقيات الصحافة في هذا البلد العربي أو ذاك. فمن التحرش ببعض المتهمين في بعض القضايا التي لازالت في مرحلة التحقيق على مستوى الأجهزة الأمنية وتقمص دور القاضي الذي يحكم عليهم، مرورا ببث صور مهينة لأشخاص ساعة اعتقالهم بعد أن صدرت بحقهم مذكرات توقيف، وتثبيت التهم المنسوبة إليهم قبل امتثالهم أمام المحكمة، واستغلال صور أطفال قصر لأغراض تجارية ودعائية، وبثّ صور صادمة للقتل والتمثيل بالجثث التي تمارسها الجماعات المتطرفة، ونشر أخبار كاذبة دون تصحيحها[1]، واختلاق أحداث لا وجود لها في الواقع، ونشر مواد صحفية تمزج بشكل مشبوه بين الإشهار والإعلام، وتحريف المعلومات، والإفراط في نشر الأخبار مجهولة المصدر، والتحيز في نقل الأخبار وعدم الانصاف، والتحريض على ممارسة  العنف والميز العنصري،  وصولا إلى ابتزاز رجال المال والأعمال من أجل الحصول على امتيازات شخصية دون وجه حق أو دعم مالي للمؤسسة الإعلامية باسم الإشهار[2]. هذه بعض الأمثلة التي يبدو أنها تتفاقم في المستقبل القريب مع تعدّد حوامل الأخبار وانخراط أطراف جديدة في إنتاجها وبثّها.

إن الوعي بخطورة هذه الممارسات يختلف بين ممارسي الإعلام في هذا البلد العربي أو ذاك. فممتهنو الصحافة في بعض البلدان العربية يفتقدون المواثيق التي تؤطر النشاط الصحفي على الصعيد الأخلاقي ، وبعضهم بادروا بإصدارها ، مثلما حدث في المغرب وتونس. وأقدمت بعض المؤسسات الإعلام العربية، القليلة، على إصدار ميثاق أخلاقيات العمل الخاص بها. والسؤال الذي يمكن أن يطرحه البعض يتمثل فيما يلي: ما هو نصيب هذه المواثيق من النجاح في الحدّ من الممارسات المذكورة أعلاه التي تطعن في مشروعية العمل الصحفي؟

ربما يجرّنا هذا السؤال إلى سؤال أخر : ما هي الأسباب التي ساهمت في بروز هذه الممارسات وتلك التي ساعدت على استشرائها؟  فمن الصعوبة القضاء عليها دون معرفة أسبابها.

لتذليل هذه الصعوبة نميل إلى مراجعة الخطاب عن أخلاقيات الإعلام في المنطقة العربية وتحليله. وهذه مهمة ليست يسيرة نتيجة تعقد هذا الخطاب وتعدّد منتجيه ومصادره . لكن يمكن، من باب التبسيط، تصنيفه إلى فئتين : فئة الخطاب الجامعي، وفئة خطاب المهنيين والسياسيين والمثقفين.

خطابان.

لازال الدّرس الجامعي في العديد من الجامعات العربية يتناول موضوع أخلاقيات الإعلام من زاوية مذاهب الإعلام الكبرى: السلطوي، الليبرالي، والمسؤولية الاجتماعية والاشتراكي، وقد يضيف له البعض الإسلامي! ويثرى بشرح لنماذج من مواثيق أخلاقيات الإعلام التي صادقت عليها النقابات والمنظمات الصحفية الوطنية والدولية. ويعتقد بعض الطلاب: صحافيو المستقبل، أن هذا الدّرس لم يساعدهم كثيرا على مواجهة ما يعترضهم من قضايا ذات الصلة بأخلاقيات الصحافة في نشاطهم الميداني. هذا إضافة إلى أن المذاهب المذكورة قد تعجز عن تفسير الاختلاف في النظر إلى مسألة أخلاقيات الصحافة في البلدان التي تستمد ممارستها الإعلامية من الفلسفة الليبرالية)  فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية مثلا.( ويلاحظ أن بعض الأساتذة يدفعون بالدّرس الجامعي عن أخلاقيات الإعلام في اتجاه فلسفة الأخلاق وفق التّصوّر الكانطى، الذي يسمو بالواجب حتّى وإن كان ضد المنفعة. إنه التّصوّر الذي يؤكد على أن ( سيرتنا صحيحة إن كانت بغرض احترام القانون الأخلاقي، وليس لأننا نجني منفعة منها، أو لأن هذه السيرة  تكون لصالح سعادتنا. فالتصرف بحكم الواجب لا غير هو الذي يمنح قيمة أخلاقية لفعل ما (.[3] وينتهي هذا الدرس، مع الأسف، إما بتقديم “مواعظ” مهنية أو التنديد بسلوك الصحافة والصحافيين!

ينأى هذا التّصوّر عن واقع الممارسة الصحفيّة. ويسمو بالأخلاقيات عن العراك اليومي، ويجنب أصحابه المشاكل التي قد تترتب عن الحفر في العوامل التي تنتج الانحرافات في الممارسة الصحفية. لكنه يقع ، مع الأسف، في الخلط بين الأخلاق Morals والأخلاقيات Deontology. فالأخلاق تحيلنا إلى مجموعة من القيم والمبادئ التي نهتدى بها في حياتنا اليومية، وتمكّننا من التمييز بين الخير والشر، والعدل والظلم، والمقبول والمرفوض. بينما يعود مفهوم ” الأخلاقيات” إلى اللغة اليونانية ” دينوتس” ) deontos ( والتي تعني ” الواجب” وتتضمن جملة من الالتزامات التي يتطلب من الأشخاص القيام بها في عملهم؛[4] أي أنها مجموعة من التوصيات الأدبية والاعتبارية، ومدونة سلوكية يتبعها المحترفون في مهن محددة، ويستدلون بها في نشاطهم لأنها توجههم نحو ما هو أفضل للتصرف في مواقف وأوضاع معينة. يتبنونها بشكل طوعي ولا تفرض عليهم بالقوة لأنهم هم من سَنّوها.

                                                      تعارض

هل يمكن للأخلاقيات أن تتعارض مع الأخلاق؟ سؤال لا زال يثير الكثير من الجدل. فبعض الصحافيين ومنظماتهم المهنية يعتقدون أن الأخلاق تملي على المصور الصحفي، على سبيل المثال، التدخل لإنقاذ غريق حتّى وأن تطلب الأمر التخلي عن مهمته، بينما الأخلاقيات تتطلب منه أداء واجبه المهني والتقاط صور للغريق تلبية للحق في الإعلام.

ويضع هذا التصور مسألة أخلاقيات الصحافة على كاهل الصحافي المطالب بالاحتكام إلى ضميره وتغليب واجبه حتّى وإن تعارض مع مصلحته. بينما يدرك الأخصائيون بأن (أخلاقيات الإعلام لا تختزل في الفعل الذي يقوم به الأشخاص المرئيون أكثر في حقل الإعلام: الصحافيون، والمصورون، والمخرجون، وفنيو التلفزيون. إنها ترتبط أيضا بالفعل الذي يقوم به قادة وسائل الإعلام ، والمؤسسات الإعلامية)[5].

أمام تقاعس بعض الأنظمة العربية عن تطبيق بعض بنود قوانين الإعلام التي سنّتها يتداخل في ذهن بعض الكُتّاب والمهنيين والسياسيين وحتّى النقابيين المفهومين التالين : القانون والأخلاقيات. هذا ما يتضح على سبيل المثال من إدراج بعضهم المساس بالحياة الخاصة للأشخاص العاديين ” و”التشهير بالغير” [6] في خانة انتهاك أخلاقيات العمل الصحفي، بينما المشرع أدرجها في خانة قوانين الإعلام في جلّ الدول العربيّة. كذلك الأمر بالنسبة لحق الرد الذي يُعدّ فصلا كاملا في قوانين الإعلام لكن لا تلتزم به جلّ وسائل الإعلام في المنطقة العربية.[7] ولا يندرج في باب الأخلاقيات. ويتأكد هذا الخلط أكثر في مواثيق أخلاقيات الإعلام التي صدرت في لبنان في 1958، و1974، و 1992، و 2006 التي أبرمت بعضها نقابة الصحافيين مع الحكومة. وجاء بعضها الأخر بعد اتفاق بين مجالس إدارة المؤسسات السمعية البصرية والحكومة. وتعتبر هذا المواثيق بمثابة وثائق تكرس التوافق بين السلطة السّياسيّة والصحافة لضمان حرية التعبير وتحدّيد مسؤوليات وسائل الإعلام في ظروف سياسية خاصة مر بها لبنان[8]. ولم تنبع من قاعات التحرير، ولم يصغها الصحافيون بقصد تنظيم مهنتهم وضبطها.

يمكن القول من باب توضيح الفرق بين القانون وأخلاقيات الإعلام بأن (القانون يحدّد مجمل القواعد التي تطبق في مجتمع معين. ويعاقب كل من لم يلتزم بها. ويروم إحداث الانسجام الإنساني في المجتمع، والتوافق بين مصالح جميع المواطنين، ويمنع حدوث النزاعات ويحلّها إن حدثت في إطار بعض القيم الأساسية الخاصة بمجتمع ما وثقافة معينة.)[9] إذا القانون يتسم بطابعه الزجري ويطبق على مهنة ما دون الحصول على موافقة مسبقة من أصحابها. بينما الأخلاقيات هي مجمل الواجبات والمعايير التي تضبط مهنة ما والتي يتفق عليها أصحابها. والسؤال المطروح هل أن الأخلاقيات تتعارض مع القانون؟ سؤال لازال يثير الكثير من الصراع بين السلطة القضائية وممثلي بعض المهن. فبعض المنظمات الطبيّة، على سبيل المثال، تجيز ممارسة ” القتل الرحيم” في مدوناتها الأخلاقية عندما تفقد الهيئة الطبيّة المشرفة على علاج المريض الأمل في شفائه، وتقرّ بأن الأفضل الرفق به وتخليصه من عذابه. بينما القانون يُجرّم القتل مهما كانت صفته  رحيما أو غير رحيم، سواء كان مُتَعَمِّداً أو دون قصد.

   أسباب

السؤال الذي يثار هو كالتالي: لماذا لا تحترم أخلاقيات الإعلام في الصحافة العربية؟                        يحصر بعض الصحافيين والنقابيين وأساتذة الصحافة الأسباب التي تقف وراء عدم الالتزام بأخلاقيات مهنة الصحافة في العديد من البلدان العربيّة، في العوامل التالية: القيود التي تفرضها السلطة السّياسيّة وجماعات الضغط على الصحافة، وخضوع الإعلام للأجندات السّياسيّة للدول، وهشاشة اقتصاد وسائل الإعلام وتبعيته للإشهار ، والخلط بين الإعلام والإشهار، ومزج الإعلام بالعلاقات العامة[10]، وثقافة المجتمع، والترهيب الذي تمارسه الجماعات المتطرفة[11]، ورؤية الصحافيين لذاتهم[12]، والتحاق من لا مهنة لهم بالعمل في قطاع الصحافة.[13] وضعف تكوين الصحافيين.[14]

لفهم أفضل للإخلال بأخلاقيات مهنة الصحافة في البلدان العربية، يجب النظر إلى السياق التاريخي الذي نشأت فيه هذه الصحافة وتطورت ، والذي يختلف عن السياق الذي نشأت فيه الصحافة الأجنبية في بلدان شمال أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. ففي هذه الدولالبلدان ظهرت الصحافة في سياق حرية الفكر والتعبير، مما يفترض وجود تعددية الرأي والفكر. وتطورت في ظل منافسة اقتصادية تؤطرها جملة من القوانين والتشريعات التي تتجدّد باستمرار بتطور المجتمعات ، وفي ظل تطور مجتمع مدني قوي تشارك فيه جمعيات الصحافيين ونقاباتهم التي لعبت دورا كبيرا في صياغة مواثيق أخلاقيات الإعلام. بينما ظهرت الصحافة في المنطقة العربية ضمن مشروع سياسي مناهض للاستعمار ، بدءا بصحيفة “العروة الوثقى” التي أصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في باريس في 13 مارس 1884. وهذا يعني أنها صحافة نضال وتجنيد ضد العدو. فــفي عرفها “كل من ليس معها هو ضدها”؛ أي عدو وليس منافسا أو غريما تختلف معه في الرأي أو الموقف أو الإستراتيجيا ، أي أنها صحافة أحادية الفكر تعتمد أكثر على مواد الرأي على حساب المعلومات والاستقصاء. تُخوّن كل ذي فكر مخالف و”تشيطنه”؛ فالمهم بالنسبة لها هو مضمون الرسالة التي توصلها إلى الجمهور. ولا تولي الكثير من الاهتمام والعناية بالجوانب المرتبطة بأخلاقيات الإعلام ، مثل ضرورة التحرّي عن صحة المعلومات والأخبار ، وعدم الافراط في الاستناد إلى مصادر الأخبار المجهولة أو التستر عليها،  والإنصاف في المعالجة الصحفيّة للقضايا المختلفة، وعدم استعمال الأساليب المشينة للحصول على المعلومات. ضمن هذا السياق رسخت الممارسة الصحفية في العديد من البلدان العربية في ظل عدم الفصل بين السلطات: التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة، مستفيدة من تعثر الصحافيين في تنظيم مهنتهم وضبطها على غرار الفئات المهنيّة الأخرى: الأطباء ، الصيادلة، المهندسين المعماريين، والمحامين، والقضاة، وغيرهم. واستندت الكثير من وسائل الإعلام الخاصة، التي انطلقت كمشاريع تجاريّة في العديد من البلدان العربيّة، إلى هذه الممارسات. وأضافت لها ما يوحي ” بالتراجع” في ممارسات أخلاقيات الإعلام، مثل ابتزاز الغير ومساومتهم للحصول على الإشهار أو على امتيازات مثلما ذكرت بعض النقابات.[15] وقد تفاقمت هذه ” الإضافات “، مع الأسف، بعد أن التحمت مصالح الجماعة المالكة لوسائل الإعلام والقوى السّياسيّة المتحكمة في صنع القرار. وجعلت من وسائل الإعلام أداة لتصفية الحسابات السّياسيّة كما حدث في الجزائر¨.

لعل القارئ الكريم يخالفنا الرأي بالقول أنه من الخطأ تقييم ممارسات أخلاقيات الإعلام في المنطقة العربية على ضوء مواثيق الشرف والمدونات الأخلاقية المعمول بها في المؤسسات الإعلامية الغربية. وذلك لأن الأخلاقيات معطى نسبي يخضع لتطور المجتمعات. ففي فرنسا على سبيل المثال أقدمت إدارة قناة التلفزيون الفرنسي الثانية على فصل مذيعة أخبار عن العمل في 1976 لأنها تجرأت وقدمت نشرة الأخبار وهي مرتدية تنّورة تظهر ركبتيها. واليوم لا أحد يعترض على صور المذيعات وضيفات البرامج التلفزيونية اللواتي ترتدين لباسا لا يخفي من مفاتنهن إلا القليل! لا سلطة ضبط السمعي البصري، ولا السلطات العمومية، ولا الصحافيين ولا المشاهدين. وتعبر أخلاقيات الإعلام عن الاختلاف الثقافي بين الشعوب وتعكس خصوصيات  كل شعب وقيمه. إذ يختلف موضوع الحياة الشخصية، على سيل المثال، في المجتمع الفرنسي عن المجتمع الأمريكي. لعل البعض يتذكر أن الصحافة الأمريكيّة لم تتردّد في نشر الملف الطبي للرئيس الأمريكي الراحل “رولاند ريغن” الذي تضمن صورا بالأشعة لجهازه الهضمي أثناء مرضه! بينما حكم القضاء الفرنسي بمنع توزيع كتاب “السر الكبير”، الذي ألفه كلود غولبي طبيب الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا متيران، الخاص بمعية الصحافي الفرنسي ميشال غونود. والذي يروى تفاصيل عن مرض الرئيس المذكور بعد أسبوع من وفاته.

اعتراض

قد يجد البعض أن ما سبق قوله يفتقد الدقة لأنهم يعتقدون أن الحديث عن أخلاقيات الإعلام لا يجدي نفعا في غياب ميثاق الشرف داخل المؤسسة الإعلامية أو على مستوى منظمات الصحافيين والهيئات الساهرة على تطبيقه . فالقول بأن أخلاقيات الإعلام تراجعت في المؤسسات الإعلامية يعني أن هذه المؤسسات كانت تملك ميثاقا للشرف المهني والتزمت فعلا بتطبيقه لكنها تراجعت عن تجسيده في الممارسة العملية لأسباب مجهولة. وهنا يكمن التغريب الذي يحوّل الشيء أو الظاهرة التي نريد دراستها من أمر “عاد جدا” ماثل مباشرة أمامنا إلى أمر مدهش غير متوقع.” ففي معنى من المعاني يصير الوضوح في حد ذاته غير مفهوم، على حين أن هذا لم يحدث إلا لكي يجعله مفهوما كل الفهم.” [16]

 وقد يلومنا البعض على التطرق لموضوع أخلاقيات “الإعلام العربي” دون الأخذ بعين الاعتبار تجدّدها وتطورها بتطور الطلب الاجتماعي واستشعار الصحافيين ورجال الإعلام الصعوبات الجديدة والمخاطر التي تهدّد مهنتهم. ويستدلون في ذلك بميثاق الوجبات المهنية للصحافيين الفرنسيين الذي صودق عليه في 1918. وتمّت مراجعته في 1938. وعُدّل في 2011  ليُضاف له مبدأ السر المهني لحماية مصادر الأخبار. وليحظر كل الأساليب غير النزيهة والمشينة للحصول على الأخبار والمعلومات.[17] وربما يبلغ اللوم مداه إن اقترن بالقول أن الكثير من وسائل الإعلام العربيّة، خاصة العموميّة، لا تحتاج إلى حماية السر المهني لأنّها لازالت “صحافة جالسة”، أي أن صحافييها لا يغادرون قاعات التحرير إلا لِمَامًا ، ينتظرون البيانات وبرقيات وكالات ألأنباء لنشرها. وإن غادروها فتظلّ مصادر معلوماتهم رسميّة في الغالب حتّى وإن تستّروا عليها. لعل بعض صحافيي وسائل “الإعلام العربية” المتشائمين لا يرون أي جدوى من حظر الأساليب المشبوهة للحصول على المعلومات والأخبار في مجتمع يعاني من فساد طبقته السّياسيّة ونخبته الاقتصاديّة. فالصحافة في نظرهم لا تنشط في بيئة معزولة عن المجتمع. ويحتمل أن ينمّ هذا الرأي عن نزعة تبريريّة يعزّزها القول بأنّ الصحافة مؤسسة اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة ولا تشكل حالة استثنائيّة في أي مجتمع.

تأسيسا على ما سبق ذكره، هل يمكن أن تستدرك وسائل الإعلام العربيّة ” تأخرها” في تطبيق أخلاقيات العمل الإعلامي إن توفرت الشروط الضروريّة لذلك، مثل تنظيم مهنة الصحافة، وقيام الصحافيين ذاتهم بإصدار لوائح لأخلاقياتها ، وإخضاعهم للمساءلة من قبل نظرائهم، وكذا المؤسسة الإعلامية. وإنشاء هيئات مستقلة لضبط العمل الصحفي والبثّ الإذاعي والتلفزيوني تشمل ممثلي المجتمع المدني: محامين، قضاة، فنانين، مثقفين، وهذا تجسيدا لقناعة راسخة بأن الحق في الإعلام وصيانة حرية التعبير ومقاومة انحراف وسائل الإعلام كلها مهام لا تقع على كاهل وسائل الإعلام والسلطات العمومية وحدها لأنها تعد شأنا مجتمعيا.

تفاديا للسقوط في التعميم، يمكن القول أن هذا ” التأخر” متفاوت بين وسائل الإعلام العربيَة من جهة، وبين البلدان العربيّة من جهة أخرى. فهناك بعض البلدان استكملت شروط ضبط العمل الصحفي، وتعمل المنظمات الصحفية بجدّ على مراقبة الالتزام بأخلاقياته.

                                              هاجس كوني

لم يكف مجال الأخلاقيات عن التوسع والتمدّد. وهدفها لم يعد مقتصرا على تحديد الواجبات المهنيّة، بل أضحى يروم تنظيم النشاط الاقتصادي سواء بالحد من تدخل الدولة الملزم أو ترقية نشاط ما وتطبيع المنافسة.[18] لذا أصبحت الأخلاقيات تشكل هاجس كونيًّا متجددًّا بتعقد قطاعات النشاط الاقتصادي والاجتماعي والعلمي، وبتطور المهن. فهامش استقلالية الصحافة كمهنة نشأ محدودا وهشّا ويزداد هشّاشة بتضاعف الإكراهات الاقتصاديّة والسّياسيّة والتكنولوجيّة ، مما دفع بعض المختصين إلى الاعتقاد بأن أخلاقيات الإعلام تحوّلت إلى أمنية أو ضرب من الوهم اللذيذ  أمام الإخفاق في تحقيق{ التمفصل الضروري بين قواعد ما يجب ” إنجازه على أكمل وجه” ( وهو من صلب الأخلاقيات)، والشروط الملموسة ” لإنجازه” والتي لا تتزامن بالضرورة مع ” الخبرة والمهارات”}[19]

 يشكل هذا التمفصل تحديا كبيرا للصحافيين والمؤسسات الإعلامية  ذا أبعاد مختلفة: تكنولوجية واقتصادية وسياسية.

على الصعيد التكنولوجي: لازالت القنوات التلفزيونيّة تعاني من وطأة البث التلفزيوني المباشر. فالصحافي الموجود في مكان وقوع الحدث لينقله ساعة حدوثه لا يملك من الوقت ما يسمح له بالتحرّي في تفاصيله وسياقه وخلفياته. ولا يستطيع النأي قليلا عنه والتفكير المتروّي فيه. وإن حاول أن يفعل ذلك فالمنافسة بين القنوات التلفزيونيّة وبقية وسائط الاتصال لا ترحمه. أمام هذه المعاناة في تحقيق المطلب الأخلاقي: الدقة في نقل الأخبار والمعلومات، داهمت مواقع التواصل الاجتماعي المؤسسات الإعلامية وحاولت أن تغير قاعدة تعاملها مع الأخبار، بعد أن أصبحت تنشرها قبل التحقق في صحتها ومصداقيتها. بل تخلت عن هذه المهمة وأحالتها إلى مستخدمي هذه المواقع. وقد حاولت وسائل الإعلام مجاراة هذا التحوّل في العمل الصحفي وأصبحت تستعين بمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي للتأكّد من صحة المعلومات قبل نشرها. غيرت هذه المواقع بعض القيم الإخباريّة ، مثل الواقعية والحقيقة، وجعلتها تُقاس بعدد الذين يطلعون على الخبر. فكلما ازدادوا ارتفعت مصداقيته! لقد ابتكرت هذه المواقع ” الأخبار الفيروسيّة”، أي التي تُعدي مثل الفيروس. فلا تراعي فيما تنشره الانصاف والنزاهة والواقعية والدقة لأنها تَتَعّمد الاستفزاز واستثارة العاطفة من أجل جذب اهتمام أكبر عدد من مستخدمي هذه المواقع ، ليكبسوا على أزرار: أحب أو أتقاسم  لرفع نصيبها من الإشهار.[20] وها هي وسائل الإعلام تواجه اليوم تحديًّا جديدا ممثلا في الأخبار المزيفة  Fake News ، وشرائط الفيديو المضللة Deep Fake. والقليل جدا من وسائل الإعلام العربية أعدّت العُدّة لمقاومتها.

على صعيد المؤسساتي: يمكن القول أن المؤسسة الإعلاميّة تعيش طفرة جينيّة. فرضت على الصحافي أن ينوع مهاراته ويطور كفاءته. فبعض المهن اندثرت، وانصهرت أخرى في مهنة واحدة. وظهرت مهن جديدة. تؤكد هذه الطفرة أن العمل الصحفي أصبح متلاحما. فالمادة الصحفية التي تنشر أو تبث هي ثمرة تعاون العديد من الأطراف. فمن الصعب القول أن هذه المادة الصحفية من إنتاج فلان بمفرده. فكل واحد يتكفل بمهمة أو يقوم بإنجاز جزء معين من المادة الصحفية: الموثق الذي يجمع البيانات والوثائق الورقيّة والرقميّة ، ومحلّل البيانات ، والمختص في الغرافيكس الذي يعطي بعدا مرئيا للمادة الصحفية سواء من خلال الأشكال والرسوم البيانيّة والمجسمات أو على صعيد الإخراج ككل ، والفني أو المهندس الذي يشرف على موقع الوسيلة الإعلامية في شبكة الانترنت وينشر المواد تباعا، والشخص الذي يتابع تعاليق الجمهور وتفاعلاته مع المادة المنشورة فينتقي منها ما يصبح جزءا أساسيا من متن المادة الصحفية.  هكذا انفتح المجال لتعدّدية المسؤولية على ما ينشر أو يبث فطرح صعوبة على صعيد أخلاقيات العمل الصحفي. فهذه الأخيرة  تنص على مبدأ  “التنسيب” imputability؛ أي تعيين الشخص الذي يمكن تحمّيله مسؤولية الإخلال بإحدى بنود ميثاق أخلاقيات الصحافة في هذه المادة الإعلاميّة أو تلك.

على الصعيد الاقتصادي: اشتد التوتر البنيويّ بين أهداف الصحافة كمهنة بكل ما تحمله من مثل وواقع المؤسسة الإعلامية الاقتصادي. ومع تفاقم الأزمة التي يعيشها قطاع الإعلام  ترتب عن هذا التّوتّر بعض التنازلات على صعيد أخلاقيات الإعلام، والتي يمكن ملاحظاتها على أكثر من مستوى، منها المزج بين الإعلام والإشهار وتأسيس ما أصبح يعرف ” بالربورتاج الإشهاري ” advertorial ” publireportage” في الصحافة المكتوبة أولا، ثم عمّ مختلف وسائل الإعلام. وInfotainment” ، التي تدل على اتجاه في معالجة مجمل البرامج – التلفزيونية والإذاعية- والإخبارية وفق أساليب الترفيه[21]. وهذا بقصد تقريب الأخبار من الجمهور وجعلها في متناول الجميع، وزيادة شعبية الوسيلة الإعلامية وبرامجها للحصول على أكبر عائد من الإشهار. وقد اتسع هذا الاتجاه بعد أن أصبحت شبكة الانترنت ومنصاتها الرقمية منافسا لوسائل الإعلام السمعية، والسمعية البصرية، في مجال الإشهار.

لقد انتهى التّوتّر المذكور بتسليم إدارة المؤسسات الإعلامية إلى إداريين قادمين من قطاعات مختلفة: البنوك، والبناء والإسكان، والتجارة الذين لا هم لهم سوى تعديل موازنة المؤسسة وتحقيق الأرباح. وقد دفع الصحافيون ثمن هذا التّوتّر: تسريح الكثير منهم، والتوجه إلى الاعتماد المتزايد على الصحافيين الناشئين الذين يتعاملون بالقطعة أو ضمن عقود عمل محدودة المدى والذين لا يسعفهم وضعهم المهني للدفاع عن أخلاقيات العمل الصحفي.

أخيرا، يمكن القول أن خلاص الصحافة من متاعبها لا يأتي من ترحيل مشاكل وسائل الإعلام المعقدة وتعليقها على مشجب ” غياب أخلاقيات العمل الصحفي”. وهذا لا يعني استصغار البعد الأخلاقي في الارتقاء بالعمل الصحفي، بل يقرّ بأن الإخلال بأخلاقيات العمل الصحفي ليست السبب الأساسي في  متاعب العمل الصحفي في المنطقة العربية. إنها نتيجة لجملة من العوامل يجب حصرها والبحث عن أسباب التي أدت إلى نسف الكثير من مبادئ أخلاقيات العمل الصحفي، والتفكير في أفضل السبل لمكافحتها ضمن هيئات الضبط الذاتي للمهنة، وتحرير هذه الأخيرة ضغط  المعادلة الثلاثية : السلطة والصحافيين وراسمال الخاص.  وجعل الصحافة، باعتبارها مهنة وليست منتجا، قضية الجميع، قضية المجتمع بأسره.

المراجع:

¨ يمكن القول من باب التحديد أن الجزائر لا تشكل استثناءً ، لأن هذا القول يشمل العديد من الصحف بما فيها تلك التي ظهرت في المهجر منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي. لقد أنُْشئت ووجهت لتصفية الحسابات بين الأنظمة العربية وليس لإعلام المواطن العربي بما تتطلبه أخلاقيات العمل الصحفي. وبهذا تكون استفادت من التراث الشعري الجاهلي واتجهت إما إلى المدح والهجاء!

[1] – يمكن أن نذكر على سبيل المثال الإعلان عن وفاة  الرئيس التونسي السابق، محمد الناصر، والإعلان المكرّر عن وفاة المجاهدة  الجزائرية جميلة بوحيرد  وتكذيبه أكثر من مرة.

[2] – أنظر على سبيل المثال البيان الذي نشرته نقابة الصحافيين الأردنيين والمنشور في صحيفة الرأي الأردنية يوم 6/11/2014

[3]-Philocours.com: La Morale Qu’est-ce qui rend une action bonne ? étude de la philosophie morale kantienne consulté le 21/11/2019 sur le site: http://www.philocours.com/new/cours/pages/cours-moralekant.html

[4]-La commission d’éthique  en science et technologie- Québec : Qu’est-ce que l’éthique, consulté le 20 –112019 sur le site : http://www.ethique.gouv.qc.ca/fr/

[5] – Cornu Daniel, L’éthique de l’information, Paris, PUF, 1997, p8

[6] – أنظر على سبيل المثال : سليمة لبال، شرف الصحافة العربية.. مواثيق حبر على ورق! صحيفة القبس- الكويت- الصادرة يوم  6 نوفمبر 2018  وبيان نقابة الصحافيين الأردنيين التي ذكرناها أعلاه.

[7] – يبدو أن عدم تمكين المواطنين من حق الرد في وسائل الإعلام العربية تحوّل إلى قاعدة عمل ولا يعد استثناء ً وهذا منذ عقود من الزمن. يذكر الكاتب الساخر، محمود السعدني أنه عندما صدر الحكم لصالحه في تهمة الإساءة إلى مسؤولي قطاع السينما بتبديد المال العام لم تقبل الصحف المصرية نشره بعد التشهير به.  فاضطرر إلى نشره في الإعلانات المبوبة في جريدة الأهرام بمقابل مالي لكنه ظهر بخط صغير لا يرى في مكان إعلانات بيع السيارات المستعملة وتأجير الشقق المفروشة، أنظر كتابه الموسوم ” الولد الشقي في المنفى” مطبوعات أخبار اليوم د.ت مصر ص 18.                                                   لقد أخذت هذه الممارسة في الجزائر أبعادا أخرى أكثر خطورة. فعندما ترفض صحيفة ما نشر حق الرد لشخص ما. يلجأ هذا الأخير إلى صحيفة أخرى لنشره كنص إشهاري ويستغل الفرصة لينال من سمعة الصحيفة التي لم تلتزم بحق الرد المنصوص عليه في كل قوانين الإعلام الجزائرية. فترد هذه الأخيرة في صفحاتها على الصحيفة التي سمحت للغير بالنيل من سمعتها. وهكذا تندلع معركة القدح والذم بين الصحيفتين!

[8] – جورج صدقه: الأخلاق الإعلامية بين المبادئ والواقع، مؤسسة مهارات، بيرت، 2008، ص 68-71

[9] – La commission d’éthique, op cité

[10] – عصام سليمان الموسى:  أخلاقيات الإعلام في الأردن: مسألة لها خمسة جوانب، مسترجع بتاريخ 20/11/2019  من الموقع، https://urlz.fr/b9iA

[11] – Moukalled Diana:  Proceedings of Conference Media Ethics & Journalism in the Arab World: Theory, Practice & Challenges Ahead, Lebanese American University Beirut, Lebanon- Institute for Professional Journalists in cooperation with the Heinrich Böll Foundation  June 9–11, 2004

[12] عبد الوهاب بوخنوفة: دور الإعلام العربي في المرحلة الراهنة : دراسة في تصورات الصحفيين العرب، مداخلة في مؤتمر” الإعلام العربي وأسئلة التغيير في زمن التحوّلات ، كلية الإعلام والتوثيق ، بالتعاون مع دراسات إعلامية لبنانية، بيروت ،  5-7 مايو 2016

[13] – سليمة لبال، مرجع سابق

[14] –  للدلالة على ذلك يورد محمد شلبي أن وسائل الإعلام المختلفة، بما فيها العربية، نشرت يوم 5 فبراير 2003 خبر مفاده أن كاتب الدولة للخارجية الأمريكي، كولن باول عرض في مجلس الأمن صورا للأقمار الصناعية “تثبت” أن العراق يملك أسلحة دمار شامل. وقد فات على ذهن الصحافيين إدراج فعل ” قال ” ، لتصبح قال باول أنها تثبت…. وهذا حتى لا يبدو أن كٌتّاب الخبر يشاطرون ما ذكره  وزير الخارجية الأمريكي: أنظر:  عندما يغيب التحرّي في الوقائع تكون الصحافة أدنى من الهاوية صحيفة العرب الصادرة يوم الإثنين 22/07/2019 مسترجع بتاريخ 21/11/2019 من الموقع: https://urlz.fr/b9jJ

[15] – أنظر على سبيل المثال البيان الذي نشرته نقابة الصحافيين الأردنيين

[16] – محمد غنيم هلال : في النقد المسرحي ، دار العودة بيروت 1975، ص 68

[17] De Vulpillières  Eléonore : Ethique professionnelle du journaliste et critique du système médiatique : vers la refonte d’une profession; consulté le 21/11/2019 du ditehttp://eleonoredv.over-blog.com/2017/06/ethique-professionnelle-du-journaliste-et-critique-du-systeme-mediatique-vers-la-refonte-d-une-profession.html

[18] Decoopman Nicole – Droit et déontologie, contribution à l’étude des modes de régulation  consulté le 23/11/ 2019 sur le site: https://www.u-picardie.fr/curapp-revues/root/23/decoopman.pdf

[19] – Cornu Daniel: La déontologie entre l’évolution des pratiques, la sédimentation des idées reçues et la permanence des valeurs. Journalisme et objectifs commerciaux, consulté le 20/11/2019 sur le site: http://metamedias.blogspot.com/2005/07/la-dontologie-entre-lvolution-des.html

[20] – Aidan White Le journalisme éthique refait la Une, Courier de l’unesco Juillet – septembre 2017

[21] – We Are COM: Infotainment  consulté le 26/11/2019 sur le site: https://www.wearecom.fr/dictionnaire/infotainment/

 


الإشهار السياسي: صداع الدول المزمن

                                                        نصر الدين لعياضي

 

هل أصبحت دول الاتحاد الأوروبي الثماني والعشرون تعاني من صداع مزمن اسمه الإشهار السياسي في مواقع التواصل الاجتماعي؟ يبدو أنها لم تقتنع بالإجراءات المتخذة للحدّ من الإشهار السياسي في مواقع التواصل الاجتماعي بعد النداء العاجل الذي وجهته إلى المؤسسات الرقميّة الكبرى، وتحديدا إلى شركة الفيسبوك، وتويتر، وغوغل، قبل أربعة أشهر من انتخاب أعضاء البرلمان الأوروبي. لقد أدركت لجنة هذا الاتحاد أن هذا الإشهار أصبح يشكل خطرا على الناخب الأوربي بسبب مواقع التواصل الاجتماعي، بل يمكن أن يهدّد مالكي سلطة القرار في البلدان الأوربية. كيف لا وهى ترى أن آثار الإشهار السياسي الذي نشرته مواقع التواصل الاجتماعي لم تقف عند تخويف الناخب البريطاني، وحثّه على للتصويت لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوربي في الاستفتاء الذي جرى  في 23 يونيو 2016. لقد قدرت الشركة الأمريكية المختصة في مجال الإعلام والانترنت، “بزفيد” Buzzfeed، أن القوى السّياسيّة المتصارعة في بريطانيا صرفت 1.1 مليون يورو على الإشهار السياسي الموجه للمواطنين البريطانيين قصد إرسال رسائل لنوابهم يطالبونهم فيها برفض المشروع الذي تقدمت به رئيسة الوزراء السابقة ، ” تيريزا ماي” قبل أيام قلائل من التصويت عليه  يوم 15 يناير 2019. التصويت الذي انتهى باستبعاد المشروع المذكور واستقالة الحكومة. وصرفت القوى السّياسيّة المطالبة بإعادة الاستفتاء على القانون المتعلق انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوربي 250 ألف دولار على الإشهار السياسي عبر موقع الفيسبوك وحده! ربما ما يقلق أكثر في الإشهار السياسي ليس المبالغ المالية الضخمة التي صرفت من أجله، بل أن قسطا كبيرا من هذا الإشهار كان مجهول المصدر! ومن المتوقع أن  يتكرّر هذا السيناريو في بريطانيا في المستقبل إذا علمنا أن قسطا كبيرا من الإشهار السياسي الذي استهدف الناخبين البريطانيين  في حملة الاستفتاء على الانسحاب من الاتحاد الأوربي- البركسيت في يونيو 2016 كان كاذبا وبُثّ بأسماء مستعارة  “.

لم تقع بريطانيا وحدها ضحية الإشهار السّياسيّ المزيّف. ففي الولايات المتحدة الأمريكيّة لازال الاتهام يلاحق موقع الفيسبوك لـــ” تساهله ” مع الإشهار السياسي الموجه إلى الأمريكيين، والذي يعتقد أنه ساعد الرئيس الأمريكي الحالي على الوصول إلى البيت الأبيض الأمريكي. فأيرلندا ، تعرضت هي الأخرى، إلى موجة من الإشهار السياسي في الاستفتاء على مشروع قانون الإجهاض الذي جرى في مايو 2018.

                                        الخلط

قد تختلط الأمور على القارئ الكريم ، ويتداخل فى ذهنه الخبر السياسي والدعاية والإشهار السياسي. ولتوضيح الفرق بينهم يمكن القول أن الخبر السياسي هو التبليغ عن حدث ذي طابع سياسي. وتُعرّف الدعاية بأنها بثّ ونشر ما من شأنه يشجع القبول بفكرة أو موقف أو نظرية سياسية. وهدفها هو التأثير على الرأي العام، وتغيير تصوره للأحداث والأشخاص. وتجنّيده لتبني هذه الفكرة أو لمناصرة أصحابها. أما الإشهار السياسي فيدل على الأفعال ذات الطابع التجاري المروجة للأفكار أو لشخصيات سياسية أو برامج أو مواقف سياسية. ربما لا يفهم البعض سر القلق من الإشهار السياسي ووصفه بالصداع طالما أنه يلتقى مع الدعاية في الهدف. إن السر لا  يتلخص في أن الدافع لنشر الإشهار السياسي هو مالي قبل أن يكون سياسيا ، وأن دافع الدعاية سياسي بحت ، بيد أن مصدر القلق لا يكمن في المال، مهما ارتفع مبلغه، الذي يدفع مقابل بث هذا الإشهار ، بل في الخصوصية التي يكتسبها عندما يبثّ عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة: الفيسبوك، تويتر، انستغرام، اليوتيوب وغيرها. إذ يمكن لمموّله ، شخص طبيعي أو معنوي ( هيئة ، مؤسسة)، أن يختفي وراء اسم مستعار. ويستطيع موقع التواصل الاجتماعي أن يمنح له الفرصة في اختيار ما يشاء من المعايير، نذكر منها انتقاء الشريحة التي يستهدفها ، مثل النساء أو الرجال، أو فئات عمرية دون سن معين، أو ذوي الدخل المعين أو الأشخاص الذين نقروا على زر ” أحب” هذا المحتوى أو ذاك. وهذا يعني تمكين المشهر من تصميم إشهاره السياسي وفق خصوصيات ناخبين معينين، من المحتمل أن يكونوا مجهولين من قبل المرشحين ذاتهم ناهيك عن بقية الناخبين.

                                        الحدود

يرى البعض أن هناك نوعا من المبالغة في تقدير تأثير الإشهار السياسي على نتائج الانتخابات والاستفتاءات الشعبية في البلدان الأوربية،  وحتّى في الولايات المتحدة الأمريكية. وذلك لأنهم يؤمنون يعجزه على تغيير اختيار الناخبين الذين حسموا أمرهم وقرروا منح صوتهم للمترشح الذي يتفق مع آرائهم ومواقفهم أو لصالح المشروع الذي يرونه مناسبا لهم. توضح أستاذة الاتصال ، “كثلين هال جميسون”، هذا الرأي في كتابها المعنون بـ ” سيبر وار” الحرب السيبرنية ” بالقول أن جميع المواطنين يقاومون الاتصال السياسي إلى حد كبير، لكن الاشخاص الذين يشعرون بعدم الارتياح إذا طُلب منهم أن يختاروا ، والذين يؤجلون اتخاذ القرار على من يصوتون  إلى أخر دقيقة هم أكثر تأثرا بالاتصال السياسي. وشركات الواب الكبرى تستهدف هؤلاء الأشخاص ذوى المواقف والآراء الهشة بإشهارها السياسي بمقابل مالي يكاد لا يذكر.

 إن تجربة الإشهار المدسوس في مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة الفيسبوك ، في حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 2016 تدعونا إلى التفكير في الإشهار السياسي من زاوية مغايرة. فالإشهار السياسي الذي مُوِّلته روسيا استهدف الناخبين الديمقراطيين التقليدين تحديدا، والزنوج القاطنين في الأحياء السكنيّة الفقيرة. ولم يرم إقناعهم بالتصويت لصالح  المترشح الجمهوري ، بل سعي إلى ثنيهم على التصويت أصلا ، وذلك من خلال إقناعهم بعدم الجدوى من الانتخابات. والكل يعلم اليوم أن صد هذه الشريحة عن التصويت أضّعف ” هيلالي كلنتون” وخدم المرشح الجمهوري .

                                        موقف وموقف

فاجأ مدير عام موقع شبكة تيوتر، جاك دورسي، بقية مواقع التواصل الاجتماعي: فيسبوك، يوتيوب، وسناب شات، وغيرها، عندما أعلن أنه سيحظر بثّ الإشهار السياسي في موقعه بدءًا من 22 نوفمبر الماضي. وعلّل قراره هذا القول أن بثّ هذا الإشهار الذي يستهدف أشخاص بعينهم قد يلغي قدرتهم على اتخاذ القرار. وهذا الإلغاء الذي يحركه المال يشكل خطورة فعلية على المجتمع ،  ولا صلة له بحرية التعبير. فدفع الأموال من أجل زيادة تأثير الخطاب السياسي تترتب عنه نتائج لا تستطيع الإمكانيات التي تتمتع بها الديمقراطية اليوم على إدارتها . نتائج قد تؤثر على حياة ملايين الأشخاص. وكأن ” جاك دروسي” بقوله هذا يستهدف شركة الفيسبوك قبل أن تعلن عن موقفها صراحة من الإشهار السياسي.

صرح المدير العام لشركة الفيسبوك، مارك زوكربيرغ،  أنه لن يمنع نشر الإشهار السّياسيّ   في موقعه. وعلّل موقفه هذا بالقول أن ما يجنى من أموال من هذا الإشهار لا يبرّر كل هذا الجدل الذي اثير عنه ، متمنيا أن يفتح هذا الجدل النقاش عن مستقبل وسائل الاتصال المعاصرة في المجتمع. وأكد على أن أهمية الإشهار السياسي تكمن في مضاعفته للخطابات السّياسيّة ، خاصة تلك التي يدلي بها المترشحون في الانتخابات المحلية ، وكل الذين يسعون لرفع التحدي في الانتخابات ، والمجموعات التي تدافع عن بعض القضايا التي لا تحظى بأي اهتمام إعلامي سوى هذا الإشهار. فحظر الإشهار السياسي يعني تقديم خدمة للأشخاص المتربعين على سدة الحكم، والذين اختارت وسائل الإعلام التقليدية تغطية نشاطهم. إن موقف ” مارك زوكريبرغ” من الإشهار السياسي ليس جديدا. فقد سبق وأن دافع عنه في أكتوبر 2018 أمام طلبة جامعة “جورج تاون” بواشنطن وأساتذتها . لقد أكد ساعتها أنه يرفض أن يكون ” قاضيّا في محاكمة  الحقيقة” . ولن يقف ضد حرية تعبير  2.4 مليار مشترك في مواقع شركته وتطبيقاتها المختلفة: أنستغرام، وواتسات، وميسنجر. ويعتقد أن المواطنين الذين يعبرون على آرائهم جهرا وأمام الملأ يشكلون قوة في عالمنا ، بل سلطة خامسة تضاف إلى هيئات السلطة السياسية في مجتمعاتنا المعاصرة.

تدابير

يُعتقد أن شركة الفيسبوك قد استفادت من تجاربها السابقة، ومن الغرامة التى أجبرت على دفعها، والمقدرة بــ 500 ألف يورو ، بسبب قلة الإجراءات المتخذة لحماية بيانات مستخدميها! وهي البيانات التي جمعتها شركة ” كامبرج أناليتيكا” واستفادت منها بطريقة غير شرعية. هذا ما يوحي به الإعلان على لسان مديرها العام يوم 21 أكتوبر الماضي عن القيام بجملة من الإجراءات والتدابير الكفيلة بضمان شفافية الإشهار السّياسيّ وحماية الديمقراطيّة في الانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة التي تجرى في السنة القادمة. و يمكن أن نذكر منها الكشف عن السلوك المشبوه في بعض صفحات الموقع. وفي هذا الإطار يقول مارك زوكربيرغ أنه ألغي بعض الحسابات التي انشأها أشخاص من روسيا وإيران. ويعتقد أنها كانت تستهدف الولايات المتحدة الأمريكية. وأنشأ نظام ” فيسبوك  بروتكت” Facebook Protect، لحماية المترشحين ومساعديهم من خصومهم السياسيين، ومن كل القراصنة الذين يمكن أن  يستولوا على بياناتهم الشخصية وعلى المعلومات الخاصة بمعارفهم وأصدقائهم بطرق غير شرعية، ويستغلونها ضدهم. ويستعملونها في نشر الأخبار المزيفة.

ويعمل الفيسبوك على نشر معلومات عن المنظمات وحتّى الدول المشرفة على إدارة الصفحات المشبوهة وهذا حتّى يكون مستخدم الفيسبوك حذرا في تعامله مع الصفحات التي يعتقد أنها مستقلة ومحايدة. لقد أضاف موقع الفيسبوك هذه الخدمة إلى تلك التي كانت متوفرة سابقا والتي تكشف عن أي تغيير يطرأ على مسمى صفحات الفيسبوك والبلد الذي أنشئت فيه. وقد ذهب مدير عام الفيسبوك في محاربته الإشهار السياسي إلى حد اتاحة الفرصة لكل مستخدمي موقعه لمعرفة ما أنفقه كل مرشح في الانتخابات للرئاسية الأمريكية المقبلة من مال على الإشهار السّياسيّ، وفي كل ولاية من الولايات المتحدة الأمريكية عبر كل موقع الفيسبوك وأنستغرام، ومسنجر.

أما بخصوص الأخبار المزيفة، فقد وعد المدير العام لشركة الفيسبوك بتوسيمها من أجل لفت الانتباه إلى أنها تفتقد المصداقية. وإذا أصر مستخدم الفيسبوك على الإطلاع عليها رغم التوسيم فيصله إشعار بأن المتعاونين مع موقع الفيسبوك تَحَرّوا عن صحة هذا الخبر واعتبروه مزيفا.

وقد سبق لموقعي الفيسبوك وغوغل بأن تعهدا بأنهما سيضعان العدّة التقنيَة ذاتها المستخدمة في الولايات المتحدة الأمريكية تحت تصرف الدول الأوربية من أجل مراجعة أرشيفها المتعلق بالإشهار السّياسيّ: من؟ نشر ماذا؟ ومن أي مكان؟

تعقد

يرى المختصون بأن موضوع الإشهار السياسي معقد جدا. فإن كانت ممارسته في الحملات الانتخابية واضحة، بهذا القدر أو ذاك. فإنه يصعب في بعض الأحيان تمييزه عن غيره من الإشهار السّياسيّ الذي يبث في مواعيد غير انتخابية. وتبدو الحدود التي تفصله عن إعلام المواطن غامضة. الأمر يتعلق بالإشهار الذي تموله الحكومات خارج الحملات الانتخابيّة والتي يصعب الحكم عليه هل يندرج ضمن مسؤوليات الدولة على إعلام المواطنين أم أنه عبارة عن إشهار سياسي يروج ، بشكل ضمني” للحزب السياسي الحاكم؟ السؤال ذاته يطرح على الإشهار الذي تمولها الجمعيات ذات النفع العام على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل تلك التي قامت بها منظمة ” السلام الأخضر” الفرنسية المتعلقة بمخاطر المحطة النووية في إقليم “الدروم” الواقع جنوب شرق فرنسا. ومخاطر استخراج المعادن من أعماق المحيطات.  والإشهار الذي يبثه بين الحين والأخر الاتحاد القومي الأمريكي للأسلحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتي يعارض فيه أي مبادرة لحظر بيع الأسلحة النارية الشخصية. وغيرها من الإعلانات المسببة للصداع ، خاصة تلك التي تدعو إلى الاقصاء والميز العنصرى على أسس عرقية أو دينية، والتي  تسهم في تقسيم المجتمع.  لكن مواقع التواصل الاجتماعي لم تحدّد بعد موقفها منها.

ويبدو أن هذا الغموض سيعمر طويلا في ظل التأخر في إصدار القوانين المنظمة للإشهار السياسي في جلّ دول العالم.

ففرنسا التي تملك ترسانة من القوانين الزاجرة في المجال الإعلامي، وتحظر بث الإشهار السياسي الموجه للناخبين عبر شبكة الانترنت في الحملات الانتخابية، لم تصدر أي نص قانوني من شأنه أن يرفع اللبس عن الإشهار السياسي، خاصة ذاك الذي يضر بالمصلحة الوطنية ويهدّد وحدة الأمة ، ويميزه عن إعلام المواطن. وألمانيا المتشددة في حماية المعلومات الشخصية، تبيح بثّ الإشهار السياسي بشرط ألا يتعارض مع مبادئ الدستور الألماني. بينما تعاني بريطانيا، التي كانت ضحية إنزال شديد للإشهار السياسي الكاذب، كما ذكرنا أعلاه، من غياب القوانين المنظمة للإشهار السياسي. ولم تمنع، على الأقل، بثّه خلال الحملات الانتخابية. إنها المعاناة ذاتها التي يشتكي منها مواطنو بلدان أوربا الشرقية.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية التي تعد نموذجا في حرية الإعلام ، يخضع البث الإذاعي والتلفزيوني إلى مراقبة اللجنة الفيدرالية للاتصال. إذ يذكر أن الشبكات التلفزيونية الأمريكية الكبرى، مثل ” سي أن أن ” CNN ، و الأن بي سي NBC، وحتى قناة “فوكس نيوز” قد رفضت بث إشهار سياسي يسيء إلى “جو بايدن” المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020. وهذا في اطار الحملة الانتخابية التي يخوضها الرئيس الأمريكي الحالي للاستمرار في الحكم لعهدة انتخابية ثانية. بينما ترك المشرع الأمريكي المجال لمواقع التواصل الاجتماعي لنشر هذا الإشهار أو رفضه.

أما البلدان العربية فيبدو أنها لم تعان بعد من هذا الصداع المذكور. وإن كانت بعضها قد شرعت  في التفكير فيه بصوت مسموع خلال إعداد مدونات لأخلاقيات الإعلام.

الحراك الجزائري و”فيسبوك”


368

 

يطرح الحراك الشعبي الجزائري ضرورة مناقشة العلاقة بين الحركات الاجتماعية الواسعة ومواقع التواصل الاجتماعي، من جديد، ومساءلتها. المناقشة التي احتدّت في بداية الربيع العربي ظلت سجينة السؤال: هل حرّك موقعا فيسبوك وتويتر الشارع؟ لم يرتق السؤال إلى مراجعة مفهوم “الفضاء العمومي المعارض” الذي صاغه الفيلسوف أوسكار نغت، على ضوء أطر النقاش والتمثيل التي شكلتها الحركات الاجتماعية في الشارع، أو أنها في طور تشكيلها، واكتسحت الفضاء الافتراضي عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 

أفرز النقاش بشأن دور مواقع التواصل الاجتماعي في ثورات الربيع العربي اتجاهين أساسيين: الأول راح يبحث عن جذورها “الرقمية”، مستأنسا، ولو ضمنا، بأطروحات الفيلسوف الكندي مارشال مكلوهان، التي تؤمن بالدور الحاسم للتكنولوجيا في تَشكُّل الدولة المركزيّة، وفي إحياء القوميات، واندلاع الحروب. ومنها انطلق هذا الاتجاه في التأكيد على قدرة شبكة الإنترنت على تحرير الأشخاص من الأنظمة الاستبداديّة. وحجتهم في ذلك أن إزاحة الرئيسين زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر عن سدة الحكم ما كانت لتتحقق لولا “فيسبوك” و”تويتر”.

 

واستند الاتجاه الثاني إلى تصور الكاتب الأميركي من أصول بيلاروسية، الأستاذ في جامعة ستانفورد، يفغيني مروزوف، والذي قلّل من دور مواقع التواصل الاجتماعي في النضال الديمقراطي والثوري. وراح يبحث عن حججه في الانتفاضات الشعبيّة في أكثر من بلد، بدءًا بمولدوفيا، مرورا بأوكرانيا، ووصولا إلى إيران في يونيو/ حزيران 2009. وتعجب كيف نسمي “الأحداث التي شهدتها هذه البلدان بثورة تويتر أو ثورة فيسبوك، ونؤكد في الوقت نفسه أن حكامها حرموا مواطنيهم من الاتصال بشبكة الإنترنت، في أحيان كثيرة، وراقبوا مواقع التواصل الاجتماعي، ولاحقوا نشطاءها! ويذكر أن طلب تأجيل صيانة موقع شبكة تويتر الذي تقدّمت به حكومة أوروبية إلى مديره يوم 15 يونيو/ حزيران 2009، من أجل إتاحة الفرصة للإيرانيين لاستخدامه في حراكهم الشعبي، لم يؤد سوى إلى زيادة عدد التغريدات التي أُرْسِل أغلبها من الولايات المتحدة الأميركيّة ودول أوروبا الغربيّة باللّغة الإنكليزيّة!

يمكن إيجاز رؤية مروزوف للعلاقة القائمة بين “الانتفاضات” الشعبيّة ومواقع التواصل الاجتماعي في القول إن من الصعوبة بمكان أن تترجم العلاقات الاجتماعية التي تُبْنَى عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى أفعال ونشاطات جماعيّة في أرض الواقع.

قد يتساءل بعضهم: كيف خرج آلاف الجزائريين في مسيراتٍ في شوارع كل المدن الجزائرية، تقريبا، في يوم واحد، والتوقيت نفسه استجابة لنداء “مجهول” في موقع فيسبوك؟ بصرف النظر عن خلفيات هذا السؤال، فإنه يقودنا إلى سؤال آخر: لماذا لم يخرج الجزائريون بالآلاف للتظاهر في الشوارع يوم 12 يناير/ كانون الثاني 2011، أي في عز “الربيع التونسي”، عندما وُجِه لهم نداء عبر “فيسبوك”؟

من الصعوبة الفصل بين الواقعي والافتراضي في الحراك الجزائري، فخروج ملايين الجزائريين إلى الشارع، منذ 22 فبراير/ شباط الماضي، هو وليد تراكمات من النضال والإحباط والغضب التي تجسّدت في سلسلة إضراباتٍ واحتجاجاتٍ بدأت بإقامة الحواجز في الطرقات، وإشعال النار في عجلات السيارات لمنع التنقل بين المدن والمحافظات، احتجاجا على رفع أسعار المواد الأساسيّة، أو للمطالبة بالحق في السكن والعمل، وإصلاح الطرقات، وتوصيل الغاز الطبيعي إلى سكان القرى. فأضحى هذا الاحتجاج أسلوب اتصال ومخاطبة النظام السياسي! هذا ما يؤكده تزايد عدد هذه “الانتفاضات” التي ظلت تحتفظ بطابعها المحلي، ولم ترتق إلى المستوى الوطني. إذ يذكر أن عددها قفز من 49 “انتفاضة” في 2006 إلى 131 انتفاضة في 2008. وعلى الرغم من سعي النظام إلى شراء السلم المدني، خصوصا بعد 2011، إلا أن حركات الاحتجاج لم تهدأ، بل تنوعت أشكالها في ظل محاولة إخماد صوتها بالقوة الخشنة والناعمة، أي وسائل الإعلام.

أمام اتساع عملية إقصاء قطاع واسع من الجزائريين، من شرائح اجتماعية مختلفة وقناعات سياسيّة متباينة، من مختلف الهيئات المنْتَخَبة، وأمام احتكار الفضاء العمومي، وإفراغ النشاط السياسي من محتواه، لم يبق أمام الشباب الجزائري سوى ملاعب كرة القدم، للتعبير عما يعانون من ظلم وضنك العيش، وتعسّف في استخدام السلطة وتلاعب بالقوانين. والتوجه الجماهيري إلى الفضاء الافتراضي للإفصاح عن سخطهم على الوضع عبر أغنيات الراب، وبث أهازيج أنصار الفرق الرياضية المعادية للسلطة، ونشر الصور التي تُكذّب الخطاب الرسمي، والوثائق التي تثبت حالات الفساد والرشاوى، وأخذت ناشريها إلى السجون. والسخرية من رغبة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، العاجز عن الحركة والكلام، في أن يستمر في السلطة بعد عشرين سنة من الحكم، السخرية بالرسم الكاريكاتوري والنكت والأشعار. ولكن ترشُّح بوتفليقة لعهدة خامسة كان الفتيل الذي أذكى غضب الجزائريين في الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي. لقد جَرحَ كبرياءهم واعتبروا ترشحه إهانة لهم ولتاريخهم.

كان النقل المباشر بالصوت والصورة للمسيرات عبر موقع فيسبوك الحلقة الأمتن التي ربطت الحراك الشعبي بالفضاء الافتراضي، فلم تقم مواقع التواصل الاجتماعي بإعلام الجزائريين فقط، في ظل ارتباك بعض وسائل الإعلام التقليديّة في التغطية الإخباريّة لأول مسيرة، وانحياز بعضها ضد الحراك، بدءًا من الجمعة الثالثة: 8 مارس/ آذار الماضي، بل قامت بدور توجيهي للحفاظ على الطابع السلمي للحراك.

لقد عزّزت مواقع التواصل الاجتماعي شعور الجزائريين بالانتماء إلى الوطن، وجعلتهم يكتشفون ذاتهم بعد سنواتٍ من الرعب والخوف واليأس، فأدركوا أنهم يشكلون وحدة في التنوع. هذا ما يعبر عنه تحليل الصور، وصور “السيلفي”، الملتقطة من قلب الحراك، والمتداولة عبر مواقع فيسبوك ويوتيوب وواتساب وفايبر. ليست هذه المواقع أرضيات شخصية فقط، بل جماعية أيضا، لأن الجزائريين لا يتردّدون في عرض ما يصل إليهم من صور وشعارات ونكت وأغان وأشعار على موقع فيسبوك على أفراد أسرهم غير المتصلين بشبكة الإنترنت، أو أنهم غير مشتركين في هذا الموقع. علما أن نصف الجزائريين تقريبا لا يملكون اشتراكا فيه.

غني عن القول إن مواقع التواصل الاجتماعي توسع مجال المرئي، وتجعل ما هو مرئي مقروءا، على حد قول الباحث فرنسوا جوست، وتمكّن المهمشين اجتماعيا والمقصيين سياسيا من انتزاع الحق في الاعتراف، فالسياسة في هذه المواقع تضاعف وجودها، وتعدّد أشكال تمثيلها. لقد جعلت هذه المواقع مسيرات الجمعة استعراضا وفُرْجَةً. والفرجة ليست “مشاهدةُ ما يُتَسلَّى به” فحسب، بل إنها أيضا “انكشاف الهم”، وانفلاتٌ عن معايير التعبير والاتصال وأشكالهما، وتملُّك حق القول بصوت مرفوع، والخروج عما هو امتثالي ومفروض من النظام السياسي.

تتسم مواقع التواصل الاجتماعي بسعتها غير المحدودة، فيتملّكها من يجنح إلى المزايدة على الحراك الشعبي، ويمارس التضليل والتشهير، ويُشكّك في نيات الكل، أو من يوعز له بفعل ذلك. وخطر هذا التملُّك في تناغم ذهنيّة الجزائري، وربما العربي، مع خصائص بعض مواقع التواصل الاجتماعي التي تتيح، بل تسعى، إلى الإحماض الذي يعني الافاضة في ما يؤنس الفرد من الحديث والكلام، والإحماض الرقمي حلقة أخرى في العلاقة الجدليّة بين الحراك الشعبي والفضاء الافتراضي.

دورة تكوينية لطلبة الدكتوراه بقسم الإعلام بكلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بأم البواقي حول مناهج البحث في الميديا الجديدة يومي 12 و13 /12/ 2017