ﺍﻟﻜﺘﺐ ﺍﻟﻤﻨﺸﻮﺭﺓ


المرأة في الثّقافة الرقميّة: رهانات المرجعيات الاجتماعيّة والثقافيّة والمعرفيّة

نصر الدين لعياضي

صدر في الكتاب التاسع عشر 2023-2024 عن تجمع الباخثات اللبنانيات بعنوان: النساء العربيات والمرجعيات في ظل الرقمنة وفوضى المعلومات، ص 74-92

ملخص:

إن كانت التكنولوجيا الرقميّة قد عزّزت حضور المرأة في الفضاء العمومي، ومنحتها الأدوات الفعالة للمطالبة بحقوقها، فقد ساهمت أيضا في إضعافها في الوقت ذاته.  فهذه التكنولوجيا لم تغير طرق الحصول على الأخبار والمعلومات وفي طبيعتها فقط، بل غيرت حتّى نمط المعيشة والعلاقة بين الأشخاص، وأساليب اتصالهم.

إن الغرض من هذه الدراسة هو مناقشة المتغيرات التي تتبلور فيها المرجعيات الأدبية والثقافية والفنية والعلمية للمرأة وعن قضاياها في الثّقافة الرقميّة، مثل تراجع الأطر التقليديّة للأدب، والثّقافة والفن، والمعرفة بصفة عامة. والمجايلة وما يتبعها من تعاقب واختلاف في النظام التخيّلي لكل جيل عن سابقه. وانتشار ثقافة ما بعد الحقيقة التي رسخت فكرة عدم وجود حقيقة واعتبرت المعلومات والمعارف العلميّة مجرد وجهات نظر. وتغير مكانة الأرشيف ومفهومه في الحياة المعاصرة، إذ تم توسيله لمحاربة النسيان من جهة، ولتسليع المعلومات والمعارف والعلاقات الاجتماعيّة.

المقدمة

يتسع حضور المرأة المرئي في الفضاء العمومي يوم بعد يوم، وهي تسعى إلى انتزاع حقها في “سلطة القول”، على حد تعبير بيار بورديو) Pierre Bourdieu (. وفي سعيها هذا تواجه رهانات جديدة. إنها رهانات المرجعيات الثقافية والمعرفية والطبية والتربوية في ظل الثّقافة الرقميّة التي تغذي هذه السلطة.

أعتقد رواد الحركة النسوية أن الفضاء الرقمي سيكون مقبرة النظام الأبوي (Blandin, 2017) ، لكن الواقع اليومي فَنّد هذا الاعتقاد. فاستخدام المرأة المتزايد للتكنولوجيا الرقمية، وإن كان بدرجة أقل من الرجل حسب مختلف الاحصائيات في جلّ المجتمعات، جعلها تعاني من معضلة إن لم تكن مفارقة. لقد وفرت لها هذه التكنولوجيا أداة فعالة لإسماع صوتها والتعبير عن مشاكلها، والدفاع عن حقوقها وإبداء رأيها في إدارة الشأن العام، ممّا أعطى قوة لحضورها في الفضاء العمومي. وبالمقال، أضعفت التكنولوجيا الرقميّة المرأة بعد أن مكّنت القوى المعادية لتحرّرها من رفع أصواتها عاليا لتنتشر بسرعة على أوسع مدى اجتماعي. فعزّزت بذلك “الكليشيهات” والصور النمطية الكارهة للمرأة، مما يضعفها في المعترك اليومي!  وهذا يعزّز ما ذهبت إليه الكاتبة الكويتية بثينة العيسي حين قالت: «عندما نولد إناثاً، فنحن نولد قضايا؛ لأنّ العالم مزوّد بتقنيات جاهزةٍ للحدّ منا.» (بثينة، 2014) قد يقول البعض إن هذه المفارقة هي مفارقة الثّقافة الرقميّة، التي يمكن أن نسقط عليها نظرية ” الفرماكون”[i] pharmakon للفيلسوف الفرنسي برنار ستيغلرBernard Stiegler)  .( لكن ما هي الثّقافة الرقميّة؟ وما هي تداعياتها على وضع المرأة؟ وماهي المتغيرات التي تتدخل في تشكّل مرجعيات المرأة وعن قضاياها في الثّقافة الرقميّة؟ هذه الأسئلة تميط اللثام عن إشكالية في غاية التعقيد. فالاختلاف بين الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس حول آليات انتقال التراث الثقافي في المجتمعات وتشكل مرجعيات كل مجتمع ظل قائما في بيئة التكنولوجيا التناظرية، وسيتعمق دون شك في بيئة التكنولوجيا الرقميّة، خاصة عن المرأة وقضاياها. 

عن الثّقافة الرقميّة وتداعياتها.

يبدو أن مفهوم الثّقافة الرقميّة يفيض عن التعريف الأنثروبولوجي الذي قدمه إدوارد تايلور(Edward Tylor ) للثقافة  والذي ينصّ على أنّها” ذلك الكلّ المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والأعراف والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في المجتمع”. (Journet, 2002) فحتّى ينتمي هذا الكلّ إلى الثّقافة الرقميّة لابد أن يتحول إلى منتج فني أو فكري: رسم، صورة، صوت، نص مكتوب، فيلم، شريط فيديو، رسم تشكيلي بفضل وسيط رقمي أو يُعْرِض عبره. (Bressler, 2019) .البعض لا ينظر إلى الثّقافة الرقميّة من زاوية المرور الإجباري للمنتج الثقافي عبر العُدَّة الرقميّة، لأنه يراها في علاقة المستخدم بالتكنولوجيا أو في ” تحصيله الذاتي” للمعرفة والمهارات. وعليه يمكن أن نشاطر الرأي القائل بأن الثّقافة الرقميّة هي وليدة مسار مزدوج من المثاقفة: المثاقفة مع التقنية، وإضفاء الطابع التقني على العلاقات الاجتماعية، التي تشير إلى سلوكيات وتمثلات وقيم مخصوصة، وإلى تجديد العلاقة بالعلم والمعرفة” (Simonnot, 2009) . 

يعتقد البعض بأن الثّقافة الرقميّة لم تغير طبيعة علاقة المرء بالإعلام والمعرفة، بل غيرت مسار بلوغها. (Tréguer, 2016) هذا ما عبر عنه الكثيرون بالقول إنّ الزمن الذي كان الخطاب الإعلامي والثقافي يُوجه من المرسل إلى الحشّد قد ولى. لقد أصبح يتوجه إلى الحشّد، والجماعة، وإلى شخص بعينه بناء على البيانات التي تقدمها اللوغاريتمات عنه.[ii] إن اختزال تأثير الثّقافة الرقميّة على المسار المذكور لا يصمد أمام بعض الحقائق، منها ما هو تاريخي، فالمسار المذكور لم يكن مستقرا كما يعتقد البعض، لقد تنوع وأزداد ثراءً عبر التطور التاريخي لأنماط الاتصال والإعلام: المكتوب، والمسموع، والسمعي- البصري، وتعدّدت حوامله. وبعضها نظري، فمن المزالق العلميّة فصل تأثير الحامل- الوسيط- عن المحمول؛ أي فصل المضمون الإعلامي والثقافي عن حامله. فالكاتب الأمريكي نيكولاس كير، Nicols Carr ، صاحب المقال المشهور: هل يجعلنا “غوغل” أغبياء؟ يعترف بأن القراءة المعمقة عبر الشاشة تحولت إلى صراع. فبعد أن كنا نقرأ بشكل طبيعي ومسترسل، أصبحنا نفتقد التركيز على ما نقرأ على الشاشة بعد الصفحة الثانية أو الثالثة. ويستخلص من هذه الملاحظة القول بأن الأداة الرقميّة، مثل غوغل، لم تؤثر على فعل القراءة فقط، بل أثرت أيضا، وبعمق، على حياتنا، وطريقة تفكيرنا. (Carr, 2008)  وعن هذا التأثير تؤكد عالمة الاجتماع الفرنسية، مونيك دانو (Monique Dagnaud (، على أن وسائل الإعلام التقليدية، مثل السينما والتلفزيون، تنشط التفكير الانعكاسي في الذات، إذ تواجه المشاهد بطائفة من التجارب التي تدفعه إلى الحكم، من خلالها، على ذاته، بينما ” تفجر” الانترنت التعبير الفرداني. (Dagnaud, 2009)

تتشكل الثّقافة الرقمية في أرضية ديناميكية تستند إلى جملة من المتغيرات نذكر منها: تراجع الأطر التقليديّة للأدب، والثّقافة والفن، والمعرفة بصفة عامة. والمجايلة وما يتبعها من تعاقب واختلاف في النظام التخيّلي لكل جيل عن سابقه. وانتشار ثقافة ما بعد الحقيقة التي رسخت فكرة عدم وجود حقيقة واعتبرت المعلومات والمعارف العلميّة مجرد وجهات نظر. وتُغير مكانة الأرشيف ومفهومه في الحياة المعاصرة، إذ تم توسيله لمحاربة النسيان من جهة، ولتسليع المعلومات والمعارف والعلاقات الاجتماعية، وممارسة الرقابة المتسترة عنها.

غني عن القول إنّ هذه المتغيرات ليست منفصلة عن بعضها البعض، بل إنها متداخلة. وفي تداخلها يتجلى بعض المعضلات وحتّى المفارقات التي تساهم في بلورة المرجعيات التي يسترشد بها الأشخاص في سلوكهم وفي فهم واقعهم. إنها المرجعيات التي تزداد تعقدا من يوم لأخر.

المتغيرات المؤثرة في المرجعيات 

-Iتراجع الأطر التقليديّة

تراجعت الأطر التقليديّة التي كانت تنتج وتعيد إنتاج معياري للمرجعيات الأدبيّة والثقافيّة، والفنيّة، والطبيّة والعلميّة، وتمنحها مشروعيّة التداول وتزكّيها. ففي العقود السابقة كان للمجلات الثقافيّة، على سبيل المثال، طاقم يشرف على تحريرها: يقيّم ويراجع ويصحّح ما تنشره. وحتّى الصفحات الثقافيّة في الصحف اليوميّة، لم تكن تنشر كل ما يصلها، بل تنتقي الأجود منه في الشعر والقصة والنقد. وبهذا ساهمت في تكريس أسماء من الذكور والإناث في شتى المجالات. كذلك الأمر بالنسبة لديار النشر التي كان يشرف عليها مثقفون مرموقون يولون عناية فائقة لمستوى ما ينشرونه من خلال الاستعانة بلجان القراءة والاستئناس برأي أهل الاختصاص. فالنشر كان يراعي الجودة قبل العائد التجاري. لقد تغير الوضع في العقدين الأخير، وأصبح بإمكان أي شخص أن ينشر ما يشاء في اللحظة التي يشاء، بل باستطاعته أن يصبح قصاصا أو روائيَّا أو شاعرًا أو مغنيَّا أو موسيقيًّا أو ناقدًا بسرعة البرق بعد أن ينشر ما أراد نشره في شبكة الانترنت أو مواقع الشبكات الاجتماعية دون تقييم من نظرائه أو تزكية من أهل الاختصاص. قد يقول قائل إن هذا هو الجانب الإيجابي في الثّقافة الرقميّة. لقد أتاحت حرية التعبير والنشر والانعتاق من فكرة الولاء والشلة الأيديولوجية والفكرية، وأضفت الطابع الديمقراطي على الإنتاج الثقافي. لكن سلبيته تكمن في الاستعجال بدل التروي، واستسهال الكتابة والإنتاج. فاختلط الغث بالسمين، وزالت الحدود بين محترفي النشاط الثقافي والأدبي وهواته، وزالت المسافة بين المنتج ومتلقي/ جمهور هذا الإنتاج. ومع تزايد الاستخدام الاجتماعي للذكاء الاصطناعي سيرتفع عدد الكتاب والشعراء والفنانين المزيّفين.

قد يعتقد البعض أن “الاعتراف” بالنصوص الأدبية والثقافية والعلمية والإنتاج الفني لا يتم بهذه البساطة في العصر الراهن، وذلك لأن الثّقافة الرقميّة جاءت بأدواتها الخاصة للغربلة والانتقاء، ممثلة في منشطي الجماعات communitymanagers، ومديري المواقع الإلكترونية(webmasters)، وترسانة الخوارزميات التي تمارس دور حراس البوابة الإعلاميّة والثقافيّة لتستعيد الدور الذي كانت تقوم به مؤسسات نشر الإعلام والثّقافة والعلوم. ففرضت معاييرها الخاصة لانتقاء المُنْتَج، والتي اخْتُزلت في عدد النقرات على الروابط الرقميّة التي تتيح الاطلاع عليه، وفي عدد المعجبين بالمنشورات. فحراس البوابة الثقافيّة والإعلاميّة الجدد يستندون إلى الكم، ولا يركزون على الجودة والنوعيّة إلا ما ندر؛ فأضحت قيمة المنتج الإعلامي والثقافي وحتّى العلمي تستند إلى مدى انتشاره. إنّها الحقيقة التي تقف في وجه رواد المدرسة النقدية الذين كانوا ينظرون نظرة ريبة، وحتّى احتقار الإنتاج الأدبيّ والفنيّ الذي يحقّق أعلى المبيعات مثل الروايات البوليسيّة. ففي خضم هذا التحول أضحى صناع الإعلانات والمؤثرون في الفضاء الافتراضي يوجهون الاستهلاك والسلوك والمواقف؛ فحلوا محل قادة الرأي. حقيقة إن الإعلان ليس ظاهرة حديثة، لقد وجد وتطور مع وسائل الإعلام التقليديّة، لكنه كان مقنّنا، ومفصولا بوضوح عن المادة الإعلامية والثقافية، بحيث يستطيع الجمهور التمييز بينه وبين بقية المواد المنشورة. وتم حظر بعض المواد من الإعلان، مثل الأدوية، والأسلحة، والخمور. لكن الإعلان اليوم اندس في بقية المنتجات الإخبارية والثقافية والفنية؛ فتماهى نصّه مع بقية النصوص خاصة وأن ناشريه هم أشخاص عاديون، قريبون من مستخدمي شبكة الانترنت وليسوا نجوم الفن والتمثيل والرياضة والأزياء التي كانت وسائل الإعلام التقليديّة “توظفهم” لتمرير إعلاناتها. والنتيجة أن المؤثرين والمعلنين تحولوا إلى وسطاء نشيطين في المجتمع الحديث: ” يسهرون على صحة الإنسان وسلامة ذوقه وحسن مظهره وجمال مسكنه، يتحدثون باسمه، ويقرؤون له، ويتابعون الأحداث بدلا عنه، (بنعبدالعالي، 2005) ويؤثرون على قرارته. وأبرز مثال على ذلك يكمن في ضعف الاستجابة للتلقيح ضد وباء كوفيد 19[iii]، خاصة في أوساط النساء مع الأسف لقوة انتشار الشائعات التي روجت عبر الميديا الاجتماعية، منها أن التلقيح يصيب المرأة بالعقم، أو يعرضها للإجهاض، وأن مصل التلقيح ليس حلالا، إلخ.[iv] لماذا النساء بالضبط؟ لأنهن انشغلن أكثر بكل ما يتعلق بهذه الجائحة نتيجة تحملهن أكثر للأعباء الاقتصاديّة الناجمة عن الحجر الصحفي الذي فرضته هذه الجائحة، مثل رعاية الأطفال في البيت وتدريسهم بعد توقف الدراسة، والتدبير المنزلي في ظل تراجع الدخل. هذا علاوة عن تعرضهن للعنف الأسري. 

II– المجايلة

من الصعب الحديث عن المجايلة وتأثيرها على المرجعيّة الثقافيّة والفكريّة دون الاستعانة بمقاربة عالم الاجتماع الفرنسي برنار بريال( Bernard Préel) الذي حدّدها بأنها جماعات من الأشخاص المتقاربين في السن الذين يتقاسمون القيم عينها. ويتسمون بمعايشتهم للسرديات ذاتها في فترة من حياتهم فتطبع سلوكهم. فكل جيل في نظر العالم ذاته يتميز بالتجارب التي خاضها في شبابه. (Donnat,Lévy، 2007) فلازالت الصحافة الغربية تذكرنا بين الحين والآخر بــ “الهيبيز”، على سبيل المثال، جيل الثّقافة المضادة في الولايات المتحدة الأمريكية، الرافض للثقافة الاستهلاكيّة والحروب الاستعماريّة، خاصة حرب فيتنام.

يرث كل جيل قيم الجيل الذي سبقه، لكن الملاحظ أن الجيل الراهن يتعلم من نظرائه أكثر مما يتعلمه من آبائه. وهذا ما عبر عنه بدقة الفيلسوف الفرنسي ميشال سير ( Michel Serres ( في كتابة ” الابهام الصغير”، كناية على أن إبهام طفل الجيل الرقمي، الذي يشق سبّيله إلى الأخبار والثّقافة والفن واللعب بلمس الشاشة،  

ولكشف الاختلاف في الميول الثقافيّة بين الأجيال، قام الباحثان فلورنس ليفي( Florence Lévy ( وأليفي دونات( (Olivier Donnat (Donnat,Lévy، 2007) بدراسة مسحيّة للممارسات الثقافيّة في فرنسا منذ سبعينيات القرن الماضي، سواء فيما يتعلق بتطور ثقافة الشاشة، أو انتشار الاستماع للموسيقى، أو التراجع عن قراءة الصحف اليومية والكتب. لقد لاحظا أن لكل جيل موسيقاه المفضلة، ويبتعد أكثر عن قراءة الصحف المطبوعة والكتب عن الجيل الذي سبقه. فمن المفروض أن تشكل الثّقافة المكتوبة مرجعه ومرشده. وهذا ما نلاحظه، على سبيل المثال، في اختلاف الممارسات الثقافيّة في المنطقة العربيّة. فجيل الستينيات ومطلع السبعينيات كان شديد الولع بأغان فريد الأطرش، وعبد الحليم حافظ، وأم كلثوم التي تدوم ساعة أو أكثر. ويتابع كل جديد في صالات السينما. أما الجيل الحالي فيهتم أكثر بموسيقى ” التكنو” وأغان الراب الخفيفة والقصيرة، وبشرائط الفيديو.

وإن كان الكثير من البحوث المسحيّة في المجتمعات المتقدمة تؤكد على أن الجيل الراهن يقرأ بدرجة أقل من لأجيال السابقة، فإن قراءته أصبحت متشظية، وأقل أدبية، وأكثر انتقائية نظرا لوفرة المنتجات الثقافية وتعدّدها. حقيقة إن مصادر المعرفة والإعلام اليوم أوفر وأكثر تنوعًا، وفي متناول هذا الجيل بأيسر السبل. وهذا العامل كفيل بخلق الاختلاف في المحتوى الثقافي وطريقة استهلاكه بين الأجيال. الاختلاف الذي لا يؤدي إلى الحكم على أن الجيل السابق أفضل من الجيل الراهن أو العكس؟  فما استخلصه الكاتب هربرت غيرلو( Hubert Guillaud ( بأنّ هذا التحول في علاقة الجيل الحالي بالثّقافة لا يدفع إلى الاعتقاد بنهاية التواصل الثقافي بين الأجيال، بل يؤكد على أن القيم الثقافية بين الآباء والأطفال تقاربت نتيجة اعتمادهم المتزايد على الوساطة الثقافية ذاتها والانتشار الواسع لممارسة الهواة في الحقل الثقافي التي تغلغلت في ممارسات المحترفين. (Guillaud, 2009) ربما هذا الأمر يشجع الاعتقاد بذوبان الانقسام الطبقي للثقافة. فتضخّم العلاقات الاجتماعيّة الرقميّة داخل مواقع الشبكات الاجتماعية وعبرها يوحي بوجود مجتمع دون حدود طبقية، (Lazega, 2012)  وموحدا ثقافيّا.

على الرغم مما سبق عرضه إلا أن ملامح المجايلة لازالت بارزة في المجتمعات ولا تعبر عن اختلاف في الذوق الفني والجمالي، وفي الانشغالات الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية فقط، بل إنها ظاهرة أيضا في اختلاف النظام التخيلي الذي يتشكل من التمثلات Representations والسرديات والأساطير التي تصقل رغبات كل جيل وتدير حياته.

لقد تربت الأجيال السابقة في المنطقة العربيّة، التي تتّسم بطابعها الشفاهي، على بعض المبادئ، منها احترام الكبير في السن وتقديره لأنه صاحب تجارب وخبرة في الحياة، لكن هذا التقدير يتراجع اليوم في ظلّ تعدّد مصادر المعرفة والخبرات، وعبر التواصل عبر الميديا الاجتماعيّة التي لا تكشف عن عمر المتصلين، وبالتالي لا يُؤخذ السن بعين الاعتبار في عملية التواصل، بل أن طبيعة الاتصال ذاته تغيرت عما كانت عليه في السابق: اتصال مبطن وضمني وليس صريحا. بمعنى أن الحديث عن الأمور الحساسة والنقد بوضوح ومباشرة لم يكن مباحا، بل يتم بالتلميح. فالصراحة كانت تعتبر نوعا من الوقاحة. لكن الاتصال غير المباشر وجها لوجه؛ أي عبر الميديا الاجتماعية بهوية مجهولة؛ يدفع إلى النأي عن الاتصال الضمني.[v] ربما تكشف هذه الملاحظة عن مسألة أعمق من اختلاف الاتصال بين الأجيال، ترتبط بالسياق العام لتطور المجتمعات العربية التي ضاعت فيه معايير المباح وغير المباح، والشر والخير.

يبدو أن معاينة تشكيلة كل جيل، منذ مطلع النهضة العربية يلاحظ انشطار الوعي العربي بين الأصالة والمعاصرة، الذي يظهر جليا في السلوك ونمط العيشة والتفكير. فالاحتفاظ بالأصالة يبدو مرتبطا حتمًا بالقطيعة مع الغرب والثّقافة العالمية، بينما التمسك بالحداثة يدعو إلى الانفصال على الهوية والتخلي عن الخصوصية. (غليون، 2007). وتشكل المرأة في المنطقة العربية طرفا في هذا الانشطار وضحية له أكثر من الرجل. فكل طرف يحكم عليها من كُوّة هذا الوعي المنشطر انطلاقا من هندامها، وزينتها، وطريقة حديثها، ولغتها، وعلاقاتها، وظهورها في الفضاء العام. وعليه تجد المرأة صعوبة في تجاوز هذا الانشطار.

IIIما بعد الحقيقة والتضليل

يمكن أن نجاري الدعوة إلى استعمال مصطلح الأخبار المزيفةFake news  عوضا عن الأخبار الخاطئة (Mercier, 2018) False News  وذلك لأن المصطلح الثاني استخدم قبل الأول، ويملك وجودا قانونيّا في تشريعات الإعلام، ويمكن ايعازه إلى الخطأ المهني أكثر من القصد المبيت لإلحاق الضرر بالغير. والمصطلح الأول راج استخدامه بمناسبة الحملة الانتخابية التي أوصلت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض الأمريكي. ويتمثل في نشر الأخبار والصور والفيديوهات المفبركة على أوسع نطاق عبر تكنولوجيا الاتصال الحديثة من أجل غاية بريئة كالتسلية، أو شريرة مثل الإساءة أو النيل من سمعة الغير أو الحط من قيمة الغريم أو المعارض أو لتحقيق عائد مالي أو بغرض التضليل وخلق البلبلة في أوساط مستخدمي الميديا الاجتماعية.

يعلّل البعض سبب ظهور مصطلح الأخبار المزيفة وتزايد استخدامه في المجتمع الأمريكي، منذ 2017 إلى ما يعيشه المواطن الأمريكي الذي يُقصف يوميًّا بمئات الأخبار المتعارضة من مصادر مختلفة إلى درجة أصبح يصعب عليه التمييز بين الصح والخطأ، وبين الخير والشر فتعسر عليه بلوغ الحقيقة. فالثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع تنعدم دون وجود توافق على ما هو الصح وما هو الخطأ. (Kowalczyk, 2024)

قد يبدو هذا الرأي مبتسرا لأن مختلف المراجع تؤكد على أن الأخبار المزيفة هي البنت الشرعية لما أصبح يعرف بما بعد الحقيقة Post-Truth، والتي عرّفها قاموس أكسفورد في 2016، بأنها صفة تشير إلى الظروف التي يكون للأحداث الموضوعية تأثير على الرأي العام أقل من تأثير العواطف والمعتقد الشخصي عليه.”  (Mercier, 2018).وهذا لا يعني التشكيك في وجود أشياء وأفعال حقيقية، بل يدل على أن الحقيقة فقدت قيمتها، أو أضحت نسبية، وذلك لأن كل شخص أصبح يملك ” حقيقته” حسب جملة من المتغيرات: نشأته الثقافيّة، ومعتقداته وردود فعله العاطفيّة تجاه الأحداث والمواقف (Marle, 2023).وهذا ما أدى بالبعض إلى التسليم بعدم وجود حقائق علميّة أو بالأحرى الاقتناع بإنها مجرد وجهات نظر، مثلما هو الأمر بالنسبة لظاهرة تأثير الاحتباس الحراري على طبقة الأوزون، وما تسببه من ارتفاع درجة الحرارة في الكرة الأرضيّة!

يؤكد عالم الأعصاب ألبير موكيبر Albert Moukheiber أن الناس يتقاسمون الأخبار المزيفة أكثر من الأخبار الحقيقية بــ 6 مرات. ويذكرنا بأنه لا وجود لمن يكون بمنأى عن تأثير هذه الأخبار لأن لأمر لا يتعلق بذكاء الأشخاص ولا بالطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها. (Voillot ,Lahaye, 2022) . بعض الدراسات الميدانيّة تفنّد هذا الرأي (Institut Francais d’etude d’opinions et de marketing, 2019)، إذ تؤكد أن تصديق ما يبثّ في الميديا الاجتماعيّة يتأثر بمتغير الجنس والوسط الاجتماعي. فالفتيات اللواتي تنتمين إلى وسط اجتماعي متواضع يصدّقن ما يطلعن عليه في هذه الميديا أكثر من اللواتي تنتمين إلى فئات اجتماعية ميسورة، هذا علاوة على تأثير المتغيرات الأخرى، مثل وتيرة استخدام الميديا الاجتماعيّة. فكلما انتظم استخدامها بطريقة مكثّفة زاد تصديق ما تبثّه!

قد يقول قائل إنّ مفعول هذا المتغير محدود على المرأة في المنطقة العربية، وذلك لأن أحدث الاحصائيات تؤكد أن نسبة اللواتي يستخدمن مواقع الشبكات الاجتماعية محدودة جدا، ولا تشكل سوى 30 % من مجمل مستخدميها. (Gangwani and All, 2021) ولا توجد، في حدود علمنا، دراسات حديثة تبيّن وتيرة استخدامهن لهذه الميديا. هذا الأمر لا يجانب الصواب لكن التكنولوجيا الرقميّة وفرت فرص عديدة للتعرض إلى الأخبار بشكل مباشر وغير مباشر. فالميديا الاجتماعيّة تمزج الأخبار ذات الصلة بالشأن العام بتلك المرتبطة بالحياة الخاصة. ويمكن للمرأة الاطلاع على القليل أو الكثير منها عن طريق وسيط اجتماعي أو من باب الصدفة، وذلك بالنقر على الرابط الرقمي الذي يرسل لها عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل النصّية القصيرة. فالتكنولوجيا الرقميّة وفرت الفضاء الذي يختلط فيه ” استهلاك” الأخبار المستهدفة وتلك التي نعثر عليها بالصدفة. إن نصيب الشباب من هذه الأخبار الأخيرة وافر، ممّا يجعلهم مطلعين على الأحداث بشكل مستمر(Tremblay, Coutant, 2004). وإذا تواترت هذه الصدفة، وتعرض الشخص إلى الأخبار ذاتها أكثر من مرة، فينتهي إلى تصديقها. 

هل هذه المتغيرات كافية لتفسير ظاهرة استشراء الأخبار المزيفة وتصديقها؟ هناك العديد من العوامل المتداخلة التي تساهم في تفسير هذه الظاهرة، نذكر بعضها من باب التوضيح.

  • تراجع الثّقة في وسائل الإعلام التقليديّة التي أصبحت تتحكم فيها سلطتا المال والسياسة، فأزداد الاعتماد على الميديا الاجتماعيّة كمصدر للأخبار، خاصة في ظلّ الحروب، والأزمات المختلفة، مثل جائحة كوفيد 19
  • لم تعد وسائل الإعلام التقليديّة تميل إلى تثقيف الجمهور وتعليمه، بل أصبحت تسعى إلى إغرائه وترضيته بأي وسيلة كانت. فحادت عن غايتها: البحث عن الحقيقة، والكشف عن ملابستها. واتجهت إلى البحث عن العائد المالي.
  • لم يعد المواطن المعاصر يملك من الوقت والصبر ليبذل الجهد الضروري في سبيل فهم الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسيّة المعقّدة، بل أضحى بحاجة إلى من يفسرها له ببساطة وبسرعة وحتىّ بسطحيّة. وهذا ما تفعلّه جلّ المنشورات المتداولة في الميديا الاجتماعيّة.
  • قد تصل الأخبار المزيّفة إلى الأشخاص من خلال الجماعات الافتراضيّة المنخرطين فيها. فتصديقها ينبع من الثّقة في الأشخاص الذين ارسلوها: إنهم من الأهل أو الأصدقاء أو المعارف. كما أن مسايرة الأخبار التي تتماشى والقناعات السائدة في الجماعات الافتراضية هي الطريقة الأقصر لتجديد انتماء المرء لهذه الجماعات.
  • كانت القاعدة المهنيّة المعمول بها في وسائل الإعلام، قبل ظهور الانترنت، هي كالتالي: لا تنشر خبرا قبل التحري عن صحته وتتأكد منه. فأصبحت: أنشر أي خبر أولا، ثمّ حاول أن تتأكد من صحته أو أترك المهمة للجمهور ليفعل ذلك. وهذا يعني أن مسؤولية التحري عن صحة الأخبار المنشورة لا تقع على عاتق المؤسسة أو المرسل، بل على عاتق المتلقي أو المستخدم.
  • كانت معايير التحري في صحة الأخبار تعتمد على تعدّدية المصدر ومصداقيته. لكن مع تزايد استخدام الانترنت والميديا الاجتماعية أصبحت سرعة انتشار الخبر، وتزايد عدد متابعيه أو المطلعين عليه ومدى شعبية مصدره هو العامل الحاسم في مصداقية الخبر. لذا نلاحظ أن الأخبار التي يطلع عليها أكبر عدد من مستخدمي الميديا الاجتماعية تحظى بمصداقية عالية. ويعتبر الشباب أن المؤثرين الأكثر شعبية هم مصدر موثوق به. وقد راح ضحية هذا الاعتقاد الكثير من الفتيات اللواتي صدقنا ما يُنشر في مواقع الشبكات الاجتماعية بأن استهلاك بعض الأعشاب يجهض الحمل، أو يحافظ على الجنين.  (Institut Francais d’etude d’opinions et de marketing, 2019) نعتقد أن هذا الأمر بحاجة إلى بحوث مسحيّة للتأكد من خطورته في المنطقة العربيّة. والسبب في ذلك لا يعود إلى الموروث الشعبي المثقل بالخرافات والسحر المتعلق بالصحة، والوقاية من الحسد، وجلب الحظ، والذي وفرت له مواقع الشبكات الاجتماعية سرعة الانتشار وسعتها فحسب، بل يرجع أيضا إلى التقاليد الإعلامية. لقد ظلت وسائل الإعلام في المنطقة العربية تنقل الأخبار المسندة إلى مصدر إعلامي واحد ووحيد، وهو في الغالب مصدر رسمي، أو تقدمها في بعض الأحيان دون سند إلى مصدر معلوم. لذا تعتبر الغالبية في المنطقة العربيّة أن مواقع الشبكات الاجتماعية، مثل الفيسبوك، هي بمثابة وسيلة إعلاميّة مؤسساتيّة، مثل الصحيفة أو محطة إذاعية أو قناة تلفزيونية، ولا تلتفت إلى مصدر الأخبار التي تنشرها. والنتيجة أن قطاع واسع من النساء يعدن نشر الأخبار والمعلومات الطبيّة والعلميّة المغلوطة عبر مواقع الشبكات الاجتماعية لتندمج في دائرة معارفهن ومدونة سلوكهن. 

يعتقد البعض أن المرأة تدفع أكثر من الرجل ثمن “ما بعد الحقيقة” التي تجلت أكثر في الأخبار المزيّفة، على صعيد صحتها وثقافتها وتربية أطفالها وعلاقاتها الاجتماعية (Voillot ; Lahaye, 2002). لقد ازدهرت هذه الأخبار في ظلّ الميديا الاجتماعية التي يقول عنها الباحث مارك دوز Mark Deuze أنها أصبحت تشكل جزءًا جوهريًّا من التجربة المعيشة. فنحن نعيش داخل الميديا وليس مع الميديا، فحياتنا أضحت ميدياتيكية. (Deuze, 2011)

أكدت الباحثة المختصة في الجندر "لوسيانا دي ميدو" على أن بثّ المعلومات المزيّفة والمضلّلة ضد المرأة سواء كانت زعيمة سياسيّة أو صحافيّة أو فنانة أو شخصية عامة مؤثرة في الحياة الاجتماعيّة تستلهم في الغالب من الأفكار المسبقة والصور النمطية الراسخة في المجتمع قبل ظهور الميديا الاجتماعية. قد يقول قائل إن أي شخصية عامة، ذكرا أو أنثى، تكون عرضة للأخبار الملفقة والإشاعات المغرضة. هذا القول لا يجانب الصواب بيد أن الأخبار المزيفة والإشاعات التي تستهدف المرأة تختلف عن تلك الخاصة بالرجل. إنها تركز على جسدها، وسلوكها كأنثى، بل تهدّدها جنسيًّا. 
تؤكد الباحثتان إليز فويلوÉlise Voillot   ولودين لاهاي Laudine Lahaye )  (Voillot ,Lahaye, 2022) أن الأخبار الملفقة تستهدف المرأة ذات الطموح السياسي، مثل المرشحة للانتخابات، أكثر من غيرها. إنّها تشكّك في قدرتها على تولي المسؤولية. ولعل أبرز مثال على ذلك يتجلى في التركيز على الوهن الصحي لهيلاري كلنتون أثناء الحملة الانتخابيّة للرئاسيات الأمريكيةّ، مما يشكّك في قدرتها على تولى منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. ليس هذا فحسب بل تم تشنيع سلوكها. فعلى الرغم من الفضائح الجنسيّة للرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، إلا أنها لم تنل سوى5 ألاف تغريدة في موقع شبكة" إكس"- تويتر سابقا- بينما "حظيت" منافسته في الانتخابات الرئاسيّة بـ 12 ألف تغريدة تزعم أنها رئيسة عصابة تتاجر بالأطفال جنسيًّا. وتقدم الباحثتان أمثلة أخرى، تؤكد توظيف الأخبار المزيّفة لنيل من كل امرأة تريد أن تخرج عن الإطار التقليدي والمختلف عن توزيع العمل والأدوار الاجتماعيّة حتّى في مجتمعات الديمقراطيّة المتقدمة. فلم تكتف مواقع الشبكات الاجتماعيّة بتحريف مواقف مرشحة حزب البيئة لمنصب المستشارة في ألمانيا، أنالينا بيربوك Annalena Baerbock ) (، في 2021، بل ذهبت إلى نشر صورة مفبركة لها وهي عارية ورافعة صوتها: أريد المال! ولم تنج من هذا التلفيق زوجة الرئيس الفرنسي الحالي، إذ زعمت الأخبار بأنها متحولة جنسيًّا، وذكرت اسم الذكر الذي كانت قبل أن تصبح أنثى!   
وتقدم الباحثة فيلبين سوتاس Philippine Sottas (Sottas, 2023) من جامعة نيس بفرنسا، العديد من الأمثلة في هذا الصدد، إذ تذكر أن رئيسة مجلس النواب الأمريكي، نانسي بلوسي ) . Nancy Pelosy (، تعرضت مرارا وتكرارا لتزوير صورها في 2019. لقد انتشر فيديو مزور يصورها وهي ثملة في مواقع الشبكات الاجتماعيّة، وشاهده 2.3 مليون شخص، وتقاسمه أنصار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. وتذكر أن كاتيفا كرييشنان Kavita Krishnan ) (، المعارضة للحزب الحاكم في الهند، باراتيا جاناتا، تتلقى يوميا ما بين 50 و100 رسالة عبر موقع شبكة تويتر تتضمن سيل من الشتائم والإهانة والتنمر على جسدها بسبب مواقفها السياسيّة.  
قد يقول قائل، أن الكثير من الناس يدركون بأن هذه الأمثلة لا تخرج عن إطار الصراع من أجل السلطة بمختلف أشكالها. والكثير منها مفضوح النوايا. لكن ما علاقتها بالمرجعية الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تؤطر الوجود الاجتماعي للمرأة المعاصرة؟ 
إن المؤثرات الثقافية في العصر الرقمي لم تلد من العدم مهما كانت أطرها: الأسرة، وأمكنة العبادة والعمل، والنوادي الرياضية، والمدرسة والجامعة، والميديا الاجتماعية. إنها تستند إلى رواسب تعبر عنها الصور النمطية، والكليشهيات المتوارثة التي تعدّدت حواملها لتشكل مرجعيّة للتفكير والسلوك.  لعل أبرز هذه الحوامل، وسائل الإعلام التقليديّة، خاصة الصحف والمجلات النسائيّة. فالباحثة في علم الاجتماع ألكسي غيرس Alexie Geers تؤكد بأن الكثير من الصحافيين والباحثين يشاطرونها السؤال التالي: هل تشكل هذه المجلات "مقبرة لحرية المرأة"؟ (Geers, 2017) إن مبرّر هذا السؤال نابع من اعتقادها بأن هذه المجلات تروج للمرأة الخاضعة للمعايير الاجتماعية السائدة في المجتمع. المرأة المثالية التي تسعى صناعات مواد التجميل ومؤسسات الإشهار إلى ترسيخها في الأذهان والقائمة على معايير الجمال المستنسخ من صور الفنانات وعارضات الأزياء: امرأة نحيفة ذات جسد مثالي وبشرة بيضاء ملساء دون شائبة وشعر ناعم. وتقحم هذه المرأة في كل النصوص الإشهارية بصرف النظر عن موضوعها. إنها امرأة غير حقيقية أو نادرة الوجود، خاصة بعد الاستعمال الواسع للتكنولوجيا الرقمية من أجل إجراء رتوشات على جسد الأنثى وبشرتها ولون عيونها لتتفوق على الكمال ذاته وتصبح خيالية. تنساق المرأة إلى مقارنة جسدها بتلك الأنثى المثالية. فيزداد توترها، وتشعر بالقنوط والإحباط ليس نتيجة عدم بلوغ تلك الصورة، بل لعدم الرضا على جسدها. لذا أزداد الشغف بمواد الزينة والتجميل وبأنظمة الحمية الغذائيّة واللجوء إلى "البوتوكس". فالجمال لم يعد مظهرًا من مظاهر الأنوثة فحسب، بل أضحى وسيلة أيضا للإغراء وسلاحا لفرض وجود المرأة وبسط سلطتها. وتحول إلى مرجع للتعامل مع المرأة في العمل والشارع، قد يغطي في بعض الأحيان عن مستواها العلمي وكفاءتها المهنيّة.
إن الكثير من النساء والفتيات في البلدان العربيّة لا يظهرن بأسمائهن وصورهن الحقيقيّة في مواقع الميديا الاجتماعية نظرا للعادات والتقاليد. ويستخدمن أسماءً وصورًا مستعارة[vi]، تكون في الغالب صور فنانات وعارضات أزياء. وبسلوكهن هذا يعيدن إنتاج الصورة النمطيّة المتوارثة عن المرأة الجميلة والمغريّة كمعيار اجتماعي، وكمرجع للأنوثة. إن هذا الاسقاط وتبعاته يمنح الشرعية للقول إنّ " الجسد الأنثوي يتحول إلى حامل محرك للممارسة الاستهلاكيّة والتكنولوجيّة، ومنتج لفائض قيمة اقتصادية ضخم". (إيلوز، 2022)
نجد أن الرواسب الاجتماعيّة والثقافيّة المتوارثة من الماضي فاعلة في التكنولوجيا الرقميّة. فخوارزميات العديد من مواقع الشبكات الاجتماعيّة، مثل انستغرام، وتيك توك تعيد بقوة إنتاج التمييز ضد المرأة ممّا يجعل "الاستعارات المناهضة للمرأة أمرًا طبيعيًا في الطريقة التي يتفاعل بها الشباب في الحياة اليومية" (Regehr, 2024). وحتى عُدَّة الذكاء الاصطناعي التي طورتها شركات المعلوماتية الكبرى مثل غوغل، وأمازون، مايكروسفت، لم تتأخر عن تقديم مساهمتها في هذا المجال. إنها تبرز جسد الإناث بطريقة مثيرة جنسيًّا أكثر من جسد الذكور. (Gestoso, 2024)

 IVالأرشيف

لم يعد الأرشيف في البيئة الرقميّة يقتصر على الورق؛ أي الوثائق المكتوبة أو المصورة التي تخزنها جهة رسميّة في مكان مصان، وتحدد شروط استخدامها.  فالتكنولوجيا الرقميّة وسعت مفهوم الأرشيف، أذ أصبح يشمل مختلف أشكال التعبير ومواد الاتصال. فما نتركه من أثار استخدامنا لشبكة الانترنت وتفاعلاتنا أصبح يندرج ضمن الأرشيف الذي قد يستخدم دون موافقتنا وحتى دون علمنا. وتغيرت طريقة تخزينه حيث أصبح يخزن عن بعد (Gane, Beer, 2008). وتغيرت شروط استخدامه. لذا يمكن القول إن استخدام الأرشيف أصبح يشكل مفارقة حقا: فمن جهة، لقد اكتسب طابع السيولة المتدفقة عبر العديد من الحوامل، فأصبح متوفرا في كل مكان وكل وقت، وفي المتناول. فتعدّدت استخداماته. إنّها السيولة التي تؤسس لثقافة اللحظة. ومن جهة أخرى، أضحت حماية الأرشيف صعبة ومراقبته أمرا مستحيلا. (Millerand, Proulx,Rueff, 2010)

طرح الأرشيف الرقمي، الذي ساهم في سيولة الثّقافة، معضلة كبرى على الأشخاص ذات وجهين: محاربة النسيان، والتوجيه. فعلى صعيد “نسيان النسيان” يمكن الإشارة إلى أن المرء لم يعد باستطاعته التحكم في صورته أو فيما ينشره في شبكة الانترنت. فيعجز بمفرده عن محو ما كتب أو كُتب عنه في شبكة الانترنت أو مواقع الشبكات الاجتماعية، وتمت أرشفته، ممّا قد يشكل عائقا أمام توظيفه أو ترقيته المهنية. وتعاني المرأة أكثر من الرجل من هذا الأمر، فما ينشر عنها من إساءة سواء بالصورة أو الكتابة قد يتعدى ما يصيب الرجل، لأنه قد يُطعن في شرفها، وينال من سمعتها؛ فيزيد في هشاشة وضعها المهنيّ والاجتماعيّ. وقد يستغل للضغط عليها وابتزازها أكثر من الرجل.

وتكتسي مقاومة النسيان بعدا أخرا، إذ لا يمكن محو الأخبار والمعلومات المزيّفة في شبكة الانترنت ومواقع الشبكات الاجتماعية التي تكتسب طابع “الحقائق العلمية” بتقادمها، وبازدياد عدد المطلعين عليها مع مرور الأيام والأشهر، وحتّى السنوات. وتصبح عملية تصحيحها وتصويبها شبه مستحيلة. وتبدو هذه المقاومة أخطر في المنطقة العربيّة. والسبب في ذلك يكمن في أن وسائل الاتصال الجماهيري في المنطقة العربية لا تمارس عملية تدقيق الحقائق Fact-checking فيما تنشره في شبكة الانترنت على غرار ما هو معمول به في العديد من هذه الوسائل الأنجلوسكسونيّة، وحتّى الفرنسية، خاصة أثناء الحملات الانتخابيّة. ولا تملك وسائل الإعلام العربيّة من يتولى مسؤولية الوساطة مع جمهورها ombudsman -Médiateur الذي يساهم في تصحيح بعض الأخطاء وتصويب بعض المعلومات على غرار المعمول به في وسائل الإعلام الأجنبيّة.

أما من ناحية التوجيه، فيمكن الإشارة إلى أن ما تجمعه خوارزميات محركات البحث ومواقع الشبكات الاجتماعية من بيانات عن سلوك كل مستخدم يستغل لتوجيهه فيما يطلع عليه، وما يشاهده في شبكة الانترنت وفي شريط أخبار مواقع الشبكات الاجتماعية. إنه التوجيه الذي يتضمن أيضا الرقابة التي تعزّز المحرمات "tabous " "taboos". كما أن تسليع الأرشيف قد رفع من قيمته التبادلية على حساب قيمته الاستعمالية. فمن المؤكد أن القيمة الأولى تغربل، وتنتقي المواد التي تدخل في تشكيل أو إعادة تشكيل المرجعيات الثقافيّة والأدبية والفنية والعلميّة.

الخاتمة:

لا يمكن الحديث عن المرجعيات الثقافيّة والأدبيّة والفنية والعلميّة دون الإشارة إلى التغيير الثقافي في المجتمع. والذي يجب التفكير فيه انطلاقا من جدلية العلاقة بين الشخص- ذكرا أو أنثى/ الجماعة/ المجتمع والثّقافة والتكنولوجيا في سياق يتسم بــ “التوتر الدائم بين الإنتاج وإعادة الإنتاج، وبين التشكيل وإعادة التشكيل” (Octobre, 2013). ويشتد هذا التوتر أكثر في المتغيرات التي ذكرناها أنفا: تراجع الأطر التقليديّة للأدب، والثّقافة والفن، والمعرفة بصفة عامة، والمجايلة وانتشار ثقافة ما بعد الحقيقة، وتُغير مكانة الأرشيف في الحياة المعاصرة. إن هذه المتغيرات لا تستثني المرأة عن الرجل.

 اتضح من تحليل هذه المتغيرات عدم وجود حاجز بين ما يجري في الواقع العملي اليومي والواقع الافتراضي.  فما يبدو ثابتا أن الصور النمطية والسرديات عن المرأة التي عمرت طويلا في المجتمع، وشكلت مرجعيات المرأة وعن قضاياها، امتدت إلى الواقع الافتراضي، وتحولت إلى مادة للاستقطاب السياسيّ والأيديولوجيّ.

وإن كانت التكنولوجيا الرقميّة قد وسعت من حضور المرأة في الفضاء الافتراضي ومكنتها من أدوات النضال لحصول على حقوقها؛ أي شكلت مصدر قوة المرأة وضعفها في آن واحد. إنّها المعضلة التي تؤطر المرجعيات الثقافيّة للمرأة وعن قضاياها. وغني عن القول إن الإجابة عن السؤال المتعلق بكيفية إنتاج القيم الثقافية والأخلاقية، والمُثل، والتمثلات وإعادة إنتاجها، وتشكيل الاقتناعات والأذواق وإعادة تشكيلها لم تحسم، وذلك لأن هذه الكيفية متنوعة ومعقدة في الوقت ذاته، ولا تتم بين ليلة وضحاها، ولا تتخذ اتجاها خطيًّا. إنّها وليدة مخاض اجتماعي وثقافي. لذا فإن قياس المتغيرات المذكورة أعلاه، والتي تتدخل في بناء أو إعادة بناء المرجعيات، تتطلب بحوثا مسحيّة في كل مجتمع على المستوى الماكرو والمايكرو، والتّسلّح بنظرية التعقد [vii]Complexity Theory. مما يستدعي استبعاد فكرة التناقض بين المتغيرات المذكورة وإقامة حوار بينها، وعدم النظر بطريقة سلبية إلى الاضطراب الذي يمكن أن يشوب الثّقافة الرقميّة، واعتباره مرحلة ضرورية تأسيسية لنظام جديد. على هذا الأساس يمكن التفكير في المرجعيات الثقافيّة والاجتماعيّة للمرأة وعن قضاياها في الثّقافة الرقميّة.

المراجع:

Alexie Geers.(2 novembre, 2017) La presse féminine est-elle le tombeau de l’émancipation féminine. Consulté le 12/12/2023 ;https://sms.hypotheses.org/10166

Arnaud Mercier. (2018). Fake news et post-vérité : 20 textes pour comprendre la menace. The Conversation. France,   Consulté le 24/1/2023.  . https://cdn.theconversation.com/static_files/files/160/The_Conversation_ebook_fake_news_DEF.pdf?1528388210

Brigitte Simonnot. (2009). Culture informationnelle, culture numérique, au-delà de l’utilitaire . Cahiers du numérique Vol 5, N0 3, pp 25-37

Christophe Marle. (2023). médias socio numériques et pratiques de traçage : Comment les algorithmes peuvent influencer la diète informationnelle des usages – Maitrise en communication . Universitaire du Québec à Montréal .

Claire Blandin. (2017). Le web : de nouvelles pratiques militantes dans l’histoire du féminisme. Réseaux .Vol 1,N0 201, pp 9-17

Donnat Olivier , Florence Lévy   (2007) Approche générationnelle des pratiques culturelles et Médiatiques. Culture prospective. N0 3, pp 1-31

Emmanuel Lazega. (2012). Analyses de réseaux et classes sociale. Revue Française de Socio-Economie، Vol 10, N02, pp273-279

Nicholas Gane and David Beer . (2008). New Media The Key Concepts . Berg publishers. p72

Gangwani and All. (2021). Social Media Usage and Female Empowerment in Saudi Arabia. . abacademies، Vol 20, Issue 4. Accessed December 13,2023. https://www.abacademies.org/articles/social-media-usage-and-female-empowerment-in-saudi-arabia-11255.htm

Henryk A. Kowalczyk.( January 15, 2024. )The concept of the truth on X = x virtualagora. Accessed January 20,2024. https://virtualagora.us/the-concept-of-the-truth-on-x-x-23a5c26f7dfa

Hubert Guillaud (2 Mai, 2009.) Le papier contre l’électronique (4/4) : Qu’est-ce que lire ? Consulté le 3/1/2024 https://www.internetactu.net/2009/04/29/le-papier-contre-l%E2%80%99electronique-44-qu%E2%80%99est-ce-que-lire.

Institut Francais d’etude d’opinions et de marketing (Janvier, 2019). Enquête sur le complotisme – Vague 2.Jean-jaures.org .Consulté le 3/1/2024, https://www.jean-jaures.org/wp-content/uploads/drupal_fjj/redac/commun/productions/2019/0220/rapport_complot.pdf

Kaitlyn Regehr.( february 5, 2024.) Social media algorithms amplify misogynistic content to teens, London’s University ( UCL).Accessed January,14. 2024.https://urlz.fr/pyhz

Mark Deuze. (2011). Media life Vol. 33, No. 1,2011; PP 137-148. Media Culture Society, Vol. 33, No. 1,pp 137-148.

Millerand Florence, Serge Proulx , Julien Rueff ( sous dir). (2010). Web social , mutation de la communication . Presses de l’Université du Québec. p95

Monique Dagnaud (18 Novembre, 2009) Google rend-il stupide? Consulté le 10 Decembre 2023  http://www.telos-eu.com/fr/article/google_rend_il_stupide_acte

Nicolas Carr (7 decembre, 2008) . Internet et Google vont-ils finir par nous abrutir? Traduit par

Penguin, Olivier et Don Rico .Consulté le 3 fevrier, 2024 ,http://www.framablog.org/index.php/post/2008/12/07/est-ce-que-google-nous-rend-idiot

Nicolas Journet ( sous dir). (2002). Que faire de la culture ? Éditions Sciences Humaines, 2002, pp 1 -13.Consulté le 14/12/2023 https://www.cairn.info/la-culture–9782912601179.htm

Octobre Sylvie (2013) la transmission culturelle à l’ère digitale , L’Observatoire Vol 1, N° 42,  Éditions Observatoire des politiques culturelles, pp 98-101.consulté le 10/3/2024 DOI10.3917/lobs.042.0098

Patricia Gestoso (august 1, 2023). Techno-Patriarchy: How AI is Misogyny’s New Clothes, accessed Fevruary 2,2004. https://patriciagestoso.com/2024/01/08/techno-patriarchy-how-ai-is-misogynys-new-clothe

Patrick Tréguer (Novembre, 2016). Cultures numériques, quels enjeux d’émancipation , . Champ culturel. Ministre de l’agriculture et de la culture  pp 14- 20.

Philippine Sottas (19 Juin, 2023) La désinformation genrée contre les femmes en politique : facteur de fragilisation des systèmes démocratiques (Institut du genre en geopolitique . Consulté le 8 fevrier 2024.https://igg-geo.org/?p=13340

Sonia Bressler. (2019) De la culture numérique à la société de contrôle, Diplômées، N°268-269 pp P195-213 .Consulté le 3 Janvier, 2014. https://www.academia.edu/41819585/De_la_culture_num%C3%A9rique_%C3%A0_la_soci%C3%A9t%C3%A9_de_contr%C3%B4l

Tremblay Marie-Danielle , Coutant Alexandre (2004) Le rapport à l’information dans la littérature scientifique, https://urlr.me/xkgJt. (laboratoire de la communication et le numérique.consulté le 4/2/2024. https://urlr.me/xkgJt

Voillot Élise , Lahaye Laudine (2022) : Ces Fake News qui nuisent aux femmes. FPS Belgique: Consulté le 3/1/2024 .https://www.femmesprevoyantes.be

إبراهيم غليون. (يونيو, 2007). شكالية الأزمة العربية، التاريخ ومظاهر الحلول، حوار أدلى به إلى مارك حامدي. مجلة الرافد الإماراتية، 118 .

العيسى بثينة. (4 سبتمبر, 2014). الرواية نتلقى منها المعرفة بقوّة التجربة لا المنطق، مقابلة مع مغير ة الهويدي، صحيفة القدس العربي.

إيفا إيلوز. (2022). نهاية الحب، سوسيولوجيا العلاقات السلبية  ، ترجمة جلال العاطي ربي،. مصر: صفحة للنشر والتوزيع، 2022، ص 71

عبد السلام، بنعبدالعالي. (6 نوفمبر, 2005). في عالم الوسائط،  صحيفة الحياة. 06/11/2005.

الإحالات


[i] –  مصطلح من اللغة اليونانية ويعني ” المخدر ” أو السم، ومنه اشتق  pharmacologie-  علم يدرس مفعول الأدوية. فيشبه وسائل الإعلام بمثابة الدواء الذي هو عبارة عن تركيب كيماوي تكمن منافعه في أضراره.  أنظر:

Bernard Stiegler :De la pharmacologie. Entretien accordé à Emmanuelle Antonelli, Consulté le 04/02/2012. https://urlr.me/KFrLQ

[ii] –  هذا ما أكده   Alexander Nix، المدير السابق لمؤسسة كامبريج أناليتكا، التي حُلَّت في 2018، بعد فضيحة الانتخابات الأمريكية التي أوصلت دونالد ترامب إلى البيت الأببض. أنظر:

Sonia bressler, op, cité

[iii] – يمكن أن نذكر على سبيل المثال أن الجزائر استوردت 24.556. 400 حقنة إلى غاية 10 أكتوبر مثلم2021، وخصصت المراكز الطبية، والمساجد، والمدارس لحقن المواطنين إلا أنه لم يستجب سوى 10 % منهم فقط.  أنظر:

OMS-Algérie ( 12 octobre 2021) : L’Algérie vaccine 10 % de la population générale contre la COVID-19, Consulté le 4/1/2024.https://www.afro.who.int/fr/news/lalgerie-vaccine-10-de-la-population-generale-contre-la-covid-19

[iv] – يمكن أن نذكر على سبيل المثال، ما أكده عثمان عيدان، طبيب الإنعاش، في مستشفى محافظة البويرة بالجزائر، في قوله “إن خسرنا معركة التلقيح فالسبب يعود إلى الميديا الاجتماعية. فالمعلومات التي يتم تداولها عبرها  تنتشر بسرعة فائقة أكثر من المعلومات والنصائح التي يسديها الأطباء وتنشرها المجلات المتخصصة. أنظر:

Safia Ayache:  ( 27 décembre 2021 ) En Algérie, la défiance de la population ralentit la campagne vaccinale, Le quotidien Le Monde

[v] –  للاطلاع أكثر على التغيير في طبيعة الاتصال لدى الشباب الجزائري- أنظر:

نصر الدين لعياضي ) جوان 2022 (: محاولة دراسة الاتصال في المجتمع الجزائري:  بعض المشاغل الابستمولوجية في البيئة الرقميّة ، مجلة الزّهير للدراسات والبحوث الاتصالية والإعلامية المجلد2/ العدد3 ص7-33

[vi] –  حسب الباحثة ريتا كافليكا، ثلث النساء العربيات يظهرن في الميدا الاجتماعية بهويتهن الحقيقية – أنظر:

[vii] – كلمة مشتقة من العبارة اللاتينية complexus  ، والتي تعني التفكير فيما هو منسوج أو في الشيء الذي تتداخل عناصره. أنظر:

Journal of Medical Internet Research; Vol 23, No8. Consulté le 10/1/2024. doi: 10.2196/27944

Ousama Bouiss.(2 Janvier, 2019). Dix principes pour penser dans le “monde complexe” d’Edgar Morin . latribune.  Consulté le 29 decembre 2023.https://www.latribune.fr/opinions/tribunes/dix-principes-pour-penser-dans-le-monde-complexe-d-edgar-morin-80254

مساءلة الميديا، المكتبة الرقمية، يناير 2025 على الرابط

urlr.me/JY9fn6

ما وراء الترفيه: الهويّة الخطابيّة والمسلسلات التلفزيونيّة*

Beyond Entertainment: Discursive Identity and Soap Opera

                                                     نصر الدين لعياضي

                        alayadi2014@outlook.com

Abstract:

This study attempts to discuss the relationship between discursive identity and television soap operas. To this end, it has highlighted the difficulties encountered in defining the concept of identity, which has provoked much controversy, particularly in the light of the globalization of culture. For this reason, I reviewed some telenovelas; American and Turkish soap operas in order to reveal the discursive identity they convey. And I used empirical research that studied the forms of reception of soap operas across cultures, and the forms of negotiation carried out by the viewer in the Arab region, whose narratives, constitute a platform for discussion about his identity.

Key words

Identity; social identity; cultural identity; national identity; discursive identity, Saop Opera; reception; appropriation; logotherapy

ملخص:

تحاول هذه الدراسة أن تناقش العلاقة بين الهويّة الخطابيّة والمسلسلات التلفزيونية. ولأجل ذلك أبرزت الصعوبات التي واجهت تعريف مفهوم الهوية الذي أثار الكثير من الجدل، خاصة في ظل عولمة الثقافة. واستعرضت بعض المسلسلات التلفزيونية الأمريكية والتركية ومن أمريكا اللاتينية قصد الكشف عن الهوية الخطابية التي تنقلها. واستعانت ببعض البحوث الأمبريقية التي درست أشكال تلقّي المسلسلات عبر الثقافات، وأشكال التفاوض التي يجريها المشاهد في المنطقة العربية مع سرديتها التي تشكل أرضية للنقاش حول هويته. 

الكلمات المفتاحية: الهويّة، الهويّة الوطنيّة، الهويّة الاجتماعيّة، الهويّة الثقافيّة، الهويّة الخطابيّة،  المسلسل التلفزيونيّ، التلقّي، التملك، العلاج بالمعنى

المقدمة:

منذ أن انطلقت دراسة العلاقة بين وسائل الإعلام والهويّة في ثمانيات القرن الماضي والجدل قائم بين المنتمين إلى نظرية التبعية والمدرسة النقديّة، من جهة، الذين يؤمنون بأن المواد الإعلاميّة والثقافيّة المختلفة، التي تبثّ عبر مختلف وسائل الإعلام العالمية المسيطرة، تعمل على عولمة الثقافة وإحداث التجانس الثقافي بين الشعوب[1]. وبين من يعارضونهم، من جهة أخرى، الذين يعتقدون بأنّ العولمة لا تؤدي إلى تنميط ثقافة شعوب العالم وصهرها في هويّة واحدة كونيّة، بل بالعكس، يرون أنها تشجع الانطواء على الذات الثقافية، وتعزّز التعبير عن الهويّات الوطنيّة، وأن المواد الثقافيّة تظلّ تحمل تمثلات لهويّات منفردة ) 2012 Boisvert, (.

وعلى الرغم من أن الحسم في هذا الجدل لا يتحقّق دون تقييم عملي للسياسات العموميّة الوطنيّة في المجال الثقافي، والكشف عن تطور أشكال الممارسة الثقافية المحليّة، إلاّ أن البعض فصل فيه انطلاقا من تصور جاهز لخصائص الوسيلة الإعلاميّة ومنتجاتها التي تملك قوة محايثة يمكن أن تُستشف من تحليل مضمونها فقط. ومن هذا التحليل يستنتج تمكّنها من تشكيل هوية المشاهدين المدمنين على ” استهلاكها”. وبهذا تصبح مسألة بناء الهويّة عملية آلية وتحصيل حاصل. هكذا، يضعنا هذا الجدل أمام الاختيار التالي: إما القبول بتعريف للهويّة كمعطى ساكن ومغلق على ذاته ومكتمل البناء أو في حالة هشّة وضعيفة تمسحها المواد الإعلاميّة والثقافيّة التي توزعها المؤسسات الإعلاميّة الدوليّة، وتعيد تشكيلها من جديد مثلما تشاء.

سنحاول أن نساهم في هذا الجدل انطلاقا من تصور مغاير للعلاقة بين وسائل الإعلام ومنتجاتها – المسلسلات التلفزيونيّة تحديدا. فلا ننظر للهويّة انطلاقا من وسائل الإعلام، بل ننظر لوسائل الإعلام من زاوية الهويّة) , 1987, P219-264 Schlesinger (، التي تتسم بقدر كبير من التركيب والتعقّد والتنوع. إن هذا التصور ينأى عن المسلمة التي تنص على أن المسلسلات التلفزيونيّة تبنى الهويّة الوطنيّة والثقافيّة لما تملكه من سحر وجاذبيّة. وهذه النظرة تدفعنا إلى قراءة الخطابات عن الهويّة كما تتجلى في المسلسلات التلفزيونيّة أو ما تسمى “الهويّة الخطابيّة” ) 2012 Boisvert, (  انطلاقا من هوية المتلقين. . ولأجل ذلك نرى ضرورة تجاوز المقاربة السياسو-أيديولوجية، التي أثرت على دراسة العلاقة بين وسائل الإعلام والهويّة، والاقتراب من منجز الدراسات ذات المنحى الانتربولوجي والثقافي التي تقرّ بأن فاعلية الهويّة الخطابيّة المتلفزة تتوقف على ثراء عملية التأويل والتفاوض؛ بمعنى أن المشاهدين لا يستلمون هذه المادة كاملة وبشكل متطابق مع ما يقصده منتجها وموزعها، بل يفاوضونها: يرفضون بعض السلوك والأفكار، ويتقبلون بعضها الأخر، بعد تأويله انطلاقا من هوياتهم الديناميكية، ويتملّكونه؛ أي يخضعونه لتصورهم لهويّاتهم، ويكيّفونه مع واقعهم.[2]  إنه المنجز الذي يشق طريقه إلى دراسة الجمهور بمنأى عن الثنائيّة التبسيطيّة: جمهور ثوري في قراءته للخطاب الذي تتضمّنه المسلسلات التلفزيونيّة ومقاوم له أو ساذج، إن لم يكن بليدا، ينقاد بسهولة لهذا الخطاب ويعجز عن محاورته. 

إذا، سنحاول الكشف عن أشكال بناء موضوع الهويّة في خطاب مسلسلات أمريكا اللاتينيّة والمسلسلات الأمريكيّة والتركيّة التلفزيونيّة على ضوء السياقات التاريخيّة والسياسيّة والاجتماعيّة لإنتاجها وتلقّيها.

في مفهوم الهويّة

لعل الهويّة من المفاهيم القليلة التي لا تدرك إلاّ في علاقتها بجملة من المفاهيم، مثل التاريخ، والذاكرة والأنا، والـ “نحن”، والغيرية، والوساطة Médiation ، والأمة، والإرث، والتمثّل، والجماعة، والمتخيّل الاجتماعي، والأصل والتواصل. لذا فإنها تنتمي إلى حقول معرفية مختلفة، مثل: الفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع والانتربولوجيا، والعلوم السياسيّة، وعلوم الإعلام والاتصال. لذا يقرّ الكثير من الباحثين والفلاسفة صعوبة تعرّيفها، إذ راح كل واحد منهم يعرّفها انطلاقا من الزاوية التي يطل منها عليها.  فــ “جويل كاندو”، على سبيل المثال، ينظر إليها من زاوية علاقتها بالغيرية، ومن طابعها غير المكتمل، إذ يؤكد بأنها ” بناء اجتماعي في تغير دائم ينحو على نحو من الانحاء من حال إلى حال في إطار علاقة بالآخر) كانجو، 2009، ص 3). وعلى هذا الأساس نرى أنّ الهويّة هي ما يٌعرّف بنا، ويميّزنا عن الآخر. فالهويّة والغيرية مفهومان يحيل كلاهما إلى الأخر ( ,2009 Badie ). وينظر محمد عابد الجابري، من جهته، إلى الهوية من زوايا متعددة منها: الوعي والتاريخ والحاضر، إذ يرى ” بأنّها وعي يتحرك داخل التاريخ الذي لازال حيًّا في النفوس أو صار كذلك بعد طول غياب: يفعل فيها فعله، تستنجد به وتستلهمه كلما كان هناك شعور بالحاجة إلى ذلك” (الجابري، 2010).

يحيل هذا التعريف إلى جانبين أساسيين في الهويّة، الأول يتعلق بمسألة الوعي، بمعنى أن الهويّة ترتكز على معيار الانتماء الواعي إلى جماعة أو أمة أو وطن، وهذا خلافا للثقافة التي تدل على مسار من الاستبطان اللاشعوري للسلوكيات والتدابير. والتاني يتعلق بمسألة بارتباط الهويّة بالحاضر على الرغم من صلتها بالماضي الذي لا يريد أن يمضي، والقابع في الذاكرة “التي تعدّ، في أخر المطاف، إطارا أكثر مما هي محتوى، ورهانا جاهزا تكمن قيمته فيما نفعل به أكثر مما يتضمّنه (80 Nora, 1984, P).

والنزاع الذي شاب ويشوب حول الهوية في أكثر من منطقة في العالم لا يرتبط بالماضي في الغالب، بقدر ارتباطه بما يمثل هذا الماضي في الحاضر وما يهيئه للمستقبل. وهذا يفسر جزئيًّا تجدّد مفهوم الهوية عبر مساره التاريخي. ففي هذا الإطار يرى الباحث” هارلمبس وهولبورن (ص  95-96) .إنّ موقع  المرء في السلم الاجتماعي هو الذي كان يحدّد هويّته في عصر ما قبل الحداثة وليس خصائصه الفرديّة، لكن مفهوم الهوية تغير بدءا من القرن 16 بعد رسوخ الاعتقاد بأنّ لكلّ فرد هويّته المنفردة والمتميزة عن غيره، ولا يمكن تجزئتها إلى وحدات صغرى. ومع مطلع القرن التاسع عشر، وفي ظل الثورة الصناعية وانتشار حركة العمران، لم يعد النظر إلى الفرد انطلاقا مما يميّزه عن الآخرين، بل ضمن ما يجمعه مع كتلة بشرية تداخلت العلاقات بين أفرادها واختلطت آرائهم ومعتقداتهم. فأمست هوية الفرد مرتبطة بطبقته الاجتماعية أو مهنته أو بأصوله. وبعد ظهور القوميات اتكأت الدولة-الأمة على الشعور بالانتماء إليها من أجل تعزيز التضامن بين أفرادها بصرف النظر عن مهنتهم وعرقهم ودينهم. واكتسب هذا الشعور التماسك والانتظام والاستمرارية الذي تتسم به الهويّة الوطنيّة أو القوميّة.

إذا، يتسم مفهوم الهويّة بالخصوبة والاتساع إلى درجة أنه يصعب حصر كل أبعاده. الصعوبة التي جعلت عالم الاجتماع “ماكس ويبر” يشكك في دقته، إذ أكد بأن ” الهويّة من وجه نظر سوسيولوجية ليست سوى الحالة التي عليها الأشياء، حالة نسبية وعائمة ” } نقلا عن (2004, p 234 Etienne et autre,  ){

لم يتعرض مفهوم الهويّة عبر مساره التاريخي إلى الخلاف بالقدر الذي تعرض له في ظل العولمة وما واكبها من شعور بالخوف، المتفاوت بين الدول، على فقدان شخصيتها وخصوصيتها. الخوف الذي يبرره “ستيورت هول” بالقول: ” تميّزت المجتمعات الحديثة كثيرا بوجود الهويّات الجزئيّة، فلم يعد بوسع الناس امتلاك فكرة موحدة عن هويّتهم. إنّهم يمتلكون العديد من الهويّات التي تكون في أحيانا متعارضة وملتبسة } نقلا عن (وهولبورن، 2010، ص 97) {

يوحي هذا التعريف، ضمنيًّا، بعدم وجود هوية واحدة ووحيدة في المستقبل تتماهي فيها كل الشعوب والأمم فتخرج البشرية من وضع} ” الهوية – سجن” إلى الهويات السائلة” }.[3] وفق استعارة عالم الاجتماع زجمنت بومان؛ ونعتقد أن صفة السيولة ليست كناية عن بروز الهوية في البيئة الرقميّة، بقدر ما هي دلالة عن هشاشة الهويّات في عصر ما بعد الحداثة نتيجة لهشاشة الروابط الإنسانيّة.

بالفعل، إن الهويّة ليست معطى صلبا ومنغلقا على ذاته، بل مسارا من المزيج المتحول الذي يتجسد عبر أدوات اجتماعيّة وثقافيّة.  وإن كان الفلاسفة يجنحون للحديث عن الهويّة بصفة مجردة وفي المطلق، فإنّ بقية التخصصات المعرفيّة لا تتطرق إليها إلا من خلال صفتها: الفرديّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، والافتراضيّة، وأخيرا الخطابيّة.

فالهويّة الفرديّة هي ما يُمكّن الفرد من الوعي بذاته) بدنه، معارفه، آراءه ومعتقداته، ومواقفه، وسلوكه وقدراته(  والتي يدركها، بهذا القدر أو ذاك، من الوضوح في الممارسة والاحتكاك بالغير؛ أي أنه يعي ما يشبّهه بالغير وما يميّزه عنهم. والوعي المتجدّد بالذات المتغيرة هو الذي حذا بميشال فوكو إلى القول: ” إن طريقتي في ألا أكون الشخص ذاته هي تحديدا الجزء الأكثر تفردا في الـ “أنا” التي أملكها } نقلا عن (2011, p 11 Perraton,  ){ لكن تشكيل الهويّة الفرديّة يتم في إطار شعور مزدوج ومتعارض كما عبر عنه “باتريك شرودو”، المختص في تحليل الخطاب، بالقول: ” كل فرد بحاجة إلى الآخر المختلف للوعي بوجوده، لكنه يظل حذرا من هذا الآخر لأن “المختلف عن، يُعادل الأقل من” ، لذا يشعر بالحاجة إلى رفضه من جهة أو إلى جعله شبيها له من أجل إلغاء هذا الاختلاف واقصائه” Charaudeau,2009  ) (.

ومهما كانت صفة الهويّة، فإنها تبدو وكأنها مشروع شخصي يتحدّد دائما بعوامل خارجية، منها السياق الاجتماعي والثقافي، ويتجسد بالتفاعل مع الجماعة، فيكتسب طابعه الاجتماعي (Dyoniziak, 2017) . وهنا تكمن الصلة التي تربط الهويّة الفرديّة بالهويّة الاجتماعيّة التي تعرف ” بأنها بناء ذهني، بمعنى فضاء سيميائي تدرك فيها الوحدة الاجتماعيّة ذاتها وتدرك الآخرين، وتكون هي ذاتها جزءا من الكلّ الاجتماعي أو المجموعة” ( Dyoniziak , 2017 ).

إذا كانت الهوية الوطنية- القومية- والثقافية تشتركان في كونهما عبارة عن تمثل اجتماعي فإنّ حدودهما يختلفان، فالأولى تحيل إلى إقليم وحدود جغرافية. ودون الانصراف إلى شرح ” عبقرية المكان” يمكن القول إنّ المكان يملك أهمية كبرى في تحديد الهويّة إلى درجة أن العالم السيميائي “ولتر مينولو” جعل من ” أنا موجود في المكان الذي أفكر فيه” بديلا لمبدأ الكوجيتو الديكارتي ” أنا أفكر إذا أنا موجود”  } نقلا عن (2019, p 51-66 Boudreau){. فالمكان من منظور بيار بورديو ليس حيزا فيزيائيا تتموضع فيه الأشياء والأعوان فحسب، بل موقع أيضا من وجهة نظر علائقية يحدّد الموضع والمكانة في نظام ما  (Bourdieu,1993,p250  ).

وتحيل الهويّة الثانيّة إلى عالم رمزي يجسد القيم والاقتناعات والسلوكيات والتصورات التي تملكها مجموعة بشرية دون أن يكون لها ارتباطا محددا بإقليم معين تُشخص به. لكن يمكن للمرء أن يملك هويّة وطنيّة ذات معالم سياسيّة واضحة: دولة ذات سيادة على حدودها الإقليمية بحكومتها، وينتمي في الوقت ذاته إلى هوية ثقافية برموزها التي تتعدى حدود هذه الدولة. وهنا يتجلى تجزؤ الهويات إن لم يكن تراكمها وتعقّدها. فمرجعية الهوية الوطنية هي الأمة، التي هي في حقيقة الأمر بناء خطابي، يقول عنها ” بندكت أندرسن”  )  2009، ص 28 (بأنّها متخيّلة، يتصورها المرء فينتمي إليها دون أن يعرف أفرادها أو ينتسب إليهم برابط طبيعي- علاقة الدم- لكنه قادر على تخيّل الرابط الذي يجمعهم. ” وكونها متخيّلة لا يقلّل من انتمائه إليها، بل بالعكس ربما يضطره التخيّل أو تضطره ضرورة التخيّل إلى تقوية وشحذ هذا الانتماء بخيال أرفع وبوسائل أرقى”. ويؤكد بأنّ الأمة المتخيّلة لا تعني أنها خيالية ومنفصلة عن الواقع لأن تخيّلها يتم بأدوات واقعيّة. 

وعلى الرغم من التجانس الظاهر الذي يميّز الهويّة الثقافيّة إلاّ أن هذا لا ينفي تنوعها. فحاملوها متعددون في النوع ) ذكور، وإناث(، وفي المهن، وفي الانتماء إلى طبقات اجتماعية، وفي المعتقد الديني، وفي الانتساب إلى الأوطان، مثل الهويّة العربيّة أو الأمريكية أو الهندية، أو متعددو اللغات والأعراق، مثل الهوية الإسلامية أو المسيحية أو البوذية.

يُعرّف البعض ، مثل “كريستان بواري”  الهويّة ” بأنها حصيلة الخطاب الذي من خلاله نتمكن من بناء وحدة ذات مغزى لذاتنا وللجماعة التي ننتمى إليها. } نقلا عن (2012 Boisvert,  ){.

تجدّد مفهوم الخطاب عبر التاريخ ولم يعد يقتصر على النشاط السيوسيو لساني الذي يتجسد في القول أو الرسالة أو نصّ أو مجموعة من النّصّوص فحسب، بل أصبح يشمل النظام المنتج لها. فالخطاب هو شكل من الفعل على الغير الذي يجاوز مستوى التمثلات وفق ما أكده فلاسفة اللغة، مثل جون روجرز سيرل، وجون لونغشو أوسن في ستينات القرن.

إذا، تأسيسا على كل ما سبق يمكن التأكيد، مرة أخرى، على الطابع المركب والمعقد للهويّة والذي يمكن أن نقترب منه على المستويين: الأفعال والممارسات التي يمكن أن نلاحظها في السلوك والتدابير اليومية) الهويّة الاجتماعيّة(، والخطاب الذي يحملها ) الهويّة الخطابيّة(، وقد شخّص باتريك شرودو) Charaudeau,2009  (  العلاقة بينهما بالقول أن الهويّة الخطابيّة تنشط الهويّة الاجتماعيّة تارة، وتحجبها طورا، وتزيحها من موقعها إلى موقع آخر في بعض الأحيان. ويرى أن ما يميّز الهويّة الخطابيّة يكمن في كونها نتاج الذات المتكلمة التي ترتهن للمصداقية، مثلما يرتهن إليها “الإيتوس”” Ethos.

  الهويّة والتلفزيون:

دُرست الهوية وفق الأبعاد الأربعة التالية: الفرد، والجماعة، والمجتمع أو الوطن) خاصة بعد تصاعد حركات التحرر من ربق الاستعمار في ستينات القرن الماضي وسبعيناته( والكون. وغني عن التأكيد أن هاجس الهويّة احتد في بلدان أوربا الغربية بعد إقدام الكثير منها على إعادة التنظيم القانوني لقطاعها السمعي البصري، منذ ثمانينات القرن الماضي، وذلك لدواعي اقتصادية أكثر منها ثقافية، وما نجم عنه من تراجع في الخدمة العمومية في القطاع الإعلامي. وهذا ما أدى إلى تزايد الاهتمام السياسي والعلمي بموضوع الهوية في الفضاء الميدياتيكي ليشكل البعد الخامس.

يتجلى من خلال البعد الخامس أن الهوية هي مسار مبني ويُبنى في الوقت ذاته من خلال الخطابات التي تعزَز الوعي بالانتماء إلى ” الجماعة المتخيّلة”، وعبر أنماط التواصل المتوفرة في المجتمع، خاصة التلفزيون. لكن هل يشعر المشاهدون حقا بمساهمة التلفزيون في بناء هويّتهم؟ في إجابتهم عن السؤال التالي: ماذا فعلتم ليلة أمس؟  يتحدث الكثير منهم بنوع من تأنيب الضمير قائلين: لا شيء، لقد شاهدنا التلفزيون فقط، وكأن هذه المشاهدة هي مضيعة للوقت لا غير )  Gauntlett and Hill, 1999, p119  (. هل لهذه الإجابة علاقة بتأثيم الفرجة أو المتعة الراسخة في ثقافة بعض الشعوب؟

تعامل الباحثون الاجتماعيون، في أوروبا اللاتينية مع التلفزيون بالمنطق ذاته، إذا أدرجوه في خانة الثقافة” غير المشروعة” مقارنة بتلك المرتبطة بالنمط المكتوب الذي يعتبر ثقافة راقية[4]. وللتكفير عن هذا الذنب، قد يقول بعضهم تابعت الأخبار المتلفزة، للدلالة ضمّنيًّا على أهمية هذا النشاط. لذا تم التركيز علي الإعلام المتلفز الذي يجري في الواقع اليومي، ويتسم بطابع الجِدَّة أكثر من المواد الدرامية المتلفزة التي تجنح في الغالب إلى الخيال من أجل التسلية والترفيه. ويوفر الإعلام المتلفز للأشخاص ” شبكات قراءة متجانسة تسمح لهم بالحكم على الواقع انطلاقا من المرجعيات ذاتها. ويُنشط بشكل يومي الشعور بالانتماء إلى المجموعة”. (Monière، 2002).

إن الحكم على دونية المنتج التلفزيونيّ، والمسلسلات التلفزيونيّة تحديدا، لم يدم طويلا، إذ اكتشفت الباحثة فلورانس ديبو { نقلا عن )  ميغري، 2018، ص 287 ( } أن هذه المسلسلات لا تكفّ عن تكرار وتعديل سردياتها التي تعيد الصلة بالثَّقافة الشفهية. فلا شيء أقرب اليوم إلى بُنَى الأوديسة من مسلسل دالاس Dallas التلفزيوني، على سبيل المثال.

خطاب الهويّة في المسلسلات التلفزيونيّة:

Iالتلينوفا[5] Telenovela: ترميم الذاكرة لمواجهة المستقبل

يتفق جلّ مؤرخي وسائل الإعلام على أن أصل المسلسلات التلفزيونيّة أمريكي. لقد ظهرت في ثلاثينات القرن الماضي، عبر البث الإذاعي بتمويل من صناع مواد التنظيف وتجارها، لذا سميت الأوبرا الصابونية Saop Opera . وكانت تستهدف ربات البيوت. وانتقلت إلى أمريكا اللاتينية في أربعينيات القرن ذاته، عبر كوبا، التي كانت تملك آنذاك أكبر عدد من أجهزة الراديو. وانتقلت هذه المسلسلات في البلد ذاته إلى التلفزيون في خمسينات القرن الماضي، ثم شرعت بقية بلدان أمريكيا اللاتينية ) المكسيك، وكولمبيا، وفنزويلا، والأرجنتين، والبرازيل( في اقتباس مسلسلاتها الإذاعية لبثّها عبر شاشة التلفزيون ) and Rêgo,2019, P135-150    Jedlowski ( ثم انتقلت إلى بقية بلدان العالم في افريقيا وأروبا وآسيا.

يختلف الناقد «تينر ميرليس) , 2013, p 203 Mirrlees ( مع هذا الرأي و يرى أن أصل “التلينوفلا”  كوبي ، وأن صناعها توزعوا على بلدان أمريكا اللاتينية بعد الثورة الكوبية. ودليله على ذلك أن مخططها السردي يتسم بانغلاقه وبنهايته السعيدة ( Happy end ) ويشمل على ما بين 75 و150 حلقة  لتتسنى  مشاهدتها بشكل طقوسي. وهذا خلافا للبنية السردية للمسلسلات الأمريكية التي تكون نهايتها مفتوحة، ويتابعها المشاهد على فترة طويلة) استمر بث مسلسل البيت الصغير بين المروج   Little House on the Prairie على على قناة NBC الأمريكية لمدة تسع سنوات! (. ولا تتوج المسلسلات الأمريكية بحل للنزاعات الدرامية التي تعرضها. وإن كانت ” التلينوفيلا” تشترك مع المسلسلات الأمريكية في بعض الموضوعات إلا أنها تتسم بالمزاح، والرومنسيّة) حكايات الحب بين أبناء الأثرياء والفقراء(، والقصص الميلودراميّة،  وبالمخزون التاريخي الذي يؤطر المسلسلات البرازيليّة على وجه التحديد.

تعتبر “التلنوفيلا” أداة التعبير الفضلى في أمريكا اللاتينية التي تغلغلت في أوساط مختلف الفئات الشعبية مقارنة بالمسرح والسينما والرواية نظرا لارتفاع نسبة الأمية وانخفاض القدرة الشرائية لقطاع واسع من السكان. وبدأت تتجدّد بعد زوال الأنظمة الديكتاتورية لتلامس الواقع أكثر فأكثر بعد استعانتها بالروائيين المشهورين، أمثال الكاتب “ماريو بنديتي” من الأورغواي، و”خورخي يوسا” من البيرو وكل من “جورج أمادو”، و”غالسيانو رموس” من البرازيل. وساهمت في ترميم الذاكرة جراء الحكم الديكتاتوري، ومعالجة مخلفاته السياسيّة والاجتماعيّة الاقتصاديةّ في ظل الانتقال الديمقراطي، مثل  الفساد والرشاوي في أوساط السياسيين واستغلال النفوذ ، ونشاط المافيا وتبيضها للأموال، الإدمان على الكحول والمخدرات، وتردي القطاع الصحي وتفشي الأمراض مثل الإيدز،  والعنف في الحواضر وغيرها. ويستدل النقاد )      Araceli Ortiz et Asbel,  1999, p 43-45   ( على ذلك بالمسلسل الكولومبي  ” La mujer del presidente  ”  ” زوجة الرئيس”، والمكسيكي ” Nada personal” ” لا شيء شخصي”، والفنزيويلي ” o restas calles” وعبر هذه الشوارع” الذي يحكي فيه عن سقوط  رئيس مرتشي، والبرازيلي”  O  Salvador  da  Patria”  ” يا منقذ الوطن”، الذي يعتقد أنه ساهم في فوز الرئيس “لويس إيناسيو لولا” في الانتخابات الرئاسيّة ، والمسلسل الأرجنتيني ” مونتي كريستو ” ) المقتبس من رواية الكاتب الفرنسي “ألكسندر دوما” الذي يحكي فصولا من الحب والثأر(.

قامت الباحثة ” إيميلي سيسياكا”) Sciacca, 2006 ( بالتحليل الخطاب اللساني لهذا المسلسل واستنتجت بأن إعادة بناء الذاكرة وتملّكها عملية شاقة ومؤلمة أحيانا تتطلب التذكر والنسيان الضروري في الوقت الذي تستعيد فيه الأرجنتين موقعها في الساحة الدولية. فالممثلون في هذا المسلسل لم يستطيعوا الانفلات من ذاكرتهم الثقافيّة، حسب هذه الباحثة، وخطابهم لا يعكس الواقع بقدر ما يقوم بنمذجته من خلال إنتاج إيديولوجيا تتجاوزهم، وذلك لأن الأيديولوجيا نظام من التأويل، وشكل من الالتزام السياسي الذي يميل إلى رؤية الواقع من وجهة نظر معينة وفق منظور واحد.) Etienne et autres, 2004, P278 (.

لقد جعلت السلطات العسكرية من وسائل الإعلام، وعلى ٍرأسها التلفزيون، أداة فاعلة للاندماج الوطني والانصهار الثقافي، فقدمت إعانات مالية للمواطنين لامتلاك أجهزة التلفزيون. ومارست الرقابة على الأخبار. ودفعت المسلسلات التلفزيونية لتبرز المجتمع منسجما ومندمجا واعتبرته شرطا أساسيّا لتماسك الأمة. لذا نجد أن المشاكل الاجتماعية والنفسية وحتّى السياسيّة التي تتناولها ” التلينوفيلا” ذات رهانات فردية أو عائلية، والتي يطل من خلالها المشاهد على العالم الذي يزداد تعقّدا. إنها لا تعالج مباشرة مشاكل التفاوت في توزيع الدخل بين مختلف شرائح المجتمع في بلدان أمريكا اللاتينية بل يستطيع المشاهدون إدراكها من خلال نمط معيشة الممثلين في المسلسل، وفي لغتهم )  Khor, 2017 (.

يتسأل لويز مرتينو )  ( 1997, p 169-175 : كيف نخترع هوية وطنية في البرازيل، البلد الذي لم يملك تقاليد ساعة إعلانه عن  قيام الجمهورية في 1889 ) لأن السكان الأصليين ذوي التقاليد أُزِيلوا( ، وفي ظل غياب اللغة ) البرتغالية لغة المستعمر(، وعدم وجود عرق واحد ) يوجد مزيج من الأعراق(؟يجيب عن هذا السؤال بالقول أن الموسيقى والأغاني الشعبية كانت الحامل الأساسي للهويّة البرازيليّة حيث أتاحت تبادل الآراء ومناقشة الأسئلة الاجتماعيّة، و حلّت ” التيلينوفيلا”، التي أزداد عدد متابعيها من مختلف الشرائح الاجتماعية والأعراق والمشارب الثقافية بعد تأسيس شبكة التلفزيون “غلوبو”، محل الموسيقى والأغاني. لقد سمحت بالانتقال من حالة الجماعة إلى المجتمع، بل جعلت هذا الأخير مرئيًّا ومسموعًا. يكتشف ذاته ويعبر عن طموحاته. 

للتأكيد على أهمية “التلنوفيلا” في حياة البرازيليين تشير “إلينا فريرا” وأخرون ( and all, 2008 La Ferrara ) إلى أنه على الرغم من عدم اتخاذ الحكومة البرازيلية أي سياسة لتحديد النسل، وحرمت الإعلان عن طُرق منع الحمل عبر مختلف وسائل الإعلام، إلا ّأن نسبة الخصوبة في المجتمع البرازيلي تراجعت بشكل كبير خلال السنوات الأربعين الماضية. لقد انخفضت من 6,3 في 1960 إلى 2,3 في 2000. وترى أن لتراجع هذه النسبة علاقة ب” التيلينوفيلا” حيث كشف تحليل مضمون 115 مسلسل تلفزيوني بثته قناة “غلوبو” التلفزيونيّة ، خلال الفترة الممتدة من  1965 إلى 1999 وتابعته مختلف فئات المجتمع البرازيل على أن 72 %  من الوجوه النسوية الأساسية في هذه المسلسلات من اللواتي يبلغن 50 سنة أو دونها لم يلدن، وأن 21 % منهم لديهن طفل واحد.

II-المسلسلات التلفزيونيّة الأمريكيّة: ” وداعا للأخلاق”

تظلّ الأفلام والمسلسلات الأمريكيّة التي اجتاحت القنوات التلفزيونيّة العالمية تعبر، بهذا القدر أو ذاك، عن السياق الاجتماعي والثقافي الذي عاشه ويعيشه المجتمع الأمريكي. هذا ما يؤكده الكاتبان ولتر غيمنز وجورج غوردن )  2006, p30-32 ( من خلال رصدهما  لتطور صورة الأسرة الأمريكيّة، على سبيل المثال، كمكون أساسي للهويّة الخطابيّة في المسلسلات الأمريكيّة.  لقد أكدا بأن الأسرة الأمريكيّة تبدو متخيّلة ومثاليّة في المسلسلات الأمريكيّة منذ أن شرع التلفزيون الأمريكي في البثّ. ولم تظهر على ما هي عليه في الواقع. ويستشهدان في ذلك بالمسلسلات الكوميديّة، مثل: “الأب أعلم” Father Knows Best [6]، و”أترك الأمر لبيفر” [7] Leave It to Beaver، و”مغامرات أوزي وهارييتThe Adventures of Ozzie and Harriet [8]. إنّها المسلسلات التي أنتجت وبثّت في خمسينات وستينات القرن الماضي، والتي ظهرت فيها الأسرة الأمريكيّة من الطبقات الوسطى ذات البشرة البيضاء ولم تلد سوى ولدين، وتعاني من المشاكل البسيطة والصغيرة التي تعترضها في الحياة الزوجية وتربية الأطفال. ولم تتطرق هذه المسلسلات قط إلى الجوانب المظلمة في حياة الأسرة الأمريكيّة آنذاك، مثل البطالة، والإدمان على الكحول والمخدرات والعنف الأسري. وإن كانت هذه المسلسلات قد رافقت خروج المرأة من البيت إلى العمل، فقد حرصت على أن تقتصر وظيفتها على المهن الثلاث: التعليم، والتمريض، والسكرتارية قبل أن تلتحق ببيت زوجها وتعتزل العمل. أما الأمريكيون من الأصول الإفريقية أو من أمريكا اللاتينية فلم يظهروا في هذه المسلسلات التلفزيونيّة إلاّ في وضعيات دونية رسختها الصور النمطيّة: مغنيين وراقصين، ونادلين، وخدم لدى الأسر الأمريكية البيضاء الثرية، ومهربين وتجار مخدرات. هذا قبل أن تتصاعد حركة الحقوق المدنيّة، في الولايات المتحدة الأمريكية، في منتصف ستينات القرن الماضي فيتراجع بموجبها التمييز الممارس ضدهم، لتتغير وضعيتهم في المسلسلات التلفزيونيّة تدريجيا. 

إنّ الحرص على تقديم صورة مثاليّة للأسرة الأمريكيّة في المسلسلات التلفزيونيّة، وبالتالي للمجتمع الأمريكي خضع لاعتبارين أساسيين، أولهما الإيمان الراسخ بالتأثير القوى للتلفزيون الذي يدفع الأمريكيين إلى تقليد أبطال المسلسلات التلفزيونية في سلوكهم أو تقمص شخصياتهم، وثانيهما استغلال التلفزيون كعامل أساسي في التغيير الاجتماعي وترويج الصورة التي يجب أن تكون عليها الأسرة ومثلها السامية ومن وراءها الولايات المتحدة الأمريكية.

ومع تطور المجتمع الأمريكي تغيرت صورة الأسرة في المسلسلات الأمريكية، وأفضل مثال على ذلك يقدمه مسلسل ” دالاس”[9] ذائع الصيت الذي أظهر الأسرة – أسرة إيونغ- متحدة على الرغم من النزاع الأخوي بين أفرادها، المشكل للَحْمَة السرد التلفزيوني الذي بجمع العمل، والمال، والتنافس، والحياة الزوجية وخيانتها، والإدمان على الكحول. السرد الذي وظف تقنيةcliffhangers  ؛ أي اختتام كل حلقة بحالة من ترقب الآتي لجلب المشاهدين لمتابعة الحلقة القادمة. لقد أصبحت هذه التقنيّة اليوم من كلاسيكيات السرد الدرامي.

 في تحليلهم لهذا المسلسل، يؤكد الكثير من الباحثين} نقلا عن )  Livingstone, 1996, p115-116 ( على المفارقة التي تجسدها شخصية بطل المسلسل “جيار” الذي يمثل الشخصيّة الأمريكيّة الثريّة في مدينة النفط ) تكساس(، فمن جهة يشدّد على ضرورة  الالتزام بالأخلاق التي تحكم الأسرة  بكل ما تتطلبه من ولاء وصدق واستدامه. ومن جهة أخرى يركز على نفوذ الفساد الأخلاقي في المنظمات والشركات والمال الذي تجعل من هذا البطل شريرا يبرّر أفعاله غير الأخلاقية بالقول أنها ضرورية لضمان السير الحسن للشركة العائليّة) شركة النفط(. لقد رأت الباحثة ” إين أنج” ) 1985,p77 ( أن تصرفات جيار – بطل المسلسل- تكشف على أن السلطة يجب أن تكون مرتبطة بالشر وانعدام الأخلاق بينما الذين يعيشون “حياة “مستقيمة” يحرمون باستمرار من السلطة ويحكم عليهم بالمعاناة”.

هل يمكن القول إن مسلسل دلاس يشكل ” الحلم الأمريكي” الذي صقل الهويّة الأمريكيّة وأصبح يغري قطاعا واسعا من شباب العالم. الحلم الذي أصبح مجروحا بفعل حرب فيتنام التي أحدثت انقساما كبيرا داخل المجتمع الأمريكي في عقدي الستينات والسبعينات. لذا نلاحظ أنه منذ ثمانيات القرن الماضي؛ أي بعد صعود المحافظين الجدد للبيت الأبيض الأمريكي، والأفلام والمسلسلات التلفزيونية تسعى إلى تحرير الذاكرة الوطنيّة من تأنيب الضمير الناجم عن حرب فيتنام، لتنفي بأنها حرب غير أخلاقية وغير عادلة وحتّى عديمة الفائدة. لذا راحت تعيد الاعتبار إلى قدماء محاربي الفيتنام من خلال اقحامهم في أي مسلسل تلفزيوني. فليس من الصدفة أن يكون قائد الشرطة، على سبيل المثال، في المسلسلات البوليسية من محاربي الفيتنام القدماء، يوظف خبراته القتالية التي اكتسبها في خرب فيتنام لممارسة مهمته النبيلة والوقوف دائما في وجه الشر، وبجانب القانون والعدالة) Marjolaine,2004, p. 61-73 (.

في تحليله للمسلسلات الحديثة نسبيا، مثل ديدوود Deadwood  و ديكسر Dexter ، و اختلال ضال Breaking Bad  يستعرض الباحث  “فرنسوا جوست” التغيير الذي طرأ على المسلسلات الأمريكية والذي “زعزع الحدود بين الخير والشر”[10]، وأنتج أشرار جدّد مقارنة بالأشرار في مسلسلات التي بثت قبل أربعة عقود. فأبطال تلك المسلسلات كانوا مثار إعجاب وإغراء لشجاعتهم وللقيم التي يدافعون عنها وفي استماتهم في تطبيق القانون. أما الأشرار الجدّد فلم يولدوا أشرارا بالفطرة، كما تصور الأساطير القديمة الأشرار وتكتفي في الغالب بوصف أفعالهم الشريرة دون التساؤل عن سببها. فالأشرار الجدد ” أُجْبروا” على القتل وارتكاب الجرائم ومخالفة القانون. ففي مسلسل “ديدوود” يتدافع الناس في سباق محموم لاستخراج الذهب في المدينة التي يحمل المسلسل اسمها وتخضع لقانون الغاب، و. ويروي مسلسل “دكستر” التلفزيوني قصة طبيب شرعي متعاون مع الشرطة يتحول إلى قاتل بالجملة المجرمين الفارين من العدالة. وسرد المسلسل التلفزيوني ” اختلال ضال أو الانحراف” حياة معلم مادة الكمياء الذي يكتشف أنه مصاب بسرطان الرئة ولا شفاء منه، فيتعاون مع أحد تلاميذه على بيع المخدرات حتى يضمن مستقبل أطفاله بعد رحيله. كل هذه المسلسلات التلفزيونية تدس في ثنايا سردها ما يوحي بالأسباب التي دفعت أبطالها الأساسين ليصبحوا أشرارا.

إذا، لم تحدث هذه المسلسلات التلفزيونية قطيعة مع ” النهايات السعيدة” وبانتصار القانون فقط، بل وضعت حدا لنهاية للحلم الأمريكي من خلال ” إعادة النظر في أسطورة الغرب والرصد بعدسة مكبرة لتطور الرأسمالية، التي لا تجلب معها مجتمعًا واعيًا بذاته، بل تبرز شخصيات قاسية، مستعدة للقيام بكل الشرور لتأسيس سلطة قائمة على المال” ) ( Jost, 2015, p42.

 يصف السيميائي ” فنسن كولونا” هذه المسلسلات بـ ” اللا أخلاقية” ويربطها التحول الثقافي العام في الكتاب الذي خصه لها بعنوان” وداعا للأخلاق”. وعبارة الوداع هذه لا تعني أن القيم الأساسيّة التي تتحكم في علاقة البشر قد اختفت نهائيا في المجتمع الأمريكي، بل تشير إلى أن الحدود بين الخير والشر قد تزعزعت وأن السلوك الاجتماعي لم يعد يحتكم إلى الأخلاق؛ أي إلى ما لا يجوز، والمباح، بل أصبح يخضع للقانون، الذي يميّز بين المسموح به والممنوع, 2015, p260)  Colonna (. لكن ماذا لو وقع القانون رهينة السياسة، وانعدمت فيه الرأفة الإنسانية وسيطر على كل المجالات ولم يترك مجالا للفرد لممارسة مسؤوليته الأخلاقية؟ الجواب تقدمه هذه المسلسلات التلفزيونية التي تحاول إحياء الفلسفة النفعية التي ظهرت في القرن 18 والتي تقيس قيمة الفعل بآثاره الإيجابية. وبهذا فإنّها تلتحق بجوهر ما دعا إليه مسلسل دالاس، مثلما ذكرنا أنفا.

هكذا يتضح بأن الهويّة الخطابية الأمريكية التي تعبر عنها المسلسلات التلفزيونية تستند إلى الفلسفة النفعيّة.  

-IIIالمسلسلات التلفزيونية التركية: البحث عن التوازن بين الأصالة والمعاصرة.

تنتج تركيا حوالي 100 مسلسلا تلفزيونيًّا في السنة، وتصدرها إلى 156 دولة ليشاهدها حوالي 500 مليون مشاهد في العالم )  ( Khan,2019, P 216- 246 وعرفت هذه المسلسلات اقبالا كبيرا في البلدان التي تملك ماضيا مشتركا مع الإمبراطورية العثمانيّة، مثل ألبانيا، ورومانيا، وصربيا، والبوسنة والهرسك، ومقدونيا ،وكرواتيا، وبلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا  أو تشترك معها في المعتقد الدينيّ مثل  باكستان، وحتىّ في بلدان أمريكا اللاتينية لتنافس بذلك التيلينوفيلا  في عقر دارها ! ومن المحتمل أن يزداد عدد مشاهديها في بقية البلدان بفضل شركة “نتفليكس” التي اشترت 500 ساعة من هذه المسلسلات التلفزيونيّة , 2018) Öztemir (. 

يفسر انتشار هذه المسلسلات الواسع بالعديد من العوامل لعل أبرزها هو الدعم الذي تتلاقاه من السلطات التركية نظير الأموال التي تجلبها للاقتصاد التركي بشكل مباشر. إذ يذكر أن سعر الساعة الواحدة من المسلسل التلفزيوني قفزت من 3 ألاف في 2008 إلى 30 ألف دولار في 2013، وبهذا قدر العائد المالي لما صدرته تركيا من مسلسلات بــ 350 مليون دولار، ومن المتوقع أن يرتفع إلى مليار دولار في 2023 )  .( Khan,2019, P 216- 246 وبشكل غير مباشر من خلال تنشيط قطاع السياحة. واستخدامها كــ” قوة ناعمة” وأداة الدبلوماسية الشعبية Public Diplomacy  )  Bermaki, 2017  (، ورافدا نشيطا للسياسة الخارجية يعرض تركيا كنموذج اقتصادي واجتماعي ناجح في المنطقة. ويبرزها في الساحة الدولية كدولة حديثة وليبرالية قوية ذات تاريخ عريق، كما تعبر عنه المسلسلات التلفزيونية، مثل ” قيامة أرطغرل، و” بزوغ الإمبراطورية: العثمانيون”، و” المؤسس عثمان”، و”عاصمة عبد الحميد الثاني”، وغيرها من المسلسلات التاريخية.

لقد أثارت هذه المسلسلات جدلا كبيرا داخل تركيا أولا، ثم في المناطق التي تشترك معها في التاريخ. والسبب في ذلك يعود إلى أن الأتراك حرموا لمدة طويلة من معرفة حقيقة ماضيهم وتاريخهم حسب الباحثة “رقية تيناس”، التي ترى أن مهمة تعليم هذا التاريخ أوكلت إلى كُتَّاب السيناريو، فأصبحت المسلسلات التلفزيونية كُتبا لدراسة التاريخ ) , 2020 Tinas (. كذلك الأمر بالنسبة للشعوب التي كانت تحت الاحتلال/الحماية العثمانية التي اكتشفت تاريخ هذه الدولة عبر مسلسلاتها التلفزيونية التي تملك القدرة على استرجاع التاريخ، مثلما يؤكد المؤرخ الفرنسي” إونيس درويد ” ؛ أي  أنها لا  تقوم بإحيائه – لأن هذا الأمر مستحيل- بل تجعله حساسا لتصوراتنا المعاصرة. فالماضي لم ينته، بل يظل يتشكّل أمام نظرنا ) , 2012 Deroide (، وهذا التشكل هو الذي يغذى الجدل حول تاريخ تركيا بين أبنائها وفي الخارج.

  يوعز منتجو المسلسلات التلفزيونيّة التركية نجاحها إلى قدرتها على تناول الحياة الحقيقية للمعيش اليومي الذي يتعرف عليه المشاهدون بيسر، وينغمسون فيه. المعيش الذي يُتَبّل بخليط من قصص الغرام، وحكايات العائلة والمال يقدمها أشخاص في غاية الجمال والأناقة يمثلون نماذج اجتماعية ناجحة في الحياة) (ayachi, 2014. وعلى الرغم من أن هذه المسلسلات لم تطرح القضايا السياسية الراهنة مباشرة التي تثير الخلاف بين المشاهدين إلاّ أنها أثارت، ولا زالت تثير، موجة من النقد في الصحافة العربيّة وفي أوساط مشاهديها الذي يشعرون بالقرب منها بحكم التاريخ العثماني والدين الإسلامي فيحكمون عليها انطلاقا من هذه المرجعيّة التاريخيّة والدينيّة. 

تؤكد الباحثة التركية “نيس اوزتمير” أن تداعيات الحداثة كمسار لم تكن ذاتها على كل البنى الموجودة والقيم التي تنتجها، خاصة على بنية الأسرة التي تعتبر قاعدة أساسية للمجتمع التركي. لهذا السبب تولى المسلسلات التلفزيونيّة التركيّة أهمية للأسرة لتشكل مرجعا لفهم خطابها، والذي يحمل قيما اجتماعية وثقافيّة) Öztemir, 2018 ( . فالأسرة التي تعد رمزا للحب والتضامن تشكل النواة الصلبة الهويّة الخطابيّة في المسلسلات التركية. لذا لا يجوز القول بأن مصدر التوتر الذي تسببه هذه المسلسلات سواء في تركيا أو المنطقة العربية يكمن في تأويلها للتاريخ العثماني أو تاريخ تركيا الأتاتوركية ) نسبة إلى كمال آتاتورك (  فقط، بل يرتبط بدرجة أساسية بالأسرة وما تعانيه في مرحلة انتقال المجتمع التركي من النسق التقليدي إلى النسق المعاصر، ممّا يطرح إشكالية التوفيق بين المرجعيّة الإسلاميّة والحضارة الغربيّة.  وهي المعاناة ذاتها التي تتكبدها الأسرة في المجتمعات العربيّة.  فاللحمة السرديّة في المسلسلات التلفزيونيّة التركيّة تدور حول شخصيات متعددة: بعضها تقليدية، وأخرى معاصرة. وصورة المرأة تكون في الغالب ” معاصرة” متعلمة ومتحررة، تناهض النسق التقليدي الذي يتحكم في حياتها، وتتبنى نمط المعيشة الأوروبي.

إن كان بعض النقاد العرب يتسأل هل دفعت المسلسلات التلفزيونيّة التركيّة المشاهد العربي ليعيد اكتشاف تركيا؟ ) على فواز، 2008(، فالأحرى به طرح السؤال التالي: هل يعيد المشاهد العربي اكتشاف ذاته في المسلسلات التركيّة، خاصة عندما يدرك القاسم المشترك بين ثقافته وبعض عناصر الهويّة الخطابيّة التي تحملها هذه المسلسلات، بعيدا عن التاريخ. بالفعل هناك بعض القواسم المشتركة التي تعبر عنها المسلسلات التركية إضافة إلى النظرة إلى الرابط الأسري، مثل القناعة الراسخة التي يعبر عنها القول المأثور: المال لا يصنع السعادة، والأشخاص الجيدون هم الذين يقتنعون بالقليل.” ) (Tanriöver,2007, p64-67 ، والتي تتقاطع مع المثال العربي: القناعة كنز لا يفني، والتي تختلف عن الهويّة الخطابيّة التي تتضمنها المسلسلات الأمريكيّة التي تمجد سلطة المال.

في حوار الهوية مع المسلسلات التلفزيونيّة

من الصعب اعتبار الإنتاج التلفزيوني مجرد مواد إعلامية وتثقيفية وترفيهية تخبر المشاهد بمستجدات الأحداث الوطنية والدولية وتثقفه وتسليه، لأنها تعد أيضا مصدرا هاما من مصادر الخطابات الهوياتية.. لذا تحاول السلطات السياسيّة والاقتصاديّة وحتّى الدينية التدخل في تحديد المحتويات التي تبثها القنوات التلفزيونية من خلال ممارسة الرقابة على مضمونها، وتقليص مدة بثّ كل حلقة إن كان الأمر يتعلق بمسلسل تلفزيونيّ، واختيار يوم البثّ ووقته، إلخ. هذا ما حدث مع المسلسلات التلفزيونيّة التركيّة التي بثتها قناة ” الأم بي سي” مدبلجة باللهجة السوريّة. لقد قامت بـ ” ” تهذيبها” فحذفت بعض المشاهد وبعض العبارات التي ترى أنها تخدش الحياء أو تتعارض مع قيم المشاهد. وحدث الشيء ذاته لمسلسل “دالاس” الأمريكي الذي بثّته مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الجزائري مدبلجا باللغة الفرنسيّة في مطلع ثمانيات القرن الماضي. ليس هذا فحسب، بل أن الكثير من القنوات التلفزيونيّة أخضعت بعض البرامج مثل برامج تلفزيون الواقع إلى الخصوصيّة السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة الوطنيّة) , 2006 Kredens (.  إن ذكر هذا الأمر لا يعني بتاتا تزكيتنا لنظرية تأثير التلفزيون المطلق على الجمهور أو الايمان بالبراديغم الذي يجزم بحتمية قيام المشاهدين، دون استثناء، بتقليد كل ما يشاهدونه في شاشة التلفزيون، بشكل آلي وأني في الوقت ذاته.

إن التوجه ما بعد الوضعية  Post positivism الذي تجلّى في نموذج موريس هول ,  p27-39) 1994 (، وفي تأويل “دافيد مورلي” للمشاهدة التلفزيونيّة ) 1980( والذي أثراه “جون فيسك” في دفاعه عن مبدأ تعددية معاني النص التلفزيونيّ ) , P 85-1072001 (، وترجمه ميشال دو سيرتو عبر تشغيل مفهوم ” الصيد غير الشرعي” [11] يؤكد بأنّ المادة التلفزيونيّة ذات تركيب معقّد تزدحم فيه الصور والألوان، وتختلط فيه الأصوات والأنغام وتتعدّد فيه زوايا ولقطات التصوير،  فتظلّ مفتوحة على تعدّدية القراءة والمعاني  باختلاف قرائها. والجمهور لا يستلم المعاني كما قصدها المنتج أو المخرج، بل يقوم بتأويلها وفق سياق التلقّي وانطلاقا من خلفيته الثقافيّة وتجاربه الاجتماعيّة والعاطفيّة. لعل هذا الأمر يتجلى في الأفلام والمسلسلات التلفزيونيّة أكثر من المواد الإخبارية المتلفزة. وهذا خلافا للاعتقاد السائد بأن المسلسلات تمارس سحرها على المشاهد فيتابعها بحرص شديد خوفا من أن تفوته لقطة أو مقطع صوتي، وهو في حالة تراخ وسكون وكأنه منوم. إنّ المشاهدين ينخرطون في السرد التلفزيوني التلفزيونية وكأنهم يتعاملون مع أشخاص حقيقين فتمحى الحدود بين ما يشاهدونه وتجاربهم الحياتية التي تتدخل، بهذا القدر أو ذاك، في الحكم على السرد التلفزيوني.

إذا، لا يمكن القول إنّ الهويّة الخطابية التي تعبر عنها القنوات التلفزيونيّة كاملة وتامة دون الأخذ بعين الاعتبار تأويلها من قبل الجمهور المحلي أو الأجنبي، بمعني أن تأويل المشاهد البرازيلي أو المكسيكي “للتينوفيلا ” يختلف عن التأويل المشاهد العربي أو الصيني لها. وغاية التأويل لا تقف عند الفهم بل تمتد إلى طريقة تملّك رموز هذه المسلسلات وإدراجها في الحياة اليومية للمشاهدين؛ بمعنى هناك عملية رفض ، واحتواء، والتفاف على بعض المعني، وابتكار أخرى لتساهم في تشكيل الهوية الثقافية والوطنية أو بالأحرى في إعادة تشكيلها. لذا يظلّ الرهان على كيفية توجيه هذا التأويل مطروحا. خاصة بعد تزايد الحاجة إلى تأكيد الهويّة في حالة القلق والشك الوجوديين، وفي ظل تفاقم الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعية التي تحدث ارتبكا إن لم يكن خللا في المؤسسات الكفيلة بضمان الانسجام في المجتمع لضمان ” التعايش المشترك” بين أفراده عندما يفقدون المعالم التي ترشدهم في الحياة، فيزداد خوفهم من المستقبل) Badie,2009 (

من نافلة القول إن المسلسلات التلفزيونيّة الأمريكيةّ ظلت توصف في المنطقة العربية بالغزو الثقافي، وبأنها رمز لهيمنة الثقافة ذات الاتجاه الواحد) من الغرب إلى بقية بلدان العالم. وطال هذا الوصف المسلسلات التركيّة التي تبثها القنوات التلفزيونيّة العربيّة مدبلجة[12] على الرغم من أن انتشارها الواسع عبر شاشات العالم يطعن في أطروحة أحادية اتجاه الثقافة على المستوى الدولي. وبالمقابل لم توصف مسلسلات أمريكا اللاتينية بالغزو الثقافي رغم أنها عمرت طويلا في شاشات التلفزيونات العربيّة. ربما السبب يعود إلى السياسة التي انتهجتها الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة العربية، وإلى الإرث العثماني والدور السياسي المتنامي الذي تقوم به تركيا في المنطقة ذاتها منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في 2002.

بعيدا عن المقاربات السياسيّة والأيديولوجيّة التي تناولت المسلسلات التلفزيونيّة ، لم نعثر، مع الأسف على دراسات أنتربولوجية باللغة العربيّة عن مشاهدي المسلسلات التلفزيونية وتلقّيها في المنطقة العربية، والتي تسمح لنا بالتحري في فهم تداعيات مشاهدة المسلسلات التلفزيونية بعيدا المتعة التي تجلبها، والتي تصب في سعي المشاهدين” إلى تقييم يقينهم الثقافي والعاطفي ) 2015,  p186 Colonna (، والتي يستأنف المتلقّي، على أساسها، تشكيل هويته التي ذكرنا أنفا أنها مفتوحة، وأن بناءها يتجدّد باستمرار. لذا نجازف بالقول إن سر ولع المشاهد في المنطقة العربيّة بـ “التلينوفيلا”، مثل مسلسل  “إزاورا [13]” التلفزيونيّ الذي بثّ في منتصف الثمانيات من القرن الماضي يكمن في تعاطفه مع المستضعفين والمقهورين، وفي تقاطع سرديات ” التلنوفيلا” التي تسعى إلى ترميم ذاكرة شعوب أمريكا اللاتينية منذ الاستعمار الغربي وصولا إلى الديكتاتوريات العسكرية، مثلما يعبر عنها مسلسل ” مونتي كريستو ” الأرجنتيني)  Sciacca, 2011 ( مع تاريخ الشعوب في المنطقة العربية ومع ما عانته من قهر وتشريد في ظل الاستعمار، ومع استشراء الاستبداد والظلم والعنف من أجل التمسك بالسلطة أو الاستيلاء عليها بالقوة.

على الرغم من أن القنوات التلفزيونيّة العربيّة شرعت في بثّ المسلسلات التلفزيونيّة التركيّة في 2006 إلاّ أن الولع بها بدأ مع بث المسلسل التلفزيونيّ ” نور ومهند”، الذي تابعه 85 مليون مشاهدا يتجاوز سنهم 15 سنة، منهم 50 مليون امرأة، حسب زعم مدير التسويق في قناة أم بي سي 1) Yanardağoğlu, Imad N. Karam,2012  ( . وبهذا تحولت المسلسلات التلفزيونيّة التركيّة، التي تعبر عن سعي المجتمع التركي إلى التوفيق بين ثقافتي ” الشرق والغرب”، إلى ظاهرة تثير النقاش داخل الأسر، وفي أماكن العمل، والمقاهي، وقاعات الحلاقة، والمدارس، والجامعات، وحتّى داخل المساجد التي لم يتردّد بعض أئمتها في تحريم مشاهدتها لأنها تعرض ما يعارض التعاليم والتقاليد الإسلاميّة في نظرهم، وعبر الميديا الاجتماعيّة. ويكشف هذا النقاش في جوهره عن تفاوض المشاهدين مع مضامين المسلسلات التلفزيونيّة حول الحداثة) Yanardağoğlu, Imad N. Karam,2012  ( في المنطقة العربيّة التي يراها البعض تقدما ومواكبة للعصر، ويعتبرها البعض الأخر تغريبا وخروجا عن الدين. إنه التفاوض الذي يؤطره ضمنيا “الوعي الشقي” الذي تحدث عنه محمد عابد الجابري والذي ” يهز” الوجدان، مختزلا حالة مزدوجة من كره الغرب لماضيه الاستعماري والإعجاب به لحاضره ولما حقّقه من منجزات علميّة وتكنولوجيّة، ولأنظمته الاجتماعية التي تقدس القانون، وتفرض المساواة في الحقوق والواجبات على الجميع، إلخ.

إن كان المشاهدون في المنطقة العربية يقرّون بالقرب الثقافي مما تعرضه المسلسلات التركيّة والمجسد في التمسك بالنظام الأبوي) البطريركي (، وفي التراث الموسيقى والألحان والأفراح في الأعراس، وفي فنون الطبخ والمأكولات، وهذا بحكم الحماية/ الاستعمار العثماني لجلّ البلدان العربيّة، والذي امتد لمئات السنين فإنّهم يختلفون في تأويل الكثير من جوانب سرديات هذه المسلسلات. فالمشاهدات من الفئات الفقيرة يجدن فيها الرومنسية والعاطفة التي يفتقدنها لدى أزواجهن. ربما ينطبق هذا القول على المشاهدات في المشرق العربي، لأن للمشاهدات في المغرب العربي والجزائر تحديدا رأي آخر، وذلك لأن التعبير عن العاطفة بعبارات العشق تربك الأسرة الجزائرية التي تجتمع لمتابعة المسلسل التلفزيونيّ، هذا إضافة إلى أنه من الصعب على الجزائري أن يعبر صراحة عن ولعه بزوجته أمام أفراد أسرته لأن ذلك يعد علامة ضعف.

وإن كانت المشاهدات في المنطقة العربية تولين أهمية للتفاصيل في المسلسلات التركية: ديكور البيوت وأثاثه، والهندام، وأناقة النساء وطريقة تصفيف شعرهن، وإبراز أنوثتهن الفاتنة ، فالمشاهدات من الطبقة الوسطى في المنطقة العربية يتماهين مع المرأة التركية كما تظهرها المسلسلات: امرأة قوية، عاملة، ومستقلة ماليا، تستطيع التوفيق بين حياتها الأسرية والمهنية، وتجاوز الصعوبات التي تعترضها بما فيها التعنيف داخل الأسرة ، وهذا خلافا لصورة المرأة  التي هيمنت في  المسلسلات المصرية التي بثت في عقد التسعينات من القرن الماضي  والتي تظهرها ربة بيت شاكية ويائسة )  Buccianti, 2011 ( .

بالطبع أن تأويل صورة المرأة في المسلسلات التركية لا يختلف حسب الطبقات الاجتماعية فقط، بل يمتد إلى الثقافات المختلفة. هذا ما يستشف من البحث الاثنوغرافي الذي قام به الباحث “موسى خان “الذي قارن فيه بين جمهور المسلسلات التركيّة المصريّ والباكستانيّ. Khan, 2019, p216-246) (، إذ لاحظ أن الجمهور المصري لا يرى أي دور للمرأة التركية في المسلسلات التركية التي جعلت منها عبارة عن أيقونة للشهوة، إذ يذكر أنها لا تقوم بأي دور في مسلسل ” ” حريم السلطان” على سبيل المثال سوى لفت انتباه السلطان لضمان بقائها في القصر الملكي المثير. بينما يؤكد أن الجمهور الباكستاني يعتقد أن المرأة في المسلسل التلفزيوني المذكور لعبت دورا كبيرا في حياة السلطان سواء كانت أمه أو زوجته. وهذا لا يمنع من كونها ايقونة الشهوة. إذا، يمكن أن نستنتج من هذا الاختلاف أنه على الرغم من القاسم الديني المشترك بين الجمهورين: المصري والباكستاني إلاّ أن التاريخ يتدخل في تأويل صورة المرأة في المسلسل التلفزيوني المذكور. لقد انتخب الشعب الباكستاني “بنزير بوتو” مرتين لتتولى رئاسة حكومتهم. فلا غرو أن يقرأ المسلسل التلفزيوني المذكور من ايمانهم بدور المرأة في الحياة العامة. ربما يقودنا هذا الاستنتاج إلى العودة إلى الاختلاف في موقع المرأة في مرحلة من مراحل الحضارة الإسلامية. فعندما كان الاتراك يولون نساءهم مناصب حيوية في إدارة الدولة كان خلفاء الدولة العباسية يرفضون ذلك. وقد امتدت ظلال هذا الواقع إلى غاية القرن التاسع عشر.  فالأتراك أصدروا قانونا يلزم تدريس الاناث إلى غاية بلوغهن 12 سنة في العام 1869، بينما بقيت بعض الدول العربيّة تقاوم تعليم البنات إلى غاية المنتصف الثاني من القرن العشرين) لعياضي، 2010، ص 86 (

لكن ماذا عن المسلسلات التلفزيونيّة الأمريكيّة التي لا يوجد لها أي قاسم مشترك مع الجمهور في المنطقة العربيّة رغم إقبال هذا الأخير على مشاهدة أفلام رعاة البقر التي كانت تعرض في قاعات السينما في بعض العواصم العربيّة منذ نهاية الحرب الباردة؟

لاحظت “جويل ستويز” ) 1983, p221-246  Stolz, (  أن المسلسل التلفزيوني الأمريكي ” دالاس”  نطّق الجزائريين عندما عرضه التلفزيون الجزائري في مطلع ثمانيات القرن الماضي. فالكلّ كان يتحدث عنه: المواطن البسيط، والصحافة، وحتىّ السلطة التي تحدثت عنه بطريقتها الخاصة، إذ سمحت ببثّ المسلسل التلفزيوني الذي يعتبر” رمز الثقافة الأمبريكية” والمعبر عن الليبرالية بحيث أنه لم يسمح للدولة بالحضور في كل حلقاته، بينما الجزائر التي تبنت التوجه الاشتراكي جعلت الدولة تسيطر على كل مفاصل الحياة: الاقتصاد، والمال، والزراعة، والتجارة، والتعليم، والدين، والثقافة، والسياحة ، والإعلام، إذ يذكر أن حضور الدولة الطاغي في نشرة الأخبار التلفزيونية كاد يغيّب المجتمع.

تقول الباحثة ذاتها، ” عندما يتحدث الجزائيون عن مسلسل “دالاس” التلفزيوني فإنهم يتحدثون، في حقيقة الأمر، عن هويتهم الثقافيّة. لقد وجدوا فيه أرضية لصياغة هويتهم في ظل غياب المنابر التي تسمح للجميع بالمشاركة في ذلك. وفي حديثهم عن ذاتهم يقوم الجزائريون بالمقارنة بينهم وبين أبطال المسلسل المذكور، بدءًا بالمشترك بينهم: الأسرة التي تظل الرابط الاجتماعي الأقوى في المجتمع الجزائري وأداة للتضامن و”نقابة” ضد سلطة الدولة على حد تعبير الكاتبة المذكورة. فرب أسرة “ايونغ” في مسلسل دالاس الذي يجمع أسرته الممتدة: الزوجة، والأبناء، والكنات، والاحفاد، تحت سقف واحد، وحول مائدة الطعام يشكل خصوصية المجتمع الجزائري الذي يخشى أفراده على تراجع سلطة الأب على العائلة. ويقدر الجزائريون كثيرا بطلة الفيلم ” باميلا” التي فضلت الحياة المشتركة والعيش مع أسرة زوجها الممتدة على الرغم من يسر حاله إذ بإمكانه أن يوفر لها سكنا مستقلا، وأي سكن؟ وبهذا إنها تشبه المرأة الجزائرية آنذاك، أي في ثمانينات القرن الماضي. ويرى الرجال صورتهم في “جيار”، بطل المسلسل، الذي يسمح لنفسه القيام بما لا يسمح به لغيره: يَبِصّ باشتهاء في زوجات الغير، وربما يفعل أكثر من البصّ، لكنه يستشيط غضبا إن بصّ أحدهم في زوجته.

أما ما هو مغاير فيتمثل في الوفرة التي يعرضها المسلسل المذكور التي تذكر الجزائريين بوضعهم المعيش وبالحرمان والكبت. فصورة مسبح عائلة ” ايونغ “، على سبيل المثال، يذكرهم بانقطاعات الماء المتكررة في بيوتهم. وتستحضر حرية الاستثمار، وإمكانية كسب المال وتحقيق الثراء في المسلسل التلفزيوني المذكور معاناتهم مع البيروقراطية التي تجبرهم على الاستعانة بالأسرة أو المعارف أو دفع الرشوة من أجل الحصول على منصب شغل أو سكن أو فتح مشروع تجاري صغير، إلخ

إن حوار الجزائريين مع “دالاس” ، ومن ورائهم الكثير من المشاهدين في المنطقة العربية لا يقف عند هذا الحد، بل يمتد إلى ما يرفضونه في هذا المسلسل التلفزيوني، مثل الخيانة الزوجيّة، والعلاقات الحميميّة خارج رابط الزواج، وخروج المرأة للسهر ليلا في الأماكن العامة دون رفقة زوجها، فضلا عن الإدمان على الكحول والمخدرات. وهذا بحكم العادات والتقاليد والدين، الذي يمثل الرابط الاجتماعي القوي في المجتمع.

ولا غرو إن شعر المشاهد الجزائري، وربما كل المشاهدين في المنطقة العربية بالتعاطف، وحتّى بالإشفاق على الأشرار الجدد في المسلسلات التلفزيونيّة الأمريكيّة المذكورة أعلاه، بعد أن كانوا مفتونين بالأشرار في المسلسلات التلفزيونيّة السابقة لشجاعتهم وقوتهم. فقد يجد لهم من المبّررات ما يجعل شرهم ” مقبولا” اجتماعيا وأخلاقيا نظرا لأن المجتمع والقانون لم يسمح لهم سوى بسلك هذا “الطريق الوحيد”، على حد تعبير الكاتب التركي عزيز نسيم في روايته التي تحمل هذا العنوان، والتي تجعل القارئ يتعاطف مع المجرم الذي عمر طويلا في السجن. ربما ينتبه أحدهم في حواره مع هذه المسلسلات إلى أن الأشرار الجدد يدشنون الواقعيّة الاجتماعيّة في الإنتاج التلفزيونيّ الأمريكيّ التي تميط اللثام عن بعض الحقائق ليقول، بدافع سياسي أو إيديولوجي، هذه هي الولايات المتحدة الأمريكية. وقد يبلغ تبرير الشر مداه إلى درجة اعتقاد البعض أنه بإمكانه أن يسلك الطريق ذاته الذي يسلكه أي من الأشرار الجدد إن وجد نفسه في الوضعية ذاتها أو تعرض إلى تطبيق القانون وفق الكيل بمكيالين. لكن ما يرفضه بكل تأكيد في هذه المسلسلات التلفزيونية هو فلسفة رأسمال. فإنّ كان يرضى العيش بالمال فإنه يرفض بكل تأكيد العيش من أجل المال، وهذا الرفض سمة من سمات هويته

ربما تجيب بحوث التلقّي في المستقبل عن السؤال التالي: كيف يستبطن المشاهد في المنطقة العربية بعض المفاهيم مثل: السلطة، الخير، الشر، المرض، الأبوة، الأخلاق، الحق، الشجاعة، وغيرها من المفاهيم التي تواجهه في حياته اليومية وتعتمل في إعادة تشكيل هويته، وهو يتفاوض مع سرديات هذه المسلسلات.

الخلاصة:

من نافلة القول، أن المسلسلات التلفزيونيّة ليست المصدر الوحيد للهويات الخطابيّة التي تنتجها العديد من المؤسسات الاجتماعيّة والثقافيّة، مثل المسرح، والسينما، والأدب، والمتاحف، والصحافة، والمدرسة، وبعض الممارسات الثقافيّة، كالفنون التشكيلة، والموسيقى والغناء والرقص، واللباس، والطبخ، والهندسة المعمارية، وغيرها. لكن المسلسلات التلفزيونية تتسم بقدرتها على تجسيد استراتيجية الهوية الخطابية أكثر، والتي تقوم على عنصرين أساسيين ومتداخلين، وهما الإغراء، و”التدريم” dramatisation Charaudeau, 1989) (. فالإغراء يمارسه الممثلون والممثلات، بجمالهم ورشاقتهم وأنوثتهم، ومظهرهم، وبنمط معيشتهم، وبما يكسبون، وبما يحظون به من حب واهتمام. أما “التدريم” فينتجه السرد الساحر، والقدرة على تحبيك الأحداث التي تعجن المصير الفردي في الحياة الاجتماعية لإدرار العاطفة، من خلال جملة من الأحداث: عشق وغرام، زواج، وخصومات، وخيانة، وطلاق، ويتم، وموت وانتقام، وثراء، وفقر، وسفر، ومرض، وغيرها من الأحداث المفرحة أو التراجيديّة.

هذا إضافة إلى أن المسلسل التلفزيوني يتسم بمجازه المرسل، وهو شكل بلاغي يسقط ما يتوفر في الجزء على الكلّ. فإذا كان الممثل رومنسي وحساس جدّا ومغرم بزوجته، فتعمّم صفاته في المسلسل التلفزيوني وتسحب على الجميع، ليشمل الفئة الاجتماعيّة التي يمثلها، والأشخاص الذين يمارسون مهنته، بل وكلّ مواطنيه ) Veyrat-Masson, 1989 ,p 237-253 (.  والمجاز، كما هو معروف أشمل وأوسع من الاستعارة التي يعيش فيها وبها مشاهد المسلسلات التلفزيونية، والتي تشكل جزءا هاما من تجاربه. ” فالاستعارات لن تكون تعابير مشتقة من حقائق أصيلة، بل تكون هي نفسها عبارة عن حقائق”. ) لايكوف و جونسن، 1996، ص 12 (.  لذا نلاحظ، على سبيل المثال، أن المشاهدات لا تظنن أن كل الأتراك يتسمون باللطف والرومنسية مع زوجاتهم فقط، بل يعتقدن أن هذا الأمر حقيقة..

هل يمكن التسرع في الاستنتاج بأن خطر المسلسلات التلفزيونيّة على الهويّة، يكمن في تعامل المشاهد مع ما تتضمنه من مجاز وكأنه حقائق؟

الإجابة ليست بسيطة، وذلك لأن عملية التلقّي تمر بثلاثة أزمنة: مشاهدة المسلسل والتفاوض حول مضمونه، ثم المناقشة مع الغير على ما تم قبوله في المسلسل، وأخيرا توظيف نتيجة المناقشة وادغامها في الممارسة اليومية، كأن نسمي حيا سكنيًّا باسم “دالاس”، أو نطلق تصفيفة شعر باسم ” نور” بطلة المسلسل التركي المذكور أعلاه. وما يلاحظ اليوم أن أدوات وأطر هذه المناقشة قد توسعت وتعدّدت، إذ أصبح بإمكان مشاهد التلفزيون أن يشاطر أصدقاءه ومعارفه ما يشعر به، وما يفكر فيه بخصوص أبطال المسلسل التلفزيوني وتفاصيله عبر الميديا الاجتماعي مباشرة في أثناء بثّه أو في صفحات الفيس بوك أو في مواقع شبكة الانترنت. لكن على الرغم من امتدادات هذه المناقشة في المكان والزمان إلاّ أنها تظلّ تدور حول ” نحن”؛ أي المشاهدين، و “هُم “؛ أي أبطال المسلسلات التلفزيونيّة: ما يجمعهم ببعض، وما يفرقهم عن بعض. فالـ ” هم” مرآة” ينظر المشاهد من خلالها إلى ذاته. تعزّز ما يملكه، وتثّبت قيمه ليرتاح ويطمئن إن وجد في المسلسل ما يتطابق معها وينسجم مع قناعته، ويعارض مع هو مختلف عنها، ويتمنى إزالتها أو محوها، ويستقي في المسلسل التلفزيوني ما يدفعه لمراجعة ذاته وتوجيه طموحه. لكن من المحتمل أن تؤدي هذه المراجعة إلى سوء فهم الذات إن تعثر فهم الآخر المختلف، بمعنى إذا لم يدرك معنى هذا الاختلاف فيتم الحكم على الذات بأنها أفضل من الآخر أو أدنى منه. وعلى الرغم من ذلك يمكن القول أن هذه المناقشة تقوم بدور ” العلاج بالمعنى” Logotherapy الذي طبقه، عالم النفس النمساوي ” فكتور فرانكل” لتساعد الفرد على إدراك معنى حياته ليس انطلاقا من تجاربه فقط، بل من تجارب الغير التي تسردها المسلسلات مع ما يرافقها من تقييم.

إذ، تأسيسا على ما سبق، يمكن استنتاج ما توصل إليه الباحثان، ” يناردادوغلي، وعماد كرم ). Imad N. Karam,2012  Yanardağoğlu, ( في بحثهما الأمبريقي، بأنّ المسلسلات التلفزيونيّة لا تفسد الهويّة الثقافيّة لشعوب المنطقة العربية التي تشاهدها، بل تشكل أرضية لمناقشة الهوية الخطابية التي تمارس فعلها على الذات، مثلما يؤكد ذلك اللسانيون.

* فصل من الكتاب جماعي: الإعلام والهويّة في العالم العربي، بين المحلّي والعولمي

منشورات سوتيميديا، تونس، 2023، ص 197- 226

المراجع:

  • أندرسن ب ) 2009( الجماعات المتخيلة ، تأملات في أصل القومية وانتشارها ( ترجمة ثائر ذيب(، لبنان، شركة قدمس للنشر والتوزيع.
§     على فواز ) 2008 (مهند ولميس «يُلهبان» السعودية، صحيفة الأخبار، لبنان ) 5 تموز  
  • كانجو، جويل. (2009). الذاكرة والهويّة. (ترجمة وجيه أسعد) ، سوريا: وزارة الثقافة السورية،
  • لايكوف، ج  و جونسن، م )   :  ( 1996الاستعارات التي نحي بها ( ترجمة عبد المجيد جحفة) المملكة المغربية، دار توبقال للنشر
  • لعياضي نصر الدين )  2010 (: مقدمة في نقد التلفزيون، الأردن، الآفاق المشرقة.
  • الجابري محمد عابد. ( 2010). سؤال الهوية في العالم العربي، صحيفة الاتحاد الإماراتية،  ) 23 مارس(.
  • وهولبورن, ه. (2010) سوسيولوجيا الثقافة والهوية ) ترجمة . حامد حميد  محسن)  سوريا: دار كيوان للطباعة والنشر

Ang, I. (1985). Watching DALLAS: Soap opera and the melodramatic imagination. New York, Methuen.  

Araceli Ortiz, D U, Asbel L (1999) : Un monde de telenovelas, Courrier de l’UNESCO, France, (52, 5) 

Ayachi, S (2014) Impact des Séries turques dans le monde arabe.  https://www.academia.edu/11465696/Impact_des_S%C3%A9ries_turques_dans_le_monde_arabe

Badie, B. (2009, Le discours identitaire est expression d’incertitude .Journal Le monde,France ( 11 décembre)

Bermaki, I ( 2017) , Soap Opera Politics: The Case of Turkish Dramas in the Arab World. https://www.academia.edu/41585194/Soap_Opera_Politics_The_Case_of_Turkish_Dramas_in_the_Arab_World

Boisvert, S. (2012, Les fictions télévisuelles et la formation de l’identité culturelle. Revue electronique Commposite, (1-2 ) 15. http://www.commposite.org/index.php/revue/article/view/123

Boudreau, A. (2019). L’identité assignée : du lieu et ses manifestations discursives. Minorités linguistiques et société / Linguistic Minorities and Society, Canada, (12) https://doi.org/10.7202/1066521a

Bourdieu, P (dir.) (1993), La misère du monde, France, Seuil

Buccianti A (2011) L’empire ottoman contre-attaque, Alternatives Internationales (3 – 50). https://www.academia.edu/7057248/Lempire_ottoman_contre_attaque

Charaudeau, P (2009), “Identité sociale et identité discursive. Un jeu de miroir fondateur de l’activité langagière”, in Charaudeau P. (dir.), Identités sociales et discursives du sujet parlant, France, L’Harmattan.URL: http://www.patrick-charaudeau.com/Identite-sociale-et-identite.html

Colonna, V (2015) : L’Art des séries télé, 2. L’Adieu à la morale, France, Payot, collection “Hors collection”

Cummins, W and Gordon, G (2006) Programming Our Lives: Television and American Identity; USA, Praeger Publishers

Deroide, I (2012) : Les séries historiques entre la fiction et le réel : quand les scénaristes rivalisent avec les historiens, TV Séries, (n01) .https://doi.org/10.4000/tvseries.1038  

Dyoniziak J (2017) : L’euphémisme face à la construction de l’identité sociale. Le cas du discours médiatique, Acta Universitatis Lodziensis Folia Litteraria Romanica 12(12).. DOI 10.18778/1505-9065.12.10

Etienne, Jean et autres (2004) Dictionnaire de sociologie : Les notions, les mécanismes, les auteurs, France, Éd. Hatier  

Fiske, J (2001) Television culture: popular pleasures and politics; USA, 10 edition, Taylor & Francis

Gallimard L M (1997), Brésil : De la nation comme télénovela, Revue Les cahiers de médiologie, France (1- 3)

Hall, S (1994) : Codage/décodage, Traduction Albaret, M, Gamberini M-c, Revue Réseaux, France (68)

Jedlowski, A and Rêgo, C (2019) Latin American telenovelas and African screen media: from reception to production, Journal of African Cultural Studies, (31:2), DOI: 10.1080/13696815.2018.1549829

Khan, M (2019): International Audience’s Perception about the Turkish TV Serial “The Magnificent Century” In the Context of Portrayal of History and Women, Global Media Journal TR Edition, (10, 19), P 216- 246. https://urlz.fr/hjTL

Khor, B  ( 2017) , “La Fiebra Telenovela: Audience Perceptions of Telenovelas and their Representation of Economic Disparity, Senior Independent Study Theses. Paper 7815.             https://openworks.wooster.edu/independentstudy

Kredens , M ( 2006) La télé-réalité entre adaptabilité des formats et spécificités nationales : le cas de l’émission Big Brother Colloque international « Mutations des industries de la culture, de l’information et de la communication » Septembre. http://observatoire-omic.org/colloque-icic/pdf/Kredens2_2.pdf

La Ferrara, E (2008) : Soap operas and fertility: Evidence from Brazil, Working Paper, No. 633, Inter-American Development Bank, Research Department, Washington, DC , http://hdl.handle.net/10419/51429

Livingstone S (1990):  Making Sense of Television, The psychology of the audience interpretation, UK, Pergamon Press, Inc.

Marjolaine B  (  2004)   Les séries américaines des années 1980 une autre histoire de la guerre du Vietnam au  Vingtième Siècle. Revue d’histoire ( 84, octobre-décembre )

Mirrlees, T ( 2013) Global Entertainment Media Between Cultural Imperialism and Cultural Globalization,  USA, Routledge

Morley, D. (1980) The Nationwide Audience: Structure and Decoding, London, British Film Institute,

Nora, P (1984), Entre mémoire et histoire : la problématique des lieux », in P. Nora (dir.) Les Lieux de mémoire (Vol. tome 1 : La République). France , (Gallimard, Éd.)

Schlesinger, P. “. N.-2. (1987). On National Identity: Some Conceptions and Misconceptions Criticized” Revue Social Science Information, Canada  26(2)

Öztemir N ( 2018) Scènes de genre, les séries feuilletonnantes turques et leurs publics : le cas de ”Poyraz Karayel”. Doctorant de l’université ; Sciences de l’information et de la communication. Université Toulouse le Mirail – Toulouse II,

Perraton, C ( 2015): Identités et processus de subjectivation in Bonenfant  Maude et  Perraton Charles ( sous dir):  Identité et multiplicité en ligne, Canada,  Presses de l’Université du Québec

Sciacca, E (2011) La reconstruction de l’identité argentine dans la Telenovela Montecristo (Argentine, Telefe, 2006). Sciences de l’information et de la communication. Université Rennes 2,

Stolz J ( 1983) : Les algériens regardentDallas, in  Maurer J-l et autres : les nouvelles chaines, France, Presses universitaires de France

Tanriöver, H U ( 2007) , «   Notre vie est un feuilleton », en Turquie, Revue, Médiamorphoses, France, ( Hors série)

 Tinas ,R ( 2020), Quel rôle jouent les séries historiques turques : manuels d’histoire ou fictions ?  Revue TV/Series . ( N17 ) DOI : 10.4000/tvseries.4042

Veyrat-Masson,  I ( 1989), les stéreotypes nationaux et le rôle de la télévision , Hermès ( 5-6)

Yanardağoğlu, E  & Imad N. Karam ( 2012) :  The fever that hit Arab satellite television: audience perceptions of Turkish TV series. Identities Revue; (Vol 19), P  561 – 579 https://doi.org/10.1080/1070289X.2013.823089

الهوامش


  أنظر على سبيل المثال.

Thévenet , S ( 2013)Les séries télévisées mondialisent la culture sud-coréenne, Le monde Diplomatique, Mai. http://www.monde-diplomatique.fr/2013/05/THEVENET/49075-%5B1%5D

[2] – تبنى الكثير من الباحثين هذا التيار، نذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر:

Turner, G and Tay, J ( 2009), Television Studies After TV, Understanding Television in the Post-Broadcast Era, Routledge, 225 pages

Maigret, É et Soulez, G (2007) :   Les nouveaux territoires de la série télévisée ; médiamorphoses ; Hors serie , p 7-13

[3] –   حسب عنوان مقال فرانسواز فرجس، التي تؤكد بأن الهويّة ليست ثابتة  ولا تكف عن التشكل،  وتشكلها المتغيرات  المتسارعة في المجال الاقتصادي والثقافي ذات الطابع الحميمي والاجتماعي.

Françoise ,  V (2007), «  De l’identité -prison » aux «  aux identités liquides » Revue « Après-demain » )4), 29-32

[4] – ناقش الباحث إريك ميغري فكرة الشرعية الثقافية في كتابات عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو ناقدا الإيديولوجيا التي جعلت من النمط المكتوب المعبر شبه الوحيد إلى الثقافة.  أنظر: 

إريك ميغري: سيوسيولوجيا الاتصال والميديا، هيئة البحرين للثقافة والأثار، ترجمة نصر الدين لعياضي، 2018، ص 260 

[5] – عبارة إسبانية مركبة، تختصر كلمتين الأولى: تيلي  Tele، ويقصد به التلفزيون ، ونوفيلا  ، وتعني الرواية، أي الرواية التلفزيونية

[6] – هو مسلسل كوميديا الموقف تم إنتاجه في الولايات المتحدة. وبدأ عرضه في سنة 1954. بلغ عدد حلقاته 203 حلقة، و مدة الحلقة الواحدة 26 دقيقة. تم بث المسلسل لأول مرة بتاريخ 3 أكتوبر 1954 بينما بثّت آخر حلقة منه بتاريخ 23 مايو 1960.

[7]-‏ ه مسلسل كوميدي تم إنتاجه في الولايات المتحدة. بدأ عرضه في سنة 1957. وبلغ عدد حلقاته 234 حلقة، ومدة الحلقة الواحدة 30 دقيقة. تم بثّ المسلسل لأول مرة بتاريخ 1957 وبثت آخر حلقاته بتاريخ 20 يونيو 1963.

[8] – مغامرات أوزي وهارييت ( The Adventures of Ozzie and Harriet)‏ هو مسلسل كوميدي تم إنتاجه في الولايات المتحدة. بدأ عرضه في سنة 1952 على هيئة الإذاعة الأمريكية. بلغ عدد مواسم المسلسل 14 موسما، بلغ عدد حلقاته 435 حلقة، وتبلغ مدة الحلقة الواحدة 25 دقيقة. تم بث المسلسل لأول مرة بتاريخ 3 أكتوبر 1952 بينما تم بث آخر حلقة منه بتاريخ 23 أبريل 1966 بعد أن استمر لقرابة 14 عاما

[9] –     مسلسل أمريكي بث ما بين 1978 و1991 يتكون من 357 حلقة مدة كل حلقة هي 45 دقيقة.  وقد تمت دبلجته إلى العديد من لغات العالم وتابعه جمهور غفير عبر مختلف العديد من قنوات تلفزيون العالم.

    -[10] أنظر:  هذا هو العنوان الفرعي لمؤلفه:

François Jost (2015)  Les nouveaux méchants:(  Quand les séries américaines font bouger les lignes du bien et du mal, 281 pages

[11] -يوظف “ميشال دو سارتو” مفهوم ” الصيد غير الشرعي   » Braconnage « في كتابه: ” ابتكار الحياة اليومية ، فنون الأداء اليومي، الذي ترجمه محمد شوقي الزين، والصادر عن دار العربية للعلوم -ناشرون، ومنشورات الاختلاف، في 2011- ويقصد به حرفيا: صيد الحيوانات أو الأسماك بطريقة غير شرعية، أي دون الحصول على الترخيص، أو في الأماكن المحرمة، أو في الفصول التي يحظر فيها الصيد أو بوسائل يمنعها القانون، ثم تمدد معناه ليشمل على الاستيلاء على ما اصطاده الغير بالحيلة. ورحل هذا المفهوم إلى التلقي الأدبي والثقافي ليعني به استخراج دلالات النص لم يقصدها مؤلفه.

[12] – في استعمالنا للكلمات المفتاحية التالية: المسلسلات+التركية+الغزو+الثقافي عثرنا على 201 ألف مادة ! للاطلاع على فحواها يمكن الرجوع إلى النماذج التالية:

علي قاسم)  (2020 :غزو ثقافي تركي مغلف بالعسل ،صحيفة العرب الصادرة في 8 يناير
مصطفى قطبي ) ( 2021  : الدراما التّركية…غزو ثقافي مغلف بـالقوة الناعمة :  https://urlz.fr/hk2W
حسين فهمي)  (2018 :الدراما التركية غزو عثماني لفرض ثقافة متخلفة.   https://urlz.fr/hk30

[13] –  Escrava Isaura، سلسل تلفزيوني برازيلي من 100 حلقة، مدة كل واحدة منها 40 دقيقة، مقتبس من رواية تحمل العنوان ذاته لرواية الكاتب  برنردو غيماريس التي نشرها في 1875، والتي تحكي قصة حياة عبدة أسمها أزاورا. بثّه تلفزيون غلوبو البرازيلي خلال 1976 و1977، وصودر إلى العديد من تلفزيونات العالم لينشر في مطلع ثمانيات القرن الماضي.

صدرت لنا دراسة بعنوان: الجزائر ، تكلفة المحسوبية، ضمن كتاب جماعي يعنوان: نظم وسائل الإعلام العربية
عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2022، يمكن الاطلاع عليه وتحميله على الرابط التالي:
https://caus.org.lb/ar/arab-media-systems-open-source

صدرت لنا دراسة بعنوان: Algeria the cost of clientalism

: In Arab Media systems

شاركت فيه مجموعة من الباحثين العرب والآجانب

للتحميل مجانا https://www.bing.com/newtabredir?url=https%3A%2F%2Fwww.researchgate.net%2Fpublication%2F349917271_Arab_Media_Systems

الميديا بين المتن والهامش

كتاب إلكتروني يمكن تحميله وقراءته مجانا على موقع  الرافد :

الربط:

http://arrafid.ae/%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%82%d9%85%d9%8a

                                                   

دراسات قي لغة الإعلام والصحافة

تأليف مجموعة من الباحثين

    مقدمــــــــة  بقلم : نصر الدين لعياضي

يفكر المرء باللّغة وليس باستطاعته أن يفعل ذلك بمعزل عنها. لكن هذا الكتاب الذي نضع بين يدي القارئ الكريم يدعونا إلى التفكير في اللّغة من خلال المحاور التالية:  مقروئية النص الصحفي وانقرائيته، واللّغة الإعلاميّة وخطاب الصورة التلفزيونيّة، ونحو فنيات تحرير إلكترونيّة جديدة، ومقاربات لمفهوم الحجاج وآلياته، ومقتضيات السياق السوسيوثقافي في مقاربة تأثير برامج التلفزيون على الشباب.

يكتسب موضوع هذا الكتاب أهمية بالغة للدارسين والباحثين والصحافيين وأصحاب القرار لجملة من الاعتبارات، بعضها مرتبط بالسياق الذي تنشط فيه وسائل الإعلام الجزائرية، وبعضها الآخر مرتبط بتطور الدراسات اللسانيّة، وبالتغيير المتواصل الذي تعيشه الميديا في العالم المعاصر.   

نعتقد أن وسائل الإعلام الجزائرية لم تفسخ عقدها بعد مع الخطاب التعبوي والشعبوي الذي ورثته عن الحزب الواحد الشغوف بمرام ما نقول ( الأيديولوجيا)؟ على حساب كيف نقول؟ وهذا يعني استمرارها في إعادة إنتاج لّغة الخشب بصرف النظر عن لونها السياسي، مما يؤدي بالأداء اللغوي إلى إضعاف الكفاءة اللغوية. ويمكن أن ندرك تداعيات هذا الإضعاف إن سايرنا  الفرضية التي انطلق منها الباحث الفرنسي المختص في الاتصال والحجاج، فليب برتون  [1] Philippe Breton في قراءته للديمقراطية في المجتمع الفرنسي، والتي يزعم فيها أن هناك علاقةً بين أزمة الديمقراطية المعاصرة والعجز الكبير في كفاءة الكلام.

غني عن القول أن وسائل الإعلام الجزائرية تنشط في سياق يتسم بتوتّر لساني حاد تغذيه النزاعات الأيديولوجيّة العقيمة في ظل غياب تام لـ “سياسة لغوية”، مما جعلها ساحة لهذه النزاعات وأداتها في الوقت ذاته.

لو تَمَعّْنا قليلا فيما تنشره الصحافة المكتوبة الجزائرية، خاصة الصادرة باللّغة العربيّة، لوجدناها أسيرة اللّغة المنطوقة أو المحكية. وهذا يتجلى أكثر في خلو نصوصها من علامات الوقف أو التنغيم، وترهّلها بفعل التكرار والإطناب، والأكثر من هذا “أن أخطاءها تتلاقي مع الكثير من الأخطاء التي ترتكب في الإذاعة والتلفزة، وهي أخطاء صرفيّة ونحويّة ودلاليّة”![2]

أما اللّغة في الوسائل السمعيّة والسمعيّة البصريّة الناطقة باللّغة العربيّة فقد عملت على توسيع الهوة بين مجموعتين: المجموعة الأولى التي تتشكل من الذين يحظون بنصيب من التعليم فتخاطبهم عبر ما تبثه من برامج إخبارية وخطابات سياسية وبرامج ثقافية ودينية باللّغة العربية الفصحى. والمجموعة الثانيّة، التي تتشكل من الذين حرموا من التعليم، فتخاطبهم بلّغة العامة من خلال النصوص الإشهاريّة، والمسلسلات وبرامج الطبخ!  

قد نجانب الصواب إن كنا نطالب وسائل الإعلام الجزائرية بالفصل في قضايا اللّغة المطروحة على المجتمع الجزائري، التي تزداد تعقدا من يوم لآخر. ونبتعد عن الحقيقة إن تجاهلنا مساهمتها في الارتقاء باللّغة. هذا الكائن الاجتماعي الحي الذي يتكلس ويُفنى إن لم ينزل إلى العراك الاجتماعي والممارسات اللّسانية في الشارع. لذا نتساءل لماذا لم تبادر المؤسسات الإعلامية المختلفة، وخاصة السمعية- البصرية بإنشاء فريق بحث متكامل يجمع علماء النفس اللّغويين، والانتربولوجيين، واللّسانيين، وعلماء الاتصال، وغيرهم من أجل إرساء لّغة إعلامية تواصلية من اللّغتين الرسميتين في الجزائر. وتعمل على تقوية النسيج الاجتماعي، وتعزيز الانصهار الثقافي في ظل العولمة التي تروم الأحادية والتنميط الثقافي، وفي ظل تنامي تأثير تيار ما بعد الحداثة الذي يعمل على دمج الثقافة العالمة بالثقافة الشعبية. وذلك حتى تنجز البعض مما أنجزه عصر التدوين، لكن بالطريقة التي يشرحها الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري[3] بالقول:

“كانت المشكلة التي واجهت جامعي اللّغة العربية الفصحى في عصر التدوين مشكلة منهجية أولا وقبل كل شيء، وتتلخص في إيجاد وسيلة تمكن من “عزل” و”فصل” اللغة الفصحى (لغة القرآن) عن اللهجات العامية التي كانت تفرض نفسها كلهجات للحياة اليومية. أما مشكلتنا نحن اليوم فهي أيضا مشكلة منهج، ولكنها ذات اتجاه معاكس: كيف يمكن، لا جمع اللغة الفصحى وعزلها فهي مجموعة معزولة، بل بالعكس: كيف يمكن بسطها وتعميمها، وبالتالي تحويلها إلى لغة للحياة اليومية، أو على الأقل- وهذه خطوة أولى ضرورية- كيف يمكن جعلها قادرة على تغطية أشياء الحياة اليومية ومستجداتها”.[4]  

إننا نقدر الصعاب التي تواجهها فرق البحث هذه إن تم تأسيسها ليس لاحتمال توجهها إلى التفكير في اللّغة بمعزل عن الشروط الخارجية لاستخدامها فقط، بل لأنها تواجه غياب الدراسات التعاقبية للّغة العربيّة. ” فلم يتم التأريخ للّغة العربية لا قديماً ولا حديثاً. وغياب التأريخ للغة من اللغات يؤدي إلى غياب الوعي بالتطور لدى أصحابها”.[5]  وغني عن القول أن هذا الوعي يعمق فهم اللّغة، ويرفع بالتالي درجة انقرائيّة نصوصها الصحفيّة.

يحصر البعض علاقة وسائل الإعلام باللّغة في الأخطاء اللّغويّة فقط. وهي قضية ليست بالهينة ويصعب تجاوز الكثير من هذه الأخطاء لجملة من الأسباب منها تذرع أصحابهم بالقول المأثور ” خطأ  مشهور أفضل من صواب مهجور”، مع استمرارهم في هجر الصواب وإشهار الخطأ!

لقد شكلت هذه الأخطاء الهاجس الأساسي للدارسين والكُتّاب والمدخل الأولى للتفكير في العلاقة المذكورة أعلاه. ولعل أول كتاب أهتم بهذه الأخطاء في المنطقة العربية هو كتاب ” لغة الجرائد” لإبراهيم اليازجي الذي صدر في 1901، ثم تلته العديد من الكتب التي توارثت هذا الهاجس المهم، نذكر منها على سبيل المثال، كتيب “إصلاح الفاسد من لغة الجرائد” لسليم الجندي والصادر في دمشق في 1935. وإن كانت غاية هذه الكتب تصويب استخدام اللّغة في الصحف انطلاقا من الاعتقاد السائد أن سلامة الفكر من سلامة اللّغة التي تنتجه إلا أن دلالتها عززت التوجه المحافظ لمجامع اللّغة العربية في بعض الدول العربية التي كادت ” تجمد” هذه اللّغة من فرط حرصها على الدفاع عنها والحفاظ على نقائها وصفائها من الدخيل الأجنبي واللهجات العامية “. وهذا خلافا للعديد من اللّغات الأجنبية. فالفيلسوف الفرنسي ميشال سير يذكر من موقعه كعضو في الأكاديمية الفرنسية أن هذه الأخيرة، على سبيل المثال، أجبرت في السنوات القليلة الماضية على إدخال ما يناهز ثلاثين ألف كلمة جديدة إلى قاموس اللّغة الفرنسية، الذي تعيد طبعه كل أربع سنوات، بينما كان عدد الكلمات الجديدة التي تدرجها في القاموس ذاته لا تتجاوز خمسة آلاف كلمة.[6]

نعتقد أن فهم ثنائية الّلغة ووسائل الإعلام يتطلب العديد من الكفاءات منها اللسانيات التداولية التي نحتت عدّتها المفاهيمية، خاصة مفهومي: الكفاءة compétence، ويقصد بها معرفة المتحدث/ المتصل/ الصحفي للّغة التواصل، والأداء performance ، أي إنجاز هذه  الكفاءة بشكل ملموس في الفعل الاتصالي والإعلامي سواء من قبل المتصل ( الذي يصوغ معلوماته وأفكاره في جمل) أو من قبل المتلقي الذي يستوعب هذه الجمل. ففعل القراءة صفقة صعبة بين كفاءة القارئ ( عالم القارئ المعرفي) ونوع الكفاءة التي يفرضها نص ما ليقرأ بطريقة اقتصادية.[7]

لقد تطورت الميديا ولم يقطع قديمها صلته بجديدها، ولم يتأسس هذا الأخير بمنأى عن قديمها. وجاء تطورها بأشكال جديدة من الكتابة والتعبير الصحفيين، كما يوضحه هذا الكتاب في محاولة الكشف عن ايستوغرافيا صحافة الانترنت،  وأفرز لغة متجددة تتجاوز البرتوكولات وبرامج المعلوماتية.

وإذا اعتبرنا أن الميديا نشاط إنسانيّ، وفق ما ذهب إليه أرديسون[8]  قبل أن تكون مؤسسة اقتصادية أو منظومة تقنية.  فهذا يعني أن الانقرائية، التي تسهل عملية المقروئية وتوسعها، تملك كل الأهمية لأنها تعني في أخر المطاف أن القارئ يساهم بفاعلية في صياغة المعنى انطلاقا من النص.[9] وهنا يكمن عمق الطرح لمفهومي المقروئية  والإنقرائية حتى وإن كان بعض المجددين يصرون على تحديد مستويين لمقروئية النص الصحفي الرقمي: مستوى السطح ويتعلق بالإدراك البصري، أي النص الجذاب الذي يمنح أريحية إرغونومية  ergonomique للقارئ/ المستخدم، مما ييسر عملية القراءة. ومستوى العمق الذي يناقشه هذا الكتاب بإسهاب.

يعتقد البعض أن التلفزيون يعد أقوى وسيلة تأثيرا على اللّغة من خلال تنوع برامجه وتجددها، وتكاثر مواده الإشهارية. فهل يمكن أن نضيف بأنه الأخطر، ليس لكون القنوات التلفزيونية الجزائرية تبث جزءا من هذه البرامج والإشهار مترجما بشكل لا يخدم اللّغة، بل  لأن مكانة الصورة في التلفزيون المعاصر تغيرت كثيرا. فالتفكير والتأمل توارى وتراجع أمام انتشار البث المباشر للأحداث الذي هيمنت عليه الصور المتدفقة. فالمهم أضحى تقديم الصور، وافتتان النظر. هذا ما تؤكده نشرات الأخبار في القنوات التلفزيونيّة الأجنبيّة التي يلتقطها المشاهد الجزائري الذي يعاني لسانه من ارتباك وتلكؤ. لقد تحولت هذه النشرات إلى مادة درامية تأسر النظر. وانتقلت الصورة من كونها وسيلة لتصبح غاية في حد ذاتها. فأمام تراجع مكانة الكلمة زاد شأن الصورة، وأصبحت مصداقية الأحداث تقاس بجودة هذه الأخيرة: إنه زمن الواقع الفائض Hyperréalité .  

ففي العصر الذي يسميه رجيست دو بري بعصر الفيديو سفير هيمن المرئي على المقروء. وللتأكيد على ذلك يذكر أن تشي غيفارا كان قارئا نهما وكاتبا لكن هيئته المرئية اكتسحت العالم وغطت عنه. فلم نعد نقرأ نصوصه النظرية في الاقتصاد والمجتمع. لقد حولته هذه الهيئة إلى أيقونة، بل أسطورة. ويؤكد دوبري بأن المعنى التدقيق لهذه الكلمة في اللغة اللاتينية  هو ( ” ما يجب قرأته” لكنها أضحت اليوم تدل على ما تقع عليه العين، أي ما يكتسب بعدا مرئيا.)[10]

وماذا عن السمعي- البصري في الفضاء الافتراضي؟ هل حافظ على جيناته ذاتها بعد أن صهر المكتوب أو المقروء  واختزل الكلام، وبعد أن منح الغرافيكس والايقونات بعدا آخرا. لقد زال التخوف من خطر الأيقونات العاطفية émoticônes  و emoji على اللغة اللفظية  إذ تم الاقتناع بأنها لا تهددها، لانها لا تعوض الكلمة لكنها تطرح إشكاليات جديدة على الاتصال في مجتمعنا وعلى إنقرائية مادته إذ أنها جلبت اللفظي إلى المكتوب  كما أكدت فرجيني بجوت Virginie Bejot[11] ،  التي ترى أن هذه الأيقونات تشكل رهانا ثقافيا كبيرا باعتبارها حامل لسلطة ليّنة، وتستعملها كل أمة للدفاع عن تمثّلها الثقافي. والسؤال المطروح كيف يؤول المتلقي الجزائري، الذي يتسم بعلاقاته المتوترة بالصورة والمرئيات بصفة عامة، هذه الأيقونات.

هل يمكن أن نتصور وجود مجتمع ديمقراطي ينبذ النقاش والجدل والحجاج ويصادرهم ؟ وكيف يمكن إدارة التدافع الاجتماعي في المجتمعات الديمقراطية التي استبعدت العنف دون أن تستخدم الحجاج؟  لكن ما هو الحجاج؟ إن الاجابة عن هذا السؤال، الذي يتضمنه هذا الكتاب ،يساعدنا كثيرا على التمييز بين الحجاج والتضليل، والكشف عما يفصل الحجاج عن الإغراء، خاصة في ظل تراجع صحافة  الرأي أمام انتشار صحافة الإثارة.

ما يقلق أكثر أن تزايد الحديث عن التفاعلية يكاد يحل محل الديمقراطية. لكن التفاعلية التي فرضتها الميديا عبر برامج “التوك شو” Talk Show  في التلفزيون والمدوّنات الإلكترونيّة ومواقع الشبكات الاجتماعيّة كشكل خطابي مخصوص لا يؤدي إلى تفعيل الحجاج. فما يتم تبادله يكون في الغالب سريعا، ودون ترو وتفكير، ومفتتا،[12] وانفعاليا وانطباعيا ويندرج ضمن ما يسميه الفيلسوف الألماني  أكسل هونيث Axel Honneth انتزاع حق الاعتراف.

إن تداعيات هذا الواقع تتجلى على ضوء ما ورثناه في مجال البلاغة. فالبلاغة العربية لم تكن تروم الإقناع دائما، بل تستهدف الإبهار والإغراء في غالب الأحيان، وتكتسي طابعا وعظيا.  

شكلت علاقة الشباب بالتلفزيون هاجسا معرفيا قديما تم تناوله في الجزائر والمنطقة العربية من منظور التأثير ضمن العلاقة السببية. وقليلة هي البحوث التي طرحتها من منظور تفاوض المشاهد مع ما تبثه القنوات التلفزيونية  والذي يفضى إلى إسهامه أو اشتراكه  في إنتاج المعنى مما يشاهد. ويستند هذا الإنتاج إلى اللغة السمعية- البصرية المتداولة. وعلى هذا الأساس ينتقل التفكير من تأثير التلفزيون على المجتمع إلى تأثيرات المجتمع على التلفزيون وعلى لغته.

المراجع :

[1] – Philippe Breton, L’incompétence démocratique. La crise de la parole aux sources du malaise (dans la) politique Paris, Éd. La Découverte, coll. Cahiers libres, 2006, p 8

[2] – صليحة خلوفي : الأخطاء اللغوية الشائعة في وسائل الإعلام الجزائرية – نماذج من الإذاعة والتلفزة، والصحافة – مخبر الممارسات اللغوية في الجزائر، 2011- جامعة مولود معمري – تيزي وزو  ص 256

[3] –  محمد عابد الجابري  2013:  رسائل الألفاظ والمعاني   !مسترجع بتاريخ 26 أكتوبر 2017 من الموقع:

http://www.aljabriabed.net/tajdid2.htm

[4] –  إن السعي وفق هذا المسعى سيدفع صحافيي الإذاعة والتلفزة إلى تغيير قاموسه اللغوي وتجديدة  فتقول على سبيل المثال شاف بدل نظر، وأكحل بدل أسود، وفضت القضية، بدل انتهت أو تم الفصل فيها، ونحى ثيابه بدل خلعها، وعيط عليه، بدل صرخ عليه، واستأهل أو استحق الجائزة، بدل استوجبها ، أو كان أهلا لها، والوجع بدل الألم، وغيرها من الكلمات العربية القحة المستعملة في الحياة اليومية من قبل عامة الناس    مما يجعل لغة الإذاعة والتلفزيون غير منزاحة عن الحياة اليومية.

-[5]  محمد عابد الجابري: المواطَنة… والمواطِن: جولة أولى، صحيفة الاتحاد الإماراتية، الثلاثاء 19 فبراير 2008

[6]–  Michel Serres: Petite Poucette, la generation montante; interview accordée à Pascale Nivelle ; Libération du 3 septembre 2011

[7] – أنبرتو إيكو: حكايات عن إساءة الفهم، ترجمة ياسر شعبان، الهيئة العامة، لقصور الثقافة، 2006، ص 80

[8] – Anderson, J. A.. Examen de quelques concepts éclairant la position de l’éducateur aux médias. Dans Actes du Symposium . Lausanne; 1988; p 11

[9] – Perayad D. : “Internet, un nouveau dispositif de médiation des savoirs et des comportements ?”, Communication au Colloque “L’éducation aux médias à l’heure de l’informatique”, Conseil de l’Education aux Médias, Communauté française de Belgique, 1999

[10]–  Régis Debray : Che Guevara, l’amoureux des livres, le novel observateur du  9 octobre  2017

[11]–  Virginie Bejot : Qu’est-ce que l’emoji veut « dire » – Des imaginaires A la boîte noire : analyse d’un objet trivial sous tensions; Master professionnel Mention : information et communicationSpécialité : Médias et communicationOption : Médias informatisés et stratégies de communication- CELSA Sorbonne- Paris 2015

[12]–  Philippe Breton, Op cité; p 202

سوسيولوجيا الاتصال والميديا
إدخال تسمية توضيحية

 

 

 

 

 

 

 

 

لللاطلاع على مضمون الكتاب، والأطروحات التي يناقشها يرجى الضغط على الرابط التالي الذي يسمح بقراءة فهرس المحتويات ومقدمتي الكاتب والمترجم

http://fliphtml5.com/jjzg/oslm/basic

————————————————————————————————————

تنويه:  لقد قام الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية باعادة طبع كتابي: ” اقترابات نظرية من الأنواع الصحفية” الطبعة الثالثة. سيجده الراغبون والمهتمون في مكتبات هذا الديوان في جلّ ولايات الوطن.

1- علوم الإعلام والاتصال : من التفكير بالمنهج إلى التفكير في المنهجيات  صدر ضمن كتاب جماعي بعنوان: التفكير في منهجيات دراسة الإعلام والاتصال في المجتمع الجزائري : التموقعات الابستمولوجية والتقاطعات المعرفية. منشورات: مخبر استخدامات  وتلقي المنتجات الإعلامية والثقافية في الجزائر-

النص كامل :

http://urlz.fr/6xyk

2-  ” مساورات الكلمات”  سلسلة كتاب الرافد ، دائرة الثقافة بالشارقة- الإمارات العربية المتحدة، سبتمبر  2017

مساورات الكلمات

وفيما يلي مقدمته وفهرسه.

فاتحة المساورات

 

أولو الألباب هم الذين يأخذون مِنْ كُل قِشْر لُبابه، ويطلبون من ظاهر الحديث سِره”.

الشريف الجُرجاني  – فلكي وموسيقى

     تتضمن صفحات هذا الكتاب مجموعة من المقالات المختصرة. لقد أردنا أن تكون كذلك لأننا نعتقد أن القارئ أصبح عجولا، قليل الصبر، لا يملك النفس الطويل لقراءة سِّفْر التأليف. إنه زمن الاختصار الذي أدركه المتشيعون إلى القصة القصيرة جدا، واللافتات الشعرية. ولا أعتقد أبدا أننا أردنا بهذا الاختصار أن نقف في صف الكاتب الأوروغوائي “إدوارد غاليانو” الذي قال ذات مرة: ” المصرفيون في حرب ضد التضخّم المالي، أمّا أنا فقد أعلنت الحرب ضد التضخّم الكلامي”.[1] لقد رغبنا في الاختصار حتى يشاركنا القارئ في” هوامل” ملاحظاتنا عن علاقتنا بالاتصال والإعلام والثقافة. ويشاطرنا مطارحة ما تثيره من أفكار. لذا حاولنا استخدام القصص والأمثلة والصور والشواهد عملا بقول الكاتبة والفيلسوفة الفرنسية مريال بربيري التي ترى أن العامة من الناس يفضلون الحكايات عن النظريات والصور عن الأفكار، وهذا لم يمنعهم من التفلسف.[2] ولعل هذا الكتاب يساعدهم على تحفيز ذكاءهم في التأويل أو على الأقل الوقوف على ما قالته جَدّة الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي في تأكيدها على أن الكلمات كالبصل كلما نزعت قشرة برزت معان جديدة.[3] وأملنا أن نرافق القارئ في عملية الفهم والتفكير والتأويل. وهنا يكمن السر في اختيار مساورات الكلمات عنوانا لهذا الكتاب. فالمساورة تعني عدم التسليم بالأفكار وعدم الاستسلام لها، والتصدي لليقينيات؛ أي إنها هامش من قلق السؤال وحيرة المساءلة، ووثوب التفكير. فإذا كان الفلاسفة يعتقدون أن ) كل حقيقة في العلم هي خطأ مؤجل.([4]، فمن الصعب أن تقدم الكتابة الحقيقة التي لا يقترب الشك من ساحتها. وفي تأجيل هذا الخطأ تتجلى مسؤولية الكتابة التي تتعاظم من يوم لأخر، في زمن تراجعت فيه قيمة الكلمة وفقدت هيبتها، حيث أصبح انتاج نص جامع المتعة والفكر والمعنى واقتسام تجربة صعب المنال، خاصة وأن القارئ لم يعد ذاك الخصم الذي يجب إبهاره بالكلام المنمق قصد الاجهاز عليه وإذعانه لقبول ما يسوق له من قناعات ومواقف.

ربما يعتقد بعض القراء أن المواضيع التي تتناولها هذه المقالات هي مواضيع صغيرة ولا تحتاج إلى الكتابة عنها أو التفكير فيها. للرد على هذا الاعتقاد لا نكتفي بالقول أن الفلسفة المعاصرة قد تخلت عن التفكير في القضايا الكبرى والمصيرية. وشرعت في التبصر في تفاصيل الحياة اليومية. بل يجب أن نكمله بالتأكيد على أن اتساع مواقع التواصل الاجتماعي في شبكة الانترنت وما أفرزته من امتداد ” سلطة القول”، التي تحدث عنها عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، أعادت النظر في مفهوم ” النص” وشجعت النظر إلى القضايا والوقائع عبر تفاصيلها، والتفاعل مع شذرات من الحياة الاجتماعية. فما يتضمنه هذا الكتاب قد يدفع القارئ البسيط إلى الاهتمام بالمواضيع ذات الصلة بالقضايا التي ظلت تشغل بال الباحثين والمفكرين في العلوم الاجتماعية والإعلامية تحديدا، والتي كانت تناقش في منابر بعيدة عنه أو تنشر برطانة تثنيه عن قراءة مضمونها. لكن هذا لا يمنعنا من الاعتراف أن الكتابات التي يتضمنها هذا الكتاب لم تبرح عتبات الحديث عن المواضيع الجديدة والمستجدّة في عالم الإعلام والاتصال. بمعنى أن الحديث عنها لم يستنفذ و التفكير فيها لا يكتمل، بل يظل في حيز المقدمات.

أخيرا، نتمنى أن نساهم في تحرير التفكير في علوم الإعلام والاتصال من بعض أوهامه وننقل التساؤل عن مكانة وسائل الاتصال في المجتمع إلى البحث عن مكانة المجتمع في وسائل الاتصال. هذا مع علمنا أن الناس يفضلون وهما يُسَكِّن من روعهم أمام حقيقة تشغل بالهم.[5]

 فهرس الكتاب:

 فاتحة المساورات:

 عتبات الحديث عن الاتصال والتكنولوجيا

  • لسنا كما ظنّ ابن الجوزي
  • التبكيت والتنكيت
  • جيل الإبهام الصغير
  • لماذا تفزعنا تكنولوجية الاتصال؟
  • الحروف المدفوعة مسبقا
  • بين الشارع والفيسبوك
  • ثقافة القص واللصق
  • كثرة المعلومات وقلة المعرفة
  • ما الحديث في “الإعلام” الجديد؟
  • وهم الانترنت أو أوهام مفكريها؟
  • من استباح الحياة الشخصية؟
  • مفارقة
  • إنه زمن الإيجّاز

عتبات الحديث عن الإعلام

  • الميديا وعبادة الجمال
  • ما وراء الخبر
  • هل يحفظون الدرّس؟
  • زَّلَّة اللسان أو زُّلَّة الفكر؟
  • عجلة الإعلام وعجالة الزمن.
  • الميديا واستبداد الترفيه.
  • منطق “داعم الحلق”
  • من تجارب السابقين
  • شذرات من الماضي
  • محو الأمية الإعلامية

عتبات الحديث عن الصحافة

  • إنهم يخطئون في الحساب
  • هل يظل الاستثناء استثناءً؟
  • هل تبلد صحافة الإثارة القارئ؟
  • هل تقوض الصحافة الديمقراطية؟
  • أطلبوا الحكمة ولو في كوريا
  • لماذا تَصْفَرّ الصحف؟
  • إنهم يودعون صحافة الخطاب
  • إنهم يتحدثون بدون حذر
  • اسكافيو الكلمات
  • التفاصيل الغائبة في الحديث عن الصحافة
  • تجارة جديدة
  • اعترافات صحافي متقاعد.
  • الصحافة ليست “أوبارج” اسبانية

عتبات الحديث عن التلفزيون

  • العيب والندم في برامج التلفزيون
  • عن تلفزيون الواقع
  • محنة التلفزيون
  • عمّ يضحكون؟
  • الصورة والنخبة والغذامي

 عتبات الحديث عن الكتاب

  • الضحك على ذهن القارئ
  • لقرصنة الكتب قصة أخرى

عتبات الحديث عن الجمهور والمستخدمين

  • هل يعانى مشاهدو التلفزيون إنفصام الشخصية؟
  • الحديث خارج الموضوع
  • بين التفاعل والانفعال
  • مزاج القارئ

المراجع

[1] –  محمّد محمّد الخطّابي: إدواردو غاليانو يقدّم كتابه الأخير ‘أبناء الأيّام’ في غرناطة: الإنسان صيغ من حكايات!  القدس العربي، 21/5/2012

[2] – Muriel Barbery: L’élégance du Hérisson, edition Gallimard, 2006, p 173

[3] – فاطمة المرنسي:  أحلان النساء الحريم، حكيات عن طفولة في الحريم، ترجمة  ميساء سري، داار ورد للطباعة، 1997، ص 78

[4] –  جان فرنسوا دورتي:  فلسفات عصرنا: تياراتها، مذاهبها، أعلامها، وقضاياها، ترجمة ابراهيم صحراوي، الدار العربية للنشر والعلوم، ومنشورات الاختلاف، 2009، ص 47

[5] -Michel Onfray : Entretien pour l’hebdomadaire tunisien REALITES; realisé par Hassan Arfaoui;   31 mai 2012

3- الإنتاج الثقافي الرقمي العربي: إرث الماضي ورهانات المستقبل ، صدر ضمن كتاب جماعي بعنوان:الإعلام الثقافي في الوطن العربي  في ضوء التطور الرقمي، المنظمة العربية للثقافة والعلوم، تونس،  2016  ص 155- 173

النص الكامل

أكد الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري[1]  أنّ الثقافة ترتبط في أذهاننا اليوم بشؤون فكرية لكنها لا تثير لدينا أي مضمون واضح. ولا تضع أمام أفهامنا دلالة دقيقة جليّة. لقد اقترنت بالوطنية في المنطقة العربية، في خمسينيات القرن الماضي، لتتميز عن الثقافة التي كانت مهيمنة في ذاك العقد في العديد من الأقطار العربيّة، وهي الثقافة الاستعماريّة، وتكون بديلا لها.

وحُمِّل مفهوم الثقافة الوطنية في تلك الأثناء بالكثير من التضمينات التي جعلت منه مشروعا سياسيا وأيديولوجيا يوحي بإيحائين. يشير الإيحاء الأول إلى أن الثقافة الوطنية هي ثقافة رسميّة، أي نتاج مؤسسات الدولة الوطنية الناشئة التي تستبعد أشكال الفعل الثقافي التي تجرى خارجها. ويدل الإيحاء الثاني على أن الثقافة تتسم بطابعها الفكري، وتشمل الهيئات والمنتجات الثقافية المكرسة والمشروعة؛ أي الثقافة العالِمة وليست الثقافة الشعبيّة. وبهذا اكتست طابعا نخبويّا. لذا رأى الفيلسوف المذكور أن الفهم المقبول للثقافة العربية في ذاك العقد لم يأخذ بعين الاعتبار بعدها الأنتربولوجي لأن الأنثروبولوجيا ) كاصطلاح كان خاصا بأولئك الذين يعنون بالبحث في أصل الحضارات وخصائصها المتميزة، خصوصا البدائية منها. وهذا الموضوع لم يكن يهم بشكل مباشر عالم الفكر في الأقطار العربية التي كان الكثير منها محكوما بما يسمى ” القضية الوطنية” التي تمثلت في الكفاح من أجل الاستقلال أو لتحرير الثقافات الوطنية مما تعرضت له من تدمير في العهد الاستعماري.)[2]

نلاحظ اليوم أن مفهوم الثقافة الوطنية انسحب من التداول اليومي في مختلف المنابر والفضاءات في العصر الرقمي. فصفة الوطنية انفصلت عن الثقافة. وبدت الثقافة الرقمية كأنها في غنى عن أي صفة إضافية مكتفية بما تملك من دلالة تقنية تسمو على “ما هو وطني” أو تفيض عليه. وأوحت صفة الرقميّة ببعدها عن أي رهان سياسي وفكري. وهذا لا يعني أنها بمنأى عن أي نقاش أو جدل ذي طابع فلسفي في مساءلة علاقتنا بالتقنية.

في مفهوم الثقافة الرقميّة

يبدو أن مفهوم الثقافة الرقمية لا يثير أي خلاف وذلك لأن الجميع يتفق على ما يوحي به من علاقة بين الثقافة والتقنية، بيد أن اللبس والغموض يكتنفان هذه العلاقة ذاتها. لقد أشار الأستاذ الجامعي كرستوف جنين (Christophe Genin  (إلى أن مفهوم “الثقافة الرقميّة” يحتوي على الكثير من الأشياء المختلفة والمتنوعة، مثل إجراءات التسجيل الصوتي والمرئي واسترجاع الصوت أو الصورة والمُعَدّات التي تستفيد من هذا الإجراء، مثل الكاميرا والهاتف ومُشَغِل الأقراص المدمجة أو المُنْتَجات المنجزة بفضل هذه الإجراءات التقنية، مثل القرص المدمج ((CD ، وموقع في شبكة الانترنت، وغيرها.[3] ولعل هذا اللبس يعود إلى الفهم السالف للثقافة الذي حصره جيلي هاردوين (Julie Hardouin ( وألفريد منتسكيو (Alfred de Montesquiou ) في المستويين التاليين : يحيل المستوى الأول على حوامل الثقافة، ويشير المستوى الثاني إلى مسار التملك لكل ما اكتسب خلال التاريخ ومن الأجيال السالفة عبر الفكر. ويشمل على وجه الخصوص اللغة المشتركة، والمعارف العلميّة والأدبيّة[4]. ويبدو أن هذا الفهم السالف مفيد في تحديد الواقع الذي يغطيه مفهوم الثقافة بيد أنه يؤكد صعوبة فصل الثقافة الرقمية عن الحوامل التقنية الراهنة التي تساهم في نشوء بيئة رقمية متكاملة.

ويعرف “ميلاد دويحي” ( Milad Doueihi) الثقافة الرقمية بأنها تغيير جذري أدخل ممارسات جماهيرية إلى الثقافة، ووضع معايير ثقافية جديدة أعادت النظر في المواضعات (conventions  ) والتقاليد المعترف بها في المجال الثقافي.[5]

تتجاور العديد من المصطلحات والمفاهيم مع الثقافة الرقمية أو تتداخل معها، نذكر منها  الثقافة التعبيرية[6]  والثقافة الافتراضية أو السيبرية (cyberculture) التي تستعمل، في الغالب، كمرادف للثقافة الرقمية أو بديل لها بالمعنى الذي حدده أندري لموس[7] (André Lemos ). لقد رأى هذا الأخير أن الثقافة الافتراضية نجمت عن تداخل تكنولوجيا الاتصالات والمعلوماتية و تدل على علاقة جديدة بين التكنولوجيا والتنشئة الاجتماعية وفق القوانين الثلاثة التالية: حرية البث والنشر التي تتيح  بروز الأصوات والخطب التي أقصتها الصناعات الثقافية وقهرتها، والربط بالشبكات، وإعادة تشكيل الثقافة عبر المنظومات والممارسات الإعلامية والفضاءات التي لا تحلّ محلّ الأشكال الثقافية القديمة.

وتستبدل ثقافة المواءمة بالثقافة الرقمية. ولا يقصد بالمواءمة في هذا المقام بمعناها التقني الضيق الذي يعني تمكين منتج ثقافي ما ( رواية، موسيقى، فيلم، وغيره ( من الانفصال عن حامله      وقابلية حفظه في أكثر من وعاء رقمي، ومضاعفة نسخه وانتقالها عبر حوامل  تقنية مختلفة، بل يقصد بها تلك التي تؤول إلى التشارك، كما رآها الباحث الأمريكي ” هنري جنكيز (Henry Jenkins )، إذ يعتقد أن ( انفجار أشكال الإبداع الجديدة التي تقع في نقطة تقاطع وسائط الإعلام والتكنولوجيات، والصناعات والمستهلكين يشجع ظهور أشكال جديدة من المشاركة ويمنح للأشخاص الوسائل والأدوات لنشر المحتويات، والتعليق عليها، وتملكها، وأرشفتها).[8]

ما وراء المفهوم

تأسيسا على ما تقدم يمكن القول أن التكنولوجيا الرقمية غيرت الثقافة تغييرا جذريا لم يتردد الكثير من الكتاب بمقارنتها بالثورة التي أحدثتها المطبعة في عالم الثقافة والتعليم والفكر. فالثقافة الرقمية هي التعبير الرمزي عن التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع في مجال الاتصال والتعليم والمعرفة والاقتصاد والسياسة والعمران والتنظيم الاجتماعي. لذا لا يمكن اعتبار رقمنة الثقافة مجرد عملية تقنية، وأن الثقافة الرقمية مجرد نقل الثقافة من الورق إلى بنوك المعلومات المَحشيَّة  في بطون الخوادم والأقراص المدمجة وشبكة الانترنت. فلا تكمن علاقة الشبكات بالثقافة في الطريقة التي تعبر بها هذه الشبكات عن الثقافة الموجودة بمنأى عنها أو التي وجدت قبلها، ولا في الأسلوب الذي تؤثر به هذه الشبكات عليها. إن هذه العلاقة ماثلة في الفضاء الجديد الذي يملك ثقافته الخاصة أو ينشئها والتي تظل على صلة مستمرة بالثقافة التي سادت وتسود خارج الشبكات الرقمية.[9]

نعتقد أن هذا الفهم يحدد الأفق الذي يوجه التفكير في عملية الإنتاج الرقمي للثقافة العربية، ويؤطر تقييم ما تم إنجازه في هذا المجال.  وحتى نؤسس هذا التفكير على قواعد صلبة وسليمة لابد من استحضار ما يشكل خصوصية الثقافية الرقمية، ليس من منظور ما يميزها عن الثقافة الورقية فقط، بل من المنظور الأنطولوجي والفلسفي، ونلخصها في النقاط الثماني التالية:

يؤكد مارك غيوم ( Marc Guillaume) [10] بأن جوهر التكنولوجيا الرقمية ليس رقميا. إنه  يكمن في الإبدال العام Commutation . بمعنى إن هذه التكنولوجيا أداة لإقامة روابط غير متناهية. وتتمثل عبقرية ما هو رقمي في عنونة كل شيء : الأقوال، والنصوص، والصور، والخرائط، والمدن، والأشخاص، والأسماء، والكتب، والأفلام، والأغاني، والموسيقى وغيرها…

تتسم الثقافة الرقمية بنشأتها المستأنفة لأنها منتج ” تشكيلي”؛ بمعنى قابليته لإعادة التشكيل. إنها تتطلب من مستخدمه/ مستهلكه المساهمة في استكماله ليس بتعليقاته عليه فقط، مثلما يلاحظ على مواقع الشبكات الافتراضية، بل بتملكه وإخضاعه لحاجته ورغباته، وإعطائه معنى

تمنح الثقافة الرقمية الإمكانيات للفرد وللمجتمع المدني للاستحواذ على الثقافة فتحررها من نخبويتها. وهذا يعني تعزيز المفهوم الانتربولوجي للثقافة وتجسيده عبر تغلغل المنتج الثقافي في مختلف الأوساط والشرائح الاجتماعية.

تسمح الثقافة الرقمية بالتمفصل بين الثقافات المختلفة: العالمية، والوطنية والمحلية[11] بالمعنى الجغرافي وليس بتضميناتها السياسية والأيديولوجية، والثقافة المحلية، من جهة،  وتعمل، من جهة أخرى، على إنتاج ثقافة تتجه لفك ارتباطها بالمكان، فهي ثقافة اللامكان أو الثقافة التي يشارك فيها الجميع من كل الأمكنة حسب قدراتهم وإمكانياتهم وزادهم الثقافي.

تتجاوز الثقافة الرقمية فلسفة ” الثقافة للجميع” التي أصبحت ” ثقافة لكل فرد” على يد وزير الثقافة الفرنسي السابق “أندري مالرو ( Andre Malraux ). لقد اعتقد هذا الأخير أن “الثقافة للجميع”، التي تنم عن نية طيبة تتمثل في توصيل الثقافة إلى جميع المواطنين و إضفاء الطابع الديمقراطي على الثقافة الراسخة والمُؤَسسة، لا تخلو من حمولة إيديولوجية نخبوية. فالنخبة  من منظور هذه الفلسفة هي التي تملي على “الشعب” الثقافة التي يجب أن يتغذى بها. وتعني ” ثقافة لكل فرد” أن الذين يريدون ثقافة معينة، ولهم الحق فيها ينالونها.[12] تقترح الثقافة الرقمية فلسفة تؤمن بأن ” لكل فرد ثقافته”. وثقافته في هذا المقام تملك دلالتين، يقصد بالدلالة الأولى أن للفرد الثقافة التي يريد الإطلاع عليها والتمتع بها والاستفادة منها  والاحتفاظ بها واقتسامها مع غيره. وهذه الدلالة كامنة في فلسفة ” ثقافة لكل فرد”. ويقصد بالدلالة الثانية الثقافة التي ينتجها الفرد أو يساهم في إنتاجها ويبثها أو ينشرها وينتظر رد الفعل عليها سواء في شكل نقد أو تعليق أو إعادة إنتاج وتوسيع دائرة انتشارها لتتجاوز السياق الذي أنتجت فيه. لذا نلاحظ بأن شبكة الانترنت هي الفضاء المفضل لتجسيد هذا المبدأ. لقد صدق فيليب كيو  (Philippe Quéau ([13] عندما أكد على عدم وجود جمهور الانترنت لأن مفهوم الجمهور لا ينطبق على شبكة الانترنت بتاتا التي تتوجه للجميع، أو لكل من يملك إليها سبيل ليفعل بها ومعها ما يريد وما يحتاج.

تعّد الثقافة الرقمية ثقافة الذكاء الجماعي الذي يتنافي والتراتبية. ثقافة أفقية تؤمن بأن المعلومة يجب أن تكون عمومية، أي تنشر حتى يطلع عليها الجميع، وتخضع للنقد الذي يمنحها قيمة.[14]

لا تحافظ الثقافة الرقمية على الفصل الذي عمر طويلا بين الثقافة العالمة أو الثقافة الراسخة والثقافة الشعبية، والثقافة الرسمية والثقافات الفرعية وإن كان رأسمال قد عمل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الالتفاف على الثقافات الفرعية وإذابتها في الثقافة الجماهيرية، وعلى تصنيع الثقافة الشعبية وتنميطها وتسليعها بما فيها الثقافة الشعبية في بعض الأقطار العربية. لقد عجلت التكنولوجية الرقمية إذابة هذه الثقافة ودفعتها بشكل أقوى نحو العالمية.[15]

يعتقد طبيب الأمراض العقلية الفرنسي والمختص في الصورة ، سارج تيسرون (Serge Tisseron  )[16]، أن الثقافة تقترب من اللغة  وأشكال العلاقة والنقل والإرسال بقدر ما هي مواد وأشياء ثقافية في حد ذاتها. ويرى أن الثقافة الرقمية بصدد تحرير الثقاقة ككل من مرجعية الكتاب. فالشريط المرسوم والسينما التي تعد الحجر الأساسي في ثقافة الشاشة ظلت، في نظره مبنية وفق أنموذج الكتاب، وتخضع مدونتها الفيلمية لمنطق الكتاب في خطية الأحداث، وبنائها السردي ذى التسلسل الزمني المتدرج أو العكس.

المحتوى الرقمي العربي : ملامح ورهانات

قطعت بعض الأقطار العربية شوطا كبيرا في مجال ” رقمنة التراث” العربي  سواء بالمبادرات التي قامت أو تقوم بها المؤسسات الخاصة وهيئات المجتمع المدني أو التي اضطلعت أو تضطلع بها مؤسسات الدولة منفردة أو بالتعاون مع البلدان الأجنبية والمنظمات الدولية، مثل منظمة اليونسكو والاتحاد الدولي للاتصالات، وغيرها، كالمشروع الموسوم بـــ ” ذاكرة العالم العربي” الذي يدعمه الاتحاد الدولي للاتصالات بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصرية، ومركز الوثائق والتراث الثقافي والطبيعي المصري.

ولتوضيح هذا الشوط نذكر تجربة القرية الإلكترونية، وهي شركة خاصة في دولة الإمارات، التي أطلقت موقع الوراق الإلكتروني( http://www.alwaraq.net ). لقد بدأت هذه الشركة مشروعها في شكل مكتبة خاصة في قرص مدمج  CD في 1996  ليتحول بعد أربع سنوات إلى موقع في الشبكة العالمية يَضُمّ أهم عيون التراث العربي في اللغة والشعر والأدب والفقه والحديث والتصوف والأنساب، ثم أطلقت موقع المسالك ) http://www.almasalik.com ) في 2005 ووجهته لجمع التراث المكتوب الخاص بأدب الرحلات ونشره، وموقع “حوايا” للشعر الشعبي بمنطقة الخليج ( http://www.7awaya.com )  في السنة 2008. [17]

ويمكن أن نشير في هذا الإطار إلى موقع الأصول الرقمية بمكتبة الإسكندرية في شبكة الانترنت (http://dar.bibalex.org ) وهو عبارة عن بنك رقمي لمقتنيات مكتبة الإسكندرية   وإدارته. ويسمح بالاستفادة من النص الرقمي كاملا بالنسبة للكتب التي سقطت عنها حقوق التأليف ودخلت إلى مجال الملكية العمومية، ومن الخرائط الرقمية والصور وأفلام الفيديو والملفات السمعية والسمعية البصرية.

ويمكن أيضا الإشارة إلى جهود جمعية الماجد للثقافة والتراث التي عملت منذ تأسيسها في 1991 على جمع التراث العربي الإسلامي المكتوب حيثما يوجد وترميمه، والحفاظ عليه من الاندثار. وتعمل حاليا على رقمنته، ونشر ما دخل منه إلى حيز الملكية العامة في شبكة الانترنت قصد تعميم الاستفادة منه على أوسع نطاق. هذا إضافة إلى مشروع محمد بن راشد آل مكتوم لرقمنة مخطوطات الأزهر، والجهود التي تبذلها دول المغرب العربي لرقمنة تراثها القديم، مثل رقمنة مقتنيات المكتبات الجامعية  كمكتبة جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية بقسنطينة- الجزائر- من الفقه المالكي والأحاديث والسير النبوية والفلسفة والطب وتاريخ اللغة العربية والأدب والشعر والتي يعود تاريخ بعضها إلى 1187 ميلادي. ورقمنة المكتبة الوطنية المغربية ودار الكتب التونسية ومشروع “ريمار” الذي انطلق عام 2012 بالمملكة المغربية ويجمع مؤسسات مغربية وإسبانية للعمل من أجل رقمنة الذاكرة المغربية الأندلسية المشتركة.

وبجانب رقمنة  التراث العربي المكتوب للحفاظ عليه من الضياع والتلف، خاصة بعد أن تزايدت الأخطار التي تهدده في أكثر من قطر عربي وإسلامي بدءًا بالمالي الثرية بمخطوطاتها القديمة وصولا إلى اليمن، هناك العديد من المشاريع الثقافية الطموحة التي تسعى إلى تعزيز النشر الرقمي وليس رقمنة ما هو موجود، نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر، مركز توثيق التراث الثقافي والطبيعي المصري التابع لمكتبة الاسكندرية الذي أنشئ في 2000 بدعم من وزارة تكنولوجيات الإعلام والاتصال. وبوابة ” حكومي” الإلكترونية القطرية التي تسعى إلى توفير المعلومات والخدمات الحكومية في 2011. والعديد من المشاريع في المملكة العربية السعودية التي انطلقت في 2011 من أجل نقل المملكة إلى مجتمع المعلومات والمعرفة، لعل أبرزها المشروع المسمى” ارتقاء” الذي يعدّ أحد المزودين الرئيسين بالمحتويات الرقمية على الجوال ويتضمن مكتبة رقمية. ومشروع ” اثنان أربعة و54″ ( رقم إحداثيات موقع أبو ظبي الجغرافي) الذي “يسمح بتطوير محتويات الإعلام والترفيه الرقمي ذي النوعية الرفيعة بالعرب ومن أجل العرب.”[18]

لا تقدم المشاريع المذكورة لوحة كاملة للجهود المبذولة من أجل الارتقاء بالمحتوى الرقمي العربي غير أنها ترسم، مع بقية المشاريع الحالية والقادمة أفاقا مستقبلية للاستثمار التقني والبشري والثقافي في مجال المحتويات الرقمية العربية. لذا فإنها تحتاج إلى تنسيق الجهود العربية في هذا المجال. فبعض التقارير العربية والأجنبية الخاصة بمجتمع المعلومات في المنطقة العربية تشير إلى نقص التنسيق بين الدول العربية في هذا المجال، وتحث على استدراكه.

وتدعو هذه المشاريع إلى تقييم ما تم إنجازه في مجال الإنتاج الثقافي العربي الرقمي من أجل الاستفادة من دروس الماضي. وسيكون هذا التقييم مثمرا دون شك إن أخذ بعين الاعتبار الرهانات المطروحة على المنطقة العربية في مجال تجديد ثقافتها في العصر الرقمي. التقييم الذي يجب أن يرتبط بخصوصية الثقافة الرقمية وبيئتها من جهة، وبالسياق التاريخي والسياسي التي تطرح فيه المسألة الثقافية في الأقطار العربية، من جهة أخرى. ويمكن إدراج هذه الرهانات في المستويات التي نحاول أن نفصلها عن بعضها البعض من باب التوضيح فقط، بينما الواقع يؤكد تشابكها ، وهي كالتالي:المستوى التقني، والاقتصادي والاجتماعي، والقانوني،  والتواصلي، والثقافي والفكري.

المستوى التقني:

تجمع معظم التقارير على أن معدل نسبة الحضر في الأقطار العربية بلغ 63% وقد يصل إلى  80% في بعضها. وأن حوالي 50% من سكان هذه الأقطار يقل سنهم عن 24 سنة. وهذان العاملان يشكلان ضغطا متزايدا على البلدان من أجل استخدام شبكة الانترنت والاتصالات وتطويرها. ورغم الجهود المبذولة من أجل تعميم البنيات التحتية الكفيلة بإنتاج المحتويات الرقمية وتعميمها إلا أن ” الفجوة التكنولوجية” بين الأقطار العربية لا زالت قائمة. لقد زادت نسبة تغلغل الانترنت ذي التدفق العالي عبر المحمول في 2012 عن 25 %  في معظم الأقطار العربية، وعن 50% في ثمان منها فقط، وبلغت  70% في بعضها القليل جدا.[19] وتوجد هذه الفجوة حتى في القطر الواحد كاشفة عن التفاوت بين المدينة والريف. هذا إضافة إلى غياب التشبيك الانترناتي المباشر بين الأقطار العربية. وإن كانت بعض الأقطار العربية لم تستخدم الألياف البصرية بعد في توصيل شبكة الانترنت، فالأقطار التي تستخدمها لم تتمكن بعد، مع الأسف، من استثمار طاقاتها التوصيلية لضعف رصيدها من إنتاج المحتويات الرقمية المختلفة وبثها: الاتصالات الهاتفية، وخدمة الانترنت، والبث التلفزيوني…

إذا كان للوسائل الإعلام السمعية والسمعية البصرية دور كبير في الإنتاج الرقمي فإن البث الرقمي الأرضي الإذاعي والتلفزيوني في جل الأقطار العربية مازال متأخرا مقارنة بالبلدان الأجنبية ذات الأوضاع المشابهة. ربما كان للبث الرقمي الفضائي الذي اختارته الأقطار العربية، بما فيها تلك التي توجد في أقاليم ذات مساحة صغيرة،  تأثير على محدودية البث الرقمي الأرضي.

يبدو أن العقبة التي تواجه تطور المحتوى الرقمي في الأقطار العربية  تكمن في كلفة الاشتراك في الانترنت ذي النطاق العريض Band Width. لقد كان هذا الاشتراك، في 2012 ، يكلف أي شركة مبلغا ماليا يزيد بـ 2250%  عما تدفعه لو كانت موجودة في بلد من بلدان منظمة أعضاء التنمية والتعاون الاقتصادي.[20] ويزيد سعر واحد ميغابايت في الثانية في الأقطار العربية  بــ 1000 % عن سعره في بلدان المنظمة الذكورة في السنة ذاتها.[21] وهذا يعني أن 40% من الفئات الأكثر فقرا في اليمن، على سبيل المثال، تدفع 50% من دخلها من أجل الاشتراك في الانترنت ذي التدفق العالي المحمول و 46 % من أجل الاشتراك في الانترنت على الخط الثابت ذي التدفق العالي.[22] وهذا خلافا للوضع في الدول الخليجية التي لا يزيد السعر فيها عن 5% من الدخل.

بالطبع إن لم تعالج هذه المعيقات التقنية والاقتصادية التي تعاني منها الكثير من الأقطار العربية  في المستقبل القريب،  في إطار تعاون اقتصادي- تقني عربي، ستزن بثقلها على طموح الأقطار العربية ككل. الطموح لرفع حضور محتوياتها الرقمية في مواقع شبكة الانترنت من 1.5% إلى ما بين 4 و5% من مجمل المحتويات الموجودة في مواقع شبكة الانترنت في حدود السنة 2020. و تشجيع الانترناتيين على رفع “استهلاكهم” للمحتويات الرقمية إلى 50 جيغا بايت في الشهر في حدود السنة المذكورة.[23]

لعل هذه المؤشرات تدفع إلى التفكير في العلاقة بين مستوى استخدام الانترنت والدخل الوطني والدخل الفردي، والتي ترهن، إلى حد ما، إنتاج المحتوى الرقمي في الأقطار العربية.

لقد قطعت الأقطار العربية شوطا كبيرا في تذليل الصعوبات التي يواجهها الحرف العربي في ولوجه البيئة الرقمية وفي إعداد النسخ العربية لمختلف البرمجيات التي لا تكف عن التجديد والتطور. ونعتقد أن المشاريع المطروحة اليوم في المنطقة العربية، مثل مشروع ” أبليكشن أرابيا” Apps Arabia  الذي تشرف عليه  مؤسسة ” ” اثنان أربعة و54″  يساهم في تذليل المزيد من الصعوبات التي يواجهها الحرف العربي، خاصة تلك يشتكى منها الناشر العربي للكتاب الرقمي والمتمثلة في تطبيقات برنامج (  ( Epub باللغة العربية. فهذا المشروع يعد همزة وصل بين مطوري برامج الكمبيوتر والانترنت ومخترعي المحتويات. هذا دون أن ننسى أن للسوق كلمته في هذا المجال. لقد دفع الشركات العالمية العملاقة في مجال المعلوماتية والانترنت إلى تعريب الكثير من التطبيقات والبرمجيات.

المستوى الاقتصادي والاجتماعي:

إن تعزيز المحتوى الثقافي الرقمي العربي وتطويره يظل مرهونا بالشرط الاجتماعي والاقتصادي. فالشرط الاجتماعي يتمثل في امتصاص البطالة والقضاء على الأمية قبل الأمية الإلكترونية التي تعني التحكم في استخدام الكمبيوتر واستعمال شبكة الانترنت. فالعديد من التقارير العربية والدولية تؤكد وجود 51.8 مليون أمي في المنطقة العربية  يزيد سنهم عن 15 سنة، في العام 2012، منهم 66% إناث! وإن معدل نسبة المتعلمين الذين يزيد سنهم عن 15 سنة بلغ 77.5 % في السنة ذاتها.[24] ويتطلب الشرط الاقتصادي إعادة النظر في السياسات القطرية التي تحدد معالم الأنموذج الاقتصادي الذي يجب اتباعه على مستوى كل قطر من جهة، وإحداث انسجامها على الصعيد القومي. الأنموذج الذي يحدد أشكال التعاون بين القطاعين العام والخاص في الاستثمار في التجهيزات التقنية بغية الوصول إلى أدنى سعر للاشتراك في شبكة الانترنت ذي التدفق العالي  في أفق 2020، أي تخفيض سعر الاشتراك الشهري في شبكة الانترنت ذات سعة واحد جيغابايت إلى دولارين فقط في الشهر بغية القضاء على الفجوة القائمة بين الأقطار العربية.

يذكر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن معدل النفاذ إلى شبكة الانترنت لا يتجاوز 10 % من في جيبوتي وجزر القمر والعراق وموريتانيا، بينما يزيد عن 85% في قطر والبحرين والإمارات.[25] ويتطلب الشرط الاقتصادي أيضا رسم سياسة  تشجع على اقتناء الكمبيوتر ومستلزماته والاشتراك في شبكة الانترنت. ويمكن الاستلهام في هذا المجال من سياسة تدعيم سعر الكتاب التي طبقتها  بعض الأقطار العربية في ستينيات القرن الماضي وسبعيناته. وكذا البحث عن أشكال تمويل إنتاج الثقافة الرقمية وتحقيق العدالة في توزيع عائداتها المالية على مختلف الفاعلين في صناعة الثقافة الرقمية والانترنت والاتصالات.

ويمكن أن نسجل بكل أسف، في هذا المقام، عدم تعميم تجربة “الانترنت المجاني” على الأقطار العربية، خاصة في تلك التي يعاني فيها الفرد من مدخول مالي ضعيف. للعلم لقد خاضت  مصر هذه التجربة ثم تراجعت عنها بسرعة نسبية. [26]وهي تجربة رائدة تسمح بتحميل المحتويات الثقافية المجانية وتحدّ من ظاهرة ” الند للند” التي تعدّ أكبر خطر يهدد المؤلفين والكُتّاب والموسيقيين والمخرجين في قوتهم جراء حرمانهم من عائدات حقوق التأليف والحقوق المجاورة. ويبدو أن تحديد سعر معين وثابت للاشتراك في الانترنت مقابل الإطلاع على المحتويات الثقافية الرقمية وتحميلها، بصرف النظر عن عدد زيارة المواقع وحجم ما يُحمّل منها، يعدّ افضل طريقة للمساهمة في تمويل الإنتاج الرقمي الثقافي. بالطبع هذا لا يعفي الدولة في أي قطر عربي من مسؤوليتها الاجتماعية والسياسية في المجال الثقافي. المسؤولية التي تفرض عليها تطبيق مبدأ ” الحق في الثقافة” الذي يعادل” الحق في التعليم”.  ويمكن الاستفادة من دروس  الماضي في قطاع السينما، على سبيل المثال. فماذا جنينا من انسحاب الدولة من الاستثمار في هذا القطاع، في بعض البلدان العربية التي كانت رائدة في الإنتاج السينمائي سوى ” أفلام الشقق المفروشة” التي لم تقدم قيمة مضافة للسينما والإبداع العربيين. وماذا جرى للسينما الجزائرية بعد أن حلت مؤسسات إنتاجها؟ لقد دفعت بالمخرجين إلى البحث عن تمويل أجنبي، ومن فرنسا تحديدا من أجل تقديم أفلام تنظر إلى الواقع الجزائري بعيون فرنسية أو تنظر إلى العرب بصور نمطية معروفة.

إن الرهانات التي يطرحها الإنتاج الثقافي الرقمي العربي تتطلب عدم تسليمه لمنطق السوق لأن القطاعين العام والخاص العربيين لا يملكان ما يمكنهما من مقاومة الشركات الدولية العملاقة التي اتجهت إلى الاستثمار في مجال رقمنة الثقافة واختزالها في الترفيه. ويمكن أن نشير، في هذا المقام، إلى أن أول مسلسل رقمي عربي يبث في شبكة الانترنت والموسوم بـ ”  Shankaboot ” مولته وأطرته شركة ” البي بي سي وورد”. ولم تقم به شركات القطاع العام أو الخاص العربية العاملة في قطاع الثقافة.

وإن اختزال الثقافة في الترفيه يعني تحويلها، بشكل أو أخر، إلى مشروع تجاري لا غير. فالثقافة بالنسبة إلى الشركات الدولية العملاقة هي مشروع تجاري. ومن يشك في هذا القول فليراجع  المعركة ” القانونية” التي خيضت ضد شركتي ” ميكروسوفت” و”غوغل” في الولايات المتحدة الأمريكية وأروبا لرقمنة الكتب ومحتويات المكتبات من خلال المسح الضوئي، بما فيها تلك التي لازالت مصانة بحقوق التأليف. لقد قادت هذه المعركة بعض المكتبات العمومية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى إبرام اتفاقية مع ” اتحاد المحتوى المفتوح” (  Open Content Alliance) الذي يتيح المجال للأنترناتيين من الاستفادة من الكتب مجانا.

المستوى القانوني:

إن تطوير الإنتاج الثقافي الرقمي العربي يطلب إطارا قانونيا متجددا. فتكنولوجيا الاتصال والإعلام تتطور بإيقاع أسرع من نشاط السلطات التشريعية في الأقطار العربية. ولعل المشرع العربي يدرك أكثر من غيره حجم الفراغ القانوني الذي يعاني منه الإنتاج الثقافي الرقمي. وهذا يتجلى أكثر في النشر الرقمي، والبث الإذاعي والتلفزيوني الرقمي. فالأمر يتطلب الاجتهاد في تحديد ما هو المنتج الثقافي الرقمي حتّى يتم التوصل إلى تشريع يقنن استخدامه من جهة، ويضبط قانون ملكيته من جهة أخرى. فالثقافة الرقمية تملك خصوصيتها في مجال الملكية الفكرية والإبداعية مقارنة بالكتاب الورقي أو المسرحية أو الرواية أو الأغنية المنتجة وفق التكنولوجية التماثلية. وتنبع هذه الخصوصية من تعدد المساهمين في المنتج الثقافي الرقمي وتداخل مهامهم، والذين يشكلون طائفة من فنيي الصورة والصوت وكتاب النص أو السيناريو، والرسامين والقائمين بالغرافيكس والموسيقى والإخراج، ومطوري برامج الكمبيوتر، والمؤسسات المنتجة والباثة.

لعل ما يعيق المؤسسات الخاصة والعامة التي اتجهت إلى رقمنة التراث العربي المكتوب ، والتي ذكرنا بعضها أعلاه، يكمن حق الملكية الفكرية، فاقتصر نشاطها، في الغالب، على التراث الذي دخل إلى حيز الملكية العمومية( Domaine public ). لذا لابد من اجتهاد قانوني لتكييف حقوق المؤلف والحقوق المجاورة مع خصوصية البيئة الرقمية.

إذا كنا قد أشرنا إلى أن أحسن صيغة لتقنين مساهمة مستخدم الانترنت العربي في الإنتاج الثقافي الرقمي المتوفر في الشبكة تتمثل في ” الرخصة  الشاملة” والمتمثلة في إضافة رسوم على فاتورة الاشتراك في شبكة الانترنت ذات التدفق العالي، مقابل السماح له بتحمّيل المواد الثقافية، فهذا لا يمنع من الإشارة إلى الأشكال الأخرى المتاحة للاستفادة من الإنتاج الرقمي في شبكة الانترنت. نذكر منها الرخصة الشاملة الاختيارية، أي أن  يدفع مستخدم الانترنت مبلغا من المال مقابل ما يريد تحمّيله فقط، والرخصة الشاملة المتدرجة، بمعنى أن مستخدم الانترنت الذي يكتفي بالإبحار في شبكة الانترنت فقط غير ملزم بدفع أي رسوم. أما من يقوم بتحمّيل المحتويات الثقافية الرقمية فيدفع اشتراكا جزافيا يتدرج نحو الزيادة حسب ارتفاع حجم المواد التي يحمّلها. ويبدو أن هذا الحل يروم تحقيق نوع من المساواة بين مستخدمي الانترنت.

المستوى الاتصالي:

قفز عدد مستخدمي اللغة العربية في شبكة الانترنت من 60 مليون في 2008 إلى 135.6 مليون في 2011 ويقدر تقرير المعرفة العربي للعام 2014 أن نسبة زيادة مستخدمي هذه اللغة في شبكة الانترنت خلال الفترة الممتدة من 2000 إلى 2013 بلغت 5296%. [27] وإن كانت هذه النسبة مرتفعة إلا أن العديد من التقارير الدولية تجمع على أن حضور اللغة العربية في العالم الافتراضي يظل ضعيفا مقارنة بوزن المنطقة العربية الديمغرافي، حيث يلاحظ أن 18.8 % فقط من الناطقين باللغة العربية يستخدمون الانترنت في 2011 ، وهي نسبة متواضعة مقارنة بنسبة الناطقين باللغة الألمانية التي بلغت 79.5 %، على سبيل المثال، والناطقين باللغة اليابانية التي بلغت نسبتهم 78.4% وحتى الناطقين باللغة الكورية الذين بلغت نسبتهم 55.2%[28].  ومتواضعة أيضا بالنسبة لسوقها الثقافي ولتراثها الأدبي والفكري والفني. ومن المحتمل أن يوعز البعض هذا الأمر إلى أن الجهود التي بذلتها الأقطار العربية ولازالت من أجل الحصول على اسم نطاق، أي عنوان بروتوكول إنترنت، خاص بالمنطقة العربية (.arab)  لم تكلل بالنجاح لحد الآن مع الأسف. وكذا  تعريب عناوين البرتوكولات.

يبدو أن حضور اللغة العربية في شبكة الانترنت يطرح حقائق أكثر تعقيدا لكنه لم ينل حقه من النقاش والتفكير مع الأسف. وهذا ما تكشف عنه الإحصائيات التالية.

لا يتواصل سوى ما يعادل 0.162 % من أجهزة  خوادم الانترنت في المنطقة العربية مع  0.198 % فقط من أجهزة خوادم الانترنت في العالم! وأن نسبة المواقع العربية التي تقع  ضمن مليون موقع في شبكة الانترنت المصنف في المرتبة الأولى عالميا لا تزيد عن 0.187% فقط.[29] ولا يزيد عدد الصفحات المكتوبة باللغة العربية في شبكة الانترنت عن 3% فقط من مجمل الصفحات المنشورة في الشبكة ذاتها بكل اللغات. [30]

تؤكد المصادر الصحفية باستمرار على التزايد المضطرد في عدد المشتركين النشيطين في مواقع الشبكات الاجتماعية المختلفة في المنطقة العربية – رغم تضارب الإحصائيات الرسمية. وهذا مؤشر جيد يشجع الإنتاج الرقمي الثقافي العربي على أكثر من صعيد لأن هذه المواقع تتضمن وصلات إلكترونية تحيل على موقع الكتب التي تصدر حديثا، و الأفلام والأغاني، والروايات والأشعار. كما أن لمواقع الشبكات الاجتماعية دور في تعميم الأخبار الثقافية وتأثير على المجموعات في اختيار الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، والكتب، وغيرها من المواد الثقافية. وتساهم في إرساء تقاليد ” استهلاك” منتجات الثقافية. إن تزايد عدد المشتركين في مواقع الشبكات الاجتماعية  في المنطقة العربية على أهميته لا يجب أن يحجب بعض الحقائق، منها:

أولا : تشترط الثقافة الرقمية المشاركة في إنتاجها، مثلما أوضحنا أعلاه، بينما تظل المساهمة الفردية في إنتاج الثقافة العربية الرقمية محدودة جدا. وبعيدة جدا عن المساهمات الفردية الأجنبية إذ يذكر أن 40% من المتصلين بشبكة الانترنت ذي التدفق العالي من الفرنسيين ينتجون محتويات.[31] علما أن اللغة الفرنسية لا تحظى بالمكانة التي تحظى بها بقية اللغات العالمية، مثل الإنجليزية والإسبانية.

ثانيا: تعاني الكثير من مواقع المؤسسات الثقافية العربية في شبكة الانترنت من فقر المحتوى الرقمي، مع الأسف، وبعضها الذي يملك محتوى لا يجدده باستمرار، ناهيك على أن الكثير منها يأخذ طابعا دعائيا وترويجيا. ربما يجادل البعض بالقول أن ضعف الانتاج الثقافي الرقمي العربي يشكل امتدادا لعجز الإنتاج الثقافي العربي في العصر ما قبل الرقمي، ويستدلون بوضع الكتاب وإنتاجه والترجمة من اللغة العربية وإليها. وهو الإنتاج الذي لا يصل إلى ما تنتجه إسبانيا أو اليونان على سبيل المثال. وقد يؤكدون استدلالهم هذا بقلة الإقبال على القراءة في الأقطار العربية.

 ثالثا : مرئية ما ينشر من ثقافة رقمية. حتى يمكن النفاذ إلى ما ينشر في شبكة الانترنت من إنتاج ثقافي رقمي يجب أن يكون مرئيا. وحتى يكون كذلك لابد من تطوير محركات بحث موقعية، أي خاصة بالموقع الإلكتروني. ويمكن أن نتسأل في هذا الإطار لماذا تتسم الكثير من محركات البحث في المواقع العربية، ومواقع وسائل الإعلام العربية على وجه التحديد بضعف الأداء. إن هذا القول لا ينطبق على كل محركات البحث العربية .  فهناك محركات مخصوصة تتلاءم مع اللغة العربية وعبّرت عن كفاءتها مثل محرك موقع ” الوراق”، على سبيل المثال، الذي أشرنا إليه أعلاه. لكن تبقى الحاجة أكثر من ماسة إلى محرك بحث عربي يقتسم  مع محركات البحث العالمية المعروفة النشاط والعائد المالي في البحث في المواقع العربية على الأقل.

المستوى الثقافي والفكري:

إن الرهانات المطروحة على المستويات المذكورة أعلاه تبدو هينة، ويمكن التحكم فيها من خلال رفع الكفاءات التقنية الوطنية والقومية، وتبني سياسة ثقافة واجتماعية مقدامة ومسؤولة، وتحديث الترسانة القانونية التى تؤطر الطموحات في مجال تعزيز الإنتاج الرقمي. لكن تظل الرهانات التي تطرح على المستوى الثقافي والفكري عويصة لأنها تتطلب استثمارا على الصعيد المعرفي والرمزي على المدى الطويل، واستبصارا بخصوصية الثقافة الرقمية التي تطرقنا إليها أنفا. ويمكن تفكيك رهانات هذا المستوى إلى العناصر التالية:

نبذ الاقصاء:

عانت الحضارة العربية الإسلامية من قطيعة أنطولوجية. فما وصل إلى الأجيال الحالية من تراثها المكتوب: شعر، بلاغة، وفقه، وتصوف، وفلسفة ، والذي يعتبر ناقلا لبعض أوجه الهوية يعدّ قليلا وغير كامل وذلك لأنه نشر في الفترة الممتدة من 1850 إلى1930 التي شكلت مرحلة الانتقال من نمط الاتصال الشفهي إلى المكتوب[32]، ووفق الذهنية السائدة في تلك الأثناء وحسب مصالح وأهواء من كانوا متحكمين في الشأن الثقافي. والسؤال المطروح كيف يمكن رقمنة التراث العربي الإسلامي دون الاستمرار في النزعة الاقصائية، وكيف نخرج المنسي والمقصي من المخطوطات القديمة التي لازالت في حوزة الأشخاص والجمعيات والتكايا والزوايا ( جمع الزَّاوِيَةُ التي تعني  مأوّى للمتصوِّفين والفقراء). وبتعبير الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري[33]، كيف تحرر الزمن الثقافي رقميا حتى لا يخضع للزمن السياسي الممزق ويكون تابعا له.

إن رقمنة التراث العربي غير المادي ، الذي يعد وعاءً للثقافة التقليدية والشعبية الضامنة للتعددية الثقافية، والمُعَرَّض أكثر للتلف يتطلب منحه بعدا تاريخيا من أجل إدراكه بشكل جيد. ويزود بحلقات وصل مع الواقع اليومي المعيش.

ما هو النص الرقمي؟

تصدى الناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو” إلى الإجابة عن السؤالين التاليين: كيف تتم التفرقة بين النص واللانص؟ وكيف يصير قول ما نصا؟ وانتهى إلى التأكيد بأن النص يتسم بتنظيم فريد ويضاف إلى مدلوله اللغوي مدلول أخر مدلول ثقافي يملك قيمة داخل ثقافة معينة.[34] وحتى يتم التأكد بأن هذا القول أو ذاك يملك القيمة المذكورة كان يُخْضع قبل ميلاد شبكة الانترنت لآليات التحكيم التي تصادق عليه وتعتبره نصا. وتنطلق هذه الآليات في حركيتها بالمجلات التي تغربل ما يصلها من قول فتجيز نشر بعضه وكذلك دُوْر النشر، ثم رأي النظراء وحكم النقاد وصولا إلى رأي القراء. ويستمر القول خاضعا إلى هذه الآليات إلى غاية رسوخ قدم صاحبه في عالم الإنتاج الأدبي أو الثقافي أو الفكري. لقد تلاشت هذه الآليات في العصر الرقمي وأصبح بإمكان أي فرد أن يكون شاعرا وأديبا ومخرجا سينمائيا أو فنانا تشكيليا، ويكفي أن يبادر بالنشر فقط في شبكة الانترنت والمدوّنات الإلكترونية ومواقع الشبكات الافتراضية، والذي لا يكلفه أي شيء تقريبا ويداوم عليه. وهكذا يُمْحى الفرق بين النص واللا نص أو بالأحرى يغدو كل قول نصا. وإن كان هذا الواقع يسعد الكثير من المبدعين الذين عانوا من الإقصاء، ومن إجحاف سلطة السوق الذي بدأ يتحكم في مصير الإنتاج الأدبي والفني والثقافي بصفة عامة، ويجسد ديمقراطية الثقافة، فإنه  يعيد طرح مسألة تحديد ما هو النص في الزمن الرقمي؟ ربما البعض يرى أنه من العبث طرح هذا السؤال في زمن الوفرة حيث أصبح بإمكان الأوعية الرقمية أن تستوعب كل ما يقال في المنصات الإلكترونية وشبكة الانترنت، لكن الجدوى من السؤال المذكور تكمن في تحديد المعايير التي تجعل من القول الرقمي نصا ويدرج في المتن الثقافي العربي، ويسري في شرايين مختلف المؤسسات الثقافية المختلفة والفضاءات التي تمنحه المشروعية، ويساهم في تزويد أبناء ثقافة ما بما يسمح بتماسكهم ويمتن قاسمهم الثقافي المشترك. والخشية أن تكون وسائل الإعلام الفيصل في الإنتاج الثقافي العربي الرقمي. فرغم تزايد عدد الفضائيات والمحطات الإذاعية العربية إلا أن الكثير منها يتغذى من مواد وسائل الإعلام الأجنبية المهيمنة، وبعضها الأخر يسعى إلى إنتاج مواد شبيهة أو مستنسخة من برامج أجنبية. وهذا يعني أن تصورات القنوات الأجنبية والذائقة الثقافية المعولمة تتدخل في الصناعات الثقافية الرقمية العربية، وتفرض النصوص الثقافية التي تساهم في بناء المتن الثقافي العربي.

إن الثقافة الرقمية ذات طابع حواري، والحوار يعني الاقتناع المسبق بوجود اختلاف في وجهات النظر وليس إجماع. لكن في ظل نبذ الاختلاف وغياب ثقافة الحوار في المجتمعات التي تتسم بالعنف حتى على مستوى العلاقات الاجتماعية يزداد التخوف من أن يتجرد المحتوى الثقافي الرقمي من سمته الحوارية فيطغى عليه الشتم والتخوين أو المماهاة والاستنساخ مثلما نلاحظ    في سيل القول المتدفق في منصات البث الرقمي في شبكات الانترنت على سبيل المثال.

–  تعد الصورة الركيزة الأساسية في الثقافة الرقمية المعاصرة . وتبدو العلاقة بالصورة في الثقافة العربية الإسلامية متسمة بالتوتر والمفارقة. والسبب في ذلك لا يعود لعامل الدين كما يعتقد البعض بل لجوهر الثقافة العربية الإسلامية التي يعتقد أنها قائمة على النمط الشفهي والكلمة المنطوقة. لقد قيل أن الشعر ديوان العرب وليس الصورة. حاول مولم العروسي أن يبرهن على هذا الاعتقاد بالقول  )أنه بالإمكان أن نغلق أعيوننا وتستمع لفضائيات عربية كثيرة دون الحاجة إلى أنْ نراها لأن الأخبار تبنى أساسا على الخطاب وليس على الصورة. فالخطاب الجمالي أو ما يؤسس له غير موجود لأن ما هو سائد يتوجه فقط إلى المحتوى اللغوي لهذه الصور، دون تحليل للصور في حدّ ذاتها.([35] إذا كان منتجو الصورة في قطاع الإعلام والاتصال العربي لم يتحرروا من سطوة الخطاب اللفظي، فما هو موقف المتلقي العربي من الصورة؟ لقد اقترنت الصورة في مخيلته بأنها وسيلة ترفيه، لذا يحتاج إلى وقت وكفاءة معرفية تمكنه من قراءة الصورة بصفتها حاملا للمعرفة والعلم والثقافة أيضا، وألا تسجن الثقافة الرقمية في التسلية.

– نظرا للتقاليد الثقافية الراسخة على طول الجغرافية العربية، ولارتفاع نسبة الأمية كما ذكرنا أنفا ولانحصار دائرة المكتوب، فإن الإنتاج الثقافي العربي يواجه صعوبة تحرير النص المكتوب من إرهاصات الشفاهة. فإذا كان بعض الشعراء العرب المحدثين يسعون إلى إخراج الشعر من أسر القصيدة وتحريرها من هيمنة الشفاهي في “حضارة الورق”، ففي الثقافة الرقمية يوجد كم هائل من الإنتاج الثقافي مبني لغويا على المنوال المحكي، وحتى أن اللغة العربية المكتوبة لازالت أسيرة النمط الشفهي. لا يجب أن يفهم من هذا القول أنه يتضمن نظرة دونية للمحكي والثقافات الشعبية التي لا توجد إلا باللهجات المحلية أو أنه يصادر حقها في الوجود. فالكثير من أفلام الكرتون- الشريط المرسوم- على سبيل المثال- التي بثت في القنوات التلفزيونية العربية باللهجات المحلية، خاصة الخليجية- حققت نجاحا مؤكدا.

يجب أن يفهم مما سبق قوله أن البيئة الرقمية التي أزالت الجدار الذي ظل يفصل الثقافة العالمة عن الثقافة الشعبية بعد أن زودت هذه الأخيرة بأدوات التوسع والانتشار، قد تخلق عوائق إضافية في ترسيخ اللغة العربية ورفع قيمتها الثقافية والجمالية في الإنتاج الرقمي العربي، خاصة وأنها تعاني من منافسة اللغات الأجنبية، خاصة الانجليزية والفرنسية.

– تقوم وسائل الإعلام المعاصرة بدور بارز وديناميكي في الثقافة الرقمية. فـ” الميديا” بشكل أدق أصبحت تهتم أكثر بالبعد الأنتربولوجي للثقافة على حساب جانبها الفكري والتأملي، وتتجه أكثر إلى إنتاج المواد الإعلامية والثقافية المتجهة للاهتمام بالأنا الفردي في ظل استشراء ممارسات ” السيلفي” (Selfie) وتزايد برامج تلفزيون الواقع التي تعري الأنا الفردي وتسرده. ويطرح هذا التوجه صعوبات على الجهود الرامية إلى تجسيد طموحات الثقافة الرقمية العربية ويزيحها عن الاهتمام بالجانب الفكري لأن مفهوم الثقافة العربية محمل بمضامين ذات طابع جماعي أي الأنا الجمعي الذي يسمو فوق الأنا الفردي المشبع بالنرجسية.

المراجع:

[1]محمد عابد الجابري،  المسألة الثقافية في الوطن العربي منذ الخمسينيات، مجلة المستقبل العربي، العدد 346 كانون الأول / ديسمبر 2007 .

[2] – المرجع ذاته

[3]– Christophe Genin, Culture numérique: une contradiction dans les termes? actes du colloque franco allemand , patrimoine et culture numérique; Universite paris 1 Panthéon-Sorbonne Universite paris 1 Panthéon-Sorbonne, 31 aout  – 2 sept 2004

[4] – Julie Hardouin & Alfred de Montesquiou ,Internet: culture et acculturation. Consulté le 22/07/2016 du site: http://barthes.ens.fr/scpo/Presentations99-0/Hardouin_Montesquiou/page_3.html

[5]Milad DoueihiLa grande conversion numérique, Seuil, Paris 2008, p. 11-12

[6] –  استعملت لورانس ألار هذا المفهوم – أنظر

Laurence Allard,Émergence des cultures expressives, d’internet au mobile     MediaMorphose 21 septembre 2007

[7] – Lemos André, « Les trois lois de la cyberculture. Libération de l’émission, connexion au réseau et reconfiguration culturelle », Sociétés 1/2006 (no 91) , p. 37-48

[8] – Henry Jenkins–  cité par  Laurence Allard ,Émergence des cultures expressives, d’internet au mobile; Revue MediaMorphose 21 septembre 2007

[9] – Julie Hardouin & Alfred de Montesquiou, op cité

[10] – Marc Guillaume, les enjeux culturels du numérique dans les pays arabes; Table ronde au siege de Institut du monde arabe; tenue le 18 janvier 2016 . Visionnée le 21/07/2016 du site: http://www.imarabe.org/jeudi-ima/les-enjeux-culturels-du-numerique-dans-les-pays-arabes

[11]jeff  tavernier;  10 pistes pour penser la culture numérique; consulté le 22/07/2016 du site: https://jefftavernier.wordpress.com/2013/07/23/10-pistes-pour-penser-la-culture/numérique

[12] –  طرح وزير الثقافة الفرنسي أندري مالرو هذه الفلسفة في خطابه الموجه إلى نواب البرلمان الفرنسي، وقد تبناها وزير الثقافة الفرنسي فريدريك مترون في 1990 . وقد اثارت نقاشا حادا لدى المثقفين الفرنسيين من مختلف الاتجاهات الفكرية، حيث اتهموه فيها بأنه يبحث عن تبريرات لتفريط الدولة في مسؤولياتها الثقافية – أنظر:

Anita Weber :Culture pour chacun » :  culture du chacun chez soi,culture du chacun pour soi ? – Diasporiques  nº13 mars 2011

[13]Philippe Quéau;  Cyber culture et info-éthique. Consulté le 22/07/2016 du site: www.unesco.org/webworld/telematics/cyber_culture.htm

[14]– Jeff  tavernier, op cité

[15] –  يمكن القول أن الهيبيز التي تعد حركة مناهضة لنمط المعيشة الأمريكي والرافضة للحرب، خاصة في فيتنام حُوِلت منظومتها الرمزية  إلى علامات بارزة في تنميط الثقافة التي اكتسحت العالم.. وأن أغنية الرأي الجزائرية التي ظلت لفترة طويلة خلال سيتينات القرن الماضي وسبعيناته  ثقافة فرعية وممنوعة في وسائل الإعلام الرسمية أصبحت مشروعة ورسمية. كذلك الأمر بالنسبة لموسيقى ” الجهجوكة” المغربية التي انتقلت إلى العالمية بفضل فنانين وكتّاب، خاصة  براين جونس قائد فرقة رولينغ ستونز.

[16] –  Serge Tisseron; La culture numérique; En quoi est-elle opposée à la culture du livre ? Consulté le 23/07/2016 du site: www.unesco.org/webworld/telematics/cyber_culture.htm

[17] –  سيد، أشرف صالح محمدتجارب عربية في التوثيق الرقمي للمصادر التراثية والثقافية Cybrarian Journal  ،  مجلة إلكترونية مهتمة بمجال المكتبات والمعلومات  عدد 25 -يونيو 2011  مسترجع بتاريخ  24/07/2016  من الموقع : http://urlz.fr/3Tmy

[18] – UIT: Contenus numériques:Il est nécessaire de renforcer les contenus numériques, en arabe;  Bulletin d’information; UIT News- Nº 2- 2012

[19] – Natalija Gelvanovska; Dr.Michel Rogy,Carlo Maria Rossotto Les réseaux haut débit dans la région du MENA pour l’accélération d’Internet  à haut débit  – La Banque Mondiale. USA, fevrier 2014

[20] – نقلا عن  النشرة الإخبارية  للاتحاد الدولى للاتصالات  IUT- مصدر سابق

[21] – المصدر ذاته.

21 – Natalija Gelvanovska; Dr.Michel Rogy,Carlo Maria Rossotto, op cité

[23]  – نقلا عن  النشرة الإخبارية  للاتحاد الدولى للاتصالات  IUT- مصدر سابق

[24]  حسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي و مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، تقرير المعرفة العربي لعام 2014

[25] –  المصدر ذاته

[26] – تبنت  وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر هذه التجربة في 2002 وفق نظام الشراكة يجمع  شركة المصرية للاتصالات وشركات مزودي خدمة الإنترنت لتقديم خدمة الاتصال بالإنترنت بتكلفة المكالمة العادية مع اقتسام تلك القيمة بنسبة 30% للمصرية للاتصالات و 70% لشركات تقديم خدمة الإنترنت.

[27] – المصدر ذاته

[28] – نقلا عن  النشرة الإخبارية  للاتحاد الدولى للاتصالات  IUT- مصدر سابق

[29] – المصدر ذاته.

[30] – المصدر ذاته.

[31] – Philippe Chantepie  Culture 2.0 » : observer, prospecter, changer. Revue      MediaMorphose 21 septembre 2007

[32] –  على أومليل: الخطاب التاريخي، دراسة لمنهجية ابن خلدون– معهد الإنماء العربي، لبنان، بدون تاريخ، ص 23

[33]محمد عابد الجابري، مصدر سابق

[34] – عبد الفتاح كيليطو ، الأدب والغرابة، دراسة بنيوية في الادب، دار توبقال للنشر، المملكة المغربية،  2006 ص 80

عتبات التأويل

4-صدر للدكتور نصر الدين لعياضي كتابا بعنوان: ) الاتصال والإعلام والثقافة: عتبات التأويل( ضمن سلسلة كتاب الرافد، بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة. وتطرق فيه إلى جملة من الإشكاليات والقضايا المعاصرة التي أفرزها تطور قطاع الإعلام والاتصال. وأثارت ومازالت تثير الكثير من الجدل، مثل: المسكوت عنه في التطور التكنولوجي للتلفزيون، وكيف نفكر في مستقبل الإذاعة؟ والضرورات القاضية بضبط البث التلفزيوني وشروطه، والتماثل والامتثال في برامج المنوعات في القنوات التلفزيونية العربية، وما تذروه التكنولوجية من خصوصيتنا. وهل سيظل الإعلام البديل بديلا؟ والصحافة وسنواتها العجاف، والصداقة اللدودة التي تربط الصحافة بغوغل، والمخفي في قرصنة الكتاب، وتذويب الثقافة في اللعب، ورهانة الثقافة المجانية، والإعلام والتراث.

ويذهب الكاتب إلى ما ذهب إليه الناقد الأدبي الأمريكي ” واين كليسون بوث” الذي يرى  أن الكتابة تناص مع نصوص سابقة سواء كان هذا التناص حاضرا عن وعي ومقصودا في حد ذاته أودون قصد. ويعتقد أن هذا الأمر ينطبق أكثر على الكتابة في مجال علوم الإعلام والاتصال. فرغم التطور السريع في تكنولوجية الاتصال، والصياغات المستأنفة للتشكيلات الاجتماعية والثقافية في المنطقة العربية والعالم في علاقاتها بالميديا سواء كانت قديمة أو جديدة إلا أن الكتابة عنها مازالت تستلهم من نصوص أنهى الزمن مدة ” صلاحيتها” . وهكذا غدت الكتابة عن وسائل الإعلام وجمهورها ووسائط الاتصال الجديدة ومستخدميها، والمضامين الثقافية والإعلامية المختلفة، واقتصاديات الإعلام وتشريعاته مجالا لهيمنة النصوص القديمة.

وإن كان الكتاب سعى إلى استقصاء الجديد في المواضيع المطروحة أعلاه إلا أن الطموح حذاه إلى الوقوف عند عتبة تأويله. وهنا تكمن تعددية الرؤية لواقع حوامل الاتصال والإعلام والثقافة ووسائطهم، ويتجلى الاختلاف. لذا لا يروم هذا الكتاب تحقيق الإجماع في الرأي حول قضايا الاعلام والاتصال، بل يسعى إلى إثارة النقاش الذي يذكرنا بما جرى على لسان الفيلسوف الفرنسي “إدغار موران” الذي أكد أن فكرة الحقيقة هي أكبر مصدر للخطأ الذي يمكن أن نرتكبه. الخطأ الأساسي المتمثل في احتكار الحقيقة.

الكتاب يمكن تحمّيله مجانا من الموقع التالي:

النقر للوصول إلى book_86_january_2015.pdf

   5-  هوامل الحديث عن الميديا، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة 2012

هوامل الحديث عن الميديا، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة 2012

فاتحة الهوامل

 

إن الثقافة التي من المفترض أن تسمح لنا بالتفكير بأنفسنا، تجعلنا نفكر ” ثقافيا” أي بطريقة تعاقدية ونمطية. وهكذا نخضع لما رُسخ من اقتناعات، وللثقة والحذر السائدين.    
                                                                                                            إيدغار موران

في البداية يجب الاعتذار إلى فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، علي بن محمد بن العباس التوحيدي البغدادي، المكنى بأبي حيان عن اقتباس عنوان هذا الكتاب من أسئلته التي بعث بها إلى مسكويه الخازن. فرد عليه هذا الأخير بأجوبة سماها: الشوامل.

هذا الاقتباس لا يعني بتاتا أن هذا الكتاب يحمل أسئلة من طينة تلك التي طرحها أبو حيان التوحيدي والتي تقدح بوميضها الفكري والفلسفي وتتلألأ بلغتها المصقولة واللامعة. ولا يلمح  إلى أنه بلغ النتيجة التي تضمنتها الإجابة التي اختتم بها مكسويه شوامله، حيث قال : (وبقي مع الناس علم مختلف فيه، وجهل اصطلح عليه).

والهوامل في هذا الكتيب لا توحي أن صياغته تمت في شكل أسئلة تنتظر الإجابة، لأنها أرادت أن تنزاح عن الشوامل التي يُعتقد في زمننا هذا أنها تصدر عن المؤسسات الجامعية التي تتصدى بالإجابة عن الأسئلة المتعلقة  بالقضايا الكبرى التي يطرحها تطور عالم الإعلام والاتصال.

فهذا الكتيب يتطرق إلى بعض الجزئيات التي أهملها المشتغلون في حقل الإعلام وأدرجوها في خانة المسكوت عنه، الذي لا يلتفت إليه، ولا يحظ بوقفة تأمل وتفكير، مثل المشاهدة التلفزيونية المتواثبة، والمخفي في الكاميرا الخفية، ونظرة الآخر لقنواتنا التلفزيونية، والثرثرة المرئية، والإبهار البصري، وضريبة السرعة في نقل الأخبار التلفزيونية، وما جنته شبكة تويتر على الصحافيين، والقديم في الميديا الجديد أو الجديد في وسائل الإعلام القديمة، وغيرها من المواضيع التي يعتقد البعض أنها خفيفة وهامشية.

قد يعترض البعض على فكرة تناول موضوع” الميديا” Media  من خلال الهوامل لسببين على الأقل. أولهما أن مناقشة وسائل الإعلام في مجتمعاتنا لم تتزحزح من موقعها في قلب دائرة الهوامل منذ ميلاد الصحافة في المنطقة العربية.

ثانيهما، أننا أحوج إلى الشوامل التي تجيب عن التساؤلات الملتهبة التي ما انفكت تطرحها الديناميكية الاجتماعية والثقافية والتكنولوجيات المتجددة في قطاع الإعلام والاتصال. إجابات تنطلق من الرؤية الشاملة التي تقيس متغيرات الممارسة الإعلامية والاتصالية في مجتمعاتنا، وتعمق الوعي برهاناتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. ولا تتنازل لمناقشة التفاصيل وصغائر الأمور التي يثيرها تطور الميديا في عالمنا المعاصر.

للإجابة عن هذا الاعتراض يمكن القول أنه لا وجود لشوامل بدون هوامل. فالأولى تتوقف على الثانية، بمعنى:  ما هو مصير الشوامل إن لم تجد أي سؤال في الهوامل؟

أعتقد صادقا أن الشوامل يجب أن تصدر عن القلاع الأكاديمية، بينما يلاحظ أن الخطاب الذي تنتجه المؤسسات الجامعية في المنطقة العربية عن وسائل الإعلام لم يتمكن بعد، مع الأسف، من إحداث قطيعة معرفية مع الفهم الشائع لوسائل الإعلام السائد لدى عامة الناس. إنهما يشتركان في المسلمات نفسها، ويتسلحان بالبديهيات ذاتها، ويتقسمان الأحكام المعيارية عينها. أليس غريبا أن يظل الخطاب الذي تنتجه المؤسسات الجامعية العربية، في غالبيته، سجين البراديغمات Paradigms التي ظهرت في العقدين الأولين من القرن الماضي، والمتمثلة في البراديغم السلوكي والوظيفي. ولم يبلغ حتى الحقائق التي أكدها منظرو الإعلام، مثل كوتز Katz ولازرسفيلد Lazarsfeld في 1948 في سياق المجتمع الذي عاشا فيه؟ ناهيك عن البراديغم التأويلي الذي أصبح الممر النظري الضروري لفهم ديناميكية الميديا الجديد. لكن مع الأسف لازال بعض منتجي الخطاب المذكور يتعاملون بحثيا مع الميديا الجديد بالأدوات القديمة التي تعاملوا بها مع وسائل الإعلام الكلاسيكية. ولم يحدثوا قطيعة في التصور والإشكاليات والتصورات بين الميديا الجديد ووسائل الإعلام الكلاسيكية.

فالخطاب المذكور في تعميمه ما زال يختزل نشاط وسائل الإعلام الكلاسيكية والجديدة في التأثير. ويختصر هذا التأثير بشكل كاريكاتوري، حيث يراه شاملا ( وبهذا ينفي انتقائيته)، و مباشرا ( بدون وساطة اجتماعية أو ثقافية)، وآنيا ( بدون الأخذ بعين الاعتبار الوقت الذي يستغرقه للتغلغل في شبكة العلاقات بين الأشخاص ويترسب فيها).[1]

لذا نرى أننا بحاجة إلى الهوامل التي ربما سيحالفها الحظ لتساهم في خلخلة البنى الفكرية التي تنتج الشوامل، كما يعبر عنها الخطاب المذكور، لتنقل الحديث عن الميديا من التثبيت والاجترار إلى دائرة التجديد والابتكار.

على هذا الأساس يمكن اعتبار هذا الكتيب محاولة تخالف النصيحة الموجهة للكتاب الذين يرومون إرضاء قرائهم، والتي تدعوهم إلى إعادة إنتاج الأفكار المسلم بها. وعوامل القيام بهذه المحاولة نابعة من اقتناعنا بوجود قارئ وقارئ. قاري يستلم للمسلمات، ولا يقرأ إلا ما يتفق مع قناعاته وأفكاره حتى وإن كانت مسبقة وتجانب الواقع. وبهذا ينغلق على ذاته.  وقارئ يدرك أن نفكّر هو أن نتعلّم. وهذا أضعف الإيمان.  

د. نصر الدين لعياضي

الشارقة 12/1/2012

[1] – Dayan Daniel: A propos de la théorie des effets limites,  HERMÈS, CNRS Editions, France, Numéro 4-1989

فهرس الكتاب:

فاتحة الهوامل……………………………………………………………………..ص

زمن المشاهدة المتواثبة…………………………………………………………….ص

المكسوت عنه في الكاميرا الخفية……………………………………………………ص

السؤال الذي ظل يطاردني………………………………………………………….ص

في لياقة الحديث التلفزيوني وفضيلة الإصغاء…………………………………………ص

الاقتصاد: الغائب الكبير في الحديث عن التلفزيون في المنطقة العربية……………………ص

التلفزيون لا يعتذر إلى زيد السروجي………………………………………………..ص

متاعب اللغة العربية في التلفزيون…………………………………………………..ص

توك شو أو ثرثرة؟……………………………………………………………….ص

ماذا فعل التلفزيون بالإعلان؟……………………………………………………….ص

الفيلم الوثائقي يعالج تآكل الذاكرة…………………………………………………..ص

هل يعمي الإفراط في الإبهار البصري عن المعنى؟…………………………………..ص

تداعيات المال والسلطة والإعلام…………………………………………………..ص

الهوية الوطنية والهويات الإعلامية…………………………………………………ص

كارثة خليج االمكسيك بين التلوث البيئي والإعلامي…………………………………..ص

الأخبار في القنوات التلفزيونية: ضريبة السرعة أو التسرع؟…………………………..ص

أكتوفيا نصر: ضحية شبكة تويتر أو قربان شفافية الإعلام؟………………………….ص

صحافة المواطن: مزالق المفهوم………………………………………………….ص

الفيس بوك بين العزلة والاندماج………………………………………………….ص

الإعلام الكلاسيكي والميديا الجديدة: القطيعة والاستئناف…………………………….ص

6-           مقدمة في نقد التلفزيون، دار الأفاق المشرقة ناشرون، الأردن، 2010

مقدمة في نقد التلفزيون

7)            ثورة الصورة: المشهد الإعلامي وفضاء الواقع : بالاشتراك مع نخبة من الباحثين العرب: مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، 2008

8)           شذرات الكلام في نقد وسائل الإعلام، مركز الخليج للدراسات، دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر، الإمارات العربية المتحدة،  2008

7

9)           إعداد شبكة البرامج في القنوات التلفزيونية العربية بين جدلية التصور والفعل، بمساعدة د. يوسف تمار، منشورات إتحاد الإذاعات العربية، تونس، 2008

10)           التعامل مع وسائل الإعلام: الأسس والأدوات، الدائرة الثقافية للشارقة- الإمارات العربية المتحدة، 2006

8

11)           وسائل الإعلام والمجتمع: ظلال وأضواء، دار الكتاب الجامعي، العين، الإمارات العربية، 2004

6

12)           وسائل الاتصال الجماهيري والثقافة، القاعدة والاستثناء : الدائرة الثقافية للشارقة- الإمارات العربية المتحدة 2001

9

13)           اقترابات نظرية من الأنواع الصحفية: الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية، الجزائر ، الطبعة الأولى 1999 ، وتلتها طبعة ثانية في سنة 2006

book

14)      مبادئ أساسية في كتابة الخبر الصحفي: المؤسسة الجزائرية للنشر، الجزائر، 1994

15)      مساءلة الإعلام: المؤسسة الجزائرية للنشر، الجزائر، 1991

16) التلفزيون ،البرمجة ، المشاهدة : أراء ورؤى 

10

 17) تاريخ نظريات الاتصال : ترجمة دز نصر الدين لعياضي ، د. الصادق راب

11

18) الوسائط المتعددة  وتطبيقاتها في الإعلام  والثقافة والتربية

2

 

30 رأي على “ﺍﻟﻜﺘﺐ ﺍﻟﻤﻨﺸﻮﺭﺓ

  1. أستاذنا الموقر
    شكرا لكم على كل ما تقدمونه ، نطلب منكم فقط العمل على إعادة إصدار الكتب فأنا شخصيا لم أجد إلا 3 كتب في مكتبة الجامعة الجامعة (نظريات الاتصال -وسائل الاعلام و المجتمع -اقترابات نظرية من الأنواع الصحفية ، كتب أفادتني كثيرا كطالبة في الاعلام

    1. شكرا أختي الكريمة
      سأحاول باذن الله. إنني أبحث عن ناشر يعيد نشر بعض مما نشرته في ديار النشر المشرقية: الإمارات، والأردن

      مع تمنياتي لك بالتوفيق
      د. نصر الدين لعياضي

  2. صباحكم سعيد:
    عطفا على ما تقدمت به الأخت السائلة..أجد من الضروري سيدي العمل على إعادة طباعة الكتب الخاصة بنسق البرمجة التلفزيونية ،لماذا؟..لوضع الإطار النظري والتصوري الجديد لهذا النسق المهم أمام “سطوة” هذه المواد التلفزيونية الجزائرية للأسف العنكبوتية ..بذليل الدور المشبوه في زمن الحملة الانتخابية الأخيرة..هذا من جهة،من جهة أخرى ..لا يعمل الطلبة والباحثون الذين نؤطرهم إلا على ذرائعية ممجوجة في بيبليوغرافيا رسائلهم المهتمة بمواضيع الاعلام التلفزيوني الجزائري،في محاولة لإختزال الطروحات المعمقة في قفز جديد وماكر على القضايا العلمية،ومشروعكم التأليفي سيساعد على تجسير الفجوات.
    د/الحاج عيسى سعيدات

    1. شكرا جزيلا دكتور على التواصل والملاحظة. بالفعل، لك الحق فيما قلت… لقد لاحظت في بعض البحوث الكثير من الأخطاء في الاقتباس والتهميش في لجة الأفكار المتضاربة فغابت االإجابة عن السؤالين: من قال ماذا؟ ومن أين لك هذا؟ لذا سأعمل في المستقبل على إعادة طبع ما سبق طبعه ولم يكن في متناول القارئ والباحث الجزائري والمغاربي بصفة عامة
      مع تحياتي
      د. نصر الدين لعياضي

    2. سلامي
      بامكانك تحميل مجانا أخر كتاب صدر لي بعنوان: الاتصال والإعلام والثقافة: عتبات التأويل ستجده في مدونتي وفي خانة الكتب المنشورة. تحمله بالكبس على الرابط في أسفل تقديم
      الكتاب. ويمكن توجيه المهتمين من الطلبة والأساتذة إلى تحميله
      أتمنى لك قراءة ممتعة
      مع تحياتي
      د. نصر الدين لعياضي

  3. اشكرم جزيلا الاستاذ الفاضل اتمنى ان يعاد نشر تلك الكتب ختى نستفيد منها مع العلم انني حاليا من اكبر المتابعين لمقالكم الاسبوعي في جريدة الخبر اتمنى لكم دوام التو

    1. شكرا جزيلا على الاتصال والمتابعة أعتز بالقراء أمثالك بعد أن عم التسطيح والابتذال بعض الكتابات الصحفية وسأحاول جاهدا أن اعيد طباعة الكتب حتى أحقق أمنيتك وأمنية الكثير من القراء ودمت قارئا وفيا د. نصر الدين لعياضي

  4. نعم الدكتور والباحث يا سيدّي..، كتبك نبراس أساتذة علوم الإعلام والإتصال وطلبة هذا التخصص بفضل سلاسة الاسلوب وعمق الأفكار..ألتمس دائما أنّك يا دكتور قد استطعت وعلى وجه الخصوص إخراج قوالب فنيات التحرير من طابعها النظري إلى طابعها العملي الميداني..بحيث يسهل على الدارسين تعلّم تقنيات كتابة مختلف الأنواع الصحفية بشكل صحيح…وهو ما ينقص طلبتنا في الجامعة..وبصفتي أستاذ في التخصص فأنا أنصح دائما بالرّجوع إلى مؤلفاتك..شكرا

    1. شكرا جزيلا أستاذ على الاتصال وعلى رسالتك التشجعية لأن المرء يشعر في بعض الأحيان بعدم الجدوى من الكتابة أمام استشراء استسهال الكتابة الصحفية والاستهتار بذكاء القارئ ودمت قارئا نوعيا

  5. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته أما بعد هنيئا لك أستاذي بهذا الإنجازات خاصة الكتاب المنشور مؤخرا، أتمنى فقط أن يتم طبع الكتب التي نشرت في الخارج لكي يتسنى لنا الحصول عليها وشكرا

  6. السلام عليكم،
    أستاذ اشكرك على أسلوبك العلمي الممتاز، و لغتك الثرية ، و الله نحن بولاية عنابة نعاني من انعدام كتبك. اتمنى تفيدني بالنسخ الالكترونية و الله سوف اكون ممنونك و جزاك الله خير,
    أسامة العايش

    1. وعليكم السلام
      شكرا على الاتصال
      في انتظار إعادة طبع بعض كتبي الذي نفذت في السوق الجزائر ية أو لم تدخلها لأنها طبعت في الخارج أحيلك إلى موقع هذه المدونة وإلى خانة الكتب المنشورة لتُحمّل مجانا كتابي الذي صدر في مطلع هذه السنة بعنوان: الإتصال والإعلام والثقافة: عتبات التأويل… كما يمكنك ولوج البحوث العلمية المنشورة لتجد الروابط الإلكترونية لبعضها ويمكن تحميلها
      قراءة ممتعة مع التقدير
      د. نصر الدين لعياضي

  7. شكرا لك دكتور على كل ما تقدمه لعلوم الاعلام والاتصال من كتب نيرة،حقا استفدت الكثير من معظم كتاباتك بصفتى طالب دكتوراه و فى صدد انجاز اطروحة،شكرا لكم،بالتوفيق

  8. تحية احترام وتقدير تلميذك الطاهر بصيص كلية الاعلام جامعة الجزائر3

  9. تحياتي دكتور لعياضي
    اذا كان ممكن أن أحصل على النسخة الإلكترونية لكتاب هوامل الحديث عن الميديا
    شكرا مسبقا
    نصيرة

    1. تحياتي
      الرجاء الاطلاع على صفحة الكتب المنشورة ستجدين الكتاب المطلوب على رأس قائمة كتبي المنشورة، و أسفل مقدمته تحدين الرابط فاضغطي عليه تنزل لديك النسخة الإلكترونية
      أتمنى لك قراءة ممتعة

      قراءة ممتعة

  10. تحياتي دكتور لعياضي
    اذا كان ممكن أن أحصل على النسخة الإلكترونية لكتاب هوامل الحديث عن الميديا
    شكراً مسبقا

  11. الدكتور المحترم نصر الدين لعياضي كتاباتك القيمة إضافة ثرية جدا للكتابات الإعلامية العربية التي نعاني كباحثين من نقصها وسطحيتها في كثير من الأحيان، كم أنا فخورة بوجود باحث إعلامي جزائري متميز مثلك، أرجو لك التوفيق وآمل أن نرى كتاباتك القيمة تغزو المكتبات الجزائرية، حتى ينهل القارئ المتخصص والمهتم منها، فيكون لك أجران بإذن الله أجر الكتابة والاجتهاد وأجر الإضافة النوعية القيمة للمكتبة العربية.

  12. السلام عليكم استاذنا العظيم،تحية مودة وحب وتقدير ،شكرا على كل جهودك العلمية والبحثية المميزة والمنيرة حقا,شكرا لله ان خصنا بمتابعتك وترقب كتاباتك الفكرية والعلمية الناقدة,لكن في المقابل استاذ نعاني نحن في الجزائر من ندرة مؤلفاتك وقلتها إذا توفرت,هل من الممكن ان توفر لنا نسخا الكترونية لجميع كتبك استاذ ,تالله نحن بأمس الحاجة لها لننطلق من قاعدة صحيحة في دراسة وتدريس علوم الاعلام والإتصال,
    اتمنى ان يحصل هذا قريبا,واتمني من الله الاّ يحرمني الدراسة لديك.
    ممتنة لكم استاذ ودعواتي لك بمزيد من الإنتاج والعطاء الذي نتلقاه نحن بشغف ونهم كبيرين.كل عبارات الإنحناء والرفعة أقدمها لكم.

    1. مساء الخير شكرا على التواصل وعلى الرسالة اللطيفة معذرة لست عظيما ولا هم يحزنون. كل ما في الأمر أنني أحاول أن أكون أكثر جديا في التعبير عن هاجس السؤال الذي يسكنني فقط. أنا دائما في الخدمة. سأسعى من أجل إعادة طبع كتبي في الجزائرلأن معظم مؤلفاتي صدرت في الخارج
      مع تقديري

    2. سلام شكرا على التواصل وعلى رسالتك اللطيفة معذرة لست عظيما . اسعى فقط لأكون جديا في الاشتغال على الأسئلة التي تسكنني في زمن عمت فيه ثقافة اليقين. سأسعى من أجل إعادة طباعة كتبي في الجزائر، تلبية لرغبة الطلبة وبعض القراء الجادين. أنا في الخدمة دائما
      مع التقدير

  13. أنا محظوظة جدا لكونك المشرف على أطروحتي… لك مني أستاذي القدير أسمى عبارات التقدير والاحترام، ونفعني الله من علمك الغزير

  14. بالنسبة لي مدوّنتك هذه كنز ثمين أستاذنا الكريم، شخصيا حصلت على ثلاث كتب ورقية منها فقط . أتمنى أن تتوفّر كل الكتب في الجزائر، وجازاك الله خيرا على كل هذا العلم الغزير الذي تضعه بين أيدينا .

أضف تعليق