البحوث


 مناهج البحث في علوم الإعلام والاتصال في السياق الرقميّ:

خِلاف واختلاف

Research Methods in Information and Communication Sciences in the Digital Context: Difference and Deferment

 – Layadi Eddine-Nacer*     نصر الدين لعياضي

ملخص:

تســعى الدراســة إلــى وضــع خريطــة لمناهــج البحــث في علــوم الإعــلام والاتصــال في الســياق الرقمــي. تتضمــن أربع اتجاهــات كبــرى في البحــث، وهــي: المناهــج َّ التوافقيــة أو التعاقديــة، والكبــرى، والافتراضيــة، والرقميــة. ولتحقيــق ذلــك، ســلطت ُّ الضـوء على مختلـف جوانـب تعقـد البحـث في مجـال الميديـا الرقميـة وخصوصيتـه.  وقامـت الدراسـة بتحليـل عينـة قوامهـا 100 بحـث أصدرتهـا مراكـز بحـث أكاديميـة ُ أجنبيـة ونِشـرت في مجلات علميـة وفـق منهج “ميتـا التحليـل الكيفي” مسـتخدمة مفهوميـن “دريدييـن” )نسـبة إلـى الفيلسـوف جـاك دريـدا( أساسـيين، وهمـا: الإرجـاء والاختـلاف.

كلمـات مفتاحيـة: الإرجـاء، العبـر ميديـا، النمـوذج المثالـي، الآثـار الرقميـة، البيانـات الرقميـة.

Abstract:

This study seeks to map research methods in information and communication sciences in the digital context that include the four main streams of research: conventional, major, virtual and digital. In order to achieve this objective, the study has highlighted the different aspects of the complexity of research in the field of digital media and its features. It is analyses a sample of 100 studies published by foreign academic centers in periodicals according to qualitative meta-analysis methods using two essential Derridian (referring to the French philosopher, Jacques Derrida) concepts: difference and deferment.

Keywords: Différance, Transmedia, Ideal Type, Digital Traces, Digital Data.

المقدمة:

ظلّ السؤال ذاته يتكرّر منذ ثلاثة عقود: هل يمكن دراسة الميديا الرقميّة بالمناهج وأدوات البحث التقليديّة التي اعْتُمدت في عصر التكنولوجيا التماثليّة؟ على الرغم من أن البحوث العديدة والمتراكمة قدمت ولازالت نقدم الإجابة العمليّة عن هذا السؤال إلا أن الجدل حوله لازال قائما، ويشي بأن هامش الخلاف أوسع من الاختلاف. لقد أفرز هذا الجدل اتجاهين أساسيين: اتجاه نظري ذو طابع عام، يتعلّق بدور التكنولوجيا والآليات الرقميّة في جمع البيانات وتحليلها، وتأثيرها على البحث العلمي حيث يعتقد أصحاب هذا الاتجاه أنّ التكنولوجيا الرقميّة لم تحدث تغييرا في المجتمع فقط، بل غيّرت أيضا ممارسة البحث العلميّ وستغيّر طبيعة العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة ككل. ومن المنتظر أن تساهم في تحقيق طموح الكثير من الباحثين الوضعيين الذي سعوا، ولازالوا يسعون، إلى تقرّيب العلوم الانسانيّة والاجتماعيّة التي توصف بالرّخوة من العلوم الطبيعيّة التي تّوصف بالصلبة، فتكسبها المزيد من الشرعيّة[1]. فعالم الاجتماع الفرنسي ريمون بودون، على سبيل المثال، كان يعتقد بأنّ اعتماد العلوم الاجتماعيّة على لغة الرياضيات يمنحها النضح العلمي[2]. لكن بالتدريج حلّت كلمة الإحصائيات محلّ كلمة الرياضيات. وها نحن اليوم نشهد استبدالهما بمصطلح الغرافيك Graphic الذي يطبع المناهج الحاسوبيّة ويجر علوم الإعلام والاتصال إلى الانزياح من كونها علوم تأويلية تسعى إلى استخلاص المعنى إلى الالتحاق بالعلوم التجريبيّة التي تروم استخلاص القواعد وتقديم التنبؤات.

والاتجاه الثاني ذو طابع عملي، ويتعلّق بالسؤال عن الجديد في مناهج البحث في مجال علوم الإعلام والاتصال، وعن مكانة قديمها في السياق الرقميّ. فعلى الرغم من التغيير الكبير الذي أحدثته التكنولوجيا الرقميّة في الحقول المعرفيّة إلى درجة أن بعض الجامعات أنشأت تخصصا جديدًا قائمًا بذاته اسمته دراسات الانترنت Internet Studies ، إلا أن بعض الباحثين لازال يعتقد بأن المناهج التقليديّة ستظلّ فاعلة في دراسة الميديا الرقميّة طالما أن الملاحظة العلميّة بشتى أنواعها لازالت هي ذاتها، والمقابلات المعمّقة لم تتغير كثيرا عما كانت عليه قبل ميلاد شبكة الانترنت، وإن بدأ تحليل محتواها يستفيد من عُدَّة تقنيّة أكثر تطورا خلال السنوات الأخيرة.[3] وأن الطرائق المختلفة لقياس البيانات النّصّية وتحليلها Textometrics ، التي استُعملت في تحليل الخطابات السياسيّة والصحفيّة في عصر التكنولوجيا التماثلية، لازالت قائمة، و”تتجدّد” باستعانتها بالبرمجيات ذات السرعة العالية في التّحليل والقادرة على تمثيل هذه الخطابات في شكل كلمات وجمل سحابيّة ورسوم بيانيّة[4]. ويظلّ جزء كبير من استطلاعات الرأي يُصمّم وفق الأسس ذاتها وإن كان توزيع الاستمارة يتم عبر شبكة الانترنت وبياناتها ويُحلّل بطريقة آلية. لذا لا يمكن لتغيير سياق البحث العلمي من بيئة التكنولوجيا التناظريّة إلى البيئة الرقميّة أن يعطي مشروعيّة للقول بأن مدة صلاحية المناهج التقليديّة في البحث قد انتهت، بدليل أنه لا يوجد سياق نمطيّ موحد للكثير من البحوث الإعلامية، فسياق قراءة الصحف غير سياق الاستماع إلى الإذاعة، ويختلف عن سياق المشاهدة التلفزيونية في التلفزيون “التقليدي” التي تحدث عنه دفيد مورلي، وسياق هذه الأخيرة يختلف عن سياق مشاهدة شرائط الفيديو والأفلام عبر الخط ، مثلما تراه الباحثتان دوسنج كاترين و برتكوز لوسيان[5].  وسياق البحوث الإثنوغرافية، هو الأخر، ليس واحدا، فلكلّ بحث اثنوغرافي سياقه المخصوص[6]. لذا ظلّت البحوث الإثنوغرافية تتكيّف مع سياق كل موضوع من موضوعاتها. ويمكن أن نسمي هذا التكيّف ابتكارًا.

تعزّز الباحثة “كريستين هيل”، مؤسسة ” الانتروبولوجيا الافتراضيّة”، هذا الاستنتاج بالقول إن الابتكار كان دائما مطروحا في جدول نشاط البحوث الاجتماعيّة الأمبريقية مستشهدة في ذلك بتاريخ العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، وبالمقابلات المعمّقة التي أضافها “بول لازرسفيلد” و”روبرت ميرتون” إلى بحوثهما المسحيّة.[7]

ويصف الباحثان “سارج برولكس”، و”جليان رويف” الابتكار الذي ميّز المنجز المنهجي في البيئة الرقميّة المعقّدة بــ “الترميق المنهجي”[8]. ولا يعتبران هذا المفهوم استفزازيّا مقارنة بصرامة العلم ودقته أو تبخيسا للإستراتيجيات البحثيّة المعتمدة لحد اليوم.

يدلّ الترميق المنهجي على شئين في الوقت ذاته: عدم تجانس المنهجيات، وتكييفها مع خصوصية ميدان البحث وأسئلته. ووسيلة لحصر موضوع البحث والقبض عليه في نقطة تقاطع الرؤى المتعدّدة، ومضاعفة زوايا تحليله.[9] فالترميق في اعتقادنا هو دفع البحث للتجريب عبر السير في طريق غير معبد، بالقدر الكافي، في البيئة الرقميّة.

إذا، على الرغم من مرور أكثر من عقدين على البحوث الأولى التي أنجزت في الفضاء الافتراضي،[10] لازالت مناهج البحث في السياق الرقميّ توصف بالترميق، أي أنها موضع اجتهاد مستأنف، فلم ترسخ وتتجذر بعد لتصبح مناهج توافقية Conventional.

الإطار النظري والمنهجي:

يتطلب رسم خريطة لأبرز الاتجاهات البحثيّة في السياق الرقميّ الإجابة عن الأسئلة التالية: كيف تجسد “الترميق المنهجي” في الاستراتيجيات البحثيّة في علوم الإعلام والاتصال في البيئة الرقميّة؟ وماهي أوجه التشابه والاختلاف بين الاستراتيجيات المنهجيّة التي تستند إلى العُدّة الرقميّة أو تستعين بها؟ وماهي التداعيات الابستمولوجيّة والأخلاقية للمناهج البحثيّة ” المعاصرة” على علوم الإعلام والاتصال؟

نعتقد أن هذا “الترميق” لا يُفهم إلا بالنظر إلى المناهج السابقة ومكتسباتها، وما تمت إضافته إليها، وما يختلف عنها، وإلى تنوع الاجتهادات المنهجيّة.

للإجابة عن هذه الأسئلة نستأنس بالنّظريّة التّفكيكيّة، التي نعتقد أنها لا تعبر عن اتجاه فكري عدمي، بل تروم التفكيك وإعادة التركيب: تفكيك الأفكار والبُنى الفكرية والتجارب البحثيّة قصد بلوغ حقيقتها وإعادة تركيبها بتشغيل مفهومين أساسيين في التفكير الدريدي (نسبة إلى جاك دريدا)، وهما الإرجاء Différance والاختلاف Différence.[11] يساعدنا المفهوم الأول في مناقشة المناهج البحثيّة انطلاقا ممّا غاب فيها أو عنها أو بناءً على ما لم تفصح عنه. ويدفعنا إلى الالتزام بالحذر وإرجاء تقييم المناهج البحثية في السياق الرقمي وعدم الحكم عليها بطريقة حاسمة لا رجعة فيها، لأنها ترتبط بعُدّة رقميّة لا تكف عن التنوع والتطور والتغيير وتدرس ممارسات اتصالية وإعلامية متجدّدة ومتغيرة باستمرار. ويعيننا المفهوم الثاني في الكشف عن المشترك والمتباين في الاتجاهات المنهجيّة التي درست الميديا في البيئة الرقميّة، والاقتراب أكثر من مستويات الرهانات المعرفيّة لكلّ اتجاه منهجي تتضمّنه خريطة المناهج المعاصرة.

واعتمدنا على ” الميتا تحليل النوعي” Qualitative Meta-analysis ، المنهج الذي يُعدّ حديثا جدًّا وانبثق عن “ميتا دراسة Study-Meta ) ) والذي يشرحه الباحث “تشانينج زهو”[12] بالقول: ” إنه يدرس نتائج وصيرورة الدراسات السابقة، فهناك ظاهرة ما نقوم بدراستها وتحليلها، ثم ننجزِ دراسة عن الدراسة الأولى . فهدف “ميتا دراسة” لا يقف عند تلخيص نتائج الدراسات السابقة، بل التفكير في دراسة ثانية لتحلّل صيرورتها، ودليلها في ذلك السؤالين التاليّن: “أين وصلنا في هذه الدراسات؟ وإلى أين نريد أن نمضي؟)[13]. بعبارة أخرى إن “الميتا تحليل النوعي” هي البحث عن الدراسات السابقة لموضوع ما من زاوية خلفياتها النّظريّة والسياقات التي أنجزت فيها. إنها بمثابة جسر العبور من المنهج إلى المنهجيّة، إن سايرنا ما ذهب إليه الباحثان ” ميا كنسلفو” وشالز إسس” في تمييزهما بين المنهج والمنهجية. لقد اعتقدا بأن منهج البحث هو جملة من التقنيات الملموسة، بينما المنهجيّة هي تصورات تنقل أطر التأويل النظريّ إلى الميدان الأمبريقي”.[14]

أمام غزارة البحوث والدراسات ذات الصلة بالمناهج البحثيّة في السياق الرقميّ اعتمدنا على عيّنة ميسرة Convenience sampling قوامها 100 دراسة وبحث منشور في مجلات علميّة دوليّة محكمة صادر عن مراكز وهيئات بحثيّة أجنبيّة – أنظر الجدول رقم 1- وتتضمّن بحوثا ذات طابع نظري تناقش تأثير التكنولوجيا الرقميّة على مناهج البحث في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة. وتقيّم وتصنف التجارب البحثيّة في حقل الإعلام والاتصال في السياق الرقميّ. وبعد محص مفردات هذه العينة فضلنا الوقوف على خريطتين أساسيتين رسمتا التوجهات المنهجية الكبرى لدراسة الميديا في البيئة الرقميّة، وهما مستمدتان، بالطبع، من مناهج العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة. الخريطة الأولى وضعتها “ماريس نورتاجي”[15] الباحثة في علم الاجتماع في 2012. والثانيّة صاغها كل من الباحثين “سارج برولكس” و”جليان رويف”[16] في 2018. إن مبرّر تفضيلنا لهاتين الخريطتين يعود لكونهما شاملتين وتلخصان أبرز الاتجاهات البحثية المعاصرة في حقل الإعلام والاتصال، وتتقاطعان في أكثر من مفصل، إضافة إلى أنهما تحولتا إلى مرجع أساسي من فرط تواترهما في البحوث التي تعالج مسألة مناهج البحوث. وبعد مناقشة الخريطتين على ضوء بحوث العينة المدروسة نقترح خريطة ثالثة- أنظر الجدول رقم 2 – نعرض فيها بعض الجوانب والأبعاد التي نعتقد أنها لم تبرز في الخريطتين المذكورتين.

وتضمّنت العيّنة المدروسة أيضا بحوثا ودراسات تشمل مختلف موضوعات الإعلام والاتصال التي تبنت استراتيجيات بحثيّة متنوعة لدراسة الميديا في البيئة الرقميّة. وحاولنا أن نستخرج منها القسمات المشتركة التي تجمع بعضها وأدرجناها في إحدى الاتجاهات البحثية الكبرى كمثال نموذجي -أنظر الجدول رقم 3.

الجدول رقم 1: موضوعات عيّنة البحوث والدراسات

الموضوعات                                                                            العدد
بحوث ودراسات عن المناهج في عصر البيانات الضخمة                                            29

تحولات الصحافة والميديا في البيئة الرقميّة                                                             11

الصحافة الرقميّة                                                                                              18

شبكة الانترنت                                                                                                 10

مواقع التواصل الاجتماعي                                                                                   8

الأخبار عبر الخط                                                                                            13

العبر ميديا والمواءمة                                                                                        5

الصحافيون في بيئة الواب                                                                                  3

دراسة الجمهور ومستخدمي الواب                                                                        3

المجموع                                                                                                    100

من نافلة القول أنّ هناك جملة من العوامل والمتغيرات التي شكلت الإطار الذي برزت فيه مناهج البحوث الإعلاميّة في البيئة الرقميّة وتطورت، نوردها كما يلي:

1-العُدَّة التقنيّة وتفكير التضادOxymoron [17]

تتّسم شبكة الانترنت، التي تعتبر العنصر المؤسس للبيئة الإعلاميّة، بقدرتها على جمع التصورات والممارسات التي تبدو أنها متناقضة، كالقول مثلا أن هذه الشبكة خاصة وعامة في آن واحد، ومنفتحة ومنغلقة، ومحليّة وكونيّة، وتتيح الاتصال التزامني وغير المتزامن أو المؤجل، وحرّة ومقيّدة، وتجمع الأفراد لإنشاء جماعات وتفكيك الجماعات، وتشجع الفرد على الإقامة ” وحيدا وسط الناس”، وتعزّز نرجسيّة الفرد على الاقامة في ذاته وخارجها في الوقت ذاته”،[18] بمعنى أن هذه الممارسات التي تبدو متناقضة تشكل معنى جديدا يميز شبكة الانترنت. لذا فإنّ التفكير في هذه الممارسات الإعلاميّة والاتصاليّة التي تجري في هذه الشبكة وعبرها تتطلب تطليق الخطاطة الذهنيّة الموروثة من الماضي وتبنى استراتيجية تروم الفهم وفق منطق تفكير التضاد. وهذا يشكل تحديًّا منهجيًّا للوقوف على تنوع الممارسات الإعلاميّة التي تجري في شبكة الانترنت وعبرها، واستخراج معانيها مع منتجي المحتويات ومستخدميها في آن واحد.

2- المنطق المتداخل في ظل هجانة البيئة الإعلامية

تعيش وسائل الإعلام مسارا مستأنفا من التغيير منذ نهاية القرن الماضي ومطلع الألفية الحالية سواء على صعيد جمع الأخبار، وتحريرها وإنتاجها، وتوزيعها، و” استهلاكها”. الأمر لا يقتصر على الصحافة التي وصف ها الباحثان ” أندرسون” و”بيل” و”شيركي” بــ } إنّها تمر من صناعة منسجمة، إلى حد ما، إلى طائفة من الممارسات المختلفة والمتنوعة (…) فالصناعة الصحفيّة ماتت بيد أنّ الصحافة توجد في أماكن عديدة”{.[19] لقد شمل هذا المسار من التحول كل وسائل الإعلام فأصبح من الصعب فصل قديمها عن جديدها. لقد ذابا في مفهوم ” هجانة الميديا” الذي لا يتعلّق بوسيلة إعلاميّة بعينها، بل يرتبط بالمنظومة الإعلاميّة بأَسْرِها التي أضحت هجينة على حد قول “أندري شادويسك”.[20] ووراء هذه الهجانة تختفي هجانة أخرى نادرا ما نتحدث عنها، وهي “هجانة الاستخدامات”.[21]

من المفترض أن منطق الميديا الاجتماعية يختلف عن منطق وسائل الإعلام التقليديّة لأنهما ولدا في مسارين تكنولوجيين واقتصادين مختلفين، لكنّ هجانة البيئة الإعلامية دفعت بهما إلى التقارب، بل إلى التداخل والاندماج من خلال اشتراكهما في العناصر التالية: قابلية البرمجة  programmability، والنزعة الشعبيةpopularity ،  والارتباط الاتصالي، connectivity, ، والنزعة البياناتية ) التحويل إلى بيانات(datafication.[22]

تَشَكّل منطق وسائل الإعلام التقليديّة تدريجيًّا في الممارسة من خلال دكّ الجدار الفاصل بين الإعلام والإعلان، وبين الأحداث والرأي، وبين تقديم خدمة عموميّة وبيع سلعة. وتطور منطق الميديا الاجتماعيّة بالاستفادة ممّا دكّته وسائل الإعلام التقليديّة إضافة إلى الممارسات المتضادة، التي تحدثنا عنها أنفا، مثل الجمع بين الخاص والعام، والفردي والجماعي، والمحلي ودولي.  لقد فرضت تداعيات اندماج المنطقين في الممارسات الإعلامية والاتصاليّة على الباحثين الالتزام بتعدّدية المقاربات النظرية والمنهجيّة من أجل استجلائها وفهمها، مثلما سنوضح لاحقا.

3- من الإعلام إلى “ميتا اتصال”

لم يوسع التطور التكنولوجي السريع في قائمة مواضيع الأخبار الصحفية فقط، بل ساهم أيضا وبقوّة في تغيير جوهرها. فالأخبار لم تعد مقتصرة على نقل ما جرى، بل امتدت إلى نقل التعليقات، والتعليقات على التعليقات على ما جرى، مما يحفز فضول المرء على معرفة من علق على من؟ لذا يمكن القول أنّ الأخبار في الميديا المعاصرة سلكت عدة اتجاهات، منها تحويل القضايا العامة إلى قضايا شخصية من خلال تذويتها Subjectivisation. وتحويل الأمور الشخصيّة إلى قضايا عامة عبر تغليفها بغلاف الموضوعية Objectivisation. قد يقول قائل أنّ هذه الظاهرة ليست بنت اليوم، لقد شرعت صحافة المشاهير، وتلفزيون الواقع في تجسيدها منذ انطلاقاتهما. بالفعل، لقد وجدت هذه الظاهرة قبل ظهور شبكة الانترنت لكن ما يبدو جديدًا في هذه الظاهرة هو السياق الذي تجرى فيه المتسم بانفتاح المجالات على بعضها، حيث يتداخل المجال الخاص والاجتماعي والعمومي.

يمكن اختزال هذه الظاهرة فيما أسماه أحد مؤسسي مدرسة بالو ألتو ” غريغوري بيتسون” بالميتا اتصال والميتا إعلام،[23] الذي يفكّك عناصر مادة الاتصال ويطرحها للتداول، لتحوّل الإعلام ذاته إلى موضوع للاتصال والتواصل. لعل هذا التحول هو الذي دفع بعض المهنين[24] إلى التفكير فيما يمارسون، إذ لاحظوا بأن القالب التقريري والسردي للأخبار يتراجع أمام القالب الحواري، خاصة بعد أن توفرت الإمكانات للجمهور/ المستخدم ليشارك في إنتاج المادة الإعلاميّة.[25]

إذا، لقد تغيّر الحامض النووي للأخبار فأصبحت غير مستقرة، ومرنة، وقابلة للتعديل والتحوير.[26] فوُصفت بالعديد من الأوصاف، مثل الأخبار الجديدة New News، كما أشار إلى ذلك الباحث “جون كاتز” للدلالة على أن مضامينها أصبحت تمزج الإعلام عن الأحداث السّياسيّة بالتّرفيه والتّسلية[27]، والأخبار الديناميكيّة، أو المائعة أو السائلة.[28] وصفة السائلة لا تعود لكون الأخبار لم تستقر بعد على شكل تعبيري محدّد وثابت فحسب، بل أيضا لأنها متواصلة التشكّل نتيجة ارتباطها بتطور الأحداث وامتدادها الزمنيّ وتعدّد المساهمين فيها.

تطرح هذه التحولات جملة من الصعوبات والتحديات على البحث الأمبريقي، يمكن تشخيصها كالتالي:

1.3– لم تعد الطريقة الكلاسيكيّة لتحليل صحيفة ورقية ذات فائدة كبرى في تحليل صحيفة رقميّة تتكئ ممارستها على مصطلحات ومفاهيم إجرائية متعدّدة ومتنوعة، مثل التفاعلية، والتناص، والنص االمتشعب، والكتابة غير الخطية، وتعددية الوسائط، والمواءمة والنشر العبر ميديا Cross media publishing[29]، والمحتويات المشخصنة، وذاكرة الصحيفة ) الأرشفة(، وزمنيّة tempestivity المادة الإخبارية.[30]مع العلم أن السعي من أجل وضع بروتوكول لتحليل موقع الصحيفة الرقميّة أو الموقع الإخباري لازال قائما، وما تم إنجازه لم يتوطد بعد ليصبح مرجعًا عمليًّا.[31]

2.3-لا تنطبق أسس تصنيف الأنواع التعبيرية في الصحيفة الورقيّة على خصوصية الواب. فالنص الذي كان يعرف في السابق بطابعه المستقر وإمكانية “القبض” عليه في شموليته، لم يعد كذلك، إذ اتسم بطابعه المفتوح والمتحوّل في الواب، ممّا يصعب بلوغ شموليته دفعة واحدة. لذا اقترح اللسانيّ الفرنسيّ “دومنيك مانتنيون” ترسانة مفهوميّة لشرح خصوصية الواب في تحليل الخطاب، نذكر منها ثنائية: النوع المتشعب Hypergenre والسينوغرافيا. Scenography. [32]

3.3-لا تخضع الأخبار السائلة لمعايير القياس الكلاسيكي نظرا لطابعها المتحوّل[33] وتجدّدها المستمر، وانفتاحها على مشاركة المستخدمين ممّا يتطلب التفكير في طرق جديدة بديلة لقياس أبعاد سيولتها عبر الخط وإخضاعها لمتطلبات البحث الأمبريقيّ حتى يتمكن من تجاوز الحدود المنهجيّة التي تفصل مُنْتِج المادة الإعلاميّة والثقافية عن متلقيها/ جمهورها/ مستخدميها، خاصة في ظل رسوخ مفهومي “المحتوى الذي ينتجه المستخدم” ” user-generated content  و” “الانتخدام”produsage”[34]،  فالكلّ يعلم أن المُنْتِج بالمعنى التقليديّ قد زال في الميديا الاجتماعيّة مثل، تويتر، والفيسبوك واليوتوب، لأنها لا تنتج مواد سمعية-بصرية على غرار التلفزيون، بل تبث إنتاج مشتركيها ومستخدميها. كما أن مفهوم سيولة الاخبار يقتضي التفكير في برتوكول لتحليل النّصّ الإخباري المتشعب مختلف عن تحليل المضمون التقليدي للصحف الورقيّة.[35]

4.3  -على الرغم من لجوء وسائل الإعلام التقليديّة ) صحف، محطات إذاعية، قنوات تلفزيونية  (إلى استخدام منصات التواصل الاجتماعي، وإدراجها ضمن استراتيجياتها الإعلاميّة، إلا أن تحليل مضامينها  تختلف عن دراسة المحتويات المتداولة في المنصات الرقميّة التي تتماهى مع ” الميتا إعلام” ،مثلما ذكرنا أعلاه،  مما يطرح صعوبات منهجيّة في دراستها. فهل يمكن التغلب عليها من خلال الاستعانة بتحليل الخطاب الشفهي والمحادثة في الاتصال الشخصي وجها لوجه وفق منظور إرفينغ غوفمان، خاصة بعد أن ظهرت الدعوة إلى تجديد نموذجه الدراميّ للحياة الاجتماعيّة قصد الكشف عن مسرحة الذات وسردها في هذه المنصّات؟ [36]

4-تعاضد الأطر النّظريّة

تستند كل معرفة علمية إلى ركيزتين: منطقية وأمبريقية. فالأطر النّظريّة تزود هذه المعرفة بالركيزة الأولى، بينما يزودها البحث العلمي بالركيزة الثانية.[37] وعلى هذا الأساس تبدو النّظريّة ومنهج البحث وجهان لعملة واحدة. إن الأطر النّظريّة تعطي معنى لما توصل إليه البحث الأمبريقي: تشرحه، وتقدم قراءة لآفاق تطوره بعد توظيف آليات تأويله أو تسّن قواعد لتعمّيمه. ويمنح المنهج المادة التي تمكن البحث من الارتقاء ببياناته الأمبريقيّة إلى “الفضاء المفهومي”.[38]

تُشكل الميديا الاجتماعيّة ملتقى العديد من التخصصات العلميّة، إذ تتقاطع العديد من العلوم في دراستها. لذا يبدو أن البحث عن إطار تأويلي لمختلف جوانب نشاطاتها صعب إن لم يكن مستحيلا. فالعُدّة النّظريّة التي يشغلها الباحث لدراسة هذه الميديا تختلف باختلاف نظرته إليها: هل يعتبرها نظامًا اجتماعيًّا؟ ممارسةً تقنو اجتماعيّة؟ هل أنها قوّة تغيير الممارسة السياسيّة؟ هل يعتبرها رافدًا ثقافيّا منتجًا للتمثّلات الاجتماعيّة؟ وهل تعدّ مخبرا لتطور الممارسات اللسانيّة والخطابيّة أو تشكل مرحلة متقدمة من الإنتاج ما بعد الصناعي للصحافة؟

بصرف النظر عن الإجابة التّفصيليّة عن هذه الأسئلة، يمكن القول أنّ حقل الإعلام والاتصال شهد الكثير من المحاولات لمراجعة نظريّات الإعلام المعياريّة التقليديّة في البيئة الرقميّة، مثل نظريّة حارس البوابة الإعلاميّة،[39] ونظريّة وضع الأجندة Agenda setting [40]، ونظريّة التأطير الإعلاميّ، ونظريّة الاستخدامات والإشباعات[41] ، ولولب الصمت[42]، ونظريات انتشار المبتكرات وتطبيقها على وسائل الإعلام[43]،  ونظرية التلقّي الإعلامي[44]، وغيرها. يبدو أن تشغيل هذه النظريات كإطار لفهم تطور الممارسات الإعلاميّة في البيئة الرقميّة لم يحظ بإجماع الجماعة العلمية. لذا سعى الباحثون إلى فهم هذه الممارسات انطلاقا من أطر نظريّة مختلفة، نذكر منها: نظريّة الحقل The field لبيار بورديو[45]، التي تزايد استخدامها في البحث بعد تطور ممارسات الصحافة وتنوعها، وإلحاح السؤال عن من هو الصحافي في نهاية العقد الأول من الألفيّة الحاليّة. ونظريّة المجال العام[46] لهابرماس وألكس هونيث ، وحنا أرنت، وأوسكار نغيت، بعد أن تراجعت الديمقراطيّة التمثيليّة وبدأت تعيش أزمتها، وتزايد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في ” تجديد” الفعل السياسي، ونظريّة الوساطة الميدياتيكيّة  Mediatization التي تعُدّ ضربا من “ميتا مسار” الذي يروم توطيد العلاقة بين الطرفين: المرسل والمنظومة الاقتصاديّة والسياسيّة والقانونيّة التي يشتغل فيها، والوسيط التقنيّ ) الميديا(  الذي يضطلع بأدوار اجتماعيّة وسياسيّة ) التمثّلات والاندماج( . ويمكن تحديد هذه الوساطة انطلاقا من الخصائص الثلاث التالية[47]: المحتويات الإعلاميّة وما تحمله من تمثّلات، والاهتمام المتزايد بما هو اجتماعي باعتباره رافدا للفعل الإعلامي ومجالا لتأثير الميديا، وإمكانيات تأويل علاقة الميديا بما هو اجتماعي[48].

لقد اتسمت البحوث التي اعتمدت على هذه الأطر النّظريّة، التي تُعدّ تقليديّة وتصنف في خانة البحوث التوافقية، بانزياحها عن الأمبريقية المحضة وتوجهها نحو المعالجة النّظريّة لموضوعات الميديا.[49]

وتضاف إلى هذه البحوث تلك التي حاولت استخدام النّظريّات “المعاصرة” وتطبيقها على الميديا في بيئة الواب، مثل: البراغماتيّة الثقافيّة[50] والتي تعتمد على الدراسات النّصّية لتحديد معايير الاتصال بغرض تشخيص القيم الثقافيّة والكلمات المفتاحيّة الكاشفة عنها، ونظريّة السيولة  لعالم الاجتماع “زغمنت بومان” لدراسة سمات سيولة الأخبار عبر الخط Online، [51] ونظريّة المواءمة والعبر ميديا لـ    Transmedia للباحث “هنري جنكنز” والتي تنص على التوجه إلى إنتاج المحتويات واستهلاكها بطريقة متكاملة عبر مختلف الحوامل.[52] ونظريّة الفعل والشبكة [53] Action-Network-Theory التي تأخذ بعين الاعتبار العناصر المادية والبشريّة في دراسة الميديا علاوة عن الخطابات ، والتي قال عنها الباحث “رودني بيسون” ” أنّها جعلتنا نعي بالأدوات التي توجد بيننا، وبالدور الذي تقوم به في تشحيم علاقاتنا الاجتماعيّة والحفاظ عليها”[54]. ونظريّة “ ميديا التحول” Mediamorphosis  والتي تستند إلى أطروحة ” أن الميديا بصيغة الجمع هي أنظمة معقّدة وقابلة للتكيّف استجابة للضغوطات الخارجيّة من خلال مسار تلقائي من التنظيم الذاتي.”[55] وقد حصر منظرها ” روجي فيلدر”[56] مبادئ هذا التحول وآفاقه في : التطور والتعايش المشتركين، وتحول الميديا التقليدية لتتكيف مع تغيير البيئة الإعلاميّة، والبقاء والانتشار، والفرصة والاحتياج، والتبني المؤجل. هذا إضافة إلى نظريّات الاستخدام الاجتماعي للعُدّة السوسيو تقنية ذات التوجه البنائي والتفهمي التي دفعت علم الاجتماع إلى دراسة العُدّة المذكورة وهي في حالة عدم الاستقرار، بعد أن دأب على دراسة الظواهر الاجتماعيّة المستقرة وذات الحدود الواضحة والثابتة[57].

تكشف هذه النظريات المختلفة عن تعدّد نظرة الباحثين للمواضيع التي طرحها ويطرحها تطور الميديا وتؤطر التفكير فيها. لكن ما يلفت النظر أكثر في دراستها في السياق الرقميّ، هو ما يلي:

1.4- تزايد عدد البحوث الإعلاميّة التي اتجهت إلى الاستعانة بالنّظريّة المتجذرة  Grounded Theory لدراسة الميديا، التي لا تقرأ ما يتم جمعه من بيانات على ضوء نظريّة قائمة ، بل تحاول استقراءه من أجل صياغة نظريّة.[58] بالطبع إنّ هذا التوجه قديم ولم يفرضه السياق الرقمي لكنّ التحولات التي تعيشها الميديا المعاصرة عزّزته. هذا ما يؤكده الباحث الاسبانيّ “رومان سالافيريا” في تقييمه للبحوث عن الصحافة الرقميّة التي جرت في العديد من بلدان العالم ما بين 1994 و2009[59]

وتحاول هذه النّظريّة أن تستوعب هجانة الممارسات الإعلاميّة غير المستقرة وما تطرحه من مواضيع مستجدة، مثل دراسة مدى تأثير السرعة في نقل الأخبار على المعايير المهنيّة وروتين العمل الصحفي في قاعة التحرير.[60] وأشكال استبطان التطور التقنيّ في العمل الصحفي أو مقاومته، والتحوّلات في مصادر الأخبار ورهانات مصداقيتها، إلخ. وميزة هذه النّظريّة أنها تمكّن الباحثين من تسليط الضوء على خصوصيّة تطور الممارسة الصحفيّة في هذا البلد أو ذاك. هذا إضافة إلى أنها لم تنشأ لمواجهة صعوبات منهجية فحسب، بل لتجسد تصور فلسفي في دراسة الميديا يرى أن المشاكل الابستمولوجية لا تطرح في صيغتها المكتملة والجاهزة قبل الشروع في البحث، بل تتشكل تدريجيا عند الشروع فيه وأثناءه.[61]

  • إن كان البراديغم التقنو اقتصادي قد طبع الكثير من البحوث، خاصة تلك التي تعتمد على المناهج الحاسوبيّة، لاحظنا في عينة البحث توجه متزايد إلى مزج النّظريّات المتناسلة من براديغمات مختلفة ومتباينة لدراسة الميديا في السياق الرقميّ لم يكن التقاؤها ممكنا في الماضي، بل لم تخطر ببال الباحثين في السابق. وهذا من أجل النظر إلى الممارسات الإعلاميّة الرقميّة من مختلف الزوايا، وتسليط الضوء على الفاعلين فيها على المستويات الاجتماعيّة الثلاث: الأصغر Micro، والوسيط Meso ، والأكبر Macro. ومن أشكال هذا المزج نذكر، على سبيل المثال وليس الحصر، أن الباحثة “ماري كارولين هيد” جمعت في الإطار النظري لبحثها، المتعلّق بظهور الممارسات المعاصرة في الصحافة التشاركية، المقاربتين البنائية والنسقية- وهذه الأخيرة تتعارض في جوهرها مع البنائية – ونظريّة التعقّد لكونها سببية.[62] وتوجه باحثو المدرسة النقديّة، الذين يرتكزون في دراستهم للميديا على نظريّة الاقتصاد السياسي ، إلى الاستعانة بالمقاربات السوسيولوجيّة التي تركز على المستخدمين[63]. والكل يعلم أن رواد هذه المدرسة يهمشون الجمهور في دراسة الميديا، إذ ظلوا يتحدثون باسمه ردحا من الزمن.

وفي دفاعه عن نظريّة البراغماتية الثقافيّة في دراسة الميديا، يؤكد “جيفري ألكسندر” أنها تجمع في آن واحد النموذجين التأويلي والسببي[64]. علما أن النموذج الأول ينتمي إلى البراديغم البنائي، وينتمي النموذج الثاني إلى البراديغم الوضعي. وأكد الباحث “دافيد ميلس” على الأهمية المتبادلة للإثنوغرافيا وتحليل الخطاب إن اجتمعا في دراسة الميديا في السياق الرقمي[65]

5-الآمال والمخاوف من الجيل الثالث في العلوم الاجتماعيّة

يرى دومنيك بويي[66]، المختص في علم الاجتماع الرقميّ، ورئيس تحرير مجلة ” كوسموبلتيك”، أن العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة مرت بثلاثة أجيال: الجيل الأول ظهر في أواخر القرن التاسع عشر وكان يعتمد على البيانات الناجمة عن التّعددات السنويّة التي تقوم بها الحكومات، ومؤسساتها المختلفة لمسح شامل للسكان أو شريحة منهم قصد رصد السلوك الفرديّ في المجتمع. بالطبع إن هذه البيانات تلبي بدرجة أساسيّة حاجة الدولة ومؤسساتها خدمة لسياستها. وظهر الجيل الثاني في ثلاثينات القرن الماضي مع إنشاء مؤسسة “غالوب” لاستطلاع الآراء وانطلاق عالم الاجتماع “بول لازرسفيلد” في انجاز بحوثه الميدانيّة التي تعتمد على استطلاعات الآراء بالاستناد إلى عيّنة تمثيليّة لدراسة المجتمع. إن الحاجة إلى هذه البيانات كانت وليدة السوق والحياة السياسيّة الديمقراطيّة. أما الجيل الثالث فقد بدأ في الظهور منذ ثمانيات القرن الماضي ومطلع الألفية الحالية مستندا إلى البيانات الكبرى Big Data . وتعزّز بزيادة الاستخدام الاجتماعي للأنترنت نتيجة قيامه بدراسة ما يخلفه مستخدمو الانترنت من آثار في إبحارهم عبر شبكة الانترنت، وما تحتفظ به المواقع والمنصات الرقميّة عن زوارها ومقدمو خدمة الانترنت.

على الرغم من المآخذ التي أخذت على هذا التصنيف لتطور العلوم الانسانيّة والاجتماعيّة، مثال الاعتماد على طبيعة البيانات وطريقة جمعها بدل التركيز على الغايات المنشودة من جمعها وتحليلها[67]، إلا نورتجي استندت عليها في إعداد خريطة مناهج البحث في السياق الرقمي – كما سنرى لاحقا- وعلى أساسها فتحت باب الحوار بين المقاربات البحثيّة) المقاربة بواسطة البُنى التي اعتمدها علم الاجتماع الدوركايمي – المجتمع-، والمقاربة عبر السوق – استطلاعات الرأي التي تنجزها المؤسسة، مثل غالوب- والمقاربة عبر العدوى المباشرة للميمات (Memes)  الرقميّة والمحاكاة استندا إلى اطروحة عالم الاجتماع غبريال تارد(.

أمام دفع العُدّة الرقميّة إلى تحويل المجتمع إلى كميّة رهيبة من الآثار الرقميّة تزايدت الخشية من أن تجر الخوارزميات إلى الاستغناء عن طرق التّحليل العلميّ التي كرستها العلوم الإنسانيّة منذ نشأتها فأصبحت من المكتسبات المنهجيّة. فالعدد الهائل من الآثار الرقمية أصبح يشمل مجتمعات البحث بأسرها التي يزيد عدد مفرداتها عن عشرات الآلاف (الكلمات المفتاحية، الروابط الرقمية Links، التعليقات، الرسائل الإلكترونية، التفاعلات عبر أيقونة الإعجاب و ” الايموجات” Emoji [68]، والتغريدات، وشرائط الفيديو، والصور، والبودكاسات، إلخ) والتي يتعذر تحليلها دون الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، ناهيك عن البيانات التي تجمعها تطبيقات الجاسوسية لأغراض أمنية وتجاريّة، والميتا بيانات التي يتعذر جمعها يدويًّا. لذا يتخوف بعض الباحثين من “ذوبان دراسة الميديا في المعلوماتية والفيزياء”[69]، وتستغني بالتالي عن الأدبيات النظريّة التي تؤطرها. هذا ما يبشر به الباحث “أندرسون” في قوله ” أن زمن نظريّات السلوك البشريّ، من علم اللغة إلى علم الاجتماع مرورا بعلم النفس قد ولّى. ولا حاجة إلى معرفة لماذا يفعل الناس ما يفعلونه، فالمهم أنهم يفعلون ذلك وكفى، ويمكننا متابعة ما يقومون به وقياسه بدقّة وأمانة غير مسبوقة. فالبيانات موجودة وكافية، والأرقام تتحدث عن نفسها”.[70]

تأسيسا على ما سبق يمكن أن نتساءل، هل أن البيانات الكبرى تعمل على ” قرصنة” ممارسات البحث في حقل علوم الإعلام والاتصال على غرار ما تفعله بالعلوم الاجتماعيّة والانسانيّة وفق ما ذهب إليه البعض،[71] أم أنها ستنقذ البحوث الإعلاميّة من أزمتها؟

لازالت الإجابة عن هذا السؤال محل خلاف، فالبعض يعتقد أن التكنولوجيا الرقميّة دفعت العلوم الاجتماعيّة والانسانيّة إلى استئناف ” الثورة الكمية” التي عاشتها في ستينات القرن الماضي وسبعيناته[72]. ويرى البعض الأخر أن البيانات الكبرى ستفعل بالبحوث الاجتماعيّة، ما فعلته ” الفوردية”- نسبة ” جون فورد” مالك شركة صناعة السيارات- في عالم الصناعة، نتيجة تنظيم العمل وإعادة تقسيمه أفقيًّا وعموديًّا وزيادة الإنتاج[73]، ممّا يعني أن هذه التكنولوجيا لا تغير في طرائق الحصول على المعرفة فحسب، بل ستغير حتّى طبيعة هذه المعرفة.

تستدعى البيانات الكبرى أيضا فهم الاختلاف بين استراتيجيات البحث التقليديّة وتلك التي تعتمد على التكنولوجيا الرقميّة، والخلاف الذي تثيره مختلف البحوث التي تعتمد على هذه التكنولوجيا. والسؤال عن مفعول العُدّة التقنيّة التي انتجتها في توجيه البحث.

ما يبرّر هذا السؤال أن البيانات التي يعتمد عليها الجيل الثالث من العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة هي وليدة شركات المعلوماتية العملاقة[74] التي تضفي الطابع الميركنتلي mercantilization على الاتصال. لتوضيح هذه الفكرة  يمكن القول أن وسائل الإعلام، خاصة الصحف العالمية الكبرى، قد تزودت، منذ أزيد من عشرين سنة، بــ” أدوات القياس أثناء العمل” Metrics at Work ” ؛ أيّ محركات البحث لقياس تفاعل الانترناتيين مع المواد الصحفية المنشورة عبر الخط، مثل ” غوغل أنالتيكس” Google Analytics  و “شارتبيت” Chartbeat، والتي أدت  إلى ميلاد وظائف جديدة في قاعة التحرير مثل ” مدير الجماعات ” الافتراضية  Community Manager، و مسؤول فهرسة المحتويات  SEO Manager وترقيتها في شبكة الانترنت والتعامل مع منظومة الوساطة الإعلاميّة  Infomediary  ، مثل محرك “غوغل  نيوز”، و “ويكيو” Wikio  ، والتي أضحت عبارة عن مؤشر دال عن العلاقة بين ما تعرضه وسائل الإعلام وما يطلبه الجمهور/ المستخدم. والنتيجة أن هاته المحركات كلها تتدخل في توجيه محتويات الصحف.[75]

إن كانت البيانات التي تقدمها هذه المحركات مفيدة لوسائل الإعلام على الرغم من الخلاف الذي اثارته وتثيره وسط الصحافيين حيث يعتقد الكثير منهم أنها تساهم في تسليعهم – تحولهم إلى سلعة- فإنّها تظلّ غير كاملة بالنسبة للبحث  العلمي لكونها تكتفي بالتعبير عن ذاتها دون أن ترتقي لتصبح علامة أو قرينة بالمعنى السيميائيّ.[76] وهنا تكمن إحدى الإشكاليات المعرفيّة التي تطرحها العُدّة التقنيّة على البحث الإعلامي والمتمثلة في استجلاء معان الآثار التي يهتم بها الباحثون في علوم الإعلام أكثر مثل النقر على المواقع والنصوص والصور والفيديوهات والبودكاسات، والمواقف منها المعبر عنها بأيقونات الإعجاب علامة أو ” الإيموجي” Emoji والتعليقات والمشاركات، والروابط الرقميّة Links، وغيرها. إنها الآثار التي تنشئ بها وحدات تشكل الظاهرة الإعلاميّة والاتصالية المدروسة ،والتي يبدو أن عائدها العلمي متواضعا ما لم تؤول وتستنطق سيمائيًّا حتّى وإن ارتبطت بالمتغيرات المعهودة في البحوث الاجتماعيّة التقليديّة

اتجاهات البحوث الإعلاميّة في السياق الرقمي.

في مناقشتها لتداعيات التكنولوجيا الرقميّة على البحث الاجتماعي، والذي يشمل بالطبع بحوث الإعلام والاتصال، ومن أجل رسم خريطة لمناهج البحث وظفت الباحثة ” ماريس نورتاجي”[77] مفهوم إعادة التوزيع “Redistribution ” مؤكدة ” بأنّ الأدوار في ممارسة البحث العلمي وفق هذا المفهوم موزعة على طائفة متنوعة من الفاعلين: الباحثين، والمبحوثين (موضوع البحث- المستخدمين)، والوسيط أو العُدّة التكنولوجيّة، وممولي البحوث.  وبمفهومها هذا سعت إلى تحديد المهارات، ومنح السلطة والشرعية في البحث للفاعلين المذكورين. وعلى الرغم من إقرارها بأن إعادة التوزيع هذه مسألة ” لزجة” لصعوبة حصر مساهمة أيّ فاعل من الأطراف المذكورة في تجسيد مناهج البحث إلا أنها أدرجت الاستراتيجيات البحثيّة المستخدمة في البيئة الرقميّة كما يلي:[78] المناهج التقليديّة أو المألوفة (Methods-as-usual) ، المناهج  الحاسوبيّة أو الكبرى  (Big Methods) ، والمناهج الافتراضيّة ) Virtual Methods ( والمناهج الرقميّة)  Digital Methods).

تعرض هذا التصنيف إلى العديد من الانتقادات، لعل أبرزها تلك التي تتقاطع مع النقد الموجه لتصنيف أجيال العلوم الاجتماعية والإنسانية المذكورة أعلاه؛ بمعنى أن هذا التصنيف يرتب مناهج البحث في السياق الرقمي استنادا إلى مستوى قدرات الأطراف الفاعلة في البحث: من الحد الأدنى (المناهج التقليديّة) إلى الحد الأقصى والتي تكشف ضمنيًّا عن التطور في عُدّة جمع البيانات وتحليلها متجاهلة أهداف البحث التي تشكل قاعدة الفرز بين المناهج. [79] ولو أخذنا بعين الاعتبار النقد الموجه إلى المناهج الافتراضية، والذي مفاده أنها ضرب من ممارسة الاثتوغرافيا عبر الانترنت. بمعنى أنها ترحّل أدوات جمع البيانات وطرق التّحليل الممارسة في البحث الاثنوغرافي التقليدي إلى البيئة الرقميّة، فإننا نمحي الفرق بين ما تسميه الباحثة ماريس نورتاجي بالبحوث التقليدية والبحوث الافتراضيّة.

لقد أقرّ الباحثان سارج برولكس وجوليان رويف[80] بأنّ التكنولوجيا أثرت تأثيرا كبيرا على البحث العلمي، لكنهما لم يعتمدا على مفهوم ” إعادة التوزيع” المذكور أعلاه لوضع خريطة لمناهج البحث في البيئة الرقميّة بل وظفا مفهوم “النموذج المثالي”Ideal‑type بالمعنى الويبري ) نسبة إلى “ماكس ويبر” ( وهذا بناء على المقابلات المعمقة التي أجرياها مع 24 باحث متمرس في البحث الميداني في البيئة الرقمية في العديد من البلدان الغربية.  ولا يقصدان بهذا النموذج أنه كامل أو الأفضل أو المرغوب أو الأكثر وفاء في تمثيله للواقع، بل يعني أنه يتضمّن خصائص يمكن ملاحظتها أكثر من غيرها. ويتم التعبير عنها من خلال إنشاء تركيبي مجرد يكشف عن القواسم المشتركة للعناصر التي تشكل الظاهرة المدروسة[81]. وعلى هذا الأساس أعدّا خريطتهما لمناهج البحث في البيئة الرقميّة وتضمّنت أربعة نماذج مثالية للمقاربات البحثية الكبرى، وهي: مناهج توافقية، وليست كلاسيكية مثلما ذكرت “ماريس نورتجي”، ويقسما هذه الأخيرة إلى صنفين: كميّة وكيفيّة، والمناهج الإثنوغرافيّة عبر الخط، والمناهج الحاسوبيّة المطبقة على البيانات الكبرى، والمناهج الرقميّة الكميّة- الكيفيّة[82]؛ أيّ مناهج مختلطة. إن اختلاطها هذا يجنبها الاقتراب من المناهج الحاسوبية أو التطابق معها. كما أن صفة التوافقية التي أطلقت على المناهج التقليديّة يمكن أن تثير بعض الإشكال، وذلك لأنه يمكن أن تتضمن المناهج الحاسوبية التي أضحت هي الأخرى مناهج توافقية، بمعنى أنها حقّقت نوعا من الاجماع على توظيفها في جل أصناف البحوث العلمية وليس الاجتماعيّة والإعلاميّة فقط، وهذا على الرغم من أن بروتوكولات تطبيقها لم توحد بعد، وربما لن تتوحد أصلا نظرا لتنوع المواضيع، وتطور العدة الرقميّة، وتجدّد الممارسات وتشذر المستخدمين، وتعدّد الغايات الجزئية من إجرائها.

المناهج التقليديّة أو “التوافقيّة”:

تدرس الظواهر الإعلاميّة والاتصالية في بيئة الواب بترسانة التقنيات التقليديّة ) الملاحظة، دفتر التدوين ، المقابلة، المجموعة البؤرية، صحيفة الاستبيان( . ويعتقد أصحابها أن التكنولوجيا الرقميّة لم تغير أساليب البحث بل لازالت مستمرة في البيئة الرقميّة وتستمد شرعيتها من ماضيها. وإن لم يطعن الكثير من الباحثين في إجراءاتها المنهجيّة فبعضهم يشير إلى أنها لم تأخذ بعين الاعتبار مكانة الوسيط التقني في البحث؛ أيّ لم تول الاهتمام للفرص التي يتيحها هذا الوسيط في مجال الاتصال والإعلام والإكراهات التي يفرضها على المستخدم. فتعاملت مع الموضوعات عبر الخط وكأنها تجري خارج شبكة الانترنت تمامًا.

وتصف “ماريس نورتجي ” هذه البحوث بالمحافظة.[83]ربما لعدم استخدامها للعُدّة التكنولوجيّة الرقميّة في البحث أو استخدامها في الحدود الدنيا.[84] بالطبع إن الانفتاح على دراسة “الميديا الاجتماعيّة” لا يتحقّق بقطيعة منهجيّة مع الممارسات السابقة، بل يتأسس بناءً عليها. لذا فالكثير من البحوث التي درست المدونات الإلكترونيّة في بدايتها، سواء لفهم دوافع التدوين واهتماماته أو للكشف عن التباين في أسلوبه والأسلوب الصحفي المعروف والمعتمد، استعانت بالمناهج التقليديّة مستخدمة أداتي تحليل المضمون والمقابلة.[85] وهذا لا ينفي القول أنّ البحوث التقليديّة شرعت في التحوّل والتكيّف تدريجيا مع البيئة الرقميّة منذ نهاية تسعينات القرن الماضي .[86]

المناهج الحاسوبيّة: تسمى أيضا المألوفة أو الكبرى. وتستمد وجودها من العُدّة التكنولوجيّة ( الكمبيوتر وبرامجه، وتطبيقات الانترنت، ومحركات البحث) وتستخدم في مختلف المجالات المعرفية. تقوم بالجمع الآلي للآثار التي يخلفها مستخدمو شبكة الانترنت والمنصات الرقميّة وتظهرها في رسوم بيانيّة، وخرائط توضيحيّة وغرافية، وخرائط سحابية للكلمات. تكشف عن العلاقات والآراء والمواقف والاتجاهات. وتستعين بالرياضيات من أجل نمذجة النشاط والسلوك البشري.

نشأت هذه المناهج في مخابر شركات المعلوماتية الكبرى لتلبية حاجة السوق مثل دراسة الأسواق وعادات الاستهلاك والإعلان. لذا فإنها تستخدم في مختلف قطاعات النشاط الإنساني. ولا يمكن اختزالها في عملية الجمع الآلي للآثار الرقمية فقط، بل تشمل أيضا تقييمها وتحليلها والأهم التعلم منها؛ أي ما أصبح يعرف بالتعلم الآلي Machine Learning الذي يهدف إلى ” إلى التطوير المتكرر لفهم مجموعة البيانات والتعلم التلقائي لإدراك أنماط معقّدة وبناء نماذج توضح وتتوقّع مثل هذه الأنماط “.[87]

وظفت علوم الإعلام والعلوم السياسية هذه المناهج لمعرفة زوار المواقع الإلكترونية بشكل أكثر تفصيل، وأشكال تفاعلاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، ومدى تعددية مصادر الأخبار في وسائل الإعلام،  وآراء ومواقف واتجاهات الناخبين ومدى شعبية المترشحين، إلخ.[88]

لقد أثارت المناهج الحاسوبية الكثير من الجدل مقارنة ببقية أنواع المناهج المذكورة خاصة في علوم الإعلام والاتصال، ولا شيء ينبئ بأنها ستتوقف في القريب العاجل.

لقد رأى بعض الباحثين، ومنهم الباحث البريطاني “دافيد غنتلت” المناهج الحاسوبية بعيون متفائلة إذ قدر بأنها تنقذ بحوث الميديا، خاصة دراسات الجمهور التي شهدت تراجعا كبيرا،[89] إن التفاؤل بارتفاع عدد البحوث التي تعتمد على المناهج الحاسوبية لدراسة الجمهور يعود، بدون شك، إلى انخفاض كلفتها مقارنة بالبحوث التقليديّة وسرعة إنجازها، لكن أيضا بسبب كبر حجم مجتمعات البحث التي تدرسها والتي قد تتجاوز الآلاف، ولكمية البيانات الضخمة التي توفرها والتي لا تبلغها التقنيات التقليديّة لجمع البيانات.

يعتقد البعض أن قوّة المناهج الحاسوبيّة تكمن في عدم اعتمادها على نظام العيّنة في دراسة الموضوعات الإعلاميّة وبالتالي لا تطرح عليها مسألة تمثيل المجتمع المدروس. إنها تدرس كل الآثار الرقميّة Digital Traces التي يحتاجها البحث، لذا تكون نتائجها صحيحة ودقيقة. لكن هذا الاعتقاد يجانب الصواب. لأن ما تدرسه قد يكون في الغالب غير محدود لأن الآثار لا تتوقف عن التدفق كالسيل.) ففي “غياب الكل” يختفي اكتمال مجتمع البحث ويختفي معه تمثيله ([90].

وتستفيد المناهج الحاسوبيّة من اعتقاد راسخ بأنها أكثر موضوعيّة، وذلك انطلاقا من تصور مفاده أنه كلّما زاد حجم الآثار المدروسة ارتفع منسوب دقّة البحث ومصداقيته. وهذا خلافا لدليل المقابلات البحثية الذي يقلص كثيرا شريحة الواقع الذي على أساسه تُستنبط البيانات.[91] ويمنح الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في جمع البينات وتحليلها للبحث مصداقية أكثر، ويعطيه مشروعية أفضل من البحث الذي ينجز بالاعتماد على اللقاء المباشر مع المبحوثين سواء من خلال المقابلات الفردية أو المجموعات البؤرية أو صحيفة الاستبيان، والتي قد تشوبها الذّاتيّة. هذا علاوة على الايمان بأن كثرة الآثار” توفر أعلى مستوى من الفهم والمعرفة”.[92] والحقيقة أن المناهج الحاسوبيّة تكشف عن أبعاد “جديدة” في الموضوعات الإعلاميّة والاتصاليّة لتيسير هذا الفهم. وهي الأبعاد الكامنة في خصائص البيانات الضخمة. وقد حصرها البعض في ثلاث خصائص تشترك في الحرف اللاتينيV في بداية اسمها [93]، وهي: الحجم Volume الذي يعنى ضخامة البيانات المزايدة والتي تجاوز حدود عيّنة الدراسة، والتنوع Variety ، أي تعدّد أشكال الآثار والميمات القابلة للتحليل، والسرعة Velocity، التي تعد خاصية مستحدثة حقا ولا يوجد ما يعادلها في البحوث الكلاسيكية، إذ يقصد بها إيقاع توليد البيانات وفترة ظهورها في الشاشات قبل أن تختفي،[94] وسرعة التقاطها وتحليلها. وقد أضاف البعض لهذه الخصائص خاصيتين أخريين، وهما الحقيقية Veracity؛ أي إمكانية التأكد من واقعيتها ومن كونها ليست وليدة عملية تزوير رقمي، كقيام الخوارزميات بإعادة التوزيع الآلي والتلقائي لبعض التغريدات، والقيمة Value، ويقصد بهذه الأخيرة البيانات التي تملك قيمة عملية في ظل تخمة الآثار الرقمية لتصبح خمس خصائص.[95] وأُضيفت لها خاصية المرؤوئية  [96]Visibity ، أيّ القابلية على الظهور ومشاهدتها، لتصبح ست خصائص.

لعل القول بأنّ المناهج الحاسوبية تقترح مقاربة جديدة للعلوم الاجتماعيّة وعلوم الإعلام يعود إلى توظيفها للخصائص الخمس المذكورة أعلاه، التي تعتبر متغيرات تختلف عن تلك المعتمدة في البحوث التقليديّة، والتي تكتفي بذاتها دون تقديم أي شرح يسلط الضوء على العلاقات الترابطيّة من أجل الكشف عن التوجهات العامة دون الاهتمام بالأسباب.[97] لاستيعاب هذه الفكرة بشكل جيد لابد من الإشارة إلى أن المناهج الحاسوبية تتعامل مع الآثار الرقميّة Digital Traces أكثر من البيانات Digital Data. وهل هناك فرق بينهما؟ بالطبع يجيب دومنيك بويي [98]قائلا: إنّ البيانات تُنسق وتُهيكل بطريقة تنشئ للمعلومات علاقة بالخصائص الاجتماعيّة والاقتصاديّة والديمغرافيّة والسّياسيّة لجماعة ما، بينما تعدّ الآثار الرقميّة، في تقديرنا، قرائن مخلفات التعامل مع العُدّة الرقميّة في حالتها الخام. لذا تغطى الآثار واقعا أكثر شسوعا من البيانات.

تأسيسا على الخصائص المذكورة أعلاه، هل يمكن القول أنّ هذه المناهج تقدم نموذجا من البحث الأمبريقي الذي لا يتبع أي طريقة مألوفة في البحث العلوم الاجتماعية والإنسانيّة؟ بمعنى أنها لا تسعى إلى التفسير من خلال الكشف عن العلاقة بين الظواهر والمتغيرات، ولا تعتمد على الفهم واستجلاء المعاني من أفعال الفاعلين وتأويلها نظرا لأن الخوارزميات أصبحت تشكل منهجا قائما بذاته يُغْنِي عن كل منهج من المناهج المعروفة.[99]

إن الإشكال لا يتعلق بالخوارزميات في حد ذاتها، بل يتعلق بالمنطق الذي يتحكم فيها، والآثار التي تشتغل عليها والتي يمكن تشبيهها بالآراء في بعض الجوانب، فينسحب عليها ما قاله بيار بورديو [100]عن الرأي العام. لقد نفى هذا الأخير وجود هذا الرأي كما تفصح عنه استطلاعات الرأي انطلاقا من اقتناعه بأن الآراء لا تتساوى. كذلك الأمر بالنسبة الآثار الرقميّة، إنها لا تتساوى. لكن المناهج الحاسوبيّة تتعامل مع تفاعلات مستخدمي موقع ما على أنها متكافئة، إذ تساوي ضمنيًّا، بين كتابة تعليق على نص ما أو منشور والنقر على ايقونة أحب. لذا فإنّ السباق إلى تقديم أكبر عدد من البيانات يصبح عديم الجدوى دون تفكير ملائم فيما نجمع، ولماذا نقيس.[101]هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، ليس كل شيء يقبل القياس الكمي، بل أن هذا القياس قد يُفقد بعض الأشياء فيمتها. وأبرز مثال على ذلك هو “الإيموجي”، فحمولتها الثقافية تؤدّي الوظيفة ذاتها التي يقوم بها الاتصال غير اللفظي في الحياة اليومية. فلا معنى لإحصاء هذا الضرب من الاتصال، لأن قيمته في دلالته وليس في كميّته.

إذا، لتلخيص هذه الفكرة، يمكن القول ” هناك أشياء يمكن قياسها. وهناك أشياء تستحق القياس. لكن ما يمكن قياسه ليس دائمًا ما يستحق القياس. وما يتم قياسه قد لا تكون له علاقة بما نريد معرفته حقًا”. [102]  ولإيجاد هذه العلاقة يمارس محللو البيانات الكبرى Big Data الاستسقاط Apophenia[103]، وهو المفهوم الذي اتكأت عليه الباحثتان “دانا بويد” و”كيت كرافورد” في نقدهما للبيانات الضخمة.[104] وهذا يعني إن المناهج الحاسوبية لا تنتج معارف بل تساهم في إنتاجها فقط. إنّها تشكل امتدادا متطورا للعُدّة التقنيّة التي كانت تعتمد عليها البحوث الكميّة التقليديّة مثل الآلة الحاسبة [105]

للتطور التكنولوجي تداعيات اقتصاديّة وتنظيميّة على مستوى المؤسسات والعلاقات بين الأشخاص.  والخوارزميات تعيد إنتاج هذه العلاقات والممارسات الإعلاميّة والثقافيّة وفق منطق السوق. إنها ” علب سوداء”، على حد تعبير الكثير من الباحثين، تمنح لمناهج البحث الحاسوبيّة ما تريد أن تعطيه وتخفي ما تريد أن تخفيه. والتسليم بما تقدمه كمادة خام دون قراءة وتأويل قد يضلل البحث العلمي، بل قد يوجّهه وفق منطق البراديغم “التقني-الاقتصادي” الذي يرفع من القيمة التبادليّة لعلاقة المؤسسة الإعلاميّة بجمهورها، وأبرز مثال على ذلك تقدمه خوارزميات موقع “نتفليكس” التي لا تكتفي بتلبية طلب على الأفلام والمسلسلات، بل تسعى إلى توجيه هذا الطلب وفق ترتيب مخصوص بناءً على شعبيتها.[106] وينتهي هذا التوجيه في أخر المطاف إلى صقل الذوق الفنيّ لمستخدمي هذا الموقع.

بصرف النظر عن قدرة الذكاء الاصطناعي الذي تعتمد عليه المناهج الحاسوبية في جمع البيانات وتحليلها ومنحها بعدا مرئيًّا عبر الخرائط والغرافيك، يمكن إدراجها في خانة الدّراسات الكميّة التي تقيس أولا، ثم ّتفكر فيما قاستها. وترى أنّ مواضيع البحث توجد جاهزة ولا تتطلب بناءها. وتجدر الإشارة إلى أن بناء موضوع البحث لا يطرح في الأدبيات العلمية من باب الاستعارة، بل يملك أبعادا إجرائية في البحث، منها الإحالة إلى التخصص المعرفي؛ أيّ إلى علوم الإعلام والاتصال. ألم يقال أنّ لكل تخصص علمي موضوعاته ولغته؟ والتشكيك في المظاهر التي يكتسيها موضوع البحث كما تبرزها الممارسات المؤسساتيّة والاجتماعيّة بصفة عامة. والإفصاح عن المقاربة المنهجيّة التي يتبناها الباحث في معالجة موضوعاته.[107]  وبناء موضوع البحث يعني أيضا تسييقه على الصعيد التاريخي. لكن يلاحظ أن المنصات الرقميّة تكتفي، في الغالب، بتقديم البيانات الآنية أو المرتبطة بأحداث راهنة معينة، ولا تقدم تلك الموغلة في القدم- وبالتالي فإن المناهج الحاسوبية لا تزود البحث بالبيانات التي تسمح له بربط موضوعه بمسار تطور البيئة الاجتماعيّة والثقافية، أي بـ “التناص الاجتماعي”[108] وبالمكتسبات النّظريّة.

إذًا، إن كانت الرهانات الأخلاقيّة التي تطرحها المناهج الحاسوبيّة معلومة وشكلت موضع احتجاج وحتّى تنديد المنظمات الحقوقية لكونها تتمثل في استغلال الآثار الرقميّة لمستخدمي شبكة الانترنت التي تكشف عن خصوصيتهم دون موافقتهم، والأدهى من ذلك دون علمهم، فإن رهاناتها المعرفيّة لازالت في طي المسكوت عنه الذي يعمق أزمة بحوث الإعلام والاتصال والتي يقول عنها الباحث ألكس ميتشولي: ” تبدو وكأنها تسبح في فراغ ابستمولوجي ونظري” [109]

المناهج الافتراضيّة أو “الاثنوغرافية”: تجمع هذه التسمية طائفة من الممارسات البحثيّة المختلفة، نذكر منها : الاثنوغرافيا عبر الخط[110]، والإثنوغرافيا الرقميّة [111] والنتغرافيا [112] وإثنوغرافيا الشبكات  التي تزاوج بين الاثنوغرافيا وتحليل الشبكات.[113]  والقاسم المشترك لكل هذه المسميات هو الاثنوغرافيا التي  تعدّدت تعاريفها. لكنّنا نقتصر على التعريف المرجعي الذي يرى بأنها) بحث – ترابطي استقرائي – يتطور تصوره من خلال الدّراسة – بالاستناد إلى عائلة من الطرائق التي تستلزم لقاءً مباشرًا مع الأشخاص في سياقهم وفي حياتهم اليوميّة و(في ثقافتهم) ( …) تقرّ بدور النّظريّة والباحث في عملية البحث وتعتبر البشر كموضوع البحث وكطرف فيه.) [114]

من الصعب تقديم لوحة متكاملة للبحوث الاثنوغرافية الافتراضية، وإن كان البعض[115] لخصها وفق غايات البحث فيما يلي: اثنوغرافيا الجماعات عبر الخط والعوالم الافتراضية ومواقع الميديا الاجتماعي، واثنوغرافيا عبر الخط وخارج شبكة الانترنت، واثنوغرافيا الممارسات الابداعية في الميديا الرقمية   التي حاولت استجلاء بعض الجوانب في ممارسة العمل الصحفي وتطوره، إذ ركزت على روتين قاعة التحرير ودوره في ترسيخ معيارية المهنة، وأشكال تقبل المبتكرات التكنولوجية أو مقاومتها في قاعات التحرير، وأشكال استنباط الصحافيين للسياسات التحريريّة، وما هو تصور الصحافيين لنتائج الوساطة الإعلاميّة Infomediary التي ذكرناها أعلاه على أدائهم، استخدام الجمهور للميديا الاجتماعيّة وتأويلهم لهذا الاستخدام، إلخ.

استحوذت المناهج الافتراضية على القسط الأكبر من النقاش والجدل حول مناهج البحث في السياق الرقميّ. ففي هذا الإطار تنفي الباحثة “مادلين بستليني” ضرورة استحداث مناهج اثنوغرافية جديدة ملائمة للسياق الرقميّ. وترى أن مشكل هذه المناهج لا علاقة له بميدان البحث بل يكمن في النظرة إلى الفضاء السيبري واعتباره موازيًّا ” للفضاء الواقعي والفعلي”، والتي تطالب بالتعامل معه كميدان مختلف جذريّا. وهذا ما حثّ الكثير من الباحثين على الدعوة إلى التجديد المنهجيّ لدراسته.[116]

إن كانت الاثنوغرافيا التقليديّة تستمد وجودها من اللقاء المباشر مع المبحوثين ومعايشتهم خلال مدة قد تطول أو تقصر حسب طبيعة موضوع البحث وظروف إنجازه. فاللقاء في الفضاء الافتراضي يتم عبر وسيط تقني، وملاحظة المبحوثين تتم أيضا عبر عُدّة تقنيّة، ممّا يطرح السؤال عن قدرتها على نقل كل ما يجري، والسياق الذي يجري فيه، خاصة عندما يحل الاستماع محل القراءة، ويتراجع الكلام لصالح الصورة، والفيدوهات، أو المدونات والأيقونات، أيّ أشكال التواصل التي تجري بطرق غير لفظيّة.[117] لذا تعد الاثنوغرافيا الافتراضيّة امتدادا لتلك التقليديّة المحتفظة بطبيعتها الكيفيّة لكنها تتسم، في الوقت ذاته، بتعدّديتها وقابليتها للتكيّف. [118]

إننا ندرك بأن للسوق دور في دفع البحث الاثنوغرافي في البيئة الإعلاميّة الرقميّة إلى مزيد من التفرع أو التخصص حسب الموضوع أو المنصات الرقميّة التي يجري فيها، [119]ممّا يدفع إلى التساؤل عن علاقتها بالنموذج الإثنوغرافي الأصلي.

بصرف النظر عن التداعيات الأخلاقيّة التي تطرحها ممارسة الاثنوغرافيا في السياق الرقمي، مثل احتمال التعامل مع مستخدمي شبكة الانترنت أو المنصات الرقميّة مجهولي الهوية ومنتحلي المكانة الاجتماعية والمهنية، تعرضت الاثنوغرافيا الافتراضية إلى الكثير من الانتقادات، منها الفصل بين الممارسة الإعلاميّة والثقافيّة والاجتماعيّة في الواقع اليومي الفعلي، وتلك التي تجري في الفضاء الافتراضي؛ وتهميش مكانة العُدة الرقميّة في الدّراسة. وعلى الرغم من ذلك نعتقد أن الاثنوغرافيا الافتراضيّة تجسد ما وصفه عالم الاجتماع “أنطوني غدنز” [120]بالتأويل المزدوج” للواقع. فالناس يتلقون العالم ما قبل التأويل، فيقومون بتأويله في حياتهم اليومية وفي الفضاء الافتراضي. ثم يقوم الباحث بتأويله معهم مرة ثانية، ويعرضهم عليهم وعلى المهتمين. ولعل ازدواجية التأويل هذه تحدّ مما أسماه بيار بورديو[121] بــــ ” الاثنو مركزية” الطبقية، والتي يعتبرها مرضا يصيب المثقفين ويدفعهم إلى تعميم رؤيتهم الخاصة للعالم على الآخرين، ويعمق الهوة بين مجتمع العلم وعامة الناس.

لقد عبرت الباحثة “كريستين هين” عن القلق الذي يسود ممارسة البحث الاثنوغرافي الافتراضي بالقول: إن البحث في هذا المجال لازال يحذوه الأمل في أن تقوم الميديا الجديدة بتمكين البحث من الوصول إلى مختلف المبحوثين بطرق جديدة. الأمل الذي لا يخلو من التلهّف لأنه لم يتضح لحد الآن كيف يمكن استثمار المناهج التقليدية في دراسة الميديا الجديدة، وما هي نقائص فهمنا للميديا التي يمكن أن نسلط عليها الضوء.[122]

المناهج الرقميّة Digital Methods: تعاني هذه المناهج من بعض اللُبس، إذ يعتقد بعض الباحثين، مثل “أناه نغوك هونغ “، و “كلير ماهيو”، و”ساندرا ملو،” أنّها تشمل المناهج التقليديّة التي تكيّفت مع الخصائص الجديدة للحوامل الرقميّة، والمناهج الجديدة التي أنشئت خصيصا لتحليل الموضوعات ذات المنشأ الرقمي.[123] بمعنى آخر، أنها مسمى ينطبق على كل مناهج البحث المستعملة في البيئة الرقميّة! بينما يرى الباحث الهولندي “روجرز ريشارد” الذي تنسب إليه هذه المناهج، ” بأنّها ممارسة بحثيّة، تندرج في إطار المنعطف الرقميّ الذي تعيشه العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، وتختلف عن المناهج المذكورة انطلاقا من نوعيّة البيانات التي تستخدمها)  رقميّة المنشأ أو تمت رقمنتها( ، ومن كتابتها)  هل كتبت خصيصا من أجل الحامل الرقمي أو رُحلت إلى الفضاء الرقمي(.[124]

إن المناهج الرقميّة لا تعني رقمنة مناهج البحث التقليديّة. بل إنها تصور قبل أن تكون تقنيّة يجسده شعار:” اتبع الوسيط ” follow the medium »   ويشرحه ” روجرز ريشارد”  بالقول إنّ المواضيع  التي يدرسها في شبكة الانترنت تتسم بعدم الثبات، ويواجه الباحث في الغالب سرعة زوالها. لذا يجب استعمال الوسيط ” لتثبيتها” أو ” تجميدها” والحفاظ على ” حيويتها” في آن واحد قصد دراستها بعناية.[125] والبحث عن قدارة هذا الوسيط ) العلبة السوداء( وما يقدمه من توصيات وتعليمات للمستخدمين ومدى تطبيقهم لها. لذا، لا وجود للمناهج الرقميّة بدون العدّة الرقميّة شأنها في ذلك شأن المناهج الحاسوبية، لكن خلافا لهذه الأخيرة لا تكتفي المناهج الرقميّة بها. ولا تستغل البيانات ذات المنشأ الرقمي التي تستقيها من أجل وصف استخدامات الميديا الاجتماعيّة فحسب، بل تسعى أيضا إلى تمكّين العلوم الاجتماعيّة من رؤية الظواهر المدروسة بطريقة جديدة ،[126] لذا فإنها  تُكمل غيرها من المناهج التي ذكرناها آنفا؛ [127] أيّ أنها تسد نقائص المناهج الحاسوبيّة من خلال الأخذ بعين الاعتبار سياق الممارسة الإعلاميّة، وتكمل المناهج الافتراضيّة  ليس من خلال إعادة الاعتبار للعُدّة التقنيّة فقط، بل بالتعامل معها كأداة وموضوع بحث في آن واحد.

ويمكن تلخيص خصائص هذه المناهج فيما يلي:

  • خلافا للمناهج الحاسوبية التي تطبق في مختلف التخصصات العلمية، يقتصر تطبيق المناهج الرقمية – إضافة إلى الافتراضية- على العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة. وقد استفاد منها الباحثون في فهم موضوعات الإعلام والاتصال المعقّدة في البيئة الرقميّة، ولا يلجؤون في الغالب إلى اختراع أدوات رقميّة مخصوصة لكل موضوع بحث وأهدافه، بل يسخرون ما هو متوفر منها في شبكة الانترنت وفي العالم الرقميّ، لاستقاء البيانات والميتا بيانات وتحليلها وتصنيفها، والكشف عن ترابطاتها.[128]
  • تدرس هذه المناهج الخوارزميات والطرائق التي توفرها المنصات الرقميّة لجمع البيانات والإجراءات التي تتيح للأدوات التقنية إنتاج آثار المستخدمين عبر الخط ونوعيتها، مثل الكشف عن الميتا بيانات Meta Data التي لا تظهر في الشاشة ولا تفصح عن ذاتها للمستخدمين العاديين لكونها ” مدفونة” في الصور الرقميّة وشرائط الفيديو. وتتضمن معلومات عن تاريخ ووقت أخذ الصور أو شريط الفيديو، ومكان التقاطها؟ وبأي آلة تصوير أو تسجيل؟ ومن أرسلها؟ ومن قام بتعديلها؟ وأين نُشرت أو بُثّت ؟ لذا يمكن أن نعتبر هذه المناهج تطبيقا لنظريّة الوسيط Medium Theory لصاحبها “جوشوا ميروفتز” المستلهمة من مقولة ماكلوهان ” الوسيلة هي الرسالة”، وتجسد أيضا المنظومة Device  التي استخدمها ميشال فوكو من أجل إعطاء بعد اجتماعي للعتاد التقنيّ، إذ رآها كأداة للرقابة الاجتماعيّة والاغتراب.[129]وإن كان المعنى المعاصر لمفهوم المنظومة التقنيّة لا يخفي ما رآه فوكو، فإنه يكشف عن أبعاد أخرى اتصاليّة وإعلاميّة واجتماعيّة يمكن للمناهج الرقميّة أن تكشفها، وتخفيها أيضا، وذلك لأنها تعتمد على الجزء المتاح فقط من الآثار والبيانات المستقاة التي تضعها برامج وتطبيقات وخوارزميات شركات المعلوماتية الكبرى ومالكو المنصات، والذي تضعه في متناول الغير بما فيهم الباحثين[130]. فالكثير من البيانات الرقميّة لا تنتج من أجل البحث العلمي، بل تُبنى لأغراض تسويقية، ممّا يدعو إلى التساؤل عن ظروف إنتاجها مثلما يوصي بذلك الباحثان ” “جون فيليب كونتت”، و”تومسو فنتريني”.[131]  وما يثبت هذه الأغراض أن المنصات الرقميّة تعمل على تجديد خوارزمياتها باستمرار لعدة أسباب منها التجاريّة فصاحب شركة الفيسبوك، على سبيل المثال، أجرى تحديثا على خوارزميات موقعه في 2018 من أجل منح الأولية للبيانات في للمبادلات الشخصيّة في شريطه الإخباري على حساب نشر وإعادة نشر محتويات وسائل الإعلام.

الجدول رقم 2: خريطة مناهج البحث في السياق الرقميّ

الهدف أدوات جمع البيانات موقع  موضوع

البحث

تموقع الباحث المرتكزات البحثيّة البراديغم المقاربات
الوصف من خلال القياس الكمّيّ

التعمّيم/ التنبؤ

صحيفة الاستبيان، تحليل المضمون خاضع للبحث مستقل عن موضوع البحث ربط التمثيل بالكمّ وضعي التقليديّة الكميّة
الفهم + التأويل

استجلاء المعنى

الملاحظة بالمشاركة

المقابلة

المجموعة البؤرية

السيرة الذّاتيّة

المبحوثون

شركاء في البحث

الباحث جزء عُدّة البحث فهم الظواهر الإعلاميّة بدراسة كيف تنتج عن دوافع وتصرفات فرديّة بنائي- تفهمي التقليديّة الكيفيّة
الكشف عن البعد الأيديولوجي في الخطاب

الكشف عن العقل المدياتيكي الأداتي

الملاحظة

المواد الوثائقية

مجتمع البحث كلي مستقل عن الباحث الباحث مستقل عن موضوع البحث عدم الفصل الميديا عن البناء الاقتصادي والاجتماعي

التّحليل الكلياني Holism

نقدي
الوصف من خلال القياس الجمع الألى للبيانات

بأدوات تنشئها في الغالب[132]

مستقل عن موضوع البحث الباحث مستقل عن موضوع البحث ربط التمثيل بالكم ّ

أتمتة البيانات كقرينة عن الموضوعية وتشخيصها مرئيا لاختزالها وتبسيطها

إلغاء السياق في التّحليل

وضعيّ

تقنو- اقتصاديّ

الحاسوبيّة
الفهم- التأويل

من خلال التوصيف المكثف والتفصيلي

استجلاء المعنى

الملاحظة بالمشاركة المقابلة عبر الخط، التعليق على زيارة المواقع الرقمية. المجموعة البؤرية، تحليل الخطاب: تحليل المحادثات

التفكير الانعكاسي

المبحوثون شركاء في البحث الباحث جزء من عُدّة البحث فهم الظواهر الإعلامية من خلال دراسة كيف تنتج عن دوافع وتصرفات فردية

التثليث مسار للتأكد من مصداقية وصحة نتائج البحث

بنائي – تفهمي الافتراضيّة
الوصف من خلال القياس التأويل+الفهم الجمع الآلي للبيانات، تتملك في الغالب البرمجيات الموجودة

الملاحظة

المقابلات عبر الخط وفي الواقع العملي

موضوع الباحث خاضع والمبحوثون شركاء في البحث الباحث مستقل  عن موضوع البحث المزج بين الكمّ والكيّف

عدم فصل السياق في التّحليل

التثليث مسار للتأكد من مصداقية وصحة نتائج البحث

وضعي- تفهمي- بنائي الرقميّة

بيّنت عيّنة البحوث التي درسناها أنّ الحدود الفاصلة بين مناهج البحث المدرجة في هذه الخريطة مفتوحة، ممّا يسمح بإعادة النظر فيها في المستقبل، خاصة بعد بروز ممارسات بحثية تستند إلى تعدّدية البراديغمات والمنهجيات والنظريات، مثلما أسلفنا الذكر، وبحوث تحاول الجمع بين المناهج التقليدية، والافتراضيّة والرقميّة.[133]ناهيك عن اشادة الباحثين بأهمية توظيف البحوث الحاسوبيّة مقرونة بالبحوث الكيفيّة لدراسة سبل الحصول على الأخبار أو الاستعلام عبر الخط من خلال المنصات الرقميّة، وذلك لأن ارتباطهما يتيح وصف هذه السبل وقياسها في الوقت ذاته.[134]

الجدول رقم 3: نماذج من البحوث المنجزة وفق المقاربات الكبرى لمناهج البحث في السياق الرقمي.

النموذج سؤال البحث عينة البحث أدوات جمع البيانات
المناهج التقليديّة [135] ما هي استخدامات الأطفال لشبكة الانترنت والهاتف المتحرك؟

ما هو سلوك الأطفال عبر الخط؟

ما هو تصورهم للمخاطر التي تشكلها الانترنت عليهم؟ وكيف تصرفوا إزاء المخاطر الحقيقية التي واجهتهم؟

البحث شمل 29 بلدا من بلدان الاتحاد الأوروبي

وضمّ ما بين 26 إلى36 طفلا من كل بلد يستخدم الانترنت –استعمال الكمبيوتر أو الهاتف المتحرك أو الاثنين معا.

أطفال منحدرون من أسر مختلفة تمثل:

مالكي مصانع، وأصحاب مهن حرة، وكوادر سامية

كوادر متوسطة

موظفين

عمال يدويين

مراجعة الأدبيات عن الانترنت والأطفال

–  استخدام 4 مجموعات بؤرية من كل بلد. يتراوح عدد كل مجموعة ما بين 6 و10، وزعت كالتالي: مجموعتان من الدين يتراوح سنهم ما بين 9 إلى 10 سنوات) الأولى خاصة بالذكور والثانية بالإناث(

–   ومجموعتان ممن يتراوح سنهم ما بين 11 و14 سنة ) الأولى خاصة بالذكور والثانية بالإناث(

دليل النقاش: شمل 5 محاور وهي:

§     كيفية تعلم استخدام الانترنت وطرق استخدامها

§     الهاتف المحمول واستخداماته

§     ما هو تصور الأطفال لمشاكل ومخاطر استخدام الانترنت

§     ردود الفعل في حالة التعرض إلى هذه المخاطر

§     معلومات عن نوع المخاطر التي تعرض لها الطفل وكيفية إشعار الغير بها.

المناهج الحاسوبية [136]

يتناول البحث استخدام موقع تويتر في سياق برنامج ” الحديث الاستعراضي Talkshow من خلال السؤال عن نوع العلاقات التي تقام بين الصحافيين والجمهور في هذا البرنامج عبر الموقع المذكور ؟ جمع 2314 رسالة – تغريدة وإعادة التغريدة- التي تم تبادلها مع صحافيي برنامج  Talk Show ” الحديث الاستعراضي ” الذي يبثه التلفزيون السويدي : Hübinette

من خلال “هاشتاع” البرنامج، وهاشتاغ مذيعة البرنامج خلال الفترة الممتدة من 29 أغسطس إلى 26 تشرين الأول 2011

جمع الرسائل وأخذ لقطات مصورة عنها وأرشفتها بواسطة أداة YourTwapperKeeper

التي تستقى الهاشتاغات و التغيردات بواسطة الكلمات المفتاحية، وتقدم ميتا بيانات عما جمعته.

استخدام برمجية Gephi التي تسمج بالاستعراض المرئي الغرافي لرسم شبكة المغردين وتعيين المغردين الأساسيين، وزيارة صفحتهم

استخدام برنامج SPSS لإحصاء التفاعل عبر التغريدات

استخدام الختم الزمني timestamping لكل تغريدة، أيّ الربط بين تاريخ ووقت إرسال التغريدة وعلاقتها بحدث أو موضوع أو معلومة.

مناهج الاثنوغرافيا الافتراضيّة[137] اهتم البحث بظاهرة التراجع عن المواءمة التقنية والإعلاميّة De-converging في قاعات تحرير الصحف من خلال السؤال التالي: كيف استبقت الصحف عملية الرقمنة؟ وكيف أثرت هذه الأخيرة على إنتاج الأخبار؟ وكيف أدرك الصحافيون التغيرات التي أحدثتها؟ الملاحظة في قاعتي تحرير الصحيفة الهولندية Volkskrant في أمستردام ولاهاي لمدة ثلاثة أشهر؛ أيّ ما يعادل 400 ساعة.

مقابلة معمّقة – نصف موجّهة- مع 37 صحافي على مختلف مسؤوليات التحرير والإدارة.

معايشة قاعة التحرير: حضور اجتماعات التحرير

الملاحظة

المقابلة الحرة مع الصحافيين

المقابلة نصف المقننة

مراجعة المراسلات الإدارية ومختلف الوثائق المتعلّقة باستراتيجية الصحيفة

مراجعة المناشير والتعميمات الإدارية

المناهج الرقميّة[138] اهتم البحث بمسألة التشارك في الأخبار، كشكل من أشكال التفاعل التي تثيرها الأخبار. وتساءلت: لماذا ننشر مادة صحفية على جدار الفيسبوك؟ وماذا يعني هذا التصرف مقارنة بأشكال أخرى من التفاعل؟ تحليل التعليقات المنشورة في موقعي، Rue89  ، وlemonde.fr  عن أحداث الانتخابات الرئاسية الفرنسية في 2012

و18 ألف مادة صحفية سجلها موقع الفيسبوك عن هذه الانتخابات

إجراء مقابلات مع

240 شاب تتراوح أعمارهم ما بين 30-35 سنة من مختلف الأوساط الاجتماعيّة ومن مختلف المناطق السكنية من أجل استطلاع رأيهم

ملاحظة منظومات اقتسام الأخبار عبر الخط وتطورها التقنيّ من خلال مراجعة الأدبيات

إجراء مقابلات معمقة

تشكيل مجموعات بؤرية

استبيان للاستطلاع الرأي

استخدام برمجية ALGOFAL لجمع أكبر عدد من البيانات عن نشاطات الشباب في شبكة الانترنت: المدونات الإلكترونيّة، موقع الفيسبوك، وموقع تويتر من عناوين حسابتهم وحسابات أصدقائهم. وتقديمها في شكل مرئي عبر خرائط تفاعلية.

الخلاصة:

على الرغم من الإرجاء يمكن أن نستخلص مما سبق بعض الدروس الأولية، سنقتصر على أبرزها، وهي كالتالي:

  1. لقد وضعت البحوث الإعلاميّة في السياق الرقمي حدًا للجدل العقيم والمتمثل في أيهما أفضل الدّراسات الكميّة أم الكيفيّة؟ لقد تكاملا فعلا في الميدان، بدليل أن المناهج الرقميّة أصبحت تسمى المناهج الكيفو-كميّة quali-quantitative. فمحاولة تبسيط الممارسات الإعلاميّة المعقدة وغير المستقرة في البيئة الرقميّة عبر الأرقام والنسب والرسوم البيانية تخل بالمعنى ما لم تستكمل بالسؤال عن الأطراف الفاعلة في هذه الممارسات واستجلاء دلالة ما يقومون به من خلال المقابلات المعمقة، ومقابلات المواجهة، وزيارة المواقع الرقميّة المعلق عليها، والتوصيف المكثف، والسير ذاتية، وغيرها، وبهذا قلصت الفجوة التي كانت قائمة في بحوث الميديا بين القياس والفهم. وينتظر أن تقوم البحوث المعاصرة بالقضاء عليها.
  2. يبيّن تحليل العيّنة أن البحث في السياق الرقمي وظف المفاهيم والأدوات البحثية القائمة لدراسة الظواهر الإعلاميّة والاتصاليّة الجديدة من جهة، واستغل الظواهر والاتصاليّة المعقدة لاقتراح مفاهيم وأدوات جديدة لدراستها مثل: المواجهة الذاتية self-confrontation، والزيارة المعلق عليها commented visit، والاستسقاط Apophenia، [139]والسرنديبية [140]Serendipity ، والقدارة Affordance، والقدرة على الفعل والتأثير Agency، والمواءمة Convergence ، وغيرها من المفاهيم التي فتحت مسالك جديدة لفهم الميديا الاجتماعيّة.
  3. كانت البحوث العلميّة في بداية ظهور شبكة الانترنت تفصل العالم الافتراضي عن العالم الواقعي الفعلي، أيّ تفصل بين الممارسات في شبكة الانترنت وعبرها وتلك التي تجري خارجها. لكن هذا الفصل أصبح اليوم غير منتج على الصعيد المنهجي.[141] وأضحى مضرًّا على الصعيد المعرفي، خاصة بعد أن تغلغلت الميديا الرقميّة في حياتنا اليوميّة وفي مختلف قطاعات النشاط الاقتصاديّ والسياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ، وأصبحت تشكل جزءًا أساسيًّا منها. ومن أضراره يكمن أن نشير إلى انصراف بعض البحوث على سبيل المثال إلى التبرير الضمنيّ لممارسات الأشخاص في الميديا الاجتماعيّة وتحمّيل العُدّة التقنيّة وحدها المسؤولية على كل الانحرافات التي تلاحظ في البيئة الافتراضيّة. هذا دون أن تتكبد مشقة البحث عن قَدّارة The Affordanceالميديا الاجتماعيّة ؛ أيّ ما تتيحه من إمكانات وفرص الاستخدام وما تفرض من إكراهات، مثلما تقتضي ذلك المناهج الرقميّة.

وكشفت البيانات الضخمة درجة تعقد الظواهر الإعلاميّة والاتصاليّة في البيئة الرقميّة، مما يتطلب تعدّد النظريّات لشرحها وتأويلها وفهمها وهذا عملا بمقولة: البيانات الضخمة Big Data تقابلها النّظريّة الضخمةBig Theory  [142]ويتطلب هذا التقابل تعدّدية منهجيّة، لأنه في ظل التحولات التي تعيشها الميديا والصناعات الإعلاميّة التي ذكرناها آنفا أصبح الاعتماد على أحادية المنهج لدراستها دلالة على الانغلاق الذهني والدوغمائيّة. فمن أجل دراسة مشاهدة الشباب للمواد السمعية- البصريّة عبر الخط Online، على سبيل المثال، تم توليف مجموعة من المناهج التقليديّة والرقميّة من أجل الالمام بهذه المشاهدة والتطرق لمختلف جوانبها والتغلب على حدود كل منهج على حدّة.[143]

  1. تملك الكثير من المناهج المذكورة أعلاه قدرا كبيرا من المرونة والقدرة على التكيّف مع سياقات البحث مما يسمح لها بالكشف عن خصوصيّة موضوعاته، ويدفعها إلى تطليق طموح أصحاب الدّراسات الكميّة في علوم الإعلام والاتصال والذين كانوا يسعون إلى تعميم نتائج بحوثهم من أجل صياغة قاعدة أو قانون يسمح بالتنبؤ بمستقبل الظاهرة الإعلاميّة أو الصحفيّة المدروسة.

إننا نزعم بأن كل بحث من البحوث التي شملتها عيّنة دراستنا يعالج حالة خاصة. فعلى الرغم من النقائص التي قد تشوب الترسانة المنهجية التي استخدمتها إلا أنها تكشف، بهذا القدر أو ذاك، عن خصوصية هذه الحالة. فلا يمكن على سبيل المثال اقتراح وصفة جاهزة لحل أزمة انتقال الصحافة الورقية إلى بيئة الواب بناءً على نتائج البحث الذي يستخدم المناهج التقليديّة أو المناهج الحاسوبيّة وتعمّيمه على كل الصحف. فتجربة صحيفة “نيويورك تايمز، على سبيل المثال، للخروج من الأزمة تختلف عن تجربة صحيفة ” لوموند” الفرنسية، وتختلف أيضا عن تجربة صحيفة الغارديان البريطانية.[144]

  1. بعد أن ألغت الفصل بين العالمين: الافتراضي، والواقعي الفعلي الملموس أدرجت مناهج البحث المعاصرة الممارسات الإعلاميّة في بيئة أوسع، ووضعتها في قلب الحياة الاجتماعيّة والاقتصادية والسياسية والثقافية. وبهذا ستساهم بفاعلية في تطوير ابستمولوجيا علوم الإعلام والاتصال، بعد أن زودتها بأنظمة معرفيّة ومفاهيم مستحدثة.[145] فالاثنوغرافيا الرقميّة أثرتها بآليات استبصار أنماط التلقي في متخيل المستخدمين والكشف عن أبعاده السيمائية، وزودتها المناهج الحاسوبيّة بأدوات تحليل مسار تشكل النص الصحفي وتطوره. ولعلها تساعدها كذلك على الخروج من الامتثال الذي أسقطتها فيه المدرسة الوضعية.

أخيرا، إن مناهج البحث في السياق الرقمي أثرت على ممارسة البحث العلمي الإعلامي، إذ أضحى من الصعوبة بمكان القيام ببحث عن مستخدمي الميديا الاجتماعيّة وانتشارهم الجغرافي، وأشكال استخداماتهم، على سبيل المثال، أو تفاعلاتهم مع مواقع التواصل الاجتماعي، وعلاقة الصحافي بمستخدمي صفحاته في موقع التواصل الاجتماعي، وأشكال التواصل السياسي عبر الميديا الاجتماعيّة، ومصادر المعلومات، والتعددية الإعلاميّة في شبكة الانترنت وتطور المعجم اللغوي في النص الصحفي المعاصر، وغيرها من الموضوعات، دون الاستعانة بخدمات المختصين في المعلوماتية. فجلّ البحوث التي درسناها في عينتنا تستهل أو تُذيّل بتوجيه الشكر إلى الفني أو المهندس في المعلوماتية الذي ساعد الباحثين على جمع البيانات الرقميّة وجسد خاصية مرؤئيتها عبر الرسوم البيانيّة والخرائط السحابيّة للكلمات، والأسماء، والمصادر، والصحافيين، إلخ.

لعل ما سبق ذكره يحفز مراكز البحث في البلدان العربيّة على استدراك التأخر الملحوظ في تطبيق المناهج ” الحديثة” في دراسة الميديا. فباستثناء بعض الدراسات التعريفية بها[146]، والمحاولات القليلة للاستعانة بها لفهم ممارسات الاتصال في البيئة الافتراضية[147]، لم ينفتح البحث الإعلامي في هذه البلدان على المناهج الحاسوبيّة والرقميّة[148]. وبصرف النظر عن كل الانتقادات التي وُجهت إلى هذه المناهج مثل، تعزيز ظاهرة ” فقاعة التصفية” Filter Bubble ، و” غرفة الصدى ” Echo Chamber” إلا أنه يمكن لها أن تقدم ، على الأقل، بعض المؤشرات عن آراء مستخدمي الميديا الاجتماعية في المنطقة العربية في هذه القضية أو تلك المسألة انطلاقا من آثارهم الرقميّة في شبكة الانترنت، بعيدا عن مراكز استطلاعات الرأي المطعون في استقلاليتها، وتعري حدود التعددية الإعلامية، وتكشف عن “أوهام” الحديث عن التفاعلية في الصحافة العربيّة في شبكة الانترنت. وتنقذ البحوث الجمهور ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في المنطقة العربية من سطحيتها الامتثالية[149].

المراجع والإحالات:

[1] – Hélène Bourdeloie: Ce que le numérique fait aux sciences humaines et sociales. Épistémologie, méthodes et outils en question, Revue tic& société, Vol. 7, N° 2, 2ème semestre 2013 pp 7-38

[2] – Boudon, R., Les mathématiques en sociologie, Paris, PUF, 1971, p7

[3] – Ramón Salaverría. Digital journalism: 25 years of research. Review article, “accessed  october 20, 2021”.https://doi.org/10.3145/epi.2019.ene.01

[4] – يمكن أن نذكر على سبيل المثال طريقة Alceste التي ظهرت في 1979 على يد ماكس رينيت Max Reinert واستعملت في العلوم السياسية وعلوم الاتصال والإعلام والتسويق وإدارة الأعمال واللسانيات.  وتتمثل هذه الطريقة في التّحليل المفصل لمعجم عيّنة من النصوص المختارة، ومنه يتم تشكيل قاموس الكلمات وجذورها اللغوية، ثم يتم تقطيع النص إلى مقاطع منسجمة تحتوي على عددا كافيا من الكلمات، وتصنف هذه المقاطع بتعيين تعارضها القوي. وتسمح هذه الطريقة باستخراج طبقات المعنى التي تشكلها الكلمات والجمل الأكثر دلالة. وتمثل هذه الطبقات الأفكار والتيمات المسيطرة في عينة النصوص المدروسة التي تبرز في شكل رسوم بيانية وخطية.  لأخذ فكرة أكثر تفصيلا على هذه الطريقة يرجى الاطلاع على:

MaryseMarpsat, « La méthode Alceste », Sociologie [En ligne], N°1, vol. 1, 2010. Accessed November, 12, 2021. http://journals.openedition.org/sociologie/312

ويمكن أيضا الاطلاع على كيفية استخدامها في البحث الإعلامي الذي استعمل  برمجية Iramuteq:

Cécilia Comelli, Grégoire Le Campion et Marie Jauffret-Roustide, « Le traitement médiatique des drogues dans la presse quotidienne française (2013-2018) », Echo Géo, N0 57, 2021. Accessed November, 12, 2021. http://journals.openedition.org/echogeo/22277

[5] – DESSINGES Catherine,  PERTICOZ Lucien : Les consommations de séries télévisées des publics étudiants face à Netflix : une autonomie en question, Revue Les Enjeux de l’information et de la communication, France, n°1, 2019, PP 5-20

[6] – Pastinelli, M : Pour en finir avec l’ethnographie du virtuel ! Des enjeux méthodologiques de l’enquête de terrain en ligne. Anthropologie et Sociétés, 35(1-2) 2011, 35–52. Accessed october 20, 2021. https://doi.org/10.7202/1006367ar

[7] – Christine Hine: Virtual Methods Issues in Social Research on the Internet , Berg,   2005, p200

[8] -.  لم نعثر على عبارة في اللّغة العربيّة تتطابق مع DO-it- yourself ”  الإنجليزية  و  Bricolage الفرنسية. لذا اضطرنا إلى استعمال كلمة “الترميق”، رغم قناعتنا بأنها لا تتطابق مع الكلمة الأجنبية. إذ يقال في اللّغة العربيّة رَمَّقَ العَمَلَ أَو رَمَّقَ فيهِ أي بالِغْ فيهِ وَلَمْ يُحْسِنْهُ.  لقد فكرنا في استعمال مصطلح” الاستنهاج” كبديل لــ «الترميق المنهجي”، لكننا تراجعنا حين أدركنا أنه يعني أن ما قام به الباحث من “تدبير” منهجي تحوّل إلى منهج . وهذا الأمر لا يتطابق مع نحن بصدد شرحه لأن الترميق لم يبلغ درجة المنهج الذي يُعتد به ويرسخ في الممارسة. ويصبح ضمن المناهج التوافقية. وتجنبنا كلمة ” الترقيع” لعلمنا المسبق بالتضمين السلبي الذي التصق بها في اللغة العربية والثقافة الشعبيّة.

[9] – Louis-Claude Paquin : La question de la méthode de la méthodologie en recherche et en recherche-création, December 2007.Accessed October, 21,2021. https://bit.ly/3HJuuQM

[10] – أنظر على سبيل المثال إلى البحوث الأولى التي أنجزتها الباحثة مارغريت باستني على غرف الدردشة في شبكة الانترنت.

Pastinelli  M. : « Ethnographie d’une délocalisation virtuelle : le rapport à l’espace des internautes dans les canaux de chat », Terminal. Technologies de l’information, culture et sociétés, 79, 1999.pp 41-60

[11] – لفهم الفرق بين المفهومين اللذين اعتمدنا عليهما في هذا البحث: الإرجاء والاختلاف في فلسفة جاك دريدا،  يمكن العودة إلى:

Charles Ramond Le vocabulaire de Derrida- Ellipses Édition 2001, PP 25-28

[12] – Shanyang Zhao : “Metatheory, Metamethod, Meta-Data-Analysis: What, Why, and How?,” Sociological Perspectives 34(3),  1991. pp 377-390, accessed September 5,2021. DOI:10.2307/1389517

[13] – Fuhrman and Snizek  نقلا عن: Shanyang Zhao، المصدر ذاته.

[14] – Klaus Bruhn Jensen: New Media, Old Methods – Internet Methodologies and the Online/Offline Divide in Mia Consalvo and Charles Ess :  The Handbook of Internet Studies, 2011,  Blackwell Publishing Ltd, P49

[15] -Noortje Marres : The redistribution of methods: on intervention in digital social research, broadly conceived  The Sociological Review, 60:S1, 2012, pp. 139–165  accessed September 5, 2021. DOI: 10.1111/j.1467-954X.2012.02121.x

[16] – Serge Proulx, Julien Rueff Actualité des méthodes de recherche en sciences sociales sur les pratiques informationnelles, Centre des études sur les médias, Université Laval , Québec ,  Novembre 2018, p 132

[17] –  ترجم البلاغيون Oxymoron –  Oxymore بالعديد من المرادفات، منها:  التضاد، الضديد،  الضادة، والارداف الخلفي؛ أو التّناقض اللّفظيّ، والتناقض الظاهري،  والاختلاف الامتناعي،  وبضمّ عبارتين متناقضتين في الظاهر يتحدان ليشكلان  معنى جديدا. وقد استعملناه في البحث للتأكيد على التفكير المعقد في العُدّة التّكنولوجيّة في الاتصال.

أنظر:   معنى Oxymore في قاموس المعاني  في الموقع: urlr.me/QV9PR

[18] –  الفرفار العياشي المجتمع الافتراضي و التصور الدوركايمي : قراءة في طبيعة التحولات الاجتماعيّة ، تم الاطلاع عليها في 15 أكتوبر2021 من الموقع:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=640845&r=0

[19] – Anderson CW, Bell E and Shirky C : Post-Industrial Journalism: Adapting to the Present. New York: Tow Center for Digital Journalism, 2012 p76

[20] – Chadwick Andrew: The Hybrid Media System, Politics and Power, Oxford University Press, P23

[21] – Virginie Sonet : Enjeux méthodologiques de l’hybridation des pratiques : le cas de

L’audiovisuel sur smartphone. Revue, Les Enjeux de l’Information et de la Communication, n°17/3A, 2016, p.213 – 224. Accessed September 30,2021. urlr.me/dqxJG

[22]–  van Dijck, J., & Poell, T.: Understanding Social Media Logic. Media and Communication, 2013 , Vol 1 , Issue 1 , PP 2–14 . Acceced November, 23.2021. DOI: 10.12924/mac2013.01010002.

[23]  – Bateson, G.: Steps to an Ecology of Mind. London: Granada, 1972, P150

[24]  – أنظر إلى ما قاله آرون بيلهوف، مسؤول القسم الرقمي في صحيفة الغارديان البريطانية،

Jérémie Mani :   le journalisme doit être une conversation ,  Stratégie, 30-04-2015. Accessed November 2,2021. urlr.me/2bTSz

[25] –  يمكن أن نذكر على سبيل المثال، وليس الحصر، منصة CoveritLive، التي ظهرت في 2007 انتشرت في قاعات تحرير الصحف الرقميّة في كندا، وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، والتي تسمح بإنشاء واجهة يشارك عبرها الجمهور/ المستخدمون في المادة الصحفية لإنتاج نص صحفي يتسم بالتفاعلية والآنية، لمزيد من التفاصيل أنظر:

Steen Steensen: Cozy Journalism, The rise of social cohesion as an ideal in online, participatory journalism, revue Journalism Practice, Vol. 5, No 6, 2011. PP 687-703.Accessed October 27,2021. http://dx.doi.org/10.1080/17512786.2011.604243

[26] Javier Díaz Noce: Why to Study the Internet (and Online Journalism, In Ainara Larrondo Koldo Meso Anna Tous (Coords.) Shaping the news online comparative research on international quality media, Livros LabCom, 2014, pp20.Accessed November 2,2021. urlr.me/sn1D3

 [27]  – نقلا عن

Werner J. Severin ,James W. Tankard, Jr :  Communication Theories Origins, Methods and Uses in Mass Media -Fifth Edition – Pearson Education Limited 2014 , p 18

[28] – أنظر على سبيل المثال:

Deuze, Mark ‘‘Liquid Journalism’’, Political Communication Report 16 (1), 2016. Accessed November, 2021. https://www.researchgate.net/publication/37611763_Liquid_Journalism

Pavlik J (2001) Journalism and New Media. New York: Columbia University Press, P21

Tremayne M, Schmitz A and Calmon Alves R : From product to service: The diffusion of dynamic content in online newspapers. Journalism and Mass Communication Quarterly 84(4),2007. pp 825–839.Accessed November 3,2021. DOI:10.1177/107769900708400411

 -[29]   للاطلاع على النموذج الذي اعتمد عليه أندرياس فغليس لدراسة النشر العبر ميديا ، أنظر:

Andreas Veglis: Journalism and Cross-media Publishing: The Case of Greece, in in Eugenia Siapera , Andreas Veglis: Global Online Journalism, Wiley & Sons, Ltd., Publication, 2012.PP 209-230

[30] – يقصد بالزمنيّة الوقت الذي تظل فيه المادة الصحفية مرئية في موقع الصحيفة أو واجهته دون أن تتقادم وتفقد قيمتها الإعلاميّة الأنية وتختفي أو تؤرشف في الموقع. أنظر:

Javier Díaz Noci  Why to Study the Internet (and Online Journalism) in Ainara Larrondo, Koldo Meso , Anna Tous, ( Coords ). A comparative research on international quality media, Livros LabCom 2014, p 40

[31] –  من بين الاجتهادات نذكر على سبيل المثال التّحليل الذي قام به الباحث جيرمان لوركا عباد لأبرز 25 موقع إعلامي في البلدان التالية: فرنسا، بريطانيا، الأرجنتين، الولايات المتحدة الأمريكية، البرازيل. أنظر

Germán Llorca Abad : Quality News Websites: International Online Media Evaluation Quality News Websites: International Online Media Evaluation in Ainara Larrondo, Koldo Meso , Anna Tous, ( Coords), op, cit. PP  63-77

[32] – Maingueneau, D. (2013). Genres de discours et web : existe-t-il des genres web ? In C. Barats, Manuel d’analyse du Web en Sciences Humaines et Sociales.: Armnd Colin, p 84

[33]  -أنظر على سبيل المثال إلى تحليل مضمون الأخبار السائلة في الصحف السويدية عبر الخط  الذي قام به “ميكائيل كارلسون”.

Michael Karlsson  :Charting the liquidity of online news: Moving towards a method for  content : analysis of online news : the International Communication Gazette-74(4), 2012. PP 385–402 . Accessed October 27, 2021. DOI: 10.1177/1748048512439823

[34] –  مفهوم نحته الكتاب: أكسل برنس من إدغام كلمتين: الإنتاج والاستخدام للدلالة على بروز ممارسة إعلامية يتبادل فيها المنتج والمستخدم الأدوار ويتناوبون عليها واتخذ منه عنوانا فرعيا لكتابه:

Axel Bruns : Blogs, Wikipedia, Second Life, and Beyond: From Production to Produsage, Peter Lang, 2008 , 418 pages

[35]– للاطلاع على النموذج المقترح لتحليل النص المتشعب الإخباري في شبكة الانترنت، أنظر:

Ainara Larrondo Ureta, Javier Díaz Noci : hypertextual Structure of online News:  A Comparative Research on Quality Media in in Ainara Larrondo, Koldo Meso , Anna Tous,  (Coords), op,cit p 249-299

[36] -أنظر على سبيل المثال:

Nguyen Trung Kienn : Contemporary social interaction: How communication technologies alter Goffman’s dramaturgical model?  Ho Chi Minh City Open University Journal of Science No.5 (1) 2015. P 54-65.Accessed  November 1,2021. https://journalofscience.ou.edu.vn/index.php/soci-en/article/view/326

[37] -Rejoice seleman: Theories of mass communication, accessed October 31,2021.

https://urlz.fr/gJoN

[38] – Klaus Bruhn Jensen: op, cit , p49

-[39]  أنظر على سبيل المثال:

Joshua M. Scacco, Alexander L. Curry, and Natalie Jomini Stroud : Digital divisions: Organizational gatekeeping practices in the context of online news . International symposium on online Journalism, Vol 5 Number 1, spring 2015, PP 106- 123.Accessed October 30, 2021. https://digitalcommons.usf.edu/spe_facpub/932

-Frank Michael Russell : Journalists, gatekeeping, and social interaction on Twitter: Differences by beat and media type for newspaper and online news .  International symposium on online Journalism , Vol 5 Number 1, spring 2015, PP 188- 207.Accessed October 30,2021. https://urlz.fr/gJoP

[40] – أنظر على سبيل المثال:

Danka Ninkovic-Slavnic: Agenda setting in the world of online news: New questions for new environment. CM Communication and Media 11(36) ,2016. Accessed , November 17, 2021. DOI:10.5937/comman11-12462

[41] – – أنظر على سبيل المثال: نصر الدين لعياضي: التفكير في عدة التفكير، مراجعة نقدية لنّظريّة الاستخدامات والإشباعات في بيئة الواب، مركز الجزيرة للدراسات، ديسمبر 2020. تم الاطلاع بتاريخ 25 أكتوبر 2021  في الموقع:

https://studies.aljazeera.net/sites/default/files/articles/documents/2020-12 لتفكير%20في%20عُدَّة%20التفكير_0.pdf/

[42] – أنظر على سبيل المثال، كمال حميدو: التواصل الاجتماعي والنشاط السياسي في الحراك الجزائري، من دوامة الصمت إلى دوامة التعبير، مجلة لباب ، مركز الجزيرة للدراسات، عدد 3- 2019 ص 49- 99  تم الإطلاع بتاريخ 25 أكتوبر2021. https://studies.aljazeera.net/ar/mediastudies/2019/10/191010090016033.html

[43] – أنظر على سبيل المثال

Boczkowski, P.J. : Understanding the development of online newspapers. New Media & Society.  Vol 1, Issue 1, 1999 pp 101-126. Accessed October 30,2021. https://doi.org/10.1177/14614449922225500

[44] – نصر الدين لعياضي: ماذا بقي من نظرية التلقي لدراسة الميديا الرقميّة؟  تم الاطلاع عليه يوم 15 سبتمبر 2021  في الموقع: https://cutt.ly/lYPdQZF

[45]  – أنظرعلى سبيل المثال :

– Eugenia Siapera , Lia-Paschalia Spyridou: The Field of Online Journalism: A Bourdieusian Analysis, in Eugenia Siapera , Andreas Veglis: The hand book of global Online  Journalism John Wiley & Sons, 2012. PP 77-98

-Ida Willig, Karen Waltorp, and Jannie Møller Hartley  Field theory approaches to new media practices: An introduction and some theoretical considerations, MedieKultur, N0 58-2015,.PP 1-12. Accessed November 1,2021. DOI:10.7146/mediekultur.v31i58.20671

[46] – أنظر على سبيل المثال:

Maria  Francesca  Murru:  New media – new public spheres? An analysis of online shared spaces becoming public agoras  In  Nico Carpentier and  al , Communicative  approaches to politics . The Intellectual work of 2009 ECREA European Media and communication doctoral summer School, Tartu University Press, 2009, PP 141-156

[47] – Nick Couldry Mediatization: What Is It? In Nico Carpentier, Andreas Hepp, Ilija Tomanić Trivundža and all  Media Practice and Everyday Agency in Europe,  édition lumière 2014; p35

[48] –   لأخذ فكرة عن تشغيل الوساطة الميدياتيكية في بحوث الإعلام في البيئة الرقميّة، يرجى الاطلاع على :

Eliane Fernandes Azzari Endangered languages, social subjects and mediatization: the case of Wikitongue. International Journal of Innovation Education and Research, Vol 7 No 8, 2019. Accessed November 18,2021. DOI: https://doi.org/10.31686/ijier.vol7.iss8.1671

[49] – Ramón Salaverría : Op, cit

[50] – Gabriel Barbulet :  Social Media- A pragmatic Approach: Contexts & Implicatures,

2nd World Conference on Educational Technology Researches , 2nd world Conference on Educational Technology Researchers, Procedia, Social and Behavioral Sciences,  N°83, July 2013, PP 422-426 DOI:10.1016/j.sbspro.2013.06.083

[51] – – أنظر على سبيل المثال:

Michael Karlsson : op, cit

[52] – Ramón Salaverría : op, cit

[53] – أنظر على سبيل المثال:

-Plesner, Ursula: An actor-network perspective on changing work practices: Communication technologies as actants in newswork. Journalism 10 (5),009, PP 604-626.Accessed October 5,2021. 10.1177/1464884909106535

[54] – Rodney Benson: From Heterogeneity to Differentiation: Searching for a Good Explanation in a New Descriptivist Era, 2007. Accessed November 2,2021. https://urlz.fr/gJoR

[55] -Werner J. Severin ,James W. Tankard, Jr : Op, Cit , P 38

[56] – Filder Roger : Media morphosis, understanding new media, Sage Publications, 1997, p29

[57] – لأخذ فكرة شاملة عن مختلف التوجهات النظرية في سوسيولوجيا الاستخدام للعدة السوسيو تقنية، يرجى الإطلاع على:

Alexandre Coutant Jean-Claude Domenget: Un cadre épistémologique pour enquêter sur les dispositifs sociotechniques d’information et de communication, in Hélène Bourdeloie, David Douyère. Méthodes de recherche sur l’information et la communication, France, éd Mare & Martin,2014, 270 pages. https://hal.archives-ouvertes.fr/hal-01352927

[58] – Strauss A L : quantitative analysis for social Scientifics ; New York ; Cambridge university  press 1993, p12

[59] – Ramón Salaverría: Op, cit

[60] – – لدراسة هذا الموضوع استعانت الطالبة أنيجلا مين-شييا لي، بالنّظريّة المتجذرة في أطروحتها لنيل شهادة الدكتوراه.

Angela Min-Chia Lee : How Fast is Too Fast? Examining the Impact of Speed-Driven Journalism on News Production and Audience Reception, Ph.D.  of Philosophy Faculty of the Graduate School , The University of Texas at Austin, 2014 , 119 pages

[61] – Hervé Dumez: Les trois risques épistémologiques de la recherche qualitative (Réponse à Marie-José Avenier et Catherine Thomas) – Le Libellio d’ AEGIS Vol. 8, n° 4 – Hiver 2012

  1. 29-33

[62] – Marie-Caroline Heïd Modèle qualitatif pour l’analyse de pratiques émergentes contemporaines : le cas du journalisme participatif , Revue Recherches qualitatives – Hors Série – numéro 15 – pp. 270-289.

[63] – أنظر:

Eric George :  L’analyse des mutations médiatiques : Une ouverture nécessaire des perspectives de recherche ? XVIIe Congrès de la Société des Sciences de l’Information et de la Communication :≪ Au coeur et aux lisières des SIC ≫ Dijon, 23-25 juin 2010 –P48-53

[64] – Jeffrey C. Alexander  Performance and power,   Polity Press, UK, 2011, P32

[65] – أنظر: دافيد ميليز : الفوائد المتبادلة بين الإثنوغرافيا وتحليل الخطاب في السّياق الرقميّ ،في مؤلف: ميلاني ميلات و فلورنس ميليروند وأخرون ( إشراف) ،    ترجمة نصر الدين لعياضي، قيد الطبع،  ص 103-118

[66] – Dominique Bouillier  sociologie  du numérique,  2ém édition,  Armand Collin,  2014, P229

[67] –  فلورنس ميلراند، ديفيد مايلز ، سارج برولكس: إعادة توزيع المناهج  في سياق رقمي : نقد خريطة المناهج، في مؤلف: ميلاني ميلات و فلورنس ميليروند ، مصدر سابق، ص 39

[68] – كلمة يابانية مركبة من كلمة E  صورة moji والتي تعني رمزا أو حرفا، استخدمت في المراسلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي  وفي صفحات الواب للتعبير عن موقف أو حالة شعورية . وقد عم استخدامها في كل لغات العالم رغم الحمولات الثقافية التي تتضمنها الرسوم والصور والتي لا يتطابق بعضها مع بعض الثقافات واللغات.

[69] – أنظر:

Franck Rebillard  L’étude des médias est-elle soluble dans l’informatique et la physique ? À propos du recours aux digital methods dans l’analyse de l’information en ligne, Revue Question de communication, N0 20, 2011,  PP 353-376

[70] – Anderson C, « The End of Theory: The Data Deluge Makes the Scientific Method Obsolete », Wired, 16, 7, 2008: Accessed October 5 , 2021. Accessed November 2, 2021 https://www.wired.com/2008/06/pb-theory

[71] –  Simon Lindgren  , Hacking social science for the age of the datafication, Journal of Digital Social Research, Vol 1, N°1, 2019. PP 1–9 Accessed September 3, 2021. https://doi.org/10.33621/jdsr.v1i1.6

[72]  – Danah Boyd , Kate Crawford : Six provocations à propos des big data, Traduction de Laurence Allard, Pierre Grosdemouge et Fred Pailler, Symposium, « Une décennie avec internet », Oxford Internet Institute, le 21 septembre 2011, InternetActu, 23 septembre 2011. Accessed November2,2021. https://urlz.fr/gJoS

[73] – Idem

[74] – نذكر منهم على وجه الخصوص تلك التي تحتكر أضخم قدرا من البيانات المختلفة و تشكل مصدر دخلها الأساسي، وهي:  فيسبوك ومنصاته واتساب وانستغرام،  وأمازون، وأيربناب، وعلي بابا غروب، وآبل، وبوكينغ. كوم، ليكندن، ميكروسوفت، وتويتر، وإيبر، وياهو…

[75] – لتوضيح هذا التأثير، يمكن الإشارة إلى أن مسؤولي التحرير في صحيفة Slate الإلكترونية التي تصدر في نيويورك  يأخذ بعين الاعتبار نتائج القياس التي يكشف عنها محرك شارتبيت، إذ تدخل على سبيل المثال إلى توجيه الصفحات الثقافية إلى الكتابة عن المسلسلات التلفزيونية التي تحظى عدد أكبر من النقرات  من  المواد التي تنشر عن حفلات ” الأوبيرا”. بينما يوجه مسؤولو صحيفة Rue 89   التي تصدر في باريس نحو الكتابة عن متابعة الرئيس الفرنسي ” ساركوزي” من طرف العدالة وفضائح رجال السياسة الفرنسيين بناءً على نتائج قايس المتابعة التي يقدمها محرك غوغل أنالتكس. أنظر:

Gilles Bastin:  Le public et ses algorithmes, Revue La vie des idées ; November22 , 2021, accessed November 25, 2021. Le public et ses algorithmes – La Vie des idées (laviedesidees.fr)

[76] – Boullier, D.. Les sciences sociales face aux traces du big data. Revue française de science politique,  N0 5-6 ( Vol 65) , 2015, pp 805-828

[77] – Noortje Marres : op, cit

[78] –  ميلاني ميلات و فلورنس ميليروند وأخرون ( إشراف) ، مرجع سابق، ص 26

[79] – المرجع ذاته، ص 33

[80] – Serge Proulx, Julien Rueff : op cit, p 7

[81] –  محمد سبيلا، نوح الهرموزي: موسوعة المفاهيم الأساسية في العلوم الانسانيّة والفلسفة  المركز العلمي العربي للأبحاث والدّراسات الانسانيّة، المغرب، 2017 ، ص 528

[82] – نتجت هذه الخريطة عن إجراء مقابلات مع 24 باحثا ناطقا باللغة الفرنسية من علم الاجتماع والاتصال وعلم الادارة والذين مارسوا البحث في السياق الرقمي. فما أدلوا بها يمثل تجاربهم.

[83] – Noortje Marres : op. cit

[84] –  أنظر على سبيل المثال، البحث التالي الذي اكتفي باستخدام صفحة الفيسبوك للوصول إلى مجتمع البحث، ثم إجرى مقابلات معهم عبر الميسنجر:

Nabila Bestandji : Analyse discursive des représentations de «l’Algérie», du «nous» de «l’autre» et de «l’ailleurs» dans les discours des haragas, Revue Aleh (langue, médias et société) N0 8-Mars 2021. Accessed November 13,2021. https://aleph-alger2.edinum.org/4835?lang=fr

[85] – أنظر على سبيل المثال :

  • Lowrey , W., et al., Predictors of Convergence Curricula in Journalism and

Mass Communication Programs. Journalism and Mass Communication Educator v. 60 no. 1 (Spring 2005) pp. 32-46. Accessed November 2, 2021. DOI: 10.1177/107769580506000108.

  • Singer, J. B. : Strange bedfellows? The diffusion of convergence in

four news organizations. In: Journalism Studies, vol. 5, n. 1,2004. pp. 3-18. Accessed November 2, 2021.https://doi.org/10.1080/1461670032000174701

[86] –  للاطلاع على البحوث التي كيفت المناهج التقليدية في البيئة الرقميّة. أنظر:

Schneider Steve , Foot, Kristen . The Web as an Object of Study’New Media & Society, 6(1):114-122.

[87] –  هان جياوي Jiawei Han وأخرون، نقلا عن : روب كيتشن : ثورة البيانات المفتوحة والبنى التحية للبيانات والنتائج المترتبة عنها، ترجمة محمد بن أحمد الغوري ، مركز البحوث والدراسات، معهد الإدارة العامة، المملكة السعودية، 2018، ص 183

[88] – من بين التطبيقات وبرامج المعلوماتية ومحركات البحث التي تعتمد عليها المناهج الحاسوبية نذكر على سبيل المثال والتوضيح فقط  لأنه يتعذر حصرها كلها: بوابة ” ستاتيستا” Statista  “،   وخدمة غوغل أنالتيكس ” Google Analytics المختصة في تعقب حركة زوار المواقع الرقميّة في شبكة الانترنت ، وAlexa”  التابعة لشركة Amazon.com  ،  والتي تقدم معلومات عن شعبية المواقع في شبكة الانترنت وزوارها، ومنصة Yahoo Clues  التي تقدم بيانات تكشف  آنيا عما هو أكثر انتشارا لدى الجماعات خلال اليوم والشهر والسنة الماضية مصنف حسب السن والجنس. وبرنامج   ATLAS.tiو NVivo  لجمع البيانات وتحليلها،  Ngram Viewer   التي ترصد تواتر كلمة أو كلمات في النصوص خلال فترة معينة، وتتبع تزايد شهرة بعض الأشخاص وتراجعها حلال فترة من الزمن. و محرك Search Engine Land الذي يقدم احصائيات عن توارد الكلمات المفتاحية ،  وتويت أناليتك      Twitter Analytics الذي يقوم بتحليل التغريدات وانتشارها،  وأداة NodeXL  التي تعد إضافة لبرنامج  Microsoft Excel لاستخراج البيانات الشبكية من مواقع التواصل الاجتماعي و إظهار تلك البيانات بشكل مرئي. وبولتوسكوب « “Politoscope أرضية رقميّة مفتوحة  بمناسبة الانتخابات الرئاسيّة الفرنسيّة التي جرت في 2017  لجمع التغريدات السّياسيّة في موقع تويتر وتحليلها، إلخ…

[89] – نقلا عن :

Ross, Karen, and Virginia Nightingale. Media and Audiences: New Perspectives. Maidenhead:  Open University Press, 2003. P 158

[90]Dominique Boullier : Vie et mort des sciences sociales avec le big data. La nouvelle revue des sciences sociales, N°4-2015. PP 19-37. Accessed November 3,2021. https://doi.org/10.4000/socio.1259

[91] – Klaus Bruhn Jensen  : op, cit  p49

[92] – Boyd, Danah, and Crawford, Kate. Critical questions for big data: Provocations for a cultural, technological, and scholarly phenomenon. Information, Communication & Society. Volume 15, 2012 – PP 662–679. Accessed November 3,2021. DOI:10.1080/1369118X.2012.678878

[93] – Schmidt. S : Les 3 V du Big Data : Volume, Vitesse et Variété, Le Journal du Net, le 31-05-2015. Accessed November 10, 2021. https://www.journaldunet.com/solutions/analytics/1102057-les-3-v-du-big-data-volume-vitesse- et-variete/

[94] –    يستخدم مصطلح  الختم الزمني horodatage-  timestamping  – أنظر كيفية توظيفه في البحث التالي:

Larsson, Anders Olof :’Tweeting the Viewer—Use of Twitter in a Talk Show Context.  Journal of Broadcasting & Electronic Media 57(2), 2013, PP 135-152. Accessed November 3,2021. DOI:10.1080/08838151.2013.787081

[95] – Bathelot. B : 5V du big data 01/12/2016. Accessed November 10, 2021. https://www.definitions-marketing.com/definition/5v-du-big- data

[96] – Marketplace: Lumière sur… les 6V du Big Data du 9 septembre 2016. Accessed November 10, 2021. https://www.e-marketing.fr/Thematique/data-1091/Breves/Lumiere-Big-Data- -308562.htm

[97] – Serge Proulx  Julien Rueff , op cit , P 61

[98] –  Bouiller Dominique , Les sciences sociales, op cit

[99] – Klaus Bruhn Jensen,op cit, p52

[100] – Bourdieu P.  “L’opinion publique n’existe pas”, Les temps modernes, n°318,1973.  p.1292-1309.

[101] – Emmanuel Marty, Nikos Smyrnaios Franck Rebillard A multifaceted study of online news diversity: issues and methods :  in RamÓn Salavería : Diversity of Journalisms, Proceedings of the ECREA Journalism Studies Section and 26 th International Conference of Communication ( CICOM) at University  of Navara, Pamplona 4-5 July 2011, P228-242

[102] – Muller Jerry Z :  The tyranny of metrics, Princeton University Press, 2018, p3

[103] – مرض إدراكي يُعرّفه الطبيب السويسري  Peter Brugger المختص في مرض الأعصاب ، بأنه نوع من الإدراك التلقائي الذي يستخرج الدلالة  من ظواهر لا علاقة بينها.، أي منح معنى مخصوص للأحداث العادية والمألوفة من خلال إقامة علاقة بين الأشياء دون مبرر.

[104] Danah Boyd, Crawford Kate : Six Provocations for Big Data, “A Decade in Internet Time: Symposium on the Dynamics of the Internet and Society” on September 21, 2011, Accessed  November 10,2021. https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=1926431

[105] – Eglantine Schmitt Explorer, visualiser, décider  : un paradigme méthodologique pour la production de connaissances à partir des big data , thèse de doctorat en épistémologie,

L’Université de technologie de Compiègne ,Paris, 2018 , 289 pages

[106] – أنظر على سبيل المثال :

غبريال سيلفا موتا درموند : علبة نتفليكس السوداء، تشكيل الاستخدامات بالواجهات والخوارزميات، منشور في : ميلاني ميليت و فلورنس ميليروند وأخرون ( إشراف) ، مرجع سابق،   ص 275- 290

[107] – Pires Alvaro: De quelques enjeux épistémologiques d’une méthodologie générale pour les sciences sociales” 2007,p 29. Accessed November, 20, 2021. http://classiques.uqac.ca/contemporains/pires_alvaro/quelques_enjeux_epistem_sc_soc/enjeux_epistem_sc_soc.html

[108]– عبد الرحيم العطري : العلم الاجتماعي ضدا على “الكاست  المعرفي” من التناص الاجتماعي إلى التداخل التخصصي، مجلة إضافات، العدد 17و18، شتاء وربيع 2012، ص 138-155

[109] – Mucchielli Alex : Pour des recherches en communication », Communication et organisation, N0 10, 1996. Accessed, November 6,2021 . Accessed November 10, 2021                                                                  http://communicationorganisation.revues.org/1877

[110] –      التسمية التي أطلقها كل من  ” كريستين هين، و سارج برولكس بمعية جوليان روف، أنظر:

كريستين هين : إثنوغرافيا الجماعات في شبكة الانترنت والميديا الاجتماعيّة: الإجراءات، والتّنوّع، والإمكانات.

ميلاني ميلات و فلورنس ميليروند وأخرون (إشراف) :  مرجع سابق، ص 77-102

103-Sarah Pink, Heather Horst ,John Postill  and all : Digital Ethnography Principles and Practice , 2015, 310 pages

[112] – Eric Vernette, Laurent Bertrandias, Jean-Philippe Galan Jean-Philippe Galan, Alexandra Vignolles : Identification d’un leader d’opinion: état des controverses. 28ème Congrès Afm (Association Française du Marketing, Brest -France, Volume : 28 -2012.Accessed .September 30,2021. https://tinyurl.com/evyztz s

[113] – Matt Carlson and all:  Journalism Studies and its Core Commitments: The Making of a Communication Field Journal of Communication, Volume 68, Issue 1, February 2018, PP 6–25. Accessed September 30,2021.  https://doi.org/10.1093/joc/jqx006

[114] –  O’Reilly, K. Ethnographic Methods. London: Routledge, 2005, p3

[115] – Elisenda Ardévol and Edgar Gómez-Cruz, Digital Ethnography and Media Practices, in Angharad N. Valdivia : The International Encyclopedia of Media Studies, John Wiley & Sons, 2014 p 4051-4071

[116] – Pastinelli, M : Pour en finir avec l’ethnographie du virtuel !  op, cit

[117] – Sarah Pink Heather Horst John Postill and all : Digital Ethnography Principles and Practice , 2015, p17

[118] – Serge Proulx, Julien Rueff Actualité des méthodes de recherche en sciences sociales sur les pratiques informationnelles, Centre d’études sur les médias. Université de Laval , Canada , Novembre 2018. p7

[119] – نذكر على سبيل المثال التويتنوغرافيا  Twitnography التي وضع «جون فيليب غلان” و”الكسندرا فيلون” أسسها  كتخصص علمي في 2009 وتبناه العديد من الباحثين. يدرس هذا التخصص التدوين المصغر. microblogging ويتسم  بكونه لا يبحث عن جماعة  بعينها Community  بل  الأفراد من جماعات مختلفة تتقاطع عبر التغريدات التي يصل عددها إلى آلاف التغريدة في الثانية ممّا يعجز الباحث عن نسخها أو تحميلها دون الاستعانة  بــ واجهة برمجة  موقع تويتر API  التي تمكنه من النفاذ إليها. لذا يقال أن هذا النمط الاثنوغرافي أبسط، واسرع، وأقل كلفة وأقل تطفلا من النموذج التقليدي.

Eric Vernette, Laurent Bertrandias, Jean-Philippe Galan Jean-Philippe Galan, Alexandra Vignolles , op cit

[120] – نقلا عن:

Klaus Bruhn Jensen, op cit, P53

[121] –  نقلا عن:

Dominique Cardon : Pourquoi l’internet n’a-t-il pas changé la politique ? Interview accordée à Hubert Guillaud , Internet actualité du 07, octobre 2010.Accessed October 25,2021

https://tinyurl.com/5erehavf

[122] – Christine Hine : op, cit, P1

[123] –  Anh NgocHoang, ClaireMahéo, SandraMellot, JuliePasquer-Jeanneet AnaïsTheviot, « Explorer les méthodes en ligne pour des terrains hors ligne »,  Revue Terminal  No 129 – 2021, Accessed November 8,2021. https://doi.org/10.4000/terminal.7374

[124] – Richard Rogers: Digital Methods for Web Research, ResearchGate, May 2015, (pp.1-22). Accessed October 26,2021. DOI:10.1002/9781118900772.etrds0076

[125] – Richard Rogers, Digital Methods. The MIT Press, UK 2013, p 24

[126] – Serge Proulx  Julien Rueff , op cit ; p43

[127] -Idem p 68

[128] – نذكر منها على سبيل المثال

برامج العنكبة )   Web crawler ( أو زاحف الواب، وبرامج تقشير البيانات)  (scraping، أي استخراجها من شبكة الانترنت وتحليلها.  ومرتب محتويات المواقع بطريقة تعاونية مع المستخدمين ) فولكسونومي( (Folksonomy)، و الختم الزمني timestamping) ( ،  وسحابة الوسوم   Tag cloudللتمثيل المرئي للبيانات وخوارزميات ترتيب الصفحات والمواقع  PageRank

[129] –  Hugues Peeters et Philippe Charlier :  Contributions à  une théorie du dispositif , Revue Hermès 25, 1999- P15-23

[130] – Bonnie S. Brennen Qualitative Research Methods for Media Studies – Second edition published 2017 by Routledge 2017, p 23

[131] – Tommaso Venturini   Jean philippe cointet : Méthodes Digitales approches quali/quanti des données numériques – Réseaux n° 188/2014. PP 9-21. Accessed November 5,2021. DOI: 10.3917/res.188.0009

[132]– من باب التوضيح نشير إلى أن الباحثين نووي غمنت، ومازيار باناهي، ودافيد شافلاررياس، اخترع برمجية Politoscope  لرسم الحياة السياسية الفرنسية ، وتوجهات الناخبين الفرنسيين عشية الانتخابات الرئاسية في 2017. أنظر:

Gaumont N, Panahi M, Chavalarias D : Reconstruction of the socio-semantic dynamics of political activist Twitter networks—Method and application to the 2017 French presidential election. PLoS ONE 13(9): e0201879. Accessed November 3,2021. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0201879

[133] – يمكن أن ندكر على سبيل المثال البحث الذي أنجزته كل من  كريستين توير ، فلورنس ميلرون ، نينا ديوك عن مشاهدة الشباب للمواد السمعية البصرية عبر الخط واستعانت بالمنهج التقليديّ، والافتراضيّ، والرقميّ، المنشور في: ميلاني ميلات و فلورنس ميليروند وأخرون ( إشراف) ، مرجع سابق، ص 137-152

[134] – هذا ما اشار إليه الباحثون الذين شملهم العمل الذي أنجزه كل من سارج برولكس Serge Proulx وجوليان رووف Julien Rueff ، مرجع سابق، ص 39

[135] – Commission Européenne, OPTEM : Internet plus sur pour les enfants, étude qualitative dans 29 pays européens , Rapport de synthèse , Mai 2007, 76 pages. Accessed November 3,2021 https://tinyurl.com/kmdm5n39

[136] – Larsson, Anders Olof :’Tweeting the Viewer—Use of Twitter in a Talk Show Context.  Journal of Broadcasting & Electronic Media 57(2), 2013, PP 135-152. Accessed November 3,2021.DOI:10.1080/08838151.2013.787081

[137] – Klaske Tameling    Marcel Broersma De-converging the newsroom Strategies for newsroom change and the influence on journalism practice. The International Communication Gazette, 1-75, pp 19-34. Accessed November 2,2021 DOI: 10.1177/1748048512461760

[138] –   أخذنا النموذج الذي قدمه الباحثان سارج برولكس وجوليان رووف )مرجع سابق، صفحة 114-126 ( والمتمثل في أطروحة الدكتوراه التالية بعد أن قمنا بمراجعتها :

Bastard, I. : De proches en pages, de pages en proches: Exploration et réception des informations en ligne (Thèse de doctorat, Paris, Télécom ParisTech)   , octobre 2015, 444 pages

[139]  الاستسقاط : مصطلح في علم النفس يدل على  الربط التعسفي بين بعض الأحداث أو الأشياء المنفصلة عن بعضها ،ولا تملك أي  قاسم مشترك، لتحميلها معنى جديدا غير كامن فيها.

[140] –   “السرنديبية “، تعني “الحادث السعيد” أو “المفاجأة السارة”، التي تحدث أثناء العثور بالصدفة على شيء طيب أو مفيد دون نية البحث عنه.

[141] Klaus Bruhn Jensen: op, cit p44

[142] -James P. Crutchfield:  The dream of theory, Wires Wiley Interdisciplinarity review, Volume 6, Issue2, March/April 2014, PP 75-79. Accessed , November 15, 2021.

https://doi.org/10.1002/wics.1290

[143] – أنظر :

كريستين ثوير وفلورنس ميلروند”  و”نينا دوك :  ممارسات المشاهدة عبر الخط لدى الشباب: مناهج تقليدية، وافتراضية ورقمية، في في مؤلف: ميلاني ميلات و فلورنس ميليروند وأخرون ( إشراف) ، مرجع سابق، ص 137-152

[144] –  للنظر إلى اختلاف تجارب الصحف الثلاثة، أنظر:

– DavidJulien Rahmil : Moins d’articles, plus de journalistes et plus d’audience : la formule gagnante du journal Le Monde, 5April, 2020. https://urlz.fr/cl9t

– Kiss and Brook ; quoted by Bob Franklinis : Newspapers Apart: Analysing Print Journalism- First published, Routledge, 2008 p 21

David-Julien Rahmil : Découvrez la stratégie de ces médias qui ne connaissent pas la crise. https://urlz.fr/cl9I

[145] – نذكر منها على سبيل المثال: التناص intertextuality، وما بين الميديا intermediality، والعبر ميديا   Trans media ،  والتفاعلية  Interactivity، والتواجد في كل مكان ubiquity، و الآنية الإعلاميّة immediacy، القدراة  The Affordance،  و sérendipité,   السرنديبية  وتعني الحصول على شيء دون البحث عليه  وغيرها.

[146] – أنظر على سبيل المثال: محجوبة قاقو: المجتمع الافتراضي، وإشكالية تحديد منهج البحث السوسيولوجي، نحو بناء نموذج لدراسة التفاعلات الإلكترونية بواسطة الحاسوب، الأكاديمية العربية، مجلة عمران للعلوم الاجتماعية، العدد 29، المجلد الثامن، صيف 2019، ص 89- 113

[147] – أنظر على سبيل المثال:

Hachemi Kemouche Nadia, Laradi Alliouche Bahia : La stratégie de contenu digital pour susciter la participation d’une communauté de marque en ligne “Exploration netnographique”. Revue des sciences Sociale et Humaines, Université de Batna1. Vol (21) N° (02) (décembre 2020), P 785-802

Berrached Sara . Impact Du Bouche à Oreille électronique Sur L’intention D’achat : Cas Du Consommateur Algérien. Exploration Netnographique .Revue algérienne d’économie et gestion, Algérie, Volume 14, Numéro 2, Pages 408-426

[148] –  توجد بعض الاستثناءات القليلة جدا التي حاولت الاقتراب من هذه المناهج، نذكر منها دراسة عبد الوهاب بوخنوفة التي استعمل فيها وبرنامج MAXQDA2020 لتحليل النصوص الخاصة بمحتوى مساق: أخلاقيات الإعلام في الجامعات العربية والوقوف على مفرداته ومخرجاته. أنظر: واقع تدريس أخلاقيات الإعلام في الجامعات العربية، مناهج قديمة لبيئة إعلامية جديدة، بحث غير منشور.

[149] –  بينت الدراسة التي قامت بتحليل موقع الصحف الجزائرية في شبكة الانترنت أنه لا يمكن اسقاط خاصية التفاعلية بمختلف أبعادها على هذه الصحف، وكشف استخدامها لمحرك Alexa.com عن حقائق مذهلة عن متصفحيها/ قرائها، مثل أن سنهم يتراوح ما بين 34- 64 سنة! وهذا خلافا للأفكار المسبقة عن عزوف كبار السن عن قراءة الصحف الرقمية لتمسكهم بالطبعة الورقية، بل يثبت عزوف أغلب الشباب عن قراءة هذه الصحف على الواب. وأن قسما كبيرا من متصفحيها يقيم خارج الجزائر.  وأن معدل ما يتصفحونه لا يزيد عن أربع صفحات من الصحفية، والوقت الذي يخصصونها لكل صفحة يتراوح ما بين دقيقتين و46 ثانية للصفحة! وأن عدد متصفحي موقع صحيفة الوطن، أكبر الصحف الجزائرية الصادرة باللغة الفرنسية، من الإناث أكثر قليلا من الذكور رغم أن محتواها ذكوري! إلخ.

 أنظر: نصر الدين لعياضي، الصحافة الجزائرية في بيئة الواب: ارهاصات التغيير، المجلة الجزائرية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة الجزائر 3، العدد السادس، جوان 2016، ص 171- 193

هل ستقضى المناهج الحاسوبيّة على نظريّات علوم الإعلام والاتصال*؟

                                                                            نصر الدين لعياضي

 

Can Big Methods make information and communication theories obsolete?

Abstract

This article seeks to contribute to the debate over the Big Methods in the field of information and communication sciences. It Explains its benefits in the era of big data and social media. It also highlight the limits of this new methods and its epistemological stakes. Moreover, this article tries to put forward various positions on the idea that began to spread slowly but surely in university literature, that big methods probably will make various theories in the social sciences and humanities obsolete.

Key words:  Big Data, Metadata, Big Methods, Velocity,  Ideal‑type,  Redistribution,  Apophenia, Digital Traces

 

Est-ce que les méthodes computationnelles pourront sonner le glas des théories des sciences de l’information et de la communication

Résumé :

Le présent article est une contribution au débat sur les méthodes computationnelles dans les sciences de l’information et de la communication. Il essaye de les définir ; d’argumenter leur utilité à l’ère de big Data et des médias sociaux en mettent en relief leurs limites et les enjeux épistémologiques qu’ils suscitent. Par ailleurs, Il expose les différentes positions sur l’idée que les méthodes computationnelles pourront sonner le glas des différentes théories en sciences sociales et humaines qui se répand lentement mais surement dans des écrits universitaires.

Les mots clés : Big Data, Méta data ; Méthodes computationnelles, Vélocité, Idéal‑type, Redistribution, Traces numérique, Apophénie

ملخص:

يحاول هذا المقال العلمي أن يساهم في النقاش الدائر حول المناهج الحاسوبيّة أو الكبرى في علوم الإعلام والاتصال. يشرح فوائدها في عصر البيانات الضخمة والميديا الاجتماعيّة. ويسلط الأضواء على حدودها والرهانات الابستمولوجية التي تطرحها. ويطرح مختلف المواقف من الفكرة التي بدأت تنتشر ببطء لكن بثبات في الكتابات الجامعية ويلخصها السؤال التالي: هل تتمكن المناهج الحاسوبيّة من القضاء على مختلف النظريات في علوم الإعلام والاتصال وبالتالي العلوم الاجتماعية والإنسانيّة؟

الكلمات المفتاحية: البيانات الضخمة، الميتا بيانات، المناهج الحاسوبية أو الكبرى، سرعة البيانات الكبرى، إعادة  التوزيع، النموذج المثالي، الآثار الرقمية، الاستسقاط

المقدمة:

لازال الجدل حول التكنولوجيا الرقميّة ومنصاتها وتداعياتها على الحياة اليوميّة وعلى المجتمع قائما في الجزائر. ولم ينتقل، مع الأسف، إلى مناقشة تأثيرها على البحث العلمي[1]. وهذا خلافا لما جرى ويجرى في العديد من بلدان العالم التي انقسم فيها الباحثون إلى ثلاثة فرق: فريق من المتشائمين يرى أن هذه التكنولوجيا، التي توفر مصادر جديدة للمعلومات، تشكل خطرا جديًّا على التقاليد العلميّة وأشكال البحث العلميّ الراسخة في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة( Savage, Burrows ,2007, 885-899  )  . وفريق من المتفائلين يرى أن التكنولوجيا الرقميّة تدشن عصرًا من التجديد المنهجيّ نظرا لقدرتها الرهيبة على جمع أكبر عدد من البيانات في أسرع وقت واظهارها على الشاشة وتحليلها، ممّا يسمح لها بتطوير مناهج البحث القائمة وابتكار أخرى جديدة ) ( Marres, 2012, 139–165. وفريق ثالث، يمكن أن نصفه بالواقعي، يؤمن بأن التطور سنة الوجود، وأن التجديد المنهجيّ كان دائمًا مطروحا على جدول أعمال البحث العلميّ ّفي العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، ودليله في ذلك أن الباحثين، مثل “بول لازرسفيلد” و”روبرت ميرتون” قد أضافا المقابلات المعمّقة إلى بحوثهما الميدانيّة المسحيّة(Hine, 2005,200 ). وأن “هذا التجديد” ليس سوى استئنافًا ” للثورة الكميّة” التي عاشتها هذه العلوم في ستينات القرن الماضي وسبعيناته ( Boyd , Crawford,2011)  . وبهذا يحاول هذا الفريق التقليل من الخوف على مصير البحث العلمي في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة والتخفيف من الافراط في التفاؤل بمستقبله على يد التكنولوجيا الرقميّة  في آن واحد.

سنحاول أن نقدم في هذه الدراسة تعريفا لأبرز اتجاه منهجي يوظف التكنولوجيا الرقميّة، ممثلا في المناهج الحاسوبيّة Les méthodes computationnelles   Big Methods  كاشفين عن خصوصيتها مقارنة ببقية الاتجاهات المنهجيّة التي ظهرت في بيئة الواب. ونسعى إلى الإجابة عن السؤال التالي: هل ستقضي هذه المناهج على النّظريّة التي كانت ولاتزال تؤطر بحوث الميديا وتوجَهها، وتشرح نتائجها، وتتنبأ بمستقبل تطور ما تدرسه من ظواهر إعلاميّة واتصاليّة؟

نعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تتقاطع مع النقد الذي وُجه إلى هذه المناهج، والذي يرتكز أساسا على رهاناتها الابستمولوجية  والأخلاقية. ونميل إلى الاعتقاد بأن فهم النقاش المذكور أعلاه يتطلب العودة إلى تطور العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة من منظور الباحث دومنيك بوليBouillier, 2014,229)  (، المختص في علم الاجتماع الرقمي ، ورئيس تحرير مجلة ” كوسموبلتيك”، والذي  حصره في ثلاثة أجيال: الجيل الأول الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر وكان يعتمد على البيانات الناجمة عن التّعددات السنويّة التي تقوم بها الحكومات، ومؤسساتها المختلفة، ووهي عبارة عن مسح إحصائي شامل للسكان ولنشاطهم ووضعياتهم الاجتماعيّة والاقتصاديّة والتعليميّة أو شريحة، منهم يُستخلص منها السلوك الفردي في المجتمع. بالطبع، إنّ هذه البيانات تندرج ضمن مسعى تلبية حاجة الدولة بدرجة أساسيّة. والجيل الثاني الذي ظهر في ثلاثينات القرن الماضي مع إنشاء مؤسسة “غالوب” لاستطلاع الرأي، وانطلاق عالم الاجتماع “بول لازرسفيلد” في انجاز بحوثه الميدانيّة التي اعتمدت على استطلاعات الرأي بالاستناد إلى عيّنة تمثيليّة لدراسة المجتمع. إنّ الحاجة إلى هذه البيانات كانت وليدة السوق والحياة السّياسيّة “الديمقراطيّة”.  أما الجيل الثالث فقد بدأ في الظهور منذ ثمانيات القرن الماضي ومطلع الألفيّة الحاليّة مستندا إلى البيانات الضخمة Big Data . وتعزّز بزيادة الاستخدام الاجتماعيّ للأنترنت نتيجة قيامه بجمع ما يخلَّفه مستخدمو الانترنت من آثار في إبحارهم عبر شبكة الانترنت، وما يحتفظ به مقدمو خدمة الانترنت، والمواقع والمنصات الرقميّة عن زوارها.

قد نختلف مع الباحث “دومنيك بولي” في هذا التصنيف لنظرته إلى تطور البحوث الاجتماعيّة والإنسانيّة من منظور تعاقبي، بمعنى أنه ينفي ضمنيا إمكانية استفادة هذا البحث من البيانات التي تجمع بالأداة التي توطدت لدى الجيل الأول، ومن البيانات التي توفرها الأداة التي سيطرت على الجيل الثاني في الوقت ذاته. لكن هذا لا يقلّل من أهمية تصنيفه الذي يسلط الضوء على دور الآثار الرقميّة في تشكيل العالم الاجتماعي لمستخدمي التكنولوجيا المعاصرة، وإن كان الاختلاف قائما حول تقييم هذا الدور في بحوث الإعلام والاتصال.

سعى الكثير من الباحثين إلى رسم خريطة للاتجاهات المنهجية الكبرى التي تدرس موضوعات الإعلام والاتصال في إطار الجيل الثالث من العلوم الاجتماعية. وسنكتفي بذكر خريطتين أساسيتين، الخريطة الأولى وضعتها الباحثة الاجتماعية “ماريس نورتاجي”) ( Marres, 2012, 139–165. والثانية صاغها كل من الباحثين “سارج برولكس” و”جليان رويف”, 2018,132) ( Proulx, Rueff. تتسم هاتان الخريطتان بشموليتهما، إذ تلخصان أبرز الاتجاهات البحثيّة المعاصرة في حقل الإعلام والاتصال، وتتقاطعان في أكثر من مفصل، إضافة إلى أنهما تحولتا إلى مرجع أساسي من فرط تواترهما في البحوث التي تعالج مسألة مناهج البحوث.

في مناقشتها لتداعيات التكنولوجيا الرقمية على البحث الاجتماعي، والذي يشمل بالطبع بحوث الإعلام والاتصال، وظفت الباحثة ” ماريس نورتاجي” ) ( Marres, 2012, 139–165 مفهوم إعادة التوزيع Redistribution الذي توضحه بالقول ” إن الأدوار في ممارسة البحث العلمي وفق هذا المفهوم موزعة على طائفة متنوعة من الفاعلين: الباحثين، والمبحوثين ( موضوع البحث- المستخدمين)، والوسيط أو العُدّة التكنولوجيّة، وممولي البحوث.  وقد سعت من خلال هذا المفهوم إلى تحديد المهارات ومنح السلطة والشرعية في البحث للفاعلين المذكورين. وعلى الرغم من إقرارها بأنّ إعادة التوزيع هذه مسألة ” لزجة” لصعوبة حصر مساهمة أي فاعل من الأطراف المذكورة في تجسيد مناهج البحث إلا أنها أدرجت الاستراتيجيات البحثية المستخدمة في البيئة الرقمية كما يلي: المناهج التقليديّة أو (methods-as-usual) ، والمناهج  الحاسوبيّة (أو big methods) ،  والمناهج الافتراضيّة ) virtual methods ( والمناهج الرقميّة )  digital methods) ) ميلاني، ميليروند، ميلز، لازكو توث ، 2021، 26 (

إن كان الباحثان سارج برولكس وجوليان رويف , 2018,7) ( Proulx, Rueff يقران بأن التكنولوجيا أثرت تأثيرا كبيرا على البحث العلمي، فإنهما لم يعتمدا على مفهوم ” إعادة التوزيع” المذكور أعلاه في وضع خريطة مناهج البحث في البيئة الرقميّة، بل وظفا مفهوم ” النموذج المثالي” Ideal‑type  بالمعنى الويبري ) نسبة إلى “ماكس ويبر” (، والذي لا يعني النموذج الكامل أو الأفضل أو المرغوب،  أو الأكثر وفاء في تمثيله للواقع، بل يقصد به ذاك النموذج الذي يتضمن خصائص يمكن ملاحظتها أكثر من غيرها، ويتم التعبير عنها من  خلال إنشاء تركيبي مجرد يكشف عن القواسم المشتركة للعناصر التي تشكل الظاهرة المدروسة )  سبيلا، الهرموزي، 2017، 528 (. وعلى هذا الأساس تضمنت خريطتهما لمناهج البحث في البيئة الرقميّة أربعة نماذج مثالية للمقاربات البحثيّة الكبرى، وهي: مناهج توافقيّة، وليست كلاسيكية مثلما ذكرت “ماريس نورتجي”، وقسماها إلى صنفين: كميّة وكيفيّة، والإثنوغرافيا عبر الخط، والمناهج الحاسوبيّة المطبقة على البيانات الكبرى، و المناهج الرقميّة الكميّة- الكيفيّة[2].

ما هي البيانات الكبرى أو الضخمة ؟

ظهرت عبارة “البيانات “الكبرى أو الضخمة Big Data لأول مرة في أكتوبر 1997 )  Press, 2013 ( للدلالة على حجم البيانات التي تتزايد باضطراد في شبكة الانترنت. وتشمل مختلف ما ينتجه استخدام التكنولوجيا الرقميّة سواء لأغراض مهنيّة أو شخصيّة، من جهة، وللإحالة إلى الأشكال المختلفة لحساب هذه البيانات. وتلاها مصطلح الميتا بيانات Metadata ، أي بيانات البيانات التي لا تظهر في الشاشة وتتضمن معيطات دقيقة عن الصور وشرائط الفيديو: تاريخ ووقت التصوير، مكان التصوير ، وآلة التصوير وخصائصها التقنية، ومرسل الصور أو الشريط، ووسيط إرسالها )هاتف ذكي، كمبيوتر محمول أو ثابت، لوح إلكترونية( وغيرها من البيانات.

وتماشيا مع التطور الرقميّ ومع الجيل الثالث من العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة لم تعد بحوث الإعلام والاتصال تكتفي باستغلال البيانات التي اعتمد عليها الجيلين الأول والثاني من العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة والتي تنشر في شبكة الانترنت؛ أي ما تتضمنه بنوك المعلومات من بيانات مرقمنة، بل اتجهت إلى استغلال الآثار التي يتركها مستخدمو هذه الشبكة وتطبيقاتها، وهي على سبيل المثال وليس الحصر : النقر على المواقع  والنصوص والصور والفيديوهات والبودكاسات، والمواقف منها التي يعبر عنها النقر على أيقونات الإعجاب، و”الإيموجي” Emoji،  والتعليقات والمشاركات المختلفة، والروابط الرقميّة  Links، والرسائل النّصّية القصيرة، والهاشتغات، وغيرها، والتي لا تشكل في اعتقادنا عالما مفصولا عن العالم الاجتماعي الذي نصنعه فعليًّا وبشكل ملوس، ولا موازيا له، بل تعدّ امتدادًا له. وتكشف في الوقت ذاته عن أبعاده الخفيّة أو التي لم نكن نتصور وجودها. هذا ما يؤكده الكاتب سیث ستیفنز – دافیدوتس ) 2017 ، 38  ( الذي يُشبّه البيانات الكبرى بالمجهر الذي يكشف التفاصيل التي لا تصلها العين المجردة.

أمام تدفق سيل الآثار والبيانات التي يمكن جمعها يقف الباحث في علوم الإعلام والاتصال عاجزا على استغلالها دون الاستعانة بالعدّة الرقميّة. بالطبع لم تكن هذه العلوم هي السباقة إلى جمع هذه الآثار واستغلالها، لقد سبقها إلى ذلك قطاع المعلوماتية والعلوم التجاريّة والتسويق وقطاع الصحة العموميّة إلخ التي سخرت البرامج ومحركات البحث والمنصات، لدراسة اتجاهات السوق ومكانة السلع والخدمات وتطور الأمراض والأوبئة، وسلوك المستهلكين ودوافع الشراء، وسمعة المؤسسات.  وبهذا وفرت للشركات الكثير من الوقت الذي كانت تحتاجه البحوث الكلاسيكيّة، وخفضت كلفة البحث فضلا على حصولها على البيانات الآنية التي تسمح لها باتخاذ القرارات بسرعة.  ففي هذا الإطار ظهرت المناهج الحاسوبية أو المناهج الكبرى Big Methods التي شملت مختلف المجالات المعرفيّة لتغير بعمق التخصصات العلمية وابستمولوجيتها، وتغير شروط إنتاج المعرفة وتداولها )   Bourdeloie, 2013 (، كما سنبين لاحقا.

المناهج الحاسوبيّة:  

ويقصد بالمناهج الحاسوبيّة تلك التي تعتمد على الرياضيات والمعلوماتيّة لجمع الآثار الرقمية ومعالجتها ونمذجتها وإبرازها في شكل جداول وخرائط ورسوم بيانيّة ومجسمات تفاعليّة. إنها الآثار التي يخلفها المستخدمون في إبحارهم عبر شبكة الانترنت، وما تحتفظ به محركات البحث، وألعاب الفيديو عبر الخط، والمنصات الرقميّة، ومزودو خدمات الأنترنت من بيانات عن الأشخاص وعن مبادلاتهم مقترحة بذلك نوعا جديدا من المقاربات العلميّة للظواهر الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة. بل رآها البعض بمثابة علم جديد: علم الشبكات الجديد) (new network science , 2018,139) Proulx, Rueff  ( الذي يحل محل التقنيّات التقليديّة المستخدمة في استطلاعات الرأي، بل تقدم قدرا كبيرا من البيانات والميتا بيانات[3] التي لا تستطيع بحوث استطلاع الرأي بلوغها. فتستثمر هذه المناهج الرياضيات إلى أقصى درجة لتحويل الظواهر المدروسة إلى بيانات كميّة على حساب البيانات النوعية التي تنتج بطريقة ” تشوبها النزعة الذاتيّة”.

نعتقد أن “التحوّل الابستيمي” الذي تحدث عنه الفيلسوف بنار ستيغلر ( Stiegler, 2014,14  )  والذي دشنته التكنولوجيا الرقميّة، يعود إلى خصائص البيانات الضخمة التي وظفتها المناهج الحاسوبيّة، وجعلت منها متغيرات البحث في البيئة الرقمية  تضاف إلى متغيرات البحث التقليدي في بيئة التكنولوجيا التناظرية، مثل السن، والجنس، ومستوى الدخل، والوضع الاجتماعي، والمستوى التعليمي، وإن كانت تختلف عنها. وقد حصرها البعض في ثلاث خصائص تشترك في الحرف V اللاتيني الأول من اسمها   Schmidt, 2015) (، وهي: الحجم Volume ، والتنوع Varieté ، والسرعة Velocité . وإن كانت الخاصيتان الأوليان واضحتان، فإن خاصة السرعة، تعد متغيرا مستحدثا بالفعل، إذ يقصد به إيقاع توليد البيانات والتقاطها وتوزيعها. ويعدّ عالم التسويق أكثر اهتماما بهذه الخاصية، لأن كل تأخير في التقاطها وتحليلها يقلّل من قيمتها، ويؤجل اتخاذ القرارات بشأنها. وقد حاولت بحوث الصحافة تكييف هذه الخاصية فربطتها بآنية نشر/ بث البيانات، وبمدة ظهورها في الشاشة قبل أن تختفي أو تؤرشف، وحصرتها في إيقاع تجديد الأخبار أو تجديد واجهة موقع الصحيفة أو أي موقع إخباري في شبكة الانترنت[4].

وقد أضاف لها البعض خاصيتين أخريين، وهما الحقيقية Véracité، والقيمة Valeur، ويقصد بهذه الأخيرة التركيز على البيانات التي تملك إضافة عملية في ظل تخمة البيانات لتصبح خمس خصائصBathelot, 2016 )   (. وأضاف لها البعض خاصية المرؤوئية لتصبح ست خصائص  )  Marketplace, 2016  (، أي جعل تمثيلها مرئيّا.

بصرف النظر عن عدد هذه الخصائص، يؤكد توظيفها في البحث العلمي على أن البيانات الضخمة ستفعل بالبحوث الاجتماعية، ما فعلته ” الفوردية”-  نسبة “جون فورد” مالك شركة صناعة السيارات- في عالم الصناعة، نتيجة تنظيم العمل وإعادة تقسيمه أفقيا وعموديا وزيادة الإنتاج( Boyd , Crawford,2011) والتي امتدت إلى عدة قطاعات من النشاط الإنساني. والسؤال المطروح يتمثل في النظرة إلى الإضافة التي قدمتها هذه ” الفوردية” الجديدة للبحث الإعلامي.

قوة المناهج الحاسوبيّة:

إن ضخامة البيانات المتعلقة بالممارسات الإعلاميّة المختلفة في البيئة الرقميّة تجعل الاعتماد على العُدّة التقنيّة الرقميّة لجمعها وتحليلها أمرا ضروريًّا. وبفضلها يستطيع الباحثون تسليط الضوء على الظواهر الإعلاميّة والتعبير عنها بطريقة غير مسبوقة. فعلى سبيل المثال، إن التمثيل البياني للسرعة، كمتغير حديث في دراسة الميديا الرقميّة، ونمذجته الرياضيّة يثري البحث ويسمح بمعالجة موضوعات الإعلام والاتصال من زاوية كانت مفقودة في البحوث التقليديّة.

ويعتقد بعض الباحثين أن المناهج الحاسوبيّة أكثر دقة وموضوعيّة في قياس الظواهر المدروسة وذلك لأنهم يربطون كميّة البيانات المستقاة بتمثيل الواقع المدروس بشكل يكاد يكون متطابقا معه. ففي هذا الإطار يرى الباحثان “توماسو فنتريني” و”جون فيليب كونتت” بأنّ حجم البيانات الرقميّة تملك من الضخامة قدرا كافيا ” لاحتواء” الواقع وتمثيله بطريقة فاعلة)  , cointet, 2014, 9-21  Venturini (.  وبهذا تستطيع المناهج الحاسوبية أن تتجاوز المآخذ التي أخذت على البحوث التقليديّة في مجال الإعلام والمتمثلة في عدم اكتمال إطار المعاينة الذي يترتب عنه عدم اكتمال مجتمع البحث، وضعف العيّنة المختارة في تمثيل مجتمع البحث. ويمكن للمناهج الحاسوبيّة أن تتغلب على هذه النقائص لأن خاصيتي الحجم والتنوع للبيانات تحل محل الكمال والتمثيل في البحوث التقليديّة  (  Boullier, 2015, 19-37  )

وتستطيع المناهج الحاسوبيّة أن تقدم صورة جدا دقيقة، تتضمن الكثير من التفاصيل عن ممارسات الجمهور- المستخدمين. والسبب في ذلك لا يعود إلى ضخامة البيانات التي يمكن جمعها عنهم، بل لابتعادها عن البيانات المصرح بها والتي توفرها عمليات استطلاع الرأي والمقابلات. فهذه المناهج “تعري” المستخدم إن صحت العبارة، وهي تقتفي آثاره في شبكة الانترنت ومنصاتها لأنه لا يستطيع أن يمحى كل الآثار الناجمة traçabilité La عن استخداماته الرقميّة. وتستمد المناهج الحاسوبية جزءا من أهميتها من الاختلاف في الهوية التي يصرح بها المستخدم طمعا في مال المعز أو خوفا من سيف الحجاج أو سهوا، والهوية الفعلية التي يمارسها في شبكة الانترنت. ونزعم أن الاختلاف بين الهويّة المصرح بها والهويّة الممارسة في الحياة اليوميّة الفعليّة أو الافتراضيّة تعود لأسباب ثقافيّة ونفسيّة في مجتمعنا تعبر عنها الخشية من نظرة الغير وتختزلها عبارة: ماذا يُقال عنا؟

يعتقد أن تحويل الظاهرة المدروسة إلى جملة من الإحصائيات والخرائط والرسوم البيانية تضفي الطابع الموضوعي على البحث العلمي في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة لكونها تستغني عن الحقائق اللسانية التي تشوبها الذاتية. وتعطي، في نظر البعض، مشروعية علميّة لهذه المناهج، ويمكن أن تحقق طموح الكثير من الباحثين الوضعيين الذي سعوا ويسعون إلى تقرّيب العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة التي توصف بالرّخوة من العلوم الطبيعيّة التي توصف بالصلبة. فعالم الاجتماع الفرنسي ريمون بودون يعتقد بأن اعتماد العلوم الاجتماعيّة على لغة الرياضيات يمنحها النضح العلمي Boudon, 1971,7 )    (وبالتدريج تم التخلي عن كلمة الرياضيات واستبدلت بالإحصائيات، ونشهد حاليا استبدالهما بمصطلح الغرافيك  Le graphique. ومن هذا المنظور ندرك أن المناهج الحاسوبية تسعى إلى جر علوم الإعلام والاتصال، التي تُعرف بأنّها علوم تأويلية تسعى إلى استخلاص المعنى، للالتحاق بالعلوم التجريبيّة التي تروم استخلاص القواعد والتنبؤ بتطورات الظواهر الإعلاميّة والاتصاليّة التي تدرسها.

ونظرا لكونها وليدة حاجة السوق، وسخرت لخدمة متطلبات الشركات لمعرفة سلوك المستهلكين، اكتسبت المناهج الحاسوبيّة الطابع الإجرائي أكثر من التفسيري، أي أنها تتوج، في الغالب، باتخاذ القرارات والشروع في الفعل، فالخرائط والرسوم البيانيّة والمجسمات ذات بعد استكشافي تحدّد اتجاهات التحول وتبيّن السمات التي يعتمد عليها لإجراء المقارنات.

وبفضل وفرة الكثير من البرمجيات والتطبيقات في شبكة الانترنت ومنصاتها الرقميّة التي تجمع البيانات وآثار الممارسات في الفضاء الافتراضي ” تدمقرطت” المناهج الحاسوبيّة، إذ أصبحت في متناول المؤسسات والشركات توظفها لقياس صدى نشاطاتها والاطلاع على مكانتها وصورتها لدى الزبائن والمستخدمين لتعزيز علاقاتها بهم .

لقد تملّكت علوم الإعلام والاتصال هذه البرمجيات والتطبيقات وسخرتها للكشف عن الكثير من الجوانب في الممارسة الإعلاميّة والاتصاليّة، بدءًا  بعدد زوار مواقعها في شبكة الانترنت وتقديم بورتريهات عنهم  Portraits، وأماكن تواجدهم، والوقت الذي يصرفونه في التصفح، وأشكال تفاعلهم مع المحتويات الرقميّة، ومصادر هذه المحتويات، مرورا بالتغيير الذي طرأ على بنية المحتويات وروابطها الرقمية، والموضوعات الأكثر انتشارا في مواقع التواصل الاجتماعي، والهشتاغات  Hachtagالأكثر متابعة في المواقع، وصولا  إلى الميتابيانات  Metadonnées التي تتضمنها الصور والفيديوهات المنشرة في شبكة الانترنت.

لا ينظر بعض الباحثين بعين الرضا إلى هذا الاستخدام لمناهج البيانات، ولا يرون بأن هذه البرامج والتطبيقات ” تدمقرطت”، بل يعتقدون بأنها ” تخصصت” ) ( Marres, 2012, 139–165 ، بمعنى أنها لم تعد حكرًا على مخابر الشركات العملاقة المختصة في المعلوماتية، حيث  أصبح إنجاز بحث إعلامي وفق المناهج الحاسوبيّة في متناول أي كان إن أحسن استخدام العُدّة الرقميّة. وهذا الأمر قد يؤدى إلى الاستغناء عن مراكز البحوث في حقل العلوم الاجتماعية والإعلامية الأكاديمية التي تعاني أصلا من قلة الطلب الاجتماعي عليها وإن كان متفاوتا من بلد إلى أخر.  ويجعل الباحثين في حقول الإعلام والاتصال يواجهون تحديًّا كبيرًا، إذ أصبح المطلوب منهم تطوير أساليب البحث وتقديم إضافات تعجز المناهج الحاسوبيّة عن تقديمها.

نموذج من المناهج الحاسوبية.

لتوضيح خصوصية المناهج الحاسوبيّة، نتوقف عند احدى الطرق التي تعتمد على طريقة التحليل النصي بواسطة إحدى البرمجيات الحرة: Iramuteq – سنشرحه لاحقا.

في إطار مشروع بحثي مشترك فرنسي-ألماني قام ثلاثة باحثين بالبحث عن الطريقة التي تعالج بها الصحف الفرنسيّة مسألة المخدرات متسائلين عن موضوعاتها، وعن “جغرافية المخدرات” من خلال تحليل مضامين الصحف؛ أي الفضاءات التي تتحرك فيها المخدرات والممارسات السياسية ذات العلاقة بها، وتمثّلات الأماكن التي تجري فيها هذه الممارسات Jauffret-Roustide, 2021)  , Le Campion Comelli,  ( .ويزعم أصحاب البحث أن مقاربتهم لهذا الموضوع مبتكرة وقليلة الاستخدام في دراسة المخدرات Drug Studies. إنها تتمثل في القياس النّصّي textométrique للصحافة وتحليلها من أجل استكشاف الأبعاد الجغرافية للمخدرات.

في البداية شرع الباحثون في اختيار عناوين الصحف التي يدرسونها. فانتقوا خمس صحف يومية وطنيّة، وصحيفتين جهويتين بناءً على المعايير التالية: عدد النسخ التي تسحب، وتنوع الخط التحريري، والاهتمام بموضوع البحث، أي المخدرات. وغطى البحث فترة السنوات الخمس التي سبقت تاريخ إنجازه) مارس2018(. وانتقل الباحثون بعدها إلى استخراج المواد الإعلاميّة التي تناولت موضوع المخدرات من بنك المعلومات Europresse  وقد بلغ عددها 10 آلاف مادة صحفيّة.  ثم انتقل الباحثون إلى معالجة البيانات النصية بواسطة برنامج Iramuteq، وهو برنامج حرّ، أي يمكن استخدامه مجانا وتعديله وتطويره وفق خصوصية كل بحث. وتم تشغيله وفق الطريقة المعروفة باسم Alceste،[5] حيث تم تشكيل قائمة من المفردات التي تنتمي إلى المجال المعجمي للمخدرات وتضم: – الأسماء العامة التي تحدد المنتجات (مثل المخدرات ، وعقاقير الهلوسة..(-  أسماء محددة للمنتجات المصنفة كمخدرات (مثل: الكوكايين ، القنب ، الكراك ، إلخ)-  أسماء الأماكن التي يجري فيها الاستهلاك (قاعات استهلاك المخدرات الأقل خطورة ، قاعات الحقن ، وقاعات تدخين السجائر المحشوة بالمخدرات)- وأشكال العلاج- والممارسات المقلّلة من خطر استهلاك المخدرات. أما على الصعيد النحوي، فقد تم الاعتماد على الأفعال، والنعوت، والحال، والأسماء الشائعة. ويكمن الغرض من هذا التصنيف والقياس الإحصائي في استخراج طبقات الخطاب الصحفي.

تم جمع المقالات الرقمية المدروسة المكتوبة في صيغة HTML في ملف واحد Comma-separated – values  ) جدول في صيغة  Excel  ( وفق المتغيرات التالية: المصدر، التاريخ، العنوان، الكاتب . وتم تحويل هذا الملف إلى قالب نص TXT حتّى يُنقل إلى برنامج Iramuteq   حتى يتمكن من تحويله إلى خريطة من الكلمات السحابية التي تقدم الفكرة الأولية عن المعالجة الإعلامية لمسألة المخدرات في الصحافة اليوميّة الفرنسيّة. وتسمح قراءة هذه الخريطة بالإجابة بسرعة عن الأسئلة الأولية التالية: ما هو الموضوع؟ عما نتحدث الصحف؟ وكيف نتحدث عن موضوع المخدرات؟ وفي أي مكان تستهلك؟

حدود المناهج الحاسوبيّة:

من الطبيعي جدًّا أن تعرض هذه المناهج إلى نقد، بل معارضة الباحثين الذين لا يكنون الود للتكنولوجيا الرقميّة إن لم يكونوا معادين لها. لكن النقد الذي طالها لا يتعلق بجانبها الإجرائي الذي يتطلب قدرا من مهارات التعامل مع برامج المعلوماتية، والاستعانة بخدمات المختصين في تكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات الرقميّة، بل ارتبط بأسسها الفكرية والابستمولوجية والأخلاقية التي يمكن التطرق إليها من خلال النقاط التالية:

  • البيانات ليست مرادفا للمعارف:

يرى الكاتب والإحصائي نسيم طالب بأن البيانات الضخمة تحمل الكثير من المعلومات لكن هذه المعلومات تعتبر بمثابة إبرة وسط كومة قش كبيرة جدا)    نقلا عن ستیفنز – دافیدوتس، 39(. ولا ترى الباحثة إيغلونتين سميث في أطروحتها الجامعية أن بمقدور أدوات البيانات الكبرى إنتاج المعرفة، بل بإمكانها المساهمة فيها فقط. ” فامتلاك ذاكرة للتخزين المعلوماتي وآلات حاسبة متفوقة، وبرمجيات لمعالجة الصورة، كلها لا تكفي لإنتاج المعارف. إنها تشكل امتدادا للحاسبات اليدوية أو الإلكترونية القديمة التي كان الباحثون الكميون يعتمدون عليها في السابق لجمع البيانات واستخراج النسب المئويّة. فما تقدمه البيانات الضخمة يجب أن يسيّق، ويؤول، ويدرج في إطار بروتوكول البحث حتى يكتسب دلالة علمية”  ,2018 )  Schmitt (. ففي هذا الإطار يمكن القول إن الآثار التي تجمع وتحلّل لا تتساوى وبالتالي لا تملك الدلالة ذاتها. فالنقر على أيقونة الإعجاب بمنشور ما لا يتساوى مع تعليق صوتي أو مكتوب على المنشور ذاته. وهذا التعليق لا يعادل هو الأخر المشاركة في إنتاج المنشور ذاته. ” وكتابة مقال مطول في مدونة إلكترونية لا يعادل أو يتطابق مع لكز صديق في موقع التواصل الاجتماعي. إذا لا جدوى من التسابق في جمع أكبر عدد من الآثار التي يتركها مستخدمو شبكة الانترنت ومنصاتها لدراستها)     Smyrnaios, Rebillard, 2011 ، Marty ( فالتكميم في بعض الحالات مُضيع للمعنى. مثل تكميم “الإيموجيات”،Emoji التي تتسم بشدة التصاقها بثقافة المجتمع. هذا بصرف النظر عن القول أن توظيف مستخدمي شبكة الانترنت ومنصتها لبعض “الإيموجات” لا يتم دائما بوعي لدلالاتها التي ظهرت في الثقافة اليابانية.

تأسيسا على ما سبق ذكره هل يمكن تحمّيل هذه النقائص للبيانات الرقميّة فقط؟ للإجابة عن هذا السؤال يقول الفيلسوف ميكائل بنسياغ : )إن الخطأ يكمن في التكنولوجيا الرقميّة : فالخوارزميات ذات التعلم الذاتي auto-apprenants وجدت خارج أي معنى. إنها تتبع منطقا ” غير سيميائي”، أي مجردا من المعنى لكونها تطبق في كل المجالات وعلى كل شيء! إنها الآلة التي تنجز العقلانية الفائقة التي لم نكن قادرين على تحقيقها! ) نقلا عن   ,2019 Guillaud    (

المناهج الحاسوبيّة وموضوعيّة البحث:

يزعم البعض بأن هذه المناهج الحاسوبيّة تقضي على مسالة تمثيل مجتمع البحث لأنها لا تكتفي بدراسة عيّنة منه بل تدرس كل مفرداته، وبهذا تكون أكثر موضوعيّة لعدم سقوطها في التحيز الذي قد ينجم عن اختيار عينة البحث. يمكن اعتبار هذا القول صحيحا نظريا، لكنه لا يصمد في اصطدامه بالواقع. لأن كمال المجتمع الذي تدرسه هذه المناهج غير متاح في بيئة الواب؛ بمعنى أن الآثار التي يتركها المستخدمون هي سيل متدفق لا يمكن إيقافه. وما يتلقط للدراسة وفق هذه المناهج يعتبر عينة بهذا القدر أو ذاك.

تجرى البحوث الحاسوبيّة في ظل الولع بالقياس الكمي، والتوجه لإحلال الأرقام محل الحكم الشخصي. الذي يُفهم دائما بأنه ذاتي، وموجه من قبل صاحبه، بينما من المفترض أن تقدم الأرقام والقياس معلومات مؤكدة وموضوعية )  ( Muller,2018,4  تثبت بالتالي موضوعية البحث.

إن ربط الموضوعيّة بالإحصاء هو اختزال مخل بإشكاليتها في العلوم الاجتماعية والإنسانية التي ظلت موضع سجال منذ صدور دراسة ماكس ويبر : ” موضوعية المعرفة في العلوم والسياسات الاجتماعية” في 1904. فالموضوعية لا تعني الحياد، بل ما يميز صحة المعرفة وصدقها. وليست مرادفا للحقيقة، فمثلما يقول إبراهيم واترا )   ,91-128 2017 (أنه يمكن لسرد ما أو نظرية معينة أن تكون ” موضوعية” دون أن تعبر بالضرورة عن الحقيقة. ونعني بذلك أنها تستند إلى مجموعة من الوقائع والملاحظات الحقيقية التي يمكن بلوغها، والتحقق منها. وأنها متسقة مع المعرفة النظرية المتاحة في ذلك الوقت. لكن قد يتضح مع الوقت أنها خاطئة.

إذا، إنّ الأرقام والاحصائيات أدوات غير محايدة  لأنها لا تقيس في آخر المطاف، بل تشكل واقعا مما تقيسه[6]. هذا ما تؤكده أدوات البحث التقليدية، مثلما بيّن ذلك عالم الاجتماع الفرنسي، بيار بورديو، في مقاله المرجعي: الرأي العام غير موجود” ويقصد به أن بحوث استطلاع الرأي لا تعبر عن رأي قائم  وتسعى إلى قياسه بل تحاول إنتاج رأي عام قد يكون غير موجود أو ليس بالضرورة كما تتصوره.) بورديو، 1995، 241-252(

  • المناهج الحاسوبيّة ومنطق السوق:

الكل يعلم أن المناهج الحاسوبيّة تعتمد على البيانات التي توفرها المواقع في شبكة الانترنت أو المنصات الرقميّة ومقدمو خدمات الهاتف والانترنت. وهذا يعني أن هذه الأخيرة توفر بعض البيانات مجانا، وتعرض أخرى للبيع، وتحجب الكثير منها عن الاستخدام العام أو التجاري. وبهذا فإنها تتحكم في هذه البيانات. وإن تملّكت هذه المناهج مجموعة من محركات البحث، وتطبيقات وبرامج رقميّة فإنها لا تفلت من تأثير أصحابها الذين يوجهون، بهذا القدر أو ذاك، استخدامها لأن هذه العُدّة وجدت أصلا لتلبية حاجات السوق، مثلما ذكرنا آنفا، ومن أجل تطويرها تقنيا أو للمشاركة في نظام الرقابة على المستخدمين  2018,139) Proulx, Rueff  (. وحتىّ وإن ابتكرت هذه البحوث برامج وتطبيقات خاصة بها فأقصى ما تقدمه هو تصنيف البيانات وتمثيلها بصريًّا، مثل الكلمات والموضوعات الأكثر تداولا في الميديا الاجتماعية، وعدد الرسائل القصيرة المرسلة ومواضيعها وتوزيعها الاجتماعي والجغرافي، وتكرار تداول صور المرشحين أو برامجهم في الحملات الانتخابيّة على سبيل المثال، وعدد زوار موقع معين في شبكة الانترنت وانتشارهم الجغرافي أو الكلمات أو الشخيصات التي بحث عنها أكثر في محركات البحث، مثل غوغل، وغيرها من المواضيع، وتنتهي بالكشف عن الاتجاهات.  بالطبع كل هذا مفيد جدا لكنه يظلّ في اعتقادنا ناقصا لأن البيانات بحاجة إلى تسييق وتأويل حتى تُفهم.  ولتوضيح أهمية السياق في دراسة الميديا يمكن إيراد المثال التالي: يذكر الفيلسوف الإيطالي أنبرتو إيكو  ) 2010، 87 (  ، الذي اشتغل في الصحافة الإيطالية، أن هذه الأخيرة كانت تستخدم لغة مسننة عن قصد في ستينات القرن الماضي وسبعيناته ليس بغرض إعلام القراء كما تقتضي المهنة ذلك، بل من أجل إرسال رسائل مشفرة إلى لوبيات في السلطة. فجعلت القراء مجرد وسيلة فقط لأن اللغة المشفرة لا تفهمها سوى أقلية في ردهات البرلمان. أما الشعب فلا يفهم منها أي شيء.  فعملية جرد تواتر كلمات هذه اللغات وموضوعاتها وتمثيلها مرئيا في شكل خرائط تكون ذات عائد معرفي ضعيف إن لم تأول في سياق الصراع على السلطة بين اللوبيات في إيطاليا في العقدين المذكورين.

إن المناهج الحاسوبية لا تتكبد في الغالب مشقة تأويل البيانات ممّا يدفعها في الغالب  إلى ” مزجها” وتجرّيب كل ترابطاتها إلى غاية الحصول على نتيجة ذات دلالة إحصائية دون شرح أو تفسير ضروري , 2018-139) Proulx, Rueff  ( . فكثرة البيانات يمكن أن تتيح كل الترابطات التي ” تشع في كل الاتجاهات مما تؤدي بالباحثين إلى الوقوع في نوع من الاستسقاط l’apophénie[7]  الذي اتكأت عليه الباحثتان “دانا بويد” و”كيت كرافورد” في نقدهما للبيانات الضخمة في مقالهما الناقد ذي العنوان الاستفزازي.[8]

تأسيسا على ما سبق تلتحق المناهج الحاسوبيّة بالدراسات الكميّة التي طبقت في البحوث التقليديّة والتي تشرع في القياس أولا ثم تفكر فيما قاسته. ولا تستعين بالأطراف الفاعلة في موضوع البحث لتشاركها التفكير فيما قاسته، مثلما يؤكد ذلك التراث البحثي في العلوم الاجتماعية والإنسانية. وهنا تكمن خشية البعض من توجه هذه المناهج إلى الاستغناء عن العنصر البشري في انجاز البحث، فيترك برمته للآلة الرقمية وما على الباحث سوى استلام النتائج. فمن هذا المنظور تعد المناهج الحاسوبية نسخة جديدة البحث الأمبريقي المجرد من النظام التفسيري السببي، بمعنى أنها لا تبحث عن العلاقات السببية بين المتغيرات ، ولا ترى ضرورة للاهتمام بها.

إذا، الخوف على مصير البحث العلمي على يد المناهج الحاسوبيّة لا يقتصر على الاستغناء على البشر، وتوكيل الذكاء الاصطناعي للقيام به بدل عنهم، بل يمكن أن يقوض أسس المعرفة العلمية في مجال الإنسانية والاجتماعية، والتي ترسخت في الممارسة وفق التسلسل التالي: ” مزج البيانات، أي الآثار التي تمت ملاحظتها في الواقع المدروس، ثم تحويل البيانات إلى حجج تحمل أفكارا عامة تنقل إلى الغير. فالعلم في هذا المستوى، هو مسار من التعميم الذي ينتقل من الأحداث إلى إنتاج الأفكار” ) هووارد سول بيكر نقلا عن Didie، 2018(

كل ما سبق عرضه عن حدود المناهج الحاسوبية هو تمهيد للوقوف على الرأي القائل بأن استخدام هذه المناهج يعفي الباحثين والبحوث الإعلامية من الاتكاء على إي خلفية نظرية. وأبرز منافح على هذا الرأي هو الكاتب “كريست أندرسن” الذي دعا إلى الاستغناء عن النظريات في مقاله المشهور: ” نهاية النظرية، طوفان البيانات جعل المنهج العلمي مهجورا” . ويبرّر ذلك بأن حجم البيانات يغنينا عن الحاجة إلى معرفة لماذا يقوم البشر بما يقومون به. فالمهم بالنسبة إلينا أنه يمكن اقتفاء أثر ما يقومون به وقياسه بدقة وأمانة غير مسبوقة. والكم الكافي من البيانات يتحدث بذاته ولا يتطلب التوقف عن البحث عن نماذج. ويمكن بلوغ ما نبحث عنه دون اللجوء إلى الفرضيات. فيكفي أن نرمي بالبيانات إلى الحاسبات الفائقة التي لم يعرفها العالم من قبل، ونتركها للخوارزميات لتعثر على الظواهر التي يتعذر على العلم بلوغها)  Anderson, 2008  (

1.تؤكد هذه الدعوة إلى دفع المناهج الحاسوبية للتموقع الابستمولوجي في موقع الدراسات الكمية، إذ تؤمن، بشكل عملي، أن موضوعات البحث توجد دائما جاهزة ولا تتطلب من الباحث سوى قياسها وليس بناءها. وعملية بناء موضوع البحث ليس عبارة عابرة، بل تملك ثلاثة أبعاد تأسيسية للبحث، إذ أنها تحيل أولا إلى التخصص المعرفي، إذ يقال، في الغالب أن كل تخصص علمي يبنى موضوعه. وتشكك  ثانيا في المظاهر التي يكتسيها موضوع البحث كما تبرزها الممارسات المؤسساتية والاجتماعية بصفة عامة، ويدل ثالثا  على المقاربة المنهجية التي يتبناها الباحث في معالجة الموضوع 29 )  Pires  , 2007,  (

2.تبدو المناهج الحاسوبية محرومة من البعد التاريخي الذي يمكن أن يساهم في تسليط الضوء على الموضوعات المدروسة، وذلك لأن مواقع التواصل الاجتماعي، مثل الفيسبوك وتويتر، التي تعد من المصادر الأساسية للبيانات الضخمة، لا توفر سوى البيانات الآنية، وتلك التي جرت في الماضي القريب والمرتبطة بأحداث معينة. وإمكانيات هذه المواقع في الأرشفة المتاحة للغير محدودة)  Anderson, 2008  ( . وبهذا يصعب على المناهج الحاسوبية استغلال الآثار الرقميّة الموغلة في القدم.

فهل هذا الأمر يسمح لنا بالقول بأن المناهج الحاسوبية غير تاريخية؟ ولو تجاوزنا مسألة التاريخ ونظرنا إلى الحاضر فهل عزوف هذه المناهج عن تأويل نتائج البحث والانصراف عن استقاء استقراء المعنى مما يقوم به الفاعلون في الظواهر التي تدرسها كفيل بجعل النظرية زائدة دودية في البحث أم أنها توهم الباحثين فقط بأنهم فعلا في غنىً عن أي إطار تفسيريّ للنتائج التي توصلوا إليها؟

نعتقد أن الزعم بعدم الاعتماد على نظرية هو في حقيقة الأمر التزام عملي وضمني بالنظرية. فلو اقتصرنا فقط على التحليل النصي في بحوث الإعلام. فإن طرح أسئلة البحث والاستعانة بالمفاهيم لا تأتي من فراغ، بل يستمد ضمنيًّا، بهذا القدر أو ذاك، من نظرية  معينة تؤثر على تحليل النص الصحفي وتوجهه. والفرق الوحيد أن المناهج الحاسوبيّة لا تذهب إلى أبعد مما تظهره الجداول والرسوم البيانية والغرافيك. وبهذا تعزّز النزعة الامتثاليّة في علوم الإعلام والاتصال وتدعم عقلانيتها الأداتية. فتساهم بفاعلية في تعميق أزمة بحوث علوم الإعلام والاتصال التي لخصها الباحث “ألكس ميتشيلي” في قوله: على الصعيد النظري لم يستطع أحد أن يستخلص بأن هذا المبدأ أو هذه النظرية صالحة في البحث، ويُثبها أو يقوم بتفنيدها بناءً على نظام معرفي. فأغلب بحوث الإعلام والاتصال تبدو وكأنها تجري في فراغ ابستمولوجي ونظري )  Mucchielli, 1996   (.

3.إن الرهانات الأخلاقية التي تطرحها المناهج الحاسوبيّة تكمن في جمع البيانات عن الهيئات والأشخاص دون إذنهم، وحتى علمهم، بما فيها البيانات التي تمس حياتهم الخاصة والحميميّة. وهذا يعدّ اختراقا للحق في الخصوصية. فملاك المنصات الرقميّة في شبكة الانترنت لم يترددوا في تحويل سلوك المستخدمين إلى سلعة، بدليل أن موقع الفيسبوك أجرى تحديثا على خوارزميات موقعه في 2018  لمنح الأولية في شريط أخباره للمبادلات الشخصية المتعلقة بالحياة الخاصة لمشتركيه على حساب نشر وإعادة نشر محتويات وسائل الإعلام.  وهكذا فكل تغيير في خوارزميات المواقع والمنصات الرقمية يؤثر على آليات جمع البيانات التي تعتمد عليها المناهج الحاسوبيّة.

الخاتمة:

لا يجب أن يفهم من كل ما سبق ذكره الدعوة إلى الاستغناء عن المناهج الحاسوبيّة ناهيك عن معاداتها. ففي العصر الذي أصبح القسم الأكبر من تواصل البشر، وتداول المنتجات الإعلاميّة والثقافيّة يتم بواسطة العُدّة التكنولوجيّة الرقميّة لا يستطيع البحث العلمي الإعلامي أن يُفَرِّط في هذه العُدّة التي أصبحت الأداة الفضلى للولوج إلى الفضاء الافتراضي، ومتابعة آثار المستخدمين للكشف عن العالم الذي يصنعونه بممارساتهم المختلفة في البيئة الرقميّة. ويمكن تجاوز حدود هذه المناهج سواء بإضافتها إلى المناهج التقليديّة أو بدفعها إلى تعزيز المناهج الأخرى التي ظهرت في السياق الرقمي، مثل المناهج الافتراضية ) إثنوغرافيا الواب( أو المناهج الرقميّة Digital Methods. ففي نظر بعض الباحثين إن هذه المناهج الأخيرة جاءت لتكمل نقائص المناهج التقليديّة والحاسوبيّة.

أما الفكرة التي مفادها بأن التعاطي مع البيانات الضخمة يقضى على الحاجة إلى النّظريّة لتعميق فهمنا للظواهر الإعلاميّة والاتصاليّة المدروسة فإنها تحتاج إلى مراجعة. لقد بينت مختلف المناهج التي ظهرت في السياق الرقمي أو تطورت في ظله إننا بحاجة إلى نظرية ضخمة Big Theory   ) , 2014 Crutchfield  (لرفع التحدي المعرفي في معالجة البيانات الضخمة Big Data. كما أننا بحاجة إلى تعدّدية منهجيّة لدراسة هذه البيانات وتحليلها. فالكثير من الباحثين ما انفكوا ينسبون أزمة العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، بما فيها علوم الإعلام والاتصال، إلى أزمة المنهج. لأن الأحادية المنهجية أصبحت تقترن بالانغلاق الفكري والدوغماتية .

  •  من المنتظر أن تنشر هذه الدراسة في العدد الثاني من مجلة الرقمنة  التي يصدرها قسم الإعلام بكلية علوم الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر في شهر ديسمبر- كانون الأوّل 2021 ، لكن يبدو أن الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية،  التي سلمت له هذه المجلة لطبعها لا يفرق بين مجلة علمية وكتاب ، فقد طبق عليها  طريقته في نشر الكتب. إنها الطريقة التي اطلعت عليها  بعد تجربة. لقد سلمت للديوان المذكور مخطوطا لنشره. واضطررت إلى سحبه منه بعد ثلاث سنوات من الانتظار. وصرفت النظر نهائيا عن طباعة الكتب بعد العديد من التجارب الخائبة مع الناشرين.

المراجع:

باللّغة العربيّة:

أمبرتو  إ (  2010 ): دروس في الأخلاق، ترجمة سعيد بن كراد، المركز الثقافي العربي، المملكة المغربية.

بورديو .ب (  1995 ): أسئلة علم الاجتماع حول الثقافة، والسلطة، والعنف الرمزي، ترجمة إبراهيم فتحي، دار العالم الثالث.

سبيلا. م ، الهرموزي. ن (  2017 ): موسوعة المفاهيم الأساسية في العلوم  الإنسانية والفلسفة  المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية، المغرب.

ستیفنز – دافیدوتس. س (  2017 ) : الكل يكذب، البیانات الضخمة، والبیانات الحديثة وقدرة الإنترنت على اكتشاف الخفايا، ترجمة أحمد الأحمري، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2017

ميلات. م، و ميليروند. ف ، وميلز. د، وتوث لازكو. غ ( إشراف) (  2021 ):  مناهج البحث في السياق الرقمي، توجه كيفي،  ترجمة نصر الدين لعياضي، قيد النشر

المراجع باللغات الأجنبية:

Bathelot. B (2016) : 5V du big data 01/12/ Consulté le 10 Novembre 2021. https://www.definitions-marketing.com/definition/5v-du-big- data

Boudon, R. (1971) Les mathématiques en sociologie, Paris, PUF

Bouillier. D (2014) sociologie du numérique, 2ém édition, Armand Collin.

Boullier. D (2015) :  Vie et mort des sciences sociales avec le big data, La nouvelle revue des sciences sociales, N0 4. P P19-37. Consulté le 10 Novembre 2021.https://doi.org/10.4000/socio.1259

Bourdeloie H (2013) : Ce que le numérique fait aux sciences humaines et sociales », tic&société Vol. 7, N° 2, 2ème semestre. Consulté le 10 Novembre 2021. DOI : 10.4000/ticetsociete.1500

 Boyd. D, Crawford K (2011) : Six provocations à propos des big data, Traduction de Laurence Allard, Pierre Grosdemouge et Fred Pailler, Symposium, « Une décennie avec internet », Oxford Internet Institute, le 21 septembre 2011, InternetActu, 23 Septembre. Consulté le 2 Novembre 2021. https://urlz.fr/gJoS

Comelli .C, Le Campion.G et Jauffret-Roustide, M (2021) « Le traitement médiatique des drogues dans la presse quotidienne française (2013-2018) », EchoGéo N057. Consulté le 05 novembre 2021. http://journals.openedition.org/echogeo/22277

Crutchfield. J P. (2014):  The dream of theory, Wires Wiley Interdisciplinarity review, Volume 6, Issue 2, March/April, PP 75-79. Accessed , November 15, 2021.https://doi.org/10.1002/wics.1290

Didie. E (2018) : La preuve sociologique, le 30 mai, Revue la vie des idées, Consulté le 15 Novembre 2021. https://laviedesidees.fr/IMG/pdf/20180530_didierbecker.pdf

Guillaud. H (2019) : Défaire la tyrannie du numérique ? Internetactu.net du 23/10. Consulté le 14-11-2021.http://www.internetactu.net/2019/10/23/defaire-la-tyrannie-du-numerique/

Hine.C ( 2005) :Virtual Methods Issues in Social Research on the Internet , Berg.

Marketplace (2016) : Lumière sur… les 6V du Big Data du 9 septembre. Consulté le 10 Novembre 2021. https://www.e-marketing.fr/Thematique/data-1091/Breves/Lumiere-Big-Data- -308562.htm

Marres. N (2012) : The redistribution of methods: on intervention in digital social research, broadly conceived  The Sociological Review, 60:S1. PP. 139–165  accessed September 5, 2021. DOI: 10.1111/j.1467-954X.2012.02121.x

Marpsat. M (2010) : « La méthode Alceste », Sociologie [En ligne], N°1, vol. 1.  Consulté le 12 novembre 2021. http://journals.openedition.org/sociologie/312

Marty. E, Smyrnaios N , Rebillard. F (2011). A multifaceted study of online news diversity: issues and methods : in RamÓn Salavería : Diversity of Journalisms, Proceedings of the ECREA Journalism Studies Section and 26 the International Conference of Communication ( CICOM) at University  of Navara, Pamplona 4-5 July

Muller Jerry Z :  The tyranny of metrics, Princeton University Press, 2018

Mucchielli. A (1996) « Pour des recherches en communication », Communication et organisation N0 10. Consulté le 15 Novembre 2021. https://doi.org/10.4000/communicationorganisation.1877    Ouattara, I. (2017). L’objectivité dans les sciences historiques : entre mythe, exigence et idéal. Regards interdisciplinaires sur l’histoire    Volume 48, numéro 2 , Université de Moncton,), Consulté le 21/11/2021.https://doi.org/10.7202/1061869ar

Pires Alvaro (2007)  De quelques enjeux épistémologiques d’une méthodologie générale pour les sciences sociales”, Consulté le 20 Novembre 2021. http://classiques.uqac.ca/contemporains/pires_alvaro/quelques_enjeux_epistem_sc_soc/enjeux_epistem_sc_soc.html

 Press. G (2013) : A Very Short History Of Big Data », Forbes,‎  may 9. Accessed November 9,2021.  https://www.forbes.com/sites/gilpress/2013/05/09/a-very-short-history-of-big-data/?sh=47117a765a18

Proulx. S, Rueff.J (2018): Actualité des méthodes de recherche en sciences sociales sur les pratiques informationnelles, Centre des études sur les médias, Université Laval , Québec ,  Novembre

Savage, M. and Burrows, R (2007): The coming crisis of empirical sociology’, Revue of Sociology, vol 5, N0 41. PP 885–899 accessed November 9,2021. 0.1177/0038038507080443

Schmitt. E (2018) : Explorer, visualiser, décider : un paradigme méthodologique pour la production de connaissances à partir des Big Data , thèse de doctorat en épistémologie, l’Université de technologie de Compiègne  Paris

Schmidt. S (2015) : Les 3 V du Big Data : Volume, Vitesse et Variété, Le Journal du Net, le 31-05. Consulté le 10Novembre 2021. https://www.journaldunet.com/solutions/analytics/1102057-les-3-v-du-big-data-volume-vitesse- et-variete/

Stiegler B. (2014) : Pharmacologie de l’épistémè numérique », dans Stiegler B. (dir.), Digital Studies, Organologie des savoirs et technologies de la connaissance, Fyp Editions,

Venturini .T, cointet. J P (2014) : Méthodes Digitales approches quali/quanti des données numériques , Réseaux n° 188. PP 9-21. DOI :10.3917/res.188.0009

الهوامش والإحالات:

[1] – الأمر يتعدى الجزائر ليشمل كل البلدان العربية تقريبا. فالنقاش في الفضاء الأكاديمي كان في الغالب خاضعا لمنطق المناهج، ولم يرتق إلى مستوى المنهجية التي نعتقد أنها تربط المناهج بالنظريات، وتضع البحث العلمي في قلب الابستمولوجيا هذا إذا استثنينا بعض الملتقيات أو المقالات التي طرحت مسألة العلوم الإجتماعية والإنسانية العربية أو الإسلامية التي نعتقد أنها تندرج في إطار انشغال أيدولوجي أكثر منه علمي.

[2] – نتجت هذه الخريطة عن إجراء مقابلات مع 24 باحثا ناطقا باللغة الفرنسية من علم الاجتماع والاتصال وعلم الادارة والذين مارسوا البحث في السياق الرقمي. فما أدلوا بها يمثل تجاربهم.

[3] – لأخذ فكرة عن  تحليل المتابيانات  يمكن الاطلاع على :

نتالي كزماجور : التحليل المرئي للواب: مقاربة الأدلة الجنائية لميتا بيانات الصور، منشور في ميلات. م، و ميليروند. ف ، وميلز. د، وتوث لازكو. غ ( إشراف) )  2021 (:  مناهج البحث في السياق الرقمي، توجه كيفي،  ترجمة نصر الدين لعياضي، قيد النشر ، ص 243-258

[4] –    يستخدم مصطلح  الختم الزمني horodatage-  timestamping  – أنظر كيفية توظيفه في البحث التالي:

Larsson, Anders Olof :’Tweeting the Viewer—Use of Twitter in a Talk Show Context.  Journal of Broadcasting & Electronic Media 57(2), 2013, PP 135-152. Accessed November 3,2021.DOI:10.1080/08838151.2013.787081

-[5]  لشرح هذه الطريقة بشكل بسيط ومختصر يمكن القول أن هذه الطريقة ظهرت في 1979 على يد ماكس رينيت Max Reinert وتستعمل في العلوم السياسية والاتصال والإعلام والتسويق والتسيير واللسانيات.  وتتمثل هذه الطريقة في التحليل المفصل لمعجم عينة النصوص المختارة، ومنه يتم تشكيل قاموس الكلمات وجذورها اللغوية، ثم يتم تقطيع النص إلى مقاطع منسجمة تحتوى على عددا كافيا من الكلمات، ثم يتم تصنيف هذه المقاطع بتعيين تعارضاها القوي. وتسمح هذه الطريقة باستخراج طبقات المعنى التي تشكلها الكلمات والجمل الأكثر دلالة. وتمثل هذه الطبقات الأفكار والتيمات المسيطرة في عينة النصوص المدروسة التي تبرز في شكل رسوم بيانية وخطية.

Maryse Marpsat, « La méthode Alceste », Sociologie [En ligne], N°1, vol. 1,   2010, mis en ligne le 09 mai 2010, consulté le 12 novembre 2021.http://journals.openedition.org/sociologie/312

[6] –  هذا مأ أثبته عالم الاجتماع الفرنسي  ميشال كولون في مجال النشاط الاقتصادي، نقلا عن:

Paul du Gay and Michael Pryke  Cultural Economy Cultural Analysis and Commercial Life Sage Publication, UK , 2002 , P12

[7] – مرض إدراكي يُعرّفه الطبيب السويسري المختص في علم الأعصاب ، بأنه نوع من الإدراك التلقائي الذي يستخرج الدلالة  من ظواهر لا علاقة بينها.، أي منح معنى مخصوص للأحداث العادية والمألوفة من خلال إقامة علاقة بين الأشياء دون مبرر.

[8] –   العنوان هو: ست استفزازات بخصوص البيانات الضخمة، أنظر:

Danah B,  Crawford K, op cité

                                                  الرأي العام وانزياح السؤال

نصر الدين لعياضي

افتتاحية العدد 8 – المجلة الجزائرية لبحوث الإعلام والرأي العام ، مجلة فصلية محكمة  تصدر عن قسم علوم الإعلام والاتصال، بجامعة عمار ثليجي – الأغواط- الجزائر

في الوقت الذي تتيح لنا عُدّتنا التكنولوجيّة التقييم والحكم بطريقة أسرع من ظلنا، نحتاج إلى أن نكون أكثر انتقادًا لأنفسنا من أي وقت مضى.                    إريني رينولد : مؤسس المدونة الإلكترونية إلى أين يمضي الواب؟

دأب المسؤولون الذين تداولوا على إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزة الجزائريّة في مطلع ثمانينات القرن الماضي، ثم المؤسسة الوطنيّة للتلفزيون لاحقا، على الرد على الانتقادات التي توجه إلى ما يبثّونه من برامج إلى ترديد الجملة المقتضبة التالية: أصْبروا حتّى تُسْبروا”. لقد أرادوا أن يقولوا لنا عبر هذه الجملة أنهم لم يدخروا جهدا لتقديم ما يعتقدون أنه يرضى المشاهدين في ظلّ غياب عملية سبر أو استطلاع آرائهم! وأنّهم سيعملون على تلبية جميع متطلبات وأذواق الجمهور بمجرد القيام باستطلاع رأيه ومعرفة ما يفضله، وإلى ذلكم الحين ما علينا سوى الصبر. ولو سحبنا هذا القول على الوضع الحالي، فلا بد لنا من الكثير من الصبر حتى نصبر إلى غاية أن نُسبر.

لا يمكن أن نعتبر ورود هذه الجملة من باب التبرير فقط، بل يجب النظر إليها باعتبارها تتضمن تصورا لقياس آراء المشاهدين ودوره في “تجويد” البرامج التلفزيونيّة.  وإن كان البعض يعتقد أن هذا التصور لا يجانب الصواب إن نظرنا إليه في المطلق، فإن البعض الأخر يرى أنه لا يصمد بمجرد اصطدامه بالواقع العملي، بدليل أن برامج التلفزيون المذكور ظلّت على حالها، بل تراجعت بعد حصول المؤسسة الوطنيّة للتلفزيون على استطلاع رأي المشاهدين الذي طلبته من المركز الوطني للدراسات من أجل التخطيط  (CENEAP)[1] في تسعينات القرن الماضي.

لا يجب أن يُفهم مما سبق ذكره أنني أزكي غياب مراكز استطلاعات الرأي شبه التام في الجزائر أو أشجع على عدم التعويل عليها أو استصغر قيمة عملية “سبر” الآراء في ظل تزايد دقتها نتيجة تطور العُدّة التقنيّة لقياسها. إن الغاية مما ذكرناه هو لفت الانتباه إلى انزياح النقاش في الفضاءات الأكاديمية إلى القضايا الإجرائيّة والتقنيّة في استطلاعات الرأي وقياسه وانصراف التفكير عما يجب قياسه، ولماذا نقيسه ولأي غاية.

عندما نستعرض محتويات مقياس الرأي العام في العديد من اقسام الإعلام والعلوم السياسية في الجامعات العربية، نلاحظ قلة التركيز على العلاقة بين الرأي العام والفضاء العمومي، وحتّى غيابه، وكأن الرأي يمكن أن يوجد ويعمّم؛ أي يصبح عاما، بمنأى عن الفضاء العام أو الفضاءات العمومية. لقد دفعت المدرسة الوضعية إلى الاقتناع بأن وجود الرأي العام هو تحصيل حاصل، ومن البديهيات السياسية والإعلاميّة الكونيّة، ولا يتطلب سوى تصنيفه واستعراض سيماته وأنواعه، والتذكير بتاريخه ودوره في حياة الشعوب والدول، وتقديم طرائق قياسه. وهذا دون التركيز على ماهية الرأي وكيف يتشكل؟ وآليات تعميمه؛ أي تحويله ليصبح عاما. فالقليل من برامج تدريس الرأي العام في البلدان العربيّة انطلقت من النقاش الذي أثير في سبعينات القرن الماضي ونعتقد أنه لازال يحتفظ بوهجه، والذي شارك فيه العديد من الباحثين في العلوم السياسية وعلم الاجتماع، منهم على سبيل المثال وليس الحصر فليب كونفرس [2] الباحث الأمريكي في العلوم السياسيّة، وبيار بورديو[3] الباحث الفرنسي في علم الاجتماع، ولويك بلونديو الباحث الفرنسي في العلوم السياسيّة.

فند بيار بورديو وجود الرأي العام كما تعتبر عنه عمليات استطلاع الرأي انطلاقا من الفرضيات الثلاث الأساسية، وهي.[4]

  • يفترض كل استطلاع الرأي بأنه بإمكان أي فرد أن ينتج رأيًّا: قد يقول البعض أن هذه الفرضية لا تملك أي قيمة معرفية، لأن كل صحائف الاستبيان لا تتجاهل الذين لا يدلون برأيهم لأسباب شتى، ومنها عدم القدرة على تقديم رأي. إن المسألة لا تتعلق “بتحايل” نتائج استطلاعات الرأي على المبحوثين الذين لم يفصحوا عن رأيهم، بل ترتبط بظاهرة أعمق وأكثر تعقيدا. فلا وجود لرأي من فراغ، ووجوده مرتبط بموضوع معين أو قضية محددة أو تصريح أو فكرة أو موقف. وهذا يعني لابد من امتلاك معرفة مسبقة عن هذا الموضوع أو القضية أو الفكرة حتى نشكل رأيّا عنه. وهنا تطرح مسألة آليات تكوين هذه المعرفة، ومدى مصداقيتها، وقدرات الأشخاص المختلفة على ولوج هذه المعرفة والاستفادة منها. فالحصول على معلومات عن موضوع معين لا يعني بالضرورة معرفته.
  • الآراء لا تتساوي: إن جمع الآراء وتحويلها إلى قيمة إحصائية في عملية استطلاعها تتم بناءً على اقتناع بأنها ذات وزن وقيمة متساوية، وتملك دلالة واحدة. وهذا يعني أن استطلاعات الرأي تفقر بعض الآراء الثريّة وتسطحها من خلال الاصطفاف  وفق الثنائيّة التاليّة: نعم/لا، موافق/ معارض، إلخ…
  • طرح السؤال عن موضوع واحد على الجميع، يعني التسليم بوجود اجماع مسبق بين من يُسألون عن هذا موضوع بالذات، وأنه يشغلهم جميعا. وهذا الأمر يجانب الصواب، فلو سلمنا ورقة وقلم لأي شخص وطلبنا منه أن يسجل الموضوع الذي يشغله لوجدنا عددا من المواضيع يضاهي عدد من طلبنا منهم ذلك.

دون أن نقدم تفاصيل الحجج والشواهد التي استند إليها بيار بورديو في بناء فرضياته هذه يمكن القول أنّ “لويك بلونديو” استند إليها لتثبيت ركائزه [5] في نقده للتعريف التبسيطي لمفهوم الرأي العام. الركائز التي تغذت من الجدل الذي واكب ظهور مؤسسة “غالوب” لاستطلاعات الرأي العام في الولايات المتحدة، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية إلى غاية تسعينات القرن الماضي والذي شارك فيه على وجه الخصوص كل من هربرت بلومر( 1948) [6] ولندسي روجرز[7] ) 1949 ( ، وينيجر جمس)  1992 ( [8]. ومن هذه الركائز نذكر باختصار:

العقلانية: التي ترى أن الرأي العام يجب أن يكون مستنيرا ومطلعا، ويتمتع بالحرية والحق في الإعلام وحاصل على المعلومات الضرورية، وقادرا على التعبير عنها، بينما استطلاعات الرأي تتوجه بالسؤال إلى أشخاص لم يفكروا قط في موضوعه في السابق ولا يملكون رأيًّا للإجابة عنه.

النشر: إن الرأي العام هو تعبير عن مسار من المواجهة في ظل التفاعل بين المواقف والآراء والانطباعات ولا يمكن أن يكون عبارة عن تكميم وجمع للآراء.

الطابع الفعلي: نظرا للصراعات الدائرة في المجتمعات وما تفرزه من أفكار متعددة ومتباينة وذات دلالات مختلفة فمن غير الصواب أن نقوم بجمعها والقول أنّها تمثل الرأي العام.

الأصالة: يؤخذ على استطلاعات الرأي أنها توحي بأنها تعبر عن رأي عام تلقائي بينما الواقع ينفي أي تلقائية في استقصاء الآراء.

ومن هذه المرتكزات تغذى النقد الموجه إلى استطلاعات الرأي العام الذي تزعم وسائل الإعلام أنها تعبر عنه بينما تتوسله، أي تحوله إلى وسيلة. لقد ذهل كولن ليموان[9]، مؤرخ الفنون، من كثرة استطلاعات الرأي التي تنشر في الصحف وتبث عبر محطات الإذاعة والقنوات التلفزيونية يوميّا في البلدان الديمقراطية، فحذر من “استبدادها” لأنها أصبحت تقدم، في نظره، الأرقام التي تحاكم الأحداث الجارية ومعها تاريخنا الذي يمضي. فلا تجزئي، بل تقسم وتخلق الخلافات التي تجعل هؤلاء الذين يعبرون عن رأيهم بنعم يعارضون أولئك الذين يقولون لا. أما الذين لا رأي لهم فتصفهم بالضعاف أو الفاترين. ليس هذا فحسب، بل يتهم الكاتب ذاته استطلاعات الرأي بإنهاك الديمقراطية وتفريغها من محتواها، إذ يؤكد ” بأن هذه الاستطلاعات ليست مادة للتفكير، بل لإنهاء التفكير في موضوع ما أو فكرة معينة أو وضع حد لها. إنها تستدعي الاحصائيات عندما تتعثر الكلمات أو تهرب، وتعالج نطق الأرقام عندما يتلعثم الفكر”.[10]

هل يفهم من كل هذا النقد للاستطلاعات الرأي الدعوة إلى الكف عن مناقشة أشكال قياس الرأي العام والاعتكاف على التفكير في ماهيته وإعادة تعريفه؟  كلا، إنها تحثّ على إعادة التفكير فيه وقراءة تجلياته في السياق الرقمي بكل ما يثير قياسه من إشكاليات ورهانات معرفيّة وأخلاقيّة معاصرة. ونتمنى أن تساهم المجلة الجزائرية لبحوث الإعلام والرأي العام في هذا المجال انطلاقا من الانتقادات والتحفظات على ممارسات استطلاع الرأي العام، خاصة وأن المناهج الحاسوبيّة  Big Methods، التي أصبحت تهدد وجود مراكز استطلاعات الرأي، والطرق التقليديّة لقياسه من خلال اعتمادها على جمع وتحليل الآثار الرقميّة التي يخلفها مستخدمو شبكات الانترنت ومواقع التواصل والتي تكشف عما يفكرون به بخصوص هذا الموضوع أو ذاك وعن سلوكهم وتصرفاتهم تجاه هذا الحدث أو ذاك وعن أحاسيسهم ومشاعرهم وانشغالاتهم واهتماماتهم، وأذواقهم ومشترياتهم. باختصار إنها تقدم ما تعجز عن تقديمه عمليات استطلاع الرأي التقليديّة بأسرع طريقة، وبأقل كلفة مع هامش كبير من الاستقلالية، وبعيدا عن النزعة الذاتية التي تشوب تصريحات المبحوثين في صحيفة الاستبيان أو المقابلات البحثية لأنها تستند إلى الأفعال- الممارسات عبر العُدّة الرقميّة- أكثر من الأقوال. وبهذا ترد على الكثير من الانتقادات التي وجهت إلى عمليات استطلاع الرأي التقليديّة التي ذكرنا بعضها أعلاه، بل أنها تعيدنا إلى نقطة البداية لنطرح السؤال من جديد: ما هو الرأي العام في ظل تشذر الممارسات الإعلاميّة وتعدّد حواملها، وتجدّد الفعل السياسي عبر وسائط متعدّدة ومتنوعة أمام رسوخ مفاهيم سوسيو سياسية، مثل ” التوحد الرقمي” Homophily وفقاعة التصفية” Filter Bubble ، و” غرفة الصدى ” Echo Chamber” ؟

المراجع والإحالات:

[1] –  حلّ هذا المركز محلّ الجمعية الجزائريّة للدراسات الديمغرافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة AARDES التي أنشئت في 1963. وانتقل إلى وصاية وزارة الداخلية بعد أن كان تابعا لوزارة التخطيط والتهيئة العمرانية

[2] – Philip E. Converse: Attitudes and non-attitudes: continuation of a dialogue, in Tufte, Edward R : The qualitative analysis of social problems, Reading, Addison-Wesley Pub. 1970,

[3] – Bourdieu P. L’opinion publique n’existe pas, Les temps modernes, n°318, janvier 1973 (pp 1292-1309)

[4] – وضعنا بمعية طلبة الماجستير في معهد علوم الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر في مطلع تسعينات القرن الماضي مقال بيار بورديو المذكور أعلاه على طاولة التشريح في مقياس وسائل الإعلام والرأي العام، ونشرناه في المؤلف التالي:

نصر الدين لعياضي، مساءلة الإعلام، المؤسسة الجزائرية للطباعة، 1991

[5] – Blondiaux L. Ce que les sondages font à l’opinion publique, Politix, vol. 10, 37, 1997/1, Télévision et politique, p. 117-136.

[6] – Herbert Blumer, «L’opinion publique d’après les enquêtes par sondages» [1948], in Padioleau (J. G.), dir., L’opinion publique, examen critique, nouvelles directions, Paris-La Haye, Mouton, 1981.

[7] – Lindsay Rodgers , The Pollsters. Public Opinion, Politics and Democratic Leadership, New York, Alfred Knopf, 1949

[8] – Beniger (James.), «The Impact of Polling on Public Opinion : Reconciling Foucault, Habermas and Bourdieu», International Journal of Public Opinion Research, 4 (3), 1992

[9]– Colin Lemoine:  De la tyrannie du sondage, Le monde du  27.02.2013

[10] – Idem

التفكير مع ماكلوهان ضد الماكلوهانيّة في عصر الميديا الرقميّة

نصر الدين لعياضي

The Reflection with McLuhan against Mcluhanism in the age of digital media

Nacer Eddine Layadi

Abstract

This study puts forward another reflection with McLuhan against McLuhanism in the era of digital media. It involves a re-reading of the foundations of   McLuhan’s thought expressed in his works. It focuses on presenting the reasons for the rediscovery of McLuhan in the contemporary era, while trying to question what writers and other researchers still pretend. Indeed, they are convinced that the great changes in the media today are an evidence of the accuracy of McLuhan’s outlooks.

Moreover, this study tries to figure out the place that McLuhan occupies in the teaching of information sciences and communication in the Arab world which serves to improve the media research

Key Words

The dual message, The media ecosystem, Technological Determinism, The Media Device, The affordance, Discarnate Man, Medium Theory

ملخص:

تتضمن هذه الدراسة دعوة إلى التفكير مع ماكلوهان ضد المكلوهانية في البيئة الرقمية. وتطالب  بمراجعة أبرز مرتكزات فكر ماكلوهان التي تضمنها منشوراته. لقد حاولت تقديم الأسباب التي أدت إلى إعادة اكتشاف” ماكلوهان” في العصر الراهن . ودفعت إلى مساءلة ما يزعمه الكثير من الكُتاب والباحثين الذين يرون أن ما تعيشه الميديا اليوم من تحولات في البيئة الإعلاميّة يثبت صحة ما تنبأ به ماكلوهان في حياته.

وتحاول هذه الدراسة أن تبيّن، أيضا، مكانة مكلوهان في الدرس الإعلامي العربي بما يخدم تطور البحوث الإعلاميّة في المنطقة العربيّة.

الكلمات المفتاحية: الرسالة المضعفة، البيئة الإعلامية،الحتمية التكنولوجية ، الإنسان غير المجسم”، القدارة، المنظومة الإعلاميّة، نظرية الوسيط

المقدمة:

ماذا لو أمتد العمر بالباحث الأمريكي “إليهو كاتز”، فما عساه أن يقول عن ماكلوهان بعد أن تزايد الاهتمام بأفكاره؟ لقد قال عنه في  1987: ( الآن، بعد أن أصبح “مكلوهان النيزك”[1] بعيدا، يجب أن نأخذه مأخذ جد). لقد فرضت عودة السجال من جديد  حول أفكار ماكلوهان التي توحي بميلاد ماكلوهانية جديدة ” New Macluhanism [2]، التعامل مع كتاباته بكل جدية وبصيرة. هذا ما يستشف من جهود بعض الباحثين، مثل” جوشوا ميرويتز” ، الذي بعث الحياة في تراث ماكلوهان من خلال أطروحته العلمية: “لا معنى للمكان”[3]، والتي قدم فيها تصورا متكاملا لما أحدثته وسائل الإعلام الإلكترونيّة من تغيير في المجتمعات على الصعيدين الاجتماعي والثقافي. وحاول فيها الفصل في الرهان على نهاية أفكار ماكلوهان  نتيجة التراجع في استخدام التكنولوجيا التناظريّة التي كرس الكثير من حياته للتنظير لها.

لقد مرت 41 سنة بعد أن غيّب الموت ماكلوهان، وهي مدة كافية لإعادة التفكير في مؤلفاته بترو. لقد كانت مهمة الباحثين في علوم الإعلام والاتصال في ستينات القرن الماضي وسبعيناته يسيرة،  إلى حد ما، إذ اقتصرت على فهم أفكار ماكلوهان، لاسيما وأن البعض اعتبرها معقدة جدا. أما اليوم فقد أصبحت مهمتهم  أعسر، إذ ليس المطلوب فحص أفكاره فقط للتحري في صحة ما يدعيه بعض الباحثين، مثل القول أن تنبؤات مارشال ماكلوهان لم تكن مفهومة قبل ظهور “الميديا الجديدة،[4] أو بعبارة أدق أن تنبؤاته أصبحت اليوم أكثر وضوحا ومستوعبة بشكل أفضل مما كانت عليه بيئة الاتصال التناظري[5]، وأن أفكاره تنطبق على الثّقافة الإعلاميّة المعاصرة بشكل أفضل وتلائم اندماج التكنولوجيا المتنقلة في حياتنا اليوميّة،[6] بل يجب اليوم الكشف عن الرهانات العلمية  لــ” الماكلوهانيّة في البيئة الرقميّة.

تتسم كتابات ماكلوهان بالتعبير المكثف عن أفكاره في جمل أو فقرات قصيرة تحولت إلى أقوال مأثورة. وتتميز بالاستخدام المفرط للاستعارات “الساحرة”، مثل “الإنارة في، والإنارة على” من أجل التمييز بين التلفزيون والسينما. و” الإنسان غير المجسم” « Discarnate Man »  للحديث عن مستخدم الهاتف، والمتحدث في الإذاعة والتلفزيون، والفضاءين “الصوتي والإلكتروني”  للكشف عن الاختلاف بين بيئة الاتصال الشفهي والاتصال البصري[7]. وأفرط في الاستنتاجات المدهشة كالإقرار مثلا بأن المصباح  الكهربائي وسيط – حامل- بدون محتوى أو محمول! وأن الكهرباء هي متا وسيط Meta medium [8] لأن جلّ وسائط الاتصال تعتمد عليها، وينتفي وجودها بدونها، وأن الكتاب أكثر مرؤئية من التلفزيون.[9] واستند في نظريته إلى التطابقات والتشبيهات التاريخيّة “الجريئة”، مثل تشبيه عصر ما قبل الحروف الهجائية بعصر الاتصال الإلكتروني[10]. وانفرد ماكلوهان باسقاطاته التاريخيّة من خلال ربط بعض الظواهر بوسائط الاتصال، كالقول مثلا أن النمط الخطي الذي فرضته المطبعة أثر على مختلف الممارسات الاجتماعية حتّى على طريقة اصطفاف التلاميذ في المدرسة، وعلى جلوسهم في القاعة بشكل خطي بعد أن كانوا يجلسون متحلقّين في التعليم الديني الذي ساد في عصر ما قبل المطبعة![11] ولم يلجأ ماكلوهان إلى البحوث الأمبريقية لإثبات صحة حدسه الافتراضي أو أطاريحه “النظرية”. ولم يستعن بما توصلت إليه البحوث الإعلامية الأمبريقية في عصره، بل لم يتردّد في وصف روادها في الولايات المتحدة الأمريكيّة بعدم المعرفة، إذ رأى أنهم } ضحية جهلهم الابستمولوجي في تحليلهم للتلفزيون ( بالنسبة لولبر شرام) والإذاعة ( بالنسبة لبول لازرسفيلد). واعتبر نفسه مجدّدا للبحوث في مجال الميديا”{.[12]

إذا تأسيسا على  استعارات ماكلوهان التي تشي بتنبؤاته في مجال الإعلام والاتصال يمكن أن نفترض ، على غرار ما ذهب إليه “رو باتريك”[13]، وجود اختلاف كبير، في بعض الأحيان، بين بلاغة خطاب ماكلوهان ومختلف تأويلاته. هذا إن لم نؤكد بأن أفكاره تعرضت التشويه،[14] وقُوِلت ما لم تقله[15] لاسيما في الدرس الإعلامي العربي. لقد  توجت هذه التأويلات بإلصاق بعض النعوت بماكلوهان مثل نبي الميديا[16]، ونبي الانترنت[17]، والفيلسوف[18]، ومُنَظِّر الميديا[19] و”الفنان”[20] و”القديس”[21]. هل تفصح هذه النعوت على أننا أمام شخص متعدد الأوجه أم أنها تعبر عن غياب التوافق في تحديد مكانة ماكلوهان  في بحوث الإعلام والاتصال؟ مهما كانت الإجابة عن هذا السؤال فإنها تعجز عن إخفاء اللبس الذي اكتنف بعض أفكار مارشال ماكلوهان. لذا نتسأل هل ساهمت البيئة الإعلاميّة الرقميّة في إزالة هذا اللُّبْس وكشفت عن خطورة تأويلات خطابه، وأكدت صواب القوانين التي اعتقد أنها تتحكم في الميديا الاجتماعية؟ وما هي القيمة المعرفيّة التي تقدمها أفكار ماكلوهان اليوم لفهم التحولات التي يعيشها قطاع الإعلام والاتصال؟ وما هي مكانة ماكلوهان في الدّرس الإعلامي  في المنطقة العربيّة؟ وهل ساعدت أفكاره فعلا في تطوير هذا الدرس؟

التموقع الابستمولوجي والمنهجي 

تتطلب الاجابة عن هذه الأسئلة والتحري في صحة الافتراض المذكور أعلاه، تسليط الضوء على أبرز مرتكزات أطروحات ماكلوهان ومناقشة بعض تأويلاتها في ظل التحولات التي تعيشها البيئة الإعلامية الحالية، والافصاح عن اختيار تموقعنا الابستمولوجي في براديغم البناء الاجتماعي للتكنولوجيا ” SCOT” Social construction of technology “وما يفرضه من مقاربة استقرائية ، وبراديغم التعقد Complexity Paradigm. ويختلف هذان البرديغمان جذريًّا عن براديغم الحتميّة التكنولوجيّة لأننا نعتقد أن أي قراءة نقديّة ” للماكلوهانية ” تكون قاصرة ما لم تقم بتفكيك آليات التفكير التي تدير براديغم الحتميّة التكنولوجيّة وكل الحتميات؟

انطلق عالما الاجتماع الأمريكيين “تريفور بنش” و”ويب بيجكر” في صياغتهما لبراديغم “البناء الاجتماعي للتكنولوجيا” من نقدهما للتفكير الخطي للمسار التعاقبي والمتواصل للتكنولوجيا، الذي يؤمن بأن للعلوم سلطتها المحايثة على المخترعات التقنيّة. وتملك هذه المخترعات بدورها سلطة محايثة تؤثر على الناس فيستسلمون لها بشكل كامل فتعيد صياغة المجتمع. وركزا  تفكيرهما على أن التكنولوجيا ليست معطى خارج المجتمع، بل إنها ثمرة بناء اجتماعي يجب دراسته بدل القيام بتحليل التأثير الاجتماعي للتكنولوجيات.[22] فإذا كانت التكنولوجيا عبارة عن علبة سوداء فيجب النفاذ إلى داخلها من أجل استيعاب كيف يؤثر العامل الاجتماعي على صياغتها وصقلها وتكييفها.[23] ولا يمكن اختزال العامل الاجتماعي في سياق الاستخدام الفردي للتكنولوجيا في راهنيته لكونه يجمع حزمة من التفاعلات التي يتدخل فيها الموروث الثقافي والتنظيم الاجتماعي بتفرعاته. وينتهي البناء الاجتماعي للتكنولوجيا إلى الاقتناع بجدليّة التأثير المتبادل بين العُدّة التكنولوجيّة والمستخدمين في السياق الاجتماعو سياسي للاستخدامات.

يؤكد “إدغار موران” بأن ” هدف البحث عن منهج ليس العثور عن مبدأ موحد لكل معرفة، لكن في الإشارة إلى بروز الفكر المعقّد الذي لا يختصر في العلم أو الفلسفة، بل يكمن فيما يسمح بتواصلهما الداخلي وتشغيل حلقات الحوار بينهما”[24]. ففهم الظاهرة الإعلاميّة والاتصاليّة في بيئة رقميّة سريعة التغيير تتداخل فيها العديد من المتغيرات وتتفاعل، مثل العُدّة التقنيّة، والاقتصاد، والسّياسّة، والقانون، والاجتماع (الجماعة، والبُنى الاجتماعيّة والثقافيّة)، وإرادة الفرد ورغباته ( حاجاته ودوافعه ومزاجه النفسي)، ويتطلب فكرا معقّدا يطلق التفكير التبسيطي والاختزالي السببي.

لقد وضع ” أسامة بويس”[25] مجموعة من المبادئ للفكر المعقّد نعتقد أنها تنطبق، بهذا القدر أو ذاك، على التفكير في بيئة الاتصال الرقميّة، منها التخلي عن الخطاطة الذهنيّة الموروثة من الماضي واستبدالها بتلك المالكة للقابليّة على إدراك التغيير وتقبله، والربط ( ربط وجهات النظر، والتخصصات،  ومستويات التحليل) وعدم الاختزال ( الإلمام بمختلف الأبعاد )، واستبدال معطى الحوار بمعطى التناقض، وتجاوز ثنائية العون/ البنيّة لدراسة الظواهر قصد الانتقال إلى تقديم صورة ثلاثية الأبعاد للظواهر الإعلاميّة والاتصاليّة.

مارشال مكلوهان ومصادر إلهامه:

التحق مارشال مكلوهان ( 1911-1980)  بجامعة كامبرج بالمملكة المتحدة لدراسة الأدب. وعاد إلى موطنه، كندا في 1944 لتدريس الأدب الإنجليزي في كلية بوندرسور بأنتاريو، ثم في جامعة طرونتو. وابتعد عن تدريس الأدب بعد أن هُمِش ليتجه إلى دراسة وسائل الإعلام، فأسس مدرسة طورنطو للاتصال بكندا، بمعية أريك هفلوك، وإيدموند كربونتي، وأصبح من أبرز مفكريها.

توجد العديد من المصادر التي تظافرت في تكوين شخصية ماكلوهان الفكرية، أولهما هو دراسته للنقد الأدبي الحديث الذي أتاح له الاطلاع على أهمية الإدراك في تشكيل ثقافة المرء. إذ اعتقد أن ( الحس المرئي ينتمي إلى نمط التفكير المنطقي والخطي بينما يرتبط الاحساس السمعي بعالم حدسي أكثر شمولية.)[26] وقادته دراسته الأدبيّة إلى الاهتمام بالشاعر “جيمس جويس”، ساحر الكلمات، ومفجر اللّغة. فتأثر بأسلوبه الثري بالدلالات الذهنية. وهذا ما تجلى في باكورة أعماله: “العروس الميكانيكية، فلكلور الرجل الصناعي” الذي صدر في 1951 وقدم فيه نقدا اجتماعيا للمجتمع المعاصر من خلال استجلاء المعاني المتلبدة في الإعلان والشريط المرسوم والنصوص الصحفية.  وثانيهما اطلاعه على كتابات المؤرخ “لويس ممفورد”، لاسيما كتابه: “التقنيات والحضارة” الذي نشره في 1934. لقد ساعده هذا الكتاب على فهم تطور التكنولوجيا ودورها التاريخي في المجتمعات. وثالثهما، وهو الأهم، يتمثل في لقائه بعالم الاقتصاد، هارولد إنيس، في نهاية أربعينيات القرن الماضي، الذي انشغل بدور المؤسسات في احتكار المعرفة بفضل الاتصال. لقد حاول هذا العالم التفكير في دور وسائل الاتصال في بروز الحضارات المهيمنة من خلال مكانة الوسيط في المكان ( الفضاء) والزمن. لقد رأى بأن ألواح الفخار، على سبيل المثال، تحافظ على التقاليد لصعوبة تغيير ما يكتب عليها ونقلها، فلا تسمح بممارسة السلطة بالوكالة. وهذا خلافا لورق البَرْدِيّ الذي يتسم بخفته مما يسهل نقله وتبديل ما يكتب عليه. ويُمكّن من بسط السلطة على العديد من الأقاليم وفرضها.[27] ويعتقد البعض أن ماكلوهان تأثر بكتابي هارولد إينس: “الأمبراطورية والاتصالات”، و”تحيز الاتصال”، إلى درجة يمكن اعتبار كتبه: “مجرة غتنبرغ” بمثابة تهميش في أسفل صفحاتهما.[28]

مرتكزات الفكر الماكلوهاني.

تصب مختلف كتابات ماكلوهان في إشكالية العلاقة بين البشر والتكنولوجيا التي شدّت اهتمام الكثير من الباحثين. فوظف أطروحة “هارولد إنيس” التي تعتمد على عنصرين: الفضاء والزمن، لتفسير دور وسائط الاتصال في نشوء الامبراطوريات واستمرارها. لقد آمن ماكلوهان بأن كل وسيط يملك خصائص تسمح له بالتحكم في احد العنصرين المذكورين. ومن أجل ديمومة الامبراطوريات يجب إحداث التوازن بين الوسيط الذي يروم التحكم في الفضاء، والوسيط الذي يسعى إلى إعادة إنتاجه عبر التحكم في الزمن مستثمرا  الخصائص التالية: الخفة/ الثقل، والديمومة / شدة الزوال.[29] وإن كان ماكلوهان استوحى أطروحاته من تبعات هذه الثنائية على النظام المركزيّ، وبسط النفوذ، واحتكار المعرفة، والسرعة في نقل الأوامر والمعلومات، فإن  قوة مقاربته تكمن في فكرة التحول الذي يطرأ على الوسيلة وما تحدثه من تغيير في البيئة في الوقت الذي كانت البحوث الإعلاميّة عاكفة على دراسة قدرتها على نقل الرسائل،[30] وتحليل مضمون ما تنقله.

من الصعوبة بمكان تلخيص جلّ أفكار مارشال ماكلوهان التي تضمّنتها كتبه ومقالاته التي حررها في مجلة ” إكسبلوراسن” Explorations [31]، ومقابلاته الصحفية. لذا سنكتفي بعرض أبرز أطروحاته في المحاور المتداخلة التالية:

  • من الوسيط “Medium” كامتداد للإنسان إلى البيئة الإعلاميّة:

آمن ماكلوهان بأن “الوسيط هو امتداد للإنسان”.[32] ولم يحصره في وسائل الإعلام التي تحظى بالإجماع، مثل الصحيفة، والمجلة، والمذياع، وجهاز التلفزيون، بل رآه في كل وسائل النقل والمواد والتجهيزات التي تمدّد حواس الإنسان، وتوسع نشاطه. ووصفها بأنها امتداد للإنسان لكونها تتوسل بإحدى مؤهلاتنا البدنيّة أو الحسيّة.

في تأويل مقولة ” إن الميديا امتداد للإنسان” في البيئة الرقميّة ذهب بعض الكتاب، مثل “لفينسون” و”لوغان” إلى التأكيد على ” إن مستخدم الميديا الاجتماعي أصبح عبارة عن محتوى “، أي أن الانسان الذي يستخدم الواب 2، على سبيل المثال، قادر على إنتاج المحتوى أو يساهم فيه،[33]بل أن الانسان ذاته تحول إلى ميديا، وهذا يحيلنا إلى كتاب”  نحن الميديا.[34]

وعندما يتحدث ماكلوهان عن الوسيط Medium فيقصد به البيئة أحيانا والتي تعنى أن ظهور أي ميديا جديد يخلق بئته الخاصة التي تسعى إلى تغيير شروط الإدراك الحسي الخاص الذي يميز هذه الثقافة.[35] وغني عن القول أن هذا المعنى الذي منحه ماكلوهان للبيئة الإعلامية، في سبعينات القرن الماضي، يختلف عن المعنى الذي اكتسبته في مطلع الألفية الحالية، ( أي أنها منظومة الفاعلين، والتكنولوجيات، ومحتويات المنتجات في مجال مخصوص أو المتعلق بموضوع معين).[36]

في انتقاله من التفكير في الوسيط Medium  إلى البيئة الإعلاميّة توصل ماكلوهان إلى فكرة هامة جدًّا مفادها أن كل ميديا لا تولد مكتملة، بل تسعى في بدايتها إلى استعمال محتويات الميديا التي سبقتها وحتّى لغتها. وهذا ينطبق تماما على كل وسائل الإعلام تقريبا. لقد لخص أول معد لشبكة البرامج في التلفزيون الفرنسي في 1946 هذه الفكرة في الجملة التالية: ” إن التلفزيون يتوجه بإمكانيات الإذاعة إلى جمهور ينتظر منه أن يقدم له ما يعادل السينما.”[37] وبالتدريج تستقل الميديا عما سبقها من وسائط الاتصال بعد أن تفرض خصوصيتها؛ أي تشكل بيئتها الخاصة.

2-الرسالة المُضَعَّفة:  على الرغم من الطابع المطاطي الذي يتسم به تعريف ماكلوهان للوسيط Medium، إلا أنه تضمن فكرة أصيلة، لم يلتفت إليها مجايلوه أو من سبقوه إلى الدراسات الاتصاليّة والاعلاميّة، تجسّدها المقولة التاليّة: ” إن الوسيلة هي الرسالة”. لقد شكلت هذه المقولة مركز الثقل في فكر ماكلوهان. ففي الوقت الذي هيمنت فيه المدرستان: الوظيفيّة والسلوكيّة على بحوث الإعلام والاتصال لغاية سياسيّة ( الدعاية) أو تجاريّة ( الإعلان)، طرح ماكلوهان  }إشكالية ظلّت غائبة عن بحوث زمانه وترتبط بعلاقة أنماط الاتِّصَال في المجتمعات. لقد وُرد الوسيط Medium في مخطط الاتِّصَال الذي وضعه “هارولد لازويل ” بَيْد أنّ معظم النظريّات لم تركز عليه، ولم تسأل قط عن البعد التقني المحض في الاتِّصَال الاجتماعيّ. لقد ظلّ الوسيط ( الوسيلة) ، بشكل ما، علبةً سوداء تُركت مهمة شرحها وطريقة تشغيلها وبثّها لمؤرخي التّقنيّة والمهندسين}.[38]

لتوضيح فكرته هذه ضرب مرشال ماكلوهان مثلا بمصنع الصناعات الميكانيكيّة الذي يؤثر على عماله وعلى المجتمع بصرف النظر عما ينتجه، بل أن تأثير وجوده في حد ذاته يكون أكثر أهمية من تأثير منتجاته[39]. ففي هذا الإطار يمكن أن نفهم كيف ربط ماكلوهان المطبعة بتشكل القوميات ونشوء الإمبراطوريات ( الرومانية على سبيل المثال) والحروب “الدينية” في القرن السادس عشر.

إن الميديا من منظور ماكلوهان تتضمن في الغالب رسالة مضعفة. فالقول بأن ” تأثير الوسيط medium قوي وكثيف لأننا مَكَّناه من وسيط ثان كـ “محتوى”. فمحتوى الفيلم هو رواية، أو أوبيرا . وتأثير الفيلم لا علاقة له بمحتواه.[40]

  • من الخصائص التاريخيّة للميديا إلى الخصائص الميدياتيكيّة للتاريخ“.[41]

لم تكن غاية ماكلوهان التحقيب التاريخي لوسائل الاتصال، بل سعى إلى الكشف عن التحول الذي أحدثته وسائل الاتصال في نماذج الإدراك لدى البشر وتأثيرها الاجتماعي والثقافي على المجتمعات. لذا

قسم التاريخ البشري إلى ثلاث مراحل أساسية انطلاقا من هيمنة وسيلة الاتصال في كل مرحلة، وهي:  المرحلة الشفوية، تسيطر فيها الكلمة، التي يعتبرها ماكلوهان أول ميديا وأول تكنولوجيا في تاريخ البشرية، والتي تنجز التواصل عن طريق الصوت. لقد سيطرت فيها حاسة السمع لإدراك الكلام، وشكلت بذلك الفضاء الصوتي الذي يمنح له ماكلوهان الكثير من الأهمية في تفسير العديد من الظواهر العلميّة، مثل الهندسة الإقليديّة.

ومرحلة الكتابة والطباعة ( مجرّة غتنبرغ) : تشكل الكتابة في نظر ماكلوهان مرحلة انتقال حاسمة في تاريخ البشريّة إذ ازاحت هيمنة الاتصال السمعي لصالح الاتصال المرئي: بروز الثّقافة المرئيّة بعد الثّقافة السمعيّة التي رسخت أكثر بفعل اكتشاف المطبعة التي مكنّنت الثّقافة. وعملت على توطيد التَّصَوُّر الخطّيّ للزمن والفضاء، ورسخت التّفكير العقلانيّ، وأحدثت التخصصات المعرفيّة، وأقامت نظاما من التراتيب الاجتماعيّة في المجتمع، وساهمت في تطوير القوميات وتعزيز الديمقراطيّة.

وأعادت وسائط الاتصال الإلكترونيّة البشريّة إلى مرحلتها الأولى، وفق ما ذهب إليه ماكلوهان،؛ أي المرحلة الشفويّة. فدمجت ما شذرته المطبعة. وبعثت أشكال التنظيم الاجتماعي القديمة ممثلة في القبيلة. فالميديا الإلكترونيّ لا يعتبر في نظر ماكلوهان امتدادا لحاسة واحدة، مثل القول أن الكتاب امتداد للعين، والكلام امتداد للأذن، بل أنه عبارة عن شبكة عصبية بأكملها.[42] فالثّقافة المرئيّة والسمعيّة سمحت ببعث النزعة الجماعيّة والمصلحة العامة التي تشكل “القرية العالميّة.[43] بالطبع، لقد تجلّت صورة هذه القرية لماكلوهان في مجرّة ” ماركوني” عبر التكنولوجيا التناظريّة. فماذا عن هذه القرية في ظل التكنولوجيا الرقميّة؟ يعتقد الكثير من الباحثين أن التكنولوجيا الرقميّة، وشبكة الانترنت تحديدا، جعلت من هذه القرية واقعا ملموسا.[44] وبهذا تحققت تنبؤات ماكلوهان.

لم يطعن الباحث “روبرت لوغان” في التقسيم الذي وضعه ماكلوهان لوسائل الإعلام ، بل حاول تكيّيف أفكار هذا الأخير مع التطور التكنولوجي ما بعد العصر الإلكتروني، واقترح إضافة مرحلتين إليه، وهما: مرحلة الاتصال عبر الميمات memes قبل المرحلة الشفويّة، ومرحلة “الميديا الجديدة”. ففي نظره إنّ الاتصال الإلكترونيّ الذي تحدث عنه ماكلوهان يشمل عصر الاتصال الجماهيري، وعصر التكنولوجيات الرقميّة التفاعليّة[45].

يعتقد ديريك دي كيركوف [46]، من جهته، أن التأمل في الميديا الرقميّة يساعد على فهم حدود  أفكار ماكوهان،  ويدعو إلى الاستعانة بها في الوقت ذاته للمضي إلى أبعد ما وصل إليه ماكلوهان. واقترح إضافة مرحلة رابعة، وهي مرحلة اللا سلكي wireless  التي تستند إلى الوظيفيّة التقنيّة للميديا الرقميّة، والتي تُحَرِّر الجسد من إكراهات الوقت والمكان بإدماج مستخدميها في المسار الإعلامي.

ومن “مجرة ماركوني” استوحي ماكلوهان استعارة ” الإنسان غير المجسم” لدلالة على أن الشخص الذي يتكلم عبر الهاتف أو الإذاعة يتحول عبر هذا الجهاز إلى مجرد صوت دون بدن. ويصبح الذي يتحدث في التلفزيون مجرد صوت وصورة ! لقد أُوِلت هذه الاستعارة وكُيّفت مع البيئة الرقميّة لتدلّ على مقدرة التكنولوجيا الرقميّة على جمع أكبر عدد من البيانات عن مستخدم الانترنت من خلال ما يخلفه من آثار في إبحاره في هذه الشبكة. وأضحى باستطاعة محركات البحث وتطبيقات التجسّس في الانترنت جمع أكبر عدد من البيانات التي تشكل “المستخدم غير المجسم”.[47] وفي إطار هذا المعنى استلهمت بعض الاستعارات التي تؤكد سيطرة التكنولوجيا على الانسان، مثل: الإنسان الرقمي[48]Homo Numericus ، و” الإنسان العاري”[49] ، والإنسان وثيقة كأي وثيقة أخرى.[50]

  • تصنيف وسائل الإعلام: صنف مارشال ماكلوهان وسائل الإعلام إلى صنفين، ساخنة Hot وباردة Cool. واستند في تصنيفه هذا إلى مدى مشاركة الجمهور بحواسه في تعامله مع الوسيلة. فتلك التي تتطلب مشاركة ضعيفة من قبل المتلقي – الجمهور- وهي ذات مستوى عال من الوضوح صنفت بأنّها ساخنة  على غرار الإذاعة، والطباعة، والصور الفتوغرافية، والأفلام، والقراءة، لكونها تركز على حاسة واحدة تسخنها وتخدر بقية الحواس؛ بمعنى أن الحواس تفقد توازنها في استخدامها. وهذا خلافا للوسيلة الباردة التي تتطلب مشاركة قوية، مثل الهاتف، والخطابة، وأفلام الكارتون، والتلفزيون، التي تستدعي كل الحواس. وتحقّق توازنها. لقد توصل ماكلوهان من تصنيفه هذا إلى نتائج مذهلة، إذ يقول على سبيل المثال بأنّ التلفزيون يجذب، ويقود انتباهنا بشكل مكثف يكاد يكون تنويمي، فيتفاعل إحساسنا وعقلنا معه عبر الإنارة والبلورات الزجاجيّة.[51]

عودة الاهتمام بنظرية ماكلوهان

توجد العديد من العوامل التي نعتقد أنها ساعدت على عودة الاهتمام بأفكار ماكلوهان إلى درجة بات الاعتقاد راسخا بـ “إعادة اكتشاف” ماكلوهان في العصر الحالي. سنقتصر على ذكر عاملين فقط يبدوان غير مفصليين، وهما:

  • تطور التكنولوجيا الرقميّة: في استحضار دور العامل التقني في عودة نجم مكلوهان إلى السطوع لا يسعنا سوى القول ما أشبه اليوم بالبارحة. يرى الكاتب الأمريكي “سدني فنكلستين”[52] بأن قطاعا واسعا من الأمريكيين كانوا  يعيشون في ستينات القرن الماضي حالة شديدة الاضطراب إن لم تكن أزمة، نتيجة تنامي القلق الكبير الذي انتابهم من تجدّد الحرب الساخنة والباردة والتسابق نحو التسلح، وتزايد البطالة والخوف من تفشيها بعد أتمتة الإنتاج، وسطوة التلفزيون على المجتمع والإدمان على مشاهدة برامجه السطحية والمبتذلة… وكانوا يتساءلون: هل أن التطور التقني الذي يعيشونه يخدم ازدهار البشرية أو يسبب خرابها؟ لقد وجدوا في كتاب ماكلوهان: كيف نفهم وسائل الإعلام؟  الإجابة التي تطمئنهم، وهذا ما يفسر كثرة الإقبال عليه ساعة صدوره. إذا كان الناس يخشون من سطوة التلفزيون في العقد السادس من القرن الماضي، فقد بدأوا يخشون من سطوة  شبكة الانترنت وتطبيقاتها، التي لا تكف عن التطور، في مطلع الألفية الحالية. هكذا عاد  الاهتمام بأفكار ماكلوهان لعلها تهدئي من روعهم.[53]

حقيقية، هناك من يعتقد أن الميديا التي تحدث عنها ماكلوهان في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لا وجود لها اليوم، لذا لم يكن باستطاعته التكهن بالكمبيوتر وتطبيقاته[54] وما تحدثه من تغيرات على الصعيدين الماكرو والميكرو اجتماعي لكن الكثير من الكُتّاب انصرفوا إلى سحب ما قاله ماكلوهان عن المطبعة، في بداية اختراعها، والهاتف والتليغراف والإذاعة والتلفزيون في ستينات القرن الماضي وسبعيناته على شبكة الانترنت والمنصات الرقميّة، ورأوا أنها تجمع كل هذه الوسائط. وبلغ الحماس بتلميذه الوفي، ” ليفينسون  بول”، ” درجة أنه لم ير ماكلوهان إلا في صورته الرقميّة. [55]

-2 انتشار الفكر ما بعد الحداثي: لم تكن لمؤلفات ماكلوهان تأثير على الأوساط الأكاديميّة الأمريكيّة التي انشغلت بالاتصال والإعلام إلا بعد أن تبناها منظرو ما بعد البنيويّة وما بعد الحداثة الفرنسيين    في مطلع سبعينات القرن الماضي. حقيقة، لقد اعترف ماكلوهان بأن كتاباته لا تمت بأي صلة لبنيويّة “دو سوسير”، ويعارضها جملة وتفصيلا، لكن الباحث الأمريكي ” دونالد ثيال”[56] رأى أن مؤلفات ماكلوهان تشكل كتابات ما قبل البارثية ( نسبة إلى رولان بارث) والدريدية ( نسبة إلى جاك ديريدا)  الليوتارية ( نسبة إلى فرنسوا ليوتار) والبوردرالية ( نسبة إلى جون بورديار). ولشرح هذه الفكرة يمكن القول أن مكلوهان نشر كتابه “العروسة الميكانيكية” في1951، أي قبل أن ينشر رولان بارث ” مؤلفه: مثيولوجيا” في 1956، لكنهما تشابها بشكل مذهل، فكلالهما تضمن نقدا اجتماعيا من خلال معالجة وقائع الحياة الثّقافة الشعبيّة وتأثيرها على المجتمع. لذا وصف ماكلوهان بأنه “بارثي” قبل رولاند بارث. واعتقد “جون فكيت”[57] أن جاك دريدا استعار الكثير من الموضوعات والمفاهيم التي تناولها مارشال ماكلوهان في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، مثل “التمركز العقلي Logocentrism، والتمركز الصوتي Phonocentrism، والحروف الصوتية وأثرها، والتتابع الخطي linearity الكابح للفكر متعدّد الأبعاد، والحس المتزامن simultaneity synaesthesia. لذا أعتبر ماكلوهان بأنه ” داريدي” قبل الأوان.  وبناء عليه تسأل الباحث “باتريس فليشي”[58] قائلا: ألا يعتبر ماكلوهان، في أخر المطاف، أول مفكر في تيار ما بعد الحداثة؟

أكد بعض الباحثين على تأثر بودريار بماكلوهان- لذا قيل أن ماكلوهان “بودرياري” قبل الأوان – لكن الباحثة “مرجوري فرغيسون”( Marjorie Ferguson ) استنتجت بأن بودريار } نقل حتميّة ماكلوهان التكنولوجيّة إلى عدميّة تقنيّة (…) وقد نتج عن هذا النقل نموذجا أكثر حتميّة لم يتنبأ به ماكلوهان قط. فوسائل الإعلام فائقة الواقعية أورلية ( نسبة إلى “جورج أورويل”) في العالم الشمولي والاستبدادي الذي وصفه في روايته الشهيرة )}.[59]

وعاد الاهتمام بأفكار ماكلوهان أيضا بعد أن تأسست، مجموعة “الميديولوجيا” La médiologie من نخبة من الكُتّاب والفلاسفة والفنانين الفرنسيين، مثل “دانيال بنيو”، و” لويز مرزو”، و” كاترين برتو-لافنير” بقيادة الفيلسوف “رجيست دو بري”، التي اهتمت بالوساطة التقنيّة والعديد من المواضيع والأفكار التي تضمنتها كتابات ماكلوهان، لاسيما موضوع الوسيط Medium  التي نحتت منه اسمها. وعلى الرغم من أن “رجيست دو بري” أكد بأن مشروع ” الميديولوجيا” لا صلة له بأطروحات مكلوهان، ووجه نقدا لاذعا لهذا الأخير، إذ وصفه ” بالنبي الدجال، والمُشَوَش والمُبَهْرج “[60] إلا أنه سعى ومجموعته إلى إضفاء الطابع “الميدياتيكي على التاريخ البشري”. فقسمه إلى ” لوغوسفير” Logosphere و”الغرافو سفير” Graphosphere و” الفيديو سفير”  Videosphere محاكيا في ذلك التقسيم الماكلوهاني للتاريخ البشري إلى المراحل التالية: ” العصري الشفاهي، و” مجرّة غتنبرغ” و” مجرّة ماركوني”.[61]

ماكلوهان في الدرس الإعلامي “العربي”:

للبحث عن موقع ماكلوهان في الدّرس الإعلامي العربي استبعدنا من الدراسة الكتب المترجمة إلى اللّغة العربيّة هي قليلة جدا. واعتمدنا على عينة قصديّة من الكتب قوامها 32 كتابا، يعتبر الكثير منها مرجعًا في تدريس نظريات الإعلام والاتصال في كليات وأقسام الإعلام في المنطقة العربيّة. ولم نعثر سوى على ثمانية كتب فقط! تطرقت، بهذا القدر أو ذاك، إلى مارشال ماكلوهان وأطروحاته، كما هو مبيّن في الجدول التالي:

المرجع التعريف ملهمو مكلوهان أطروحات مكلوهان مرتكزات النقد
نظريات الإعلام والاتصال الجماهيري[62] التعريف بماكلوهان هارولد أنيس

سيغفريد غيديون

لويس مفورد

§   الوسيلة هي الرسالة

§   الوسيلة امتداد للإنسان

§   مراحل في تاريخ وسائل الاتصال

§     وتطور المجتمعات

الأسس العلمية لنظرية الإعلام[63] التعريف بماكلوهان هارولد أنيس

سيغفريد غيديون

لويس ممفورد

§   الوسيلة هي الرسالة

§   وسائل الإعلام امتداد

§   مراحل تطور وسائل الاتصال

§   تصنيف وسائل الإعلام: ساخنة/باردة

نظريات الاتصال [64] §   تصنيف وسائل الإعلام ساخنة/باردة

§   مراحل تطور وسائل الاتصال

نقد رشارد دبلاك : القرية العالمية.[65]
نظريات التأثير الإعلامية[66] عرفت بنظرية وسائل الاتصال كامتداد للحواس وليس نظرية ماكلوهان §   وسائل الاتصال امتداد لحواس الإنسان

§   الوسيلة هي الرسالة

§   تصنيف وسائل الإعلام: ساخنة- باردة

نقد رشارد دبلاك : القرية العالمية
نظريات الاتصال[67] عرفت كنظرية التأثيرات التراكمية هارولد أنيس §   وسائل الاتصال امتداد لحواس

§   مراحل تطور وسائل الاتصال

§   الوسيلة هي الرسالة

§   تصنيف وسائل الإعلام: ساخنة/باردة

نقد رشارد دبلاك : القرية العالمية
نظرية الحتميّة التكنولوجيّة[68] عرفت كنظرية الحتميّة التكنولوجيّة §  طبيعة وسائل الإعلام

التي يتصل بها الإنسان تشكل المجتمعات أكثر ممّا يشكلها مضمون ما تبثه

§   ذكر مراحل تطور وسائل الاتصال

§       تصنيف وسائل الإعلام

§       وسائل الإعلام امتداد لحواس الإنسان

§       الانجراف التكنولوجي

نقد رشارد دبلاك : القرية العالمية

التفاعلية تنفي تصنيف مكلوهان لوسائل الإعلام

واستبدال حتمية بأخرى

الاتصال الجماهيري والاعلام التطور الخصائص والنظريات[69]   §   من قرية ماكلوهان العالمية إلى المدينة العالمية لبرجنسكي

§    شرح مراحل تطور وسائل الاتصال

§   الوسيلة هي اللغة ؟

نقد مفهوم القرية العالمية والدعوة إلى مراجعتها نتيجة التشتت والانعزال بفعل التكنولوجيا
الاتصال ، المهارات، والنظريات، واسس عامة[70]   §   شرح مراحل تطور الاتصال

§  الرسالة هي الوسيلة

§  تصنيف وسائل الإعلام

لا ندري لماذا استبعدت أطروحات ماكلوهان من 24 مرجع يتعلق بتدريس نظريات الإعلام والاتصال؟ هل أن مصممي الخطة الدراسيّة في أقسام الإعلام وكلياته تجنبوها عن سهو أو لاعتقادهم أنها فقدت أهميتها ، وأن التطور التكنولوجي تجاوزها، علما أن هذه المراجع اهتمت بنظرية القذيفة أو الطلقة السحريّة وتأثير وسائل الإعلام المطلق.

على ضوء قراءة ما كتب عن ماكلوهان في الكتب المذكورة في الجدول، استنتجنا ما يلي:

  • إن القسم الأكبر من محتوى ما كُتِب عن أطروحات ماكلوهان مكرّر ومستنسخ من مؤلف جيهان رشتي.[71] ومن المحتمل أن يكون البعض لم ينسخها مباشرة من هذا المؤلف، بل نسخها من مصدر ثالث نسخها بدوره من المؤلف المذكور. والنتيجة أنه تم تدوير المعلومات ذاتها في أغلب الكتب المدروسة !
  • لا تساعد الكتب المدروسة على معرفة ماذا قال ماكلوهان بالضبط، وربما السبب في ذلك يعود إلى ضعف توثيق ما تضمنته من معلومات، إن لم نقل غيابه في بعضها. فهناك تداخل، إن لم يكن خلطا، بين ما نسب إلى ماكلوهان دون ذكر المصدر، وبين ما كتبه البعض عن ماكلوهان، وبين ما يفكر فيه صاحب الكتاب عما قاله ماكلوهان ![72]
  • يتفق الكثير من الكُتَّاب والنقاد على أن أفكار ماكلوهان تعرضت إلى التأويل حتى من لدن الناطقين باللّغة الإنجليزيّة وفي أوساط أبناء الثقافة الأنجلوساكسونية[73]، مما يبعد تهمة سوء ترجمة كتبه أو ضعفها. لقد فسر بعضهم مقولته المشهورة : ” الوسيلة هي الرسالة”، على سبيل المثال، بأن الرسالة لا قيمة لها في الإعلام والاتصال[74] أو لا تضاهي أهمية الوسيلة! وأن “القرية العالميّة” هي صنيعة التلفزيون.[75] وإن كان التأويل حقا مشروعا في البحث العلمي، فإنه يوسع الهوة الفاصلة بين قصد المُؤلِف والمعنى الذي يستخلصه المُؤَوِل إلى درجة نسف ما أراد المُؤلِف قوله أو تقويل هذا الأخير ما لم يقله. وهذا ما حدث إلى حد كبير، مع الكتب التي درسناها.[76]
  • تنظر مختلف الكتب التي درسناها إلى ماكلوهان بعيون جيهان رشتي. لقد أصدرت هذه الأخيرة كتابها في 1978، أي قبل عشر سنوات من صدور كتاب ماكلوهان: “رباعيّة قوانين الميديا”[77] الذي يعد كتابا مهما للتقييم الملموس لنشاط وسائل الإعلام. لذا، لم تتضمن الكتب في العينة المدروسة أي إشارة إلى هذه الرباعيّة. ولم تلتفت إليها المقالات العلمية التي كتبت باللغة العربية محاولة الحديث عن ماكلوهان اليوم![78]
  • لم يسع الدّرس الإعلامي العربي، مع الأسف، إلى الاستفادة من مساهمات بعض الكُتّاب العرب الذين استعانوا ببعض أطروحات ماكلوهان في كتاباتهم على غرار عبد الله الغذامي،[79] وعبدالسلام بنعبد العالي.[80]

6-   لم يشر أي مرجع من المراجع التي اعتمدنا عليها كعينة في هذه الدراسة  إلى كتاب ماكلوهان  الوحيد الذي ترجم إلى اللّغة العربيّة:  كيف نفهم وسائل الاتصال؟[81] بعد أحدى عشر سنة من صدور نسخته الأولى باللّغة الانجليزيّة! فهذا الكتاب، الذي بفضله اكتسب ماكلوهان شهرته العالمية، لم يتلفت الدارسون العرب إلى طبعته العربيّة، فأصبحت نسيا منسيًّا ! وبالتالي لم تؤد إلى بعث النقاش عن “الماكلوهانية” في الفضاءين العربيّن: الأكاديمي والصحفي. وهذا خلافا لترجمة كتابه “مجرّة غنتبرغ” إلى اللّغة الفرنسيّة بعد سنة فقط من صدوره بلغته الأصليّة. لقد دشنت هذه الترجمة النقاش عن ” الماكلوهانية” في فرنسا، وساهمت في استلهام رواد ما بعد الحداثة الفرنسيين من أفكار ماكلوهان في كتاباتهم، مثلما ذكرنا آنفا.

وما وُجِه من نقد إلى أطروحات ماكلوهان في الكتب التي درسناها، على قِلَّته، يكرّر، هو الأخر، النقد الذي وجهه “ريتشارد بالك” إلى مقولة “القرية العالمية، إذ يرى أنه (لم يعد لها وجودا حقيقيا في المجتمع المعاصر، موضحا ذلك بأن التطور التقني الذي استند إليه ماكلوهان عند وصفه للقرية العالمية استمر في مزيد من التطور، وأدى إلى تحطيم هذه القرية العالمية وتحوليها إلى شظايا، مبينا أن العالم الآن أقرب ما يكون إلى البناية الضخمة التي تضم عشرات الشقق السكينة يقيم داخلها أناس كثيرون، وكل منهم يعيش في عزلة ولا يدري عن جيرانه الذين يقطنون معه في البناية).

وانفرد كتاب واحد [82] في نقد كتابات ماكلوهان انطلاقا من بعض ممارسات البيئة الرقميّة التي أضحت “حسا مشتركا” في الدّرس الإعلامي، مثل التفاعليّة والتشتّت والانعزال، بيد أن هذا النقد لا يخرج عن منطق الحتميّة. فإبراز ظاهرة التشذر والعزلة الاجتماعيّة ونسبها إلى عامل وحيد وهو التكنولوجيا، والحديث عن الانجراف التكنولوجي يدعمان رؤية ماكلوهان المعظمة للتكنولوجيا وسطوتها في المجتمع، وإغفال دور هذه التكنولوجيا يعني، أيضا، الهروب من حتمية إلى أخرى.

واعترض كتاب واحد[83]من الكتب المدروسة على تصنيف وسائل الإعلام إلى باردة وساخنة، بالقول أن التطور التقني، مثل التلفزيون التفاعلي يطعن في هذا التصنيف.[84]

لم تغامر جيهان رشتي وتنقد بعمق أطروحات مكلوهان، بل أشارت بنغمة يشوبها الاعتذار، بأنها لم تقدم أفكار ماكلوهان منظمة (لأن ماكلوهان نفسه يؤمن بالتعمق والاستكشاف أكثر من ايمانه بتقديم تعريفات نهائية. لهذا ، نادرا ما يقدم أي فكرة من أفكاره على أنها حقيقة قاطعة. فنادرا  ما يبلور مكلوهان فكرة من أفكاره حتى تكتمل، وهو يحتقر الأدلة التي يتم التوصل إليها بالأساليب العلمية للبحث لأنه يشعر أن الأبحاث متحيزة لصالح المطبوع والسطري). [85]

وحتى نعفي جيهان رشتي من كل اعتذار أو حرج نشير إلى أن أفكار مكلوهان لم تكن أبدا منظمة ومتسلسلة إذ وصفت كتابته للتاريخ البشري بالفسيفساء[86]. لقد رسم، في كتابه كيف نفهم وسائل الإعلام؟ ( جدارية لتاريخ البشرية، بثوراته العرقيّة وبالتطور في اللّغة والتقنيات والاختراعات والفنون والعلوم. وعرض هذا التاريخ بشكل مشوش، فَقَرّب العصور والمواضيع المتباعدة جدًّا وكأن هذا التقريب أفرزته آلة مجنونة تعمل على استعادة الزمن ).[87]

ولم يلجأ أي كتاب من الكتب التي درسناها إلى وضع مقولات ماكلوهان على محك التاريخ الثقافي والإعلامي في بعض البلدان العربيّة. فلم نعثر على أي تحليل للعوامل التقنيّة والدينيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة التي أخّرت طباعة المخطوطات العربيّة في البلدان العربيّة.[88] لذا لا يمكن تعميم ما ذكره ماكلوهان عن دور المطبعة في أوروبا وتطبيقه في المنطقة العربيّة بعد أن وصلتها على يد القوات الاستعماريّة. ولم نعثر أيضا في الكتب المدروسة على بداية تشكل “مجرّة غتنبرغ” في المنطقة العربيّة على غرار ما قام به “فرانس فانون”، على سبيل المثال. لقد درس تطور علاقة الجزائري بالمذياع قبل الثورة التحريريّة وإبانها بشكل دقيق يدحض ما طرحه ماكلوهان عن الإذاعة.[89] ولم تناقش الكتب المدروسة أطروحات مكلوهان على ضوء الدراسات الميدانيّة التي أجريت في بعض البلدان العربيّة، على قِلّتها. فلم يكن تصور هذا الأخير للصحيفة والكتاب والتلفزيون، والأفلام السينمائية، حتّى في مجازيته، ينطبق على تصور الجزائريين في القرى والأرياف لهذه الوسائط في مطلع الستينات والسبعينات من القرن الماضي. ولا يتطابق حتّى مع نظرة السلطة السّياسيّة لوسائل الإعلام آنذاك، لأن علاقة هؤلاء الجزائريين بوسائل الإعلام كانت صنيعة المصادفة والظروف العابرة نظرا لضيق ذات اليد وانتشار الأمية[90].

يتضح مما سبق أن ما تضمنه الدّرس الإعلامي في المنطقة العربية عن ماكلوهان لا يساعد في مجمله الدراس كثيرا  على فهم نظريته، ولا يرتقي إلى مستوى ما هو مطروح في كليات الإعلام الأجنبية التي تعكسه المراجع التي استعنا بها لإعداد هذه الدراسة.

الماكلوهانية في البيئة الرقميّة:

يمكن أن نرصد اتجاهين للماكلوهانية في البيئة الرقميّة. الاتجاه الأول ظل وفيًّا لنزعة ماكولهان الاستعارية، إذ اتجه إلى تكييف أطروحاته مع معطيات البيئة الرقميّة وتعميقها. واتجاه أخر سعى إلى إعطاء بعد تطبيقي لها من خلال تنزيل “قانون الميديا” على العُدّة الرقميّة، كالهاتف الذكي، ومواقع التواصل الاجتماعي، مثل الفيسبوك.

يمثل الاتجاه الأول مجموعة من الكُتّاب مثل، “جيفري ريبورت”  و”بروكر  ويل” و”توركل شيري” ، وغيرهم الذين اجتهدوا في تفسير ما كتبه ماكلوهان منذ أزيد من نصف قرن على ضوء الواقع الراهن.

يؤكد ماكلوهان على ” أننا وجدنا أنفسنا مغمورين في عالم يحدث فيه كل شيء في آن واحد؛ أي بطريقة كهربائية. فالمعلومة أو الخبر ذاته متوفر في اللحظة عينها في مختلف أطراف العالم… وأنظمة البحث الكهربائية تَعِدُنا بأننا نتذكر أي شيء بشكل آني”[91]

لقد استنتج بعض الكتاب من هذه الفقرة أن ماكوهان تنبأ بالهاتف المحمول وبتأثيره الاجتماعي. فـ ” جيفري ريبورت”، رأى بأن استخدام هذا الجهاز يجعل منه امتدادا لذاكرتنا.[92] وأكدت “توركل شيري” أننا نستعمل الهاتف المحمول كامتداد لعقلنا، وكأننا نحمل معنا “أنا” ثانية.[93] ورأى “ويل بروكر” بأن الناس يستعملون الهاتف المحمول كواجهة بين العالم الحقيقي والفعلي و”العالم الرقمي”، فتُحوّل العالم الفعلي إلى بيانات، تُحَسِّنه هذه الواجهة، وتعرضه كطبعة أسمى من العين المجردة”.[94]

لعل أبرز من يمثل هذا الاتجاه هو ” ليفينسون بول”، الذي خصص كتابه:” ماكلوهان الرقمي، دليل للإعلام في الألفية” للبحث عن خصائص العصر الرقميّ على ضوء سمات وسائل الإعلام المختلفة من المنظور الماكلوهاني، إذ أكد في هذا الصدد على أن ” جذور العصر الرقمي توجد في الهاتف والمطبعة. إنها أقوى من التلفزيون على الرغم من أن هذا العصر الذي يُعرض علينا في الشاشات أصبح مألوفا بفضل التلفزيون.[95]

لقد سار هذا الكاتب على خطى أستاذه في مطابقاته التاريخيّة واستعاراته، إذ يذكر بأن “الفضاء الصوتي” الماكلوهاني ليس سوى الفضاء السيبري. ويشرح فكرته هذه بالربط بين التواصل عبر الخط Online والاتصال الشفهي من خلال سهولة كتابة النصوص على الشاشة وتغييرها، وسرعة إرسالها بشكل تزامني لتضاهي الاتصال الشفهي. وهذا خلافا للاتصال المطبوع على الورق. وبهذا يرى أن الاتصال عبر الخط يشبه إلى حد كبير الاتصال الشفهي. ” فالأصابع لا تتحرك فقط عبر الشاشة بل تفكر”.[96]

بالفعل، يعتقد البعض أن التكنولوجيا الرقميّة تمنح الفرصة لإثبات صحة رؤية مكلوهان لوسائل الإعلام، إذ يذكر بأن كل وسيلة إعلام جديدة تستعين بخصائص الوسيلة التي سبقتها في الوجود وحتى لغتها، مثلما ذكرنا آنفا، وتستغلها لصقل خصوصيتها وتشكيل لغتها الخاصة. وهذا ما حصل فعلا مع شبكة الانترنت التي تشكل محتواها من وسائل الإعلام التي سبقتها إلى الوجود، وأنتجت “وسيلة هجينة” تجمع خصائص الوسائل السمعية، والسمعية البصرية، والمكتوبة، وفرضت شكلا مبتكرا من الكتابة والقراءة والمشاهدة. ومكّنت مناصري ماكلوهان من نقل ” الأخوة الكهربائية” التي بشر بها في قريته العالمية إلى ” الأخوة الرقمية” التي يعبر عنها مصطلح “الوعي الفائق” Hyper consciousness ” الذي يقول عنه الكاتب “هارفي فيشر”[97] ( أنه جماعي ومترابط عبر شبكة الانترنت ، ويشترك فيه الجميع رقميًّا. لقد نتج هذا الوعي من مضاعفة المعارف والمعلومات الطافحة في مواقع التواصل الاجتماعي التي تغير قيمنا وسلوكنا وتمس عواطفنا وتحمّلنا المزيد من المسؤولية تجاه الآخرين البعدين عنا جغرافيا والمختلفين عنا ثقافيا، فنصبح أكثر تسامحا واحتراما للآخرين).

ويمثل الاتجاه الثاني، الذي اتخذ طابعا تطبيقيا، كل من  “إيان بوغوست ” و”غودن تورنس” اللذان انطلقا في بحثيهما من ” القانون” الذي صاغه ماكلوهان، والذي يبدو أنه أكثر منهجية وتبصرا من كل مقولاته  لكونه يوفر أداة عملية لدراسة الميديا ويضع أفكاره موضع التنفيذ. وينص هذا القانون على أن لكل وسيط اتصالي أو إعلامي تأثير يمكن حصره في أربع فئات، وهي: التحسين والتعزيز، والتقادم ، والاسترجاع ، والتحويل[98]. بمعنى أن دراسة أي “ميديا” يتطلب النظر إلى تكنولوجيا الاتصال التي سبقتها، وبماذا تجاوزتها، وما هي الإضافات التي قدمتها أو التعديلات التي أدخلت عليها. فالإذاعة وفق هذا القانون حسّنت الأخبار( مقارنة بالصحافة، لكن لا نعرف كيف؟ هل على المستوى الكمي أم الكيفي؟ ربما الأصح على مستوى النقل الآني للأحداث ( و حسّنت الموسيقى. وقلَّلت من أهمية المطبوع والصورة ( هل تقدمت عليهما؟ (،  واسترجعت مكانة الكلام ( أعادت مكانة الاتصال الشفاهي).

يصحّح ”  إيان بوغوست ”  تقييمنا لقانون الميديا المذكور، ويرى أنه استعارة تلائم جدران موقع شبكة الفيسبوك. ويدعونا إلى مساءلة دور هذا الموقع، وتخيل التغيير الثقافي والاجتماعي الذي يمكن أن يحدثه في امتداد الأجساد والأذهان من خلال الفئات الأربعة المذكورة أعلاه، ويستنتج في الأخير أن موقع الفيسبوك ليس مجرد وسيط، بل إنّه بيئة إعلاميّة. واقترح إضافة فئة خامسة إلى قانون الميديا المذكور، تتمثل في تطوير موقع الفيسبوك ذاته.[99]

وقدم الجدول التالي الذي يبيّن ما أحدثه موقع الفيسبوك من تأثير وفق القانون الرباعي المذكور[100]:

يهمل/يزيل يسترجع يتحول إلى يعزّز/ يحسن
الاجتماعات

الوقت، الذّاكرة، الماضي،

السر.

البلدة الصغيرة، القرية، والشارع الرئيسي، والتسكع ،  ومحل المشروبات الغازيّة ، الممرات، تدوين اليوميات الحميمية، والصحف. حياة جامعيّة، المراهقة،

المدرسة الثانويّة

دليل الهاتف

جهاز الرد الآلي

لوحة إعلانات

سجل الأسماء ، كتابة اليوميات

الآنية (الجدّة) والشهرة

وعلى الرغم من تأكيد ماكلوهان على أن قانونه هذا يستند إلى مقاربة بنيويّة ومتزامنة ويضمن وجودا آنيًّا للفئات الأربعة [101] إلا أن تطبيقه اسفر عن نتائج بسيطة جدًّا وفوقيّة وعامة. والسبب في ذلك لا يكمن في تحييده لمستخدم الفيسبوك وسياق استخداماته، بل بالنظر إلى ما توصلت إليه البحوث الاجتماعيّة التي تناولت بالدراسة دور مواقع التواصل في تشكيل رأسمال الاجتماعي[102] والتنشئة الاجتماعيّة، والدراسات النفسيّة التي ركزت على ” تخريج ما هو حميمي”   extimacy” في مواقع التواصل الاجتماعي، ودك الحدود بين ما هو خاص وما هو عام.[103] والدراسات السّياسيّة التي لم تكتف بالإشارة إلى قدرة مواقع التواصل الاجتماعي على التنظيم، وعلى سرعة تداول الأخبار وتقاسم المعلومات التي تُنَشِّط الفعل النضالي. هذا إن صرفنا النظر عن مبالغتها في القدرة التجنيديّة والنضاليّة للعُدّة التقنيّة إلى درجة أن المناضلين أصبحوا يُعَرفون بالمنصات الرقمية التي يستعملونها في نضالهم أكثر من القضايا التي يدافعون عنها . وأصبحت بعض الثورات توصف بهذه العُدّة، مثل ثورة “تويتر” في بلد يقِلّ فيه عدد المشتركين في هذا الموقع ![104]

فعلى الرغم من تأكيد مرشال ماكلوهان على مفهوم البيئة إلا أن تطبيق قانونه على الميديا الرقميّة لا يُمكّن الدارسين من الغوص في عمق ما افرزته ؛ أي فيما أصبح يعرف بالميديا الهجينة Hybrid  التي تسعى إلى تحقيق التوازن، بهذا القدر أو ذاك، بين منطق وسائل الإعلام التقليديّة المتمثل في التوزيع والتلقّي، ومنطق الميديا “الجديدة” القائم على الانتشار والتفاوض.[105]

وبتركيزه على العدّة التقنيّة، اغفل “قانون الميديا المكلوهاني” القطب الهام في الظاهرة الإعلاميّة، أي المتلقّي/ المستخدم، وطابق بالتالي، من حيث لا يدري، بين جمهور الميديا التقليدية ( صحف، مجلات، إذاعة، وتلفزيون)، الذين يقتصر نشاطه على القراءة والاستماع والمشاهدة ، ومستخدمي الميديا الاجتماعيّة الذين اتسعت ممارساتهم، وتعمقّت وتنوّعت، لتشمل المراقبة، والتحري، والمسح الضوئي، والنظر، ومشاهدة ما يعرض في الشاشة عبر الخط Online، والقراءة، والاستماع، والبحث، والتحمّيل والتخزين، والنقر على الايقونات والروابط الرقميّة، والتعليق، والتعبير عن الإعجاب، وإعادة التوزيع أو النشر، والتشارك، وكل ما ينجر عن هذه الممارسات على الصعيد الاجتماعي والثقافي.

يسمو قانون “الميديا” الماكلوهاني، في تعميمه، على المجتمع ، ويغفل أن الاتصال ( يتموضع  في نهاية المطاف داخل مجتمع معين، وينفذ بأدوات مجتمعيّة معينة).[106] وهذا يعني عمليًّا أن ما تفعله العُدّة التقنيّة في هذا المجتمع على سبيل المثال لا  يتطابق حرفيّا مع ما تحدثه في ذاك المجتمع، لأنها تنغرس في التقاليد الاتصاليّة في المجتمع فتحيي موروثه الثقافي أو تفكّكه أو تستغني عنه.[107]

نقد الماكولهانية:

لم تفلت أي أطروحة من أطاريح ماكلوهان من النقد على ضوء الحقائق التي تضمنها التاريخ البشري،   وتاريخ وسائل الإعلام، والمخترعات التقنيّة، ودراسات علم النفس الإدراكي، والاقتصاد السياسي.

لقد أقصى ماكلوهان في مقولته ” إن الميديا امتداد للإنسان ” مكسبا من المكاسب المعرفية التي تحقّقت في عصر الأنوار، والمتمثل في التمييز بين ما هو طبيعي وما هو ثقافي.[108] وبالتالي الوقوع في الخلط الذي حذر منه البنيويون، وعلى رأسهم كلود ليفي شترواس، والمتمثل في أن عدم التمييز هذا يؤدي، في أخر المطاف، إلى الإخفاق في إدراك ما هو إنساني،[109] وإلى القفز على ما يُجْمِع عليه الانتربولوجيون ويختصرونه في القول بأن ما هو طبيعي وثقافي هو نتيجة بناء اجتماعي.

ركز النقاد على المغالطات التاريخيّة التي بنى عليها ماكلوهان تحليله واستنتاجاته. لقد كشف “سدني فنكلستين” العديد منها، نورد بعضها في شكل أسئلة من باب التوضيح فقط [110]: عندما يذكر ماكلوهان بأن الفضاء الإقليدي هو نتيجة مباشرة لظهور الحروف الصوتية، فهل كان يجهل بأن الفينيقيين هم الذين اخترعوا هذه الحروف، وأنهم عاشوا قبل المسيح بعشرة قرون، وأن اقليدس عاش قبل المسيح بثلاثة قرون، أم أن لعبارة ” مباشرة” معنى خاص لدى ماكلوهان؟ وإن كان ورق البَرْدِيّ وراء قيام الإمبراطورية الرومانيّة، مثلما يزعم ماكلوهان، فلماذا لم يؤد هذا الورق بالمصرين إلى إنشاء إمبراطوريتهم قبل الرومان بحكم أنهم كانوا الأسبق في استخدامه؟ وإن كانت الحركات القومية أدت الى اسقاط حكومات نتيجة توزيع الأخبار بفضل المطبعة ذات الحروف المتحركة، مثلما يؤكد ذلك ماكلوهان، فلماذا لم تنطلق الثورة من الصين التي استخدمت المطبعة ذات الحروف المتحركة منذ القرن الثامن ميلادي؟

تشاطر الباحثة  إليزابث إزنستين ماكلوهان  في فكرته التي تنص على أن انتقال الكِتاب من المخطوط إلى المطبوع قد أحدث انقلابا في المعرفة، لكنها لا تعتبر، بأي حال من الأحوال، أن الأداة التقنيّة هي العنصر المحدّد والحتمي للتغيرات الاجتماعية في الأزمنة المعاصرة. وترى أن للمطبعة علاقات بالسلطات الدينيّة والسّياسيّة التي تشرف على الإنتاج الفكريّ أو تحظر نشره. [111] لذا نلاحظ أن المطبعة في أروبا ساهمت في تعزيز النزعة الفردانيّة والنهضة بينما أدت إلى مركزيّة المعرفة والسلطة            في الصين[112].

وإن كانت الرقمنة قد طالت مختلف وسائط الاتصال، وأخضعتها لمنطق المواءمة الذي فتح المجال لبروز ظاهرة ” العبر الميديا” transmedia ، ممّا يبطل تصنيف ماكلوهان لوسائل الإعلام بالساخنة والباردة، فإن الكثير من الباحثين حكموا على هذا التصنيف بالسطحى وحتى الأسطوري. فالميديا الساخنة، على سبيل المثال، ثريّة في البيانات والمعلومات حسب ماكلوهان الذي لم يقس هذا الثّراء بكميّة المعلومات وتنوعها التي تنقل الواقع أو التجربة الاجتماعيّة التي تعبر عنها، بل قاسها بالأثر النفسيّ الذي تتركه على الحواس ممّا يؤدي إلى إضعاف مشاركة الجمهور. لقد صنف المطبوع بالساخن لضعف مشاركة حواس القارئ في القراءة. فلننظر إلى قراءة أي نص، حتّى وإن كانت قراءة صامتة، ألا تتطلب جهدا بصريّا وذهنيّا لفك الحروف وإعادة تركيبها في جمل وربطها لإنتاج المعنى؟ وقد يرافق هذا الجهد تركيز الأذن الباطنية. [113]

إن تصنيف ماكلوهان للتلفزيون بأنه وسيلة باردة، نظرا الى فقر محتواه الذي يدفع المشاهد إلى تشغيل حاستي السمع والنظر من أجل إعادة تشكيل الصور التي يبثّها، دفع بعض الكُتّاب الى التندّر بالقول إن جهاز التلفزيون الذي يملكه ماكلوهان بحاجة إلى من يصلح عطبه![114]

يفتقد تصنيف مكلوهان لوسائل الإعلام إلى ساخنة وباردة التماسك والانسجام الذي ميّز تصنيف “جون فيسك”[115]، على سبيل المثال، والذي قسمها إلى ثلاثة أقسام، وهي:

  • ميديا التقديم: الصوت، والوجه، والجسد. وتستعمل اللّغات” الطبيعيّة، والكلمات والتعابير والايماءات. وتشترط وجود متصل communicator لأنها مجرد وسيط.
  • ميديا التَمَثُّل: الكتب، والفن التشيكيلي، والصور الفتوغرافية، التي تستعين بالمدونات الثقافيّة والجماليّة لإنتاج نص بمعزل عن المتصل ومواد للاتصال.

3- الحوامل الميكانيكيّة: الهاتف، الإذاعة، والتلفزيون وهي فئات ناقلة لفئتين الأولى والثانية، تخضع أكثر للاكراهات التقنيّة.

وتتضمن مقولة ” الوسيلة هي الرسالة” فكرة حق أريد بها باطلا في البيئة الرقميّة، إذ لا يمكن الحديث عن قوة الميديا الاجتماعية وفاعليتها بمعزل عن المستخدم وتَمَلّكه لها، لكنها فتحت أفاقا للبحث في علوم الإعلام والاتصال وفق مفهومين مركزيين، وهما: ” منظومة الميديا” “” The media device والذي يختلف عن مفهوم البيئة الإعلاميّة الذي ذكرناه آنفا ، إذ يقصد به ” الأداة المفهوميّة والمنهجيّة التي تسمح باستيعاب موضوع الميديا المعقد من خلال المساهمة في تحديد أبعادها التنظيميّة والمنمذجة الملازمة لتصوّر الإنسان لنشاطه. وأخيرا، التمفصل الذي يحدث بين الإشكاليات التقنيّة والاجتماعيّة والرمزيّة والاقتصاديّة والوجوديّة أو الإدراكيّة.”[116] ويمكن الإشارة إلى أن بيار بورديو شغّل مفهوم “المنظومة” في كتابه الشهير الذي ينقد التلفزيون الفرنسيّ.

ومفهوم القَدَارة  The Affordance، الذي يُعرّف بأنّه ( مجمل الإمكانات للفعل في بيئة ما، التي تكون موضوعيّة لكنها ذات علاقة بالفاعل الذي يستخدمها).[117] فقدارة الميديا الاجتماعية تتمثل فيما تتيحه للفعل وما تفرضه عليه وعلى الفاعلين من إكراهات. فالقدرة على الفعل والتأثير لا تتوقف على العُدّة التقنيّة، على أهميتها ، ولا على الفاعلين ونشاطهم، بل إنها موزعة على الاثنين في سياق الاستخدام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. يوجد العديد من الباحثين الذين تأكدوا من أن قدارات التكنولوجيا الرقمية تساهم في تطوير ديناميكية وثقافة معينة تتطلب مناهج وأدوات بحث مخصوصة،[118]بعيدا عن الحدس الماكلوهاني الذي يستند إلى الزمن الدائري: العودة إلى العصر الشفهي، وإلى القبيلة الذي يتنافى مع فكرة التقدم. فالبحث عن قدارة مواقع التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال، دفعت بالتفكير إلى أبعد من حدود المنصة الرقميّة حيث يستطيع مستخدموها من البشر وغير البشر تقديم إضافات إليها.[119]  لذا يعتقد علماء الاجتماع أن مواقع التواصل الاجتماعي “لا تشكل بذاتها موضوعا مبنيًّا للدراسة ، وكل خطاب يُحَمِّلها مسؤولية التغيرات الاجتماعيّة ينزاح ، بالضرورة، إلى الحتميّة التكنولوجيّة”.[120] وتُعدّ هذه الأخيرة، في أبسط تعريف لها، عبارة عن موقف فكري يجسده الايمان بأن التكنولوجيا تحدّد، بشكل أساسي وفي أول مقام، التنظيم الاجتماعي والسلوك البشري.[121] وبهذا فهي التي ترسم القدر التاريخي المحتوم العالق بالإنسان وبتاريخه، والذي لا مندوحة عنه.

ويعتقد أنصار هذه الحتميّة أن لوجود موقع التواصل الاجتماعي تأثير اجتماعي بالقوة ذاتها والشكل ذاته في أي مجتمع؛ أي أن هناك علاقة سببية بين المتغير المستقل ( العُدّة التقنيّة) والمتغير التابع ( التأثير الاجتماعي). يصعب على هذه السببية الصمود أمام الواقع لأن ” الأحداث لا تصنعها تكنولوجيا الإعلام والاتصال، ولا تقودها، بقدر ما تكون وليدة لنسيج مُعَقَّد لتفاعلات إنسانية-تقنية humano-technical”[122].  وتستبعد هذه الحتمية كل تفكير في إنتاج العُدّة التقنيّة ذاتها؛ أي التّفكّر في ديناميكية العلاقة بين العلم والتقنيّة والسوق، وتملّكها من قبل المستخدم. ”

تغيرت النظرة في البيئة الرقميّة إلى ثنائية الزمن والمكان التي استوحاها ماكلوهان من هارولد أنيس وبنى عليها صرحه النظري في قراءته لتأثير وسائل الإعلام على المجتمع، ليس من ناحية احداثيات الاتصال: الوقت، والمسافة، بل ضمن رؤية أشمل يتضمّنها مفهوم ” الحضورية” Presentism The الذي صاغه المؤرخ ” هارتوغ فرنسوا”. فمقولة: “هنا والآن” التي كان الاتصال يخضع لها أصبحت “هنا وهناك والآن”، والانترناتي أصبح يتصل داخل الزمن وخارجه. لقد تغيرت علاقة الإنسان بالزمن الذي يتسارع. فالحاضر يسرع ويدفع التاريخ نحو المستقبل، والماضي لم يعد يملك قيمته المرجعية.[123]

هل يمكن اعتبار ماكلوهان من مؤسسي إيديولوجيا الاتصال؟ هذا ما يستشف من تفسير العديد من الظواهر الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة المُعقّدة بعامل يتيم وحاسم، إنه الاتصال وعُدَّته التكنولوجيّة، مثل الحروب[124] ، والقوميات، والامبراطوريات، والثقافة، والكتابة، والفنون، وتشتت الحواس وتنافسها وتوازنها. فالميديا من هذا المنظور سببا ونتيجة في آن واحد. فالورق من منظور ماكلوهان كان سبب قيام الامبراطوريّة الرومانيّة وسبب فنائها[125]!

تتجدّد الخطابات الطوباوية مع كل مبتكر جديد في تكنولوجيا الاتصال فتعِد البشرية بثورة عارمة تقضي على كل مشاكلها وما تعانيه من صعوبات في شتى المجالات. وما انفكت قائمة منتجي هذه الخطابات تتمدد، يأتي في صدارتها كل من هاورد رينغولد ، وجوال دو روزني، وبيار ليفي، وومانويل كاستلز ، ولن يكون أخرها دان غيلمور.  إنها الخطابات التي تغذي المخيال التقني المنفصل عن الممارسات الاجتماعية الفعلية والملموسة  التي تدفع إلى الايمان بأن التكنولوجيا ليست كيان مادي فحسب، بل إنه معطى أيديولوجي أيضا ” يمنح لتقنيات الاتصال سلطة معياريّة تجعلها العامل الأول في تنظيم المجتمع وإعطائه معنى”.[126] فالمبالغة في دور التكنولوجيا الحاسم في المجتمع هو ضرب من “الإيديولوجيا غير المرئية”[127] التي تَعِدُ البشرية بوعود وردية  تروم تفسير الواقع بإخفائه. فوراء الخطاب الاحتفائي بــ “الواب التشاركي”، على سبيل المثال، واظهاره بأنه يجسد التحول التكنولوجيّ الحاسم، والتطور الثقافي الكبير، ومؤسس عصر سياسي ومجتمعي جديد، يختفي واقع آخر، يندمج فيه ” الواب 2″ مع الصناعات الاتصاليّة والثقافيّة التي تتكيّف باستمرار مع السوق.[128] والخطاب الذي يروج للميديا الاجتماعيّة، مثل موقع الفيسبوك، ويبرزها كمنصة رقميّة للتحرّر من الوساطة الاجتماعيّة والسياسيّة ومؤسساتها المتسلطة ذات التراتيبية الهرميّة[129] ، يحجب ما يثبت بأنها تساهم، أيضا، بفاعليّة في إعادة إنتاج الذاتيات التي تجدّد تكيّفها مع المجتمع التجاري، فقدارتها تُمكّنها من رسم “بروفايل” Profil المستخدم بناءً على ذوقه، وما يستهلكه، وعادات هذا الاستهلاك. وبهذا يساهم هذا الموقع في بناء هوية المستخدم/ الزبون/ المستهلك أكثر من المواطن/ المناضل. وإن ظهر نضاله في “بروفايله” العام فإنه لا يسقط “هويته الاستهلاكية” بل يخدمها. ففي مواقع التواصل الاجتماعي كل شيء يتحوّل إلى سلعة لها قيمتها التبادلية.

قد يعتقد البعض أن ماكلوهان لم يجانب الصواب في حديثه عن  الحرب الأبديّة بين وسائط الاعلام نظرا للتحولات التي تجري في عالم الإعلام والاتصال اليوم والتي يصفها البعض بالفوضى أو الأزمة والتي وقعت الصحافة الورقية ضحية لها. لكن بالمقابل لا أعتقد أنه يوجد اليوم من يفسر توقف الكثير من الصحف الورقية عن الصدور، أو “موت” بعض مواقع التواصل الاجتماعي، ” مثل موقع شبكة التواصل المهني ” ريس دوت كوم” Ryse.com”  ، و موقع “سكند ليف Second life، بأنه نتيجة حرب الحواس التي تمزق نفسية المرء، مثلما فسر ذلك ماكلوهان نظرا لأن وسائط الاتصال هي امتداد لهذه الحواس. وأن ما يوصف بالفوضى في العالم الافتراضي لا يعبر عن الحرب الميدياتيكية بالمفهوم الماكلوهاني، بل يفصح عن التوجس من مآل التحولات المتسارعة التي تعيشها وسائل الإعلام وتبعاتها السياسية والثقافية والتي أدت إلى زعزعة ” هيمنة النظام الرمزي” بالمفهوم البوردوي- نسبة إلى بورديو- في المجتمع، وذلك لأن السلطة في ظل “الثورة الرقميّة” تبدو حسب مُنَظِر براديغم الفوضى، “بريان ماك ناير” سائلة ودائمة التغيير ومنتشرة عبر قنوات الاتصال والإعلام. تتراكم، تتبخر، تذوب عندما تتغير شروط البيئة”.[130]

حقيقة إن التطور السريع الذي يعيشه “الواب” بمختلف تطبيقاته يبدو فوضويًّا، لكن مفهوم الفوضى يظلّ نسبيًّا لأن المواقع في شبكة الانترنت والمنصات الرقمية تخضع للوائحها التنظيمية والمعلن عنها ولـ”ضبط الخوارزميات” التي تغربل وتنتقي ما تنشره. لقد أصبحت الخوازميات تضطلع بالدور الذي كان “حراس البوابة الإعلامية” يقومون به في وسائل الإعلام التّقليديّة.  ولم يؤد هذا التغيير إلى فتح النقاش عن فوضى المعلومات والأخبار بقدر ما طرح ، بإلحاح،  الأسئلة التالية: ما مدى تعدّد الأخبار والمعلومات وتنوعها في شبكة الانترنت ؟ ومدى صدقيتها؟ وهل تخدم حرية التعبير والفكر أم تعمل على استقطاب الآراء وتعزيز” التوحد الرقمي”  Homophilia؟

الخاتمة:

يتضح ممّا سبق أن هناك أكثر من حاجة ملحّة لإعادة النظر في موقع ماكلوهان في الدّرس الإعلاميّ في المنطقة العربية وذلك بالفصل بوضوح بين ما قاله ماكلوهان وبين ما نفكر فيه عن ماكلوهان تجنبا لتشويه أفكاره ومن أجل عقلنة تأويلها، وإلى دفع هذا الدرس ليشمل كتابات الكُتّاب العرب سواء تلك التي استلهمت أفكارها من أطروحات ماكلوهان أو عارضتها، والتي ذكرنا بعضها في ثنايا هذا النّصّ. ويتطلب هذا الدرس الاستعانة بالكُتَاب الذين ساهموا في إعادة قراءة مؤلفات ماكلوهان في البيئة الرقميّة، والتي ذكرنا بعضها آنفا. فليس من المعقول أن تظل مرجعيته لفهم ماكلوهان تقتصر على كتاب جيهان رشتي الذي صدر في نهاية سبعينات القرن الماضي.

إن إعادة النظر في تدريس ماكلوهان يحرّر الدارسين العرب من القراءة الانطباعية لمقولاته والتي حولتها الكتابة الصحفية إلى أنماط مقولبة stereotype. ويفتح المجال لإعادة كتابة تاريخ الميديا في المنطقة العربيّة، ومواقع التواصل الاجتماعي، بعيدا عن سطوة التكنولوجيا وهيمنة الأفكار الجاهزة التي لم تتحرّر من منطق التأثير المطلق الذي يساوي بين الميديا والاجتماعيّة ووسائل الإعلام التقليدية. وهذا يعني نفي الطابع الديناميكي والمتحول لمواقع التواصل الاجتماعي حسب سياقات الاستخدام. فمواقع التواصل الاجتماعي في أخر المطاف هي ثمرة ما ينشره مستخدموها. لقد شكل موقع الفيسبوك  فضاءً بديلا للإعلام ولإدارة النقاش السياسي أثناء الاطاحة بالرئيس بن علي من على السلطة في تونس لكنه تحول إلى وسيلة للقدح والتهكّم السياسي[131]. الأمر لا يختلف كثيرا في الجزائر. فموقع الفيسبوك كان مسرحا لنقاش النخب حول مستقبل البلاد وآليات التغيير في الحراك الشعبي في شباط /  فبراير2019  لكنه تحول بعد الانتخابات الرئاسية في  كانون الأول / ديسمبر 2019 إلى أداة للوشاية والتخوين، وممارسة ما يسميه ” مانويل كاستيلز” بسياسة المُفاضَحةً”[132]، أي التشهير بالخصم كأسلوب وحيد للمعارضة أو معارضة المعارضة لغياب برنامج واضح يمكن نقده.

على الرغم من النقد الذي وُجه لمؤلفات ماكلوهان إلا أنها تتضمّن أفكارا مفيدة يمكن توظيفها في البحوث الأمبريقية في المنطقة العربية حتى ترسخ نظرية الوسيط Medium Theory في الدرس الإعلامي العربي. ومن المعلوم أن هذه النظرية التي حدّد معالمها الباحث “جوشوا ميرويتز” في مؤلفه المذكور أنفا استنادا إلى أطروحة ماكلوهان، دفعت الدراسات الإعلامية إلى التركيز على الوسيط الإعلامي، وعدم الاكتفاء بتحليل مضمون ما يبثه. فالوسيط ليس ناقلا محايدا للمضمون، بل مؤثرا بنجاعة فيه ويسمح بأشكال من تفاعل المتلقّي مع الميديا . لقد توطدت هذه النظرية في البيئة الرقميّة بعد اعتمادها على المفهوم الإجرائي لقدارة الميديا الاجتماعية.

لعل أكبر خدمة يقدمها نقد المكالوهانية للدرس الإعلامي في المنطقة العربية هو تحريره من الفكر الاختزالي والتبسيطي الذي تقع فيه بعض البحوث، ربما لا شعوريا، في دراستها للظواهر الإعلاميّة.  فما يميز كل حتميّة أنها تهمش بعض المتغيرات الفاعلة في دراسة الميديا إن لم تلغها، فتسد الطريق أمام كل فكر انعكاسي، ومعقد، وتغلق أبواب الاستكشاف، مما يؤدي إلى اجترار التبرير وتقديم الإجابة الجاهزة العابرة للأزمنة والسياقات.

المراجع والهوامش

[1] – Elihu Katz, La recherche en communication depuis Lazarsfeld.. Revue Hermès, France, No 4, 1989 /1,  pp 77-91

[2] –  هذا ما يستشف من  قراءة الفصل السادس المعنون بــ: “استخدام أدوات ماكلوهان، في كتاب Mcluhan, a guide for the perplexed ” لــ  و. تيرونس غوردن، الذي حاول فيه الاجابة عن 68 سؤالا يتعلق بأفكار ماكلوهان  وقدم  من خلالها قراءة معاصرة للفكر “المكلوهاني” وتجديده ليستوعب التكنولوجية الرقميّة وممارساتها معتمدا في ذلك على مؤلفات كُتّاب سيرته ومن يعتبرون ورثة ماكلوهان. أنظر:

  1. Terrence Gordon: Mcluhan, a guide for the perplexed , NY, Ed Continuum, 2010, PP  151 -165

[3] – أنظر:

Meyrowitz  Joshua: No Sense of Place, The Impact of Electronic Media on Social Behavior, Oxford University Press, USA, 2005, 432 pages

[4] Levinson Paul  , McLuhan digital a guide to the information millennium , New York , Routledge  1999,  p. 3.

[5] – W. Terrence Gordon , Mcluhan, a guide for the perplexed ,p151

[6] -Raphael Peter: The Medium in Your Pocket’, A McLuhanian Approach to New Media ,in  Carmen Birkle, Angela Krewani and Martin Kuester: McLuhan’s Global Village Today, UK ,

Pickering & Chatto,  p 197

-[7]   يذكر  ليفنسن بول،  تلميذ ماكلوهان ومتابعيه أن رهانات الاستعارات التي يستخدمها ماكلوهان  ” تساهم في توجيهنا إلى المعارف التي لم نحصل عليها بعد، لكنها تتضمن حملا يمكن أن يشكل حاجزا أمام معارفنا عندما نحاول فحصه وإثباته، فنخلط بين الحمل واللباس الذي يلفه”.

Levinson Paul : McLuhan digital a guide to the information millennium, p26

[8] – Ibid, p26

[9] – Roy Patrick : Le retour de Marshall McLuhan : Ré-explication et positionnement de sa théorie. Mémoire de maître es arts (M.A.) à la Faculté des études supérieures de l’université Laval – Canada-1999

[10] – Levinson Paul : McLuhan digital a guide to the information millennium, p2

[11] – W. Terrence Gordon : Mcluhan, a guide for the perplexed, p153

[12] – نقلا عن: Jeffrey L : The Heat and the Light: Towards a Reassessment of the Contribution of H.Marshall McLuhan , Canadian Journal of communication, Vol. 14 N04, 1989  DOI: https://doi.org/10.22230/cjc.1989v14n4a529

[13] – Roy Patrick : Le retour de Marshall McLuhan : Ré-explication et positionnement de sa théorie.

-[14]  ربما لهذا السبب بادر كل من دافيد ستنس وستيفاني ماكلوهان بإصدار كتاب: مكلوهان  مارشال ، افهموني. عنوان يحاكي كتاب ماكلوهان: كيف نفهم وسائل الإعلام؟  أنظر:

Stephanie McLuhan & David Staines : MacLuhan Marshal Understanding Me, Lectures and Interviews, Toronto: McClelland & Stewart, 2003, 344 pages

[15] –  أنظر:

Macmillan , Robert : Marshall McLuhan at the Mercy of his Commentators,  Revue  Philosophy of the social sciences, vol. 22, no 4, December,1992, P483

[16] – Bernhard J. Dotzler , Cambridge was a shock: Camparing media from a literary media from a literary critics point of view in  Carmen Birkle, Angela Krewani and Martin Kuester, McLuhan’s Global Village Today, UK ,Pickering & Chatto, 2014, p86

[17] – Mark A. McCutcheon , Dubjection: A Node ( Reflections on web conferencing, McLuhan and intellectual Property) in  Carmen Birkle, Angela Krewani and Martin Kuester, p66

[18] – Ibid,

[19]–  Kane Oumar: Marshall McLuhan et la théorie médiatique : genèse, pertinence et limites d’une contribution contestée , revue tic & société, Vol. 10  N° 1 , 1er semestre 2016. URL : https://doi.org/10.4000/ticetsociete.2043

[20] – Roy Patrick : Le retour de Marshall McLuhan : Ré-explication et positionnement de sa théorie.

[21] – Gwolf, Gary .The Wisdom of Saint Marshall, the Hoiy Foob, in Wired. vol. 4, no 1, janvier 1996, pp. 122-126

[22] – Doray Pierre:  Construction sociale des technologies, in Frédéric Bouchard, Pierre Doray, Julien Prud’homme, Sciences, technologies et sociétés de A à Z,  Canada, Presses de l’Université de Montréal,  2017, p 57

[23] -Ibid

[24] – Nelson Vallejo-Gomez :La pensée complexe : Antidote pour les pensées uniques Entretien avec Edgar Morin. Roumanie,  Revue Synergie Romanie; N03, 2008, pp 77-90

[25] – Bouiss Ousama : Dix principes pour penser dans le “monde complexe” d’Edgar Morin, Url :https://www.latribune.fr/opinions/tribunes/dix-principes-pour-penser-dans-le-monde-complexe-d-edgar-morin-802548.html

[26] – Paré Jean, Conversations avec McLuhan, Montréal, Boréal, 2010, P45

[27] – Roy Patrick : Le retour de Marshall McLuhan : Ré-explication et positionnement de sa théorie.

[28] – Marchand Philipp, Marshall McLuhan. The medium and the messenger, Toronto, Random House, 1989, P123

[29] – Gaëtan Tremblay  De Marshall McLuhan à Harold Innis ou du village global à l’empire mondial–  France, Tic & société,  Vol. 1, n°1 , 2007, P106-129

[30] – Kane Oumar: Marshall McLuhan et la théorie médiatique

[31] –  يقول الكاتب فيليب مارشون : ” إن جوهر مقاربة ماكلوهان للواقع التي عبر عنها بقوة لا مثيل لها لا توجد سوى في هذه المجلة الغريبة والرائعة. أنظر:

Marthe Pelletier : De la médianomie à l’autonomie :Explorations éthiques et christologiques de la pensée de Marshall McLuhan, (Ph.D.) Université de Laval, Canada, 2000

[32] – Marshall McLuhan and Eric McLuhan, Laws of Media: The New Science (University of Toronto Press, 1988), p. 93.

[33] – Raphael Peter: The Medium in Your Pocket’, A McLuhanian Approach to New Media, p197

[34] – Gillmor Dan: We the Media: Grassroots  Journalism By the People, For the People , O’Reilly Media; New edition, 2006 , 334 pages

[35] – Breton philippe, Proulex  Serge :  l’explosion de la communication ; introduction aux théories et aux pratiques de la communication, France,  4 édition la découverte ,1992, p 194

[36] – Victor Wiard :News Ecology and News Ecosystems, Feb 2019 DOI: 10.1093/acrefore/9780190228613.013.847

[37] – François Jost: Nouveaux comportements pour d’anciens médias ou anciens comportements  pour de nouveaux médias ?Revue MATRIZes, Brasil , nº 2 jan./juin année 2011, pp 93-109

[38] –  أريك ميغري: سوسيولوجيا الاتصال والميديا، ترجمة نصر الدين لعياضي، هيئة البحرين للثقافة والآثار، 2018، ص 199

[39] – Marshall McLuhan, Understanding Media ,McGraw Hill, 1964, p. 7

[40] – McLU HAN, Marshall, Pour comprendre les médias: les prolongements technologiques de l’homme, traduction de Jean Pare, Montréal: Bibliothèque Québécoise,  1993, p52

[41] – بهذه الجملة ميّز بول عطا الله الفرق بين رؤيتي مرشال ماكلوهان و ملهمه ” هارولد أنس” للميديا ، إذ وصف الأول بأنه يضفي الطابع الميدياتيكي على التاريخ، بينما يضفي  الثاني الطابع التاريخي على الميديا،  أنظر:

Attalah Paul: Théories de la communication : Histoire, contexte, pouvoir, Québec, Presses de l’université du Québec 1989, p 275

[42] – Kane Oumar: Marshall McLuhan et la théorie médiatique

[43] – Marshall McLuhan, The Gutenberg Galaxy: The Making of Typographic Man , University of Toronto Press, 1962, p. 31.

[44] – Raphael Peter: The Medium in Your Pocket’, P 196

[45]–  Logan Robert , Understanding New Media: Extending Marshall McLuhan , New York: Peter Lang Publishing, 2010, p. 29

[46] –  نقلا عن

– Raphael Peter: The Medium in Your Pocket’, A McLuhanian Approach to New Media, p189-191

[47] –  أنظر:

Raphael Peter The Medium in Your Pocket’, A McLuhanian Approach to New Media, p198

[48] – Negroponte, Nicolas, L’Homme numérique, Paris, éd. Pocket, 1997, 290 p.

[49] – Dugain  Marc , Labbé  Christophe : « L’homme nu. La dictature invisible du numérique », France, Plon,‎  2016, 186 p

[50] – أنظر:

Ertzscheid Olivier : Lhomme est un document comment les autres: du Word Wide Web au Word life Web, Revue Hermes 53- 2009, pp.33-40.

[51] – نقلا عن :

Levinson Paul : McLuhan digital a guide to the information millennium, p   6

[52] – Sideny Finkelstein :  McLuhan prophète ou imposteur? Maison Mame, France, 1970, P 12

[53] – Roy Patrick : Le retour de Marshall McLuhan : Ré-explication et positionnement de sa théorie. Mémoire de maître es arts (M.A.) à la Faculté des études supérieures de l’université Laval 1999- Canada

[54] – Martina Leeker  and Schmidt  Kerstin . Quoted by Raphael Peter The Medium in Your Pocket  p197

[55] –  هذا هو عنوان كتابه المذكور أعلاه.

[56] – Donald. F. Theall : The Virtual Marshall McLuhan,McGill-Queen’s University Press, UK, 2001, pp26-28

[57] – Fekete, John: Massage in the Mass Age: Remembering the McLuhan Matrix. “Canadian Journal of Political and Social Theory, No 63 ,March 1982, pp 50-66

[58]– باتريس فليشي: الاتصال وأوهام الحتمية التقنية والاجتماعية، ترجمة د. نصر الدين لعياضي، مجلة الرافد، 2013 ، ص 25-35

[59] – نقلا عن باتريس فليشي، المرجع ذاته.

[60] – Debray , Régis .Manifestes médiologiques, France , Éditions Gallimard. 1994, P94

[61] – Kane Oumar: Marshall McLuhan et la théorie médiatique

[62] – نضال فلاح الضلاعين، مصطفى يوسف كافي، علي فلاح الضلاعين  وأخرون، نظريات الاتصال والإعلام الجماهيري  دار الإعصار العلمي للنشر والتوزيع، الأردن، 2006

[63] – جيهان أحمد رشتي:  الأسس العلمية لنظرية الإعلام، دار الفكر العربي، 1978

[64] – بسام عبد الرحمن المشاقبة : نظريات الاتصال ، دار أسامة للنشر والتوزيع ، نبلاء ناشرون وموزعون، الأردن، 2005

[65] – لا وجود للقرية العالمية، العالم أقرب إلى ما يكون إلى البناية التي تضم عشرات الشقق السكنية التي يقيم فيها أناس كثيرون ولكن لكل فرد منهم يعيش في عزلة ولا يدري شيئا عن جيرانه الذين يقيمون معه في البناية

بسام عبد الرحمن المشاقبة، مصدر سابق،  ص 161

[66] – –  أسامۀ بن مساعد المحیا  ( جمع وتنسيق)  محاضرات، نظريات التأثير الإعلامي ، مسترجع من الموقع: https:// https://urlz.fr/fLXN

[67] – – منال هلال المزاهرة، نظريات الاتصال، دار المسيرة للنشر والتوزيع ، الأردن، 2012

[68] – م.م. حيدر فالح زايد،  السنة الجامعية 2009- 2010 جامعة قار يونس، مسترجع من الموقع: https://www.researchgate.net/publication/340661990

[69] – كامل خورشيد مراد:  الاتصال الجماهيري والاعلام التطور الخصائص والنظريات، دار المسيرة للنشر والتوزيع  الأردن، 2014

[70] – خضراء، عمر المفلح : الاتصال ، المهارات، والنظريات، واسس عامة، الحامد للنشر والتوزيع، الأردن، 2014

[71] –  معظم ما كتب عن ماكلوهان في الكتب التي درسناها سُلخ حرفيا من كتاب جهان رشتي دون الإشارة إليه. نكتفي بإيراد فقرة واحدة من باب التوضيح:

“كانت طريقة تنغيم الكلمات تنقل الغضب والموافقة أو الرعب أو السرور أو التهكم إلخ. وكان رد فعل الرجل القبلي – الذي يعتمد على حاسة السمع – على المعلومات يتسم بقدر أكبر من العاطفة. فكان من السهل مضايقته بالإشاعات، كما أن عواطفه كانت تكمن دائما قريبة من السطح لكن ريشة الكتابة وضعية نهاية للكلام وساعدت في تطوير الهندسة وبناء المدن وجعلت الطرق البرية والجيوش والبيروقراطية من الأمور الممكنة” والتي نشرت في المراجع التالية:

جيهان أحمد رشتي: مصدر سابق، ص 375

نضال فلاح الضالعين ، وأخرون، مرجع سابق، ص 188

خضرة عمر مفلح: مرجع سابق، ص 179

[72] –  توحي الفقرة التالية أن هذا ما استنتجته  جيهان رشتي من فكر ما كلوهان، إذ تقول فيها: “وفي الواقع  بدل الحديث عن الحتمية التكنولوجية قد يكون من الأدق  أن نقول أن المتلقي يجب أن يشعر بأنه مخلوق له كيان مستقل قادر على التغلب على الحتمية والتي تنشأ نتيجة تجاهل الناس ما يحدث حتما ولا مفر منه…”

جهان رشتي، مرجع سابق،  ص374

وقد استنسخ  مؤلفو الكتب المدروسة هذه الفقرة دون ذكر مصدرها، مما يوحي بأنها من بنات أفكارهم، بيد أن ابتسام عبد الرحمان المشاقبة، تقول بأن ماكلوهان  هو الذي طالب بالابتعاد عن مصطلح الحتمية التكنولوجية والاستعاضة عنه والاستعاضة عنه بمصطلح آخر وهو أن المتلقي يجب أن يشعر……

ابتسام عبد الرحمن المشاقبة: مرجع سابق، ص 157

[73] –  شمل تأويل ما كتبه ماكوهان بطريقة مغلوطة حتّى الكتاب الأنجلوسكسونين، للاطلاع أنظر:

Macmillan , Robert : Marshall McLuhan at the Mercy of his Commentators,  Revue  Philosophy of the social sciences, vol. 22, no 4, December,1992, P 483

[74] – Levinson Paul : McLuhan digital a guide to the information millennium , Routledge  New York 1999, p 2

[75] – W. Terrence Gordon : Mcluhan, a guide for the perplexed , ed Continuum, 2010,NY, p158

[76] –  عن مقولة “الوسيلة هي الرسالة” يقول  حيدر فلاح زايد ( مرجع سابق)  ما يلي: ( يشير ماكلوهان أن لكل وسيلة خصائص خاصة بها جمهور من الناس الذين يفوق حبهم لهذه الوسيلة اهتمامهم بمضمونها، فالتلفزيون كوسيلة هو محور لاهتمام كبير)

وعن المقولة ذاتها تقول خضرة عمر مفلح ( مرجع سابق، ص 1983) ( إن الرسالة هي الوسيلة  تعني أشياء أخرى فقول مكلوهان بشير أيضا إلى أن لكل وسيلة جمهورها الخاص الذي يفوق حبهم لهذه الوسيلة اهتمامهم بها ، بمعنى أخر  التلفزيون كوسيلة هو محور لاهتمام كبير…. . )

وتفسر خضرة عمر ( المرجع ذاته، ص 189) المدينة العالمية بدل القرية بالقول: بالطبع إن تطور المطبوع يسبب تماثلا بين أبناء البلد الواحد، ويقرب البعيد وبهذا تحل المدينة محل القرية وتحل دولة الأمة محل دولة المدينة . وهو التفسير ذاته الذي قدمته منال هلال المزاهرة ( مرجع سابق، ص 373  ) للمدينة ذاتها.

[77] – الكتاب من تأليف مارشال مكلوهان وابنه أريك، أنظر:

McLuhan, Marshall, McLuhan, Eric. Laws of Media: The New Science, Toronto University of Toronto Press, 1988, p. 93.

[78] – ينطبق هذا القول على:

نور الدين تواتي: ماكلوهان مارشال…قراءة في نظرياته بين الأمس و اليوم، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية،  الجزائر، عدد مارس، 2015، ص 277- 290

[79] – تبنى عبد الله الغذامي التقسيم التاريخي للميديا ذاته تقريبا الذي طرحه ماكلوهان، إذ يقول: (مرت الصيغ التعبيرية في الثقافة البشرية بأربع صيغ جذرية تمثل أربع مراحل مختلفة في التصور البشري، وهي مرحلة الشفاهية، ثم مرحلة التدوين وتتلوها مرحلة الكتابية وأخيرا مرحلة ثقافة الصورة، ولكل مرحلة من هذه المراحل خصائصها المميزة، وهي خصائص لا تزول مع ظهور مرحلة جديدة بل إن آثارا من الصيغ تبقى وتظل فاعلة حتى ظهور صيغ جديدة( ص، 8-9). وغالى في دور الصورة عندما أكد بأنها ( ستكون حتما هي العلامة الثقافية ومصدر الاستقبال والتأويل،ولسوف يجري تغيير جذري في الذهنية البشرية تبعا لذلك.) ص 10  و )إن استقبال الصورة  أدى ” إلى زعزعة مفهوم النخبة وصار الجميع سواسية في التعرف على العالم واكتساب معارف حديدة للتواصل مع الوقائع والثقافات (

عبد الله الغذامي: الثقافة التلفزيونية سقوط النخبة وبروز الشعبي، المركز الثقافي العربي، 2005، ص 11

[80] –  عبد السلام بنعبد العالي: ثقافة الأذن وثقافة العين، المملكة المغربية، الطبعة الثانية، دارتوبقال، 2008، 140 ص

يمكن أن نذكر من باب الطرافة، أن موقع مكتبة “نور” في شبكة الانترنت صنف هذا الكتاب ضمن كتب الطب، تخصص أمراض الأنف والحنجرة!

[81]  مارشال ماكلوهان “كيف نفهم وسائل الاتصال”  ترجمة خليل صابات، محمد محمود الجوهري، دار النهضة العربية، القاهرة- نيويورك،1975

[82] – أنظر: – م.م. حيدر فالح زايد،  مرجع سابق

[83] – المرجع ذاته

[84] – م.م. حيدر فالح زايد،  مرجع سابق

[85] – جيهان رشتي، مرجع سابق، ص ص 394

[86] – ذكر الكاتب “سدني فنكلستين ما يلي ”  رسم في واجهة إحدى المحلات التجارية رسما ساخر مرفق بما يلي: هنا نتحدث بالطريقة الماكلوهانية!

Sideny Finkelstein :  McLuhan prophète ou imposteur, P 9

[87] –  Ibid, P 10

[88] – ظهرت المطبعة على يد يوحنا غونتبرغ في 1454 ولم تشرع في بث المخطوطات العربية إلا في منتصف القرن التاسع عشر.

[89] –  يذكر فرانس فانون أن 95 % من الفرنسيين كانوا يملكون المذياع قبل 1945 مقابل 5% فقط من الجزائريين الميسورين ، ولم تفلح فرنسا في رفع هذه النسبة الأخيرة رغم التشجيعات. لقد كانت محطة الإذاعة  الفرنسية من الجزائر أداة ربط المعمرين بالدولة الأم (فرنسا) ووسيلة ضغط  سياسي وثقافي ونفسي على الجزائريين، الذين كانوا يتحرجون من الاستماع إليها داخل أسرهم، لكن بمجرد انطلاق “صوت الجزائر الحرة” تزايد عدد الجزائريين المالكين للمذياع فأضطر الاستعمار إلى تجريم مالكيه من الجزائريين بدءا من 1957. لقد جعل المذياع من الجزائريين الذين يستمعون إلى صوت الثورة الجزائرية أمة.

Frantz Fanon, L’an V de la révolution algérienne, France, La Découverte, 2011, P 53-82

-[90]   لتوضيح هذه الفكرة يذكر فرنسوا شفالدوني أن الفلاح الجزائري لا يدخل قاعة السينما إلا عندما ينتقل إلى المدينة لزيارة أقاربه وتسمح له ظروفه المادية ولا يتصفح الصحيفة إلا في قاعة الانتظار في العيادة الطبية. فهناك تفاوت صارخ في “الاستهلاك الثقافي والإعلامي” ليس بين بلدان الشمال والجنوب، بل داخل البلد الواحد، مثل الجزائر. أنظر:

François chevaldonné: La communication inégale, l‘accès aux médias dans les campagnes algériennes, France, éd  CNRS, 1981 p 36-40

[91] –  M. McLuhan, ‘The Marfleet Lectures’, quoted by Ian Bogost : Ian became a fan of Marshall McLuhan on facebook and suggested you become a fan too, in D.E. Wittkower , Facebook and Philosophy, What’s on your mind?USA, Carus Publishing Company, 2010, P 195

[92] – Rayport J: Quoted by Ian Bogost : Ian became a fan of Marshall McLuhan on facebook,  P 195

[93] –  Turkle S, ‘Always on/Always on You’,  Quoted by Ian Bogost : Ian became a fan of Marshall McLuhan on facebook, P 195

[94] – W. Brooker, ‘“Now You Are Thinking with Portals”, Quoted by Ian Bogost : Ian became a fan of Marshall McLuhan on facebook, P 195

[95] – Levinson Paul : McLuhan digital a guide to the information millennium, p5

[96] Ibid, P 33

[97] – Hervé Fischer  : À l’âge numérique ,l’émergence de la « conscience augmentée », Revue société, n° 129, Mars 2015, pp 63 -71

[98] – أنظر:

McLuhan, Marshall, McLuhan, Eric. Laws of Media: The New Science, pp 98-99

McLuhan Eric, Zingrone Frank, Essential McLuhan, UK, Routledge , 1997, p 372

[99] – Ian Bogost : Ian became a fan of Marshall McLuhan on facebook and suggested you become a fan too, in D.E. Wittkower , Facebook and Philosophy, What’s on your mind?USA, Carus Publishing Company, 2010, P 32

[100]– Ibid,  P32

[101] – Roy Patrick : Le retour de Marshall McLuhan : Ré-explication et positionnement de sa théorie.

[102] – أنظر على سبيل المثال:

-Nicole B. Ellison, Charles Steinfield, Cliff Lampe: The Benefits of Facebook ‘‘Friends:’’ Social Capital and College Students’ Use of Online Social Network Sites, Journal of Computer-Mediated Communication 12 -2007. doi:10.1111/j.1083-6101.2007.00367.x
-Hubert Guillaud  Comprendre Facebook: “Les réseaux sociaux ont pris le pas sur l’internet. Ils sont désormais le vecteur de nos usages quotidiens du web.” France, éd, publie.net; 2011 P 70

[103] – أنظر على سبيل المثال:Serge Tisseron, L’intimité surexposée, rééd Hachette, 2003; 182 pages     Georges Teyssot, « Fenêtres et écrans : entre intimité et extimité » translate by Marion Delage de Luget, Revue Appareil ; 2010; https://doi.org/10.4000/appareil.2603

[104] – JeanLuc Manise. De l’activisme numérique au militantisme de terrain : de nouvelles formes d’engagement. France, Etude 2012, 26 pages

[105] – Chadwick ( 2013), Quoted by Berta García-Orosa , Xosé López-García, Jorge Vázquez-Herrer: Journalism in Digital Native Media: Beyond Technological Determinism .Media and Communication,  2020, Volume 8. DOI: 10.17645/mac.v8i2.2702

[106] – جون مارك فيري ، فلسفة الاتصال، ترجمة وتقديم عمر مهيبل، الدار العربية للعلوم، منشورات الاختلاف، 2006، ص 9

– [107]   استطاع الباحث أن يرصد بعض الإشكالات التي طرحتها الميديا الاجتماعية على الاتصال داخل المجتمع الجزائري ، منها: السعي إلى جعل الاتصال صريحا بعد أن كان ذا طابع ضمني،  وتراجع مرجعية الاتصال التي كانت تستند إلى أرضية التراتبية  التي تقوم على السن، والمستوى العلمي، والمكانة الاجتماعية، وانمحاء المسافة الفيزيائية الفاصلة بين المتصلين  والعجز عن تعويضها باللفظ، وتراجع الاتصال المكتوب لصالح الاتصال المرئي، فالكاميرا بدأت تحل محل لوحة المفاتيح، والأيقونات Imiticon  بدأت تعوض اللفظ  مما يعسر عملية الاتصال ويعقد تأويلها:

نصر الدين لعياضي:  رهانات الاتصال في العصر الرقمي، مداخلة الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية يوم 26-3-2017 – الجزائر – غير منشورة

[108] – Stangl Andre : La Nature Artificielle de l’Homme: Marshall McLuhan et le post-humanisme ,  translated by Michel Colin, Les Cahiers européens de L’Imaginaire, volume no1, 2011, PP 126-133

[109] – جون ستروك : البنيوية وما بعدها من ليفي شتراوس إلى جاك دريدا، ترجمة، محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عدد 206، فبراير 1996، ص12

[110] – Sideny Finkelstein :  McLuhan prophète ou imposteur; P 19-21

[111] – باتريس فليشي: مرجع سابق

[112] –  أريك ميغري، مرجع سابق، ص 204

[113] – Sideny Finkelstein :  McLuhan prophète ou imposteur, p 93

[114] – أريك ميغري، مرجع سابق، ص 203

[115] – John Fiske: Introduction to  communication studies, Second edition, Routledg, UK, 1990, P18

[116] – Louis-Claude Paquin: Le dispositif média, Url: https://urlz.fr/fMnO

[117] – Simone Morgagni: Repenser la notion d’affordance dans ses dynamiques sémiotiques– Intellectica , N01, 2011;  PP  241-267.

[118] – Duque Nina, Les usages numériques adolescents : vers une ethnographie multisite de la « chambre numérique » in Mélanie Millette and all , Méthodes de recherche en contexte numérique, Une orientation qualitative, Les Presses de l’Université de Montréal, 2020, P160

[119] – Taina Bucher,Anne Helmond :The Affordances of Social Media Platforms.” In The SAGE Handbook of Social Media, edited by Jean Burgess, Thomas Poell, and Alice Marwick. London and New York: SAGE Publications Ltd  ,2018, P 252

[120] – David Buxton : Activement soumis : réseaux sociaux et capitalisme. Imaginaires du néolibéralisme. URL  https://hal.parisnanterre.fr//hal-02318813

[121] – Attallah Paul, Théories de la communication, p. 290

[122] –  عبد الله الزين الحيدري: مواقع التواصل الاجتماعي، المصانع الجديدة لصناعة الرأي العام ، مركز الجزيرة للدراسات ،  يناير/كانون الثاني 2017

[123] – Payen Pascal :François Hartog, Régimes d’historicité. Présentisme et expériences du temps, Revue Anabases, Traditions, réceptions de l’antiquité,France, N0 1-2015 ; https://doi.org/10.4000/anabases.1504

[124] – عن  تدخل الولايات المتحدة في  فيتنام وطريقة حل النزاع   يقول ماكلوهان : ” إن الحرب باعتبارها طريقة قاهرة في التربية وفرض التوجه الغربي، تتمثل في تعليم  الشرق تقينة العصر الصناعي”. نقلا عن:

Sideny Finkelstein :  McLuhan prophète ou imposteur, p 120

[125] – ibid ,p 20

[126] – محمد الراجي: مراجعة كتاب أيديولوجيا شبكات التواصل الاجتماعي وتشكيل الرأي العام  لبابكر مصطفى، معتصم

مركز الجزيرة للدراسات ، كانون الأول، 2015

[127] – Maxime Ouellet, André Mondoux, Marc Ménard : Médias sociaux, idéologie invisible et réel : pour une dialectique du concret, https://doi.org/10.4000/ticetsociete.1391

[128] – Philippe Bouquillion, Jacob T.Matthews, Le Web collaboratif.Mutations des industries de la culture et de la communication Grenoble, Presses universitaires de Grenoble 2010  , p5

[129] – Maxime Ouellet, André Mondoux, Marc Ménard : Médias sociaux, idéologie invisible et réel, revue Tic et societé, France,  vol 8 n 1-2  semestre 2014,  PP58-82 

[130] – MCNAIR, Brian: Cultural Chaos: Journalism, News, and Power in a Globalised World, Routledge, UK, 2006, p200

[131] – الحمامي الصادق، “فيسبوك” تونس تهكّمي، حوار أدلي به لمحمد معمري، العربي الجديد، 4 نوفمبر، 04 نوفمبر/ تشرين الثاني  2014

[132] – Quoted by Dominique Cardon : Pourquoi l’internet n’a-t-il pas changé la politique ? Interview accordée à Hubert Guillaud , Internet actualité du 07, octobre 2010, URLhttps://www.internetactu.net/2010/10/07/dominique-cardon-pourquoi-linternet-na-t-il-pas-change-la-politique

ماذا بقي من نظريّة التلقّي الإعلاميّ لدراسة الميديا الرقميّة؟

                  نصر الدين لعياضي

What remains of reception theory for the study of digital media?

Nacer-Eddine Layadi

Abstract

The theory of media reception has been marginalized in media research in the Arab world, compared to the interest it is given in literary studies. The reasons for this marginalization are multiple, the most prominent of which lies in the predominance of media effect theories on media reflection. The emergence of the trend of sociology of use in the eighties of the last century, which focused on the study of the relationship between the user and the technical tool, did not serve the theory of media reception.

Some researchers argue that reception theory is overtaken by the development of communication technology since usage and interactivity have replaced reception. And they challenge us to reflect on the limits of the receiver’s relationship with the text in the digital media ecosystem.

The present study argues for the use of both the theory of media reception and the trend of sociology of uses and the implementation of their conceptual devices in the study of digital media.

Key Word

Reception, Usage sociology, Appropriation, Interpretation, affordances

ملخص:

ظلت نظرية التلقّي تعاني من التهميش في البحوث الإعلاميّة في المنطقة العربيّة مقارنة بما تحظى به من اهتمام في الدراسات الأدبيّة. والسبب في ذلك يعود إلى عوامل عديدة لعل أبرزها يكمن في هيمنة نظريات التأثير على التفكير في الميديا.  ولم يسهم بروز  تيار سوسيولوجيا الاستخدامات، الذي ظهر في ثمانينات القرن الماضي للبحث عن علاقة المستخدم بالعدّة التقنيّة في تعزّيز مكانة هذه النظرية في دراسة وسائل الإعلام.

يعتقد بعض الباحثين أن تطور تكنولوجيا الاتصال قد جعلت نظرية التلقّي متجاوزة لأن الاستخدام والتفاعل حلا محل التلقّي. لذا يحاول هذا البحث التساؤل عن مآل التفكير في حدود علاقة المتلقّي بالنصّ في بيئة ” الواب2″. وقدم على ضوئه جملة من المبررات العلمية التي تدعو إلى الاستفادة المزدوجة من نظرية التلقّي الإعلامي وتيار سوسيولوجيا الاستخدمات، وتشغيل مفاهيمهما الإجرائيّة لدراسة الميديا الرقميّة.

الكلمات المفتاحية:

التلقّي، سوسيولوجيا الاستخدام، التملّك، التأويل، القدارة.

المقدمة:

تكشف مراجعة الأدبيات المتعلقة بنظرية التلقّي الإعلامي في البيئة الرقميّة عن أطروحتين أساسيتين. الأولى ترى أن هذه النظرية استنفذت حتّى قبل أن تتطوّر تكنولوجيات الإعلام والاتصال التي تعمر حياتنا الراهنة، ولم يبق لها ما تقدمه لدراسة جمهور وسائل الإعلام[1]. والثانية تؤمن بتزايد أهميتها لدراسة مستخدمي الميديا الرقميّة[2]. ولئن فندت البحوث العلميّة المتزايدة التي أجريت على مشاهدي التلفزيون في البيئة الرقميّة، ومستخدمي مواقع الشبكات الاجتماعيّة صحّة الأطروحة الأولى، فإنّ الأطروحة الثانية تتطلب نقاشًا واسعًا ومعمقًا. نقترح تأسيسه على السؤال الذي طُرح منذ عقدين من الزمن، وهو: هل يمكن توسيع مجال تطبيق نظرية التلقّي وعدّتها المفاهمية، التي استخدمت لدراسة جمهور وسائل الاتصال الجماهيري خاصة التلفزيون في بيئة التكنولوجيا التماثلية، إلى الميديا الرقميّة[3].

تقتضي الإجابة عن هذا السؤال تقديم تعريف موجز لهذه النظرية، وملخص مكثف لمنجزها عبر الثقافات المختلفة في بيئة التكنولوجيا التماثلية، وأبرز الانتقادات الموجهة لها، وتعيين مسالك التفكير في علاقة المتلقّي بالنصّ في بيئة الواب 2.

تحمل عبارة التلقّي الكثير من الأسرار[4]، بحكم انتمائها إلى جملة من العلوم: الأنتربولوجيا، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والعلوم السياسية، والنقد الأدبي، وعلوم الإعلام والاتصال. وتحوّلت إلى مفهوم مركزي لدراسة جمهور التلفزيون، والإذاعة، والصحف، والمنصات الرقميّة في شبكة الانترنت، والمسرح، والسينما، والأدب، وغيرها من الفنون. ويحدث في الغالب ألا تتوقف بعض الدّراسات للكشف عن محتوى مفهوم التلقّي وحصر الواقع الذي يغطيه، بل تتعامل معه كتحصيل حاصل ، وكمفهوم مكتسب وجاهز وإجرائي[5]. ربما يعود هذا الأمر إلى جملة من العوامل، نذكر منها تداخل هذا المفهوم مع بعض المفاهيم المجاورة، مثل “الاستهلاك”؛ أي استهلاك المواد الثقافيّة والإعلاميّة” ذي التضمين الاقتصادي والتسويقي. و”التعرض” لوسائل الإعلام” ذو التضمين الوظيفي. هذا إضافة إلى استناد هذا المفهوم إلى مفاهيم أخرى يفترض أنها تستوضحه مثل: Audience (الحضور، المشاهدون، المستمعون)، والجمهور Public. بيد أن هذه المفاهيم تحتاج هي الأخرى إلى ما يستوضحها. فإذا كان بالإمكان الاقتراب من مفهومي Audience والجمهور على الصعيد الأمبريقي، فإنّ تناولهما على الصعيد النظري يطرح الكثير من الصعوبات. فمفهوم الجمهور، على سبيل المثال، لم يحظ بإجماع الباحثين لكونه عبارة عن بناء اجتماعي، وموضع خلاف نظريات الإعلام والاتصال. فنظريتا القذيفة السحرية والنقدية، على سبيل المثال، تصفان الجمهور بالسكون والسلبية. وأنه وعرضة للتلاعب والتضليل، بينما تراه نظرية الاستخدامات والإشباعات نشيطا، ويتسم بقدرته على تمييز ما ينفعه وبكفاءته        في انتقاء المواد الإعلاميّة التي تلبي رغباته وحاجته.[6] بمعنى أخر، إنّ عملية البناء الاجتماعي لجمهور وسائط الإعلام التي قامت وتقوم بها نظريات الإعلام والاتصال قد أبرزت الجمهور    في صور متعدّدة تعايشت مع بعضها، نذكر منها صورة المُصَدِّق، والمخدوع والمغفل، وصورة المُشكِّك والناقد والواعي[7]. وبعضها اعتبرت الجمهور زبونا وحتّى سلعة، وبعضها رآه في صورة المواطن الملتزم بقضايا المجتمع .

في نظرية التلقّي

يُعرف التلقّي بشكل اختزالي بأنه (اللحظة التي تتشكل فيها دلالات النصّ من قبل الجمهور).[8] يذهب البعض إلى أبعد من هذه اللحظة، إذ يقرن التلقّي بتجربة الجمهور الاجتماعية التي تؤطرها شروط إنتاج ” النصوص”، وتداولها، وتلقّيها، واستخدامها[9] .

يبدو التلقّي، على ضوء ما تقدم ، فعلا ثقافيًّا بامتياز. تنتمي دراسته في مجال علوم الإعلام والاتصال إلى جهود “هانس روبرت جوس ” (Henz Robert Jauss ) التي تمركزت في جامعة ” كونستنس” الألمانيّة في ستينات القرن الماضي، والتي اعتمدت على الظاهرتية من أجل استجلاء العلاقة بين النصّ والقارئ. و”شغلت” مفاهيمها التأسيسيّة مثل، أفق التوقع، واندماج الأفقين، وجمالية التلقّي[10]. وينتمي أيضا إلى الدّراسات الثقافيّة Cultural Studies البريطانيّة التي سعت إلى دحض فكرة هيمنة وسائل الإعلام المختلفة على جمهورها وقيادته حيثما تشاء. وبهذا شكلت منعطفا هاما في الدّراسات الإعلاميّة، إذ نقلتها من التركيز على المرسل والرسالة إلى المتلقّي وسياق تلقيه للمواد الإعلاميّة والثقافيّة. وحرّرت هذه الدراسات من هيمنة التأثير لتضعها في أفق أرحب يكمن في استقلالية الجمهور، وقدرته على التفاوض مع ما يقرأه ويسمعه ويشاهده من أجل إنتاج المعنى أو مشاركة المُرْسِل في هذا الإنتاج.

رغم أن البعض أرّخ لدراسات التلقّي الإعلامي بصدور كتاب ريتشارد هوغرت : The uses of literacy: Aspects of working class life: with special reference to publications and entertainments  في 1957، والذي فند فيه الرأي السائد الذي يغالي في تأثير الصناعات الثقافيّة على الفئات الشعبيّة في بريطانيا، والطبقة العاملة تحديدا[11] ، إلا أننا نميل إلى الاعتقاد بأن انطلاقة نظرية التلقّي الفعليّة تمت في سبعينات القرن الماضي على يد عالم الاجتماع البريطاني ” ستيورت هول” ( Hall  (Stuart من خلال نموذجه: التشفير Encoding / وفكّ التشفيرDecoding [12]، والذي بيّن فيه بأن المعاني التي يستخلصها الجمهور قد لا تتطابق بالضرورة مع تلك التي استهدفها المُنْتَج الإعلامي والثقافي. وهذا يعني احتمال تحويرها وتأويلها وفق سياقات التلقّي ومرجعية المتلقّي الاجتماعيّة والثقافيّة والسّياسيّة.

لقد فتح هذا الكتاب الأفق لجيل من الباحثين داخل بريطانيا وخارجها لتطوير دراسات التلقّي. يأتي في مقدمتهم الباحث “دافيد مولي ”( David Morley ) الذي وضع عُدّة مفاهيميّة ومنهجيّة لفهم العلاقة بين التلفزيون وجمهوره. وبهذا تمكن من تجرّيب نموذج ” ستيورت هول ” من جهة، والابتعاد من جهة أخرى عن السحر الذي مارسته السيمياء آنذاك، والتي تقترح معنى وحيد للنصّ تفرضه على كلّ المتلقّين[13]. وقد سمح له هذا التجرّيب من التأكّد من أن النموذج  المذكور يخلط بين العديد من القضايا المرتبطة بالإطلاع على المادة المشفرة، وفهمها، وتأويلها، ورد الفعل تجاهها. وكلها قضايا يجب التمييز بينها.[14]

لم يقم “دافيد مورلي” بدراسة تلقّي برنامج تلفزيوني محدّد أو برامج قناة تلفزيونيّة دون غيرها، بل ركز على عملية المشاهدة التلفزيونيّة في حد ذاتها، وذلك لأن التلفزيون كان في ثمانينات القرن الماضي الوسيلة الإعلاميّة الأكثر استحواذا على المشاهدين في الوسط العائلي. واستنتج بأن المشاهدة التلفزيونيّة ليست فعلا بسيطا وسطحيا، بل إنّها في غاية التعقيد لكونها تتزامن مع جملة من الممارسات في السياق البيتي، ولا تفهم من خارج هذا السياق. وبهذا جعل سياق المشاهدة بديلا لــ ” تفكيك التشفير”.[15]

نأى “ميشال دو سارتو” ( Michel De Certeau) عن نموذج “موريس هال”، وبالتالي عن عملية التشفير، وركز على المتلقّي بابتكاره مفهوم “الصيد غير الشرعي” Poaching ، بمعنى أن ما يقوم به الجمهور في قراءته أو مشاهدته أو استماعه للمادة الإعلاميّة والثقافيّة يشبه عملية صيد المعاني، لكنه صيد غير مباح. ويفسر ذلك بالقول: ) إنّ القارئ يلعب بالنص، ويصنع بموجبه شيئا ما. يُطبق تكتيكه في القراءة، يرتب، ويبدل، ويلتف، ويقاوم إلى درجة تصبح لا دلالة للنص سوى لدى قرائه(.   [16]

قدمت الباحثة صونيا لفيغنستون[17] المفاتيح الثلاثة لفهم دراسات التلقّي الإعلامي، وهي كالتالي:

  • لا يمكن التكهن بما يقرأه القارئ انطلاقا من معرفته للنصّ فقط. وهذا الأمر لا ينفي وجود معنى وحيد لهذا النص فحسب، بل يؤكد أيضا بأن ما يستنتجه القراء الأمبريقيون من النصّ قد يكون تسلويَا أو نقديّا أو إبداعيّا؛ أي يمكن للقارئ أن يلتف على المعنى الذي يتضمنه النصّ، كما كشفت عن ذلك “جانيس رادوي”[18]. أو يقاوم المعنى الكامن في النص، كما بيّن ذلك جون فيسك[19]. أو يتملّك الرموز والعلامات التي تحملها الدراما التلفزيونيّة في بيئة متعددة الثقافات، كما كشفت عنه الباحثتان “ميلر فلوريس”، و”هرمس جوك”[20]. إنّ هذه الحالات وغيرها تعمق محتوى مفهوم ” التداول الاجتماعي للمعنى”[21]، ولظاهرة” التشكيل الاجتماعي لظاهرة التأويلات”.[22]

2- فتحت دراسات التلقّي الإعلامي المجال لاستكشاف الجمهور الأمبريقي المتعدّد ثقافيًّا وانتربولوجيًّا الذي يؤول المادة الإعلاميّة والثقافيّة في سياق اجتماعي مخصوص يلغم خطاب الهيمنة الايديولوجيّة المزعوم الذي تمارسه وسائل الإعلام. وهذا دون أن تفتح الباب على مصرعه على مقاومة جذرية وغير محدودة لهذه الأيديولوجيا.

3- أولت الدّراسات المذكورة عناية بالغة لتسييق contextualisation تلقّى وسائل الإعلام في الحياة اليوميّة، فسمح لها بتشخيص سلطة إعادة إنتاج التراتيبيّة أو التراصف الاجتماعي stratification، وعدم المساواة المهيكلة للنظام الاجتماعي بجانب التكتيكات الصغرى التي تُمكّن المتلقّى من تملّك النصوص وتكنولوجيا الإعلام وتعديلها وتكيّيفها.

بالطبع، إنّ إدراك أهمية هذه المفاتيح تكون ناقصة ما لم نأخذ بعين الاعتبار تحقيبها التاريخي الذي وضعه الباحث الدانيماركي، “كيم كريستان شرودر”( Schrøder, Kim Christian )[23] . ورغم المآخذ التي نسجلها على التداخل الحاصل في المراحل التي صنفها، إلا أنه لفت النظر إلى أن دراسات التلقّي الإعلامي اندرجت في سياق تطوّر المجتمعات الغربيّة تقنيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا. فهذه الدّراسات لم تأت من فراغ، ولم تُجْر تلبية لهاجس علمي فقط، بل جاءت استجابةً لطلب اجتماعي وتعبيرًا عن هاجس سياسي، مثل الكشف عن مساهمة وسائل الإعلام في تشكيل الوعي السياسي في مجتمع منقسم إلى طبقات، وتبيّان كيف تسلح وسائل الإعلام المواطنين ليصبحوا فاعلين سياسيين في الديمقراطيّة التمثيليّة. ودراسة تداعيات ” ثقافة المواءمة ” the convergence Culture في محاولتها للكشف عن العُدّة الرقميّة التي تؤدي إلى تشكل جمهور وسائل الإعلام النشيط، والدفع به إلى أسمى مستوى من المشاركة السّياسيّة. ووسعت دراسات التلقّي في وقتنا الحالي الأفق السياسي ذاته، من خلال التأكيد على ” المواطنة” الدائمة الموجودة في كلّ مكان وكلّ وقت، ممّا دفع بالسياسة لتُمارس خارج ” الفضاء العمومي الهبرماسي”.

نقد نظريات التلقّي في البيئة التكنولوجيّة التماثليّة.

تتعدّد المداخل لنقد نظريات التلقّي، نذكر منها ما يلي:

  • نظرا لاستفادة نظرية التلقّي الإعلامي والثقافي من أرث جامعة “كوسنتس” الألمانية، فقد نالت نصيبها من النقد الموجه لهذه المدرسة. لقد أوخذ على هذه المدرسة، التي حرّرت الدّراسات الأدبيّة من النزعة البنيّويّة والبلاغيّة، بتركيزها على المتلقّي وخلفياته الاجتماعيّة والثقافيّة. ووُصفت بأنها تتسم بطابعها النخبوي و” المصطنع”. فالمتلقّي المُهِم بالنسبة لها هو ذاك الذي يسيطر على المدونات اللسانيّة، والعارف بتاريخ الأدب، والمستعد للعب لعبة النصّ[24]. وهذه مواصفات تنطبق على بعض النقاد وليس على كلّ القراء. ويرى “بيار بورديو” ( Pierre Bourdieu ) نقائص نظرية القراءة ) التلقّي(، وما تقرّه من تأويل، في كونها لا تأخذ بعين الاعتبار كلّ ما يرتبط بالسياق التاريخي والاجتماعي للإنتاج النصّ.[25]
  • بالفعل، لا يمكن اختزال عملية التلقّي في لقاء الجمهور بالمادة الإعلاميّة والثقافيّة، بل في احتمال ما ينجم عن هذا اللقاء من تأويل مُنْتِج للمعنى. وهنا تكمن إشكالية التلقّي. فمن الصعب تحديد تخوم هذا التأويل. فالتأويل يولد تأويلا إلى ما لانهاية. لذا أقر “جون فيسك” (  Jean Fiske) بأن المعنى غير مستقر لأنه عرضة لإعادة التأويل والاعتراض عليه[26]. وهذا ما أدى بــ “أريك ميغري”Eric Megret  [27] إلى وصف عملية التلقّي بالهشة لكونها تفتقد قاعدة تسمح بالفهم الكامل والتنبؤ  بما يقوم به هذا الشخص او ذاك الجمهور أمام المحتويات الثقافيّة والإعلاميّة.
  • إنّ مفهوم ” الديمقراطية السيمائيّة” أو حرب “العصابات السيمائيّة”[28] التي تندرج ضمن المفاهيم التي ولجت دراسات التلقّي تمنح شرعية لتفعيل آليات السوق الثقافي. وتبرّر ما تقوم به الليبراليّة المتطرفة في المجال الثقافي والإعلامي. فدراسات التلقّي لم تأخذ بعين الاعتبار الاستراتيجيات الإعلاميّة والاتصاليّة التي تتبناها المؤسسات الإعلاميّة، ولا سياستها التسويقيّة والتجاريّة، ولا الصراعات الكبرى التي تخوضها المؤسسات الإعلاميّة من أجل استدراج الجمهور و”القبض” عليه، حتىّ وإنّ كان هذا الجمهور رافضا للمعنى الذي تروجه، ومتمردا عليه.
  • هل يبرّر ما سبق قوله ما ذهب إليه  “لويس كيرى” (  Louis Quéré )[29]عندما أكّد بأن الدّراسات الثقافيّة Cultural studies أوصلت نظرية التلقّي إلى طريق مسدود؟ فعلى الرغم من اقراره بأن دراسات التلقّي فتحت أفاقا واسعة لدراسة وسائل الإعلام والتلفزيون تحديدا وأنجزت بحوثا ميدانيّة مهمة إلا أنه جزم بأنها لم تفلح في تقديم برنامج بحث حقيقي وواضح، يستند إلى أسس نظرية ومفهوميّة صلبة، بل ذهب إلى أبعد من هذا في تأكيده على أن دراسات التلقّي الإعلامي سقطت في الأيديولوجيا وهي التي تزعم أنها تروم تحريرها منها. ويوضح فكرته هذه بالقول أنها سعت إلى الدحض الضمني للحركة الفكريّة التي تؤمن بقوة وسائل الإعلام وتأثيرها، والتي وجدت أنصارا ومؤيدين لها، بدل العمل على بنائها نظريًّا ومفهوميًّاـ وتأسيس إطار للتقصي والبحث.
  • نعتقد أن تركيز دراسات التلقّي على الجمهور حال دون تقديمها الكثير من المعرفة عن وسائل الإعلام، وخاصة التلفزيون، بقدر ما أتاح لها تقديم الكثير من معلومات والأفكار عن التنظيم الاجتماعي، والعلاقات الاجتماعيّة، وعلاقات السلطة، وصورة الذات الجماعيّة أو الخصوصيات الثقافيّة. والأمثلة في هذا المجال عديدة، يمكن أن نذكر بعضها من التوضيح وليس الحصر: الكشف عن مصدر السلطة داخل العائلة والعلاقة القائمة بين الذكور والإناث من خلال مشاهدة التلفزيون مثلما بيّنت ذلك بحوث مشاهدة التلفزيون التي قدمها دفيد مورلي[30] ، أو نظرة المرأة لذاتها عبر قراءة الروايات العاطفيّة[31] أو إبراز بعض السمات الثقافية والعرقيّة داخل المجتمع الإسرائيلي عبر مشاهدة مسلسل “دالاس” التلفزيوني في إسرائيل[32] أو الكشف عن طباع الجزائريين ومزاجهم والثقافي عبر مشاهدتهم للمسلسل التلفزيوني الأمريكي “دالاس” [33]. لعل هذه الأمثلة تكشف توجه دراسات التلقّي إلى فهم الجمهور أو المجتمعات أو الجماعات الاجتماعية أو “الجندر” من خلال الميديا، والتلفزيون تحديدا، بدل فهم الميديا.

لا يمكن لنقد نظرية التلقّي مهما بلغت حِدّته أن ينكر مساهمتها البارزة في البحث عن جمهور وسائل الإعلام على ضوء المقاربة الظاهراتية بعد أن ظلّ ردحا من الزمن خاضعا للمقاربة الوضعية. وأثرت دراسته على الصعيد المنهجي بعد أن كان مقتصرا على الدّراسات الوصفية كما  يجسده مسح الجمهور لتحديد مورفولوجيته السوسيولوجيّة، وتكمّيمه من أجل ضبط سوق المشاهدة التلفزيونيّة في البلدان الديمقراطيّة.

تتجلّى قيمة نظرية التلقّي فيما لخصه الباحثان إليهو كاتز، وتمار ليباس بالقول:

) قبل بروز نظرية التلقّي كان بعضنا يدرس نصوص الثقافة الشعبية، وبعضنا الأخر يدرس تأثيرها على الجمهور. فالبعض الأول لم يكن يعرف أي شيء عن الجمهور، والبعض الثاني لا يعلم أي شيء عن هذه النصوص( [34]

نظرية التلقّي والدّراسات الإعلاميّة في المنطقة العربيّة:

تكتسي معرفة كيفيّة تلقّي الجمهور في المنطقة العربيّة لبرامج التلفزيون والإذاعة أهمية قصوى. هذا ما يستشف من الشهادة التي قدمها الأستاذ الشاذلي الفيتوري[35] منذ أزيد من نصف قرن، إذ ذكر أنه خرج وزملاؤه من الجامعة التونسيّة في السنة 1961 في نزهة في جزيرة جربة التونسيّة. فلاحظوا راعي قطيع من المعز يحمل جهاز ” ترانزيستور “. فاستفزه أحد زملائه بقوله: “أنظر، الإذاعة تُعَلِّم الشعب”. فاتّجه صوب الراعي ليسأله عما يستمع في الجهاز. فأجابه فورا إنّه يستمع إلى أغان بدوية. ثم سأله ثانية: هل تعرف من يحكم تونس؟ فأجاب الراعي: إنه الباي! فاستطرد في السؤال: وهل تعرف من هو الحبيب بورقيبة؟ فجاء رد الراعي سريعا: إنه زعيم سياسي! هكذا لم تستطع الإذاعة التونسيّة، التي تحوّلت إلى جهاز دعاية بعد استقلال تونس، أن تعلم أبناء الشعب الفقراء بأن بورقيبة أصبح رئيس تونس، وأن الباي قد أجْبِر على ترك العرش قبل ست سنوات! ولا يستطيع أي شخص أن ينكر بأن الإذاعة التونسيّة لم تكف عن ذكر اسم بورقيبة أكثر من مرة في اليوم، والتغني بالنظام الجمهوري في تلك السنوات.

حقيقة، إن هذا الراعي لا يمثل الشعب التونسي، الذي تتوجه إليه الإذاعة التونسيّة بخطابها لكنه يطرح، بشكل أو أخر ، إشكالية تلقّي المستمع والمشاهد في العديد من البلدان العربيّة للبرامج الإذاعيّة والتلفزيونيّة.

يغلب على بحوث الإعلام في المنطقة العربيّة المنشورة في المجلات العربيّة المتخصصة§، والمنصات الرقمية الأكاديمية، مثل المنصة الجزائرية للمجلات العلمية، وموقع Academia.edu، وموقعGoogle.scholar، وموقع “https://www.researchgate.net” ، وقاعدة البيانات الرقميّة الأكاديميّة “معرفة” (https://search.emarefa.net ) وقاعدة بيانات ” مبتعث” لبحوث الدكتوراه والماجستير في الإعلام (www.mobt3ath.com  )  الاهتمام المفرط بدور وسائل الإعلام وتأثيرها على الجمهور انطلاقا من مكونات النصّ الإعلامي فقط، دون السؤال عن الجمهور. إنها تنطلق من تصور جاهز لأدوار وسائل الإعلام وتأثيرها      على الجمهور النابع من البراديغم الوظيفي. وبهذا لم تهتم بالمعنى الذي يستخلصه الجمهور من المواد الإعلاميّة والذي يمكن الوصول إليه بالاستناد إلى البراديغم الظاهراتي.

نميل إلى الاعتقاد بأن العديد من الدّراسات التي أنجزت عن جمهور وسائل الإعلام في البلدان العربيّة استندت إلى البراديغم الوظيفي. ولم تتمكن، مع الأسف، من تشخيص المورفولوجيّة الاجتماعيّة لجمهور هذه القناة التلفزيونيّة أو المحطة الإذاعيّة أو برنامج من برامجها. لقد اتجه جلّها إلى تحديد أنماط التعرض للقنوات التلفزيونيّة أو عادات مشاهدتها[36] والتي يقصد بها: وقت المشاهدة، نوعيّة البرامج التي تُشاهد ، كثافة المشاهدة ، دوافع المشاهدة ، والإشباعات المحقّقة. وحاولت دراسات أخرى معرفة “اتجاهات” الجمهور. لقد رحّلت مفهوم “الاتجاه” من حقل علم النفس، الذي يشترط سلم القياس، إلى حقل علوم الإعلام. فاكتنف الغموض مقاصده: هل يعني رأي أو موقف المشاهد من قناة تلفزيونية أو برنامج تلفزيوني؟ هل يعني تقييم الجمهور للمادة الإعلامية أو الوسيط الإعلامي؟ هل يقصد به الوقت الذي يخصصه الجمهور لمشاهدة هذه القناة أو الاستماع إلى الإذاعة، أو مدى استفادته منها؟

وإن كانت هناك ضرورة لدراسة الجمهور من زاوية تعرضه لبرامج التلفزيون أو الإذاعة أو الكشف عن أنماط مشاهدتها أو اتجاهات هذا الجمهور فإن ما ينجم عن هذه الضرورة لا يصب   في الإشكالية التي تطرحها نظرية التلقّي، التي ذكرناها أعلاه، وأثارتها ملاحظة الأستاذ الفيتوري.

ما سبق قوله لا ينفي وجود بعض بحوث الإعلام في المنطقة العربيّة التي اتخذت من التلقّي عنوانا لها، لكنها تعاملت معه كمرادف للتعرض أو المشاهدة أو الاستماع.[37] أو حاولت دراسة التلقّي من منظور وظيفي: الاستخدامات والإشباعات وليس من زاوية التأويل وإنتاج المعنى. وبعضها توقف عند حدود الدّراسات المسحية للجمهور.[38]

من البحوث القليلة جدًّا التي تصدت إلى إشكالية تلقّي الجمهور للمواد الإعلاميّة والثقافيّة في البلدان العربيّة نقتصر على أبرزها في الجدول التالي. ولا نزعم أنها تمثل مجتمع البحث تمثيلا صادقا، بل يمكن اعتبارها كمؤشرات لبحوث التلقّي الإعلامي.

الموضوع الوسيلة المقاربة تساؤلات البحث أدوات جمع البيانات وتحليلها
الكاريكاتير السياسي في الصحافة الجزائرية ورهانات التلقّي[39] الصحف الجزائرية §      تفهمية §      ما هي المعاني والدلالات التي يحملها الكاريكاتير السياسي في الصحف الجزائرية ؟

§  ما هي قراءات الجمهور للكاريكاتير السياسي في الصحف الجزائرية؟

· دراسة سيمائية للكاريكاتير السياسي

· مقابلة نصف مقننة مع عينة من القراء.

“هنا صوت الجزائر”[40] الإذاعة §      تفهمية §      كيف تعامل الجزائريون والمعمرون في الجزائر المستعمرة مع الإذاعة

§      كيف تغير موقف الجزائري من الإذاعة بعد الثورة؟ وماذا أصبحت تعني له.

·  الأرشيف والإحصائيات

·  الاحتكاك بالجزائريين   والأوربيين في مستشفى الأمراض العقلية

· المشاركة في الجهاز الإعلامي لثورة التحرير الجزائرية

التلقّي عابر الحدود للمسلسل التلفزيوني[41] التلفزيون-

تعدد الحوامل الرقميّة

§      بنائية §      ما هي أهمية الدراما التلفزيونيّة في البناء الهوياتي لجمهورها في في واقعيه العيني والافتراضي؟

§      كيف يفهم المشاهدون المغاربة داخل الوطن وخارجه العلاقة بين ما هو محلي وما هو عالمي عبر مسلسل “لالا منانة” التلفزيوني الذي بث عبر تعددية الشاشات؟

·  تحليل بنيوي لصفحة المعجبين بهذا المسلسل في صفحة الفيسبوك

· مقابلة نصف مقننة مع عينة من مشاهدي المسلسل في منطقة “شفاشون” المغربية التي صُور فيها المسلسل، ومع مغاربة من الشتات شاهدوا المسلسل التلفزيوني المدروس

·  مقابلة مع بطلة المسلسل التلفزيوني

الإعلام الفضائي العربي وإدراك التغيير في العلاقة بين الجنسين[42] التلفزيون §      التفهمية § كيف يدرك الطلبة الجامعيون في شرق الأردن العلاقة بين الترفيه التلفزيوني العالمي والتغيير الاجتماعي، خاصة ذي الصلة بالعلاقة بين الجنسين: الذكور والاناث؟ ·  الاستبيان

· المجموعة البؤرية

الاتصال غير المتكافي[43] وسائل الاتصال الجماهيري:

صحف، إذاعة، تلفزيون

§      التفهمية § هل تعمل وسائل الاتصال الجماهيري على إحداث التجانس الثقافي في الجمهور الجزائري؟

§ كيف تؤثر الظروف السيئة لتلقّي المواد الإعلامية وفك تشفيرها على الاختيار الإعلامي للفلاحين الجزائريين في سبعينات القرن الماضي؟

§ كيف يؤثر الاتصال غير المتكافئ على التمايز الاجتماعي، وعلى إعادة إنتاج المعنى؟

·  دراسة مونوغرافية

·  الاستبيان

· المقابلة

· الملاحظة بالمشاركة.

تصورات الجمهور التركي والفلسطيني والمصري للمسلسلات التركية [44] التلفزيون §      بنائية § كيف يتفاوض الجمهور العابر للثقافات  مع المسلسلات التركية؟

§ ما هو تصور المشاهدين للحداثة كما تعبر عنها المسلسلات؟

·  المقابلة

· المجموعات البؤرية

الجزائريون يشاهدون مسلسل “دالاس” الأمريكي[45] التلفزيون §      تفهمية §  كيف فهم الجزائريون السرد التلفزيوني في مسلسل دالاس في ظل تحول المجتمع الجزائري في ثمانينات القرن الماضي؟ ·  المقابلة وتحليل شهادات الجمهور والصحافيين

· تحليل بعض النصوص الصحفية التي كتبت عن المسلسل

عادات المشاهدة التلفزيونية في المجتمع التارقي*[46] تلفزيون §      تفهمية §  ما هي القنوات التلفزيونية التي تختارها الأسر التارقية وأنواع المضامين المنتقاة من قبل كل فرد؟

§   ما مدى فهم أفراد الأسرة التارقية للغة ومضامين برامج التلفزيون؟

§   من هو صاحب سلطة اتخاذ قرار المشاهدة التلفزيونية في الأسرة؟

§    ما هـي مختلف التأويلات الناتجة عن عملية التلقي؟

·  دراسة اثنوغرافية

الملاحظة المباشرة أثناء فعل المشاهدة

المقابلة نصف الموجهة مع أفراد ثلاث أسر تارقية.

تلقي وسائل الإعلام العربية الدولية عبر الأقمار الصناعية والانترنت[47] تلفزيون –انترنت §      بنائية § ما هي مكانة وسائل الإعلام لدى الجالية المغاربية في مدينة موريال؟

§ هل أن تلقّي الجاليات المغاربية لوسائل الإعلام العربي تدفعهم للانطواء الهوياتي في إطار “غيتو”؟

§ هل يؤدى تلقّي الجالية المغاربية لبرامج وسائل الإعلام العربية إلى ” تهجين” ثقافتهم في سياق المشاهدة الكندي؟  

·  دراسة إثنوغرافية

المقابلة المعمقة نصف موجهة لـ 16 مبحوث مهاجر ذوي مسارات حياتية ومهنية مختلفة، والكشف عن علاقتهم بوسائل الإعلام المحلية والعربية.

تمثلات المرأة في صفحات الميديا التقليدية في   الفيسبوك.[48] الميديا التقليدية – صفحة الفيسبوك §      تفهمية § ما هي تمثلات مستخدمي ومستخدمات مواقع التواصل الاجتماعي للمرأة في الفضاء الافتراضي؟

§ وما هي الموارد الثقافية التي يوظفها المستخدمون والمستخدمات لمواقع التواصل الاجتماعي لتأويل مضامين الميديا عن المرأة؟

§   تحليل مضمون الصفحات التي أنشأتها الميديا التقليدية العربية عن المرأة

§   إبراز تأويل مستخدمها ذكورا وإناثا من خلال جملة من المؤشرات: الأسماء المستعارة، وصور الملمح، التعليقات، وأسلوب الحجاج ….

نظرية التلقّي الإعلامي في البيئة الرقميّة:

إنّ الاطلاع على بعض البحوث التي تناولت عملية التلقّي الإعلامي عبر الحوامل الرقميّة المتعدّدة يحفز على التفكير في فاعلية نظرية التلقّي الإعلامي لدراسة الجمهور في بيئة الواب 2 العابرة للثقافات من خلال النقاط التالية:

  • يُعتقد أن حدود نظرية التلقّي الإعلامي تتجلّى أكثر في بيئة الواب 2 لأنها تسعى إلى توضيح العلاقة الملتبسة التي تجمع القارئ بالنصّ، لكن مكانة هذا النصّ تراجعت في البيئة الرقميّة لصالح العُدّة التقنية Device . تبدو هذه الحجة مقنعة على الرغم من أن الباحث دافيد مورلي،[49] الذي يُعتبر من رواد نظرية التلقّي، لم يركز في بحوثه على قناة تلفزيونيّة بعينها أو على برنامج تلفزيوني محدّد، مثلما فعلت العديد من بحوث التلقّي الإعلامي. لقد اهتم مورلي بالتلفزيون كعدّة تقنيّة. وصك جملة من المفاهيم، مثل التكنولوجيا العائليّة، والديناميكية العائليّة، التي مكّنته من منح قيمة اجتماعيّة وثقافيّة وتواصليّة للتلفزيون في السياق العائلي، والكشف عن مكانته         في الحياة اليوميّة لدى الأسرة البريطانيّة في مطلع ثمانينات القرن الماضي. لكن هذا لا يمنع من القول أن أغلب بحوث التلقّي الإعلامي ركزت على علاقة المتلقّي بالمادة الثقافيّة والإعلاميّة ، ولم تهتم بالحامل – العدّة التكنولوجيّة- إلا في حدود ضيقة.
  • تستخدم نظرية التلقّي الإعلامي عُدَّة مفهوميّة مستقاة من النقد الأدبي أن لم تكن مرتبطة بنمط الاتصال المكتوب، مثل النصّ والقراءة. العُدّة التي يعتقد أنها فقدت أهميتها في فهم الاتصال  في العصر المرئي.

يعود مفهوم النص في نظرية التلقّي إلى الدّراسات الثقافيّة التي لا تحصره في المعنى الاصطلاحي الوارد في القواميس، بل وظفته من باب الاستعارة ليشمل الصورة الثابتة والمتحركة، والأفلام، والبرامج التلفزيونيّة، والإذاعيّة، واللقطات الإعلانيّة والوسيلة الإعلاميّة. وقد تبلور    في ظل الدّراسات السيميائيّة التي استفادت منها هذه النظرية. فمفهوم “النصّنصة”  Textualization يملك قيمة جوهريّة في الدرس السيميائي. فعالم اللسانيات الدانيماركي “لويس هلمسيف” ( Hjelmslev Louis ) أوحى بأن لا شيء يفلت من تشكيله كنص. فالنصّ هو موضوع السيمائيات وحدّ لها[50].

ويتعدى مفهوم القراءة لدى أصحاب نظرية التلقّي المعنى الاصطلاحي، والذي يعني فك حروف النص المكتوب. إنّه مسار من ابتكار المعنى يتدخل فيه التفاوض مع النصّ- بالمعنى المذكور أعلاه- وتأويله الذي يتجسد عبر مستويات مختلفة تحدّدها جملة من المتغيرات، تأتي في مقدمتها كفاءة المتلقّي المعرفيّة وتجربته الاجتماعيّة. وهذا يؤدي إلى القول أن لكلّ نص قراءات متعددة.

3. يصدق على الجمهور، الذي يُشكل إطارا مركزيا لدراسة التلقّي الإعلامي، ما قاله الفيلسوف الألماني “هيرمان إبنجهاوس”( Hermann Ebbinghaus)  عن علم النفس: إنّه يملك ماضيّا موغلا في القدم لكن تاريخه قصير[51]. لقد عُرف مفهوم الجمهور، الذي واكب ميلاد وسائل الاتصال الجماهيري، بأنه ” جماعة من البشر مرئية، ومعترف بها، ومدركة لمرؤئيتها، والتي يمكن من خلالها  توقع تمظهراتها الملموسة [52] . لقد طرح هذا المفهوم إشكالا نظريًّا على الدارسين، ويتمثل في معرفة متى يمكن القول أن المتفرج والمشاهد والمستمع تحولوا إلى جمهور في عصر التكنولوجيا التناظريّة ناهيك عن عصر التكنولوجيا الرقميّة؟ وهل أن جمهور وسيلة إعلامية ما واحد أم متعدّد؟ وهل ضاع القاسم المشترك في هذا التعدّد؟ وهل أن الاستعمال الفردي للوسيلة وتشذر المواد الإعلاميّة عبر تعدّد الحوامل الإعلاميّة الرقميّة قد وضع حدا للجمهور؟ إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة تؤدي إلى التساؤل عن الجمهور في ظل التحولات التي تعيشها الميديا المعاصرة، وتداخل الانتاج والاستخدام )   ” الانتخدام “** produsage (.

إنّ الجمهور “موجود في كلّ مكان ولا مكان” في الفضاء الافتراضي، لكن هل يمكن دراسته بالطريقة التقليدية؟ فما كان يطلق عليه مسمى الجمهور في السابق هم أشخاص كانوا يستخدمون وسائل الإعلام لأغراض محددة بشكل أساسي، دون غيرها، خلال فترة معينة، ثم يكفون عن استخدامها، لينصرفوا إلى ممارسة نشاطات أخرى. أما ” ما يعتقد أنه جمهور” في البيئة الرقميّة فقد أصبح ذا علاقة دائمة بالوسيلة ولا يتوقف عن استخدامها.[53] إنّه الجيل الذي يمكن وصفه بذي القابلية على القيام بالعديد من المهام في آن واحد Multitaske Generation . لذا يشكك بعض الباحثين في وجود شيء اسمه جمهور الميديا في الفضاء الافتراضي.[54]  هذا على الرغم من أن الناس لازالوا يشاهدون برامج التلفزيون التقليدي والأفلام السينمائيّة سواء في بيوتهم أو خارجها.

لقد جعلت الميديا الرقميّة جزءا كبيرا من نشاط مشاهدي برامج التلفزيون عبر مختلف الحوامل الرقميّة ظاهرا  للعيان لم نألفه في مشاهدة التلفزيون كما وصفها “دافيد مورلي”. فمن النقر على أيقونة الإعجاب إلى التعبير عن المشاعر والآراء باستعمال الأيقونات – Simeley- مرورا بإشراك الغير في المشاهدة سواء بإعادة إرسال ما يشاهد كلّه أو في شكل مقاطع فيديو فقط، أو تذيل الفيديو بتعقيب، أو مناقشة الأصدقاء الافتراضيين أو الفعليين فيما يشاهدون  بشكل مواز ومتزامن مع المشاهدة. وغني عن القول أنّ هذه المناقشة تتطلب استخدام شاشتين، وغيرها من الممارسات، التي وسعت مفهوم المشاهدة ومططت الأساليب والآليات التي تسمح بإعادة إنتاج المعنى بشكل مرئي. وقد ترتب عن كل هذا أن البيئة الرقميّة ساهمت بنشاط في فسخ عقد المشاهدة الذي كان يجمع المشاهد والتلفزيون التقليدي.

يقترح الباحثون، الذين يعتقدون أن نظرية التلقّي أصبحت متجاوزة بفعل ديناميكيّة البيئة الرقميّة استبدالها بالمشاركة . فالتفكير في الاتصال الميدياتيكي، حسب الباحث “سيغر سيلين” (Ségur Céline)[55] ، يجرى اليوم في إطار براديغم المشاركة التي كانت تمارس في الميديا ” التقليدي”، لكن مجال تطبيقها اتسع في ظلّ التكنولوجيا الرقميّة وبفضلها. ويمكن أن تنطلق مع بداية الإنتاج التلفزيوني، مثل اقتراح بعض المواضيع على معدي البرامج التلفزيونيّة أو اقتراح تكملة لسيناريو فيلم أو مسلسل تلفزيوني، أو من خلال ما تمارسه نوادي المعجبين ببعض البرامج التلفزيونيّة والإذاعيّة من تأثير على محتوياتها أو مواضيعها، أو عبر تصويت المشاهدين على مسار الألعاب التلفزيونيّة أو برامج تلفزيون الواقع. وبالنظر إلى لجوء بعض القنوات التلفزيونيّة إلى  نشر شرائط فيديو أو” نصوص” مستقاة من  مواقع التواصل الاجتماعي، مثل تغريدات مشاهدي برامجها السّياسيّة على موقع شبكة ” تويتر”، ندرك محدودية هذه المشاركة، والتي تكشف عن العجز الواضح عن نقل السلطة من التلفزيون، الذي يمارس أبويته ، إلى الجمهور حتّى وإن كان هذا الأخير حاضرا في الأستوديو، وطرفا في النقاش الدائر في البرامج التلفزيونيّة.[56] لذا لا نعتقد بأن المشاركة التلفزيونيّة، التي ترسخ فكرة ” الجمهور النشيط والفاعل”، تحلّ محل مفهوم التلقّي أو تلغي نظريته.

من أجل تجديد نظرية التلقّي لدراسة الميديا الرقميّة لا يوافق الباحث “شودرو كريم كريستان”[57] على إدراج المشاركة في أفق نظرية التلقّي فحسب، بل يضيف لها عملية الوساطة الميدياتيكية ” Mediatization” التي يرى بأنها لا تأخذ بعين الاعتبار الجمهور. فـــهذه ý الوساطة ” هي ميتا مفهوم  méta-concept للطريقة التي يُدار بها النظام الاجتماعي. إنّها ليست تقريرا عن مبدأ لنظام مخصوص يستند إلى وسائل الإعلام (…) وينتظر منها أن تشمل التقارير المتنوعة عن الطريقة التي يتم بها توريط وسائل الإعلام في تحولات مختلف حقول الفعل والمنافسة{.[58]

ويضيف الباحث الدانيماركي ذاته، مفهوم “الجمهرة”  Audientization  للوساطة الميدياتيكية. ويوضح فكرته بالقول: يعني هذا المفهوم أنه يتوجب علي كلّ دراسة لمسار هذه الوساطة دمج نشاط المشاهدة الناجم عن الانتباه أو الانخراط الواعي في الميديا المدروسة نظرا للطريقة التي يؤثر بها هذا النشاط، مهما كان ضئيلا وذا تأثير ضعيف على تكوين الميديا، وعلى علاقتها ببقية مؤسسات المجتمع.[59]

بالنظر إلى ما سبق عرضه يقترح الباحث “أليفي دونات ” الاستعانة بمفهوم الاستخدام لدراسة ” جمهور” الميديا الرقمية لأن هذا الأخير أصبح مستخدما نظرا للعُدّة الرقميّة التي تدعو مستخدميها إلى التفاعل سواء بالتعبير عن آرائهم ومشاعرهم أو بنقل الأخبار أو ممارسة النقد من خلال التعليقات أو تقديم التوصيات التي يتم تقاسمها في مواقع التواصل الاجتماعي[60].

إن التفكير في مفهوم الاستخدام يقودنا رأسا إلى تيار سوسيولوجيا الاستخدام أو نظرية المبتكرات التي ظهرت في ثمانينات القرن الماضي، والتي سعت إلى فهم كيف يتصرف ” المستخدم” مع العُدّة التكنولوجية المتوفرة آنذاك: جهاز الفيديو، والمجيب الآلي على الهاتف، والحاكي، وجهاز التحكم عن بعد في جهاز التلفزيون Remonte Control؟ وكيف يدرجها في حياته اليوميّة؟

إنّ تبديل الاستخدام بالجمهور لا يعني بتاتا أن مفهوم الاستخدام معصوم من المراجعة في البيئة الرقميّة وحتّى من النقد، وذلك لسببين: الأول عملي يلخصه سؤال الباحثة الهولندية من أصول إندونيسية ” أنج مي أين” (May Ien  Ang ): ما معنى الحياة في عالم يعاني من تخمة في الميديا”[61]. إنّها تعني ببساطة العيش في الثقافة الرقميّة التي لا وجود لها دون الممارسات التى تستلزم استعمال عُدّة المعلوماتية : ممارسات الاستهلاك الميدياتيكي والثقافي، والتواصل، والتعبير عن الذات[62] ففي ظل هذه الثقافة يصبح الاستعمال شرطا أنطولوجيا للميديا الرقميّة ويتداخل مع الاستخدام. وأضحى مفهوم المستخدم النموذجي لهذه العدّة يميل للاندماج في تصور الأجهزة التقنيّة.[63]

أما السبب الثاني فهو نظري، ويكمن في دلالة مفهوم الاستخدام الذي من المفروض أنه يتعارض مع مفهوم الاستهلاك الذي يحيلنا إلى السوق؛ فالمستخدم يختلف عن المستهلك/ الزبون الذي يشترط منه دفع مقابل مالي الحصول على سلعة أو خدمة. لقد تشكلت دلالة الاستخدام Usage في ظل دولة الرفاهية welfare state ، التي تقدم جملة من الخدمات مجانا، مثل الصحة والتعليم لمواطنيها ضمن التزاماتها الاجتماعية. لكن هل ينطبق هذا الأمر على الميديا الرقميّة؟ بمعنى أخر ألا يعتبر استخدام الانترنت والمنصات الرقمية استهلاكا لأنه فعل غير مجاني، بل يتطلب مقابل مالي؟

إنّ الولوج Access والربط بالشبكة ِConnexion هما مفتاح زيادة الاستهلاك وانتشاره الذي ينمو ويتكاثر بارتفاع عدد تعليقات المؤثرين وآراء الخبراء، ونصائح المتواصلين، وانطباعات من يلج شبكة الانترنت أو يكون متصلا عبر منصاتها الرقميّة.[64] هذا إضافة إلى أن مفهوم الاستخدام يقتصر على العدّة التكنولوجيّة بصرف النظر عما تحمله. وبهذا يتقاطع مع أطروحة مرشال مكلوهان التي “تحتفي” بالوسيط  Medium ، وتعتبره رسالة.

رغم اقتناع بعض الباحثين النشيطين في مجال الدّراسات الإعلاميّة بموت التلفزيون في العصر الرقمي، مثل “إليهو كاتز” Katz Elihu )  ( و”بادي سكنال” ( Bady Scannell )[65]       و”جون لوي مسيكا” (  Jean Louis Misika )[66] إلا أن الكثير من البحوث واصلت دراسته في البيئة الرقميّة مستلهمة مما توصل إليه “دافيد مورلي”  في بحوثه عن جمهوره.

وتعدّدت هذه الدّراسات إلى درجة يصعب تصنيفها، ناهيك عن حصرها كميًّا. فبالإضافة إلى اهتمامها بدراسة جمهور برنامج بعينه، مثل جمهور المسلسلات التلفزيونيّة [67] أو برنامج سياسي حواري، اتجهت بحوث التلقّي الإعلامي إلى دراسة شريحة معينة من جمهور التلفزيون ) أطفال، شباب، نساء([68] أو عشاق نجوم التمثيل والفن، في تعاملها مع ” التلفزيون الاجتماعي” . وإلى الكشف عن أسرار مشاهدة المادة التلفزيونية عبر أنماط البثّ والتوزيع  المعاصرة ، مثل الفيديو وفق الطلب، والتلفزيون الاستدراكي[69] ، وإلى مقارنة الجمهور الذي يتابع برامج التلفزيون التقليدي، بالجمهور ” أونلين”  Online عبر مختلف الشاشات.[70] لكن من يطلع على بعض الدّراسات الحديثة التي أنجزت في هذا الإطار[71] يصعب عليه تصنيفها: هل تنتمى إلى دراسات التلقّي الإعلامي ، التي تهتم بعملية تشفير المادة الإعلاميّة والثقافيّة التي تبثّها وسائل الإعلام المختلفة، خاصة السمعية- البصرية، وفكّ تشفيرها، أو تُعَدّ تطبيقا لتيار سوسيولوجيا الاستخدام ”  “،التي تحدثنا عنه آنفا؟ وهل زالت الحدود الإجرائية، التي كانت تفصل الدّراسات التي تستند إلى نظرية التلقّي عن تيار سيوسيولوجيا الاستخدام في عصر التكنولوجيا التماثلية، في العصر الرقمي أم أن مستقبل “نظرية التلقّي أصبح في حكم الماضي ” مثلما أكد ذلك الباحث ” لويس كيري” [72]  بعد أن بلعتها سوسيولوجيا الاستخدام؟ لقد عملت هذه السوسيولوجيا على توسيع مجال بحثها ليشمل جنيولوجيا استخدامات العدّة التقنيّة، ومسار تملكها Appropriation، وصياغة الرابط اجتماعي بواسطتها؟[73]

ما يبرر طرح هذا السؤال الأخير أن نظرية التلقّي أصبحت توظف مفهوم ” التملّك” الذي اجترحته سوسيولوجيا الاستخدام من بحوثها الأمبريقية.  بالفعل لقد اضحت الكثير من البحوث التي تستند إلى نظرية التلقّي الإعلامي تشترك مع بحوث سوسيولوجيا الاستخدام في توظيف مفهوم ” التملّك” The appropriation.[74]

يؤكد مفهوم التملّك على استقلالية مستخدم العُدّة التكنولوجيّة أو متلقّي المواد الإعلاميّة والثقافيّة، ويراها نابعة من كفاءة المستخدم الإدراكيّة والتقنيّة التي تتجلّى عبر تفاعله المنتظم بل اليومي مع الحامل والمحمول الإعلامي والثقافي[75]  في مختلف الفضاءات: البيت، مقر العمل، المدرسة والجامعة، المسجد والكنسية، النادي الثقافي والرياضي، والملعب، والمقهى، والسوق.

لقد وظفت نظرية التلقّي مفهوم التملّك لقراءة علاقة المتلقي بالمادة الإعلامية والثقافية، بينما “شغلت” سوسيولوجيا الاستخدام هذا المفهوم لفهم علاقة المستخدم بالعدّة التكنولوجيّة. إذا ، إنّ الغاية من توظيف مفهوم التملّك تُطرح في أفقين مختلفين. فأفق التملّك في نظرية التلقّي هو انتربولوجي وثقافي وسياسي بغية تحقيق الذات وبناء الهويّة الفرديّة والجماعيّة، والكشف عن الخصوصيّة الاجتماعيّة والثقافيّة. بينما أفق التملّك في سوسيولوجيا الاستخدام يتجلّى عبر ابتكار وظائف جديدة للعُدّة التكنولوجيّة غير تلك التي تصورها صانعوها من مهندسين ومستثمرين. فغاية هذا التملّك تقنيّة وتجاريّة، بدليل أن الشركات المصنعة لتكنولوجيا المتطوّرة وبرامجها التطبيقيّة أنشأت وحدات للبحث الاجتماعي والنفسي. واستفادت كثيرا من بحوث سوسيولوجيا الاستخدام في تطوير منتجاتها.

الخلاصة:

بالنظر إلى ما سبق طرحه نقترح الاستعانة بنظرية التلقّي وتيار سوسيولوجيا الاستخدامات معا في دراسة المتلقّي /مستخدم الميديا الرقميّة، وذلك لتجاوز حدود كلتا النظريتين من جهة، ومن أجل تطبيق تعدّدية المقاربة النظرية لفهم العلاقة بين أضلاع المثلث التالية: العدّة التكنولوجيّة، النصّ الإعلامي والثقافي، والمتلقّى. فسوسيولوجيا الاستخدامات تهتم بالعدّة التكنولوجيّة/  الوسيط الإعلامي ومستخدمه. ونظرية التلقّي تركز على النص وجمهوره. إذا يمكن الاستفادة من مفهومي التمثل والتملّك اللذان ترتكز عليهما سوسيولوجيا الاستخدامات، ومن مفهومي سياق التلقّي والتأويل اللذين تعتمد عليهما نظرية التلقّي.

فبالنسبة للسياق لا يمكن الإحاطة به في بيئة الواب 2 دون الأخذ بعين الاعتبار التغيير الذي يعيشه التلفزيون المعاصر، والذي يختلف عن تلفزيون السبعينات، ليس من ناحية وفرة البرامج والمواد وأشكال البث والتوزيع فحسب، بل من ناحية الطبيعة أيضا. فالتلفزيون العمومي كان يروم تحقيق الوظائف التالية: الإعلام، والتعليم والتثقيف والتسلية، بينما التلفزيون الخاص كان يهدف إلى تحقيق غاية تجارية عبر التركيز على الترفيه الذي يستقطب أكبر عدد من المشاهدين. بينما يسعى التلفزيون المعاصر إلى إقامة علاقة مع المشاهدين والحفاظ عليها. وولوج المجموعات البشرية المتواجدة في جيوب شبكة الانترنت. يبدو أن تحقيق هذا المسعى في البيئة الرقميّة أصعب من البيئة التماثليّة. لقد لجأ التلفزيون التماثلي إلى جملة من الحيل لشدّ المشاهدين وتعويدهم على برامجه، منها على سبيل المثال بثّ المسلسل التلفزيوني عبر حلقات مترابطة في ساعات محدّدة من اليوم. أما في الوقت الراهن فقد برزت ظاهرة  ما أصبح يعرف  بنهم المشاهدة ” binge watching ” ، أي مشاهدة كلّ حلقات المسلسل التلفزيوني دفعة واحدة عبر المنصات الرقميّة، مثل نتفليكس Netflix أو خدمة التلفزيون وفق الطلب.

ولا يمكن تفعيل سياق المشاهدة دون الأخذ بعين الاعتبار تداعيات انفصال المحمول عن الحامل الذي نجم عن التكنولوجيا الرقميّة ؛ أي انفصال المادة الإعلاميّة والثقافيّة عن ناقلها، مما سمح بارتحالها عبر الوسائط المختلفة “Transmedia “وما بين الوسائط  Intermediacy. الترحال الذي يؤكد بأن وسائل الإعلام ليست ظاهرة مفصولة عن بعضها ولا تراكما لها، بل إنها مسار تجري فيه التفاعلات الدائمة بين النصوص.

أما بالنسبة لتأويل المشاهدين ” للنصوص” التلفزيونيّة في بيئة الواب، فلم يعد يتوقف على المتغيرات التي برهنت عليها دراسة الجمهور في ظل التلفزيون التناظري، مثل السن، والمستوى الثقافي، والجنس، والانتماء الاجتماعي. لقد أصبح يخضع أيضا إلى الكفاءة التقنيّة التي يشترطها مفهوم التملّك الذي تحدثنا عنه أعلاه، باعتباره المتغير الرئيس لكونه يشكل عتبة المرور إلى فك شيفرات النص المتشعب Hypertext، الذي يعتبر نصا على نص أو نصا مفتوحا. فالكفاءة التقنيّة تساعد على اكتشاف الأخبار المزيفة Fake News والصور والفيديوهات المفبركة Deepfake، والنصوص المفتتة  “Dispersible texts”  أو تُمَكّن من ممارستها.

إن كان التأويل يستعين بالدرس السيميائي، بهذا القدر أو ذاك ، فلابد من تطويع مفردات هذا الدرس ليستوعب التغيير الذي طرأ على النص الرقمي:

( إنّ سيمائية الوصلات والروابط ” الرقميّة” يمكن اعتبارها بمثابة معان متعددة لمدونات  codes التلفزيون. و”,اعتبار القدرات” ” affordances [76] ” بمثابة القراءات المفضلة. ويمكن تمديد جماعات الممارسة إلى جماعات التأويل. وتوسع ثقافات ” ريمكس” Ramex[77] قصد معرفة القراء اللهويين أو المقاومين. وتنظيم مفهوم النوع ” الفني أو الصحفي” للنصوص وممارسات الاستخدام/ القراءة وفي السياقات القديمة والجديدة للميديا ([78]

كان التأويل في التلفزيون التماثلي ينطلق من النص ولا يتوقف عنده. ويسترشد، بهذا القدر أو ذاك، بنوايا الاتصال أو غايات المرسل: التلفزيون، منتج البرنامج التلفزيوني، أو المبرمج الذي يُعِد شبكة برامجه. النوايا التي يكشف عنها الخط الافتتاحي للمؤسسة التلفزيونيّة والذي يندرج   في مخطط “موريس هول”: التشفير وفك التشفير. لكن تشذر المادة السمعيّة البصريّة وتعدّد منتجيها وموزيعها ومقتسميها، وما تثيره من تفاعلات، يضبّب الرؤية لهذا المخطط الذي لا نعرف بداية دورته ولا نهايتها: فالمرسل والمتلقّي يشفران ويفكان التشفير في آن واحد. [79]

ما سبق طرحه لا يمكن أن يخفي التحدّيات المنهجية التي تواجه عملية الربط بين نظرية التلقّي وسوسيولوجيا الاستخدامات الاجتماعيّة والتي تتطلب ابتكار بعض الأساليب البحثية أو تجديدها، مثل النص في أثناء الفعل” ““text in action[80] والإثنوغرافية الذاتية (auto-ethnographic ) ، و”البحث الإجرائي التشاركي” Participatory Action Research ،  من أجل دراسة ” الانتخدام ” produsage” [81] واستغلال الكم الهائل من البيانات Big Data وفيض الصور. فرغم أن تفاعل مستخدمي مواقع الشبكات الاجتماعيّة والمنصات الرقميّة مرئي وظاهر للعيان إلا أن تأويله من قبل المتفاعلين يظل مبطنا وخاصا ويفلت من ملاحظات الباحثين.[82] ويصعب النفاذ إليه عبر المقابلة أو المجموعة البؤرية. لذا لابد من اللجوء إلى الاثنوغرافيا الرقميّة والتي يمكن أن تساعد في تجاوز عقبة البحث المتمثلة  قي الاختلاف في بعض الأحيان بين ما يصرح به المبحوثون عن ممارستهم في شبكة الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وما يقومون به فعلا، والذي يتسم بنوع من الحميمية. والتفكير في كيفية التغلب على صعوبة أرشفة مادة البحث لسرعة زوالها في مواقع الشبكات الاجتماعيّة والمنصات الرقميّة، وفك أسرار تراكم بروفيلات المستخدم الرقميّة.

   المراجع والاحالات:

 – مثل “المجلة الجزائرية للاتصال”، و”المجلة التونسية للاتصال”، والمجلة العربية لعلوم الإعلام، والباحث الإعلام، لكن جلها لا تنشر أرشيفها ليتمكن القارئ من الاطلاع وتحمّيل البحوث والدراسات المنشورة في أعداها القديمة.

** –  الانتخدام كلمة مركبة من الانتاج والاستخدام للتعبير عن ظاهرة التداخل بين منتجي المادة الإعلامية والثقافية الرقمية ومستخدميها والمعبر عنها بــ Produsage

[1] Quéré  Louis :Faut-il abandonner l’étude de la réception? Point de vue, Revue  Réseaux, France, volume 14,  n° 79 année  1996 

[2] – Ridder De Sande,   Vesnic-Alujevic Lucia,  Romic Bojana:  Challenges when researching digital audiences: Mapping audience research of software designs, interfaces and platforms , Participations, Journal of audiences and reception studies, UK,  Volume 13, Issue 1, 1996, URL  https://cutt.ly/dhdxbdv

[3] – Livingstone. Sonia: The Challenge of Changing Audiences: Or, What is the Audience Researcher to Do in the Age of the Internet?  European Journal of Communication,  USA, March 19(1), 2004, DOI: 10.1177/0267323104040695

[4] – هذا عنوان المقال الذي صاغه دايان دانيل عن التلقّي أنظر:

Dayan Daniel: Les mystères de la réception, Revue Le Débat, France,  No 71,1992

[5] – Zaborowski Rafal  : Old topics, old approaches? ‘Reception’ in television studies and music studies, Participations – Journal  of audience and reception Studies – UK, Volume 13, Issue 1-  2016

[6]   للكشف عن تمثل ” الجمهور” في نظريات الإعلام والاتصال يمكن على سبيل المثال العودة إلى  الجزء الثاني من أطروحة الدكتورة التالية : 

 Florence Van Hove : Médias d’actualité, journalistes et publics sur Twitter : vers un renouvellement des relations ? Thèse de Doctorat en sciences économiques et sociales, Université de Fribourg (Suisse), 2019

[7] – Hill Annette  : The Audience Is the Show  in  Virginia Nightingale  The Handbook of Media Audiences A John Wiley & Sons, Ltd., Publication U.S.A, 2011, p 479

[8]Dayan Daniel. « Télévision : le presque-public », Réseaux, France, N0 100-2000

[9] Le Grignou Brigitte: Du côté du public. Usages et réceptions de la télévision, France,  Éd. Économica, 2003, p 2

[10] يمكن أن نذكر على سبيل المثال بحث ا إلياهو كواتز وتمار اليابيس  المتعلق بمشاهدة المسلسل التلفزيوني الأمريكي: دلاس الذي نسبا فيه عدم نجاح هذا المسلسل في اليابان بعدم اندماج أفقي التوقع: توقع اليابانيين، وتوقع المسلسل المذكور.  أنظر:

Liebes Tamar, Katz Elihu : Six Interprétations de la série “Dallas”, traduit  par Maigret Éric, Dayan Daniel, Revue Hermès, France, NO 11-12, 1993

[11] Neveu Érik, Mattelart Armand: Cultural studies’ stories. La domestication d’une pensée sauvage ? Revue   Réseaux, France,  n° 80 Juin 1996 .

[12] – Hall Stuart : Encoding and Decoding in the Television Discourse. Birmingham: Centre for Contemporary Cultural Studies, UK, 1973

[13] Morley David: La réception des travaux sur la réception Retour sur « Le Public de Nationwide », traduit de l’anglais par Dayan Daniel, France, Revue Hermès»   n°11-12 , 1993

[14] – Millerand Florence: David Morley et la problématique de la réception.URL https://cutt.ly/GhiZlLn

[15] – Ibid

[16] – Certeau Michel. de, L’Invention du quotidien. T. 1. Arts de faire, France, Gallimard,  1990, p247

[17] – Livingstone. Sonia: The End of Audiences? Theoretical Echoes of Reception amid the Uncertainties of Use . UK, URL https://cutt.ly/ChaeQtJ

[18] Radway Janice : Reading the Romance. Women, patriarchy and popular literature, Chapel Hill, University of North Carolina press, USA, 1984

[19] – Fiske Jean: Television Culture, Londres,  Routledge, 1987

[20]  – Müller Floris,  Hermes Joke  : The Performance of Cultural Citizenship: Audiences and the Politics of Multicultural Television Drama, Critical Studies in Media Communication,UK,  N0 27(2) ( 2010)  DOI: 10.1080/15295030903550993

[21] – Dayen, op cité, p 435

[22] – Cefaï Daniel. Pasquier Dominique. Les Sens du public, publics politiques, publics           médiatiques. France: PUF, 2003 p 35

[23] – Schrøder, Kim Christian  Audience Reception Research in a Post-broadcasting Digital Age. Television & New Media, USA, 20 (2) 2019, PP 155-169. https://doi.org/10.1177/1527476418811114

[24] Pillet  Fabien  Que reste-t-il de l’École de Constance ? Études Germaniques, France, n° 263, 2011

[25] Bourdieu Pierre   , Les règles de l’art, : Seuil, France, 1998, p 501

[26] – Fiske Jean: Television Culture, Londres, Routledge, 1987, p14

[27]  أريك ميغري: سوسيولوجيا الاتصال والإعلام،  ترجمة نصر الدين لعياضي، هيئة البحرين للثقافة والآثار، البحرين، 2018، ص381

[28]  أنظر إلى مقدمة  مترجم كتاب إريك مغري، مصدر سابق

[29] – Quéré  Louis, op cité

[30]-Morley David:  Family television : Cultural power and domestic leisure, Routledge , New York, 1999p 139-152

[31] – Radway Janice, op cité

[32]Bouchard Nathalie-Nicole ) 1993( Elihu Katz et Tamar Liebes (1990), The Export of Meaning, Cross-Cultural Readings of Dallas. In: Communication. Information Médias Théories,  USA, volume 14 n°1, printemps, 1993,  CRISE, pp 2010-2015

[33]  Stolz Joëlle : Les algériens regardent Dallas; in Jean-Luc Maurer; Faouez Mellah Dominique Perrot et al, les nouvelles chaines, Techniques modernes de la télécommunication et le Tiers Monde : pièges et promesses; France, Presses universitaires de France,1983 ,  pp 221-246

[34] – Cité par Schrøder, Kim Christian, op cité 

[35] – Fitouri ,Chadli : Débat | Images : pollution ou développement ? in Jean-Luc Maurer; Faouez Mellah Dominique Perrot et al. LES NOUVELLES CHAÎNES  Techniques modernes de la télécommunication et le Tiers Monde : pièges et promesses.,   op cité, pp147-183

[36] –  أنظر: ندى عبد الرضا حمود : عادات مشاهدة الطفل العراقي في عمان للإعلانات التلفزيونية الموجهة إلى الأطفال وأنماطها ، د راسة مسحية، ماجستير في الإعلام ، الأردن، جامعة الشرق الأوسط كلية الإعلام، 2015

[37] – – أنظر على سبيل المثال: لكجل خيرة  : الشباب وتلقي صور الثورة التحريرية عبر مواقع التواصل الإجتماعي: دراسة في دور الكفاءة القيمية، مجلة ” الصورة والاتصال” مجلة 5- عدد 15، 2015

[38] – أنظر على سبيل المثال:

بوسيالة  زهير  :  أنماط تلّقي برامج التلفزيون الفضائي لدى المشاهد الجزائري دراسة  على عينة من جمهور العاصمة، مجلة الدّراسات الإعلاميةالمركز الديمقراطي العربي برلينألمانياالعدد التاسع،  نوفمبر- تشرين الثاني، 2019

[39] – خافج  كريمة: الكاريكاتير السياسي في الصحافة الجزائرية ورهانات التلقّي: دراسة تحليلية لعينة من جرائد “الخبر” “الشروق” “Liberté ” “El Watan”  من الفترة الممتدة من 2012 إلى 2017 ، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه الطور الثالث، كلية علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر، 2019

[40] – يذكر فرانز فانون أن 95  %من المعمرين الأوروبيين في الجزائر كانوا يملكون جهاز الترانسيستور الذي شكل همزة وصلهم   ثقافيا وسياسيا بفرنسا بينما  لم يهتم الجزائريون بهذا الجهاز. لقد كان بإمكان الكثير منهم ماديا اقتنائه لكنهم لم يفعلوا وذلك لسبب اخلاقي: فالأغاني الغزلية والايحاءات الجنسية التي تتضمنها بعض البرامج تربك العائلة الجزائرية أنداك. لقد ” كانت تقاليد الاحترام تبلغ من الأهمية أن تبني هذه التقنية الحديثة- الترانستور- بإمكانه أن يزعزع استقرار الأسرة الجزائرية وتهز العلاقة بين الرجل والمرأة والأبناء بآبائهم” ، لكن مع انطلاقة الإذاعة الجزائرية في الخارج في 1956 سارع الجزائيون إلى شراء هذا الجهاز رغم العقوبة المشددة التي يسلطها الجيش الاستعماري على كل جزائري يملك هذا الجهاز. ويختم فرانز فانون تحليله بالقول لقد حولت الإذاعة الجزائريين إلى أمة”-  أنظر:

Fanon Fanon ( 1960) : Ici la voix de l’Algérie in L’an V de la révolution algérienne; éd Maspero , France,1960, PP 51-84

[41]Chaouni Nawel . Etude de réception transnationale d’une série télévisée et ses effets sur l’attractivité touristique d’une région rurale. Thèse de doctorat en Sciences de l’information et de la communication. Université Montpellier Paul Valéry, France, 2018

[42]Roald. Anne Sofie: Satellitization  of  Arab  Media:  Perceptions  of  Changes  in Gender Relations. Cyber Orient, Vol.  11, Iss. 2 – 2017

[43]Chevaldonné François ):La communication inégale,  L’accès aux media dans les campagnes algériennes. Editions du C.N.R.S, France , 1981

[44]Yanardağoğlu Eylem ,  N. Karam Imad: The fever that hit Arab satellite television: audience perceptions of Turkish TV series. Journal Identities: Global Studies in Culture and Power , UK, Volume 20-Issue 5, 2013,  URL https://doi.org/10.1080/1070289X.2013.823089

[45] Stolz. Joëlle, op cité, pp 221-246

* –   التوارق: المجموعة من السكان الذين يقطنون الصحراء الجزائرية من أصول أمازيغية وعلى تخوم حدودها الجنوبية: المالي، والنيجر، وليبيا، ومورطانيا، يتحدثون اللغة الأمازيغية ويكتبونها بحروف التافيناغ.

[46] بوغراري شيخة: عادات المشاهدة التلفزيونية لدى المجتمع التارقي، مذكرات ماستر في علوم الإعلام والاتصال، كلية الإعلام، جامعة الجزائر عدد 3، 2015

[47]Aoudia Karima : recéption par sattelite et Internet des médias arabes transnationaux : intégration et transformations identitaires d’immigrations à Montréal; thèse de doctorat en communication; université du Québec à Montréal; 2009  

[48] – الصادق الحمامي: المرأة العربية في النقاش الافتراضي، دراسة لفي تمثلات المرأة في صفحات الميديا التقليدية في  الفيسبوك، مركز المرأة العربية للتدريب والبحوث، كوثر، تونس، 2015

[49] Morley David, op cité

[50]cité par Badir Sémir : La sémiotique aux prises avec les médias », Sémiotique et communication. Etat des lieux et perspectives d’un dialogue, Semen, 23, 2007, France,   URL : http://semen.revues.org/document4951.html.

[51] – Cité par Livingstone Sonia, Das, Ranjana: The End of Audiences? Theoretical Echoes of Reception amid the Uncertainties of Use ,  URL: https://cutt.ly/ChaeQtJ

[52]Esquenazi Jean-Pierre : Les non-publics de la télévision-  Revue Réseaux France,  n° 112-113, 2002

[53] Schrøder, Kim Christian, op cité

[54] – Ang, May Ien. Desperately Seeking  the Audience. London and New York: Routledge, 1991

[55] Ségur Céline : Réception. URL. http://publictionnaire.huma-num.fr/notice/reception/. ‌hal- 01704166‌

[56] – أنظر على سبيل المثال:

 Livingstone Sonia, Lunt Peter Κ.: Un public actif, un téléspectateur critique; transled by  Bourdon Jérôme ; Revue Hermés; France; Volume 1-2; No 11-12, 1993

[57] – Schrøder, Kim Christian, op cité

[58] – Couldry  Nick : Mediatization: What Is It? In Leif Kramp, Nico Carpentier,          Andreas Hepp and all     Media Practice and Everyday Agency in Europe-  German federal state,  edition lumière  Bremen , 2014, p  35

[59] Schrøder, Kim Christian, op cité

[60] Donnat Olivier, , « La question du public, d’un siècle à l’autre », Culture et recherche, France, N0 134, 2017 URL : http://www.culturecommunication.gouv.fr/Thematiques/Enseignement-superieur-et-Recherche/La-revue-Culture-et-Recherche/Les-publics-in-situ-et-en-ligne

[61] – نقلا عن:

Couldry .Nick : The Necessary Future of the Audience …and How to Research It in  Virginia Nightingale  The Handbook of Media Audiences   U.S.A , A John Wiley & Sons, Ltd., Publication, 2011, p213

[62] – Fluckiger, Cédric. L’école à l’épreuve de la culture numérique des élèves, Revue française de pédagogie, France, no163, 2008

[63]– Cité par Livingstone Sonia, Das Rajana , op cité

[64] – Paquienseguy Françoise : L’Usager et le Consommateur à l’ère numérique 

https://www.researchgate.net/publication/319481463

[65] – Cité par Ségur  Céline :Katz E, Scannell  P ,“The End of Television? Its Impact on the World”, In ” Questions de communication, ( Revue) France,  No 21, 2012

[66] – Missika Jean-Louis: La Fin de la télévision, France; Le Seuil, 2006

[67] –  أنظر على سبيل المثال:

Wiard Victor , Domingo David: Fragmentation versus convergence: University students in Brussels and the consumption of TV series on the Internet. Participations, Journal of audiences and reception studies , UK, Volume 13, Issue 1, 2016  , URL

https://www.academia.edu/25542863/Fragmentation_versus_convergence_University_students_in_Brussels_and_the_consumption_of_TV_series_on_the_Internet

[68] – أنظر على سبيل المثال:

Lacalle. Charo, Pujol. Cristina : Online communication and everyday life: Female social audience and TV fiction. UNIVERSUM , Revue  Chile, Chili ,Vol. 32 – Nº 2 ,  2017 https://www.academia.edu/35938414/ONLINE_COMMUNICATION_AND_EVERYDAY_LIFE_FEMALE_SOCIAL_AUDIENCE_AND_TV_FICTION

[69] – أنظر على سبيل المثال:

Beauvisage Thomas Beuscart Jean-Samuel ( 2012) Audience Dynamics of Online Catch Up TV , USA. URL :

https://www.academia.edu/1527928/Audience_Dynamics_of_Online_Catch_Up_TV?sm=b

[70] –  أنظر على سبيل المثال

Charo Lacalle  Zalduendo, Beatriz Gómez Morales : Spanish tv reception in the multiscreen era, Comun. Soc ) Revue(; Mexico,  n.30  Sep./Dec 2017 .  URL:
http://www.scielo.org.mx/scielo.php?script=sci_arttext&pid=S0188-252X2017000300197&lng=en&nrm=iso&tlng=en[71]
نذكر على سبيل المثال وليس الحصر:

-Turid Skarre Aasebø: Television as a marker of boys’ construction of growing up, YOUNG, Södertörn University, Sweden, vol. 13, 2 , 2015 .          Do 10.1177/1103308805051321

يبيّن هذا البحث كيف أن التلفزيون يساهم في تشكيل هوية الذكور من الشباب وهم في تحولهم إلى سن البلوغ من خلال إجراء مقابلات مع من يتراوح سنهم من 15 و17 سنة في مختلف مناطق النرويج.

-Mauro P. Porto:  Political Controversies in Brazilian TV Fiction Viewers’ Interpretations of the Telenovela Terra Nostra – TELEVISION & NEW MEDIA, USA, Vol. 6 No. 4, November  2005 , DOI: 10.1177/1527476405279862

يسعى هذا البحث إلى شرح كيف أن المسلسل ” Terra Nostra” التي بثتها قناة ” غلوبو” البرازيلية منح للمشاهدين من مختلف الأوساط الاجتماعية والثقافية أطار لتأويل السياسية البرازيلية ولفهم التحولات الديمقراطية في البرازيل مع الإشارة إلى أن بعضهم لا يرى سوى الجانب الترفيهي في هذا المسلسل.

[72] – Quéré  Louis, op cité

[73] – Jouët Josiane : Retour critique sur la sociologie des usages. Revue  Réseaux, France; volume 18, n°100, 2000

[74] – نكتفي بذكر بعضها فقط من باب التوضيح، مثل:

  • Combes Clément :La consommation de séries à l’épreuve d’internet entre pratique individuelle et activité collective; Revue Réseaux, France Volume 1 n° 165, 2011
  • Moeschler Olivier :Allers-retours. Les usages des cultural studies par la sociologie, Sociologie S – Revue de l’Association internationale des sociologues de langue française, France. URL : http://journals.openedition.org/sociologies/5323
  • Céline Ségur , op cité
  • Cefaï Daniel. Pasquier Dominique, op cité
    • Compte, Carmen.. L’influence des soap  opera sur les stratégies narratives des séries télévisées. Revue des Interactions Humaines Médiatisées. Vol 9 N°2, 2008
  • Jouët Josiane ; Pasquier Dominique. Les jeunes et la culture de l’écran. Enquête nationale auprès des 6-17 ans. Réseaux, France, vol. 17 (n°92-93) . 1999
  • Jenkins, Henry. Textual Poachers : Television Fans and Participatory Culture. New-York: Paperback. 1992

[75] – Jouët Josiane  , op cité

[76]    Affordance يقصد بهذه العبارة ما تتوفر عليه العدة التقنية من امكانيات ليستعملها المستخدمون و قدرة هؤلاء على تملكها، أي ابتكار وظائف تلبي حاجاتهم

[77] – يقصد به فك المادة الإعلامية أو الثقافية أو الفنية – موسيقى – غناء- لوحة زيتية وإعادة تركيبها بتبديل عناصرها

[78] – Livingstone Sonia, Das Rajana , op cité

[79] -Ibid

[80] – Wood, Helen :  ‘Texting the subject: women, television, and modern self-reflexivity’, The Communication Review, University of Virginia, USA, N0 8 (2), 2006. URL            https://doi.org/10.1080/10714420590947692

[81] –  للاطلاع أكثر على هذه المقاربة يمكن العودة إلى :

Brian Brown,  Quan-Haase Anabel  : A Workers’ Inquiry 2.0”: An Ethnographic Method for the Study of Produsage in Social Media Contexts, Triple C (Cognition, Communication, Co-Operation) , U K, Volume 10- No2 . 2012- URL http://www.triple-c.at

[82] – Livingstone. Sonia, op cité

التفكير في عدَّة التفكير: مراجعة نقدية لنظرية الاستخدامات و الإشباعات في البيئة الرقمية، مجلة لباب،  ص 205-233

التفكير في عدة التفكير : مراجعة نقدية لنظرية الاستخدامات والإشباعات في البيئة الرقمية

 

رهانات تدريس الأنواع الصحفية في المنطقة العربية  في ظل مواقع الشبكات الاجتماعية

د. نصر الدين لعياضي

مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية ، جامعة الشارقة،  المجلد 8، العدد 2، يونيو 2011 ، ص ( 87-139)

 

ABSTRACT

The challenges of teaching Journalistic Genres in the Arab world in the era of social networks

The researcher aims to study the experiments of some mass communication departments and colleges in the Arab countries in the pedagogical of the journalistic genres in terms of content, span of time, and teaching methods.

Based on the previous, the researcher tries to identify certain parameters of the college level education. For example, there is a need for examining the journalistic genres in the curriculum plans. Also, there is need for figuring out the epistemological boundaries in the educational process and how does this relate to the new changes in the field of mass media studies. Other areas of inspection include the: identity of the contemporary journalist, interactivity, and the changing nature and structure of the journalistic text.

.Even though many of the media schools and departments try the best to supply the market with well-trained media personnel, still many obstacles appear recurring in the field. First, there is no reciprocal cooperation between scholars of communication and media studies on the one hand and professional media personnel on the other hand in educating journalists. Second, many of the schools and departments of media studies do not offer innovative courses that meet the requirements of new media organizations in the Arab World.

Thus, the researcher demonstrates that the teaching of journalistic genres became a technical issue that benefits neither the scientific contributions of sociology and semiotics of mass media or the philosophy of communication in the age of social networks.

Key Words:  Journalistic Genres,  Informative Genres,  Editorial Genres,  Journalistic Field, text, Journalistic Paradigm

ملخص:

يستعرض الباحث تجربة بعض أقسام الإعلام وكلياته ومعاهده في المنطقة العربية في مجال تدريس الأنواع الصحفية Journalistic Genres من ناحية المضمون، والمدة الزمنية، وطرق التدريس.

وحاول أن يكشف عن حدود هذا التدريس من ناحية تناسق مساقاته عبر مراحل التعليم الجامعي،  وغياب بعض الأنواع الصحفية في الخطط الدراسية ، وبيّن الحدود المعرفية  في هذا التدريس  على ضوء التغييرات الكبرى الذي يعيشها عالم الإعلام والاتصال ، والتي طرحت الكثير من التساؤلات عن هوية الصحافي ودوره، و مكانة الجمهور المشارك بفاعلية في العملية الإعلامية التي تتسم بالتفاعلية، والتغيير الحاصل في مفهوم النص الصحفي وأشكال بنائه.

لقد سعت أقسام الإعلام وكلياته ومعاهده في المنطقة العربية لتلبية حاجات سوق العمل من خلال ربط  البعدين النظري والعملي  في تعليم الصحافيين. هذا ما يثبته  تزودها  بمختبرات المكنتوش واستوديوهات  الإذاعات والتلفزيون. لكن هذا المسعى يظل يعاني من عدة نقائص منها، هشاشة التعاون بين الأكاديميين والمهنيين في مجال تعليم الصحافيين من جهة، وسقوط مؤسسات التعليم الجامعي في الامتثال، بمعنى أنها تعيد إنتاج قوالب الكتابة الصحفية ذاتها، وكأنها قوالب جامدة لا تتطور بتطور متغيرات العمل الإعلامي، كما تكشف عنه الممارسة الإعلامية الحديثة في العالم وفي المنطقة العربية ذاتها.

و يبرهن الباحث على أن تدريس الأنواع الصحفية تحول في بعض أقسام الإعلام وكلياته في المنطقة العربية إلى مسألة تقنية أو شكلية. لا يستفيد من الزاد المعرفي في مجال سوسيولوجية وسيميولوجية  الإعلام والاتصال، واقتصاد المؤسسات الإعلامية، وفلسفة الاتصال في ظل الشبكات الاجتماعية في الانترنت.

الكلمات المفتاحية: النوع الصحفي، الأنواع  الإخبارية، الأنواع الصحفية الفكرية، البراديغم  الصحفي، الحقل الصحفي، النص.

المقدمة

يُعدّ تدريس الكتابة الصحفية العمود الفقري لتكوين الصحافيين. فالمؤسسات الإعلامية تُقيّم خريجي كليات الإعلام ومعاهده، عادة، بالنظر إلى مدى تحكمهم في الأنواع الصحفية. وإذا كان المهنيون والباحثون في مجال الصحافة في الدول المتقدمة قد وضعوا تدريس الأنواع الصحفية موضع تساؤل وتفكير منذ سنوات، فلم يشكل الحديث عن الأنواع الصحفية، في الأوساط الأكاديمية والمهنية في المنطقة العربية، هاجسا معرفيا أو مهنيا.

 إن ما يسمى الميدبا الجديدة جدّد النقاش حول الأنواع الصحفية، وطرح على مؤسسات تعليم الصحافيين الكثير من الأسئلة الجوهرية التي تتعلق بمشروعية أشكال الكتابة الصحفية التي ظهرت، وتطورت في ظل وسائل الإعلام الكلاسيكية، بل مشروعية وجود هذه الوسائل ذاتها.

إن صمود الصحافة المكتوبة في ظل التنافس بين الأشكال الإعلامية المختلفة، أو انتقالها إلى صحافة إلكترونية أو الاحتفاظ بطبعتيها: الورقية والالكترونية معا، هو اختيار لم تمله ضرورة تجارية فقط، بل فرضه التغيير الحاصل في ايكولوجية عالم الإعلام والاتصال، وصناعة الصحافة، وتمثّل الجمهور للوسيلة الإعلامية وموادها الصحفية.

إن النقاش الذي يتجدّد في اللقاءات التي تجمع المهنيين والأكاديميين في الدول الغربية، و تحول إلى هاجس أساسي، يختصره السؤال التالي: كيف ينعكس هذا التغيير الايكولوجي على مستوى أشكال التعبير الصحفي؟ بمعنى يمكن القول أن وسائل الإعلام، والصحافة المكتوبة تحديدا تعيش مرحلة التغيير في قوالب كتابتها نظرا لظروف إنتاجها، وتعدد المساهمين في حلقات إنتاجها، والاكراهات المرتبطة بظهورها في الشاشة وشروط قراءتها غير الخطية، وتغير موقع القارئ في المعادلة الإعلامية الكلاسيكية.

 نعتقد أن هذا النقاش لم ينطلق بعد في المنطقة العربية ليس لقلة المنابر التي تجمع المهنيين والأكاديميين فحسب، بل لأن اللقاءات التي اقتصرت على المهنيين، أو الأكاديميين، تجنبت طرح مثل هذه التساؤلات لأسباب موضوعية وذاتية لا يسع المقام لذكرها. أما المواعيد التي فتحت جسور اللقاء والنقاش بين المهنيين والأكاديميين فقد استحوذ عليها الهاجس السياسي والانشغال التقني اللذان قاداها إلى المراهنة على فناء الصحافة المكتوبة والاحتفاء بالصحافة الإلكترونية.

إشكالية الدراسة:

إنّ مراجعة بعض البحوث العلمية حول الأنواع الصحفية تؤكد أنها صيغ تعبيرية غير جامدة، تتميز بمرونتها ومقدرتها على التجدد والتغيير. فثباتها واستقرارها في الممارسة الصحفية يكتسي طابع النسبية. والسؤال النظري الذي يثار عادة يتمثل في طبيعة القوانين التي تتحكم في استقرارها النسبي، والعوامل التي تتدخل في تجديدها وتغييرها.

فإذا كان تغيير الأنواع الصحفية في العقود السابقة يتسم ببطء ولا يتجلى إلا عبر التراكم الطويل  نتيجة ثقل الترسبات الثقافية والاجتماعية والسياسية، ووطأة تقاليد العمل الصحفي وروتينه، فإن التغيير في الأنواع الصحفية أصبح، اليوم، أسرعا، وأكثر إلحاح ضمن إيكولوجية الإعلام الجديد وتنوع وسائطه المختلفة.

إن محاولة طرح مسألة التغيير/التجديد في أشكال الكتابة الصحفية في المنطقة العربية يتطلب التفكير في مؤسسات تدريس الصحافة والإعلام التي من المفروض أن تواكب كل جديد يطرأ على الأنواع الصحفية كما تتجلى في الممارسة المهنية. فما هو المنطق الذي يتحكم في تدريس الأنواع الصحفية في المنطقة العربية؟ وكيف تتمثل كليات الإعلام ومعاهده الكتابة الصحفية في ظل الإيكولوجية الجديدة التي يعيشها حقل الإعلام والاتصال؟

تساؤلات البحث:

ما هو حجم الاهتمام الذي توليه الكليات ومعاهد الإعلام في المنطقة العربية لتدريس الأنواع الصحفية؟

ما هي أهم المفردات التي يُعتمد عليها لتأهيل طلاب الصحافة قصد تمكينهم من التحكم في الكتابة الصحفية على الصعيدين النظري والعملي؟

كيف يصمد منطق تدريس الكتابة الصحفية في كليات الإعلام ومعاهده في  ظل الايكولوجية الجديدة للإعلام، أو يتكيّف معها؟

منهج البحث وأدواته :

اعتمد الباحث على المنهج الوصفي المقارن لدراسة الخطط التدريسية التي تطرحها بعض كليات الإعلام ومعاهده في المنطقة العربية. ووظف تقنية تحليل المضمون معتمدا على وحدات التحليل والتصنيف التالية:  المساق التدريسي[1]، حجم الساعات التدريسية للأنواع الصحفية والمساقات المساندة، ومجمل الساعات التدريسية المعتمدة في الخطط التدريسية،  وعدد مساقات الأنواع الصحفية مع الساعات الممنوحة للمساقات المساندة، وعدد المساقات المطروحة في الخطط الدراسية لنيل شهادة البكالوريوس في الصحافة. هذا مع الإشارة إلى الباحث قام بتحليل الخطط الدراسية الخاصة بتخصص الصحافة المكتوبة دون غيرها.

 وقد اعتمد الباحث على عينة قصدية قوامها ثماني كليات الإعلام في المنطقة العربية[2]، نعتقد أنها تغطي مجمل المدارس والرؤى لتدريس الصحافة في المنطقة العربية.  إن القصدية هنا فرضتها طبيعة البحث الذي يشترط الإطلاع على الخطة التدريسية وتوصيف مساقاتها. فالقليل من كليات الإعلام في المنطقة العربية تنشر خطتها التدريسية مع توصيف وحداتها التدريسية. والعديد من كليات الإعلام لا تنشر خطتها الدراسية ، وبعضها يكتفي بنشر محاور التدريس بالكلية فقط. لذا اعتمد الباحث على عينة من الكليات التي توفر معلومات عن خطتها الدراسية في مجال الصحافة المكتوبة. وتجنب إدخال المعاهد والمدارس غير الجامعية ضمن مجتمع بحثه.

وقد قارن الباحث بين الوحدات إحصائيا للكشف عن التطابق والاختلاف في تدريس الأنواع الصحفية    في المعاهد وكليات الإعلام في المنطقة العربية.

لقد بدا للباحث أن أداة تحليل المضمون قاصرة عن معالجة الإشكالية المطروحة أعلاه، والإجابة على أسئلة البحث. لذا لجأ الباحث إلى توظيف إحدى أدوات البحوث الكيفية، وهي الملاحظة بالمشاركة. وقد تشكلت هذه الملاحظة لدى الباحث من خلال ممارسته للتدريس الأنواع الصحفية في عدة جامعات عربية لعدة سنوات، ومعايشته لأساتذة الإعلام في العديد من الجامعات العربية، واستمراره في الكتابة للصحف والمجلات العربية، واحتكاكه الدائم بالصحافيين، ومواكبته لأشكال التعبير الصحفي فيها. وقد تعززت هذه الملاحظة من خلال إطلاع الباحث على كل ما يستجد على صعيد التفكير في مجال الأنواع الصحفية.

الدراسات السابقة:

لم يشكل تدريس الأنواع الصحفية موضوع بحث مستقل في التراث العلمي حول علوم الإعلام والاتصال في المنطقة العربية، بل احتل جزءا من الاهتمام الكبير بمسألة تكوين الصحافيين وتأهيلهم الذي يعتقد الكثيرون من خاضوا فيها بأنها تظل مطروحة في كل الحقب التاريخية  بسبب التغيرات الاجتماعية والثقافية والتطور التكنولوجي المتزايد.( Rieffel ، 2001، Larue-Langlois ، 1989) وقد شاركت بعض البحوث العربية القليلة في التفكير في مسألة تكوين الصحافيين وتأهيلهم خاصة في مجال التلفزيون، وطالبت ” بضرورة إعادة النظر في أساليبه لأنه لا يستند إلى رصيد فكري معرفي، ولا يملك إطارا نظريا يكون بمثابة المرجعيّة العلميّة. إنّه يجري على نحو يغيّب التفكير في ما يحيط بالصّورة من أطروحات وأدبيات تفسّر وظائفها وتحلّل أبعادها؛ أي إنّه غارق برمّته في المنظومة التقنية الخالصة.( الحيدري، 2005)

ويظل الاهتمام الفكري والمعرفي بالأنواع الصحفية في المنطقة العربية شبه غائبا مقارنة بعدد البحوث والدراسات التي حظيت بها في فضاءات ثقافية مختلفة، حيث يمكن أن نذكر على سبيل المثال، وليس الحصر، برنامج البحث الذي حمل عنوان: “الهجانة وإبداع الأنواع الإعلامية: حقائق، وتمثّلات، واستخدامات تحولات الإعلام” (Ringoot ,Utard ،2009: 215)، والذي جمع 27 باحثا من مجالات علمية متعددة وبلدان مختلفة: كندا، وفرنسا، والبرازيل”. لقد تساءل الباحثون عن الأنواع الصحفية باعتبارها قرائن لتطور الإنتاج الصحفي على المستويات الثلاثة التالية: القواعد الخطابية المتحكمة في الإنتاج الصحفي ، والعلاقة بين الأنواع الصحفية والخط التحريري أو سياسة الوسيلة الإعلامية، وتحولات الأنواع الصحفية في الصحافة الوطنية، والمقارنة بين الأنواع الصحفية عبر الثقافات…

حاولت القليل من البحوث العربية استبصار أشكال الصحافة في المنطقة العربية من خلال دراسة الصحافة الإلكترونية، حيث يمكن أن نذكر في هذا المقام، البحث المعنون: الصحافة الإلكترونية: أحادية الشكل وتعدد المضامين أم أنواع صحفية جديدة؟ ( لعياضي، 2006 : 20 ) و” تجديد الإعلام: مناقشة حول هوية الصحافة الإلكترونية”. ( الحمامي،2009)  وقد تقاطع البحثان مع العديد من الإشغالات العلمية التي اهتم بها العديد من الباحثين الغربيين والتي ركزت على أشكال الكتابة الصحفية في صحافة الانترنت وتأثيرها على قوالب التعبير الصحفي الكلاسيكي.

نتائج تحليل الخطط التدريسية للأنواع الصحفية في الكليات في المنطقة العربية:                          تتراوح مدة الحصول على شهادة البكالوريوس صحافة في كليات الإعلام ومعاهده في المنطقة العربية  ما بين  170 ساعة ( قسم الإعلام، بكلية الآداب بجامعة عدن)، و125 ساعة (  قسم الإعلام بكلية الآداب، جامعة 7 أكوبر بليبيا)-

كما تتراوح نسبة الحصة الزمنية التي  تحظى بها مساقات الأنواع الصحفية والمساقات المساندة ما بين 6% من مجمل الساعات التي حددتها الخطة الدراسية لكلية الإعلام بالقاهرة، و17% من مجمل الساعات التدريسية في قسم الإعلام والسياحة بكلية الآداب بالبحرين. وهي النسبة ذاتها التي تعبر عن علاقة مساقات الأنواع الصحفية بمجمل المساقات التي تتضمنها الخطط الدراسية.

تكتفي بعض الكليات بتدريس الكتابة الصحفية فقط، كما هو شأن في كليتي الإعلام في القاهرة وبغداد. بينما تسعى الكليات الأخرى، بدرجات متفاوتة، إلى إضافة تدريس مساق الكتابة الإعلامية والكتابة الإذاعية ، كما هو الأمر بالنسبة قسم الإعلام بكلية الآداب، جامعة 7 أكوبر بليبيا- والكتابة لوكالات الأنباء  بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار.

لتقريب تدريس الأنواع الصحفية من الممارسة اكتفت بعض الكليات بتخصيص مساق للتدريب على الكتابة الصحفية سواء في المؤسسات الإعلامية أو داخل الكلية، أو توجيه الطلبة لإعداد أنواع صحفية ثقيلة       ( تحقيق صحفي، ريبورتاج)، كما هو الأمر بالنسبة  لقسم الاتصال الجماهيري، بكلية الآداب، جامعة الإمارات، وقسم الإعلام، بكلية الآداب بجامعة عدن، وقسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز بالسعودية. واتجهت الكليات الأخرى إلى إدراج مساقات ضمن الخطة الدراسية وهي عبارة عن معمل أو ورشة تحمل عناوين مختلفة، مثل ورشة الكتابة الصحفية، أو تطبيقات في الصحافة، كما هو الأمر بالنسبة لكلية الإعلام بالقاهرة وبغداد، ومعهد علوم الأخبار بتونس، وقسم الإعلام والسياحة بكلية الآداب بالبحرين.

تختلف أساليب تدريس مساقات الكتابة الصحفية في كليات الإعلام في المنطقة العربية فبعضها يفصل بين النظري والتطبيقي من ناحية عدد الساعات، كما هو الشأن في معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس، وقسم الإعلام بليبيا، وقسم الإعلام باليمن(عدن). لقد خصصت هذه المؤسسات الجامعية ساعات عملية لتطوير مهارات طلاب الصحافة وتدريبهم على كتابة ما تعلموه نظريا. ويتراوح حجمها الساعاتي ما بين 5 ساعات، و18 ساعة ( وهذه عبارة عن أعمال موجهة يطبقها معهد الصحافة وعلوم الأخبار تمتزج فيها مراجعة المعلومات النظرية وممارستها). أما بقية الأقسام وكليات الإعلام فقد تركت الأمر بيد أستاذ المساق الذي يمكنه أن يخصص جزءا من محاضراته إلى الممارسة إذا أراد ذلك، أو يكلف الطلبة بكتابة أنواع صحفية معينة خارج الوقت المخصص للمحاضرة.

يبدو أن ما سبقه ذكره من اختلاف في تدريس الكتابة الصحفية أمر طبيعي، لأنه يعبر عن اختلاف المدارس في تكوين وتأهيل الصحافيين في المنطقة العربية ومرجعياتها، وهو الاختلاف الذي نشاهده على مستوى دولي.  فتقسم ساعات تدريس الأنواع الصحفية في العديد من المؤسسات الجامعية الأوربية إلى قسمين: قسم نظري، وقسم عملي. وإن كانت الأهمية تولى إلى القسم النظري. أما في التجربة الأنجلو سكسونية والأمريكية تحديدا، فيمتزج النظري بالعملي. لكن تشترك التجربتان في الاستفادة من خبرات المهنيين في تدريس الكتابة الصحفية.

لقد كشفت التجربة أن نسبة تدريس الأنواع الصحفية من مجمل الساعات المحددة في الخطة الدراسية تبدو غير كافية، لأن الكثير من الطلبة يلتحقون بكليات الإعلام دون أن يتحكموا في قواعد الكتابة بصفة عامة. لكن المسألة لا تقف عند الكم، بل تطرح ما هو أعمق.

لتوضيح جوهر الأنواع الصحفية، والاختلاف بينها نورد التصنيفات التالية:

التصنيف الأول: قدمه الباحث De Baucker  Masé  (Adam، 1997) ، حيث وضع الأنواع الصحفية الكبرى ضمن خانتين فقط، وهما: الأنواع الإخبارية والأنواع التعليقيةof  Commentaries   Genres . وهذا التصنيف يقوم على مسلمة الفصل بين الخبر والتعليق بالاستناد إلى المعايير الثلاثة التالية: الموضوع، وقصدية الكتابة الصحفية. بمعنى هل تستهدف هذه الأنواع الصحفية الإخبار والتبليغ أو تفسير الأحداث والتعليق عنها؟ وما هو موقف الصحافي في خطابه؟ وما هي مصادره الإخبارية؟

التصنيف الثاني ( لعياضي، 2007: 30،31 ) يرى أن الأنواع الصحفية تتسم بثرائها ومساهماتها المختلفة والمتباينة في بناء الواقع، فتصنيفها يجب أن يعكس هذا الثراء ويكون أكثر شمولية، ويعتمد على معايير متعددة تتجاوز القصدية والموضوع، والموقف من المصدر لتشمل حجم المادة الصحفية، وعملية تلفظها، وآنيتها، لذا أدرجها في مجموعات تبدو أنها متقاربة، مثل الأنواع الإخبارية ( الخبر والتقرير الصحفيين)، والأنواع الفكرية ( المقال الافتتاحي، والمقال التحليلي، والعمود الصحفي)، والأنواع الاستقصائية ( التحقيق الصحفي) والأنواع التعبيرية ( الريبورتاج، والبورتري( Portrait  ) أو البروفايل )  (Profil  .

لا يأخذ تدريس مساقات الكتابة الصحفية في العديد من كليات الإعلام وأقسامه في المنطقة العربية بعين الاعتبار مسألة التدرج المعرفي والعملي للأنواع المصنفة أعلاه. فجل الكليات والمعاهد الإعلامية في الدول المتقدمة تشرع في تدريس الأنواع الإخبارية أولا، ثم تنتقل إلى تدريس بقية الأنواع وذلك انطلاقا من فهم صائب وهو أنه من الصعب التحكم في الأنواع الصحفية الفكرية، والاستقصائية، بدون التعرف على الأنواع الإخبارية. بيد أن بعض كليات الإعلام القليلة تحشر تدّريس التقرير الصحفي وسط الأنواع الفكرية، أو تنتقل مباشرة من تدرّيس الخبر الصحفي إلى تدريس التحقيق الصحفي. وهذا خلافا للتصور الذي يرى أن تدريس التحقيق الصحفي يجب أن يتوج التحصيل العلمي في جميع مساقات الكتابة الصحفية لأنه يستوعب الكثير من العناصر الأنطولوجية للأنواع الصحفية؛ أي أنه يتطلب الإلمام بالوظيفة الإخبارية التي يقوم بها الخبر والتقرير الصحفيين ( لأنها تجيب على سؤال ماذا جرى؟، واستيعاب مقومات المقابلة الصحفية ( تقديم شهادة أو خبرة…) والتحكم في الكتابة التي تحلل الأحداث ( المقال الصحفي).

إذا كان معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس يُدرّس الريبورتاج، ويتعامل مع البورتري كصنف من أصناف الحديث الصحفي، فإن الكثير من معاهد الإعلام  وكلياته في المنطقة العربية لا تتجاهل تدريس الأنواع الصحفية التعبيرية، مثل البورتري و الريبورتاج، على وجه التحديد، فقط بل تنفي مشروعية هذا الأخير كنوع صحفي قائم بذاته، وتنكر وجوده كشكل من أشكال الكتابة الصحفية الأكثر نبلا، والذي بُني عليه التمثّل الجماعي للمراسل الصحفي في المنتصف الثاني من القرن العشرين

يرتبط الريبورتاج في ذهن المهنيين في الدول الأوربية بالممر الذي انتقل عبره الكثير من الكتاب إلى عالم الأدب.[3] لقد ظهر هذا النوع الصحفي في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة الممتدة من 1861 إلى 1865، وأرسى الأسس المهنية للصحافة، لأنه أنزل الصحافي إلى الميدان لمتابعة ما يطرأ من تغيرات في الحياة اليومية، وليكون” الشاهد” المؤقت على حدوثها.( Balle ، 1987: 87)

إن الريبورتاج الذي يعبر عن ازدهار عصر الصحافة التجارية التي أطرت الصحافة الإخبارية طرح على الصحافة الأوروبية ضرورة الانتقال من سيطرة الكتابة ذات الطابع الفكري، التي انشغلت بتأويل ما يجري،  إلى الكتابة الصحفية التي تهتم بما يجري ( أي نقل الأحداث والوقائع). ويجد هذا الاهتمام  جذوره الفلسفية في السوسيولوجية الوظيفية (Ruellan ، 2008)  التي حررت العمل الصحفي من ارتباطه بالمصادر الرسمية والمؤسساتية، وفتحته على تعددية المصادر ليستقي معلوماته من مختلف الأطراف الاجتماعية بما فيها المواطن العادي.

فإذا كان تطور الريبورتاج الصحفي الذي يقوم على الالتصاق بتفاصيل الواقع قد أثار نقاشا نظريا حول البعد الذاتي في الكتابة الصحفية، فإنه  ساهم في تعزيز شرعية للصحافة التجارية التي سعت للانفلات من الرقابة الكلاسيكية التي تمارسها السلطة السياسية، وشارك في تأسيس الصحافة المعاصرة  وهي تعيش مرحلة تصنيعها، حيث أضحى جمع المعلومات والأخبار نشاطا اقتصاديا مربحا.(Ruellan ، 2008)

إن تغييب تدّريس الريبورتاج في الكثير من كليات الإعلام وأقسامه يمكن تفسيره بقلة استخدامه في وسائل الإعلام العربية، والصحافة تحديدا، لأن الصحافة العربية تغذت ولا زالت تتغذى من الترسبات التاريخية والاجتماعية، والتي دفعتها إلى تجسيد انشغال سياسي وثقافي، وحمّلتها رسالة نضالية وكفاحية. لذا نلاحظ أن الصحف العربية تبجل المقال، وتتعالى على الخبر الذي يشكل لحّمة الأنواع الصحفية.  فولع الصحف العربية بالمقال، وانشغالها بكل ما هو رسمي جعل الخطاب الصحفي العربي شديد الارتباط بالخطاب السياسي، يتغذى أساسا بالمقال والتقرير الصحفي. والنتيجة أن التقرير هيمن في  الممارسة الصحفية وتدّريسها الأكاديمي لأنه  يتناغم مع النشاط الرسمي والمؤسساتي أكثر من الريبورتاج، لكن ظروف الدول العربية تغيرت، ووسائل انتقال المعلومات تغيرت هي الأخرى ولم تعد حكرا على المؤسسات الرسمية.

إن تدريس الكتابة الصحفية في أكثر من جامعة عربية، والاحتكاك بتجارب مختلف الأساتذة العرب من جامعات عربية مختلفة يؤكدان أن تدريس الأنواع الصحفية لم يستفيد بشكل مباشر أو غير مباشر، من تقاليد السرد في الثقافة العربية الإسلامية.

إن المتتبع الحصيف للتراث العربي الإسلامي يعثر فيه على بعض سمات الريبورتاج. هذا ما نلاحظه على سبيل المثال في كتاب تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار لابن بطوطة، والذي يروي فيه رحلاته التي قادته إلى الهند والصين. وكتاب أحمد بن العباس بن رشد بن حماد المعروف باسم بن فضلان  الذي يسرد فيه رحلته إلى  روسيا وبلغاريا.

ولم يستلهم تدّريس الأنواع الصحفية على الصعيد النظري مما توصلت إليه الأنواع الأدبية العربية التي تعد أكثر تأثرا بالمتغيرات الثقافية والفكرية في العالم والمنطقة العربية. فمفهوم النص الصحفي المفتوح الذي يعني عدم خضوعه لنمطية القالب الواحد في الكتابة نتيجة الكتابة في شبكة الانترنت وفق منطق النص الفائق أو الفائض HyperText قد وجد في الأدب. ومارسه بعض الأدباء العرب في إنتاجهم الروائي الذي اجتمعت فيه عناصر الرواية والشعر والقصة القصيرة والمقالة. ( العزاوي،2000 )

يوجد عدد قليل من كليات الإعلام في المنطقة العربية التي أدرجت الصحافة الإلكترونية في تكوين الصحافيين. إن هذا الإدراج في اعتقادنا يطرح ضمن مطلب إطلاع الطالب على خصوصية الصحافة الإلكترونية، وتعريف الطلبة بالفرق بينها وبين الصحافة الورقية على صعيد الإخراج والتبويب، والمواد الصحفية المنشورة، أكثر من التفكير في التحول الجذري الذي تعيشه الصحافة اليوم على صعيد الكتابة والهوية، والناجم عن العديد من العوامل والتي تساهم كلها في تطور النظرة لما هو النص الصحافي وأشكال بنائه أو تشظيه.

أعتقد أن التصور المعمول به في تدريس ” الكتابة الصحفية” يقف عند طموح واحد ومحدد: تخريج طلاب يستطيعون أن يتأقلموا بسرعة مع ظروف العمل الصحفي والبيئة التقنية لهذه الوسيلة الإعلامية أو تلك، ويلتحقون بسرعة في دورة الإنتاج الصحفي. وهذا خلافا لخريجي بقية العلوم الاجتماعية والإنسانية الذين يقضون فترة أطول حتى يعول عليهم في المؤسسة الصحفية. ولعل هذا الطموح كان وراء إدراج بعض أقسام، مثل  قسم الإعلام  بجامعتي الإمارات والبحرين، مساقات ذات طابع تقني- إجرائي في الخطة التدريسية، وهو استخدام الكمبيوتر وبرامجه في تأهيل الصحافيين لجمع المعلومات، و إظهار البيانات والإحصائيات بشكل أسرع وأدق باستخدام برنامح SPSS، و ميكروسفوت أوفيس أكسس، وإكسال، وون نوت ( Microsoft Office One Note )

يبدو أن هذا الطموح منطقي ومبرر لأنه يسعى إلى التناغم مع متطلب سوق العمل في المجال الإعلامي، لكنه يعاني من نقيصتين. النقيصة الأولى وتتمثل في دفع التعليم الجامعي في مجال الإعلام إلى الامتثال؛ أي تكوين صحافيين قادرين على إعادة إنتاج قوالب الكتابة المهيمنة في وسائل الإعلام بدون امتلاك رصيد معرفي يسمح لهم بتجاوزها. لقد شكلت هذه النقيصة مأخذا على معهد تكوين الصحافيين الفرنسيين، الذي يُعّد أقدم وأبرز هيئة تعليم مهن الصحافة والإعلام في فرنسا. لقد اتهم بأنه مصنع لإنتاج الامتثال في الصحافة، لأنه يعكف على تدريب الصحافيين على القوالب التعبيرية ذاتها بالأسلوب ذاته الذي ظل سجين الصور النمطية لارتهانه لسلطة المال التي تتحكم في معظم وسائل الإعلام الفرنسية. (Ruffin، 2003)

ما يرسخ هذا الاعتقاد هو عدم انفتاح تدّريس الكتابة الصحفية في المنطقة العربية على المهنيين، وغلق المعرفة النظرية في مجال الكتابة على بعض الكتب المقررة، التي تتوارث المعلومات ذاتها مجسدة منطق ” المحلية الأكاديمية”. وبهذا فإنها لم تتجدد بما ينشره المهنيون عن تجاربهم وخبراتهم المهنية، ولا تثري بما يستجد من الكتابات الفكرية الخاصة بتطور أشكال الكتابة الصحفية في العالم، والتي تناولها بالتفصيل لاحقا. هذا إضافة إلى وجود نسبة من أساتذة الصحافة في الجامعات العربية لا تملك رصيدا مهنيا في مجال الممارسة الصحفية، واستمرار القطيعة، بهذا القدر أو ذاك، بين الأكاديميين والمهنيين.

تأسيسا على ما تقدم نعتقد أن مسمى ” الكتابة الصحفية أو الإعلامية”، و” فنيات التحرير” أو التحرير الصحفي” المدرج في الخطط الدراسية في أقسام وكليات الإعلام العربية يرسخ الفهم السائد والمتمثل في أن تدريسها مسألة تقنية تختصر في تلقين الطالب مجموعة من القوانين المرتبطة ببعض الأنواع الصحفية، وليس كلها، وتطبيقها على الأحداث والوقائع. وبهذا توحي ضمنيا بأن الكتابة الصحافية ظلت على ما هي عليه منذ  ظهور الصحف الأولى في المنتصف الأول من القرن السابع عشر! لهذا نلاحظ أن المؤسسات الأكاديمية المكلفة بتكوين الصحافيين وتأهيلها، تتجنب التعامل مع الكتابة الصحفية   في بعدها الفكري، أي لا تحولها إلى إشكالية ترتبط بكيفية نشوء الأنواع الصحفية والعوامل المتحكمة في تطورها، أي لم تضعها في نقطة تقاطع الكثير من العلوم: اللسانيات، السيمولوجيا، علم الاجتماع، الفلسفة، كما هو معمول به في أقسام الأدب وكلياته التي تعكف على تدريس الأنواع الأدبية. وحتى كليات الصحافة في أوربا. فالمدرسة العليا للصحافة بمدينة  ليلLile الفرنسية رفدت تدريس الكتابة الصحفية بمساق خاص بالتفكير في تعقد مهنة الكتابة الصحفية.

يمكن القول من باب الإنصاف، أن الكثير من كليات الإعلام وأقسامه، تمهد لتدريس ” الكتابة الصحفية أو الإعلامية” بمادة معرفية عن الفرق بين الصحافة والأدب، وخصائص الأسلوبين الصحفي والأدبي. وقد تجد هذه المادة مبرر وجودها في مساهمة المؤسسات الأكاديمية في تحرير الكتابة الصحفية من الإرث الأدبي الذي أثقلها. فالكل يعلم أن الصحافة في المنطقة العربية لم تظهر، في بدايتها، في شكلها اليومي الإخباري الذي يسمح لها بمتابعة الأحداث ونقلها بآنيتها، كما أن أغلبية محرريها كانوا من الأدباء والمصلحين إلى درجة أن بعض الأحداث الدولية كانت تنقل شعرا في الصحافة![4] لكن الأمور تغيرت، ولا توجد ضرورة للحديث المسهب عن الفرق بين الأدب والصحافة. فالضرورة تكمن في تشخيص الفرق بين الخطاب السياسي والإعلامي. فالكل يعلم أن الخطاب السياسي قد ” اغتصب” الخطاب الإعلامي في المنطقة العربية منذ  الخمسينيات من القرن الماضي.

إذا من أجل فهم رهانات تدريس الكتابة الصحافية في ظل الإعلام الجديد يجب التوقف قليلا عند الفهم السائد للأنواع الصحفية وتمثّل Representation لتطورها في الوسط الأكاديمي.

 أطروحتان لإدراك التغيرات التي عاشتها وتعيشها الصحافة.

من الصعب أن نفهم الأنواع الصحفية بدون إدراك أن الصحافة كائن حي يتغير، ويتجدد بفعل مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. فالمقارنة بين نسخ الصحف الأولى التي ظهرت في مطلع القرن التاسع عشر، وطبعات بعض عناوين الصحف الحالية، يبرز التغيير الكبير في سجل مواضيع المادة الصحفية، ومحتوياتها، وطرق تبويبها وإخراجها. ويكشف عن تطور أشكال كتابتها. إن هذه التغييرات لم تحدث مرة واحدة، ولم تسلك مسلكا خطيا، ولم تقض على كل تقاليد الممارسة الصحفية السابقة، بل كانت وليدة مسار معقد، ومتفاوت التأثير من منطقة إلى أخرى.

يفضل الباحث فرنسو دُمير (Demers، 2007) وصف هذا المسار بـ” الفك وإعادة التركيب”، بينما يعبر عنه  :Camille Laville  2008 بتغيير التشَكًل أو التكوين  Configuration الذي استلهمه من كتابات الباحث  Norbert Elias ، فيرى ( أن  الممارسات الصحفية تندرج ضمن عملية تشكيل تؤسسها مجموعة من العوامل الاقتصادية والثقافية والتقنية والسياسية.  فكل هذه العوامل تتجسم في الواقع الملموس الذي تصنعه المؤسسات، والفاعلون، والتقنيات. إنها تصنع تشكيلا غير ثابت، يتطور عبر التاريخ.”)

الأطروحة الأولى:  “براديغم” الصحافة    journalistic paradigm

لفهم منطق هذا التشكيل، يوظف الباحثان الكنديان: جون دو بوفيل  Jean de Bonville، و جون شارو Jean Charron  مفهوم  براديغم الصحافة journalistic paradigm. ويعرفانه بأنه  نسق معياري أنجبته الممارسة القائمة على الأنموذج والمحاكاة، ويتشكل من افتراضات، ومخططات تأويلية، وقيم وقوالب نموذجية ترجع  إليها جماعة من الصحافيين في إطار زماني ومكاني محدد. وتعمل على تمتين انتمائهم. وتستخدم لإعطاء شرعية للممارسة الصحفية. (Charron ،Bonville، 2000)

عند تنزيل هذا النسق المعياري في أرض الواقع يصبح يغطي ما يمتلكه الصحافيون من قواعد إنتاج المادة الصحفية. وهذه القواعد ليست ذات طبيعة قانونية أو أخلاقية، كما يذهب إليه الباحثان، بل جملة من المعايير الشكلية المتسترة التي يستبطنها الصحافي في الممارسة، وتحدد ما يجب قوله في هذا القالب الصحفي، والأسلوب الذي يقال به، وما لا يجب قوله، بل تفرز جملة من القوالب التي يمكن أن تستوعب هذا النوع من القول أو ذاك.

يرى الباحثان المذكوران أن براديغم صحافة الاتصال نابع من التغيير الحاصل في التصور للإعلام Information، حيث أصبح مختلفا عما كان سائدا من تصورات سابقة، إذ يؤكدا بأن مفهوم الإعلام أصبح في الصحافة المعاصرة يغطي حقلا سميائيا أكثر اتساعا من ذاك الذي يحصره  في نقل، و الإخبار أو التعليق عن الأحداث السياسية والدبلوماسية. وقد حاول الإعلامي بونوا رفائيل (Benoit ، 2008  )   حصر ثماني” جينات” Genes التي يتكون منها الحامض النووي  DNA Deoxyribonucleic acid   الجديد للإعلام في العصر المعاصر في مدونته الإلكترونية،  وهي كالتالي: التشظي الفائق، والتراكم من وحدات إعلامية صغرى، والنقل المباشر، ورشة مفتوحة دائما، ذو طابع اجتماعي أكثر، شخصي أكثر، لا يخضع لتراتبية الوسيلة الإعلامية مثلما كان في السابق، ذو قابلية لإعادة للتشكُل. وعلى هذا الأساس تغيرت الصحافة المعاصرة بفعل الجينات الجديدة التي غيرت محتوى الإعلام وشكله.

 يرى البعض أن سبب بروز براديغم صحافة الاتصال يعود إلى التغيير الحاصل في تمثّل المؤسسات الصحفية ومنتجيها للجمهور. فالجمهور كان مناضلا في تصور صحافة الرأي ، ومواطنا في تصور الصحافة الإخبارية يتمتع بحقه في الإعلام والمعرفة، وزبونا في تصور صحافة الاتصال ينتظر من وسائل الإعلام أن تقدم له سلعة.

الأطروحة الثانية: التشكيل الخطابي للصحافة   journalistic discursive formation

وظف الباحثان  روزلين رنغوت Roselyne Ringoot  وجون ميشال  ايوتار    Jean-Michel Utard أطروحة أخرى لشرح التحولات التي تعيشها الصحافة، إنها أطروحة  التشكيل الخطابي للصحافة   journalistic discursive formation   (Ringoot ، Ruellan ، 2006)

ويرى الباحثان أن التشكيل الخطابي للصحافة يعبر عن حالة من التجاذب بين النظام والتشتت. فالمقصود بالنظام قواعد العمل الصحفي أما التشتت فعبر عن التغيير في أشكال الكتابة الناجم عن المؤثرات الخارجية التي تؤثر على الصحافة باعتبارها مؤسسة. فإذا سلمنا بنظام الخطاب الصحفي، فإننا نسلم، أيضا، بالتشتت القادم من خارج الخطاب. (Ruellan ، Ringoot ، 6200)

إذا كانت الأطروحتان تشتركان في الإيمان بأن الصحافة هي اختراع اجتماعي متجدد، تعكس ديناميكية التغيير وتساهم فيها، فإنهما تختلفان في الرؤية لثقل وتأثير القواعد والانتظام regularities  & rules. )  Charron ، Bonville: 1996)  في إنتاج المادة أو الخطاب الصحفي.

تعتقد أطروحة البراديغم الصحفي أن القواعد rules  المختلفة تشكل نظاما معياريا؛ أي أنها هي التي تؤدي إلى انتظام الإنتاج الصحفي وتواتره وفق نفس المواصفات. بينما يرى أصحاب أطروحة التشكيل الخطابي للصحافة أن هذه المعيارية تتشكل من خلال الانتظام، والانتظام لا يأتي من داخل المؤسسة الصحفية بل تفرضه مختل قوى خارجية.

لتوضيح الاختلاف بين الأطروحتين يمكن القول أن أصحاب الأطروحة الأولى يعتبرون الأنواع الصحفية هي قواعد إنتاج المادة الصحفية، بينما يعتبرها أصحاب الأطروحة الثانية أن هذه الأنواع هي مظهر مؤقت لمسار في الكتابة أو الإنتاج.

إن القواعد التي تحدث عنها أصحاب الأطروحة الأولى تتعلق بالنشر والكتابة، ويمكن أن تكون ذات طبيعة إجرائية أو سميائية أو معيارية. فالمقارنة بين الأنواع الصحفية المختلفة: الخبر، والريبورتاج والتقرير، والتحقيق الصحفي تبيّن أن هذه القواعد إجبارية وملزمة وتفرض على كل خطاب ينتجه هذا النوع الصحفي أو ذاك. وبهذا فإن هذه القواعد هي تأسيسية بالنسبة للأنواع الصحفية. والأكثر من هذا أنها تكتسي طابعا كونيا وتتسم بصرامتها. بينما لا تنفي الأطروحة الثانية هذه القواعد، لكن لا تعطيها القوة والتأثير ذاته، بل تراها بجانب عناصر أخرى، مثل:  الموضوع، ونمط التلفظ، وتراها عبارة عن استراتيجيات تنتظم لتتحول إلى قواعد.)  Charron ، Bonville، 1996)

إذا الأطروحة الأولى تقر بحالة من الثبات والاستقرار في الكتابة الصحفية، ضمن أفق الانتظام. بينما تؤكد الأطروحة  الثانية طابع التغيير في الكتابة الصحفية. فهذه الأخيرة لا تتغير بفعل القواعد الداخلية التي تتحكم فيها والتي تتحول إلى قوة محايثة تعيد إنتاجها، بل تتطور بفعل ما ” يوجد من الخارج في داخلها”، أي بفعل الأطر الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والسياسية والثقافية والفاعلين الذي ينتجون خطابات اجتماعية مختلفة فتمنحها استقرارا مؤقتا.

يجد  بعض الباحثين صعوبة في فهم الأنواع الصحفية على ضوء الأطروحتين المذكورتين، لأنهما يشترطان التمييز الدقيق بين الثابت والمتغير في الصحافة. ويقترحون الانطلاق في مناقشة الأنواع الصحفية من زاوية النص. وبهذا، فإنهم يسايرون اللسانيين الذين يعتبرون هذه الأنواع ظاهرة لسانية. ويحصرون النص في التعريف الذي قدمه له اللساني برونكارت جون بيار Bronckart J.-P.؛ ولخصته Florimond فيما يلي: ( هو كل وحدة منتجة لفظيا تنقل رسالة منظمة لسانيا وتسعى إلى ممارسة تأثير منسجم على متلقيها. فهذه الوحدة اللفظية يمكن أن نعتبرها كوحدة اتصالية بدرجة أساسية.) (Florimond، 2002). فكل نص يحافظ على مجموعة من العناصر التي تزوده بنوع من الاستقرار من جهة، وتحدد موقعه بالنسبة لبقية النصوص. فطائفة النصوص التي تلتقي في قواسم مشتركة يمكن القول أنها تشكل نوعا. فالنص الصحفي يتشكل من العناصر التي حصرها  خضور ، 1993: 57، 58) في: الموضوع، الشرح والتفسير، التعليق والتحليل، الحقائق والوقائع، الأسلوب، الحجم أو المساحة. ويمكن أن نضيف لها عنصرين أساسيين، وهما: الآنية، وقصدية النص اللتان يؤكد عليهما اللسانيون.

إن العلاقة القائمة بين هذه العناصر والقوانين، التي تزن بثقلها لترزح كفة عناصر على حساب عناصر أخرى، هي التي تحدد انتماء نص ما إلى نوع صحفي معين. فإذا كان قصد النص، على سبيل المثال،  الإبلاغ والإخبار، وتضمن عنصر الآنية، وامتثل لمتطلب الحجم أو المساحة المطلوبة، يمكن إدراجه في خانة الخبر الصحفي.

إن النظر إلى الأنواع الصحفية بالانطلاق من مفهوم النص تطرح مسألتين شائكتين، وهما:

إذا كان حقل الأدب يؤكد لنا صعوبة الإجماع على أن  الوحدة المنتجة لفظيا والتي تنقل رسالة منظمة لسانيا وتسعى إلى ممارسة تأثير منسجم على متلقيها تُعّد نصا، بمعنى أن ما تعتبره هذه الثقافة نصا لا يعد كذلك في ثقافة أخرى. ( كيليطو، 2007: 21)  فإن الأمر يعدو أكثر صعوبة في الحقل الصحفي، وذلك لأن كل ما يكتب لا يُعّد نصا صحفيا، فيُزكى انتماؤه لهذا النوع الصحفي أو ذاك، والسبب لا يعود لخلو هذا النص من العناصر المذكورة أعلاه، بل لأسباب تتعدى النص والمؤسسة الإعلامية. وللتأكيد على هذه الفكرة نشير إلى أن الصحافي الجزائري سليمان جوادي نشر، في منتصف الثمانينات، بعض النصوص في صحيفة الشعب الجزائرية  في شكل مقامات تعالج الأحداث والقضايا المطروحة في المجتمع الجزائري. لكن إدارة الجريدة أوقفت نشرها، والسبب في ذلك لا يعود إلى أن الصحيفة المذكورة اقتنعت بوجهة نظر بعض النقاد الذي يرون أن المقامات لم تأت بأي جديد على صعيد المضمون، فاكتفت باللعب على اللغة وبها، بل لأن المنظومة الإعلامية والسياسية في ذاك الوقت كانت تحدد النص الصحفي بمدى قدرته على الامتثال لغائية الصحافة التجنيدية والتعبوية التي تميزه بالجدية. وتخشى أن تفعل المقامات في الصحافة الرسمية في ذلك الوقت، ما فعلته في الأدب في زمن ازدهارها: ( حرية في التخيل، وعدم التقييد بقيود الرواية والنقل والأسانيد التقليدية.) (مروة، 1985: 209)

لقد أفلحت هذه المنظومة، في فضاءات ثقافية أخرى، في احتواء بعض النصوص التي تنشرها المدونات الإلكترونية، فأدمجتها في مستوياتها التعبيرية المختلفة: الأبواب الصحفية  والأنواع الصحفية. لقد تعاملت معها كريبورتاج أو مقال الصحفي. فصحيفة الغردين اللندنية The Guardian ، على سبيل المثال،  كانت تنشر بشكل نصف شهري ما ينشره  Salam Pax، وهو الاسم المستعار لصاحب مدونة Where’s Raed ، عن يوميات الحرب في العراق ومزاج الشارع البغدادي في مدونته،  فتعاطت الصحيفة المذكورة مع هذه الكتابات على أساس أنها نوع صحفي قائم بذاته: المقال الصحفي. بينما نشرتها الطبعة الشهرية التي تصدرها الصحيفة الفرنسية ” لوموند” في ركن: ” فاكسات” (fac similé).  إن الفرق في التعامل  مع النصوص المذكورة يقاس بمدى تبني الصحيفتين لمضامين النصوص أو عدم تبنيها.

 تأسيسا على ما سبق من الصعب تعميم القول أن الأنواع الصحفية هي قوالب تعبيرية كونية تتجاوز الثقافات والمجتمعات. والدليل على ذلك أن الصحافة الفرنسية، على سبيل المثال، تستخدم أنواعا لا توجد بالمسمى والشكل والمحتوى ذاته في الصحافة العربية، مثل: Maronnier ، الذي يُعرف بأنه مادة صحفية قصيرة تتناول الموضوع ذاته تنشره مرة كل سنة، وEcho  والذي يدل على خبر قصير يتسم بطابعه التنكيتي وأسلوبه الساخر، وPotin  ( (Gossip والتي تعني ثرثرة عن أشخاص أو شائعة. ويمكن الإشارة إلى أن الصحافة الجزائرية الصادرة باللغة الفرنسية مازالت تحتفظ ببعض هذه الأنواع الصحفية، على غرار صحيفة ” ليبرتي” ) Liberté) الجزائرية التي تصدر البعض من موادها المختصرة تحت مسمى ” Télé Potins” ، أي ثرثرة عن التلفزيون.

إذا انطلقنا من تصور بأن الخطاب الصحفي هو تعبير سميائي عن الممارسة الاجتماعية، فإننا نستنتج بأن متنه تتقاطع فيه جملة من الخطابات الصادرة عن الأطراف المرتبطة بهذه الممارسة، أي  مصادر إخبارية مختلفة، وشهود عيان، وخبراء وأخصائيين، ومعطيات وثائقية، وخطابات صحفية سابقة  أو موازية عن الحدث/ الموضوع الذي يتناوله. فهذه الخطابات لا تحمل جملة من الملفوظات التي تحدد سياق النص الصحفي أو معطياته فقط، بل تتضمن مقاصده الاتصالية أو غاياته. لذا يمكن التعامل مع النص في مجال الصحافة على أساس أنه ملتقى العديد من النصوص، فهو ثمرة التناص Intertextuality.

إن النص الإلكتروني يسير بالتناص إلى أقصى حدوده( الصادق،2009)، إذ أنه يمّد حدوده عبر جملة من الإحالات إلى داخله ) في الصفحة التي يظهر فيها أو المواقع الإلكتروني) أو خارجه ( إلى وثائق ونصوص  أخرى). إذا النص الصحافي الإلكتروني هو إفراز لتناص التناص، أي يتشكل من مستويين من التناص ، المستوى الأول كامن في الشرط الأنطولوجي لكل نص صحفي، كما ذكرنا أنفا، والمستوى الثاني هو إفراز لمنطق الكتابة وفق متطلبات النص المتشعب HyperText  التي أخرجت النص الصحفي من أحاديته بما تتيحه من تنوع النوافذ التي يطل منها على الحدث/الموضوع. (الصادق، 2009)

الأنواع الصحفية في متغيرات الحقل الإعلامي.

إن تعريف الصحافة كممارسة بناء اجتماعي للواقع تسمح  بتعزيز الافتراض بأن ما نعيشه من ممارسات صحفية لا يتناغم مع ظاهرة مزج الأنواع الصحفية، بل ينسجم مع إعادة تحديد الممارسات الصحفية. ( Ringoot ،Utard، 2005: 105)

نعتقد أن هذا الفهم يحيلنا إلى التساؤل عن دور المؤسسة الصحفية في تأسيس النوع الصحفي. فإذا كان الحديث عن النوع الصحفي مجردا فإنه يقلل من مساهمة الوسيلة في ميلاده، أما إذا أبرزنا دور المؤسسة الحاسم في نشوء الأنواع الصحفية وتطورها وفق خصوصيتها التواصلية والجمالية، فلا مناص من ربط الأنواع الصحفية بالوسيلة، كأن نقول الأنواع في الصحافة المكتوبة، أو الأنواع الإذاعية، أو التلفزيونية، أو نربطها بالحقل كما حدده عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، والذي يعرفه بأنه ( تشغيل للمبدأ الأساسي الذي ينطلق من أن الواقع الاجتماعي هو علائقي. فما يوجد في الواقع هو حزمة من العلاقات ليس بمعنى العلاقات الاجتماعية، بل بمعنى البُنى غير المرئية….. كما أن تشغيل هذا المبدأ يؤدي إلى بناء حقول، مثل الحقل السياسي، والحقل الفكري، والحقل الفني، والحقل الديني…). (Mauger ،Pinto ،  1994) فالحقل الصحفي يضم الفاعلين الأساسيين ( الصحافيين، المؤسسات الصحفية وملاكها سواء كانوا خواص أو غيرهم، ومشرعي العمل الصحفي ومنظميه) والجمهور ( الفعلي أو المحتمل)، ومصادر الأخبار والمعلومات ( مؤسسات رسمية وطنية وأجنبية، أحزاب سياسية وتجمعات المجتمع المدني، وخبراء ومختصين، نجوم ومشاهير، عامة الناس)، ووسائط الاتصال المختلفة ( جرائد ومجلات ورقية، صحافة إلكترونية، إذاعة وتلفزيون…)

ظل التفكير في التغيرات التي أحدثتها تكنولوجيا الاتصال رهينة النظرة الاقصائية التي ترى أن كل واسطة اتصالية جديدة تقضي على القديمة، وتستعيد الوظائف التي كانت تقوم بها، وتستحدث وظائف أخرى جديدة . (De Laubier، 2000: 65). لقد استنفذ هذا التفكير أفقه المعرفي بعد أن قدمت الأيام البرهان على أن ما يُعّد إعلاما “جديدا” لم يلغ ما يُعّد قديما. وبدأ الحديث عن تكامل وسائل الإعلام يتزايد لتبرير ارتفاع عدد وسائط الاتصال وتنوع مضامينها دون اندثار وسائل الإعلام الكلاسيكية.( Maigret ،2007)

نعتقد أن مصطلح ” التكامل” هو صيغة تعبر عن نزعة توفيقية في النقاش الحاد بين أنصار وسائل الإعلام الكلاسيكية ومناصري “الإعلام الجديد”  New Media، وتحد من غلو منافحي الحتمية التكنولوجية أكثر مما تفسر ما تعيشه وسائل الإعلام من تغيير. فالتكامل يطرح على مستوى الاستخدام وليس على مستوى الحامل التقني، لأنه من الصعب الإقرار بعدم اكتمال وسيلة إعلامية. (Prerrier ، 2001) بمعنى أن الجمهور/ المستخدم ينتقل من قراءة الصحفية الإلكترونية إلى الصحيفة الورقية ثم إلى مشاهدة التلفزيون، ومتابعة شريط الأخبار في إحدى البوابات الإلكترونية على شبكة الانترنت .

نعتقد أن التغيرات التقنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاتصالية التي تعتمل في حقل الإعلام والاتصال أدت إلى ميلاد الوسيط الإعلامي الهجين  Medium Hybrid. فالتلفزيون الحالي هو قديم وجديد في ذات الوقت. فالقنوات التلفزيونية شرعت، بعد تردد، في ” صب” بعض موادها مجانا في شبكة اليوتيب، والبعض منها بدأ في بث مسلسلاته التي استقطبت أكبر عدد من المشاهدين، في مواقع إلكترونية، وبدأت بعضها ببث ما يصلها من المشاهدين من شرائط فيديو مباشرة أو من خلال الفيس بوك، والجمهور تحرر من سلطة التلفزيون التي كانت تبرمج له ما يشاهده في اليوم والوقت الذي يشاهده، وأصبح يخطط لما يشاهده وفق برنامجه اليومي سواء باسترجاع البرامج التلفزيونية التي تم بثها من المواقع الإلكترونية مباشرة أو بمساعدة محركات البحث المختصة أو باللجوء إلى خدمة ” فيديو تحت الطلب”  ( VOD)  Video on Demand

  رغم أن الصحافة الإلكترونية لم تقطع صلتها بإرث الصحافة الورقية إلا أنها  تجاوزت الكثير من الإشكاليات التي طرحت عليها في نهاية التسعينيات في انتقالها إلى النشر عبر شبكة الانترنت، والتي لخصها الباحث دا لاغ أوليفي (Da lage ،2001) في الأسئلة التالية: ماذا ننشر في هذه الشبكة؟ ما هو المظهر الذي يجب أن تظهر به الصحيفة في الانترنت؟  هل تخضع الصحيفة لإلكترونية للإكراهات ذاتها التي تعاني منها الصحافة الورقية، والمتمثلة في تحديد موعد زمني لتسليم المادة للمطبعة، وبالتالي الالتزام بدورية الصدور؟  من يجب أن يشتغل في الصحيفة الإلكترونية؟  ما هو الأنموذج الاقتصادي الذي يعول عليه  في الصحافة الإلكترونية؟

لقد غيرت التفاعلية التمثّل لماهية الصحيفة، ونقلتها من مادة للقراءة إلى حيز رمزي للقاء، والتبادل والمشاركة. فالصحيفة الإلكترونية غيرت تبويبها ومنحت مكانا للقراء/ المستخدمين، تسمح لهم بالمشاركة في الرأي، والرد، والاقتراح، والتصويت، واللعب، والدردشة، فصحيفة  الوشنطن بوست Washington Post ، على سبيل المثال، أدمجت الفيس بوك ضمن أبوابها (Epelboin ، 2010)، متخذة من أنشطة قرائها وعلاقاتهم في الفيس بوك أرضية للتوسع اجتماعيا للاقتراب أكثر منهم قصد نسج علاقات قد تختلف عن تلك التي كانت تربط الصحيفة بقارئها، بل تتحول إلى فضاء للحوار والنقاش حول الشأن المحلي في عالم معولم يسعى للقفز على كل ما هو محلي.

كما أصبحت الصحف تستعمل شبكة الفيس بوك للحصول على شهود عيان عن الأحداث، خاصة تلك المفاجئة والتي تحمل طابعا مأسويا أو دراميا. وذلك لأهمية المصادر في منح مصداقية أكثر للأحداث.

كما فتحت الكثير من الصحف أركانا خاصة بالمدونات، بعد أن كفت هذه الأخيرة عن القيام بما كانت تقوم به في بداية ميلادها، والمتمثل في إعادة نشر ما تبثه الصحف أو اقتباس مقاطع كبرى منه. وبهذا فإنها تعمل على كسب الرهان في مجال الإعلام العمودي في ظل سيادة الإعلام الأفقي. لقد جذبت المدونات صوت الأخصائيين في مجالات معرفية معينة ( تقديم ملخصات الكتب، الفنون المعاصرة، علوم…)، وأضافت إلى الصحيفة تلك اللهجة الذاتية التي كانت مهمشة في الصحافة الكلاسيكية بحجة ضرورة الالتزام بالموضوعية. وشكلت هذه اللهجة همزة وصل مع قرائها الذين يميلون إلى متابعة ” الآراء الشخصية والذاتية”، التي تتسم بقدر من الملموسية والحرية، حول القضايا التي تهمهم.

إذا لم تتخذ الصحف من إدماج المدونات الإلكترونية في منظوماتها الاتصالية كاختيار تكتيكي، ولا حتى استراتيجي، بل اعتبرته مطلبا انطولوجيا فرضته ايكولوجيا عالم الاتصال الجديدة.

عجزت المؤسسات الإعلامية عن الوقوف متفرجة على الشبكات الاجتماعية في الانترنت التي تبشر بديناميكية جديدة في عالم الاتصال تستند إلى مرجعية الفرد، وليس الجماهير أو الحشد كما كانت عليه الصحافة الجماهيرية. فبعض الصحف، مثل  صحيفة نيويورك تايمز عينت رئيسة تحرير مكلفة بأدوات الاتصال الجديدة لتطوير أشكال البحث عن مصادر إعلامية جديدة، وجمع المعلومات وتوزيعها.           (Ternisien ، 2009)  وحرصت بعضها، مثل صحيفة الواشنطن بوست، ووكالة رويترز على  تزويد صحافييها بتعليمات صارمة في التعامل معها، وذلك لضرورات مهنية وأخلاقية، تتمثل في الفصل بين الصحافي كشخص له الحق في الاتصال بحرية  وكمهني محدد بانتمائه لمؤسسة صحفية، والحذر في التعامل مع ما يصله من معلومات عبرها خوفا من تضليل الصحيفة، والحيطة في الحفظ على مصادر الأخبار.

لقد عززت بعض الدراسات  المسلك الذي سلكته الصحف في تعاملها مع موقع  تويتر، حيث أكدت بأنه اقرب إلى وسيلة إعلامية كلاسيكية من شبكة اجتماعية، خاصة بعد أن غير اهتمامه من الإجابة على السؤال ماذا تفعل الآن؟ إلى ما هو الجديد؟ (Doyen، 2010) وقد وصفه جيف مينون  Jeff Mignon، الخبير في وسائل الإعلام، بأنه وكالة أنباء مهنية وشخصية. ( Ternisien ، 2009) لأنه يجسد مفهوم ” crowdsourcing”؛ أي الاعتماد على الحشد كمصدر يزود الصحيفة بالأخبار والمعلومات.  لكن امتزاج المهني بالشخصي قد يؤدي بشبكة تويتر إلى عدم الفرز بين الإعلام، ورد الفعل العاطفي أو الانطباع أو حتى الرأي الشخصي الذي يتداول في هذه الشبكة وتلتقطه الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون، وتحوله إلى مادة إخبارية أو عنصر في مادة صحفية. فالمرجعية المعتمد عليها في هذه العملية ليس مصداقية من أرسله، بل عدد المشتركين الذين تقاسموه. بالفعل، إن للعدد/ الكم حكمه في فضاء الإعلام الجديد. لذا تتسابق الصحف اليوم لرفع عدد المشتركين في خدماتها المرتبطة بالشبكات الاجتماعية. لقد تجاوز عدد متابعي followers  خدمات تويتر التي وفرتها بعض الصحف عدد قرائها!

تطوير تدريس الأنواع الصحفية:  الضرورات الفكرية والمتطلبات المهنية.

ما هي العلاقة بين كل ما تم طرحه عن اتساع الحقل الإعلام، بالمفهوم البرديوي ( نسبة إلى بورديو) على حساب الحقل الصحفي، وهجانة الوسائط على الأنواع الصحفية وتدّريسها؟

يمكن الاقتراب من مظاهر التغيير في الخطاب الصحفي من خلال ما يلي:

 -1تعود قارئ الصحيفة الورقية على انتظار الصدور الدوري لصحيفته مما يخلق لديه نوعا من الترقب والألفة. فدورية الصدور تعني مدة زمنية افتراضية تحدد حياة الصحيفة، فإذا تجاوزتها أصبحت مادة أرشيفية أو وثائقية. فغياب هذه المدة في الصحف الإلكترونية يمنحها عمرا مستمرا، و يطرح مسألة الحدث على بساط النقاش. إن الحدث مرتبط بمعلم زمني، وبسياق معين في إنتاجه وقراءته. فاستمرار بقاء الإعلام المرتبط بحدث ما في شبكة الانترنت لمدة طويلة  يجعله أقرب إلى المعلومات Data.( Pélissier ، 2007)

إن مركز ثقل الشبكات الاجتماعية المختلفة في شبكة الانترنت لا يكمن في الأحداث، بل يتمثل في المعلومات، والآراء، والأفكار، والانطباعات، والذكريات، وردات الفعل، والتجارب، والدردشة، وتقاسم المشاعر، وخلق علاقات…  إن هذا الأمر لا يعني فقط تراجع الأحداث أمام طفوح المعلومات في شبكة الانترنت التي عرفها بعضهم بأنها مخزن كبير للمعلومات أو للمواد الإعلامية الخام (Pélissier ، 2007)  التي لا يتم توصيلها إلى البيت فحسب، بل توضع تحت تصرف المستخدم حيثما يوجد. إنه يدل على تراجع  دور الصحف في وضع أجندة الأحداث بعد انتقائها وترتيبها وإدراجها في سياقاتها، ويعبر عن تشذر الأحداث حسب الاهتمامات الفردية، والجماعية التي تبرز في الشبكات الاجتماعية.

يؤكد انغمار الأحداث في يم المعلومات تغيير مهام الصحافي. فهذا الأخير لم يعد، حسب عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، يكتفي بالبحث عن الأحداث فقط لنقلها، بل أصبح يطلب منه  تسييقها حتى تفهم؛ أي إدراجها فورا في سياق تاريخي، وسياسي واجتماعي. فالصحافي يصطدم يوميا بتعقد العالم ويجب يقدم لنا تقريرا عن هذا التعقد (Morin،. (2005 وهذا يجرنا إلى التساؤل عن مآل بناء الأنواع الصحفية التي تقوم على الحدث، مثل الخبر والتقرير الصحفيين، هل يتحولان إلى مادة مشبعة بالمعلومات يوظفها المتلقي وفق السياقات التي يراها مناسبة؟ هل يندثران بعد أن جزأت شبكة تويتر الأحداث، وأضحت ترسلها وتتداولها في شكل شرائح وجزئيات؟ هل ستُشَّكَل من جديد في اتجاه مزيد من الاختصار، والسرعة حتى تتماهى مع الرسائل النصية القصيرة  وtweets ؟ ألا يوجد منطق محدد يربط تشذر نقل الأحداث في شكل شرائح رقيقة بمفهوم ” الحداثة السائلة” Liquid Modernity الذي  يقوم على مبدأ التشظي. فالعالم المعاصر والحياة الفردية تتشذر وتتحول إلى لحظات متفرقة ومتتالية لكنها متجانسة. (Zygmun ، 2006: 26). هل يعيد النوعان المذكوران النظر في مفهوم News الذي أصبح، في ظل الإعلام الجديد، يشمل ردات الفعل الاجتماعية على الأحداث وتداعياتها؟

إن الانترنت دفعت بالآنية إلى حدها الأقصى، لكن  بناء المادة الصحفية وفق منطق النص المتشعب تجعل القارئ/ المستخدم يتنقل بسرعة وخفة بين الماضي، والحاضر، والمستقبل، فتبدو له الأحداث كقطع منفصلة عن بعضها،( Pélissier، 2007) بينما تَعوَّد في الصحافة الورقية على الفصل بين الماضي ( القابع في الأرشيف) والحاضر الذي تتضمنه الأحداث الآنية. فإذا تجاور الحاضر والماضي في بعض الأنواع الصحفية ( المقال الصحفي، التحقيق الصحفي، الحديث الصحفي…) فيبدوان مترابطين ومدرجان ضمن منطق محدد يساهم في إدراك الأحداث وفهم مغزاها.

ربما يعتقد البعض أن مسألة الحدث لا تطرح على الصحافة العربية  لأنها مازالت تحمل الكثير من إرهاصات الصحافة التعبوية التي لا تعبأ بالحدث لأنها تتخذه ذريعة لتمرر اللغة الجاهزة، وكأن دور الحدث يختصر في تبرير وجود هذه اللغة. وفي هذه الحالة تخون هذه اللغة الحدث، وتصبح لغة غير اتصالية! ربما يحتاج هذا الاعتقاد إلى نقاش أكثر وأعمق لا يستوعبه هذا المقام.

2 –   إن النص المتشعب ساهم في تعميق أزمة السردية الكلاسيكية، وربطها بالتقنيات الجديدة التي تمزج العوالم الواقعية والافتراضية.( الصادق،2009). ونعتقد أن للعامل التقني دور في تغيير البناء السردي للنص إذا انطلقنا من مفهوم محدد للسرديات، بمعنى أنه ليس القول الذي يسلك مسلكا خطيا، ويتصاعد فيه الحكي مندفعا إلى الأمام حسب تطور الأحداث، وذلك لأن بعض الأنواع الصحفية التي تستمد وجودها من السرد ( الخبر، التقرير الصحفي)، وإلى حد ما الريبورتاج،  تمردت على النمط الخطي للسرد وأعادت تشكيله من جديد. إن النص الإلكتروني أحدث أزمة في السرد ليس من منظور تشظيه عبر وسائل نقله وتداوله، بل لامتزاجه بأنماط تلفظية مختلفة يتداخل فيها التعليق على الأحداث مع نقلها، وتمزج فيه الشهادات بتقييم الأحداث المنقولة.

حقيقة، إن النص الإلكتروني أضاف للفعل التلفظي الصحفي شفافية، حيث وضع في يد القارئ مصادره، وسمح له بالاطلاع على النص الكامل للشهادات والأقوال والوثائق والإحصائيات التي استقى منها مادته. فالسرد كما هو معروف يرتبط بالحكي عن حدث مضى وانتهى. أي له بداية ونهاية، وتسمح للسارد أن ينأى قليلا عنه من أجل سرده، وهذا الأمر أصبح صعبا وفق منطق النص الإلكتروني الذي يظل مفتوحا، كما سنرى لاحقا.

قد يرى البعض أن أزمة السرد قد بدأت قبل النص الإلكتروني لأنها ارتبطت بالنقل التلفزيوني والإذاعي الحي للأحداث، والبث التلفزيوني المباشر في أواخر الثمانيات من القرن الماضي. إن هذا القول لا يجانب الحقيقة، ويتطلب البحث في تداعياته والتي يمكن أن نلتمسها في التحول الذي شهده السرد التلفزيوني الإخباري الذي لم يعد يتمركز حول رواية الأحداث، بل تعداها إلى تقديم الشهادة على حدوثها وإشراك الجمهور في الإحساس بوقوعها أمام نظره. وهذا التحول أثر بدوره على الأنواع الصحفية، حيث حُجم دور التقرير الصحفي في نقل الأحداث، وفَعَّل الريبورتاج الصحفي الحي الذي استثمر طاقته في الوصف المشبع بوجهة نظر ذاتية.

كان الصحافي يبنى نصه الصحفي بناء على تصوره لقرائه المحتملين لأنه لا يعرف قراءه الفعليين معرفة كافية. بينما قلص النص الصحفي الإلكتروني الفرق بين القراء الفعلين والمحتملين، بل غير مفهوم القارئ  لأنه أصبح  شريكا في إنتاجه وصياغة معناه، الأمر الذي كانت له استتباعات على مستوى بناء النص الصحفي الإلكتروني ، وعلى مستوى تحديد نوعه. فالنص الصحفي لم يعد يقف عند حدود ما يكتبه الصحافي و تنشره الصحيفة. فمتن المادة الصحفية أضحى يشمل التعليقات عن المادة المنشورة talkback التي أصبحت تملك قيمة لدى القراء تفوق قيمة النص الذي كتبه الصحفي. إن هذا المتن الشامل فتح النص الصحفي الإلكتروني، وجدده بما يتغذى به من تعليقات القراء وأرائهم ومعلوماتهم من جهة. فالمتن الصحفي الشامل يتشكل من كلام الصحفي، وكلام القراء عن كلامه. ولعل هذه النقطة الأخيرة هي التي تثير الاهتمام بالنظر إلى الأنواع الصحفية. لقد سبق وأن ذكرنا أن القصد، الذي ينطلق منه الصحافي أو المؤسسة لنشر المادة الصحفية يتدخل في تحديد هوية النوع الصحفي. فما يلاحظ في المتن الصحفي الإلكتروني أنه تحول إلى ملتقى لأكثر من قصد: قصد الصحفي والمؤسسة الإعلامية، وقصد المعلقين عنه، والتي تتنوع بدءا من تصحيح المعلومات والأخطاء الإملائية والنحوية  إلى إبداء الرأي والتعبير عن وجهة نظر مؤيدة أو معارضة  لما كتبه الصحافي أو فتح المجال  للنقاش حول الموضوع الذي أثاره.

إن التفكير في هذا الأمر يدعو إلى إعادة النظر في وزن القصد الاتصالي في تحديد معمار النص الصحفي وبالتالي تشخيص هوية نوعه.

ربما يرى البعض أن ما سبق قوله يتعلق بالأنواع الصحفية في الصحف الإلكترونية، وتأثيره لم يتجل بالوضوح المذكور في الصحافة العربية التي تطلق على نفسها تسمية الصحافة الإلكترونية. فصحيفة ” إيلاف الإلكترونية، على سبيل المثال” التي احتفلت بالعقد الأول من تجربتها، لم تستطع أن تتحرر من عقلية الصحافة الورقية المنشورة في شبكة الانترنت، واستعانتها بالشبكات الاجتماعية الإلكترونية لم تخرج عن كونها  ناقل لمضامينها لا غير. فالمدونات تفقد مقوماتها ومبررات وجودها في صحيفة إيلاف، لأن معظم ما ينشر منها يخضع لأجندة الصحيفة، وأسلوبها، وطريقة كتابتها. بل أن بعض موادها الإعلامية تنشرها في باب ” مدونات”!(فاطمة الزهراء، 2010). كما تستخدم شبكة تويتر للنقل الإعلاني لعناوين موادها الصحفية فقط، وليس كوسيلة لجمع المعلومات والأخبار وتوزيعها.

هل يعني هذا أن الصحافة العربية الإلكترونية والورقية بمنأى عن هذه التغييرات والمؤثرات التي حدثت في الحقل الإعلامي، وبالتالي لا يمكن لتدريس الأنواع الصحفية أن يلتفت إليها؟

إن القراءة المتأنية لصحيفة “القدس العربي” التي تصدر في لندن تبيّن، بشكل جلي، ملامح التغيير في كتابتها الصحفية. فباستثناء الافتتاحية، تتضمن بقية المواد الصحفية المنشورة هامشا من الذاتية يختلف، بهذا القدر أو ذاك، من مادة صحيفة إلى أخرى. فالموضوعية التي كانت تعد عنصرا أساسيا مؤسسا لمصداقية الصحف، وضامنا لشرعيتها  تراجعت في هذه الصحيفة بتأثير من المدونات الإلكترونية التي لم تكتسب شعبيتها من المواضيع التي تطرحها، بل من أسلوب كتابتها الذي يتسم بالذاتية ولغتها البسيطة والمباشرة التي تقترب من لغة الاستعمال اليومي في الشارع. فتضعضع مكانة ثنائية الموضوعية/ الذاتية في مثل هذه الصحيفة  يحث على التفكير في الحدود الجديدة بين الأنواع الصحفية، لأن هذه الثائية شكلت في السابق عاملا أساسيا في التمييز بين الأنواع الصحفية المختلفة. فالخبر والتقرير والمقال الصحفي يتسمون بالموضوعية أما العمود الصحفي و” البورتري” فيقومان على بعد ذاتي أكبر من بقية الأنواع.

إن الكثير من المواد التي تنشرها الصحيفة المذكورة أصبحت تنسج على منوال المدونات الإلكترونية؛ أي أنها لا تقوم على وحدة الموضوع. فالعديد من المواضيع أصبحت  تتعايش بشكل منفصل في المادة الصحفية الواحدة، وتقتبس خصائص الكثير من الأنواع الصحفية: الخبر، العمود الصحفي، المقال الصحفي… وهذا ما يعتبره البعض انزياحا عن للأنواع الصحفية، ويراه البعض ميلاد أنواع صحفية هجينة.

كما بدأت هذه الصحيفة تعنون موادها الصحفية بعناوين تنفرد بطولها وتفاصيلها، وكأنها تريد أن تلخص كل ما تتضمنه.

هذان المثالان  يخالفان قواعد كتابة العنوان التي دأبت كليات الإعلام على تدريسها، والمتمثلة في الاختصار، وعدم فضح مضمون المادة الصحفية، وأن يتضمن العنوان فعلا يفضل أن يكون في المضارع إذا كان ذا طبيعة إخبارية، وأن يبرز الجديد والأصيل، وغيرها من القواعد.

إن الصحف التي أصبحت تعاني من منافسة كبرى في عالم يتسم بالسرعة اضطرت إلى تغيير قواعد كتابة العناوين من أجل جذب قرائها. والحقيقة أن قواعد كتابة العناوين قد تغيرت عبر الزمان سواء في المنطقة العربية أو في العديد من دول العالم، كما تبيّن ذلك الدراسة التي أعدها الباحث جون بوفيل ( De Bonville، 2008) عن عناوين الأخبار المحلية في صحافة مقاطعة الكيبيك، في كندا، في القرن التاسع عشر.

يُعتبر النظر إلى مسألة العنوان كعنصر مستقل عن المادة الصحفية نوع من الإجحاف في حق التفكير في التغيرات التي طرأت على بعض الأنواع الصحفية نتيجة خضوعها لأنموذج صحف المشاهير أو ما يصبح يعرف باسم Press  People . فما يهمنا في هذا الأنموذج ليست المواضيع التي يطرحها، والاهتمامات التي يعبر عنها، بقدر اهتمامنا بأشكال الكتابة التي يجنح إليها.

نعتقد أن الملحقين ” دنيا”  و” 5 الحواس”، التابعين، على التوالي، لصحيفة الاتحاد الإماراتية، وصحيفة البيان الإماراتية  يتماهيان في  الأنموذج  المذكور. لذا نلاحظ قلة حضور الأنواع الفكرية أو غيابها فيها، مع تعميم قالب الكتابة الذي قرب العديد من الأنواع الصحفية بين بعضها. فإذا كان البورتري يعني سمك الحياة، والحديث الصحفي هو علو الصوت الشخصي، فإنهما يتقاربان في هاذين الملحقين لأنهما يشتركان في التقاط نوادر الشخصية التي تشكل محور هاذين النوعين الصحفيين، وتفاصيل ساخرة ومرحة  وغريبة في حياته المهنية أو العاطفية. فهنا تطرح ضرورة التفكير في حدود النوعين المذكورين. كما أن خصائص كتابة العمود الصحفي التي تتسم برشاقة الأسلوب، وبساطة لغته التي تقترب من العامية التي لا تتردد في استعمال الكلمات الأجنبية، وارتباطها بالمفارقات، والأقوال المأثورة، والنكت، قد تسللت إلى الكثير من المواد الصحفية التي تنشرها هذه الملاحق.

الخاتمة:

رغم أن بعض التغيرات العميقة والمعقدة التي طرحناها آنفا  لم يتصلب عودها بعد في المنطقة العربية حتى يُمكن الاعتماد عليها في قراءة الثابت والمتحول في الأنواع الصحفية، ألا أنها تطرح على التدريس الأكاديمي للكتابة الصحفية العديد من التساؤلات حول طبيعة القوانين التي تضبط ” القواعد” و”الانتظام” مما يسمح للنوع الصحفي بالتعبير عن ذاته في ظل التغيرات التي تطرح على مختلف عناصر الحقل الإعلامي التي ذكرناها أعلاه.

وتكشف أن التفكير في تطور الأنواع الصحفية  تلتقي فيه مختلف  الفروع المعرفية: علم الاجتماع الإعلامي، سيمائية الاتصال، اللسانيات، والاقتصاد، وفلسفة الاتصال المستلهمة من فلسفة ممارسة New Media . لذا يمكن القول أن تدريس الكتابة الصحفية في المنطقة العربية لم توظف المكتسبات المعرفية التي حصلت عليها الفروع المعرفية المذكورة أعلاه، ولم تفتح أفق التفكير في الكتابة الصحفية على ضوء التغيير الحاصل في مكانة الصحافي وموقعه في العصر الحالي ومشروعية وظائفه، وكذا موقع الجمهور في ظل التفاعلية التي جعلت منه متلقيا للمادة الصحفية ومنتجا لها في آن واحد.

نعتقد أن تدريس مساق الكتابة الصحفية استفاد، إلى حد ما، من أخلاقيات المهنة، خاصة في جانب التعامل مع مصدر المعلومات، هذا إذا لم نقل أن تدريس بعض الأنواع الصحفية تحول ببساطة إلى ” وعظ مهني”

  إن اهتمام الدرس الأكاديمي بهذه الجوانب لا يعني مطلقا تحويل تدّريس الأنواع الصحفية إلى مناظرة فكرية، ومرتع نظري من أجل حرمان الطلبة من التدريب على الكتابة الصحفية وخوض تجربتها في ربوع الجامعة.

أعتقد أن ما سبق عرضه وتحليله يمكن أن يشكل رصيدا معرفيا لتدريس الأنواع الصحفية، ويساهم، بالتالي، في شحذ وعي الطالب بما يكتب حتى لا يشعر بالغربة في قاعات التحرير التي بدأت تطوع أشكال تعبيرها الصحفي، وحتى لا يتهم مدرسو الأنواع الصحفية بأنهم سجنوها في قوالب تاريخية بعيدة عن نبض الحياة الاجتماعية والثقافية المعاصرة وسدوا مسالك التفكير في أفق تطورها. ويدفع الجامعة للمشاركة في التنظير للتغير في أشكال التعبير الصحفي  بعد أن تستوعب عملية الفك والتركيب التي تعيشها الممارسة الصحفية التي تحدث القطيعة والاستمرارية في الأنواع الصحفية.

لذا يتوجب إعادة النظر في تدريس الأنواع الصحفية بالأخذ بعين الاعتبار ما يلي:

التأكيد على أن الأنواع الصحفية ليست قوالب جامدة، بل أشكال تعبيرية مرنة وحية تتطور بتطور المجتمع، وتخضع لخصوصياته الاجتماعية والثقافية.

الكشف عن التغيرات التي حدثت في حقل الإعلام والاتصال وأثرت في الكتابة الصحفية.

تدريب الطلبة على كتابة النص الفائق أو المتشعب، بعد الشرح النظري لخصوصيته ودوره في الصحافة المعاصرة.

تمكين الطلبة من التحكم في أشكال التعبير والاتصال التي أصبحت تميز إيكولوجيا الإعلام الجديدة، مثل المدونات الإلكترونية، بعد تسليط الضوء عن مكانتها ودورها في الفضاء الإعلامي المعاصر، وتأثيرها المتزايد على أشكال التعبير في الصحافة.

تأهيل الصحافيين في مجال جمع المعلومات من المصادر المختلفة، بما فيها الانترنت والشبكات الافتراضية، والتحقق من مصداقيتها، وتطوير أشكال توظيفها في كتابة الأنواع الصحفية المختلفة. لقد أدرجت عملية جمع المعلومات، وغربلتها، وأشكال التحري في صحتها مادة تعليمية تدرس في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. بجانب تدريس خصائص الكتابة لشبكة الانترنت.

تبصير الطالب بأن قوالب التعبير الصحفي لم تعد مقتصرة على اللسان فقط، بل لابد من توظيف الوسائط المتعددة في البناء المعماري للنوع الصحفي. حيث يمكن الإشارة إلى أن منتجات هذه الوسائط اقتحمت التي تصهر العديد من الأنواع الصحفية قد ولجت عالم المسابقات لنيل جوائز مهنية في الولايات المتحدة الأمريكية، على غرار التحقيقات الصحفية.

تجسير العلاقة بين العالمين المهني والأكاديمي بما يسمح لتدريس الأنواع الصحفية من الانفلات سطوة الكتب التي تعيش قطيعة مع تطورات مهنة الصحافة. ويتيح التخلي عن الأسلوب الدفاعي الذي لا يرفض كل جديد في العمل الصحفي بحجة أنه لا يتطابق مع الكتب الكلاسيكية. هذا دون التشبع بالنظرة المثالية التي تمجد الممارسة المهنية في المنطقة العربية. هذه المهنة التي مازالت خاضعة للمؤسسة الصحفية التي تعاني من هشاشة اقتصادية، وقانونية، وتنظيمية، وتعاني من ضغوطات البيئة السياسية والاجتماعية والثقافية.

الإحالات :

[1] –  يوحي للبعض أن البحث اكتفى بتحليل مسميات المساقات الخاصة بالأنواع الصحفية دون محتواها. لكن بالنسبة للمختصين، فإن مسمى المساق ، مثل ” الخبر الصحفي” يعكس محتواه التعليمي، والذي يشمل : تعريفه، مصادره، أشكال كتابته، وبنيته ( العنوان، المقدمة، الجسم). وهذا ينطبق على جل الأنواع الصحفية. والسؤال الذي يثيره هذا البحث يتعلق بالرؤية الجامدة للنوع الصحفي، المنفصلة عن بقية الأنواع الصحفية.

[2] – وتشكلت مفردات عينة البحث من الكليات التالية:  كلية الإعلام بالقاهرة، قسم الإعلام بكلية الآداب ( جامعة 7 أكوبر بليبيا)، قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز المملكة السعودية، وكلية الإعلام بجامعة بغداد، قسم الصحافة والإعلام  بكلية الآداب باليمن، قسم الاتصال الجماهيري بجامعة الإمارات، قسم الإعلام والسياحة بكلية الآداب بالبحرين، معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس.

[3] –  نذكر منهم، على سبيل المثال وليس الحصر: أميل زولا، جون ريد، همنغواي، غارسيا ماركيز، والروائي البيروفي فرغاس يوسا الذي نال جائزة نوبل للآداب في السنة الحالية.

[4] – إن الأمر لا يقتصر على الأخبار فقط، بل امتد إلى العديد من المعارف التي تداولها الأقدمون في شكل نظم ، نذكر على سبيل المثال علم المنطق  الذي لخصه عبد الرحمن الصغير الأخضري في قصيدة مطولة بعنوان: ( السلم المرونق في فن المنطق)، وألفية بن مالك التي لخصت قواعد الصرف والنحو

المراجع:

المراجع بالغة العربية:

  1. (الحمامي) الصادق ( 2009) : تجديد الإعلام: مناقشة حول هوية الصحافة الإلكترونية، المملكة العربية السعودية، المجلة العربية للإعلام والاتصال، العدد الخامس، نوفمبر، ص73-14
  2. (الحيدري) عبدالله: الرّمز والأداة في مجتمع المعلومات، التكوين الإعلامي في مجال التلفزيون بأقسام الإعلام العربيّة، استرجعت بتاريخ 5/5/2009 من الموقع: http://www.arabmediastudies.net/images/stories/pdf/formation.pdf
  3. ( العزاوي) فاضل ( 2000):مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة“، ألمانيا، منشورات ” الجمل”
  4. القدس العربي اللندنية ( 2010) الصادرة يوم الجمعة 28 مايو
  5. (خضور) أديب ( 1993): مدخل إلى الصحافة نظرية وممارسة، سلسلة المكتبة الإعلامية، سوريا،
  6. فاطمة الزهراء)  ( 2010 :   أطول قطار في العالم سيربط السعودية بالأردن ودول مجلس التعاون الخليجي بنهاية العام الحالي2010، القدس العربي، مسترجع بتاريخ 18 سبتمبر 1010 من الموقع: http://muslimgirl.elaphblog.com/posts.aspx?U=3645&A=52324
  7. ( كيليطو) عبد الفتاح  )2007): الأدب والغرابة، دراسة بنيوية في الأدب العربي، المملكة المغربية،  دار توبقال
  8. (لعياضي) نصر الدين ( 2006): اقترابات نظرية من الأنواع الصحفية، الجزائر، الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية.
  9. (مروة) حسين ( 1985): تراثنا كيف نعرفه؟ لبنان، مؤسسة الأبحاث العربية،

المراجع باللغات الأجنبية:

  1. Rieffel Rémy ( 2001):Vers un journalisme mobile et polyvalent ?  Revue Quaderni.  France, N. 45, Automne, 153-169.
  2. Larue-Langlois Jacques( 1989):The teaching of journalism in French Quebec: Where from? Where to? Canadian Journal of journalism, Canada , Vol 14, No 2,  59-63
  3. Ringoot Roselyne & Jean-Michel Utard (dir.) ( 2005):Le journalisme en invention,  Rennes, PUR, coll. Respublica, 2005
  4. Adam Jean-Michele 1997 )  ): Unités rédactionnelles et genres discursifs, Cadre général pour une approche de la presse écrite, Revue Pratiques, France, N 91 juin, 3-18
  5. Balle Francis ( 1987) : Et si la presse n’existait pas..., France, J.-C. Lattès,
  6. Ruellan Denis: ( 2004) : Aux origines du journalisme, le reportage ; retrieved  December 3, 2008, from http://www.cyberjournalisme.com.ulaval.ca/module0.2/0.2.4_origines.php
  7. DemersFrançois )  2007) : Déstructuration et restructuration du journalisme ,  Revue tic & société, Vol. 1, n°1 |  2007  Retrieved  December 7. 2010 from : http://ticetsociete.revues.org/298
  8. Laville Camille: Journalisme ( 2008) : former au changement Comment les formations se saisissent des transformations , mediamorphoses Revue d’analyse et de réflexion ; INA ; France ; n.24,  92-96
  9. Charron Jean & Bonville  Jean ( 2000): Le paradigme journalistique, Usage et utilité du concept, retrieved  June 30,2007; from http://hal.archives-ouvertes.fr/docs/00/06/23/18/PDF/sic_00000790.pdf
  10. Benoit Raphael  )2008): Demain tous journalistes, Published January, 10, Retrieved August 20, 2009 from http://benoit-raphael.blogspot.com
  11. Ringoot Roselyne & Ruellan Denis ( 2006): Ordre, flou et dispersion, Le journalisme comme invention permanente et collective, Communication à la conférence internationale Thinking Journalism across National Boundaries: New Challenges and Emergent Perspectives, organisée par Associação brasileira de pesquisadores em jornalismo (SBPJOR), Porto Alegre, 3-5 novembre. Brésil retrieved February, 10, 2009 from http://www.surlejournalisme.com/
  12. Charron Jean & Bonville Jean (1996) : Le paradigme du journalistique de communication, essai de definition, Revue Communication Vol 17 Numéro 2, 51-97
  13. Florimond Rakotonoelina) 2002) :Écriture numérique et révolution des genres anamorphose du genre ,« débat public », actes du colloque : écritures en ligne pratique et communautés, Sous la direction de Chapelain Brigitte , Université de Rennes 2. CERCOR (CERSIC) , 26, 27 Septembre
  14. Mauger  Gérard & Pinto  Louis (1994): Lire les sciences sociales 1989-1992. Vol. 1.- Source bibliographique Paris, Belin, 1994, pp 326-329
  15. De laubier Charles ( 2000): La presse sur Internet, France, Que sais-je n° 3582, PUF
  16. Maigret Éric ( 2007): L’Internet : concurrence ou complémentarité avec les autres médias ? Revue  Cahiers français, France, n°338,  mai – juin, 26-32
  17. Prerrier Valerie Jeanne ( 2001): Media imprimé et media informatisé: la leurre de la complémentarité, Revue Communication et langages, France, n° 129, troisième semestre,  49 – 63
  18.  Da lage Olivier (2001): la presse saisie par l’internet,  Revue Communication et langages,  France, n° 129, troisième semestre , 37 – 48
  19. Epelboin Fabrice ( 2010) : Pourquoi la presse doit tenir compte de Facebook au plus vite. Retrieved, April30, from http://fr.readwriteweb.com/2010/04/23/a-la-une/pourquoi-presse-doit-tenir-compte-de-facebook-vite
  20. Ternisien: Xavier (2009) : Le réseau Twitter émerge comme source d’information pour les médias, France, Le monde du 11 juin
  21. Doyen Guy ( 2010): Twitter : média d’actualités ou réseau social ? Retrieved May 23,2010 from http://thenextweb.com/fr/2010/05/01/twitter-media-actualites-ou-reseau-social/
  22. – Nicolas Pélissier ( 2002): L’information en-ligne: un nouveau paradigme pour le journalisme,  Retrieved May 10, 2007, from  ccsd.cnrs.fr/sic_00000145/en
  23. – EdgarMorin ( 2005): J’apprécie les tout petits médias , Revue Medias,  France, n°4 mars, Retrieved May 10, 2007 from  http://www.revue-medias.com/-no4,9-.html
  24. – Zygmunt Bauman) 2006:(La Vie liquide, traduit de l’anglais par christophe Rosson, édition  Rouergue, France,
  25. De Bonville  Jean(2008): Le titre des nouvelles locales dans la presse québécoise à la fin du XIXème siècle,  Revue Semen, France, n° 25,   27 40

الصحافة الرقمية “العربية” والمجال العام:                                                                                                                                       فضاء للاستقطاب والتمشهد مقدمة:

تكشف مراجعة الأدبيات العربية التي تناولت موضوع الصحافة الرقمية عن لبس في تعريفها. ونعتقد أن سببه يعود إلى عدم التمييز بين المفهومين: الاتصال (Communication) والإعلام (Information) من جهة، وعدم التَّفْرِيق بين الصحافة كنشاط ومهنة لا تقتصر على وسيلة إعلامية واحدة، والأخبار الرقمية كمنتَج من جهة أخرى. إضافة إلى الحديث عنها بمخيال الصحافة المطبوعة. لذا يتوجب في البدء الاستناد إلى تعريف الصحافة الرقمية الذي يبدو أنه لقي قبولًا واسعًا لدى المهتمين وحظي بإجماع المختصين. “يحيل مفهوم الصحافة الرقمية أولًا إلى المحتوى الاعلامي المنتَجُ في إطار مشروع تحريري. إن مفهوم الإعلام المنقول عبر حوامل رقمية واسع جدًّا يتضمن الكثير من المواد بدءًا بالبيانات وصولًا إلى الحديث الأكثر عناية في صياغته. بينما يندرج الإعلام الصحفي صراحة في إطار وسائل الإعلام. ويقوم بدورها التقليدي في المجتمع: ممارسة مهمة الوسيط بين الأحداث والظواهر والمشاكل التي تطرأ في المجتمع وأعضائه (…) فما تقدمه الصحافة الرقمية من محتوى هو ثمرة المعالجة الصحفية؛ أي البحث عن الأخبار والمعلومات، وجمعها وتحليلها، وعرض الأحداث”(1).

ظلت الصحافة المطبوعة لمدة تزيد عن ثلاثة قرون تنمو في ظل التغيير “العادي”؛ إذ خضعت إلى المبادئ ذاتها، ولروتين الإنتاج عينه، ولإيقاع تقديم الأخبار نفسه، وللطريقة في التوجه للقارئ ذاتها، ولبنيات لجمع الأخبار عينها (2). لكن اليوم تغيرت البيئة الإعلامية تغييرًا جذريًّا وغيرت ما كان يعتبر من ثوابت المهنة. لقد تحولت شبكة الإنترنت إلى فضاء للمواجهة الرمزية حول تحديد الهوية المهنية للصحافة التي تعيش تغييرًا دائمًا (3).

تاريخيًّا، ظهرت الصحافة الرقمية مع الاستخدام الاجتماعي للجيل الأول من الويب، ثم واكبت تطور جيله الثاني واستفادت من إمكانياته التقنية والاتصالية، وأصبح من الصعوبة بمكان الحديث عنها دون الأخذ بعين الاعتبار تداعيات استعانتها بالمنتديات الرقمية، ومواقع التواصل الاجتماعي، والمدونات الرقمية. ولئن ظل الإعلام الخاصية الأساسية التي تشخص الصحافة؛ أي إطلاع عدد من الناس على الأحداث الواقعية، إلا أن الجيل الثاني من الويب غيَّر “الحامض النووي” للأخبار نظرًا للخاصيتين الأساسيتين اللتين يتمتع بهما، وهما: الآنية والتفاعلية. فلم يعد اهتمام الصحافة يرتكز على ما جرى فحسب، بل اتجه أيضًا إلى الانشغال بردود الفعل على ما جرى وتبعاته. فأصبح باستطاعة كل من يملك أدنى حد من الكفاءة التقنية والعُدَّة التكنولوجية المتصلة بشبكة الإنترنت أن ينخرط في ديناميكية تحوُّل الحامض النووي للأخبار.

من الناحية الإجرائية، تحصر العديد من البحوث الأمبريقية في المنطقة العربية (4) الصحافة الرقمية في مجمل الصحف التي تصدر طبعتها في شبكة الإنترنت بجانب نسختها الورقية. وتتسم الطبعة الرقمية بسمتها الإخبارية التي تتخذ النسخة الورقية مرجعًا لها. ويحتفظ صحافيوها بسلطة انتقاء الأخبار وصياغتها ونشرها مع التفاعل المحدود جدًّا والمراقب مع قرائها/مستخدميها. هذا إضافة إلى الصحف التي تنشئ موقعًا لها في شبكة الإنترنت دون أن تملك نسخة ورقية لكن نشاطها يظل قائمًا على صحافيين محترفين.

ويلتقي الاجتهاد النظري والبحوث الأمبريقية في تشخيص سمات الصحافة الرقمية في العناصر التالية: التفاعلية (Interactivity)، والكتابة غير الخطية-المتشعبة أو الفائضة (Hypertextuality)، وتعددية الوسائط (Multimediality).

يؤكد مسح التجارب المختلفة في العالم حقيقتين، وهما:

أولًا: رغم التأكيد على أهمية حامل الصحافة الرقمية وتفعيل السمات الثلاث المذكورة أعلاه، التي أحدثت تغييرًا جذريًّا في الصحافة المعاصرة على مستوى نمط الإنتاج الصحفي ومعاييره وعلى صعيد اقتصاديات الصحافة، إلا أنه يمكن القول إن مكتسبات الممارسة الصحفية في بيئة الويب لا تحلينا إلى نموذج وحيد للصحافة الرقمية يُوحِّد مختلف التجارب ويُنَمِّطُها.

ثانيًا: كانت الصحافة “الرقمية” ولا تزال حقلًا للتقليد -تقلد بعضها البعض- وميدانًا للتجريب. تقاوم في البداية أي مبتكر تكنولوجي جديد ثم تتبناه وتتملكه. فالكثير من عناوين هذه الصحافة اعتبرت المدونات الرقمية منافسًا خطيرًا لها، وناصبها صحافيوها العداء. ثم اتجهت جل مواقع الصحف في شبكة الإنترنت إلى احتوائها وإدراجها في استراتيجيتها الاتصالية أو التسويقية. لتنتهي إلى التخلي عنها تدريجيًّا (5). وتكررت الحكاية ذاتها مع الميديا الاجتماعية لتنتهي باستخدامها لمآرب مختلفة سواء كمصدر إخباري أو كحامل للمضامين الصحفية أو كفضاء للنقاش والحوار. وقد سبق للعديد من الصحف الرقمية أن فتحت صفحاتها للقارئ ليتفاعل مع ما تنشره من مضامين بالتعليق والتعقيب، ثم بدأت تتراجع عن هذا الاختيار جزئيًّا إلى غاية إلغائه كليًّا (6).

لا تؤكد هذه الحقائق عدم استقرار الصحافة الرقمية على شكل معين فحسب، بل ترافع عن البراديغم البنائي الذي يعتبر الصحافة عملية بناء اجتماعي للواقع في تحوُّل دائم وابتكار متواصل (7).

1. مقاربة الصحافة الرقمية

لا يوجد إجماع على مقاربة نظرية واحدة لدراسة الصحافة الرقمية. فأغلب المقاربات التي تناولتها أدرجتها في النظريات التالية (8): سوسيولوجيا مهنة الصحافة، والنظرية المتجذرة (Grounded theory)، ونظريات التكنولوجيا والمجتمع (الحتمية التكنولوجية ونظرية انتشار المبتكرات). ويمكن أن نضيف لها سوسيولوجيا الاستخدامات ونظرية المجال العام التي سنوظفها في هذا المقام.

نعتقد أن نتائج الاستعانة بالمجال العام لفهم التحولات التي عاشتها وتعيشها الصحافة، ودراسة تداعيات الصحافة الرقمية في المجتمعات العربية على المجال العام، تكون محدودة جدًّا وتجانب الواقع ما لم تأخذ بعين الاعتبار الدراسات المعاصرة التي تجاوزت الطرح الهبرماسي للفضاء العمومي (1988-1962)، كما سنوضح لاحقًا.

2. من خصائص الصحافة “الرقمية” العربية

من الصعب جدًّا الحديث عن الصحافة العربية “الرقمية” التي تتسم بقدر كبير من التنوع وعدم التجانس الذي يعود إلى تفاوت الإمكانيات المادية والتقنية، وتباين التقاليد الثقافية والاجتماعية، وتفاوت هامش حرية التعبير، لكن سنغامر بالقول: إنه بعد مرور 14 عامًا من صدور أول نسخة إلكترونية لصحيفة عربية، وهي الشرق الأوسط، استخلصت بعض الدراسات (9) أن ما سمي بالصحافة الرقمية العربية لم تصل بعد إلى الارتكاز على الخصائص الثلاث المذكورة أعلاه. ونعتقد أن هذه الخلاصة لا تزال صالحة لحد اليوم؛ إذ إن مخيال الصحافة المكتوبة ما زال يتحكم في الكثير من مواقع الصحف الرقمية العربية. وهذا يعني قلة الاعتماد على الكتابة غير الخطية أو فقر نصوصها المتشعبة أو الفائضة. فالروابط الرقمية إن وجدت فهي داخلية وتشير إلى مقالات ذات صلة بالموضوع المعالج ومقالات سابقة لكاتبها (10)، ولا تتضمن روابط خارجية. إن النص الفائض في الصحافة الرقمية يُقدِّم أكثر من مدخل للمادة الصحفية؛ يُثْرِيها بمعلومات مُكَمِّلَة ويُعمِّق بعض جوانبها. ويَرْفِدُها بمواد سمعية، وسمعية بصرية، وتسجيلات حية أو وثائق من الأرشيف. لكن استخدام النص المتشعب في الصحافة الرقمية العربية ضمن هذا الأفق يظل محدود جدًّا. وهذا يبعدها كثيرًا عن “موسوعية الإعلام”(11).

ولا تعتمد هذه الصحافة على البعد التفاعلي إلا في حدوده الدنيا؛ أي لم تصل إلى ترسيخ منطق الشراكة في إنتاج المادة الصحفية. فرغم أن مواقع بعض القنوات التلفزيونية العربية في شبكة الانترنت تُعَدُّ أكثر تقدمًا في إتاحة الفرصة للجمهور لإبداء رأيه مقارنة بمواقع الصحف الورقية إلا أن هذه الفرصة تظل أسيرة منطق بريد القراء. فموقع “العربية نت”، على سبيل المثال، يطلب من جمهوره أن يشاركه الرأي ويخصص له خانة لتوجيه رسائله مكتوبة!

وبصرف النظر عن استطلاع الرأي والاستفتاءات التي تقوم بها جل الصحف الرقمية العربية، التي تُمَثِّل ضربًا من التفاعل، لا تستعين أغلبها بالمدونات الرقمية. والقليل جدًّا منها لا يسمح سوى لعدد محدود جدًّا من صحافييه بنشر مدوناتهم فيها- مثل صحيفة “ليبرتي” الجزائرية (Liberté) -ربما ينفرد موقع الجزيرة نت في توظيف المدونات الرقمية التي تجمع صحافيي القناة وبعض الأقلام من خارج مؤسسة الجزيرة لتقديم مواد متنوعة عن مواضيع مختلفة تعكس تجارب متعددة تسير في اتجاه توسيع قاعدة متابعي موقعها الإلكتروني. هذا الانفراد الذي يقترب من الاستثناء لا يمكن أن يحجب استغناء قطاع واسع من الصحافة الرقمية العربية عن الطاقة التعبيرية والتواصلية للمدونات الرقمية التي من المفروض أن تفتح أفقًا للإنتاج المشترك للمادة الصحفية. فالمخيال التقني الذي قاد خطواتها لم يتمكن بعد من تحرير المخيال الاجتماعي. وهذا ما يتضح في تَملُّكها للميديا الاجتماعية. لقد سار هذا التَمَلُّك، بدرجات متفاوتة، في اتجاهين: الاتجاه الأول اعتمد على ما ينشر في هذه الميديا كمصدر أخبار، والاتجاه الثاني جعل منها رافدًا لنشر محتويات الصحافة الرقمية العربية وتوصيلها إلى جمهور جديد ومتنوع. وقد مرت الصحف الرقمية الأوربية بهذه التجربة؛ إذ جعلت من موقعي شبكتي: فيسبوك وتويتر مجرد لوح إشهاري يعلن عن عناوين موادها الصحفية، ويقدم ملخصات مختصرة لما تضمنته مواقعها الرقمية (12). لكنها تجاوزت هذه المرحلة؛ إذ أدمجتهما ضمن استراتيجيتها الإعلامية والتسويقية (13).

رغم اتجاه الكثير من المواقع الصحفية في شبكة الإنترنت إلى استخدام البرمجيات والتطبيقات التي تُمَكِّن من تصفحها عبر الحوامل المتنقلة، مثل الهاتف الذكي واللوح الإلكتروني، خاصة بعد أن كشفت المسوح الميدانية أن 67 %من الأشخاص في سبع دول عربية يتابعون الأخبار عبر هواتفهم الذكية، وأن ثلث مستخدمي الإنترنت فيها يؤكدون أن المنصات الرقمية والميديا الاجتماعية هي مصدر أخبارهم الأول (14)، فإن الكثير من الصحافيين يُقِرُّون بغياب استراتيجية واضحة وراء لجوء صحفهم إلى النشر عبر الإنترنت (15). ويتجلى هذا الغياب أكثر على مستويين: نمط إنتاجها الصحفي واقتصادياتها.

ربما لجأت بعض الصحف إلى النشر في شبكة الإنترنت من باب التقليد وركوب موجة “الحداثة التقنية” الذي دفع بعضها إلى القفز إلى الأمام من خلال دعوة الجمهور إلى نشر صوره وفيديوهاته(16). واعتمادها كشهادة شاهد عيان. وفتح بعضها المجال للقراء لإبداء آرائهم والتراجع عنه (17). وهكذا اتجهت بعض الصحف إلى تبني التكنولوجيا مع مقاومة آثارها من خلال التشبث بالماضي، فلا تُحَيِّن محتوياتها (18). هذا الاختلاف أو عدم التجانس في تطور الصحافة العربية الرقمية يدعو إلى تسييق (من السياق) نشوئها وتطورها من خلال عاملين أساسيين، وهما: العامل الاقتصادي، والعامل القانوني.

يعتمد تمويل الصحافة الورقية في المنطقة العربية إلى حد كبير على عائدات الإعلان. فأي انكماش في سوق الإعلان ينعكس على صحتها المالية. واستنسخت الصحافة الرقمية العربية هذا النمط التمويلي أمام وجود ما بين 61 و75% من مستخدمي شبكة الإنترنت يرفضون دفع مقابل مالي جراء تصفحهم للمواقع الرقمية (19). فرغم أن سعر الإعلان في مواقع الصحف الرقمية العربية يُعَدُّ أقل من سعرها في الصحف الورقية بـ ـ25 مرة (20) إلا أن معدل كل فرد سنويًّا من الإعلان الرقمي يظل ضعيفًا؛ إذ يتراوح ما بين دولار واحد في فلسطين وسوريا و7.8 دولار في لبنان (21). وهذا لا يكفي لتغطية تكاليف مواقع الصحف الرقمية، فتضطر الكثير من النسخ الرقمية إلى الاعتماد على الطبعة الورقية في تمويلها أو البحث عن مصادر مالية غير تقليدية (22) أو الكف عن الصدور (23). لذا أضحى منح الإعلانات للصحافة الرقمية في بعض البلدان العربية وسيلة للضغط عليها وابتزازها لتغيير خطها التحريري على غرار ما يحدث مع الصحف الورقية (24).

لقد نشأت الصحافة العربية الرقمية وتطورت في كنف قوانين الإعلام والمطبوعات التي وجدت أصلًا لتأطير نشاط وسائل الإعلام الكلاسيكية )الصحافة المطبوعة، والإذاعة والتليفزيون(. وكان للعوامل الخارجية دور في اهتمام المشرع في البلدان العربية بالإعلام الإلكتروني. فبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 تمت مراجعة قوانين الإعلام والمطبوعات وخُصِّص جزء منها للإعلام الإلكتروني وتم ربطه بالجرائم الرقمية. وبعد حوالي عقد تقريبًا من هذا التاريخ تم التركيز على أضرار هذا الإعلام تحسبًا لتداعياته على المنطقة العربية (25) بعد ما أصبح يعرف بـ “الربيع العربي. ولم ينظر المُشَرِّع للصحافة الرقمية باعتبارها أداة تعبير في يد من لا يملك “سلطة القول” أو قوة مراقبة السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية.

تخضع الصحافة الرقمية في جل البلدان العربية لقانون المطبوعات: مثل التصريح، وتعيين رئيس تحرير ومسؤول النشر. ويتشدَّد المُشَرِّع المغربي في التصريح المسبق لإصدار صحيفة إلكترونية أكثر من التصريح لإنشاء نظيرتها الورقية؛ إذ يفرض إيداع التصريح لدى النائب العام في المحكمة، ولدى الوكالة الوطنية لتقنيين المواصلات، والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، والمركز السينمائي المغربي (26).

يبدو أن تفسير الصعوبات التي تواجه الصحافة العربية في انتقالها إلى بيئة الويب بغياب النصوص القانونية المُنَظِّمة لها أو عدم مواكبة هذه القوانين لديناميكية تغييرها أضحى قاصرًا؛ إذ يمكن اليوم الوقوف على العديد من الحالات التي تكشف بأن بعض هذه الصعوبات تعود لعدم تطبيق القوانين أو أن تطبيقها يخضع للمزاج السياسي ولميزان القوى السياسية. فالنظر إلى وضع الصحافة الرقمية العربية من ” كوة” القانون توهم النظر وتعيد إنتاج الطوباوية التي تؤمن بوجود الإعلام خارج شرطه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي.

فعلى ضوء هذا الشرط نحاول أن نقرأ إسهام هذه الصحافة في تشكيل أو إعادة تشكيل المجال العام من خلال الافتراضات السبعة التي سنناقشها في هذا المحور.

3. الصحافة الرقمية العربية وتشكيل المجال العام

1.3. الاستقطاب في ظلال التشذر

عملت التكنولوجيا المعاصرة ووسائطها المختلفة على تشظي الجمهور والمستخدمين في البلدان العربية عبر مختلف واجهات الشاشات. ففي ظل تشنج العلاقات الاجتماعية، واللجوء إلى العنف في الصراع للوصول إلى السلطة في بعض البلدان العربية أو للاحتفاظ بها، انتقلت الصحافة “الرقمية العربية” من إحداث التشذر في صفوف قرائها إلى محاولة استقطابهم لاصطفافهم وراء الأطراف المتصارعة. فبهذا انزاحت إلى التجييش والتعبئة والإقصاء وابتعدت عن مسار النقاش العقلاني والديمقراطي. وهذا يتعارض مع الفكرة المسلم بها التي تنص على أن للصحافة الرقمية إمكانية تشكيل مجال عام شامل تناقش فيه كل القضايا والمواضيع ويستطيع كل شخص أن يلجه ويشارك فيه (27).

لقد اتسمت الصحافة المطبوعة العربية بطابعها السياسي نظرًا للظروف التاريخية التي تشكَّلت فيها (مقاومة الاستعمار والانخراط في ديناميكية الصراع في ظل بناء الدولة الوطنية). وهذا يعني أن جل عناوين الصحف نشأت وتطورت في كنف عائلة فكرية وسياسية معينة، وعملت، بهذا القدر أو ذاك، من أجل نشر فلسفتها والتعبير عن مواقفها. ونعتقد أن امتدادها إلى البيئة الرقمية لم يحررها من سلطة عائلتها، بل أدى بها إلى تشكيل عَصَبتها الرقمية في ظل تشظي المجال العام. إن تحليل الخطاب السائد في منتديات بعض الصحف الرقمية، يؤكد خضوعه “لوحدة الفكر والتصور” التي تقصي أي فكر مخالف مما يحول المناقشة إلى حوار ذاتي (28). وهذا يعني انغلاق الفضاء الذي تُشكِّله كل صحيفة إلكترونية على قرائها الذين يلتقون حول الأفكار والآراء ذاتها، فيعمق إيمانهم بصواب آرائهم، بل قد يدفعهم إلى التشدد فيها (29). وبهذا فإنها أقرب إلى تشكيل فضاء مشترك عن مجال عام.

2.3. الصحافة الرقمية و”فوقعة المصفاة”

ازداد الايمان بإقبال البشرية على تعددية المصادر الإعلامية وتنوعها في ظل تعدد المنصات الرقمية، وشاع معه الاعتقاد بزوال الوسيط بين مستخدمي هذه المنصات ومصادر المعرفة والأخبار، لكنه زال بتزايد دور الوسطاء الإعلاميين (Infomediaries) الذي يضطلع به العديد من الفاعلين في الإنترنت: الميديا الاجتماعية، ومجمعي الأخبار، ومحركات البحث المختلفة.

تراوحت نسبة الأشخاص الذين يلجون مواقع الصحف الرقمية في بعض الدول الأوربية أو يتصفحون محتوياتها عبر محرك بحث ” غوغل نيوز” ما بين 25 و40%(30). ولا يخفى على كل مطلع بأن هذا الوسيط الإعلامي يعمل على شَخْصَنَة المواد الإعلامية حسب كل قارئ. ومهما بلغت نسبة هؤلاء الذين يطلعون على ما تنشره الصحف الرقمية العربية فإن دور الوسيط الإعلامي المذكور يظل ذاته. وربما يتضاعف في ظل استعانة جل الصحف الرقمية في المنطقة العربية بشريط “ملخص الموقع الثري “آر إس إس” (RSS) الذي يزود كل مشترك بما تنشره هذه الصحف من جديد ويتماشى ورغباته واهتماماته. هذه الحقيقة تعزز فكرة “فقاعة المصفاة” (The Filter Bubble) التي قدمها إيلي بارزي (Eli Pariser) حيث أكد أنها تؤدي إلى شَخْصَنَة الأخبار والإعلام بشكل أكبر. فتقدم من الأخبار والتعليقات ما يتناغم مع أفكار القارئ المسبقة والجاهزة وتبعده عن مواجهة الأفكار المعارضة أو المخالفة فتشجع الاستقطاب بدل الانفتاح على الحوار والتداول. على هذا الأساس يمكن أن نفهم تراجع يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) في 2006 عن أعماله الأولى في دراسته للآثار المهيكلة للوساطة الإعلامية في المجال العام المعاصر، حيث أكد أن الإذاعة والتلفزة والصحافة ثم الإنترنت تشجع ميلاد “فسيفساء” من الفضاءات الموضوعاتية النصف عامة (31).

3.3. السياسة: ممارسة أم استعراض؟

لعل السؤال الذي طرحه الباحث مارك لانش (Marc Lynch) عن الفضاء التدويني العربي، في عز ازدهاره عام 2007، لا يزال راهنًا في جوهره ويمكن سحبه على الصحافة الرقمية العربية. لقد تساءل هذا الكاتب عن مقدرة الفضاء المذكور على تحويل ديناميكية الرأي العام والنشاط السياسي وإن كان قد استبعد حينذاك أن تقود المدونات الرقمية السياسة العربية إلى ثورة إلا أنه آمن بإمكانيتها في تغيير طبيعة السياسة في المستقبل (32) وهذا بفعل آثار تراكم الفعل التواصلي غير التقليدي والمتجدد.

إن تطور الصحافة العربية الرقمية لم يتم بمنأى عن المدونات الرقمية التي خف وزنها اليوم في المجال العام في المنطقة العربية نتيجة ديناميكية التواصل التي أحدثتها مواقع الشبكات الاجتماعية؛ إذ يجب الإشارة إلى أن الكثير من هذه المواقع كانت ولا تزال تتغذى بما تنشره وسائل الإعلام التقليدية التي تمَلَّكَتها؛ فقادها إلى الإسهام في تغيير نمط الاتصال العمودي في المجتمعات العربية. هذا التغيير وما واكبه من تشذر في القراء/المستخدمين وتشكيل “الجماعات الافتراضية” طعن في مشروعية التراتبية الاجتماعية الموروثة، وعمل على تجريد السلطة من كل تقديس، وخفَّف من منسوب الخوف من إبداء الرأي والتعبير عن الموقف.

لعل هذا التغيير في المجتمعات العربية الشغوفة بالشأن السياسي في ظل غليان الشارع في بعض البلدان العربية يطعن فيما توصل إليه الباحث بريس بمبر (Bruce Bimber) في محاولته تفسير العلاقة الترابطية بين الصحافة الرقمية والمشاركة السياسية في الولايات المتحدة الأميركية. فعزا هذه المشاركة إلى الاستعداد بالاهتمام بالشأن السياسي لدى مستهلكي هذه الصحافة وليس العكس (33). بمعنى أن متابعة الأخبار السياسية ليست متغيرًا مستقلًا يؤثر على المشاركة السياسية، بل إن هذه الأخيرة هي المتغير المستقل. لقد تجلت العلاقة الجدلية بين الإقبال على الأخبار السياسية والنضال السياسي الرقمي أكثر في بعض البلدان العربية التي عاشت أحداث “الربيع العربي”.

يُعَدُّ التواصل بين الأشخاص شرطًا أساسيًّا لِتَشَكُّل المجال العام. فالصحافة الرقمية وبقية وسائل الإعلام ليست قنوات اتصال فحسب، بل إنها بوتقة ينصهر فيها هذا الاتصال. فمهما كان مستوى الاتصال في الفضاء الافتراضي ومهما تعدَّدت منابر النضال الرقمي فإنها غير قادرة بمفردها على تطوير الممارسة الديمقراطية الفعلية والعملية في الواقع اليومي. هذا ما أكده الكاتب الأميركي ملكوم غلادويل (Malcolm Gladwell) (34)  من خلال مقارنته بين النضال العملي في أرض الواقع الذي خاضته حركات الدفاع عن الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأميركية في ستينات القرن الماضي والذي أدى إلى تغيير فعلي في واقع الأميركيين من أصول إفريقية، والنضال الافتراضي في العقد الثاني من الألفية الحالية الذي لا يتكبد فيه المناضلون الرقميون سوى أقل المخاطر. وهي مخاطر حقيقية وكبرى في بعض البلدان العربية التي تمنع، مع الأسف، أي شكل من أشكال الاحتجاج السلمي عبر التجمعات والمظاهرات والمسيرات.

أسهمت بعض مواقع الصحافة الرقمية العربية في دفع قطاع من المواطنين من التعبير عن آرائهم وشاركت بقدر وافر في بروز شكل جديد من الالتزام والانخراط في الشأن السياسي مما يفتح آفاقًا للديمقراطية الرقمية. ويثير هذا الإسهام السؤال التالي: ما وقع هذه الديمقراطية الرقمية على التغيير في الممارسة السياسية في المجتمعات العربية وفي بناء مؤسساتها الدستورية؟ ينبهنا هذا السؤال إلى أن مسألة التغيير السياسي في المجتمع تُعَدُّ عملية معقدة يشارك فيها العديد من الفاعلين، منهم الإعلام، وإن كانت إعادة بناء المؤسسات الدستورية على أسس ديمقراطية عملية بطيئة وناجمة عن فعل تراكمي. هذا إن لم نجار الباحثة السوسيولوجية البريطانية كيت ناش (Kate Nash) (35) في دعوتها إلى الابتعاد عن الرؤية التقليدية للسياسة وعدم حصرها على مستوى الدولة، واعتبارها شأنًا من شؤون الحياة اليومية، بوصفها تعيد بناء الهويات والحياة الاجتماعية اليومية. ففي هذه الحالة لا تتجلى السياسة في الفضاء الافتراضي، الذي تُشَكِّل الصحافة الرقمية جزءًا منه، كمواضيع أو أشياء بل كمشهد مرئي. وبهذا تسهم في تشكيل المجال العام انطلاقًا من تصور حنا أرنت (Hanna Arendt) لما هو عمومي؛ إذ تؤكد “أنه يدل أولًا وقبل كل شيء على كل ما يظهر أمام الملأ، ويمكن أن يُسْمَع ويُرى من قبل الجميع، ويتمتع بأكبر قدر من الذيوع”(36).

4.3. الصحافةالرقمية كمشهد

يعتقد بعض الباحثين أن الصحافة الرقمية تسمح بتفاعل قوي مع قرائها/مستخدميها. وتفرز نوعًا جديدًا من النقاش العام، وتفتح أجندتها للقضايا التي لا تتناولها وسائل الإعلام التقليدية، وتعالجها من زوايا جديدة، ومفتحة على المصادر البديلة للأخبار (37). ليس هذا فحسب، بل إن “الحقيقة لا تجري في علبة مغلقة؛ أي قاعات التحرير، بل في “الويب” المفتوح على السريان الآني لكل الملاحظات حول حدث معين”(38).

إن تقاطع أجندة الصحافة الرقمية في المنطقة العربية مع محتويات وسائل الإعلام التقليدية لا يحجب تجدُّدها المستمر وانفتاحها على المواضيع المسكوت عنها التي كانت تدرج في خانة المحرمات، وجعلها مرئية أكثر. لكن هذا الانفتاح لم يؤد إلى الدفع بالتفاعلية إلى أقصى مراحلها. فرغم تفاوت مستواها بين مختلف عناوين الصحف الرقمية العربية إلا أن مشاركة القراء في إنتاج المحتويات والتعليق عنها يظل محدودًا. بل إن بعض مواقع الصحف الرقمية ألغت تمامًا التعليقات على ما تنشره، مثل موقعي صحيفة الوطن الجزائرية الناطقة باللغة الفرنسية. وبعضها لم يُفَعِّل منديات نقاشه، مثل موقع صحيفة الراية القطرية. قد يُبَرِّر أصحاب هذه المواقع هذا الإلغاء وعدم التفعيل بجنوح المعلقين على ما تنشره نحو الشتم والقذف والتجريح. وهو التبرير الذي دافعت عنه الكثير من مواقع الصحف الرقمية في البلدان الغربية. لكن نعتقد أن هذا التبرير لا يمكن أن يخفي الإخفاق في إحداث التناغم بين الخطاب الإعلامي الصادر عن المؤسسة وخطاب المعلقين والمعقبين عليه، وهم من عامة الناس (39)، ولا يحجب ضعف تقاليد الحوار وذَمَّ الجدل في الثقافة العربية. ومهما كانت المبررات لتفسير ضعف التفاعلية أو غيابها في بعض مواقع الصحف الرقمية العربية إلا أنها ترافع لفهم المجال العام انطلاقًا من البحوث التي تلت كتابات هابرماس، والتي تقع في نقطة تقاطع علم الاجتماع وعلوم الاتصال، في بعده المشهدي (scenic). أي يمكن استيعاب المجال العام وفق هذه المقاربة كمشهد مسرحي، تظهر السياسة فيه أمام المُتَفَرِّجين الذين يُشكِّل حكمهم الجماعي عليه الرأي العام (40). فخلافًا لهابرماس الذي يولى أهمية قصوى للمناقشة والمداولة والاستعمال العمومي للحجة في تشكيل الفضاء العمومي، تميل حنا آرنت إلى منح الأهمية لإصدار الأحكام: الأحكام الجمالية والأخلاقية والسياسية (41). بالطبع إن هذه الأحكام التي تظهر في التعليقات على ما تنشره الصحافة الرقمية العربية أو مدوناتها الرقمية ليست مفصولة عن الأحكام الصادرة في المجال العام: المساجد، الملاعب والأندية، والمقاهي والنوادي الثقافية، والميديا الاجتماعية.

5.3. إكراهات السوق

غني عن القول: إن الصناعات الثقافية والإعلامية تخضع للعقلانية الاقتصادية. وفي ظل غياب الدولة كقوة ضابطة للسوق وضامنة للخدمة العامة يكون البقاء للصحف الأوفر مالًا. هذا ما يؤكده واقع الصحافة المكتوبة في الوطن العربي. لقد اضطرت الكثير من الصحف إلى توقيف نسختها الورقية عن الصدور نتيجة تراجع عائدها من الإعلانات على غرار الصحف اللبنانية: “النهار” و”السفير” و”اللواء”، وهو المصير الذي لقيه حوالي نصف الصحف المصرية التي ظلت محافظة على صدورها المنتظم خلال السنوات الخمس الأخيرة (42) وشاطرتها في ذلك 26 صحيفة يومية و34 صحيفة أسبوعية في الجزائر منذ 2014 (43). وتقتات جل النسخ الرقمية من عائدات طبعتها الورقية نظرًا لعدم تمكنها من تحقيق استقلالها المالي أو توازنه، ناهيك عن فرض نموذجها الاقتصادي.

لقد اختارت بعض الصحف الرقمية اسم نطاقها في بلد أجنبي، مثل الكثير من الصحف الجزائرية، من أجل الانفلات من الرقابة والمنع من الصدور ولتجعل من النسخ الرقمية وسيلة لنشر مضامين الطبعات الورقية عندما تتعرض للحجز أو الحظر من الصدور داخل الوطن، كما هو شأن جل الصحف الجزائرية، لكن حرية الصحافة لا تتطلب توفر الشرط السياسي فقط، على أهميته، والمتمثل في غياب الرقابة على ما تنشره، وعدم خضوعها لما تمليه عليها الحكومات من مواضيع وآراء ومواقف، بل تتطلب توفر الشرط الاقتصادي أيضًا، وهو عدم الانصياع لجنوح السوق. فلهذا الأخير سلطة تضاهي سلطة الحكومات (44). وهذا ما تفطَّن إليه بعض الباحثين الذين أشاروا إلى التناقض الكامن في قلب العلاقة القائمة بين الأخبار والديمقراطية، والذي يعبر عنه التعارض بين القدرات التحررية للتكنولوجيا الراهنة والإكراهات الخانقة للسوق (45).

6.3. رأسمال الرمزي

أثارت نظرية الحقل (field theory) (46) لدراسة الصحافة الكثير من النقاش الذي دار حول مبدأ استقلاليتها عن بقية الحقول، وتجدَّد بعد بروز الصحافة الرقمية وتطورها. فعلى الصعيد النظري يمكن القول: إن صناع هذه الصحافة يملكون من الحرية ما يسمح لهم بالعمل بشكل مستقل عن الشركات الإعلانية. لكن عمليًّا يحتاج هذا القول إلى مراجعة على ضوء عدم تمكن هذه الصحافة من فرض نموذجها الاقتصادي، واستمرار تبعيتها، بهذا القدر أو ذاك، لمصادر التمويل التقليدية، خاصة الإعلان، واستقصاء أخبارها من مصادر الأخبار الكلاسيكية المهيمنة حتى وإن انفردت ببعض الأخبار فسرعان ما تتملكها وسائل الإعلام الكلاسيكية وتدرجها في الأجندة الإعلامية المهيمنة.

إضافة إلى ما سبق قوله نميل إلى الاعتقاد بأن الصحافة في المنطقة العربية لا تُشَكِّل حقلًا بالمفهوم الذي حدده بيير بورديو؛ إذ إنها لم تستقل عن الحقول الأخرى: الاقتصادية، والسياسية والدينية. ولا غرابة في ذلك إن لم تتمكن الحركية الاجتماعية السياسية من فرض مبدأ الفصل بين السلطات، والذي على أساسه نزعم بوجود سلطة رابعة أو خامسة.

لقد أشارت الدراسات الحديثة (47) إلى أن الصحافة الرقمية تملك رأسمالًا اقتصاديًّا أقل من رأسمال الصحافة المطبوعة الذي بدأ يتآكل بفعل الأزمة التي تعيشها والتي ظهرت أعراضها بشكل جلي. وفي تآكله هذا سيقضم رأسمال الرمزي الذي راكمته عبر سنوات. لذا تحاول الصحافة الورقية أن تجعل من “الأخلاقيات الصحفية” رأسمالًا رمزيًّا تجنده حفاظًا على مكانتها وهيبتها في المجتمع، وتقصي بموجبه كل من يخترق إقليمها (48).

تفتقد الكثير من عناوين الصحف الرقمية العربية رأسمال الاقتصادي وتعيش “عالة” على الصحف الورقية التي تعاني من تآكل رأسمالها الاقتصادي. ولم تستطع نسخها الرقمية أن تستثمر رأسمال الرمزي لنسخها الورقية، وتطوير رأسمالها الاجتماعي.

ففي ظل غياب استراتيجية واضحة من لجوء الصحف العربية المطبوعة إلى النشر عبر الإنترنت لا يُشكِّل رأسمال الاجتماعي الشغل الشاغل لمسؤوليها والذي يُمكِّن صحافييها من الترابط مع نظرائهم وقرائهم. ولم يصبح رأسمالها الرمزي هاجسهم ويعملون على تطويره، بدليل أن بعض البحوث التي أنجزت عن الصحافة الرقمية العربية تؤكد عدم اهتمامها بمستخدمي مواقعها في شبكات الإنترنت وبتعليقاتهم على ما تنشره (49) في زمن أضحت هذه الصحافة في البلدان الغربية تستعين بمحركات البحث لمعرفة قرائها بشكل دقيق: سنهم، ومستواهم الثقافي، وأماكن تواجدهم، والوقت الذي يخصصونه لتصفحها، ومعدل الوقت لتصفح الصفحة الواحدة، ونوعية المواد التي حظيت بإعجاب أكثر، وتلك التي تم اقتسامها، وغيرها من المعلومات التي تُوَظَّف لصياغة استراتيجية تسويقية واتصالية للموقع. بل إن بعض مواقع الصحف العربية لا تصحح حتى أخطاءها ولا تعتذر للقراء/المستخدمين الذين لفتوا نظرها إليها عبر تعقيباتهم عما تنشره (50). وبهذا فإنها تشارك دون وعي في المساس بهيبتها، والنيل من رأسمالها الرمزي إن كان لها رأسمال.

إن تفريط الصحافة الرقمية في رأسمال الرمزي يُعَسِّر المقاربة لفهم المجال العام الذي يراه داشو إريك (Eric Dacheux) عبر أبعاده الثلاثة، ويعرفه بالقول “إنه هيئة الضبط الخاصة بالديمقراطية، تضبط وتُعَدِّل النزاعات بين النظام السياسي (صياغة المعايير)، والنظام الرمزي (سريان المعتقدات)، والنظام الاقتصادي) تثمين الموارد (“(51). ويدعو إلى التفكير في هذه الأبعاد الثلاثة لفهم أزمة الديمقراطيات الأوروبية بمنأى عن الأفكار الجاهزة، مثل أزمة التمثيل في المجالس المنتخبة، واغتراب الميديا اقتصاديًّا، وانحراف عمليات استطلاع الرأي.

7.3. اصطناع رأي عام

تكاد التفاعلية في الصحافة العربية الرقمية تنحصر في الإشارة إلى الأخبار والمقالات التي نالت الإعجاب أو كانت أكثر مقروئية، وتلك التي وزعت على الأصدقاء واشتركوا في قراءتها، والمشاركة في استطلاع الرأي أو الاستفتاء حول موقف معين. وتوحي هذه الأشكال من التفاعلية أنها تعرض صورة عن الرأي العام السائد في المجتمع، بينما لا تعمل سوى على تسخيرها لاصطناع رأي عام قد يكون غير موجود في الواقع.

فأمام محدودية النقاش والجدل حول القضايا والمواقف أو غيابهما في هذه الصحافة بدرجات متفاوتة يصعب الحديث عن مساهمتها في تشكيل الرأي العام. فالأفكار سواء كانت فردية أو جماعية تتشكَّل في النقاش والحوار.

إننا ندرك بأن الأخبار تشكل رهانًا أساسيًّا للديمقراطية وتقع في قلب سير المجال العام. لكن هذا الإدراك لا يسمح بمقاربة هذا المجال انطلاقًا من مضمون هذه الأخبار فقط (52).

إن كانت الدراسات السيمائية قد عملت منذ أزيد من نصف قرن على تعبيد الطريق من أجل استجلاء المعنى من مضمون الأخبار فقد برهنت عن حدود الحديث باسم الغائب؛ أي الجمهور. وبالتالي عجزت عن الكشف عن آليات تفاوض المتلقي/المستخدم مع هذا المضمون للاشتراك في إنتاج المعنى. الاشتراك الذي يؤكد أن الأخبار ليست سوى عملية تَمَثُّل اجتماعي يعيد بناء الواقع الاجتماعي بكل ما يحمله من توافق وتوتر واختلاف. ولا تستند إلى مضامين الأخبار فقط، بل إلى صلتها بالماضي أيضًا، وبالخلفيات الثقافية والأيديولوجية التي تؤطر عملية تأويلها.

لم تتطور الصحافة الرقمية في المنطقة العربية في جزيرة معزولة عن الميديا الاجتماعية، خاصة تويتر وفيسبوك وإنستغرام التي ازداد عدد مستخدميها واكتسبت مكانة معتبرة في الاتصال العمومي. فالصحافة الرقمية لم تتخذ من هذه الميديا مَعْبَرًا للنفاذ إلى الفئات الاجتماعية التي لم تصلها فحسب، بل حاولت أن تتملك الأخبار والمواضيع التي تتداولها.

لقد حاولت الميديا الاجتماعية قيادة النقاش في المجتمع دون أن تملك ما يؤهلها لذلك نظرًا لكونها أداة اتصال وليست إعلام، فانجر مستخدموها إلى التعبير عن المكبوت والقدح والوشاية واتهام معارضيهم في الرأي بالتخوين، وهكذا ساهمت بدور لا يستهان به في تمييع النقاش السياسي وأفرغته من محتواه. وهذا ما حدا ببعض الباحثين على غرار الباحث الأميركي مارك لينش إلى الاعتقاد بأن الميديا الاجتماعية ساهمت في إفساد الانتقال الديمقراطي في مصر وتونس (53).

يبدو أن فهم ديناميكية المجالات العامة المجزأة التي ساهمت في تشكيلها “الميديا” الاجتماعية والصحافة الرقمية تكون أوضح وأشمل إن جارينا ما ذهب إليه ماكنير بريان (Brian McNair) في أطروحته التي تدعو إلى الانتقال من براديغم الرقابة إلى براديغم الفوضى (54).

فالبراديغم الأول يؤكد على أهمية البنية والنظام التراتيبي الذي يبسط يد النخب القائدة على الجهاز الثقافي لوسائل الإعلام، مما يؤدي إلى التشكل الأحادي للأيديولوجيا المهيمنة. بينما يفصح براديغم الفوضى على أن رغبة هذه النخب في الرقابة تتعرض في الغالب لانقطاعات غير متوقعة وتفرعات ناتجة عن تبعات التطورات السياسية والثقافية والاقتصادية والتكنولوجية على مسار الاتصال. والنتيجة أن ما يسميه هذا الباحث المجال العام الجديد أصبح يواجه ظواهر جديدة، مثل التحوُّل المتزايد والسريع في أجندة الأخبار، واتساع أشكال التعبير البديلة والمتناقضة.

خاتمة

ما سبق عرضه هو مجرد افتراضات لفهم علاقة الصحافة الرقمية العربية بالمجال العام اتخذت مداخل مختلفة. فهي قابلة للإثبات أو النفي. ويمكن أن نختتمها بما يشكِّل قاسمها المشترك الذي نلخصه في النقاط التالية:

  1. إنّ الصحافة الرقمية ليست معطى ساكنًا ومنهي البناء. إنها عرضة للتجديد والتطور وتخضع لديناميكية التغيير الذي تصنعه الابتكارات التكنولوجية والاستخدامات الاجتماعية التي يؤطرها السوق.
  2. إنّ تصفح مواقع الصحف الرقمية العربية يكشف عن اختلافها وتفاوت تطورها. ويعود السبب في ذلك إلى جملة من العوامل، منها تباين الإمكانيات المادية، ودرجة مقاومة أو تبني قاعات تحرير هذه الصحف للمبتكرات التكنولوجية، وهامش الحرية المتوفر في المجتمع، والتقاليد الثقافية والاتصالية والصحفية في المجتمع. حيث نلاحظ أن بعض الصحف ال تعمل على تحيين محتوياتها، بل تكتفي بإعادة نشر نسختها الورقية في شبكة الأنترنت، بينما استطاع بعضها أن يخطو خطواته األولى في طريق التحرر من مرجعية الصحافة المكتوبة من خلال استخدام شرائط الفيديو، والملفات الصوتية، وفتح المجال لتفاعل جمهوره/مستخدميه ضمن أفق إشراكهم في إنتاج المادة الصحفية وتوزيعها.      3.  إن العوامل التي أدت بهابرماس إلى التأكيد عن انحراف المجال العام، مثل انتقال صحافة الرأي إلى صحافة تجارية، وتراجع اهتمام محرري الصحف بالمصلحة العامة بعد 1870 مقابل دفاعهم عن المصالح الخاصة، إضافة إلى جنوحها نحو الترفيه، ال تزال قائمة بالنسبة للكثير من مواقع الصحف الرقمية العربية. وهذا الأمر يجب أن لا يخفي الدور النشيط الذي قامت وتقوم به هذه الصحافة في توسيع سجل الأحداث والوقائع وأطالع أكبر عدد من الناس عليها، والكشف عن التجاوزات في إدارة قضايا الشأن العام في الكويت وتونس والجزائر، على سبيل المثال، والدفع بالمشاكل التي تطرأ على المجتمع لتكون مرئية أكثر كشرط أساسي لتحولها إلى مشاكل عمومية، باستخدام قوالب جديدة لسرد الأحداث والتجارب بشكل يثير فضول الجمهور/المستخدمين ويدفع للاهتمام بها.

 4 . إن تصفح مواقع الصحف الرقمية العربية ومتابعة تداعياتها في الفضاء العالمي العربي ال تؤكد تشذر المجال العام فحسب، بل تدعو أيًضا إلى إعادة التفكير في مفهومه وفي الأشكال التي يتجسد بها بعيدًا عن شروطه الأنطولوجية التي أكد عليها هابرماس: الاستعمال العمومي للعقل، ومناقشة الآراء والمقترحات المتعلقة بالشأن العام ومداولاتها، والفصل بين ما هو عام وخاص، ووجود مجتمع مدني قوي ونشيط. فالفضاء العمومي في البيئة الافتراضية التي تشكل الصحافة الرقمية جز ًءا من متنه يتطلب مقاربته من منظور إصدار الأحكام وليس الحجاج. الأحكام التي تفعل فعلتها في تشكيل الرأي العام العربي حول القضايا والمشاكل والأحداث التي تثيرها مواقع الصحف الرقمية.

المراجع:

(1)  Charon, J. M.; Le floch, P. la presse en ligne, (la Découverte, Paris, 2013(, p. 4.

(2)  Siapera, E.; Veglis, A. The Handbook of Global Online Journalism, (Wiley-Blackwell, 2012), p. 3.

(3)  Tredan, Olivier, Le “Journalisme Citoyen” en ligne: un public réifié, Janvier 2007, (Vu le 21 Mars 2018):

https://bit.ly/2GsT6kN

(4)  نذكر على سبيل المثال فقط:

– الشيخ جابر، جاسم محمد، الصحافة  الإلكترونية العربية، المعايير الفنية  والمهنية: دراسة تحليلية لعينة من الصحف الإلكترونية العربية،في: أبحاث المؤتمر الدولي: الإعلام الجديد، تكنولوجيا جديدة… لعالم جديد، (جامعة البحرين، 7-9 أبريل/نيسان 2009)، ص 391-412.

– عمار، رابح، الصحافة الرقمية وتحديات الفضاء الإلكتروني: دراسة ميدانية للصحافة الإلكترونية  الجزائرية، (أطروحة دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال، جامعة وهران 2، 2017)، ص497.

(5)  نشير إلى أن صحيفة “لوموند” (Le Monde) الفرنسية أنشأت في 2004 منصة جمعت 761 مدونة لصحافييها وقرائها وللخبراء والأكاديميين. وتخلت عنها في 2016 لتستعين بمنصات أخرى. وكانت قد استعانت قبلها بمنصة الدردشة (Chat). وكفَّت صحيفة “نيويورك تايمز” (The New York Times) في السنة ذاتها عن نشر المدونتين: “بيتس” (Bits) و”سيتي روم” (City Room) اللتان حظيتا بمتابعة فاقت متابعة أركان الصحيفة المذكورة في شبكة الإنترنت.

انظر:

Salles, Chloë, “Les blogs du Monde, des outils de management non-conventionnel”, Revue enjeux de l’information et de la communication, (N° 17, 2016), p. 63-76.

(6)  نذكر على سبيل المثال  بعض الصحف في شبكة الإنترنت التي أوقفت جزئيًّا أو كليًّا التعليق على ما تنشره: المجلة الرقمية البلجيكية “لوفيف” (Le Vif)، وصحيفتا شيكاغو سن-تايمز (Chicago Sun-Times) وتورنتو سان (Toronto Sun)، وقناة “سي إن إن” (CNN) ووكالة رويترز.

(7)  Ringoot, R.; Utard, J. M., Le journalisme en invention, Nouvelles pratiques, nouveaux acteurs, (Presses Universitaires de Rennes, France 2005), p. 24.

(8)  Siapera, Veglis, The Handbook of Global Online Journalism, op, cit, 10-12.

(9)  نذكر على سبيل المثال دراسة الشيخ جابر، الصحافة الإلكترونية  العربية، المعاييرالفنية والمهنية، التي أجريت في عام 2009 على 19 صحيفة إلكترونية عربية، مرجع سابق.

(10)  هذا ما ينطبق على سبيل المثال، على موقع صحيفة الخبر الجزائرية في شبكة الإنترنت، وصحيفة إيلاف.

(11)  لا نجد أي فرق بين المواد الصحفية الورقية والرقمية التي تنشرها صحيفة الحياة في موقعها: http://www.alhayat.com

(12)  انظر على سبيل المثال:

Mercier, Arnaud, “La place des réseaux sociaux dans l’information journalistique”, ina-expert, Octobre 2012, (Vu le 19March 2018):

https://bit.ly/2kn3rVy

(13)  يمكن أن نشير إلى تجربة مؤسسة “بي بي سي” البريطانية في هذا المجال. تؤكد آنا تمسون، نائبة رئيسة تحرير الفرع التفاعلي في قسم الرياضة بهذه المؤسسة عن تغطيتها للألعاب الأولمبية التي جرت في ريو دي جانيرو بالبرازيل عام 2016 أن القسم كيَّف طريقة جمع الأخبار وتحريرها؛ إذ لم تَعُدْ الكتابة خاصة بالموقع الإلكتروني، بل أُخْضِعَت لخصوصية الميديا الاجتماعي: فيسبوك، وتويتر، وإنستغرام، وسنا بشات.

Thompson, Anna, “Réseaux sociaux et récit journalistique”,bbc, 17 January 2017, (retrieved  May, 9, 2018 :

https://bbc.in/2OU0Fol

(14)  يقصد بها الدراسة الميدانية التي أجريت على مستخدمي الإنترنت في لبنان والأردن، ومصر، وتونس، وقطر، والإمارات، والسعودية. انظر:

Dennis, Everette E.; Wood, Robb, “Media in the Middle East: A new study shows how the Arab world gets and shares digital news”, 19 September 2017, (24 March 2018):

https://bit.ly/2fjkwxs

(15)  هذا ما يؤكده تصفح العديد من مواقع الصحف الرقمية العربية وتثبته المقابلات مع الصحفيين وبعض رؤساء تحرير الصحف الرقمية في الجزائر. انظر: عمار، الصحافة الرقمية وتحديات الفضاء الإلكتروني، مرجع سابق، ص 358-360.

(16)  انظر على سبيل المثال “أستوديو القراء” في موقع صحيفة إيلاف الذي يتضمن الدعوة التالية: “هل سجَّلتَ بِعَدَسَتِك مشاهد أثَّرت فيك وتريد تشاركها مع القراء؟”.

(17)  انظر على سبيل المثال إلى “منتدى الكتاب” بموقع صحيفة الرياض السعودية الذي تم إلغاؤه.

الشحري، فائز بن عبد الله، دراسة مسحية شاملة على رؤساء تحرير الصحف السعودية ذات الطبعات الرقمية، بحث مقدم لندوة الإعلام السعودي: سمات الواقع واتجاهات المستقبل، (المنتدى الإعلامي الأول لجمعية السعودية للإعلام والاتصال، الرياض، جامعة الملك سعود، 20-25 مارس/آذار 2003)، ص 2.

(18)  انظر على سبيل المثال موقع صحيفة “ميلسون” ( http://maysaloon.news )الذي لم يُحَدِّث المواد التي نشرها، ويحتفظ بتلك التي نشرها منذ ستة أشهر. وظلت بعض المواد التي نشرها موقع صحيفة “تكريز” التونسية ( https://www.takriz.org )، التي يَعُدُّها البعض من المصادر “الرقمية للثورة” التونسية في تونس منذ أربعة أشهر في موقعها الإلكتروني، وحتى سنة في موقع مماثل، وهو موقع ( http://www.reveiltunisien.org ). فمن يزور هذين الموقعين يعتقد أن محتواهما لا يختلفان عن المنشورات اليسارية المطبوعة لكنه منشور في شبكة الإنترنت. فلا تحديث للمواد ولا كتابة غير خطية ولا تفاعل!

(19)  Dennis, Wood, “Media in the Middle East”, op, cit.

(20)  Agence de coopération médias, Panorama des médias en ligne, (France, 2015),p. 19.

(21)  Ibid, p. 20.

(22)  نذكر على سبيل المثال موقع صحيفة “المصري اليوم” الذي يرسل الأخبار العاجلة عبر رسائل نصية إلى المشتركين مقابل 3.6 يورو شهريًّا أو لجوء بعض المواقع إلى تقديم خدمات لمؤسسات مختلفة: الترجمة، معرض لأقوال الصحف، أو تقديم خدمات تقنية: إنشاء منصات رقمية أو تطوير تطبيقات تقنية، أو القيام بتدريب في مجال الإعلام والاتصال.

(23)  نشير على سبيل المثال إلى الصحيفة الرقمية الجزائرية الناطقة باللغة الفرنسية (Dernières Nouvelles d’Algérie) التي توقفت عن الصدور في 2013 بعد ثلاث سنوات من العمل الإعلامي.

(24)  ينطبق هذا الأمر أكثر على الصحافة الرقمية الجزائرية التي تصفها بعض المنظمات غير الحكومية الدولية بأنها تتمتع بهامش من الحرية أكبر من بعض البلدان العربية. انظر:

(Daoud, Kamel, “la liberté passe par le Net”, Slate Afrique, 30 August 2011,  (24 March2018):

https://bit.ly/2pSnNW3

(25)  كريمي، علي، “التنظيم القانوني للصحافة الرقمية العربية، سياقه وأهدافه”، مركز الجزيرة للدراسات، 15 مايو/أيار 2016، (تاريخ الدخول: 25 أبريل/نيسان 2018):

https://bit.ly/2IWl9qU

(26)  Hidass, Ahmed, “Le nouveau Code de la presse et de l’édition au Maroc: Real change or more of the same?”, 14 December 2016, (Visited on 25 March 2018):

https://bit.ly/2MQKAur

(27)  Correia, JoãoCarlos, “Online Journalism and Civic Life”, ResearchGate, January 2012, p. 112, (Visited on 25 April 2018):

https://bit.ly/2COjdAJ

(28)  انظر على سبيل المثال إلى محتوى النقاش في صفحة منتدى الشروق:

https://bit.ly/2CfSmwe

(29)  هذا ما توصلت إليه دراسة ميدانية عن مساهمة مواقع التواصل الاجتماعي، مثل “فيسبوك” و”تويتر” في الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة الأميركية. انظر:

Pew Research Center:Political Polarization in the American Public, 12 June 2014, (Visited on 25 April 2018):

https://pewrsr.ch/1v23UXF

(30)  تنطبق هذه النسب على بعض الصحف الفرنسية بشهادة مسؤوليها. انظر:

Sire,Guillaume, “Référenceur et référencement. Cachez ces pratiques que je ne saurais voir”, Sur le journalisme, (Vol 3, N°1, 2014(, p. 70-83.

(31)  نقلًا عن:

Mabi, Clément; Monnoyer-Smith, Laurence,“Les arènes du débat public. Comprendre les logiques de mobilisation des différentes arènes de discussion par les acteurs d’un débat public Colloque International Communiquer dans un monde de normes”,hal.unv, 7 au 9 mars 2012, p. 281.

(32)  Lynch, Marc, “Blogging the New Arab Public,” Arab Media & Society, 12 March 2007, (Visited on 25 March 2018):

https://bit.ly/2yiW0To

(33)  Bimber, Bruce, “Information and political engagement in America: The search for effects of information technology at the individual level”, Political Research Quarterly, (N°1, 2001), p. 53– 67.

(34)  نقلًا عن:

Manise,JeanLuc, “Les nouvelles formes d’engagement”, publication du Services Culture et Education Permanente, (Décembre, 2012),p. 3.

(35)  نقلًا عن: تركي الربيعو، محمد، “تحولات المخيال السوسيولوجي، الناس العاديون والسلطة والحياة اليومية في القرن العشرين”، القدس العربي، 15 يوليو/تموز 2017، (تاريخ الدخول: 25 أبريل/نيسان 2018):

https://bit.ly/2EuPKgW

(36)  Arendt, A. Condition de l’homme moderne, (Agora/Pocket, Paris, 1961(, p. 89.

(37)  Ibid, p. 89.

(38)  نقلًا عن:

Cornu, Daniel,“Journalisme en ligne et éthique participative”, Éthique Publique, (Vol 15, N° 1, 2013).

(39)  نصر الدين، لعياضي، “الصحافة الجزائرية في بيئة الواب: إرهاصات التغيير، المجلة الجزائرية للعلوم الاجتماعية والإنسانية (جامعة الجزائر 3، العدد 6، يونيو/حزيران 2016)، ص 171-193.

(40)  Quéré, Louis, “L’espace public: de la théorie politique à la métathéorie sociologique”, Quaderni, N°18, 1992(, p. 75-92.

(41)  Buntzly, M. V. Le jugement comme faculté politique chez Hanna Arendt, Thèse doctorat en philosophie, (école pratique des hautes études, France, 2015).

(42)  فرج، عبد الفتاح؛ الخطاف، إيمان؛ الأبطح، سوسن، “الصحف الورقية في العالم العربي.. إما التجدد أو الاندثار”، الشرق الأوسط، (العدد 14237، 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017).

(43)  حسب تصريح وزير الإعلام الجزائري الذي نقلته الصحيفة الرقمية “Mediapart”. انظر:

“Médias. Plus de 60 journaux algériens ont disparu en 3 ans”, 9 Octobre 2017, (Vu le 25 March 2018):

https://bit.ly/2NIM8qD

(44)  Natalie, Fenton, “De-democratizing the News? New Media and the Structural Practices of Journalism”, in Siapera, Veglis, The Handbook of Global Online Journalism, op, cit, p. 131.

(45)  Ibid, p. 131.

(46)  تنسب إلى بيير بورديو (Pierre Bourdieu) الذي يرى أن العالم الاجتماعي مجزأ إلى عدد كبير من العوالم الصغرى. إنها الحقول حيث يملك كل حقل رهانات، ومواضيع، ومصالح خاصة )الحقل الأدبي، والعلمي، والقانوني، والديني، والصحفي). فأقسام هذا العالم مستقلة نسبيًّا، أي حرة في إقامة قواعدها الخاصة، ومنفلتة من التبعية لغيرها من الحقول الاجتماعية.

شوفالي، ستيفان؛ شوفري، كريستيان، معجم بورديو، ترجمة الزهراء إبراهيم، (دار الجزائر، سوريا، 2013)، ص 147.

(47)  Siapera, Veglis,The Handbook of Global Online Journalism, op, cit, p. 94.

(48)  Ibid, p. 4.

(49)  انظر نتائج دراسة ابن عبد الله الشحري، فائز، “واقع ومستقبل الصحف اليومية على شبكة الإنترنت: دراسة مسحية شاملة على رؤساء تحرير الصحف السعودية ذات الطبعات الرقمية، بحث مقدم لندوة الإعلام السعودي سمات الواقع واتجاهات المستقبل، المنتدى الإعلامي الأول للجمعية السعودية للإعلام والاتصال، الرياض، جامعة الملك سعود، 20-25 مارس/آذار 2003، ص 10.

(50)  إن التمادي في عدم تصحيحه يثير الكثير من الشكوك؛ إذ يبدو أن القائمين على بعض الصحف الرقمية العربية لا يتابعون تعليقات القراء على ما ينشرون. نذكر على سبيل المثال، وليس الحصر التعقيب عن المقال حول اكتتاب شركة أرامكو، الذي نشر في موقع صحيفة “المواطن” الرقمية يوم 25 يناير/كانون الأول 2018. يقول المعلق: “اللي عجزت أفهمه كيف رأس مال الشركة 60 مليار، وبتطرح 200 مليار سهم يعني قيمة سهم أرامكو حتكون 33 هللة مثلًا”. انظر:

https://bit.ly/2CfyU2O

(51)  Dacheux, Eric, “Une nouvelle approche de l’espace public”,Recherches en communication, (No 28, 2007(, p. 11.

(52) Utard, Jean-Michel, “la presse en ligne”, MédiaMorphoses, (No 4, 2002(, p 19-23.

(53)  الحمامي، الصادق، “نحن والفيسبوك: ما الفيسبوك ولماذا أصبح أساسيًّا في حياتنا”، المغرب، 8 يوليو/تموز 2017، (تاريخ الدخول: 25 أبريل/نيسان 2018):

https://bit.ly/2yGYg6e

(54)  نقلًا عن:

Correia, “Online Journalism and Civic Life”, op, cité

كيف نفكر في أخلاقيات الصحافة في المنطقة العربية؟

                                                     نصر الدين لعياضي

يعتقد البعض أن وهن الصحافة في المنطقة العربية وانحرافها يعود  أساسا إلى عدم احترام أخلاقيات الإعلام . يمكن أن نعتبر هذا الرأي بمثابة إجابة جيدة. لكن أين السؤال؟ 

تطلعنا بعض المنظمات المهنية وبعض الصحافيين بين الحين والآخر، على جملة من الانتهاكات لأخلاقيات الصحافة في هذا البلد العربي أو ذاك. فمن التحرش ببعض المتهمين في بعض القضايا التي لازالت في مرحلة التحقيق على مستوى الأجهزة الأمنية وتقمص دور القاضي الذي يحكم عليهم، مرورا ببث صور مهينة لأشخاص ساعة اعتقالهم بعد أن صدرت بحقهم مذكرات توقيف، وتثبيت التهم المنسوبة إليهم قبل امتثالهم أمام المحكمة، واستغلال صور أطفال قصر لأغراض تجارية ودعائية، وبثّ صور صادمة للقتل والتمثيل بالجثث التي تمارسها الجماعات المتطرفة، ونشر أخبار كاذبة دون تصحيحها[1]، واختلاق أحداث لا وجود لها في الواقع، ونشر مواد صحفية تمزج بشكل مشبوه بين الإشهار والإعلام، وتحريف المعلومات، والإفراط في نشر الأخبار مجهولة المصدر، والتحيز في نقل الأخبار وعدم الانصاف، والتحريض على ممارسة  العنف والميز العنصري،  وصولا إلى ابتزاز رجال المال والأعمال من أجل الحصول على امتيازات شخصية دون وجه حق أو دعم مالي للمؤسسة الإعلامية باسم الإشهار[2]. هذه بعض الأمثلة التي يبدو أنها تتفاقم في المستقبل القريب مع تعدّد حوامل الأخبار وانخراط أطراف جديدة في إنتاجها وبثّها.

إن الوعي بخطورة هذه الممارسات يختلف بين ممارسي الإعلام في هذا البلد العربي أو ذاك. فممتهنو الصحافة في بعض البلدان العربية يفتقدون المواثيق التي تؤطر النشاط الصحفي على الصعيد الأخلاقي ، وبعضهم بادروا بإصدارها مثلما حدث في المغرب وتونس. وأقدمت بعض المؤسسات الإعلامية العربية، القليلة، على إصدار ميثاق أخلاقيات العمل الخاص بها. والسؤال الذي يمكن أن يطرحه البعض يتمثل فيما يلي: ما هو نصيب هذه المواثيق من النجاح في الحدّ من الممارسات المذكورة أعلاه التي تطعن في مشروعية العمل الصحفي؟

ربما يجرّنا هذا السؤال إلى سؤال أخر : ما هي الأسباب التي ساهمت في بروز هذه الممارسات وتلك التي ساعدت على استشرائها؟  فمن الصعوبة القضاء عليها دون معرفة أسبابها.

لتذليل هذه الصعوبة نميل إلى مراجعة الخطاب عن أخلاقيات الإعلام في المنطقة العربية وتحليله. وهذه مهمة ليست يسيرة نتيجة تعقد هذا الخطاب وتعدّد منتجيه ومصادره . لكن يمكن، من باب التبسيط، تصنيفه إلى فئتين : فئة الخطاب الجامعي، وفئة خطاب المهنيين والسياسيين والمثقفين.

خطابان.

لازال الدّرس الجامعي في العديد من الجامعات العربية يتناول موضوع أخلاقيات الإعلام من زاوية مذاهب الإعلام الكبرى: السلطوي، الليبرالي، والمسؤولية الاجتماعية والاشتراكي، وقد يضيف له البعض الإسلامي! ويُثرى بشرح لنماذج من مواثيق أخلاقيات الإعلام التي صادقت عليها النقابات والمنظمات الصحفية الوطنية والدولية. ويعتقد بعض الطلاب: صحافيو المستقبل، أن هذا الدّرس لم يساعدهم كثيرا على مواجهة ما يعترضهم من قضايا ذات الصلة بأخلاقيات الصحافة في نشاطهم الميداني. هذا إضافة إلى أن المذاهب المذكورة قد تعجز عن تفسير الاختلاف في النظر إلى مسألة أخلاقيات الصحافة في البلدان التي تستمد ممارستها الإعلامية من الفلسفة الليبرالية ( فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية مثلا.) ويلاحظ أن بعض الأساتذة يدفعون بالدّرس الجامعي عن أخلاقيات الإعلام في اتجاه فلسفة الأخلاق وفق التّصوّر الكانطى، الذي يسمو بالواجب حتّى وإن كان ضد المنفعة. إنه التّصوّر الذي يؤكد على أن ( سيرتنا صحيحة إن كانت بغرض احترام القانون الأخلاقي، وليس لأننا نجني منفعة منها، أو لأن هذه السيرة  تكون لصالح سعادتنا. فالتصرف بحكم الواجب لا غير هو الذي يمنح قيمة أخلاقية لفعل ما (.[3] وينتهي هذا الدرس، مع الأسف، إما بتقديم “مواعظ” مهنية أو التنديد بسلوك الصحافة والصحافيين!

ينأى هذا التّصوّر عن واقع الممارسة الصحفيّة. ويسمو بالأخلاقيات عن العراك اليومي، ويجنب أصحابه المشاكل التي قد تترتب عن الحفر في العوامل التي تنتج الانحرافات في الممارسة الصحفية. لكنه يقع ، مع الأسف، في الخلط بين الأخلاق Morals والأخلاقيات Deontology. فالأخلاق تحيلنا إلى مجموعة من القيم والمبادئ التي نهتدى بها في حياتنا اليومية، وتمكّننا من التمييز بين الخير والشر، والعدل والظلم، والمقبول والمرفوض. بينما يعود مفهوم ” الأخلاقيات” إلى اللغة اليونانية ” دينوتس” ( deontos ) والتي تعني ” الواجب” وتتضمن جملة من الالتزامات التي يتطلب من الأشخاص القيام بها في عملهم؛[4] أي أنها مجموعة من التوصيات الأدبية والاعتبارية، ومدونة سلوكية يتبعها المحترفون في مهن محددة، ويستدلون بها في نشاطهم لأنها توجههم نحو ما هو أفضل للتصرف في مواقف وأوضاع معينة. يتبنونها بشكل طوعي ولا تفرض عليهم بالقوة لأنهم هم من سَنّوها. فالأخلاق تطبق كل الذين ينتمون إلى ثقافة ما. بينما الأخلاقيات تطبق فقط على الذين يمارسون مهنة ما وتميزهم عن غيرهم.

                                                      تعارض

هل يمكن للأخلاقيات أن تتعارض مع الأخلاق؟ سؤال لا زال يثير الكثير من الجدل. ويمكن الإجابة عنه من باب المزاح بالقول أن نقل الأخبار، التي تعد جوهر العمل الصحفي، يعد فعلا غير أخلاقي في ثقافتنا، لأننا نربي أبناءنا على عدم نقل قول الغير،باعتباره ضرب من النميمة! بعيدا عن المزاح يرى بعض الصحافيين ومنظماتهم المهنية أن الأخلاق تملي على المصور الصحفي، على سبيل المثال، التدخل لإنقاذ غريق حتّى وأن تطلب الأمر التخلي عن مهمته، بينما الأخلاقيات تتطلب منه أداء واجبه المهني والتقاط صور للغريق كالتزام مهني وتلبية للحق في الإعلام.

ويضع هذا التصور مسألة أخلاقيات الصحافة على كاهل الصحافي المطالب بالاحتكام إلى ضميره وتغليب واجبه حتّى وإن تعارض مع مصلحته. بينما يدرك الأخصائيون بأن (أخلاقيات الإعلام لا تختزل في الفعل الذي يقوم به الأشخاص المرئيون أكثر في حقل الإعلام: الصحافيون، والمصورون، والمخرجون، وفنيو التلفزيون. إنها ترتبط أيضا بالفعل الذي يقوم به قادة وسائل الإعلام ، والمؤسسات الإعلامية)[5].

أمام تقاعس بعض الأنظمة العربية عن تطبيق بعض بنود قوانين الإعلام التي سنّتها يتداخل في ذهن بعض الكُتّاب والمهنيين والسياسيين وحتّى النقابيين المفهومين التالين : القانون والأخلاقيات. هذا ما يتضح على سبيل المثال من إدراج بعضهم المساس بالحياة الخاصة للأشخاص العاديين ” و”التشهير بالغير” في خانة انتهاك أخلاقيات العمل الصحفي [6] ، بينما أدرجها المُشَرّع في خانة قوانين الإعلام في جلّ الدول العربيّة. كذلك الأمر بالنسبة لحق الرد الذي يُعدّ فصلا كاملا في قوانين الإعلام لكن لا تلتزم به جلّ وسائل الإعلام في المنطقة العربية،[7] ولا يندرج في باب الأخلاقيات. ويتأكد هذا الخلط أكثر في مواثيق أخلاقيات الإعلام التي صدرت في لبنان في 1958، و1974، و 1992، و 2006 التي أبرمت بعضها نقابة الصحافيين مع الحكومة. وجاء بعضها الآخر بعد اتفاق بين مجالس إدارة المؤسسات السمعية البصرية والحكومة. وتعتبر هذا المواثيق بمثابة وثائق تكرس التوافق بين السلطة السّياسيّة والصحافة لضمان حرية التعبير وتحدّيد مسؤوليات وسائل الإعلام في ظروف سياسية خاصة مر بها لبنان[8]. ولم تنبع من قاعات التحرير، ولم يصغها الصحافيون بقصد تنظيم مهنتهم وضبطها.

يمكن القول من باب توضيح الفرق بين القانون وأخلاقيات الإعلام بأن (القانون يحدّد مجمل القواعد التي تطبق في مجتمع معين. ويعاقب كل من لم يلتزم بها. ويروم إحداث الانسجام الإنساني في المجتمع، والتوافق بين مصالح جميع المواطنين، ويمنع حدوث النزاعات ويحلّها إن حدثت في إطار بعض القيم الأساسية الخاصة بمجتمع ما وثقافة معينة.)[9] إذا القانون يتسم بطابعه الزجري ويطبق على مهنة ما دون الحصول على موافقة مسبقة من أصحابها. بينما الأخلاقيات هي مجمل الواجبات والمعايير التي تضبط مهنة ما والتي يتفق عليها أصحابها. والسؤال المطروح هل أن الأخلاقيات تتعارض مع القانون؟ سؤال لازال يثير الكثير من الصراع بين السلطة القضائية وممثلي بعض المهن. فبعض المنظمات الطبيّة، على سبيل المثال، تجيز ممارسة ” القتل الرحيم” في مدوناتها الأخلاقية عندما تفقد الهيئة الطبيّة المشرفة على علاج المريض الأمل في شفائه، وتقرّ بأن الأفضل الرفق به وتخليصه من عذابه. بينما القانون يُجرّم القتل مهما كانت صفته  رحيما أو غير رحيم، سواء كان مُتَعَمِّداً أو دون قصد.

   أسباب

السؤال الذي يثار هو كالتالي: لماذا لا تحترم أخلاقيات الإعلام في الصحافة العربيّة؟                        يحصر بعض الصحافيين والنقابيين وأساتذة الصحافة الأسباب التي تقف وراء عدم الالتزام بأخلاقيات مهنة الصحافة في العديد من البلدان العربيّة، في العوامل التالية: القيود التي تفرضها السلطة السّياسيّة وجماعات الضغط على الصحافة، وخضوع الإعلام للأجندات السّياسيّة للدول، وهشاشة اقتصاد وسائل الإعلام وتبعيته للإشهار ، والخلط بين الإعلام والإشهار، ومزج الإعلام بالعلاقات العامة[10]، وثقافة المجتمع، والترهيب الذي تمارسه الجماعات المتطرفة[11]، ورؤية الصحافيين لذاتهم[12]، والتحاق من لا مهنة لهم بالعمل في قطاع الصحافة.[13] وضعف تكوين الصحافيين.[14]

لفهم الإخلال بأخلاقيات مهنة الصحافة في البلدان العربية بشكل أفضل، يجب النظر إلى السياق التاريخي الذي نشأت فيه هذه الصحافة وتطورت ، والذي يختلف عن السياق الذي نشأت فيه الصحافة الأجنبية في بلدان شمال أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. ففي هذه البلدان ظهرت الصحافة في سياق حرية الفكر والتعبير، مما يفترض وجود تعددية الرأي والفكر. وتطورت في ظل منافسة اقتصادية تؤطرها جملة من القوانين والتشريعات التي تتجدّد باستمرار بتطور المجتمعات ، وفي ظل تطور مجتمع مدني قوي تشارك فيه جمعيات الصحافيين ونقاباتهم التي لعبت دورا كبيرا في صياغة مواثيق أخلاقيات الإعلام. بينما ظهرت الصحافة في المنطقة العربيّة ضمن مشروع سياسي مناهض للاستعمار ، بدءًا بصحيفة “العروة الوثقى” التي أصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في باريس في 13 مارس 1884. وهذا يعني أنها صحافة نضال وتجنيد ضد العدو. فــفي عرفها “كل من ليس معها هو ضدها”؛ أي عدو وليس منافسا أو غريما تختلف معه في الرأي أو الموقف أو الإستراتيجيا ، بمعنى أنها صحافة أحادية الفكر تعتمد أكثر على مواد الرأي على حساب المعلومات والاستقصاء. تُخوّن كل ذي فكر مخالف و”تشيطنه”. فالمهم بالنسبة لها يكمن في مضمون الرسالة التي توصلها إلى الجمهور. ولا تولي الكثير من الاهتمام والعناية بالجوانب المرتبطة بأخلاقيات الإعلام ، مثل ضرورة التحرّي عن صحة المعلومات والأخبار ، وعدم الافراط في الاستناد إلى مصادر الأخبار المجهولة أو التستر عليها،  والإنصاف في المعالجة الصحفيّة للقضايا المختلفة، وعدم استعمال الأساليب المشينة للحصول على المعلومات. ضمن هذا السياق رسخت الممارسة الصحفيّة في العديد من البلدان العربية في ظل عدم الفصل بين السلطات: التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة، مستفيدة من تعثر الصحافيين في تنظيم مهنتهم وضبطها على غرار الفئات المهنيّة الأخرى: الأطباء ، والصيادلة، والمهندسين المعماريين، والمحامين، والقضاة، وغيرهم. واستندت الكثير من وسائل الإعلام الخاصة، التي انطلقت كمشاريع تجاريّة في العديد من البلدان العربيّة، إلى هذه الممارسات. وأضافت لها ما يوحي ” بالتراجع” في ممارسات أخلاقيات الإعلام، مثل ابتزاز الغير ومساومتهم للحصول على الإشهار أو على امتيازات مثلما ذكرت بعض النقابات.[15] وقد تفاقمت هذه ” الإضافات “، مع الأسف، بعد أن التحمت مصالح الجماعة المالكة لوسائل الإعلام والقوى السّياسيّة المتحكمة في صنع القرار. وجعلت من وسائل الإعلام أداة لتصفية الحسابات السّياسيّة كما حدث في الجزائر¨.

لعل القارئ الكريم يخالفنا الرأي بالقول أنه من الخطأ تقييم ممارسات أخلاقيات الإعلام في المنطقة العربية على ضوء مواثيق الشرف والمدونات الأخلاقية المعمول بها في المؤسسات الإعلامية الغربية. وذلك لأن الأخلاقيات معطى نسبي يخضع لتطور المجتمعات. ففي فرنسا على سبيل المثال أقدمت إدارة قناة التلفزيون الفرنسي الثانية على فصل مذيعة أخبار عن العمل في 1976 لأنها تجرأت وقدمت نشرة الأخبار وهي مرتدية تنّورة تظهر ركبتيها. واليوم لا أحد يعترض على صور المذيعات وضيفات البرامج التلفزيونية اللواتي ترتدين لباسا لا يخفي من مفاتنهن إلا القليل! لا سلطة ضبط السمعي البصري، ولا السلطات العمومية، ولا الصحافيين ولا المشاهدين. وتعبر أخلاقيات الإعلام عن الاختلاف الثقافي بين الشعوب وتعكس خصوصيات  كل شعب وقيمه. إذ يختلف موضوع الحياة الشخصية، على سيل المثال، في المجتمع الفرنسي عن المجتمع الأمريكي. لعل البعض يتذكر أن الصحافة الأمريكيّة لم تتردّد في نشر الملف الطبي للرئيس الأمريكي الراحل “رولاند ريغن” الذي تضمن صورا بالأشعة لجهازه الهضمي أثناء مرضه! بينما حكم القضاء الفرنسي بمنع توزيع كتاب “السر الكبير”، الذي ألفه كلود غولبي طبيب الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا متيران، الخاص بمعية الصحافي الفرنسي ميشال غونود. والذي يروى تفاصيل عن مرض الرئيس المذكور بعد أسبوع من وفاته.

اعتراض

قد يجد البعض أن ما سبق قوله يفتقد الدقة لأنهم يعتقدون أن الحديث عن أخلاقيات الإعلام لا يجدي نفعا في غياب ميثاق الشرف داخل المؤسسة الإعلامية أو على مستوى منظمات الصحافيين والهيئات الساهرة على تطبيقه . فالقول بأن أخلاقيات الإعلام تراجعت في المؤسسات الإعلامية يعني أن هذه المؤسسات كانت تملك ميثاقا للشرف المهني والتزمت فعلا بتطبيقه لكنها تراجعت عن تجسيده في الممارسة العملية لأسباب مجهولة. وهنا يكمن التغريب الذي يحوّل الشيء أو الظاهرة التي نريد دراستها من أمر “عاد جدا” ماثل مباشرة أمامنا إلى أمر مدهش غير متوقع.” ففي معنى من المعاني يصير الوضوح في حد ذاته غير مفهوم، على حين أن هذا لم يحدث إلا لكي يجعله مفهوما كل الفهم.” [16]

 وقد يلومنا البعض على التطرق لموضوع أخلاقيات “الإعلام العربي” دون الأخذ بعين الاعتبار تجدّدها وتطورها بتطور الطلب الاجتماعي واستشعار الصحافيين ورجال الإعلام الصعوبات الجديدة والمخاطر التي تهدّد مهنتهم. ويستدلون في ذلك بميثاق الوجبات المهنية للصحافيين الفرنسيين الذي صودق عليه في 1918. وتمّت مراجعته في 1938. وعُدّل في 2011  ليُضاف له مبدأ السر المهني لحماية مصادر الأخبار. وليحظر كل الأساليب غير النزيهة والمشينة للحصول على الأخبار والمعلومات.[17] وربما يبلغ اللوم مداه إن اقترن بالقول أن الكثير من وسائل الإعلام العربيّة، خاصة العموميّة، لا تحتاج إلى حماية السر المهني لأنّها لازالت “صحافة جالسة”، أي أن صحافييها لا يغادرون قاعات التحرير إلا لِمَامًا ، ينتظرون البيانات وبرقيات وكالات ألأنباء لنشرها. وإن غادروها فتظلّ مصادر معلوماتهم رسميّة في الغالب حتّى وإن تستّروا عليها. لعل بعض صحافيي وسائل “الإعلام العربية” المتشائمين لا يرون أي جدوى من حظر الأساليب المشبوهة للحصول على المعلومات والأخبار في مجتمع يعاني من فساد طبقته السّياسيّة ونخبته الاقتصاديّة. فالصحافة في نظرهم لا تنشط في بيئة معزولة عن المجتمع. ويحتمل أن ينمّ هذا الرأي عن نزعة تبريريّة يعزّزها القول بأنّ الصحافة مؤسسة اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة ولا تشكل حالة استثنائيّة في أي مجتمع.

تأسيسا على ما سبق ذكره، هل يمكن أن تستدرك وسائل الإعلام العربيّة ” تأخرها” في تطبيق أخلاقيات العمل الإعلامي إن توفرت الشروط الضروريّة لذلك، مثل تنظيم مهنة الصحافة وتبني سياسة توظيف واضحة وتطبق على الجميع، وضمان حقوق الصحافيين بما يضمن لهم كرم المعيشة، وقيام الصحافيين ذاتهم بإصدار لوائح لأخلاقياتها ، وإخضاعهم للمساءلة من قبل نظرائهم. وإجبار المؤسسة الإعلامية على الرد على مساءلتها. وإنشاء هيئات مستقلة لضبط العمل الصحفي والبثّ الإذاعي والتلفزيوني تشمل ممثلي المجتمع المدني: محامين، قضاة، فنانين، مثقفين، وهذا تجسيدا لقناعة راسخة بأن الحق في الإعلام وصيانة حرية التعبير ومقاومة انحراف وسائل الإعلام كلها مهام لا تقع على كاهل وسائل الإعلام والسلطات العمومية وحدها لأنها تعد شأنا مجتمعيا.

تفاديا للسقوط في التعميم، يمكن القول أن هذا ” التأخر” متفاوت بين وسائل الإعلام العربيَة من جهة، وبين البلدان العربيّة من جهة أخرى. فهناك بعض البلدان استكملت شروط ضبط العمل الصحفي، وتعمل المنظمات الصحفية بجدّ على مراقبة الالتزام بأخلاقياته.

                                              هاجس كوني

لم يكف مجال الأخلاقيات عن التوسع والتمدّد. وهدفها لم يعد مقتصرا على تحديد الواجبات المهنيّة، بل أضحى يروم تنظيم النشاط الاقتصادي سواء بالحد من تدخل الدولة الملزم أو ترقية نشاط ما وتطبيع المنافسة.[18] لذا أصبحت الأخلاقيات تشكل هاجس كونيًّا متجددًّا بتعقد قطاعات النشاط الاقتصادي والاجتماعي والعلمي، وبتطور المهن. فهامش استقلالية الصحافة كمهنة نشأ محدودا وهشّا ويزداد هشّاشة بتضاعف الإكراهات الاقتصاديّة والسّياسيّة والتكنولوجيّة ، مما دفع بعض المختصين إلى الاعتقاد بأن أخلاقيات الإعلام تحوّلت إلى أمنية أو ضرب من الوهم اللذيذ  أمام الإخفاق في تحقيق{ التمفصل الضروري بين قواعد ما يجب ” إنجازه على أكمل وجه” ( وهو من صلب الأخلاقيات)، والشروط الملموسة ” لإنجازه” والتي لا تتزامن بالضرورة مع ” الخبرة والمهارات”}[19]

 يشكل هذا التمفصل تحديا كبيرا للصحافيين والمؤسسات الإعلامية  ذا أبعاد مختلفة: تكنولوجية واقتصادية وسياسية.

على الصعيد التكنولوجي: لازالت القنوات التلفزيونيّة تعاني من وطأة البث التلفزيوني المباشر. فالصحافي الموجود في مكان وقوع الحدث لينقله ساعة حدوثه لا يملك من الوقت ما يسمح له بالتحرّي في تفاصيله وسياقه وخلفياته. ولا يستطيع النأي قليلا عنه والتفكير المتروّي فيه. وإن حاول أن يفعل ذلك فالمنافسة بين القنوات التلفزيونيّة وبقية وسائط الاتصال لا ترحمه. أمام هذه المعاناة في تحقيق المطلب الأخلاقي: الدقة في نقل الأخبار والمعلومات، داهمت مواقع التواصل الاجتماعي المؤسسات الإعلامية وحاولت أن تغير قاعدة تعاملها مع الأخبار، بعد أن أصبحت تنشرها قبل التحقق في صحتها ومصداقيتها. بل تخلت عن هذه المهمة وأحالتها إلى مستخدمي هذه المواقع. وقد حاولت وسائل الإعلام مجاراة هذا التحوّل في العمل الصحفي وأصبحت تستعين بمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي للتأكّد من صحة المعلومات قبل نشرها. غيرت هذه المواقع بعض القيم الإخباريّة ، مثل الواقعية والحقيقة، وجعلتها تُقاس بعدد الذين يطلعون على الخبر. فكلما ازدادوا ارتفعت مصداقيته! لقد ابتكرت هذه المواقع ” الأخبار الفيروسيّة”، أي التي تُعدي مثل الفيروس. فلا تراعي فيما تنشره الانصاف والنزاهة والواقعية والدقة لأنها تَتَعّمد الاستفزاز واستثارة العاطفة من أجل جذب اهتمام أكبر عدد من مستخدمي هذه المواقع ، ليكبسوا على أزرار: أحب أو أتقاسم  لرفع نصيبها من الإشهار.[20] وها هي وسائل الإعلام تواجه اليوم تحديًّا جديدا ممثلا في الأخبار المزيفة  Fake News ، وشرائط الفيديو المضللة Deep Fake. والقليل جدا من وسائل الإعلام العربية أعدّت العُدّة لمقاومتها.

على صعيد المؤسساتي: يمكن القول أن المؤسسة الإعلاميّة تعيش طفرة جينيّة. فرضت على الصحافي أن ينوع مهاراته ويطور كفاءته. فبعض المهن اندثرت، وانصهرت أخرى في مهنة واحدة. وظهرت مهن جديدة. تؤكد هذه الطفرة أن العمل الصحفي أصبح متلاحما. فالمادة الصحفية التي تنشر أو تبث هي ثمرة تعاون العديد من الأطراف. فمن الصعب القول أن هذه المادة الصحفية من إنتاج فلان بمفرده. فكل واحد يتكفل بمهمة أو يقوم بإنجاز جزء معين من المادة الصحفية: الموثق الذي يجمع البيانات والوثائق الورقيّة والرقميّة ، ومحلّل البيانات ، والمختص في الغرافيكس الذي يعطي بعدا مرئيا للمادة الصحفية سواء من خلال الأشكال والرسوم البيانيّة والمجسمات أو على صعيد الإخراج ككل ، والفني أو المهندس الذي يشرف على موقع الوسيلة الإعلامية في شبكة الانترنت وينشر المواد تباعا، والشخص الذي يتابع تعاليق الجمهور وتفاعلاته مع المادة المنشورة فينتقي منها ما يصبح جزءا أساسيا من متن المادة الصحفية.  هكذا انفتح المجال لتعدّدية المسؤولية على ما ينشر أو يبث فطرح صعوبة على صعيد أخلاقيات العمل الصحفي. فهذه الأخيرة  تنص على مبدأ  “التنسيب” imputability؛ أي تعيين الشخص الذي يمكن تحمّيله مسؤولية الإخلال بإحدى بنود ميثاق أخلاقيات الصحافة في هذه المادة الإعلاميّة أو تلك.

على الصعيد الاقتصادي: اشتد التوتر البنيويّ بين أهداف الصحافة كمهنة بكل ما تحمله من مثل وواقع المؤسسة الإعلامية الاقتصادي. ومع تفاقم الأزمة التي يعيشها قطاع الإعلام  ترتب عن هذا التّوتّر بعض التنازلات على صعيد أخلاقيات الإعلام، والتي يمكن ملاحظاتها على أكثر من مستوى، منها المزج بين الإعلام والإشهار وتأسيس ما أصبح يعرف ” بالربورتاج الإشهاري ” advertorial ” publireportage” في الصحافة المكتوبة أولا، ثم عمّ مختلف وسائل الإعلام. وInfotainment” ، التي تدل على اتجاه في معالجة مجمل البرامج – التلفزيونية والإذاعية- والإخبارية وفق أساليب الترفيه[21]. وهذا بقصد تقريب الأخبار من الجمهور وجعلها في متناول الجميع، وزيادة شعبية الوسيلة الإعلامية وبرامجها للحصول على أكبر عائد من الإشهار. وقد اتسع هذا الاتجاه بعد أن أصبحت شبكة الانترنت ومنصاتها الرقمية منافسا لوسائل الإعلام السمعية، والسمعية البصرية، في مجال الإشهار.

لقد انتهى التّوتّر المذكور بتسليم إدارة المؤسسات الإعلامية إلى إداريين قادمين من قطاعات مختلفة: البنوك، والبناء والإسكان، والتجارة الذين لا هم لهم سوى تعديل موازنة المؤسسة وتحقيق الأرباح. وقد دفع الصحافيون ثمن هذا التّوتّر: تسريح الكثير منهم، والتوجه إلى الاعتماد المتزايد على الصحافيين الناشئين الذين يتعاملون بالقطعة أو ضمن عقود عمل محدودة المدى والذين لا يسعفهم وضعهم المهني للدفاع عن أخلاقيات العمل الصحفي.

أخيرا، يمكن القول أن خلاص الصحافة من متاعبها لا يأتي من ترحيل مشاكل وسائل الإعلام المعقدة وتعليقها على مشجب ” غياب أخلاقيات العمل الصحفي”. وهذا لا يعني استصغار البعد الأخلاقي في الارتقاء بالعمل الصحفي، بل يقرّ بأن الإخلال بأخلاقيات العمل الصحفي ليست السبب الأساسي في  متاعب العمل الصحفي في المنطقة العربية. إنها نتيجة لجملة من العوامل يجب حصرها والبحث عن أسباب التي أدت إلى نسف الكثير من مبادئ أخلاقيات العمل الصحفي، والتفكير في أفضل السبل لمكافحتها ضمن هيئات الضبط الذاتي للمهنة، وتحرير هذه الأخيرة ضغط  المعادلة الثلاثية : السلطة والصحافيين وراسمال الخاص.  وجعل الصحافة، باعتبارها مهنة وليست منتجا، قضية الجميع، قضية المجتمع بأسره.

المراجع:

¨ يمكن القول من باب التحديد أن الجزائر لا تشكل استثناءً ، لأن هذا القول يشمل العديد من الصحف بما فيها تلك التي ظهرت في المهجر منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي. لقد أنُْشئت ووجهت لتصفية الحسابات بين الأنظمة العربية وليس لإعلام المواطن العربي بما تتطلبه أخلاقيات العمل الصحفي. وبهذا تكون استفادت من التراث الشعري الجاهلي واتجهت إما إلى المدح أوالهجاء!

[1] – يمكن أن نذكر على سبيل المثال الإعلان عن وفاة  الرئيس التونسي السابق، محمد الناصر، والإعلان المكرّر عن وفاة المجاهدة  الجزائرية جميلة بوحيرد  وتكذيبه أكثر من مرة.

[2] – أنظر على سبيل المثال البيان الذي نشرته نقابة الصحافيين الأردنيين والمنشور في صحيفة الرأي الأردنية يوم 6/11/2014

[3]-Philocours.com: La Morale Qu’est-ce qui rend une action bonne ? étude de la philosophie morale kantienne consulté le 21/11/2019 sur le site: http://www.philocours.com/new/cours/pages/cours-moralekant.html

[4]-La commission d’éthique  en science et technologie- Québec : Qu’est-ce que l’éthique, consulté le 20 –112019 sur le site : http://www.ethique.gouv.qc.ca/fr/

[5] – Cornu Daniel, L’éthique de l’information, Paris, PUF, 1997, p8

[6] – أنظر على سبيل المثال : سليمة لبال، شرف الصحافة العربية.. مواثيق حبر على ورق! صحيفة القبس- الكويت- الصادرة يوم  6 نوفمبر 2018  وبيان نقابة الصحافيين الأردنيين التي ذكرناها أعلاه.

[7] – يبدو أن عدم تمكين المواطنين من حق الرد في وسائل الإعلام العربية تحوّل إلى قاعدة عمل ولا يعد استثناء ً وهذا منذ عقود من الزمن. يذكر الكاتب الساخر، محمود السعدني أنه عندما صدر الحكم لصالحه في تهمة الإساءة إلى مسؤولي قطاع السينما بتبديد المال العام لم تقبل الصحف المصرية نشره بعد التشهير به.  فاضطر إلى نشره في الإعلانات المبوبة في جريدة الأهرام بمقابل مالي لكنه ظهر بخط صغير لا يُرى في موضع  إعلانات بيع السيارات المستعملة وتأجير الشقق المفروشة، أنظر كتابه الموسوم ” الولد الشقي في المنفى” مطبوعات أخبار اليوم د.ت مصر ص 18.                                                        لقد أخذت هذه الممارسة في الجزائر أبعادا أخرى أكثر خطورة. فعندما ترفض صحيفة ما نشر حق الرد لشخص ما. يلجأ هذا الأخير إلى صحيفة أخرى لنشره كنص إشهاري ويستغل الفرصة لينال من سمعة الصحيفة التي لم تلتزم بحق الرد المنصوص عليه في كل قوانين الإعلام الجزائرية. فترد هذه الأخيرة في صفحاتها على الصحيفة التي سمحت للغير بالنيل من سمعتها. وهكذا تندلع معركة القدح والذم بين الصحيفتين!

[8] – جورج صدقه: الأخلاق الإعلامية بين المبادئ والواقع، مؤسسة مهارات، بيرت، 2008، ص 68-71

[9] – La commission d’éthique, op cité

[10] – عصام سليمان الموسى:  أخلاقيات الإعلام في الأردن: مسألة لها خمسة جوانب، مسترجع بتاريخ 20/11/2019  من الموقع، https://urlz.fr/b9iA

[11] – Moukalled Diana:  Proceedings of Conference Media Ethics & Journalism in the Arab World: Theory, Practice & Challenges Ahead, Lebanese American University Beirut, Lebanon- Institute for Professional Journalists in cooperation with the Heinrich Böll Foundation  June 9–11, 2004

[12] عبد الوهاب بوخنوفة: دور الإعلام العربي في المرحلة الراهنة : دراسة في تصورات الصحفيين العرب، مداخلة في مؤتمر” الإعلام العربي وأسئلة التغيير في زمن التحوّلات ، كلية الإعلام والتوثيق ، بالتعاون مع دراسات إعلامية لبنانية، بيروت ،  5-7 مايو 2016

[13] – سليمة لبال، مرجع سابق

[14] –  للدلالة على ذلك يورد محمد شلبي أن وسائل الإعلام المختلفة، بما فيها العربية، نشرت يوم 5 فبراير 2003 خبر مفاده أن كاتب الدولة للخارجية الأمريكي، كولن باول عرض في مجلس الأمن صورا للأقمار الصناعية “تثبت” أن العراق يملك أسلحة دمار شامل. وقد فات على ذهن الصحافيين إدراج فعل ” قال ” ، لتصبح قال باول أنها تثبت…. وهذا حتى لا يبدو أن كٌتّاب الخبر يشاطرون ما ذكره  وزير الخارجية الأمريكي: أنظر:  عندما يغيب التحرّي في الوقائع تكون الصحافة أدنى من الهاوية صحيفة العرب الصادرة يوم الإثنين 22/07/2019 مسترجع بتاريخ 21/11/2019 من الموقع: https://urlz.fr/b9jJ

[15] – أنظر على سبيل المثال البيان الذي نشرته نقابة الصحافيين الأردنيين

[16] – محمد غنيم هلال : في النقد المسرحي ، دار العودة بيروت 1975، ص 68

[17] De Vulpillières  Eléonore : Ethique professionnelle du journaliste et critique du système médiatique : vers la refonte d’une profession; consulté le 21/11/2019 du ditehttp://eleonoredv.over-blog.com/2017/06/ethique-professionnelle-du-journaliste-et-critique-du-systeme-mediatique-vers-la-refonte-d-une-profession.html

[18] Decoopman Nicole – Droit et déontologie, contribution à l’étude des modes de régulation  consulté le 23/11/ 2019 sur le site: https://www.u-picardie.fr/curapp-revues/root/23/decoopman.pdf

[19] – Cornu Daniel: La déontologie entre l’évolution des pratiques, la sédimentation des idées reçues et la permanence des valeurs. Journalisme et objectifs commerciaux, consulté le 20/11/2019 sur le site: http://metamedias.blogspot.com/2005/07/la-dontologie-entre-lvolution-des.html

[20] – Aidan White Le journalisme éthique refait la Une, Courier de l’unesco Juillet – septembre 2017

[21] – We Are COM: Infotainment  consulté le 26/11/2019 sur le site: https://www.wearecom.fr/dictionnaire/infotainment/

 

المجال العمومي و”الميديا”: محاولة تفكيك علاقة ملتبسة*

أ.د. نصر الدين لعياضي

Abstract

This study attempts to provide a set of elements aimed at reviewing the relationship between the media and  the public sphere. For this purpose, the most prominent criticisms of Habermas’ concept of the public sphere were presented through the review of new readings of this field in the light of the evolution of political practice, the crisis of democracy in contemporary societies and the development of the media environment in light of the increasing use of the new media.                                                                                          From  the political perspective, the vision of the relationship between the media and public sphere has become somewhat ambiguous. Some limit the public sphere to the field of media, while others believe that the media is distorting the public sphere. There are those who see the media fragmenting it, while others believe it is harmonizing it, and finally there are those who believe that the media is reshaping it

This study proposes to overcome this ambiguity in light of the development of the new media by moving away from the political approach of the public sphere and using a sociological one.

Key words

Public Sphere, Public Space, Politic Space, Domestic Space, Common Space, New Media, Mediation, Mediatization, sociality

ملخص

تحاول هذه الدراسة أن تقدم مجموعة من العناصر التي تستهدف مراجعة علاقة الميديا بالمجال العمومي. ولهذا الغرض تقدم أبرز الانتقادات التي وجهت للمفهوم الهابرماسي للمجال العمومي من خلال استعراض القراءات الجديدة له على ضوء تطور الممارسة السياسية وأزمة الديمقراطية في المجتمعات المعاصرة، والتغيير الحاصل في البيئة الإعلامية في ظل تزايد استخدام الميديا الجديدة.

إذا نظرنا إلى علاقة الميديا بالمجال العمومي من الزاوية السياسية نجدها تتسم ببعض الغموض. فالبعض يحصر المجال العمومي في المجال الميدياتيكي، والبعض الآخر يعتقد أن الميديا تعمل على تحريف المجال العمومي. وهناك من يرى أنها تفتته، والبعض الأخر يعتقد أنها تحدث الانسجام فيه، وأخيرا يوجد من يؤمن بأنها تعيد تشكيله.

ويمكن تجاوز هذا الغموض في ظل تطور الميديا الجديدة إذا تحررنا من المقاربة السياسية للمجال العمومي، ونظرنا إليه زاوية سوسيولوجية.

الكلمات المفتاحية

المجال العمومي، المجال السياسي، المجال العائلي، المجال المشترك، الميديا الجديدة،  الوساطة,الأعلمة,المجتمعة.

مقدمة

واكب ولوج مفهوم المجال العمومي حقل العلوم الاجتماعيّة التحوّل/الأزمة التي عاشتها أوربا في القرن الثامن عشر نتيجة بداية أفول النظام الإقطاعي وصعود الطبقة البرجوازية بتداعياته الاقتصادية  إعادة النظر في التنظيم الاقتصاديّ وتوزيع الثروة  والسّياسيّة  إعادة التنظيم السياسي والمؤسساتي للمجتمع والثقافية  حركية فلسفة الأنوار في مجال الأدب والفلسفة. وتؤكّد مراجعات هذا المفهوم العديدة والمستأنفة اليوم وجود أزمة مزدوجة: أزمة سياسيّة واجتماعيّة أولا، ثم أزمة وإخفاق فلسفيين على مستوى الأدوات المفهوميّة حسبما أجمع عليه بعض الباحثين Lenoble, Jacques ; Berten, André, 1992, 83-108

وتستند كل المراجعات العديدة والمتنوّعة للمجال العمومي، التي يصعب حصرها في هذا المقام، إلى القراءة النقديّة للمفهوم الهابرماسي إلى درجة أن لويك بالاريني Loic Ballarini 2011، الذي اعتقد أنها كانت ضرورية في بدايتها، رأى أنها تطقست، أي أصبحت ذات طابع طقوسي، وفقدت تدريجيا مردودها. وأكد أنه من الصعوبة اليوم تقديم نقد للمجال العمومي يتضمن جوانب جديدة فعلا.

ليس في نيتنا تقديم قراءة جديدة للمجال العمومي تتجاوز ما هو سائد، وإنما نسعى إلى تفكيك العلاقة المعقّدة بين المجال العمومي والميديا الذي ازدادت التباسا في ظل المراجعات النقديّة المختلفة[1] لهذا المجال من جهة، ولتطور الميديا  بروز الميديا الجديدة من جهة أخرى.

نعتقد أن أول صعوبة تواجهنا في هذا المسعى تكمن في تعميم استخدام مفهوم المجال العمومي في كل مقام حدّ استنزافه إلى درجة أن الباحث جيرود آلان , 37 2000Girod Alain,  وصفه بأنه يبدو بمثابة كيس يختلف شكله بما يُحشى به.[2] وثاني صعوبة تكمن في نقل هذا المفهوم إلى اللّغة العربيّة التي لا يفصح عنها عدم الاتفاق على مقابل عربي وحيد لـــ space- espace فحسب، حيث نجده مجالا لدى البعض وفضاءً لدى البعض الآخر ، بل يعبر عنه عدم التمكن، أيضا، من إيجاد مقابل في اللّغة العربيّة يميّز العبارتين الراسختين في اللّغات الأجنبيّة  الانجليزيّة والفرنسيّة:space- espace ، sphere.[3] لقد كان الاعتقاد بأن العبارة الأخيرة تحيل إلى الواقع الأمبريقي لمفهوم المجال العمومي؛  أي ” الأغورا” Agora، والهيئات والمؤسسات التي يقوم فيها من يمثلون المواطنين ” بالاستخدام العمومي للحجة والعقل” و”التداول الحر للشأن العمومي”، مثل ” البرلمان. بينما تحيل عبارة ” Space- Espace إلى الواقع الرّمزيّ الذي يتجسد فيه هذا الاستخدام. بيد أن رجل القانون الألماني كارل شميث Carl Schmitt  نقلا عن Visone, 2014، يقدّم  فهما معاكسا في ضبطه المعرفي للمفهومين، حيث يعتبر ” Sphere ” Sphäre  بمثابة بُعد في الفعل والحياة البشريّة و ” space ”  Raum بمثابة منطقة أو مكان محدد حيث تُقام فيه العلاقة بين فكرة سياسيّة وإقليم ما. وعلى هذا الأساس يبدو أن عبارة Sphere أوسع وتشمل Space أيضا لكن هذا الفهم لا يشكل قاسما مشتركا لدى كل المهتمين بالمجال العمومي. فالباحثتان بنانسي فريزر، ومريال فالتن Fraser Nancy, Muriel Valenta, 2001 يريان أن Public Sphere تدلّ علميّا على مجال في المجتمعات المعاصرة حيث تتجسد فيه المشاركة السّياسيّة بواسطة المناقشة. بيد أن هاتين الباحثتين تؤكّدان أن استخدام مفهوم ” sphere publique ” لدى الكُتّاب المجدّدين، خاصة النّسويّين منهم، كان أقل دقة وتحديدا وملاءمة من كتابات هابرماس، إذا كن يقصدن به كل ما يجري خارج المجال الأسري والعائلي. بينما أعطى هابرماس بعدا آخرا لهذا المفهوم، إذ أكّد أنه يمكن أن نفهمSphere publique  “كمجمل “الأفراد الخواص” المجمعين لمناقشة المواضيع ذات “المنفعة العامة “أو “المنفعة المشتركة” Fraser, Valenta, 2001.

قد يبدو للبعض أن هاتين الصعوبتين شكليتين لأنهما تتعلقان بمسألة الترجمة، ونقل مفهوم من لغة إلى أخرى، إلا أننا نعتقد أن الأمر أعمق من الترجمة ويطرح بشكل مغاير في اللُّغات الأجنبيّة رغم أن بعض الباحثين يستخدم sphere publique  وespace public  كمردفين يغطيان الواقع ذاته.

ويرى البعض أن الاختلاف بين البعد الفيزيائيّ والمؤسساتي والرّمزيّ للمجال العمومي يكمن في الصيغة الصرفيّة؛ أي صيغة المفرد والجمع. فالباحث باكو تيريBaqout, 2009  يعتقد أن استخدام المجال العمومي بصيغة المفرد espace public يملك معنى مختلفا عن استخدامه بصيغة الجمع Espaces publics. فالصيغة الأولى لا تشير فقط إلى المكان الذي يجري فيه النقاش السياسي والمواجهة بين الأفكار الخاصة التي يدفعها النشر والإفشاء إلى العلن، بل يدل أيضا على الممارسة الديمقراطيّة، وعلى شكل من الاتصال وسريان مختلف الآراء. أما الصيغة الثانية فتدلّ على الأماكن المتاحة للعامة لولوجها والتجول فيها مثل: الساحات العامة، والشوارع، والحدائق، وغيرها.

الصعوبة الثالثة تكمن في مزالق نقل الفئتين السياسيتين والقانونيّتين، وهما: العمومي و” الخاص” وترحيلهما من واقع المجتمعات الغربيّة اللتان اكتسبتا فيها طابعا مؤسساتيّا إلى المجتمعات الناميّة، وخاصة الإسلاميّة التي لا يوجد تمييز بينهما، على حد قول محمد كيرو 2002 Kerrou. هذا رغم اعترافه بأن التمييز بين الخاص والعام لم يكن على قدر كبير من الوضوح والحسم في المجتمعات الغربية- كما نفصل ذلك لاحقا. فإذا كانت ثنائيّة العمومي والخاص تشكل حجر الأساس في فهم المجال العمومي كقوة تتوسط المجتمع والدولة فإن مفهوم الدولة لم يرسخ في الكثير من المجتمعات النامية بدليل أنها لم تتحرّر من قبضة العائلة الممتدة، والقبيلة والعشيرة والجهة. فالنزاعات المسلحة للاستيلاء على السلطة في بعض البلدان العربية: العراق، اليمن، سوريا، ليبيا، على سبيل المثال، لم تكشف عن إخفاق في بناء الدولة الوطنيّة فحسب، بل وضعت المجتمعقَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى من التفكك. إذا تتجلّى تبعات هذا الترحيل أكثر عندما يتم الاعتماد على الفاصل السميك الذي يفصلهما في تحديد الإطار النظريّ لشرح مفهوم المجال العمومي في الفعل السياسي والإعلامي.

قبل الشروع في محاولة تفكيك العلاقة بين المجال العمومي والميديا، يجب التوقف قليلا لمناقشة أبرز الانتقادات التي وُجهت إلى المفهوم الهابرماسي للمجال العمومي.

1-تراجع هابرماس عن بعض الأسس في تصوره للمجال العمومي البرجوازي بعد مرور ثلاثين سنة من صدور كتابه المرجعي:   L’Espace public. Archéologie de la

publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise منها اعترافه بتعدّديته، وبوجود مجال عمومي شعبي Habermas, 1992, 161-191 . ورغم ذل

ظل أكبر مأخذ يسجل عليه يكمن في إغفاله على الصعيد النظري تعدّدية المجالات العمومية، وصرف نظره عن المجالات الشعبية والبديلة! فرغم أن الواقع الأمبريقي يثبت تَشَذُّر المجال العمومي إلا أن النقاد ظلوا يؤكّدون على انحرافه نظرا لتَشَذُّره. والتشذر يعني التعدد بعبارة أخرى. ألا يوجد تناقض بين لوم  هابرماس على تجاهله المزعوم لتعدّدية المجال العمومي والتّنديد في الوقت ذاته بتَشَذُّره؟

فإن كنا نؤمن بأن نظرة هابرماس كانت تقتصر على المجال العمومي البرجوازي وأغفلت المجالات الأخرى فإن تعدّدية المجالات لا تعني انحراف المجال العمومي. هذا إن كنا لا نؤمن بأن التَشَتَّتَ يشكل عامل انحراف في المجال العمومي لأن الانحراف في هذا المقام يعني أن المجال العمومي الحالي قد انزاح عن النموذج المرجعي الذي يظل نموذجه الأصلي.[4]

2- رغم اعتراف هابرماس بأنه أغفل إقصاء الفئات المسحوقة اجتماعيا والمرأة في تشكل المجال العمومي البرحوازي Habermas, 1992, 161-191 إلا أن الكثير من الباحثين مثل Landes, Mary Ryan, Geoff Eley Joan يعتقدون أن هابرماس قدم صورة مثاليّة للمجال العمومي الليبرالي. إن وصف المجال العمومي بالمثالي يتضمن اعتقادا باكتماله وبإمكانية خُلوّه، بهذا القدر أو ذاك، من أي إقصاء. فــ “الأغورا” في العصر اليوناني، التي جسدت الشكل الأكثر وضوحا للديمقراطيّة المباشرة آنذاك، لم تنج من الإقصاء. هذا إضافة إلى أنه من الصعوبة أن ننفي الفكرة التي مفادها أن الإقصاء يشكل عاملا من بين العوامل الأخرى التي تشجع على تعدّدية المجال العمومي وتنوّعه.

3-الاعتقاد بمتانة الحدود الفاصلة بين المجال العمومي والخاص، واستبعاد ما هو خاص من المجال العمومي كشرط أساسي لتَشَكُّله. ويلتقي حول هذه النقطة الكثير من نقاد هابرماس. فــدومنيك ماهل Dominique Mehl, 2009, 89 – 90، على سبيل المثال، يؤكّد بأنه من المناسب الحديث عن تمفصل المجال العام والخاص وتداخلها عوضا عن الفصل بينهما. لذا يقترح الحديث عن مجال عمومي جديد تكون فيه القضايا الخاصة مرئية وحاضرة في النقاش باعتبارها عموميّة وخاصة. ولعل لهذا السبب لا يرى Nicholas Garnham فصلا بينهما. ويعتقد بإمكانية أن يكونا عموميين  نقلا عن Tremblay Tremblay, 2007, 207 – 225

4- المبالغة في عقلانيّة النقاش كشرط أساسي لتشكيل المجال العمومي. يذكر بالاريني Ballarini, 2011 بأن هابرماس استعمل “الاستخدام العلني والعمومي للحجة ” عشرات المرات في كتابه المرجعي المذكور وقد استعار هذا التعبير من إمانويل كانط. ويرى أن هذا الاستخدام لا يملك أي أهمية في حد ذاته ما لم يكن مرتبطا بغايته، وهي تمديد فكر الأنوار.

5- إبراز المجال العمومي كحَيِّز للنقاش والمداولات من أجل التوافق في الرأي، وبالتالي تمَثُّله في صورة خالية من أي نزاع، وهذا يتنافى مع المعطى التاريخي كما يستشف من تأكيد بعض الباحثين، مثل أوسكار نيغت Oskar Negt وألكسندر كلوج Alexander kluge، اللذان نحتا، في سبعينات القرن الماضي، مفهوم المجال العمومي المعارض للمجالالبرجوازي الذي تحدث عنه هابرماس والذي يدلّ، بشكل جوهريّ، على محدوديّة الديمقراطيّة الليبراليّة  , 2016 Neumann . هذا مع العلم أن البعض يرى أن المجال العمومي ليس حيزا يتطور فيه النقاش العام الذي يسمح بتشكّل رأي عام، بل للنشر والإعلان عن ناتج جمع الآراء الفردية. بالطبع إن القبول بهذا التعريف للمجال العمومي في حدوده الدنيا لم يَخْل من النقد  Dacheux,2010

6- يرى الكثير من النقاد أن ” المجال العمومي” من المنظور الهابرماسي أنتقل من كونه بناء اجتماعي للعلاقات التي تتوسط المجتمع والدولة في القرن 18 إلى إطار معياري غير زمني ليشكل نموذجا للمجال العمومي في كل الحقب التاريخيّة وفي كل المجتمعات. وقد وضّح Neumann, 2016 هذه الفكرة بالقول إن هابرماس لم يتمكن من تجاوز المشكل المروث عن كانط والمتمثل في التباين بين المفهوم المتعالى عن المكان والزمان والممارسة الاجتماعيّة الأمبريقية. ويبدو أن هذا الرأي/ الحكم لم يأخذ بعين الاعتبار التصحيحات التي قدمها هابرماس للمجال العمومي. إذ اعترف لاحقا بأن المجال العمومي ليس بنية معياريّة متمايزة الاختصاصات والأدوار، ورأى بأنه يمكن وصفه بشكل أفضل كشبكة تمكن من نقل المضامين والمواقف المتخذة والآراء 387 Habermas,1997,

لا شك أن المآخذ التي سُجلت على المفهوم الهبرماسي قد عملت على توسع مفهوم المجال العمومي من جهة. وأضفت على علاقته بالميديا بعض اللبس، من جهة أخرى. اللبس الناجم عن الاجتهاد النظري لفهم المجال العمومي، وتطور التمثلات للميديا ولاستخداماتها نتيجة تعدّد منصات البث والتوزيع الإعلامي، وتنوّع منتديات النقاش في الكثير من مواقع شبكة الانترنت، وتشكُّل الجماعات الافتراضيّة في مواقع التواصل الاجتماعي.

نعتقد أن تفكيك العلاقة بين الميديا والمجال العمومي تتطلب أولا الإشارة إلى منطلقات فهمها. فالمنطلق الأول، ينظر إليها من زاوية الميديا، والمنطلق الثاني ينظر إليها من زاوية المجال العمومي، أي من خلال إعادة مراجعة التمثّل لما هو المجال العمومي في ديناميكيته الاجتماعية.

وسنحاول أن نرفع اللبس عن هذه العلاقة من متابعة انزياح التفكير فيها من الإعلامي إلى السياسي، ومن السياسيّ إلى السوسيولوجيّ.

الميديا والمجال العمومي: من الإعلامي إلى السياسي

حصر برنار مياج Miège, 1997 أربعة نماذج من الفعل في المجال العمومي الديمقراطيّ انطلاقا من تقنيات الاتصال المهيمنة، وهي: صحافة الرأي، والصحافة الجماهيريّة التجاريّة، والوسائل السمعيّة-البصريّة الجماهيريّة، والعلاقات العامة المعممةلقد ساهمت هذه النماذج في تقويض نموذج المجال العمومي البرجوازي. فصحافة الرأي تراجعت في العديد من المجتمعات الليبراليّة المتقدمة إلى درجة تكاد تندثر أمام صعود الصحافة الإخباريّة والصحافة الشعبيّة Press People ذات الطابع التجاري التي غيبت الحوار والجدل و” الاستعمال العلني للحجة”. وتوجهت الوسائل السمعية البصرية إلى الفرجة والاستعراض من أجل الترفيه والتسلية كاختيار فرضته جملة من العوامل يأتي في مقدمتها الإشهار الذي يظل في اعتقادنا عاملا أساسيا في تحوّل وسائل الإعلام وتطورها. التحوّل الذي عمل على تهميش الخدمة العمومية إن لم يغيّبها، وجرّ المؤسسات الإعلاميّة إلى إنتاج محتويات العلاقات العامة المعممة بالمعنى المحدد أعلاه والتي أطلق عليها غيتان تروبلي2007 Tremblay, التواجد الدائم للاستراتيجيات التواصلية” communicationelles stratégies omniprésence des”.

وهذا رغم دخول فاعلين جدد في المجال العمومي، وهم خبراء الاتصال وسبر الآراء، بعد أن كان مقتصرا على محترفي السّياسة والصحافيين Champagne, 1990

بالطبع، لم تتشكل هذه النماذج بالصورة ذاتها في كل المجتمعات. فلم تصل صحافة الرأي، على سبيل المثال، في تطورها في بعض البلدان النامية إلى إنتاج خطاب جدالي يعدّ ثمرة النقاش السياسي حول القضايا ذات العلاقة بالشأن العام في بعض البلدان الناميّة، بل عملت على إعادة إنتاج الخطاب الدعائي الذي يروم ” إجماع ” الواجهة، ولم تفلح في صنع ” التوافق في الرأي” المبنى على المداولة في الطرح. إذ يلاحظ أن بعض الصحف لم تفتح المجال للنقاش إلا حول القضايا الدولية مستبعدة القضايا الداخلية من النقاش والنقد. وبعض الصحف تَمَثَّلت ذاتها في الممارسة كأنها أحزاب سياسيّة وانكفأت على تبرير مواقف الحكومات المتعاقبة أو هذا التيار الأيديولوجي والسياسي أو ذاك مستبعدة أي موقف أو رأي معارض له من التعبير عن ذاته في صفحاتها.[5]

الميديا تشذر المجال العمومي: يستنتج من النماذج الأربع أن الميديا عملت على توسيع المجال العمومي وتشذره ولم تدرج التحوّلات التي طرأت على الميديا بعد ميلاد شبكة الانترنت وتداعياتها على المجال العمومي. لقد أدت الممارسة الاتصالية في ظل هذه البيئة الجديدة إلى فك ارتباطها بالمكان مما نتج عنه تعدد المجالات العمومية التي لا يمكن المبالغة في وزنها السياسي مستقبلا Relieu, 2000, 157 – 186 Dahlgren

لكن لو تمعّنا في الواقع الأمبريقي فإن للحيّز الجغرافي حكمه في هذا التعدّد أو التَشَتَّت. فوجود مقهى في حيز جغرافي معين لا تستوعب سوى عددا محدودا من الناس، ومهما تزايد عدد المقاهي فلا يمكن أن يستوعب كل الناس المهتمين بمناقشة قضايا الشأن العام. وكذلك الأمر بالنسبة للصحف فلم يكن الجميع يقرأها ناهيك عن أن لكل صحيفة جمهورها. وهذا الأمر ينطبق، أيضا، على وسائل الإعلام الكلاسيكيّة، مثل المحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية قبل أن ترتهن للإشهار. فتعدّدها يدلّ على تَشَذُّرجمهورها. التَشَذُّر الذي وُجِد قبل ميلاد شبكة الانترنت ومختلف منصاتها الإلكترونيّة ومواقع شبكاتها الاجتماعيّة التي كان لها الفضل في توسيع القاعدة الاجتماعيّة للمشتركين فيها. هذا إضافة إلى أن التَشَذُّر ليس وليد استشراء حوامل الإعلام والميديا. إنه بالأحرى نتيجة منطقية للتَشَذُّر الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي يميز المجتمعات الصناعيّة المتقدمة Tremblay 2007, 207-225

في فهمه لعلاقة الميديا بالمجال العمومي لاحظ باتريك شارودوCharaudeau, 1999, 73-92 أن المجال العمومي يتشذر على مختلف المستويات: أولا، على مستوى البناء الاجتماعي للمعنى المتشذر أساسا بواسطة التمفصل الجدلي بين ” الأحداث، والتمثلات، والمنظومات”، ثم على مستوى الممارسة الاجتماعية المتشذرة بدورها إلى مختلف مجالات النشاط  السياسي، الاقتصادي، والميدياتيكي . وأخيرا، على المستوى الميدياتيكي المشتذر بدوره إلى مختلف الأنشطة الخطابية[6]. ويرى الباحث ذاته أن تشذر المجال العمومي مرتبط بتشذر الرأي العام  وشرحه بكيفية تشكل ما يسميه ” الجماعات الخطابية”  communautés discursives “.[7]

وقد رأى البعض في شبكة الانترنت وسيلة لبروز مجالات عمومية صغيرة وديناميكية غير مترابطة ببعضها البعض , 1999 NEVEU

الميديا تحرف المجال العمومي: رغم أن المجال العمومي لا يمكن اختزاله في المجال الميدياتيكي إلا أن أتباع المدرسة النقدية يرون أن الميديا تعمل على تحريف المجالالعمومي لأنها انحرفت عن دورها التنويري، وسقطت ضحية التسلية، والتسلية سلعت المجال العمومي. لقد عبر ألكسي هونيث نقلا عن Neumann, 2016 بالقول أن الخطر على المجال العمومي يكمن في تسليع وسائل الإعلام وفي مسار التجريد الذي يعاني منه التمثيل السياسي وفق نمط صناعة الثقافة.

بالطبع إن التسليع لم يقتصر على المضامين التي تبثها وسائل الإعلام، بل امتد إلى العلاقات الاجتماعيّة التي تنشئها، بيد أن هذه الحقيقة لا يمكن أن تخفي النظرة التبخسية للتسلية التي تقوم بها الوسيلة الإعلامية. ليس هذا فحسب، بل إنها تنفي أي بعد اجتماعي للتسلية في تشكيل المجال العمومي. وهذا ما سنفصله لاحقا. لقد شكل التداخل بين الإعلام والإشهار والترفيه إطارا لممارسة ما يسميه دولتن Dolton بالعلاقات العامة المعمم”.[8]  168 ,1995Miege, . ويقصد بها تلك العلاقات التي تركز على المواضيع التوافقيّة، وتستهدف كل مجالات الحياة، وصناعة الانخراط، وتسعى إلى التوجه على وجه الخصوص إلى الأشخاص /المستهلكين/ الزبائن، أكثر من المجموعات و” الجمهور”.

الميديا تحدث التجانس في المجال العمومي: يعتقد الكثير من الباحثين، خاصة أتباع المدرسة الثقافوية Culturaliste وتحليل الخطاب الإعلامي   1989, Mouillaud, Tétu

2013  Servais , أن الميديا تعمل على إحداث التجانس في المجال العمومي وذلك لكونها تنتج/ تعيد إنتاج التمثلات المهيمنة. وضمن هذا المنطلق فإن قراءة الصحيفة ذاتها يسمح بنشر أحداث العالم الاجتماعي في عالم يتخيّله كل قاري ويشترك فيه كل القراء   Awad,2010 . وإن كان تحليل هذا الخطاب في أبعاده الأمبريقية تجاوز دراسة تشخيص التمثّلات وراح يسأل عن نوع التجربة السياسيّة التي تقترحها Servais, 2013 إلا أنّه منح الأولوية إلى المضمون المتداول عبر وسائل الإعلام بتضميناته الأيديولوجية وتبعاته على المجال العمومي على حساب المتلقي وإشكالية تلقيه للخطاب الصحفي. وبهذا فإنه يلتقي مع مختلف نظريات تأثير وسائل الإعلام على الجمهور ويعتبرها تحصيل حاصل.

ونظرا لاندماج كل فرد في وسطه الاجتماعي والمهني في الواقع العملي وعلى الصعيد الافتراضي، ولبحثه عما يعزّز قناعاته واختياراته وميولاته، استنتج الباحث ترمبليTremblay, 207, 207-225 أن المجال العمومي ليس وحيدا وأنه غير منسجم. وذهب إلى أبعد من ذلك عندما استعار عنوان إحدى مقالات بيار بورديو وأعاد صياغته ليتماشى مع أطروحته ليصبح” المجال العمومي لا وجود له l’espace public n’existe pas.

الميديا تعيد تشكيل المجال العمومي: تجدّدت النظرة لالمجال العمومي على ضوء اتساع الاستخدام الاجتماعي للانترنت. إذ ساد الاعتقاد بأن هذه الأخيرة أحدثت انقلابا في المعمار الأوليغارشي للمجال العمومي التقليدي وأجرت تغييرا على إحدى قواعده. ففي السابق كان النشر والإعلان يتم بعد الغربلة والانتقاء أما بعد استخدام الانترنت أضحت الغربلة تأتي بعد النشر 2010 ، Cardon .

بعد أن أضحت وسائل الإعلام التقليديّة أسيرة سلطة المال ولوبيات السياسة، وتحولت إلى مصنع للترفيه والتسلية، واسهمت في إفراغ النقاش العمومي الذي تثيره حول القضايا ذات الشأن العام من محتواه، تجدّد الأمل في شبكة الانترنت ومنصاتها الرقمية ومواقع شبكاتها الاجتماعية حيث اعتقد أنها تحدث تغييرا جذريا في الممارسة السّياسيّة بعد أن قدمت شكلا مغايرا من الوساطة السّياسيّة

ترسخ هذا الاعتقاد في ظل ما أصبح يعرف بأحداث “الربيع العربي” انطلاقا من اعتقاد أن هذه الشبكات متحرّرة من كل أجندة سياسيّة بحكم أنها ليست ملكية أي حزب سياسي، ومنعتقة من سلطة المال، وتمنح صوتا للمقصيين من النقاش العمومي. ففي هذا الإطار يرى الكثير من الكتاب مثل مانويل كاستلز Castells, 2014, 431 أن الشبكات الرقميّة التي تتسم بطابعها التحرّري وحتّى التمردي تشكل ساحة عامة سواء على الصعيد الوطني أو الكوني باتكائها على الحركات الاجتماعيّة ذات الطابع الاحتجاجي، قد نقلت مستخدم الانترنت من شخص يريد الاستعلام عن هذه الحركات إلى الالتزام والانخراط فيها.

يبدو أن الطاقة الثوريّة للشبكات الرقميّة الكامنة في فوريّة الإعلام ونقل الأخبار، والتنسيق والتنظيم لم يفلحا في دفع الجماهير إلى التظاهر في الشارع وإبقائها أطول فترة على غرار الحركات الاجتماعيّة الاحتجاجيّة والنضاليّة التي شهدها مطلع القرن العشرين. والسبب في ذلك لا يعود إلى افتقاد هذه الحركات زعيم كاريزماتي وعدم استنادها إلى أيديولوجيا محددة تؤطرها وتجندها فقط. فأمام هذا الواقع تبدو مواقع هذه الشبكات وغيرها من المنصات الرقمية أنها أفلحت في إعطاء الانطباع بأن الثورة موجودة في كل وقت وكل مكان Ubiquité، على غرار ما فعلته شاشات التلفزيون بالحركة الجماهيرية التي أسقطت شاوشيسكو في رومانيا.[9]  لكن الغريب في المواقع الشبكات الاجتماعيّة التي ساهمت في تجنيد الناس وانخراط المحتجين في بعض البلدان التي شهدت حركات جماهيرية قويّة، مثل روسيا في شتاء 2011-2012 ساهمت في عزل المعارضة السّياسيّ 2015  Kondratov,  التي كان يُعَوَّل عليها في القيام بالتغيير المطلوب.

بالفعل لقد أدرجت القوى السّياسيّة المتدافعة على السلطة في المجتمعات الديمقراطيّة ” الميديا الجديدة”، في استراتيجيتها الاتصاليّة، خاصة في المحطات السّياسيّة الحاسمة، مثل الانتخابات السّياسيّة. ونُسب إليها فوز الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعهدتين رئاسيتين، ودونالد ترومب في الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة. لكن هذه الحقيقة لم تمنع بعض الكتاب من الدعوة إلى التقتير في التفاؤل بإسهام الشبكات في صياغة مجال عمومي جديد. إذ يعتقدون أنها لازالت بعيدة عن المثل الديمقراطية لأنها تحوّلت إلى أداة وحلبة للسوق الكوني فأخضعت النشاط الإعلامي والاتصالي ككلّ إلى المنطق المركنتيلي mercantiliste Dahlgren, Relieu, 2000 هذا ما تؤكده زيادة الاعتماد على المؤثرين influenceurs في المنتديات والمدونات الإلكترونيّة ومواقع الشبكات الاجتماعيّة لتغيير سلوك المستهلكين أو إعادة بناء الصورة الذهنيّة للشركات والمؤسسات.

يرى رليو ودهغرين Dahlgren, Relieu, 2000 أن المجال العمومي لا يوجد في حالة ثابتة وساكنة بل يخضع لحزمة من التغيرات المرتبطة بالتحولات في البيئة الاجتماعيّة والنماذج الثقافية والمشهد الإعلامي. وأن هذا المشهد يشكل من تفاعل وسائل الإعلام التقليدية والميديا الجديدة ومن السديم الذي تنتجه وسائل الإعلام الهجينة التي تلتقي فيها وسائل الإتصال الجماهيري ووسائل الاتصال الجماهيري  الذاتيّة Self Mass media [10] . يمكن أن نلتمس القاسم المشترك الذي يجمع المؤمنين بأن وسائل الإعلام التقليديّة أو الميديا الجديدة عملت على تشكيل المجال العمومي وفق النموذج الليبرالي بالذين يعتقدون بأنها عملت على تقويضه وفق النموذج ذاته. يتجسد هذا القاسم المشترك في تَمَثُّل وسائل الإعلام كوسائط للفعل السياسي وكمجال لإدارة النقاش العمومي في المجتمع. هذا وإن كان البعض، مثل دهلغرينت Dahlgren, 1994، لا يرى وسائل الإعلام والميديا في علاقتها بالمجال العمومي إلا ضمن ما يسميه بالشروط التاريخية الجديدة لوجوده، والتي يلخصها في العناصر التالية: أزمة الدولة، تَشَذُّرالجمهور وتشتُّته، الحركات الاجتماعيّة الجديدة، ووفرة تكنولوجيا الاتصال الجديدة. لكن يبدو أن وفرة هذه التكنولوجيا غير كاف في تشكيل أو إعادة تشكيل مجال عمومي لأن ممارسة السياسة عبر مواقع الشبكات يختلف كثيرا عن الحديث في السياسة في المواقع ذاتها.  ففي هذا الإطار ترى ترى باباشاريسي زيزي Zizi, 2009, 242 Papacharissiبأن شبكة الانترنت قد أنشأت فعلا ” حيزا عموميا” Espace public” لكنها لم تسمح بالضرورة بقيام مجال عمومي Sphere publique ففي نظرها إن فضاء عمومي جديد ليس مرادفا لمجال عمومي جديد. فالفضاء الافتراضي لا يقوم سوى بترقية النقاش، وبينما يجب على المجال العمومي أن يرقي الديمقراطية، أي أن ” ديمقراطية” الحصول على الإعلام والمعلومات والنفاذ إلى مصادرها المختلفة والمتنوعة بفضل الميديا الجديدة لا يقود مباشرة، وبشكل آلي، إلى توسيع المشاركة السياسية وتعميقها أو تعزيز الالتزام السياسي.

وعلى النقيض من هذا الطرح آمنت نانسي فرايزر  Fraser, 1992,135  بإمكانية أن تتحول شبكة الانترنت إلى مجال عمومي قوي بحيث تصبح منصاتها المختلفة مسيرة ذاتيا، وتمارس الديمقراطية المباشرة أو شبه المباشرة  في مواقعها، ففيها يشارك كل المنخرطين في مؤسسة جماعية في المناقشات والمداولات ويحددون تصورها وإدارتها.

إنّ المجتمعات الناميّة التي سعت إلى إقامة ديمقراطية الواجهة أو ديمقراطية ” مراقبة” عملت على إقصاء المعارضة السّياسيّة بمختلف السبل في ظل تكلس الأحزاب السّياسيّة التي تعاني من فقر في الفكر السياسي وقطيعة مع ناخبيها بعد أن تحوّلت إلى تجمع للمصالح الضيقة. هذا إضافة بسط هيمنة الخطاب الإعلامي الرسمي والتضييق على الرأي المختلف إن لم تصَادَره، ناهيك عن اللجوء إلى حجة القوة للفصل في النزاع حول السلطة.  ففي ظل هذه السياقات برز تمثّل للميديا “الجديدة” كمنابر بديلة عن الأحزاب السّياسيّة وأداة  للتمرد على الخطاب الإعلامي الرسمي في ظل ارتفاع عدد مستخدمي الانترنت ومنتسبي مواقع الشبكات الاجتماعيّة، في العديد من البلدان النامية، والمنطقة العربية تحديدا، وتزايد الوقت الذي يصرف في استخدامها اليومي الذي فاق المدة التي تخصص لمشاهدة التلفزيون يوميا[11]. وإن كان الاعتماد على الميديا الجديدة كمصدر إخباري قد زاد إلا ” الفضاء الافتراضي ” الذي أنشأته لم يعمل على ترقية النقاش السياسي إن لم يميعه ويحرفه.

إن النأي عن الحتمية التكنولوجية يقتضي تجنب الاعتقاد بقوة الشبكات الافتراضية المحايثة التي تمكنها من ” إنشاء مجال عمومي أو هدمه. ويتطلب فهم نشاط هذه الشبكات ضمن شروط وسياق استخداماتها. لذا من الصعب فصلها عن تقاليد الاتصال المتوارثة عبر الأجيال، وعن التاريخ السياسي لهذه البلدان الذي يؤكد غياب ثقافة الحوار والنقاش، الحِجاج ، أي أن الأطر ” التمثيلية” لم تبلغ مستوى الحلبة التي يدار فيها النقاش بكل ديمقراطية ويتم التداول حول الآراء التي تتصادم بحججها المتعارضة. لذا نجد أن الميديا الجديدة أفلحت في ابتكار أشكال التكافل الاجتماعي والتعاون، وتخريب الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي[12] دون أن تفلح في بناء مجال عمومي معارض.  ويمكن أن نضيف إلى الأسباب المذكورة أعلاه التي حالت دون ذلك توجه مواقع الشبكات الاجتماعية لتتخذ شكل الدوائر، أي أنها منفتحة نظريا لكنها تتجه نحو الانغلاق عمليا. فظاهرة “homophilie”، التي وجدت في مواقع التواصل الاجتماعي في مجتمعات هذه المنطقة أرضية خصبة، لا تشجع على الحوار والنقاش وتدفع المشتركين في مواقع الشبكات الاجتماعيّة إلى حذف ذوي الرأي المخالف أو المعارض من قائمة أصدقائهم، ورفض استقبال كل من يرسله من آراء وأفكار. وهذا يؤدي إلى ترسيخ ثقافة الحوار الذاتي Monologue. فظاهرة التوحد homophilie في مواقع الشبكات الاجتماعية تحث على الانطواء والانغلاق وتساهم بفاعلية في تشكيل المجال المشترك Espace commun الذي يختلف عن المجال العمومي.

ويمكن أن نأخذ بعين الاعتبار أن مواقع الشبكات الاجتماعيّة أصبحت ساحة للبوح وسرد الذات. وبهذا يمكن القول أن الميديا الجديدة تلتقي مع وسائل الإعلام التقليديّة فيما اتهمت به هذه الأخيرة، وهو تحريف المجال العمومي استنادا إلى الملاحظات الأمبريقيّة التي تقر بأن الحياة الخاصة والحميميّة قد غزتها. بالفعل، يمكن أن نتأكّد بكل يسر كيف أن الحياة الخاصة والسرديات الحميميّة غمرت الصحافة الشعبية People Press والوسائل السمعيّة البصريّة، كما يتجلّى ذلك في برامج تلفزيون الواقع.  بالطبع إن هذا الحكم يقوم على الفصل بين ما هو عمومي وما هو خاص. والقصد بالعمومي في هذا المقام يتضمن العديد من المعاني، منها ما هو مشترك.

إذا العلاقة القائمة بين المجال العمومي والميديا وفق هذا المنظور تستند إلى جملة من التمثّلات، بعضها مرتبط بهذا المجال، وبعضها الأخر ذو صلة بالميديا في سياقات مخصوصة وشروط تاريخية محددة، منها: وجود مجتمع مدني نشيط يعبر فيه المواطنون ذوي الوضعيات القانونية المتساوية عن انشغالاتهم وانخراطهم في القضايا ذات الشأن العام، ووجود نظام ديمقراطي بآلياته التي تصون حرية الرأي وتعدّديّته، ووجود حيّز متجانس تتشكل فيه الآراء والمواقف، ويحتكم إلى قوة الحجة وليس حجة القوة. ووجود وسائل إعلام متجانسة تهتم بقضايا الشأن العام وتجسد الخدمة العمومية. وتنأى عن إثارة المواضيع المرتبطة بالحياة الخاصة، وتعتمد على المواد الإعلاميّة والثقافيّة المنتجة وفق القالب الحواري والجدالي بين المواطنين ذوي القدرات التّعبيريّة والفكريّة المتكافئة والمصانة ضد الترفيه والبعيدة عن الرهانات التجاريّة.

ربما يعتقد البعض أن حصر علاقة الميديا بالمجال العمومي ضمن هذا الأفق لا تخلو من نزعة مثالية للميديا التي يراها بعيدة عن أي نزاع أو تجاذب داخلي أو خارجي. وتقفز على الحقيقة التي مفادها أن المجال العمومي ” مسرح تسعى السلطة باستمرار إلى استثماره من أجل تبرير توجهاتها وقراراتها وإعادة تأسيس شرعيتها[13]” Trembley, 2007, 207-225 .

الميديا والمجال العمومي: من السياسي إلى السوسيولوجي 

بصرف النظر عن الأطروحة التي تنص على الميديا في حد ذاتها مجال عمومي، يستنتج مما سبق أن النظرة لعلاقة الميديا بالمجال العمومي تقوم على الثنائيتين: الوساطة La mediation- وساطة الفعل السياسي والأعلمة La médiatisation أي جعل المجال العمومي مرئيا، وهذا ما يسميه بعض الباحثين، مثل ولتن , 2012, 95-114 WOLTON”بالمجال العمومي الميدياتيكي. وعلى هذا الأساس من الصعب جدا فصل المجال العمومي عن الميديا، بيد أن جون مارك فيري  Ferry, 1989  يرى أن هناك فضائين عموميين: مجال عمومي اجتماعي، ومجال عمومي سياسي. لقد ظلت المواضيع المتناولة في المجال الأول خاصة، وبرزت في المشهد العمومي. وأدت سيطرة الاتصال الشاملة إلى بروز منظومة جديدة مكنت العلاقات المهنية والعائليّة والزوجيّة الحميميّة من الاستعراض في المشهد الميدياتيكي. أما المجال العمومي السياسي، الذي يُعْتقد أنه لا يغطي مجمل الاتصال السياسي بالمعنى الذي حدده دومنيك ولتن  wolton,1989، الذي يعتبره حيّزا لتبادل الخطابات المتناقضة للفاعلين الثلاث الذين يملكون شرعيّة التعبير العلني وأمام الملأ عن السياسة، وهم: الساسة، والصحافيون، والرأي العام الذي تعبر عنه عمليات الاستطلاع.

استلهم بعض الباحثين فكرة ” السيولة” liquefaction” من أطورحة عالم الاجتماع زيغمونت بومان Zygmunt Bauman  ووظفوها في قراءتهم لمفعول مواقع الشبكات الاجتماعية. فالباحث كريستان فوشز Christian Fuchs, 2014, 57-101، على سبيل المثال، يعقد أن بروز ” الميديا الاجتماعي” يندرج ضمن السيولة والتداخل. فالتمييز بين الخاص والعام، واللعب والعمل، والترفيه وقت العمل، والبيت ومكتب العمل، والاستهلاك والإنتاج أصبح صعبا نظرا لتداخل كل هذه الأنشطة. وويشخص سمتين تأسيسيتين للطريقة التي تقوم فيها مواقع الشبكات الاجتماعية، مثل الفيسبوك، بإسالة الحدود بينها. إذ يذكر أن السمة الأولى تتجلى عبر المجتمعة المدمجة Socialité intégrée التي تتحقق عبر ثلاثة أنماط وهي: المعرفة، والتواصل والتعاون. وتتجلى السمة الثانية عبر الأدوار الاجتماعية المدمجة والتي تستند إلى عملية إنشاء “البروفايل” في هذه المواقع، مثل ” الفيسبوك” الواصف لمختلف الأدوار التي يقوم بها الإنسان في الحياة. لم يذهب البعض إلى حد التأكيد على دور ” الميديا الجديدة” في إسالة الحدود بين الأنشطة المختلفة، بل شددوا على دورها في الربط بين مختلف المجالات، فأريك  Dacheux, 2010 يؤمن بوجود ثلاث مجالات، وهي: السياسي، والعمومي ، والمنزلي domestique. ويقوم المجال الميدياتيكي بربطها ببعضها بجانب مجالات الوساطة الأخرى. فالمجال المؤسساتي للوساطة l’espace institutionnel de médiation  يربط المجال السياسي بالمجال العمومي. ويربط المجال المدني، من جهته، المجال السياسي بالمجال المنزلي. ويأخذ كل مجال من هذه المجالات الأشكال الأمبريقيّة المتميزة.

وتنصح دومنيك ماهل Mehl,2005,p89-90 بقطع الصلة بالعبارات المستقاة من الجغرافيا، مثل الاقليم والحدود في الحديث عما هو عمومي وما هو خاص، إذ تؤكّد أنه من الأجدى الحديث عن تمفصلهما وتداخلهما باستخدام عبارة المسار Processus. أو بالأحرى الحديث عن تمفصل الفضائين العمومي والخاص وتداخلهما ليشكلا حيزا عموميا جديدا تصبح فيه القضايا الخاصة مرئية ومطروحة للنقاش بصفتها ميدانا خاصا/عموميا. ولعل هنا يكمن المبرّر الذي جعل دومنيك ولتن   wolton,1989 يرفض الفصل الذي أحثته الفلسفة اليونانية بين ما هو خاص وما هو عمومي إذ يرى أنهما يشكلان ما يسمى بالاجتماعي. والذي تسميه حنه أرنت بالمجال الاجتماعي، وتقول عنه أنه ليس بالخاص ولا العمومي بالمعنى الدقيق للكلمة، بل ظاهرة جديدة برزت بظهور العصر الحديث الذي تجلّى شكله السياسي في الأمة والدولة  أرنت، 2015، 49. ولتوضيح تصورها تؤكّد أرنت أن ما هو خاص ارتبط، في الفكر اليوناني، بالحرمان من شيء ما Être privé de quelques choses. فالرجل الذي لا يملك سوى حياته الخاصة، شأنه في ذلك شأن العبد الذي لا يمكن أن يلج المجال العمومي. هذا الإنسان لم يكن إنسانا بالتمام. وحينما نتكلم عن المجال الخاص اليوم فإننا لا نفكر البتة في الحرمان. ففي زمننا هذا يتقابل الخاص، على أقل تقدير، بوضوح مع المجال الاجتماعي.  أرنت، 2015 59-60

إذا، إنّ التفكير في المجال العمومي من زاوية زوال الفصل بين ما هو خاص وعمومي حرّر تعريف هذا المجال من ثقله ووظيفته السّياسيّة، وأعاد تعريفه بصيغ مختلفة وعلى أسس جديدة، نذكر منها:  إن المجال العمومي “إطار ميدياتيكي” بصفة عامة، تقوم بموجبه المنظومة المؤسساتية والتكنولوجية الخاصة في المجتمعات الما بعد الصناعية بتقديم مختلف جوانب الحياة الاجتماعيّة إلى ” الجمهور”   Ferry, 1989 .

ووفق هذا المنظور الجديد، فإن الميديا ليست وسيلة بث وتوزيع مركزية وأحادية الاتجاه من مرسل إلى جمهور، وليست إطارا للجدل ومقارعة الحجة بالحجة، بل وسيط اجتماعي. أي أنها تقوم بالوساطة بين افراد المجتمع عبر اللّغة. وبهذا فإنها لا تخدم بالضرورة الرؤية السّياسيّة للمجال العمومي الذي تحصره في الوساطة  بين المواطنين والسلطات باعتباره حيّزا رمزيّا لطرح الآراء والمواقف المتعارضة ذات الصلة بإدارة الشأن العام.

يعيدنا هذا الحديث إلى الفكر اليوناني بعيدا عما كانت تمثله الأغورا الذي تذكرنا بها حنة أرنت أرنت، 2015، ص.40 بالقول أن من يوجد خارج المدينة – cité في نظر أرسطو، أي العبيد والبرابرة- محروم من الكلام، ومن البديهي ان ذلك لا يعني الحرمان من القدرة على الكلام، بل مَقْصِيّ من ضرب من الحياة العامة تكون فيها اللّغة واللّغة وحدها ذات معنى فعلي في وجود كان الهم الأول للمواطنين فيه هو أن يخاطبوا بعضهم.

إذا ولوج المجال العمومي من المنظور الاجتماعي ليس مشروطا بامتلاك سلطة القول التي تحدث عنها بيار بورديو، ولا باستعمال الحجة التي تحدث عنها هابرماس، بل بالحديث العلني وأمام الملأ عبر الوسائط المتاحة: الإذاعة، التلفزيون، مواقع الشبكات الاجتماعيّة، والمنصات الرقمية المختلفة في شبكة الانترنت.

نعم إننا نعي بأن الكثير من الوسائط الجديدة تملكها الشركات العملاقة في مجال المعلوماتية والانترنت. وسهلت جلّها الوشاية والقدح والقذف والعنف اللفظي والإقصاء ، خاصة في العديد من البلدان العربية.وتحوّلت إلى أداة نشيطة لممارسة المراقبة والتصنت والتلصص والجوسسة على كل ما يتم تداوله[14] و ساحة لتعرية الذات والفضضة عن النفس، وغيرها من المظاهر التي تعيق فعلا إعادة تشكيل مجال عمومي من المنظور السياسي. لذا لا بد من محاولة فهم علاقة الميديا بالمجال العمومي على ضوء الاتصال الميديتيكي الذي تزايد في حضن المجال المجتمعي espace societal الذي يتوسط الحيّز الخاص والحيّز العمومي Namoin, 2010, 223-226

رغم التحوّلات البارزة التي طرأت على الميديا والتي أعادت صياغة علاقتها بالمجال العمومي  إلا هذا الأخير أضحى المتغير الأساسي في فرضية هذه العلاقة. إذ اصبح ما هو اجتماعي le social هو الذي يشكل موضوع المجال العمومي وليس “السياسي” Le politique  Paquette, 2000, 47-74 . ونقصد بالسياسي السلطة الضمنية التي تتأسس في مجتمع ما وتكون ذا صلة بإدارة المجتمع وتنظيمه. وهذا يتطلب إعادة قراءة العلاقة المذكورة أعلاه على ضوء أسس جديدة، قوامها:

1-إضفاء البعد المرئي: تمنح الميديا للأشخاص والخطابات بعدا مرئيًّا والسبب في ذلك لا يقتصر على أن تطور تكنولوجيات الاتصال الراهنة فتحت أفاقا واسعة لتغيير علاقة المرء بالبعد والغياب، بل لالتفافها على الإقصاء الذي شكل إحدى المأخذ الرئيسة في نقد المجال العمومي الهبرماسي. فالمجال العمومي في تعريف حنا آرنت هو ” مجال للظهور”espace des apparences. فبعد أن أعادت تأويل المفهوم الأرسطي للسياسة المغاير للنموذج الهابرماسي القائم على الحجاج وفق منظور نقدي وتحرري، رأت هذه الفيلسوفة أن المجال العمومي يتمثل في كونه مؤسسة رمزية لمجال الانتماء والظهور الذي يصبح مرئيا في بعده الظاهراتي. Paquette, 2000, 47-74 .  ويقصد بالبعد الظاهراتي الأفعال، والأحداث التي يكتسي فيها الأشخاص معنى وشكل اجتماعيا ساعة ظهورهم. Quéré, 1992, 81.

ونظرا لرهانات الظهور أو مرئية الأشخاص والأفعال والقضايا، فإن بعض المواد الإعلامية-الترفيهية، مثل برامج تلفزيون الواقع والتوك شو التي تبثها بعض القنوات التلفزيونية العربية، على سبيل المثال، كالإدمان على المخدرات، وزنا المحارم، والدعارة، وعدم الاعتراف بشرعية الأبناء، وطرد الأبناء من البيت العائلي، وطرد المرأة من بيت الزوجية إلى الشارع،  لا تظهرها  إلا لأسباب تجارية. لكنه إظهار من أجل إخفائها وإبعادها عن الخطاب العمومي. ويتخذ هذا الإبعاد شكلين بارزين: التنديد بها واستنكارها والتهجم على مرتكبيها، وتقديمها  على أساس أنها حالة نادرة غريبة عن المجتمع وأن أصحابها نادمون على ما قاموا به. وفي الشكلين تعيد إنتاج الخطاب المهيمن: الخطاب الوعظي والأخلاقي الذي يحول دون انتقالها لتشكل موضوعا للنقاش العمومي يتجادل حوله الأشخاص المتعادلون في القدرة على التعبير عن وجهات النظر أو على إظهار اختلافهم دون خوف أو توجس من رد الفعل الاجتماعي أو رد الصحافيين ومشاركيها في هذه البرامج.[15]

2-حق الاعتراف: استعاد الفيلسوف الألماني أكل هونيث مسألة الاعتراف وجعل منها محورا لنظرية جديدة للصراع الاجتماعي. وفتح المجال للعلوم الاجتماعيّة للكشف عن تعدّدية معانيه. ففي نظره إن “الاعتراف المتبادل كفيل بوضع حدّ للصراعات الاجتماعية القائمة على السيطرة والهيمنة والظلم. وبفضله يستطيع الأفراد تحقيق ذواتهم وهويتهم ضمن علاقات تذاوتية”  بومنير، 2010، 108. والاعتراف في نظره مرهون بثلاثة شروط معيارية متميزة، وهي: الحب، والحق، والتضامن.

وإن كان الشرط الأخير؛ أي التضامن يتجسد بيسر، وبأشكال مختلفة في مواقع الشبكات الاجتماعية بعد أن بدأت الدولة الرعوية في الأفول، أو تنازلت عن دورها التكافلي كاختيار سياسي أو لضرورة اقتصادية، فإن الشرط الثاني؛ أي الحق، صعب المنال، إذ يظل موضوعا للتفاوض والصراع لأنه يندرج ضمن حقوق الإنسان الأساسية وملازم لمفهوم المواطنة.

إن المطلب الأساسي لتجسيد الحق في الاعتراف يكمن في إعادة توزيع الثروات والخيرات، والإقرار بالاختلاف الثقافي، وتسبيقها على الحب، حتّى لا يتحوّل الحق في الاعتراف في الخطاب العمومي الذي تنتجه وسائل الإعلام أو تنقله مختزلا في البعد النفسي فقط: الحب.

إن السعي لتجسيد الحق في الاعتراف لا يروم تحقيق المساواة بين الأشخاص، وإعادة النظر في تمثيلهم الديمقراطي، بل يقرّ بالوجود الاجتماعي للأشخاص ضمن تعدّدهم وتنوّعهم، والقبول باختلافهم كشكل من أشكال النضال ضد الإقصاء من المجال العمومي من جهة، وترسيخ فن العيش المشترك والذي يعاد على أساسه رسم الحدود بين المرئيات العمومية Visibilité publique، والممارسات اللسانية  , 2005 Voirol . فأهمية هذه الممارسات اللسانية لا تكمن في أن كل خطاب في المجال العمومي هو تمثيلي لأنه يحمل تجربة ” اجتماعية، ويستطيع كل شخص أن يكون في وضعية مماثلة. 89-103 1999,   Esquenaz, ، بل لأنه يمكن أن يثير نقاشا عاما، ويحوّل المشاكل التي كانت تدرج في خانة المسكوت عنه أو تلك التي همشها الخطاب الرسمي الصادر عن المؤسسات السّياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة إلى مشكل عمومي.

حتّى لا نسقط في التعميم يمكن التأكّيد على أن وسائل الإعلام لا تشكل وحدة متجانسة حتّى في المجتمع الواحد. إنها تخضع لتنوّع أنماط ملكيتها، ودرجة ارتهانها للسلطتين: السّياسيّة والماليّة، وحمولاتها الأيديولوجيّة، ومدى امتثالها للقوانين التي تؤطر الفعل الإعلامي وتفرض الخدمة العمومية في الدول الديمقراطية. لكنها تعمل، بدرجات متفاوتة على تمكين الأشخاص من انتزاع الحق بالاعتراف بهم ضمن تمثّلها للجمهور/المواطن/الزبون وللمجتمع وللعلاقات الاجتماعيّة القائمة فيه. وهذا خلافا لوسائل الإعلام الرسميّة- الحكوميّة – في المجتمعات الناميّة. فالمجتمع مغيب في نشرتها الإخبارية التي لا تبرز سوى الحكومة تحدث ذاتها وتنظر إلى صورتها في مرآة الإعلام الرسمي. أما الفرد فلا يظهر لذاته وإن ابرزته بذاته فلتجعل منه مُرْجِع صدى الخطاب الرسمي ومؤيده. [16]

فرغم أن المشاكل التي تطرح للنقاش سواء في إطار ” التوك شو” Talk show أو برامج تلفزيون الواقع في القنوات التلفزيونية الغربية تأخذ صيغة فردية وذاتية إلا أن المنظومة الاتصالية Le dispositive communicationel تعترف بمن يعانون منها، وتحوّل هذه المشاكل إلى قضايا عامة من خلال عملية الوساطة التي تقوم بها الميديا سواء عبر تَملُّك الجمهور أو المشتركين في مواقع الشبكات الاجتماعيّة لهذه المشاكل، أو بما تثيره من نقاش قد يخرج عن إطار الميديا ويمتد إلى مجالات أخرى. وقد يكلّل هذا النقاش بإصدار قوانين تتصدى لهذه المشاكل وتنظمها. هذا مع العلم بأن البعض يعتبر بأن مواقع الشبكات الاجتماعيّة تشكل حيّزا عاما ولا تعدّ، بأي شكل من الأشكال، مجالاً خاصا. ومن أجل ذلك يكفي أن يقوم المرء بنشر محتوى معين وهيكلته بطريقة تسمح للغير بالإطلاع عليه حتّى وإن كان هذا الغير محدودا 2014, Burkell .

إن ما تقوم به الميديا من ربط المجالات الثلاثة المذكورة أعلاه، أو تشكيل المجال العمومي الاجتماعي يجرى على صعيد رمزي. بالطبع إن التفكير في هذا البعد الرّمزيّ يطرح التساؤل عن العوائق التي تحول دون إعادة تشكيل مجال اجتماعي أو تشكيله من جديد في البلدان النامية ومنها الجزائر.

بالفعل إنّ تشكيل مجال عمومي لا يقتصر على المجتمعات التي تعيش في كنف النظام الديمقراطي مثلما ذهبت إليه ناموان Namoin, 2010، بل يرتبط بالبعد الرمزي لما يتم تداوله واقتسامه في الميديا التقليدية والجديدة بصرف النظر عن موضوعه: أي ليس شرطا أن يكون ذا صلة مباشرة بما هو عمومي.  فالرّمزيّ، كما يؤكّد داشو Dacheux, 2010 هو شبكة من الدلالات التي يستبطنها الفرد في مسار تنشئته الاجتماعيّة. إنه بنية اجتماعية لاواعية تحدد طريقة فهمه للعالم. فالذاتيات التي يبوح بها الفرد في الميديا المعاصرة لا يمكن أن تفهم لذاتها، بل في علاقتها المعقدة بالآخر، وبالشأن العام. إنها تجربة اجتماعية تقوم الميديا بسردها وتعميمها ضمن مستويات مختلفة من التفاعل معها، فتسمح للأفراد بتقييم ذاتهم واستعادة تجاربهم وقراءتها على ضوء ما هو مشترك ومقبول اجتماعيا ويؤسس للعيش المشترك.

*مداخلة قدمت في المؤتمر الدولي: “الفضاء العمومي ومواقع الشبكات الاجتماعية: التشظي وإعادة قراءة المفهوم” بقسم الإعلام والاتصال في كلية العلوم الإنسانية والعلوم الإسلامية، جامعة وهران1، أحمد بن بلة بالاشتراك مع مخبر استخدامات وتلقي المنتجات الإعلامية بجامعة الجزائر-  وهران – 10-11 أبريل 2017  – ونشرت  بمجلة علوم الإعلام والاتصال الإلكترونية

 المراجع

  •  بومنير كمال  2010 ، التظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، من ماكس هويكمير إلى ألكس هونيث ، الدار العربية للعلوم، ناشرون.  منشورات الإختلاف،
  • حنة أرنت- 2015 الوضع البشري، ترجمة هادية العرقي عن اللغة الأنجليزية، جداول- مكتبة الفكر الجديد
  • مانويل كاستلز ) 2014 (: سلطة الاتصال، ترجمة محمد حرفوش، المركز القومي للترجمة، مصر،

References

Awad  Gloria 2010, «Informer, relier le journalisme en tant que modèle moderne de mediation », Communication , 281

Ballarini Loic 2011: L’espace public au-delà de l’agir communicationnel. Quatre renversements de perspective pour sortir des impasses du modèle habermassien,  Doctorat Sciences de l’information et de la communication, Centre d’études sur les médias, les technologies et l’internationalisation, École doctorale Sciences sociales, École doctorale Sciences sociales, Université Paris 8,

Baqout Thierry  2009 ; l’espace public; éditions la découverte; Paris;

Bregman Dorine, Dayan Daniel, Wolton Dominique coord., 1989 :« Le nouvel espace public ». revue Hermès, n 4

Burkell Jacquelyn 2014: Facebook: public space, or private space? Journal Information, Communication & Society Volume 17, issue8

Cardon Dominique : Pourquoi l’internet n’a-t-il pas changé la politique ? Interview accordée à Hubert Guillaud; consulté le 14 mars 2017 ; URL http://www.internetactu.net/2010/10/07/dominique-cardon-pourquoi-lintern…

Charaudeau Patrick  1999« La médiatisation de l’espace public comme phénomène de fragmentation  », Études de communication N0 22

Dacheux Eric  2010 :Les trois dimensions de l’espace public ; consulté le 14 mars 2017, URL  http://archivesic.ccsd.cnrs.fr/sic 00531476

Dacheux Eric  2010   Revisiter le concept d’espace public à la lumière de deux objets frontières : l’économie solidaire et la BD. XVIIe Congres de la Société des Sciences de l’Information et de la Communication : Au cœur et aux lisières des SIC Dijon, 23-25 juin

Dahlgren Peter et autres 1994 : Espaces publics en images. Hermès la Revue, n°/1-2

Dahlgren Peter, Relieu Marc  2000. L’espace public et l’internet. Structure, espace et communication Réseaux, volume 18, n°100.

ESQUENAZI  Jean Pierre 1999, Télévision et démocratie. Le politique à la télévision française. 1958-1990 Paris, Presses universitaires de France

Wolton Dominique  1989 : La communication politique; communication d’un modèle; Hermès; n° 4

Wolton, Dominique 1992, « Les contradictions de l’espace public médiatisé », Hermès, 10 : 95-114.

Dominique Mehl  2005 The public on the television screen: towards a public sphere of exhibition in Sonia Livingstone; Audiences and Publics: When cultural engagement matters for the public sphere Changing Media, Changing Europe Volume Intellect Books, USA

Ferry J-M.  1989 « Les transformations de la publicité politique », Hermès, n°4.

Fraser Nancy 1990  Rethinking the Public Sphere: A Contribution to the Critique of Actually Existing DemocracyAuthors: Social Text, No. 25/26

Fraser Nancy, Muriel Valenta 2001 « Repenser la sphère publique : une contribution à la critique de la démocratie telle qu’elle existe réellement. Extrait de Habermas and the Public Sphere, sous la direction de Craig Calhoun, Cambridge, MIT Press, 1992,, Hermès, La Revue 3 n° 31,

Fuchs Christian  2014: Social Media and the Public Sphere, Triple C, volume12 N01

Habermas, Jürgen 1997. Droit et démocratie: Entre faits et normes. Traduit par Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz. Paris: Gallimard.

Habermas, Jürgen  1992 « L’espace public, 30 ans après », Quaderni, n° 18, dossier « Les espaces publics »,

Kerrou  Mohamed  2002 Public et privé en Islam IRMC, Maisonneuve & Larouse,

Kondratov Alexander  2015: Espace public politique official post soviétique à l’épreuve des réseaux socionumériques, études de mouvement de constatation en Russie en 2011-2012 – Revue French Journal for Media Research, n°4

Lenoble, Jacques, Berten, André 1992: L’espace public comme procédure. In: Raisons Pratiques : épistémologie, sociologie, théorie sociale, Vol. vol. 3

Mehl  Dominique  2005  The public on the television screen: towards a public sphere of exhibition in Sonia Livingstone; Audiences and Publics: When cultural engagement matters for the public sphere Changing Media, Changing Europe Volume 2 Intellect Books, USA

Miège Bernard1995: L’Espace public au-delà de la sphère politique, Hermès, n°4, 17-18

Miege Bernard 1995 : L’espace public: perpétué, élargi et fragmenté; in L’espace public et l’emprise de la communication sous la direction d’Isabelle Pailliart; Grenoble : ELLUG

Mouillaud Maurice, Tetu Jean Francois  1989: le journal quotidien , presse universitaire de Lyon

Namoin Yao  2010, « L’Espace Public Contemporain – Approche info-communicationnelle de Bernard Miège », Communication et organisation,  n° 38

NEVEU, Catherine. dir., Espace public et engagement politique,  Enjeux et logiques de la citoyenneté locale Paris, L’Harmattan, 1999

Neumann Alexander  2016  Conceptualiser l’espace public oppositionnel Variations, Revue internationale de théorie critique, 19

Quéré, Louis 1992, « L’espace public : de la théorie politique à la métathéorie sociologique », Quaderni, 18 : 75-92.

Paquette Martine 2000La production médiatique de l’espace public et sa médiation du politique; Revue Communication – vol. 20/1

Papacharissi Zizi 2009  The Virtual Sphere 2.0: The Internet, the Public Sphere and beyond in Andrew Chadwick, Philip Howard, Handbook of Internet Politics, Philip Howard  Routldge  taylor and Francis  group

Servais Christine 2013: Énonciation journalistique et espace public », Communication; vol 32 n0 2;

Tommaso VISONE  2014 « Le problème de la « sphère publique » dans la pensée de Carl Schmitt », Philonsorbonne [En ligne], 8 | 2014, mis en ligne le 19 janvier 2014, consulté le 13 janvier 2017. URL : http://philonsorbonne.revues.org/626 ; DOI : 10.4000/ philonsorbonne.626

Tremblay Gaëtan 2007, « Espace public et mutations des industries de la culture et de la communication; in Les industries de la communication et de la culture en mutation; sous la direction de Philippe Bouquillion et Yolande Combès, L’Harmattan, Questions contemporaines, Paris,

Voirol Olivier  2005 introduction Autour d’Axel Honneth. Reconnaissance et communication », Réseaux, n° 193,

[1] – نذكر على سبيل المثال وليس الحصر إسهام كل من: Jacques Rancière، Bernard Miege، Patrick Charaudeau، Christine Servais، Bourdieu Pierre لأخذ فكرة عن إسهام جاك رونسيار يمكن العودة إلى:

Julien Rueff ( 2014) : Penser le web politique avec Jacques Rancière, Revue Tic et société , Vol. 8, N° 1 et 2  ) 106-126)

Julien Rueff ( 2014) : Penser le web politique avec Jacques Rancière, Revue Tic et société , Vol. 8, N° 1 et 2  ) 106-126)

[2]– هذا ما ذهب إليه أريك داشو، عندما أكّد أن ” المجال العمومي” غدا مفهوما فاقدا لدلالته  notion valise ،  أي كل ما لا ينتمي إلى المجال المنزلي- أنظر:

Eric Dacheux (2010): Revisiter le concept d’espace public à la lumière de deux objets frontières : l’économie solidaire et la BD. Actes du XVIIe Congrès de la Société des Sciences de l’Information et de la Communication : Au cœur et aux lisières des SIC Dijon, 23-25 juin

[3] – يستخدم الفرانكفونيين ” Espace” بينما يميل الأنجلوساكسونيين إلى استعمال Sphere  لكن بالتدريج بدأ الفرانفكنيون يستعملون العبارتين معا.

[4] – هذا جانب واحد من معنى انحراف المجال العمومي الحالي، كما شخصه كل من Charles Perration      وÉtienne Paquette، و Pierre Barrette، أما الجانب الثاني الذي استخلصوه، فيحيل إلى ضرورة استكشاف الأشكال الجديدة لمستقبل الفعل السياسي. أنظر:

Charles Perration, Étienne Paquette; Pierre Barrette ) sous la direction, 2007( : Dérive de l’espace public à l’ère du divertissement; Presse Universitaire du Québec ; p 7

[5] – ينطبق هذا الأمر على الصحافة الجزائرية بشكل جلّي. فكلّ صحيفة تموقعت إيديولوجيا وسياسيا والتزمت بأحادية الرأي ومارست اقصاء الرأي المعارض.  هذا مع الإشارة إلى أن الصحف الصادرة باللغة الفرنسية فتحت منبرا للمثقفين والكتاب والفنانين والأساتذة الجامعين والإطارات السامية في الدولة والمسيرين المحالين على التقاعد وغيرهم للتعبير عن آرائهم تجاه الأحداث الراهتة والقضايا الاجتماعية والاقتصادية بشرط  أن يكونوا من المقريبين من خط ها الافتتاحي. وقد تنشر بين الحين والأخر بعض المواد الصحفية لأسماء مستعارة تثير علامة استفهام عن هويتها والجهة التي تحركها. وهذا خلافا للصحف الصادرة باللغة العربية التي تستكتب بعض الأقلام التي تشاطر خطها الافتتاحي. حقيقة لقد أنشأت بعض الصحف الصادرة باللغة العربية منتديات إلكترونية  مفتوحة نظريا على مختلف الآراء  لكنها لا تنشر عمليا سوى سوى الآراء التي تتطابق مع خطها التحريري أو لا تبتعد عنه كثيرا.

[6] -يقصد بها تلك تتدخل في صياغة الخطاب الإعلامي mise en discours  La، وهي : انتقاء المواضيع thématisation، والمعالجة الخطابية للأحداث، وإخراجها إعلاميا  lamise en scène .

[7] – يقصد به تجمع أفراد حول كتلة معرفية ( تخصص نظري) يشكل “جماعة علمية”، والتجمع حول كتلة العقيدة ( مذهب) يشكل جماعة دوغمائية، والتجمع حول كتلة من الآراء ( الدفاع عن طرف) تشكل “جماعة مناصرة”، والتجمع حول كتلة من التقديرات تشكل “جماعة أخلاقية ” قارّة حول متخيل عاطفي.

[8] –  يزعم اريك جورج، Éric George ، أن ايف دلهاي وبرنار مياج نحتا هذه الأطروحة في نقدهما لمفهوم المجال العمومي الهبرماسي. وقد ارتكز عليها إريك جورج  في قراءته للمجال العمومي – أنظر:

Éric George: Du concept d’espace public à celui de relations publiques généralisées; consulté le 13/3/2016, URL; http://commposite.org/v1/99.1/articles/george4.htm

[9] – ينسب Thierry Baqout هذا الوصف إلى هابرماس- أنظر:

Thierry Baqout ( 2009): l’espace public; éditions la découverte; Paris; p 25

[10] –  هذه الصيغة نحتها الباحث مانويل كاستلز، وهي كلمة مركبة يقصد بها الاتصال الجماهيري الذي يملك القدرة على الوصول إلى جمهور عالمي مثل شريط فيديو في موقع يوتيوب أو نشر من جهة، واتصال ذاتي من جهة أخرى حيث يتم إنتاج الرسائل ذاتيا و تحديد متلقيها يتم ذاتيا –  أنظر: مانويل كاستلز: ) 2014 ( سلطة الاتصال ، ترجمة  محمد حرفوش، المركز القومي للترجمة، مصر ، ص  92

[11] – يذكر على سبيل المثال أن موقع غوغل بين في دراسته المنشورة في أواخر 2010 أن معدل تصفح الانترنت لدى شريحة واسعة من مستخدمي الانترنت  في المملكة السعودية  فاقت مشاهدة التلفزيون  بمعدل ساعتين يوميا.- أنظر: عبد السلام بن عبد العالي ) 2012 ( :  الشباب ، التشبيك وثقافة التواصل والتغيير السياسي، منشور في كتاب جماعي بعنوان، الإنفجار العربي الكبير، في الأبعاد الثقافيّة والسّياسيّة ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ،  ص 87

[12] –  لتوضيح هذه الفكرة يمكن الرجوع إلى  نصر الدين لعياضي  2012( : الشباب الجزائري والتهميش الإعلامي وأساليب الالتفاف عليه، كتاب باحثات، صادر عن تجمع الباحثات اللبنانيات في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد 15.

[13] – لا يمكن أن نغفل هذه الحقيقة في بلد مثل الجزائر، لكن ما يلفت النظر أكثر هو محاولة السلطة مصادرة مختلف المجالات واستغلالها : وسائل الإعلام، المساجد، الزوايا، الأندية الرياضية، الجامعات، وغيرها من أجل إخماد أي صوت لا يعدّ صدى لصوتها باتهامه بالخيانة والعمالة للأجنبي-  االجملة التي تتواتر باستمرار لوصف المواقف والآراء المعارضة بأنها تحركها أيادي أجنبية”. ربما الأمر يعود إلى غياب مفهوم ” المنافس، الغريم” في القاموس السياسي الجزائري ، وفق ما ذهب إليه بعض الباحثين الجزائريين، مثل على الكنز.

[14] –  يستعرض الباحثان  Fabienne Martin-Juchat  و Julien Pierre  مختلف أشكال الرقابة والتلصص التي تمارس على المضامين المتداولة في شبكة الانترنت ومختلف المنصات الرقمية، ويؤكدان على تطور شكلها ضمن ما يسميانه بــ ” القبول الحر بالمراقبة.- أنظر :Fabienne Martin-Juchat et Julien Pierre : Facebook et les sites de socialisation :une surveillance librement consentie in Béatrice Galinon-Mélénec ( sous la direction) 2011: L’Homme trace Perspectives anthropologiques des traces contemporaines, CNRS Editions, Paris, p 105- 123

[15] – لمزيد من الشرح حول هذه النقطة يمكن الرجوع إلى:  نصر الدين لعياضي ) 2017) “برامج تلفزيون الواقع وإرهاصات التحوّل في بنية المجال العمومي في الجزائر، صدر في كتاب جماعي بعنوان: الإعلام العربي ورهانات التغيير في ظل التحوّلات، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت )  ص 83- 100(

[16] – لتوضيح هذه الفكرة اكثر، أنظر: نصر الدين لعياضي )  2015) :  صورة المعارضة الجزائرية في الإعلام الرسمي: الواقع والتمثلات، مسترجعة بتاريخ 22/3/2017  من الموقع:  studies.aljazeera.net/ar/mediastudies/…/201552111334528673.htm.

2- البحث العلمي في علوم الإعلام  والاتصال في المنطقة العربية وغياب الأفق النظري ، مجلة المستقبل العربي العدد 450: آب/آغسطس 2016  

3-  الصحافة الجزائرية في بيئة الواب : إرهاصات التغيير ،  المجلة الجزائرة للعلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة الجزائر 3، العدد السادس، جوان  2016  ص  171- 193

 4- أزمة، نهاية، فوضى أو “نشأة مستأنفة”: محاولة فهم التحولات التي تعيشها الصحافة وتأويلها ، مجلة سمات، كلية العلوم الاجتماعية والانسانية ، جامعة البحرين، المجلد  4- العدد 1 -السنة 2016

5-المثقف ووسائل الإعلام: رهانات الإمتاع والمؤانسة، مجلة اتحاد الإذاعات العربية- تونس، عدد 3 -2015

النقر للوصول إلى ASBU_rev_2015_03.pdf

6-مواقع الشبكات الاجتماعية في المنطقة العربية بين الابستيمولوجيا والايديولوجيا، مجلة إضافات، المجلة العربية لعلم الاجتماع، مجلة أكاديمية فصلية محكمة، عددان 29-30 ، شتاء-ربيع 2015  ص 227- 240

7- وسائط جديدة وإشكاليات قديمة: التفكير في عدة التفكير في مواقع الشبكات الاجتماعية في المنطقة العربية، المجلة الجزائرية للاتصال، كلية الاتصال، جامعة الجزائر 3 ، العدد 22 السنة 2014، ص 117 – 159
ملخص:
يتناول هذا البحث بالنقد الدراسات التي تطرقت إلى مواقع الشبكات الاجتماعية في المنطقة العربية متسائلا عن اضافاتها العلمية في علوم الإعلام والاتصال. فحاول أن يرفع اللبس عن تعدد الأسماء التي حاولت أن تعبر عنها. واستعرض أهم المقاربات النظرية والمنهجية التي اعتمدت عليها مبينا حدودها العلمية. ونقاش أهم المفاهيم التي استخدمتها هذه الدراسات مثل: التفاعلية، وصحافة المواطن، والفضاء العمومي، ورأسمال الاجتماعي. ويبيّن الرهانات المعرفية لاستعمالها لأن كل مفهوم ينبثق عن تصور معين لهذه المواقع. ولأن نقل هذه المفاهيم من سياق اجتماعي وثقافي إلى بيئة عربية اسلامية يطرح الكثير من الإشكاليات.
الكلمات المفتاحية: مواقع الشبكات الاجتماعية، التفاعلية، صحافة المواطن، الفضاء العمومي، راسمال الاجتماعي، الميديا الجديدة.

Theoretical and Methodological Approaches to Social Network Sites in the Arab Region

Abstract: This paper critically looks at the studies that investigated the Social Network Sites in the Arab region asking whether they made a practical addition to the field of information and Communication sciences or not. The paper tried to lift the ambiguity of the variety of names , as well as the most important theoretical and methodological approaches used by these studies highlighting its scientific limitations. The paper discussed the most important concepts used by these studies such as: Interactivity, Citizen Journalism, Public Sphere and Social Capital and showed the problems of using them because each concept comes out of a specific view to these websites. The importation of these concepts from a cultural and social context to an Arab Islamic environment raises so many issues and problems.
Key Words: Social Network Sites, Interactivity, Citizen Journalism, Public Sphere Social Capital, New Media

8- الفصاء التدويني العربي واستراتيجية بناء الذات وسردها، مجلة الباحث الإعلامي، كلية الإعلام، جامعة بغداد، العدد 18 السنة 2013، ص 93-73
الملخص:
اهتم البحث العلمي بالمدونات الإلكترونية لدورها في ممارسة الديمقراطية في المنطقة العربية، من جهة، ولاعتبارها وسيلة إعلام بديلة تعمل على ضمان حرية التعبير وتطويرها من جهة أخرى. وتجاهل مكانتها في الحقل الاجتماعي والثقافي.
يحاول هذا البحث أن يكشف عن الأبعاد الاجتماعية والثقافية للفضاء التدويني في المنطقة العربية من خلال تحليل استراتيجية المدونات الإلكترونية في بناء الذات وسردها. ولهذا الغرض قام بجملة من المقابلات مع المدونين. وحاول أن يقترب سيمائيا من شكل المدونات ومضمونها. وسعى إلى تحدد تأثير العلاقات الاجتماعية القائمة في الواقع اليومي على الفضاء التدويني.
الكلمات المفتاحية: الفضاء التدويني، وسائل الإعلام الجديدة، بناء الذات، السيرة الذاتية

The Arab Blog Sphere and the Strategies of Building the Self.

Basically, media studies focused on the important role of the blogs in boosting the democratic process in the Arab States. Blogs also worked on creating an alternative media for the public that maintained freedom of expression
However, media studies ignored the status of the blogs in the social and cultural fields.
The current study tries to tackle the socio-cultural dimensions of the blogs by means of showing how the blogs construct the self. The researcher is going to conduct interviews with the bloggers. He will also carry out a semiotic analysis that may reveal the strategies used by the bloggers. Besides, he tries to identify the realistic and traditional frames in which the social relationships are built and developed by means of these blogs.
Key Words: blogsphere, new media, Building the Self, diary
النص الكامل:
http://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&aId=68846-

9- الشباب الجزائري والتهميش الإعلامي وأساليب الالتفاف عليه، كتاب باحثات، صادر عن تجمع الباحثات اللبنانيات في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد 15، سبتمبر 2012
ملخص:
يشعر الشباب الجزائري بتهميشهم أو إقصائهم من وسائل الإعلام الجزائرية الرسمية، وبقلة حضورهم في الصحف الجزائرية التابعة للقطاع الخاص نتيجة توجهها التجاري، وانشغالها المفرط بالصراع حول السلطة بين مختلف القوى السياسية ودوائر النفوذ في الجزائر. هذا الشعور دفعهم إلى البحث عن البديل الاتصالي والإعلامي للتعبير عن ذاته وانشغالاته.
إن التفكير العلمي في هذا البديل وتشخيصه يتطلب البحث في المستويات المتداخلة الأربعة التالية، وهي:
1- الاقتراب من البناء الاجتماعي لمفهوم الشباب في السياق الثقافي والاجتماعي الجزائري.
2- تحديد معنى التهميش أو الإقصاء الاجتماعي نظرا لأن التهميش الإعلامي هو إحدى تجليات التهميش الاجتماعي.
3- التهميش الإعلامي الذي عاني ويعاني منه الشباب الجزائري و إطاره النظري وآلياته
4- أشكال الالتفاف على هذا التهميش أو إستراتجية البديل الاتصالي والإعلامي.
إن دراسة هذه المستويات يتطلب قراءة سوسيو سيمائية للمواد الإخبارية التي أنتجتها وسائل الإعلام المختلفة، خاصة التلفزيون. لكن لماذا المواد الإخبارية؟ ولماذا سوسيو سيمائية؟
للإجابة عن السؤال الأول يمكن القول أن العديد من البحوث حاولت استجلاء علاقة الشباب بوسائل الإعلام من خلال عملية التأثير التي كشفت عن حدودها العلمية، وذلك لتوجه جزء كبير منها لاستنباط هذا التأثير من خلال متابعتهم لهذا البرنامج الإذاعي والتلفزيوني أو ذاك. وبهذا يبرز التأثير كتحصيل حاصل لفعل شرطي وحيد، وهو المشاهدة أو الاستماع. ومن النادر أن نعثر على دراسة في المنطقة العربية تحاول أن تبحث عن الوجود الفعلي أو الرمزي للشباب من خلال الأخبار، على غرار ما فعل ماكسيم دووي Maxime Douet في مصفوفة قراءته لمعالجة قضايا الشباب في الإعلام التلفزيوني الفرنسي.
لقد قام الباحث بتطوير هذه المصفوفة بما يتناغم مع السياق الجزائري. وذلك لأن المادة الإخبارية تبنى وفق سلم من التمثلات Representation للشباب والمجتمع ووسائل الإعلام. لذا نعتقد أن المقاربة السيوسيو سيميائية تسمح للباحث بتفكيك أفضل للإيديولوجية الرسمية التي تتجلى في الخطاب الإعلامي الحامل لهذه التمثلات. هذا مع العلم أن فاعلية هذه المقاربة تشترط تنزيل السيمولوجية إلى أرضية اجتماعية حتى تتحرر من عملية بناء المعنى أو تشكيله من داخل النص الإعلامي فقط، ومن قوته المحايثة.
لهذا الغرض اختار الباحث عينة عشوائية منتظمة من نشرات الأخبار المصورة المركزية التي بثها التلفزيون الجزائري على الساعة الثامنة بعد الزوال خلال الفترة الممتدة من 19 / 6 إلى 20/7 /2011 ، وشكل منها أسبوعا اصطناعيا بحيث يضمن ظهور مختلف أيام الأسبوع في العينة المدروسة .
لقد سمح لنا تحليل نشرات الأخبار، وبرنامجين تلفزيونين قام التلفزيون الجزائري ببثهما من أجل استقطاب الشباب، وهم: قصر الأبطال، و” جيل الشباب” باستنتاج مجموعة من الأشكال التي سعى التلفزيون الجزائري من خلالها إلى تهميش الشباب في الفضاء الإعلامي الرسمي. وعلى أسس هذه الأشكال حدد هؤلاء الشباب إستراتيجية الالتفاف على هذا التهميش، والبحث عن البديل الاتصالي والإعلامي.
إن فهم هذا البديل بشكل علمي يتطلب عدم فصله عن الأشكال الثقافية التي يعبر من خلالها الشباب عن وجوده والتي قام هذا البحث باستعراضها. وربطه باستملاك Appropriation الشباب لأدوات التواصل الاجتماعي التي رسختها تطبيقات الواب 2 Web .
الكلمات المفتاحية:
التهميش الإعلامي، الإقصاء الاجتماعي، الشباب، التمثل Representation ، الاستملاك Approriation، الشعبوية، صحافة المواطن Citizen Journalism

10- المواقع الإلكترونية للفضائيات العربية في شبكة الانترنت بين الدواعي والتداعيات، مجلة ” المعيار” بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة – الجزائر، عدد 25- سبتمبر 2012
ملخص:
تسعى هذه الدراسة إلى البحث عن الأسباب التي أدت إلى توجه القنوات التلفزيونية العربية إلى إنشاء مواقع لها في شبكة الانترنت، والنتائج المترتبة عنها على صعيد صياغة هوية Identity القناة وتمثلها Representation لجمهورها. وهذا من خلال تحليل محتوى عينة من مواقع هذه القنوات، والكشف عن الملامح السوسيو- ديمغرافية لمستخدمي مواقعها.
وتكمن أهمية هذه الدراسة في أن التنافس بين القنوات التلفزيونية العربية لكسب أكبر عدد من الجمهور لم يعد مقتصرا على البث الفضائي فقط، بل امتدت إلى حضورها في شبكة الانترنت وما توفره من أشكال جديدة للتواصل مع الجمهور.
الكلمات المفتاحية: التلفزيون، الهوية، التمثل، الجمهور، التفاعل.

Abstract :

The Internet Arab TV Channels:
A critical analytical study of the uses & consequences
Dr Nacer-Eddine Layadi, Associate professor, Sharjah University

The current study endeavors to seek for the reasons that led to setting up the Internet websites of the Arab TV channels. The researcher aims also to examine the consequences of launching these websites on the identity of the channels and the representation of the audience.
The research utilizes a content analysis method to figure out the socio-demographic characteristics of the users of these channels.
The importance of the study stems from the competitive attitudes of the said channels to attract not only the TV satellite channels’ viewers but also the online users. Hence, this would represent a new form of communicating with the audience.
Key words:
Television, representation, interactivity, Identity

11-الشباب في دولة الإمارات والانترنت، المجلة العربية لعلوم الإعلام، المملكة العربية السعودية، عدد 8 ابريل 2012
ملخص
يتناول هذا البحث موضوع استخدام الشباب في دولة الإمارات العربية المتحدة للانترنت وتمثّلاتهم لها. وقد اعتمد على عينة تمثيلية من الشباب بغية الكشف عن أوجه استخدام التطبيقات التي تتيحها. وفهم مدى التوافق والاختلاف في هذا استخدام، وذلك انطلاقا من الافتراض الذي مفاده أن امتلاك الأداة التقنية لا يؤدي بالضرورة إلى توحيد استخدامها آليا، بل تتدخل فيه مجموعة من المتغيرات الاجتماعية والثقافية.
ويؤكد هذا البحث أن استخدام الانترنت مرتبط إلى حد كبير بما تمثّله للشباب. وضمن هذا التمثّل يسعى هذا البحث إلى الإجابة عن العديد من الأسئلة، لعل أبرزها، هي: هل تعمل شبكات التواصل الاجتماعي الافتراضيةNetworks Social على تشكيل علاقات اجتماعية جديدة في وسط الشباب في دولة الإمارات أو أنها تعيد إنتاج العلاقات الاجتماعية القائمة، وتوسع انتشارها فقط؟
الكلمات المفتاحية:
شبكات التواصل الاجتماعي، الاستخدام، التمثل، العلاقات الاجتماعية، الشباب، البنائية

Youth in the United Arab Emirates and the Internet: A representation and Uses Approach
Dr Nacer-Eddine Layadi, associate Professor , Sharjah University

Abstract:
This study looks at the use of Internet by youth in the United Arab Emirates and their representation of it. The researcher used a representative sample of youth to discover the applications provided by Internet, and to understand what are the compatibilities and the differences in using them, assuming that owning the technological device doesn’t lead automatically to unifying and automating the use of applications, because of the intrusion of a score of social and cultural variables. This paper argues that the use of Internet is linked to a large extent to what it represents to the youth.
Within this representation, this paper attempts to answer several questions, the most important of them are: Do virtual social networks build new social relations among youth in the United Arab Emirates? , or do they reproduce existing social relations, and extend its expansion?
Key Words: Social networks, use, representation, social relations, youth, constructivism.

12- رهانات تدريس الأنواع الصحفية في المنطقة العربية في ظل الشبكات الاجتماعية الافتراضية، مجلة جامعة الشارقة للعلوم الاجتماعية والانسانية، المجلد 8، العدد 2، يونيو 2011، ص ( 87-139)
ملخص:
يستعرض الباحث تجربة بعض أقسام الإعلام وكلياته ومعاهده في المنطقة العربية في مجال تدريس الأنواع الصحفية Journalistic Genres من ناحية المضمون، والمدة الزمنية، وطرق التدريس.
وحاول أن يكشف عن حدود هذا التدريس من ناحية تناسق مساقاته عبر مراحل التعليم الجامعي، وغياب بعض الأنواع الصحفية في الخطط الدراسية ، وبيّن الحدود المعرفية في هذا التدريس على ضوء التغييرات الكبرى الذي يعيشها عالم الإعلام والاتصال ، والتي طرحت الكثير من التساؤلات عن هوية الصحافي ودوره، و مكانة الجمهور المشارك بفاعلية في العملية الإعلامية التي تتسم بالتفاعلية، والتغيير الحاصل في مفهوم النص الصحفي وأشكال بنائه.
لقد سعت أقسام الإعلام وكلياته ومعاهده في المنطقة العربية لتلبية حاجات سوق العمل من خلال ربط البعدين النظري والعملي في تعليم الصحافيين. هذا ما يثبته تزودها بمختبرات المكنتوش واستوديوهات الإذاعات والتلفزيون. لكن هذا المسعى يظل يعاني من عدة نقائص منها، هشاشة التعاون بين الأكاديميين والمهنيين في مجال تعليم الصحافيين من جهة، وسقوط مؤسسات التعليم الجامعي في الامتثال، بمعنى أنها تعيد إنتاج قوالب الكتابة الصحفية ذاتها، وكأنها قوالب جامدة لا تتطور بتطور متغيرات العمل الإعلامي، كما تكشف عنه الممارسة الإعلامية الحديثة في العالم وفي المنطقة العربية ذاتها.
و يبرهن الباحث على أن تدريس الأنواع الصحفية تحول في بعض أقسام الإعلام وكلياته في المنطقة العربية إلى مسألة تقنية أو شكلية. لا يستفيد من الزاد المعرفي في مجال سوسيولوجية وسيميولوجية الإعلام والاتصال، واقتصاد المؤسسات الإعلامية، وفلسفة الاتصال في ظل الشبكات الاجتماعية في الانترنت.
الكلمات المفتاحية: النوع الصحفي، الأنواع الإخبارية، الأنواع الصحفية الفكرية، البراديغم الصحفي، الحقل الصحفي، النص.

The challenges of teaching Journalistic Genres between the stability and the change

ABSTRACT:
The researcher aims to study the experiments of some mass communication departments and colleges in the Arab countries in the pedagogical of the journalistic genres in terms of content, span of time, and teaching methods.
Based on the previous, the researcher tries to identify certain parameters of the college level education. For example, there is a need for examining the journalistic genres in the curriculum plans. Also, there is need for figuring out the epistemological boundaries in the educational process and how does this relate to the new changes in the field of mass media studies. Other areas of inspection include the: identity of the contemporary journalist, interactivity, and the changing nature and structure of the journalistic text.
.Even though many of the media schools and departments try the best to supply the market with well-trained media personnel, still many obstacles appear recurring in the field. First, there is no reciprocal cooperation between scholars of communication and media studies on the one hand and professional media personnel on the other hand in educating journalists. Second, many of the schools and departments of media studies do not offer innovative courses that meet the requirements of new media organizations in the Arab World.
Thus, the researcher demonstrates that the teaching of journalistic genres became a technical issue that benefits neither the scientific contributions of sociology and semiotics of mass media or the philosophy of communication in the age of social networks.

Key Words: Journalistic Genres, Informative Genres, Editorial Genres, Journalistic Field, text, Journalistic Paradigm

النص الكامل على الرابط:

http://www.sharjah.ac.ae/ar/Media/Publications/JournalHSS/Pages/v8.aspx
13- فضاء عمومي أو مخيال إعلامي: مقاربة نظرية نظرية لتمثَل التلفزيون في المنطقة العربية، نشر في حولية الأداب والعلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، عدد 336، مجلد 31، يونيو 2011 ( ص 7- 125)
ملخص :
يستعرض هذا البحث مصادر مفهوم الفضاء العمومي، و استخداماته المختلفة في العلوم الاجتماعية منذ أن بيّن الفيلسوف الألماني يوغن هبرماس أهميته في تطور الحياة السياسية والثقافية في الدول الديمقراطية، في الستينيات من القرن الماضي.
ويحاول أن يبين الحدود الابستمولوجية لهذا المفهوم في العصر الحالي، والتي كشف عنها التطور الرهيب لوسائل الاتصال، سواء الجماهيرية أو الفردية، والتحولات الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى التي أثرت على الفعل السياسي و العلاقات الاجتماعية فمحت الحدود بين الحياة الخاصة والعامة في المجتمعات الديمقراطية.
إن النقد الذي وُجه إلى مفهوم الفضاء العمومي، كما حدده الفيلسوف الألماني يوغن هبرماس، يرتكز على القراءة المثالية لدور الفضاء العمومي في الديمقراطيات الحديثة، التي تضخم دور العقل والحجة في تطوره، وتنكر مساهمة أشكال الخطب غير الجدالية والعقلانية، القائمة على السرد والأسطورة، في تشكل الفضاء العمومي. وتراه في صيغته الفريدة والمركزية، وتعتبره ظاهرة عقلانية. وتغفل، بالتالي، دور الفضاءات العمومية الشعبية.
ويتساءل هذا البحث عن إمكانية الحديث عن وجود ” فضاء عمومي في المنطقة العربية في ظل هشاشة أو غياب العناصر الأساسية التي شكلته، مثل: المجتمع المدني، والمواطنة، والحرية والديمقراطية، والمشاركة السياسية، والخدمة العمومية في مجال الإعلام، والفصل بين ما هو خاص وما هو عام. وعلى ضوء هذه الحقيقة يقترب هذا البحث من رهانات الحديث المجتر عن فضاء عمومي عربي ليستجلي أثارها على الخطاب العلمي عن التلفزيون في المنطقة العربية وتمثُلاته التي ظلت أسيرة الخطاب اليقيني المهيمن، الذي يمنح للتلفزيون قوة وسلطة نادرا ما تناقش بشكل علمي.
ويستعرض هذا البحث جملة من الحجج التي ترافع لصالح استعمال مفهوم” المخيال الإعلامي” وتبيّن أنه الأصلح للتعبير عن ما يعتقد أنه فضاء عمومي في السياق الثقافي والسياسي العربي عبر الكشف عن كيفية تدخل المواد التلفزيونية المختلفة القائمة على السرد الإخباري أو الدرامي في تشكيل المخيال الإعلامي.
الكلمات المفتاحية: الفضاء العمومي، المجتمع المدني، المواطنة، الخدمة العامة، المخيال الإعلامي، التمثل، الرأي العام، السرد، الأسطورة، التوسط

Public space or imaginary media?
Theoretical approach to the representation
of television in the Arab world.

Abstract:

This study attempts to identify sources of the concept of public space since the time of the “philosophy of enlightment”. The concept has been used in the social sciences since the German philosopher Habermas Jurgan has demonstrated its invaluable role in the rise of modern democracies.

This study highlighted the epistemological limits of this concept revealed by the evolution of means of mass and individual communication and economic transformations that have changed social relations and political action in modern societies, erasing the boundaries between public and private life.
Critics including the public space, as defined by Habermas, have been the subject that focused on the following:
(1): the idealization of the role of public space that will privatize more in modern democratic societies;
(2): overestimation of the contribution of rational discourse in its training, as (3): failure of other forms of popular public spaces based on non-discursive discourse (narrative, myths), which equates the only public space central to a rational phenomenon.
This study questions the validity of the concept of public space in the Arab world in light of the fragility, if not the absence of certain constituent elements, such as: civil society, citizenship, participation policy in managing the city, freedom and democracy, the public service in the media sector, and the separation between the public and private sectors.

This study concluded that the concept of public space is more ideological than scientific in the Arab world. This is why it prefers to use the concept of “imaginary media” which can be operational within the Arab cultural and political context. To achieve this, it retraces the context of development of television channels in
the Arab world and analyzes the contribution of rational and emotional discourses which illustrated clearly through the narration, in the rise of this “imaginary media” and its challenges.

Key-words: public space, Civil Society, citizenship, public service, imaginary media, representation, public opinion, narration, myth, mediation.

14-البحث عن العلاقة بين المدونات الالكترونية والصحافة، مجلة ثقافات، كلية الآداب بجامعة البحرين.، عدد 24، يونيو 2011 ص( 133-165)
ملخص:
تحاول هذه الدراسة أن تستجلي العلاقة بين الصحافة والمدونات الإلكترونية بعيدا عن منطق النهايات الذي وجه العديد من البحوث الاجتماعية، بما فيها بحوث الإعلام والاتصال، وبمنأى عن النظرة الإقصائية التي لا ترى مستقبلا للصحافة في ظل تطور المدونات وازدهارها.
إن الاكتشاف المعرفي لطبيعة هذه العلاقة يشترط استبدال المنظور Paradigm الذي نقرأ عبره التحولات التي تعيشها الصحافة في الحاضر والمستقبل. فإذا كان من الصعب أن نسحب ماضي الصحافة على واقعها ومستقبلها، فمن الأصعب أن نستخدم المنظور القديم لفهم ما تعيشه الصحافة من تطورات. وذلك لأن الصحافة ليست معطى مجردا، ولا كائنا جامدا. إنها شكل ملموس وديناميكي يتفاعل مع الايكولوجيا الجديدة التي فرضها الإعلام الجديد، الذي يعد افرازا لتطور تقني واجتماعي يتسم باستشراء التكنولوجية الرقمية بمختلف تطبيقاتها واستتباعاتها في عالم الإعلام والاتصال.
إن الصحافة عبارة عن بناء اجتماعي يتجلى عبر تطور الممارسة في مختلف مستوياتها. هذه الحقيقة تفرضها المقاربة البنائية للصحافة كخطاب، وكمؤسسة اقتصادية وسياسية، وكحزمة من العلاقات الاجتماعية.
إن المقاربة البنائية لتطور الصحافة قربت الباحث من رصد أنواع المدونات ومقاصدها، وإستراتيجية استخدام وسائل الإعلام المختلفة لها في الدول الغربية.
كما أن هذه المقاربة قدمت بعض العناصر التاريخية والثقافية والسياسية الكفيلة بتفسير ضعف التفاعل بين الصحافة والمدونات الإلكترونية في المنطقة العربية.
الكلمات المفتاحية:
صحافة، المدونة الإلكترونية، الخطاب، البنائية الاجتماعية، المنظور Paradigm

Blogs and Journalism

Abstract

The current study theoretically endeavours to sketch out the future of journalism within the emerging frames of the new of the new media. Based on this, the researcher has already developed the following core questions:

How can communication researchers forecast the justifiable future of journalism apart from its abstract concept?

Can scholars conceive of the present day journalism as they did before using the traditional paradigm?

Is it viable to trace the power of relationship between the blogs and the present day journalism irrespective of any sort of denial or exclusion?

Are the blogs inducing any sort of effect on the present day journalism even though blogging is still technologically not sophisticated, and so on the cultural and ontological levels?

To answer all these questions, there seems to be a need for looking after the consequences of blogging in accordance with the journalistic paradigm.

Hence, the journalistic paradigm enables communication scholars to trace back the development of the press over 400 years. In the mean time, scholars will find themselves confronted with the fact that journalism over the long history is not a static genre. However, it looks renovating itself. In addition, it becomes evident that the present day journalism is different from blogging in many different ways.

Actually, constructivism has led to the emerging development of the “journalistic paradigm.” It intensifies that journalism as a genre is not a socio-cultural or political phenomenon; however it is an open system that is institutionally teeming up with functions, discourses, and ideas.

Finally, the current study concludes that there seems to be a sort of difficulty in terms of the reciprocal interaction between the genre of journalism and blogging especially in the Arab arena but not in the Western one.

Key words:
Journalism, Blog, discourse, paradigm, social constructivism

15-الاتصال والسيمئيات: استراتيجية بناء المعنى، مجلة الباحث الاجتماعي، كلية العلوم الاجتماعية، جامعة منتوري، قسنطينة، الجزائر، عدد 10 سبتمبر 2010، ص ( 39-68)
ونشر بمجالة الاتصال والتنمية، مجلة بحثية محكمة، تعنى بشؤون الاتصال والتنمية في المجال العربي، تصدر عن المركز العربي لبحوث الاتصال والتنمية ( ACCDR) ودار النهضة العربية، العدد الأول، 2010
ملخــص:
بدأت الدراسات الاتصالية والإعلامية تنأى عن الإشكاليات المرتبطة بتأثير وسائل الاتصال الجماهيرية أو الفردية، وبدأت تتجه أكثر للاهتمام بإشكالية معنى ما تقدمه هذه الوسائل. فإدراك ماهية الاتصال ورهاناته لم تعد محصورة في المستوى البسيط، والمتمثل في تبادل المعلومات والرسائل بين المرسل والمتلقي، وحتى في اقتسامها، بل أصبح يرتبط بإنتاجهما للمعنى من الرسائل، والرموز، والصور، والتجارب المتبادلة بينهما.
تحاول هذه الدراسة مساءلة البنيوية والسيميائية من زاوية مساهمتهما في إثراء النقاش حول الاتصال وإنتاج المعنى.
لتحقيق ذلك قامت هذه الدراسة بتعريف البنيوية والسيميائية، وتقديم مفاهيمهما المشتركة، مثل: الكلام/ اللسان، والدال/ المدلول، التزامني/ التعاقبي، العلامة/المرجع. وبيّنت الآليات التي توظفاها لاستخراج المعنى انطلاقا من أسس فلسفية مختلفة.
وانتهت إلى التأكيد أن البنيوية والسيميائية لم تفلتا من المشاكل الكلاسيكية التي عانت منها العلوم الاجتماعية، والمتمثلة في العلاقة النظرية القائمة بين الذات كفاعل والبُنى الاجتماعية.
وتساءلت هذه الدراسة عن فرص توظيف المكتسبات العلمية للبنيوية والسيميائية لإثراء نظريات التلقي في دراسات علوم الإعلام والاتصال.

الكلمات المفتاحية: البنيوية، البنية، السيميائية، اللسان، الكلام، التزامن، التعاقب، الدال، المدلول،العلامة، المرجع النص، السياق، الخطاب،

Communication and Semiotics:
Strategies for creating meaning

Abstract

Indeed, media and communication studies started to focus on the meanings produced by the mass media rather than studying the effects of mass or self communication processes.

Basically, the essence of the communication process does not still exist in the old paradigm of sender-receiver but rather extends to the production of meanings, symbols and images. All of these intermingle to produce reciprocal experiences.

The current study reconsiders the role of structuralism and semiotics in consolidating the discussion around communication and meaning production.

Many concepts have been operationally defined like: language/speech, signified/signifier, and synchronic/ anachronistic, Sign, Referent

Furthermore, mechanisms have been to extract meaning out of the diverse philosophical principles.

Results showed that structuralism and semiotics did not evade from the same problems that faced the social sciences as represented in the relationship of the social actor and the overall social system.

The current study proclaimed that there are possible chances to incorporate structuralism and semiotics in theoretical reception research in media and communication studies.

Key words: Structuralism, Structure, Semiotics, Language, Speech, Signified, Signifier, Synchronic, Anachronistic, sign, referent, Text, Context, Discourse

النص الكامل:

النقر للوصول إلى 03%20layadi.pdf

16- الرهانات الابستمولوجية والفلسفية للبحث الكيفي: نحو آفاق جديدة لبحوث الإعلام والاتصال في المنطقة العربية “، مجلة شؤون اجتماعية، مجلة علمية محكمة، تصدر عن الجامعة الأمريكية بالشارقة، وجمعية الاجتماعيين والاقتصاديين بالإمارات، عدد 107، 2010

الملخص:
أعتاد البحث العلمي في مجال العلوم الاجتماعية والانسانية أن يفكر من خلال المنهج، بينما تحاول هذه المداخلة أن تفكر في المنهج، لأنها تعتقد أن القيمة المعرفية المضافة تتوقف، أساسا، على عمق التساؤل والتفكر في المنهج أولا.
إن النقاش النظري والمعرفي الذي دار بين مناصري المذهب الكمي والنوعي في الستينيات من القرن الماضي، قد تجدد في مطلع هذا القرن على ضوء تطور الأطروحات التي صاغها أصحاب النموذجين التفسيريين Paradigms : الوضعي Positivism والبنائي Constructivism . وأزداد حيوية بعد أن اتسع نطاق استخدام وسائل الاتصال الجديدة.
لقد وضعت هذه الوسائل، عبر مسار ديناميكتها، العديد من القضايا المتعلقة بالاتصال والإعلام، والعلاقات الاجتماعية والثقافية الفعلية والافتراضية ، والفضاء الرمزي، ومختلف التمثلات Representations للعُدّة التكنولوجية التي تتوسط مستخدميها موضع تساؤل علمي. فأرغمت علوم الإعلام والاتصال على توسيع مجال إشغالاتها، وتطوير إشكالياتها المعرفية، وتنويع ومقارباتها المنهجية التي آلت إلى توجيه النقاش الأكاديمي ليتجاوز شكلانية مناهج البحوث ويصب في جوهرها.
يدعو هذا البحث إلى مُساءلة الأسس الفكرية والابستمولوجية للمنهج الكيفي، كمقاربة منهجية مركزية في البحوث العلمية حول وسائل الاتصال الحديثة، ويستدعي التفكير في أدوات البحث والقياس في البحث العلمي، ومفهوم الموضوعية والحياد، والرؤية للقيم والأحداث، وغائية البحث العلمي في حد ذاته.
تؤكد هذه المُساءَلة أنه لا يمكن أن تبلغ مقصدها الابستمولوجي ما لم تقم بتفكيك بعض الثنائيات التي طبعت الفكر الاجتماعي، والتي نذكر منها: التأمل / الفعل أو الممارسة، النظرة للظاهرة الإعلامية أو الاتصالية من داخلها / والنظرة لها من خارجها، والموضوعية / الذاتية، وغيرها من الثنائيات.
ويختتم هذا البحث بالتفكير في الأسباب الكامنة وراء الاستخدام المحدود للمنهج الكيفي في بحوث الإعلام والاتصال الحديثة في المنطقة العربية، وعن رهاناتها المعرفية والفكرية، في ظل تزايد البحوث الكمية التي تحاول أن تدرس التبعات الاجتماعية و السياسية والثقافية و الإعلامية للتكنولوجيا الحديثة في كل دولة عربية أو في المنطقة العربية ككل.
الكلمات المفتاحية: المنهج الكيفي /المنهج الكمي / البنائية الاجتماعية / الموضوعية والحياد /المشاركة والفعل.

The Epistemological and Philosophical Aspects of the Qualitative Method: Towards a new Perspectives in Media
and Communication Research in the Arab World.

ABSTRACT

We deal with certain problematic of communication using a specific methodology. This study suggests reconsidering the different approaches related to this methodology.
In order to reach a global methodology, the philosophical and epistemological foundations of the use of both quantitative and qualitative methods, must be explained and assessed. Furthermore, the study will help us to understand better the ambitions and the limitations of the current quantitative methods in media and communication research.
The paper proposes some analytical approaches to the qualitative method used in conducting media and communication research. It also highlights the drawbacks of representation, appropriation, and the use of new media in the Arab World.
Keywords:
Quantitative method, qualitative method, constructivism, positivism, Representation, appropriation, usage

النص الكامل:
http://www.nmconf.uob.edu.bh/download/arabic_articles/ 01.pdf

17- وسائل الإعلام واستراتيجيات البناء الاجتماعي للأزمات
د. نصر الدين لعياضي، مجلة الحكمة عدد 6- 2011

ملخص:
تحاول هذه الدراسة أن تساهم في النقاش النظري الذي أحتد منذ أكثر من أربعة عقود، حول موقع البنائية في العلوم الاجتماعية، من خلال استعراض أشكال تمثل represention الواقع في وسائل الإعلام، والاستراتيجيات المختلفة التي توظف لهذه الغاية.
لقد بينت البحوث العلمية أن تحليل الخطاب لا يهتم بالكلمات في حد ذاتها بقدر اهتمامه بالإستراتيجية التي توظفها التي تتجلى عبرها عملية بناء الواقع.
في هذا الإطار النظري يتسأل الباحث عن الآليات التي تستند إليها وسائل الإعلام المختلفة في البناء الاجتماعي للأزمات، متخذا من حالتي: فيروس H1N1 والكارثة البيئية التي جرت في خليج المكسيك في أبريل 2010 نموذجا لتحويل الحدث إعلاميا إلى أزمة، وتحجيم الأزمة وتصغيرها إعلاميا لتتحول إلى حدث.
الكلمات المفتاحية:
الحدث، الأزمة، التمثل، الوساطة، الخطاب.
Abstract:
Mass Communication Strategies and the Social Construction of Crises
This study endeavors to discuss the long term debate around the status of social construction in the field of social sciences. It does so by tackling the representation of the reality in mass media and the means used to do this.
Research studies showed that discourse analysis not only considers the words but also hits the strategies that are used to build the reality.

By using the theoretical framework, the researcher aims to study the mechanisms used by the mass media to socially construct the crises. The case studies of the H1N1 and the BP environmental issue that took place are two models that could be studied within the paradigm of media and crisis.
Key Words:
Media Event – Crisis -Representation- Mediation- Discourse

مقدمة:
تختلف الدراسات الخاصة بالعلاقة بين وسائل الإعلام والأزمات حسب منطلقات الباحث أو الدارس ورؤيته لها. فإذا كان ينطلق من موقع المسؤول في المؤسسة المعنية مباشرة بالأزمة ( رجل العلاقات العامة، مدير عام، مدير تنفيذي، مسؤول سياسي سام) فإنه ينشغل بمسألة إدارتها. ومن هذا المنطلق يعتبر وسائل الإعلام خشبة النجاة من الأزمة أو وسيلة لتسويتها. أما إذا كان ينطلق من وسائل الإعلام للحديث عن علاقاتها بالأزمة فإنه ينظر إليها كشريك في حدوثها أو كمسؤول عن حدوثها ففي هذه الحالة لا ينظر لوسائل الإعلام كوسيلة لحل الأزمة بل كجزء أساسي من الأزمة.
إذا كان المنطلق الأول لم يثر أي نقاش ماعدا بعض الاعتراض عن اختصار وسائل الإعلام في الأداة التقنية التي تساهم بفاعلية في حل الأزمة وتسويتها، فإن المنطق الثاني يطرح الكثير من النقاش المتعلق بعلاقة وسائل الإعلام المعقدة، وحتى والمتعارضة، بالأزمات، والتي تحيلنا إلى النقاش حول علاقة وسائل الإعلام بالواقع، والذي لخصه عالم الاجتماع لويس كيري Quéré, Louis فيما يلي: ( إن الواقع الذي تطلعنا عليه وسائل الإعلام يحمل طابعا متناقضا. لأنه انعكاس للواقع وبديلا لمرجعيته في ذات الوقت، أو يقوم مقامها. فوسائل الإعلام تبدو أنها تعيد إنتاج الواقع بينما تقوم بتشكيله قطعة قطعة، ليملك مظاهر صورة طبق الأصل للواقع و يشكل تمثلا له في آن واحد.)
يُعّد هذا النقاش في جوهره امتدادا للجدل الكلاسيكي الذي طبع الفكر الفلسفي الغربي بين الاتجاهين الوضعيPositivism والبنائيConstructivism حول وسائل الإعلام ودورها في المجتمع، حيث نجد صداه في العديد من البحوث التي تبنت مفردات حديثة نابعة من منظومة مفاهيمية جديدة للكشف عن الرؤية لوسائل الإعلام في تصورها للعديد من الظواهر والقضايا الاجتماعية.
نعتقد أن هذا النقاش لم ينطلق بعد في المنطقة العربية. فرغم بعض المحاولات التي حاولت التفكير في وسائل الإعلام بعدة مفاهيمية جديدة، إلا أن جل الدراسات الإعلامية تنطلق بشكل صريح أو ضمني من تصور جاهز بأن وسائل الإعلام تعكس الواقع وتعبر عنه، ولا تعيد تشكيله، وإن كان بعضها ينفي هذا الانعكاس لاعتقاده بأن وسائل الإعلام تزور الواقع من باب التضليل والدعاية. وبهذا فإن هذا النفي لا ينزاح عن حقيقة الواحدة والوحيدة التي تؤكدها الثنائية التالية: إما أن وسائل الإعلام تعكس الواقع بشكل دقيق أو أنها تتنكر له. إنها الحقيقة التي تلتزم الصمت تجاه السؤال التالي: كيف تدرك وسائل الإعلام حتى تطابق بينها وبين الصورة التي تنقلها عنه أو تحرفها؟
إذا، هذا البحث لا ينطلق من الافتراض الذي مفاده أن وسائل الإعلام تفبرك الكثير من الأزمات دون أن يكون لها أي وجود فعلي في الواقع. وهو الافتراض الذي يلقى رواجا كبيرا في الأوساط التي تتهم وسائل الإعلام بتسليع الخوف الذي يعد الشرط الأساسي لإدراك الأزمة، لأنه تحول إلى وسيلة للترويج لوسائل الإعلام ورفع شعبيتها ، وأصبح أداة من أدوات التحكم السياسي في العصر الحالي.
إن هذا البحث ينطلق من أن الأزمات هي نتاج لعدة مرجعيات فعلية وواقعية، أي موضوعية التي تحولها وسائل الإعلام لدى الجمهور إلى تمثل رمزي للواقع، وتمنحها، بالتالي، بعدا ذاتيا.
على هذا الأساس يحاول هذا البحث أن يدرس العلاقة بين وسائل الإعلام والأزمات من منظور النظرية البنائية. وبهذا فإنه يشكل امتدادا للدراسات التي اهتمت بتمثل الواقع في وسائل الإعلام وقيام وسائل الإعلام بالوساطة بين جمهورها والواقع.
إشكالية البحث:
هل يمكن التمييز بين الحدث والأزمة؟ نعم يجيب الكثير من الباحثين عن هذا السؤال، لكنهم يستدركون إجابتهم بالقول على الصعيد النظري على الأقل، لأن الإجابة على الصعيد العملي تبدو في غاية الصعوبة، فإضافة إلى العاملين: السياسي والثقافي، تتداخل العديد من العوامل وتضغط لتحجيم بعض الأزمات وتحويلها إلى مجرد أحداث Facts أو تتضافر لتحول الحدث إلى أزمة Crisis.
فالتخريج الإعلامي للأحداث، وطريقة تأويلها بإعادة تشكيل عناصرها من خلال طبيعة تدريمها ( أي تحويلها إلى مادة درامية) استجداءً للعاطفة، ولدفع الجمهور لاستملاكها ( أي الإحساس القوي بأنه معني بها وأن مصيره ومصالحه مرتبطة بها) من خلال سرعة بث وتوزيع المادة الإعلامية المتعلقة به، واختراقها للمسافات والثقافات، كلها مؤثرات تكشف عن تمثل وسائل الإعلام للأزمات.
إذا توسط وسائل الإعلام للأزمات لم تعد مثار جدل علمي لأن البحوث قد أقرت بأنها تجري على المستويات الثلاثة: الموضوعي، والذاتي والرمزي ، لكن السؤال الذي يثار هو كالتالي: هل تستخدم الاستراتيجيات ذاتها إزاء كل الأحداث وتترك المجال للجمهور وحده للإدراك بأن ما تعرضه وسائل الإعلام من خطب يدل على أزمة فعلية أم أنه حدث عابر؟ إن الإجابة على هذا السؤال تدفعنا إلى التحديد المعرفي لما هي الأزمة، ثم التطرق إلى تمثلات وسائل الإعلام لها، وأخيرا استراتيجيات بنائها والتي نحاول استقراءها من خلال تصور وسائل الإعلام لفيروس H1N1 والكارثة البيئية التي جرت في خليج المكسيك التي انجرت عن تسرب النفط لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر في الصيف الماضي.
تساؤلات البحث:
1) ما هي الأزمة، وكيف يمكن تميزها عن الحدث؟
2) كيف تعمل وسائل الإعلام المختلفة لبناء الواقع من منظور البنائية الاجتماعية؟
3) كيف تتمثل وسائل الإعلام المختلفة الأزمات، وتتدخل لتحجيم بعضها أو النفخ في الأحداث لتحويلها إلى أزمات؟
4) ما هي الاستراتيجيات التي تبنتها وسائل الإعلام في الإعلام لفيروس H1N1 والكارثة البيئية التي جرت في خليج المكسيك في أبريل 2010؟
ما هي الأزمة؟
يقول الباحث ولف دينر إبروين Wolf-Dieter Eberwein أن صياغة المفاهيم هي القاعدة الأساسية للبناء النظري للبحث، وتدقيق العبارات ضروري لتعيين الظواهر التي نسعى إلى وصفها وشرحها.
يتفق الباحثون على الكلمة الأجنبية Crisis ذات أصول يونانية، فهي مشتقة من krisis والتي تدل على القرار، والحسم، والحكم، والتقدير. وقد وظفت في القرن الرابع عشر ميلادي في مجال سيميائية الطب، حيث أصبحت تدل على التغيير السريع في تطور المرض. وأخذت معنى سياسي في القرن الثامن عشر.
يؤكد عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران Edgar Morin أن مفهوم الأزمة انتشر في القرن العشرين في كل ميادين العلوم المعاصرة، و عمم في انتشاره إلى درجة إفراغه من محتواه، ليصبح عبارة عن صورة نمطية لا تعبر، في أخر المطاف، سوى عن الفوضى، والتشخيصات والتوقعات التي تجسد فجوة مزدوجة: فجوة على مستوى معرفتنا للأزمة، وأخرى على صعيد الواقع الاجتماعي الذي تظهر فيه.
تختلف الأدبيات العلمية في النظر إلى الأزمة، فبعضها يذهب إلى حصر خصائصها، وبعضها الأخر يسعى إلى حصر أسبابها. فهما كانت هذه الخصائص أو الأسباب فإن الأزمة تعني بروز مشكل ما داخل مؤسسة أو قطاع أو مجال أو نظام سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو بيئي، بشكل مفاجئ أو بطريقة غير منتظرة، ولا يمكن حله أو تسويته بالأساليب المألوفة، والتعامل معه بالمعايير المعهودة، فيحدث ارتباكا وخللا وظيفيا، وحتى شللا في المؤسسة أو القطاع أو مجال أو المنظومة، وينجم عنه حالة من الفوضى والقلق، والشك الذي قد يستمر فترة معلومة فتتجلى أثاره على المدى القريب أو البعيد على مختلف الأصعدة.
إن الأزمة معطى نسبي يختلف من ثقافة إلى أخرى، ومن سياق اجتماعي إلى أخر. لذا يراها البعض شيئا سلبيا، بينما يعتبرها البعض الأخر معطى إيجابي وعامل أساسي في التطور. فهي لا تحرر الأوضاع التي كان مسيطرا عليها، بهذا القدر أو ذاك، فقط، بل تتيح الفرصة لتحفيز الذكاء، والتخيل الذي يولد الحلول. ففي هذا المقام يقول جمال الدين الأفغاني ” إن الأزمة تلد الهمة ولا يتسع الأمر إلا إذا ضاق ولا يظهر نور الفجر إلا بعد الظلام الحالك”.
إن الاهتمام المفرط بالأزمات، الذي تحول إلى هاجس أساسي للحكام والسياسيين ورجال الإعلام نابع من عدم اعتبارات، منها الثقة المفرطة بالتكنولوجيا والعلوم، والعقل في التحكم في مختلف أشكال التطور والتغيرات التي تحصل في المجتمع المعاصر وفي البيئة الطبيعية، بحيث أصبح من الممكن تجنب كل ما هو مفاجئ وغير منتظر. لكن تعقد الحياة الاجتماعية في مختلف أبعادها وفي علاقاتها بالبيئة تفلت من قواعد الإدارة والتنظيم المعتاد، وتباغت البشرية بمشاكل جديدة وظواهر غير مسبوقة.
الفرق بين الأزمة والحدث:
انطلاقا من المسلمة التالية: كل ما هو متوقع لا يشكل حدثا، يستعرض الباحث والمؤرخ وينوك ميشال Winock Michel السمات الأربعة، التي تميز الحدث، وهي كالتالي:
الكثافة: ويمكن تكميمها؛ أي ما مدى اتساع الحدث؟ كم هو عدد الأشخاص الذين قاموا به أو كانوا ضحية له أو معنيين به؟ إن الكم لا يملك أهميته إلا إذا أدرك في بعده الجغرافي وسياقه السياسي.
عدم التوقع: الحدث بأتي مما هو غير متوقع فيفاجئ ويزعزع الأفكار السائدة.
الأثر: الحدث هو ما يطلع عليه الناس. فالتفسير الوحيد لثراء التاريخ المعاصر بالأحداث مقارنة بالتاريخ القديم يعود إلى التطور الرهيب في وسائل الإعلام التي أصبحت تتنافس، بشدة، في استعراض الأحداث.
الاستتباعات: إذا كان الحدث مهدما ( لنظام ما، لاستمرارية معينة، لتوازن محدد) فإنه بالمقابل مبدع لتغيير. لكن استتباعات الحدث لا تعكس كثافته، لأنها قد لا تظهر في الآجل القصير، بل قد تتجلى في الأجل البعيد.
رغم هيمنة الرؤية التاريخية للحدث وفي تشخيص سماته إلا انه يبدو من أول وهلة أنها لا تتعلق بالحدث فقط، بل ترتبط، أيضا، بالأزمة. لكن بعد تفكير معمق نستنتج أن الأزمة تغطي واقعا أوسعا واشملا من الحدث. فيمكن أن يكون الحدث مؤشرا لأزمة غير مرئية. ففي هذا الإطار يمكن أن نفهم أن الحريق الذي شب بمنصة النفط في عرض خليج المكسيك، يوم 14 أبريل 2010 كان يمكن أن يشكل إيذانا بأزمة بيئية واقتصادية لو توفرت له الشروط التي سنتطرق لها بكل تفصيل لاحقا. ويمكن أن تكون الأزمة نتيجة لمجموعة من الأحداث المتعاضدة، وتترتب عنها مجموعة من الأحداث والوقائع التي لا تفهم على إنفراد بل في إطار رؤية شاملة لتفاعلاتها وانعكاساتها. فرهانات الأزمة أوسع وأعقد من الحدث الذي يكون محدودا جدا في الزمان والمكان.
رغم أن البعض يزعم أن الأزمة تعبر عن مرحلة يتجلى فيها عدم التناسب بين طبيعتها والإعلام عنها، وهذا ما سنحاول أن نفنده لاحقا، إلا أنه لا مناص من الإقرار بأن الحدث أو الأزمة في العصر الحالي لا توجدان إلا بفضل وسائل الإعلام التي تطلعنا عليهما، وحتى تصدمنا بها. فوسائل الإعلام لا تكتفي بمتابعة الحدث أو الأزمة بل تسعى إلى تشكيلهما. فمن النادر أنه يمكن فصلهما عن الواسطة الإعلامية. فالواسطة هي ” التجسيد” المادي لهما، ولا وجود لهما دونها. وهذا يقودنا إلى الحديث عن العلاقة بين وسائل الإعلام بالواقع,
كيف تبني وسائل الإعلام الواقع؟
بدأت البحوث الإعلامية منذ السبعينيات تنأى عن الاتجاه الوضعي في دراسة الإعلام من خلال تركيزها على “عملية إنتاج المعنى”، وصياغة الواقع”، و”بناء الأحداث”، والتي تستلهم، بهذا القدر أو ذاك، من النظرية البنائية.
ينطلق أغلب البنائيين من المسلمة التي تنص على أن كل شيء هو تمثُل”، وكل تمثل هو بناء، ويرون أن الطابع البنائي للواقع والعالم هو الشرط الأساسي الذي لا مندوحة عنه للمعرفة. ويذهبون في ذلك إلى التأكيد أن العرق، على سبيل المثال، ليس معطا بيولوجيا، بل بناءً اجتماعيا يشمل كل التصورات والإسقاطات الثقافية والإيديولوجية المتعلقة بالبشر نتيجة الاختلاف في لون بشرتهم. ويعتقدون إن الاقتراب المعرفي من العرق يضل طريقه، ويتحول إلى جملة من القناعات الإيديولوجية إن لم يأخذ بعين الاعتبار هذا الأمر.
وقام مؤسسا نظرية البناء الاجتماعي للواقع طوماس لوكمان وبيتر بركغر بشرح نظرية بناء الواقع بالقول أن الواقع يبرز في البداية كحقيقة مؤولة من قبل الأشخاص، فتملك معنى. لكن بعيدا عن الذاتية الفردية التي تفرزها عملية التأويل، فإن الحياة اليومية توجد، أيضا في موضعة المسارات الذاتية – أي تحويلها إلى موضعية- التي تؤسس المعنى العام أو المشترك من خلال أفكار الناس ونشاطهم الذي يحافظون عليه كواقع.
وقد تسأل الفيلسوف الأمريكي جون رسيرل John R. Searle عن كيفية تحول الواقع الفيزيائي إلى واقع اجتماعي موضوعي. وقدم الإجابة عن هذا التساؤل في تصنيفه للحقائق الموجودة في الواقع الفعلي إلى صنفين: حقائق خامة توجد بشكل مستقل عن الهيئات الإنسانية، وهذا مهما كانت نيتنا أو قصدنا تجاهها. والحقائق المؤسساتية، مثل النقود، اللعب،… فهذه الحقائق لا توجد إلا بفضل المؤسسات الإنسانية وتتجسد بفضل قصدنا تجاهها. ومن هنا ينطلق ليتساءل عن دور اللسان في بناء الحقائق الاجتماعية.
يعتقد الفيلسوف المذكور أن الحقائق الاجتماعية التي توجد بفضل المؤسسات الإنسانية تشترط شرطين أساسيين، وهما: أن التمثلات تشكل الجزء التأسيسي لها، وأن التمثلات تتوقف على اللسان. فطالما توجد ضرورة منطقية لارتباط الحقائق المؤسساتية باللغة، فإن أفكار ترتبط، طبيعيا، بالرموز والكلمات والصور والتي بدونها يستحيل التفكير فيها. فإذا لم يستطع الأفراد تمثل هذه الأحداث فإنها لا تستطيع أن توجد. وينتهي في الأخير إلى الاستخلاص التالي والمتمثل في أن إنتاج الأحداث المؤسساتية يرتبط بمسألة السلطة.
وهذا ما يمكن ان نلتمسه في مساهمة وسائل الإعلام في البناء الاجتماعي للواقع والتي تحدث عنها الكثير من المهتمين بوسائل الإعلام.
يؤكد اللساني البريطاني روجر فولير Roger Fowler ” أن الإعلام هو ممارسة وخطاب، لا يظهر الحقائق الأمبريقية بشكل محايد ، بل يتدخل في البناء الاجتماعي للواقع” . فالاختلاف في القول يعبر عن الاختلاف في تمثل الواقع الذي تكشفه الملفوظات.
أما الباحث شرودو بارتريك Patrick Charaudeau فإنه لا يرى عملية إعادة بناء الواقع، التي تتجلى في الخطاب الإعلامي، من منظور منتجه فقط، بل يراها كنتيجة تعاقد بين منتجه ( الصحافي أو المؤسسة الإعلامية) والمتلقي الذي يؤله. فالعناصر اللفظية والمرئية، والخطية، والسمعية تشكل الخطاب الإعلامي وفق الصورة التي تتخيل فيها وسائل الإعلام جمهورها، وحسب مراكز اهتمامها، ووفق ظروف تأويله لها.
ينطلق عالم السيمائيات الأرجنيتي Eliseo Veron في نظرته لبناء الواقع من قبل وسائل الإعلام من أطروحة الوساطة التي تقوم بها وسائل الإعلام بين الواقع والجمهور. حيث يرى أن وسائل الإعلام لا تعكس موضوعيا الواقع، لكنها تقدم تمثلا للواقع. فالأحداث لا تلد كإنتاج وسائل الإعلام، بل كبناء اجتماعي للتمثل الإعلامي للأحداث.
إذا كان القول بأن الإعلام في عصرنا الحالي هو معطى مبني اجتماعيا لا يثير أي جدل أو اعتراض، فإنه يحفز النقاش على مستويين، على الأقل، وهما:
1- يكاد مفهوم البناء الاجتماعي يتحول إلى مودة شائعة في الدارسات الاجتماعية لأنه يقدم المفتاح الذي يمكن أن يسلط الضوء على بعض الظواهر الاجتماعية حيث لم تعد تقتنع بالفكرة التي مفادها أن الوقائع الاجتماعية موجودة بشكل منفصل عن ذات الباحث والمبحوثين، وكحقيقة جاهزة لا تكلف الباحث أي جهد سوى “انتزاعها” من الواقع. لكن هذا المفهوم نقل النقاش من الصعيد الأمبريقي إلى الصعيد النظري، وأعطى شرعية للسؤال المتعلق البعد الفلسفي للبنائية، حيث شكك Gilles Gauthier ، وهو احد المعارضين للنظرية البنائية في مجال الإعلام، في النتائج التي توصلت إليها البنائية في الدراسات الإعلامية، وذلك لأنه فهم بأن ما تبثه وسائل الإعلام أو تنشره يعد مبنيا اجتماعيا مرتين. ويوضح ذلك بالقول أن الواقع الاجتماعي يعد، مبدئيا، مبنيا حسب البنائيين، ثم تتدخل وسائل الإعلام لتعيد بناءه مرة أخرى. فمن نتائج التسليم بصحة هذا الأمر أنه يطمس التمييز بين الحقائق المؤسساتية وغير المؤسساتية التي ذكرناها أعلاه. ويتجاهل أن المنتج الصحفي يكون مبنيا لأن يشكل جزءا من الواقع الاجتماعي المبني، من جهة. وتمنح، من جهة أخرى، الشرعية للتجاوزات في الممارسة الإعلامية التي تضحي بالمعايير المهنية والأخلاقية، مثل الصدق، والإنصاف، والمسؤولية، والدقة، وغيرها.
2- إذا القول بأن الخطاب الإعلامي هو نتاج عملية بناء اجتماعي أصبح من مسلمات البحث الإعلامي المعاصر، فإن النقاش الذي يثار يتعلق باستراتيجيات وآليات هذا البناء في مجال الإعلام الذي تتداخل حدوده مع المجال السياسي والإيديولوجي، واللساني والأدبي الذي يتعاطى مع الإعلام كنص أو مادة سردية، كما تكشف عن ذلك الدراسات السيمائية للإعلام التي أنجزها العديد من الباحثين، مثل: رولان بارث ( 1964، 1966)، بول عطا الله ( 1991)، فريون إلينسيو ( 1994)، وإريك سكيولي( 1994) جوست فرنسوا وبنافوس سيمون ( 2000)، وسمير بدير(2007).
ترى الباحثة المكسيكية Beatriz Padilla Villarreal أن وسائل الإعلام تبني الواقع من خلال إستراتيجية ترتكز على العناصر التالية: التشخيص Personification ، والإثارة Sensationalism، والاقتتالBellicising والأسطرة Mythification
ويقصد بالتشخيص سرد الأحداث عبر الشخصيات التي تعتقد وسائل الإعلام أنها تلعب دورا استثنائيا في حدوثها، والتي تنتهي إلى اختصار هذه الأحداث والوقائع في بعض الشخصيات، وبالتالي تبسيطها إن لم يكن تسطيحها. وقد عالج كل من ميغل بنسفاغ وفلورنس أوبان، بتفصيل، هذه الإستراتجية في كتابهما الخاص بالصحافيين وإيديولوجية الاتصال.
الإثارة: تعرف الإثارة بأنها” المعادل الدرامي للإعلام “. فهي تصور متكامل لماهية الصحافة وجمهورها ودورها، وتستند في وجودها، حسب الباحثة المذكورة، إلى مجموعة من العناصر وهي: القطيعة مع الوضع القائم، أي الخروج عن المألوف والانحراف عن الاعتيادية، والصراع الذي يجذب لاحتوائه على التنافس والغلبة والإقصاء الذي يقود إلى العنف ثم الموت.
الاقتتال: تلجأ وسائل الإعلام في بنائها للأحداث إلى الاستعارات المستقاة من الحرب، هذا ما نلاحظه، على سبيل المثال، في سرد وقائع المقابلات الرياضية فالتفوق يتحول إلى سحق الخصم، وتسديد الكرة تتحول إلى ضربة صاروخية، ومراوغة اللاعب تتحول إلى مناورة الفريق، والخسارة تتحول إلى انهزام، والمباراة تتحول إلى تصفيات، وغيرها. بالفعل، إن هذه الاستعارات تقولب الأحداث وتنمطها وتحولها إلى مادة للاقتتال تشد الانتباه والأعصاب، وتخلق اصطفافا لدى جمهور وسائل الإعلام وتجعلها، في أخر المطاف، مادة للفرجة وحتى النزاع، وتسحبها من ساحة الفهم، والاستيعاب والتأمل.
الأسطرة: يرى عالم الاجتماع الروماني كمو ميهي Coman, Mihai أن الدراسات الأنتروبولوجية يجب أن تتجاوز الوساطة الإعلامية للأحداث، أي التغطية الإعلامية لها، وتغرس في خضم الرؤية للبناء الإعلامي للواقع بواسطة الطقوس والأسطورة، فوسائل الإعلام توظف الأساطير والسرديات لإعطاء معنى للأحداث حتى وإن كان هذا التوظيف يؤدي إلى اختصارها وسجنها في صور نمطية.
قد تبدو هذه الإستراتجية غير إجرائية في قيام وسائل الإعلام ببناء الواقع، لأنها تتمحور حول تمثل المؤسسة الإعلامية ومنتجي خطابها في تمثلها للواقع فقط، وبالتالي تقصي الجمهور من هذا البناء. لأن قصد الرسالة الإعلامية كما صاغه منتجها ( الصحافي والمؤسسة الإعلامية) لا يعني بالضرورة تطابقه مع قصد الجمهور من تعرضه للوسيلة الإعلامية ومتابعة مضامين ما تبثه. فالجمهور، الذي كان يوصف في السابق، بدون ترو ولا دراسة دقيقة، بأنه متلقى سلبي قد برز في العصر الحالي كفاعل نشيط مشارك في إنتاج المعنى من مادة الاتصال.
لم تقص الباحثة المكسيكية الجمهور في الإستراتيجية التي تحدثت عنها، حيث اعتبرته شريكا في عملية بناء الواقع من خلال تأكيدها على أن تلقى الخطاب الإعلامي لا يمكن اختصاره في فك رموزه اللسانية والمرئية والسمعية فقط، بل يشترط جملة من الدوال ( جمع دال) المرتبطة بالتمثلات، والأثر العاطفي، واستتباعاته الفعلية، وردات الفعل الدفاعية التي يثيرها لدى المتلقي حسب مخطط تأويله.
وسائل الإعلام و فيروس H1N1: من الحدث إلى الأزمة؟
بعد أن أنقضت أكثر من سنة ونصف على نشر خبر انتشار فيروس H1N1 في المكسيك، اتضح أن الإعلام أعطى لهذا الحدث أبعادا كبرى غريبة عنه. فبدون الانسياق وراء نظرية المؤامرة، يمكن أن نتساءل، كيف أفلحت وسائل الإعلام في تحويل حدث انتشار فيروس الأنفلونزا إلى أزمة عالمية؟ وكيف بنت هذه الأزمة، وما هي الإستراتيجية التي وظفتها في ذلك؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال يجب الاستعراض الوقائعي لانتشار الفيروس والاحتياطات التي اتخذت للوقاية منه، لمعرفة الاتجاه الخطي لنموه في وسائل الإعلام، التي أسقطت، مسبقا، كل تصريح مخالف له أو مشكك فيه.
مارس 2009: إصابة عدد من المكسيكيين بضيق حاد في التنفس نتيجة عدوى مرضية
13 أبريل 2009 : وفاة أول شخص في جنوب المكسيك
24 أبريل: منظمة الصحة العالمية تعلن عن كشف عن مئات الإصابات في المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية.
26 أبريل: الحيطة تزداد في العالم ومنظمة الصحة العالمية تعلن عن انتقال المرض من الإنسان إلى الإنسان، وتؤكد أن الفيروس H1N1 اتضح أنه أكثر خطورة.
27 أبريل: منظمة الصحة العالمية ترتفع درجة الطواري من 3 إلى 4 في سلم يتشكل من 6 درجات، بعد أن انتقلت العدوى إلى أوربا، حيث ظهرت إصابات في إسبانيا وبريطانيا.
28 أبريل: انتقال المرض إلى أمريكا الوسطى و الشرق الأوسط
29 أبريل: أول إصابة مميتة في الولايات المتحدة، ووفاة رضيع في المكسيك
30 أبريل: منظمة الصحة العالمية تسمي فيروس H1N1 بدل أنفلونزا الخنازير
2 مايو: انتقال المرض إلى آسيا.
22 مايو: منظمة الصحة العالمية تحذر من أن فيروس H1N1 يكون أكثر خطورة في الدول النامية.
2 يونيو: ظهور المرض في مصر
11 يونيو: منظمة الصحة العالمية ترفع درجة الطوارئ إلى 6
24: يونيو: بداية شراء كميات هائلة من الكمامات وارتدائها.
25 يونيو: منظمة الطيران المدني تعلن عن انخفاض هائل في عدد المسافرين بسبب الفيروس المذكور..
1 يوليو: التشدد في تطبيق مخططات الوقاية من الفيروس في العديد من دول العالم.
أغسطس: أخبار متفرقة عن وفيات بسبب الفيروس المذكور في بعض دول العالم.
29 سبتمبر: موافقة أوربا على تسويق اللقاح المضاد للفيروس المذكور،
30 أكتوبر: منظمة الصحة العالمية تعلن أن عدد الوفيات قد بلغ 5700 شخصا منذ ظهورها في شهر مارس مع زيادة بنسبة 14% خلال أسبوع.
5 مارس 2010: بلغ عدد ضحايا هذا الوباء 16455.
إن عدد الوفيات بفيروس H1N1 لا يمكن مقارنته، بأي شكل من الأشكال، بضحايا السرطان، أو مرض الإيدز في العالم، أو أي وباء أخر يصيب الدول النامية، إذا كيف انتقلت وسائل الإعلام من الإخبار عن الوباء إلى بناء أزمة.
إن الحديث عن الأزمة في وسائل الإعلام لا يشترط طريقة من الوصف والنظر للواقع فقط، بل يتطلب بناء واقع جديد، وهذا ما سنكشفه من خلال النقاط التالية:
– الإثارة: سعت وسائل الإعلام منذ ظهور الفيروس في مارس 2009، بالمكسيك، التركيز المبالغ فيه على الفيروس وخطورته غير المسبوقة التي يمكن أن تبيد نصف البشرية! يمكن أن نورد في هذا الصدد التصريح الذي أدلى به البروفسور نيل فورغسن، عضو فريق العمل الخاص بفيروس H1N1 لدى المنظمة العالمية للصحة في ناهية شهر أبريل 2009، حيث أكد فيه أن حوالي ما بين 30 إلى 40% سيصابون بهذا الفيروس إذا تفشى الوباء في الأشهر الستة القادمة، وان عدد المصابين سيرتفع في الأسابيع القادمة، وأن 152 وفاة بهذا الفيروس في المكسيك من المحتمل أن يكون عددا متواضعا مقارنة بعدد المصابين، ويمكن ان يترفع عدد الوفيات إلى عشرات أو مئات الآلاف.
كما قامت وسائل الإعلام المختلفة بتجميع الأخبار المتفرقة والمتناقضة عن الفيروس المذكور في عدة مناطق من العالم التي تدعو إلى التهويل. وكثفت الحديث عن الاستعدادات العالمية لمكافحته ( غلق المدارس، الدعوة إلى تجنب الأماكن العامة والاختلاط بالبشر، العزوف عن السفر في وسائل النقل الجماعي، تعميم صور الكمامات في المطارات، والمواني، ومصالح الطوارئ في المستشفيات، النقل الدرامي لألام المصابين وذويهم)، وغيرها. وشددت، عبر كل هذا، على عنصر الصراع: الصراع من أجل البقاء، الصراع ضد الوباء، والصراع الذي يغذي المخاوف، وإحداث قطيعة مع ما هو مألوف في الحياة العامة: الدعوة لتغيير نمط الأكل بتفضيل المواد الحاملة للفيتامينات المقوية لمقاومة الأنفلونزا، تغيير العادات والطقوس الاجتماعية ( المصافحة، والتقبيل…)، التقليل من الحركة، والمبالغة في الاستعدادات الطبية لمكافحة المرض: فتح عيادات طوارئ، إنشاء مختبرات طبية في المناطق الموبوءة، منح قروض مالية للدول العاجزة عن شراء المستلزمات الطبية الضرورية إبادة قطيع الخنازير في بعض الدول، وغيرها..
لقد بينت الخبرة العلمية بأن تحليل الخطاب الصحفي ، كعلم، يهتم، بشكل أقل، بمحتوى الكلمات في ذاتها، من اهتمامه بالاستراتيجيات التي من المفروض أن يحققها في إطار الممارسة الإعلامية.
لقد أفلحت الإثارة في خلق حالة من الذعر ليس في المناطق الموبوءة فقط، بل في كل الدول، ولا يخفي لا أحد بأن الذعر هو جملة من ردات الفعل الفردية التي تتشابه فيما بينها. إنها تتشابه ليس لكونها تؤثر في ما بينها وتتحول إلى تقليد، بل لأن كل رد فعل هو استجابة نمطية ومنمطة تجاه وضع معين. والذعر يحيد الفكر ويغيبه وهذا ما تسعى إليه الإثارة.
الترقب: المعلومات التي ظلت وسائل الإعلام تكررها باستمرار لم تتسم بالحسم واليقين، بل كانت تترك الجمهور في حالة قلق وانتظار الغد. إن السبب في ذلك لا يكمن في أن وسائل الإعلام لا تملك من المصادر والمعلومات الموثوق في صحتها، والتي تشكك في عدد المصابين، وفي الطرق المعتمدة في إحصائهم. ففي هذا الصدد يقول أحد الصحافيين ما يلي: إن نموذج الإحصاء لعدد الأشخاص المصابين بالفيروس المذكور لا يستند إلى فحوصات الأطباء العامين بل يعتمد على مراكز الاتصال الهاتفي call-center التي تسجل آليا عدد المتصلين وتحصيهم كمرضى، مهما كان سبب اتصالهم. والنتيجة أن هذا الانتظار لا يكلل باليقين والحجج الدامغة، بل يولد انتظارا جديدا، وهذا ما تستخدمه بإتقان الفنون الدرامية: الأفلام والروايات.
لاحظنا أيضا وطأة الترقب من الأخبار المتسربة عن اللقاح الذي شابه الغموض والتضارب: عجز ما هو موجود من لقاح في السوق عن العلاج من الفيروس المذكور، ضرورة الانتظار شهرين على الأقل لتنتهي المختبرات من صناعة اللقاح المناسب، نقص كميات اللقاح المصنعة لحد الآن عن سد الحاجة، شراء كميات هائلة من اللقاح الجديد، والشروع في التلقيح مع الإشارة إلى الأنباء المتضاربة عن أعراضه الجانبية، وحتى عن وفيات بسببه، والانتظار من جديد لتحسين اللقاح…
الأسطرة: لا يمكن أن نفهم الوساطة التي تقوم بها وسائل الإعلام بين الواقع والجمهور دون الأخذ بعين الاعتبار أنها منتجة للخطاب حول الأحداث التي تمس جمهورها، فهذا الخطاب لا يتغذى من الاستعارات فقط، إن أرسطو بالفعل أوّل من أعطى معنىً لكلمة “استعارة” في “علم العروض” و”علم البلاغة” على السواء. وقد شدّد في تعريفاته الأولى هذه على أنّ الاستعارة ليست صورة بيانيّة تستخدم للتزيين المحض، بل إنّها بحدّ ذاتها شكل من أشكال المعرفة. مع ذلك، ولقرون عدّة بعد أرسطو، استمر الاعتقاد أنّ الاستعارة صورة بيانيّة تجمّل الحديث فحسب ولا تغيّر جوهره. وإلى يومنا هذا قد يؤيّد البعض بأنّ هذه هي وظيفتها
أسند أرسطو إلى الاستعارات المُتقنة وظيفة شبه علميّة. إنّها نوع من العلم لا يستلزم اكتشاف شيء مجهول إنّما يبتكر طريقة جديدة للنظر إلى الأشياء أرسطو… وعصابة القراصنة-اببرتو إيكو: السبت 27 نوفمبر 2010الاتحاد، وجهات نظر.
أبل من السرديات والأساطير التي نسجت حول الأحداث المشابهة أو المتقاربة، وبهذا تصبح السرديات البديل الإعلامي للوقائع الحاضرة الذي يسعى إلى تقريب المعنى مما يجري. ففي هذا الإطار يحيل الحديث عن الفيروس المذكور إلى ” أنفلونزا” التي جرت في 1918 ، وسميت بالإسبانية، والتي أدت إلى وفاة 40 مليون مصاب، ووباء الأنفلونزا التي سميت بالإسبانية والتي جرت في 1957 والتي أودت بحياة 4 ملايين شخص في العالم ، و أنفلونزا ” هونغ كونغ” في 1968 وقتلت مليوني شخص.
إن الإحالة إلى التواريخ المختلفة بكل ما تحمله من ثقل مثيولوجي لا تستهدف شرح ما يجري الآن نتيجة الفيروس المذكور، لأنه لو كان هذا هو الغرض من الإحالة لتم الاستشهاد بالأنفلونزا الأحدث والأقرب تاريخيا للجمهور والتي انتشرت في الولايات المتحدة الأمريكية في 1976.
إن الإحالة إلى التاريخ توحي ضمنيا بالتشابه، أو حتى التطابق بين الأوبئة القديمة والحالية، دون الإشارة إلى أن عدد القتلى بأوبئة الأنفلونزا المذكورة قد أخذت منحى تنازليا، وإن البشرية في 2010 هي أكثر تسلحا من 1918 على الصعيد العلمي والثقافي، وعلى مستوى الإمكانيات العلمية والبشرية والمادية والتنظيمية، وفي مجال الخبرة. عن التأكيد على هذا الأمر لا يتماشى والمنطق الذي بنيت وفقه أزمة الأنفلونزا في 2009.
إن النظر إلى إستراتيجية بناء أزمة الأنفلونزا على المستوى الموضوعي والذاتي والرمزي تكشف أن الصحافيين لا يظهرون كأنهم المنتجين الفعليين للإعلام، بل كمنخرطين في السديم الإعلامي/السياسي/ الطبي/الصيدلاني الذي أخذ بعين الاعتبار الفكرة التي مفادها أن كل حديث عن الوباء يجعل الجمهور معنيا به بالضرورة، واتكأ على الشعور العام الذي يحرك سلوكه والنابع من ثقافته وحياته الجماعية.
فالبشرية في مطلع الألفية الحالية تعيش قلقا وجوديا نتيجة الحيرة والشك في المثل الكبرى و السرديات التي تحكمت في تصورها للكون والمجتمع والعلاقات الاجتماعية نتيجة استشراء الحروب، والعنف في المجتمع، والقنوط من التغيير. مما يعطي شرعية للوصف الذي قدمه الفيلسوف ميشال سار Michel Serres لما تعانيه البشرية اليوم، إذ قال أنها تعيش عملية إخراجية ” للخوف.
إذا يصعب تمثل الأزمة بدون رابطها بالخوف الذي تحول إلى موضوع للتفكير في العديد من الحقول المعرفية: علم النفس، علم الاجتماع، والعلوم السياسية، وعلم التربية، وعلم الاتصال، حيث يقول عنه مدير معهد الصحافة والإعلام بجامعة نشطال السويسرية أنه أصبح رابطا اجتماعيا لمواجهة مختلف الأخطار التي امتدت إلى المجالات المختلفة التي تأسس مما يلي:
الخوف من الآخر: إن جهل الأخر، والتنكر لخصوصيته، واختلافه يولد الخوف منه، في مجتمع يعاني من ضعف الأمن وحماية الأشخاص وممتلكاتهم، وفي مجتمع قائم على المنافسة الشديدة والتزاحم من أجل الحصول على منصب عمل، أو إنشاء مشروع استثماري والحفاظ عليه، أو تقديم مشروع علمي أو ثقافي…..
الخوف من الموت: لم يتمكن التقدم العلمي الذي أحرزته البشرية، خاصة في مجال الطب، إضافة إلى تزايد الاعتمادات المالية الموجهة لقطاع الصحة من تخفيف من الخوف من المرض والموت، الذي مازال يثير الكثير من الخوف والفزع والجزع.
الخوف من الفقدان: الخوف من فقدان الصحة، والحب، و منصب العمل، والسكن، و الخوف من الفقر، أفرز، عبر تراكمه، حالة من القلق وسلوكا عدوانيا، وحتى عنيفا.
الخوف من التغيير بفعل عوامل خارجية بعيدا عن السيطرة مما يدعو إلى القطيعة على ما تعودنا عليه والذي كان مصدر الإحساس بالأمان. ولعل هذا الخوف ينبع أصلا من الخوف من المستقبل الذي أصبح من الصعب التنبؤ به، ناهيك عن التحكم فيه أو السيطرة عليه.
يعتقد البعض أن تمثل أنفلونزا الخنازير، لم تشارك في إنتاجه وسائل الإعلام الكلاسيكية فقط، بل شارك فيه الإعلام الجديد New Media، وهذا الاعتقاد لا يجانب الصواب قط، لكنه يحتاج إلى توضيح نراه ضروريا. فلا يمكن أن نتصور أن الإعلام الكلاسيكي والإعلام الجديد يعيشان في قارتين مختلفتين، فلهما وشائج قوية. لذا، فأن القسم الأكبر من الجمهور يستطيع أن يطلع على الأحداث، ويشارك فيها، من خلال ” الانجذاب”Osmosis ، أي ليس نتيجة تعرضه مباشرة لوسائل الإعلام، بل من خلال ما تختطفه عينه من صور وحروف، وما يلتقط سمعه من كلمات وجمل عن الأحداث من سيل الإعلام الجارف، الذي لازالت وسائل الإعلام تشكل لحمته الأساسية.
وسائل الإعلام وتلوث خليج المكسيك: تحويل الكارثة الإيكولوجية إلى حدث.
من يقرأ البرقية التي أرسلها مراسل وكالة الأنباء الفرنسية من ” نيو اورلينز” بالولايات المتحدة، غداة الحريق الذي شب بمنصبة النفط في عرض خليج المكسيك، أي يوم 14 أبريل الماضي 2010 لا يشعر بحجم الكارثة البيئية التي تجري في خليج المكسيك. ولا ينتابه أي قلق لأنه البرقية المذكورة تؤكد أنه لم يسجل أي تسرب للنفط، وإذا حدث ذلك وهذا مستبعد فإنه الإمكانيات متوفرة وجاهزة لمواجهته. ( أنظر البرقية التي نشرتها الوكالة المذكورة في ملحق البحث).
وهو الإدراك ذاته الذي يستخلصه من البرقية التي أعلنت عن سد الفوهة التي يتسرب منها النفط يوم 5 أغسطس 2010.
فما هي الإستراتيجية التي اعتمدت عليها وسائل الإعلام في بناء تلوث خليج المكسيك في أبريل 2010، وأدت إلى بالتقليل من شأن حريق المنصة النفطية، استصغار تداعياتها الاقتصادية، والبيئية، والسياسية، والأخلاقية؟ يمكن توضيح هذه الإستراتجية في النقاط التالية:
1- تجنب الإثارة: لم تلجأ وسائل الإعلام إلى أسلوب الإثارة لبناء الحدث بشكل درامي، فلم تتطرق إلى العمال الذين ماتوا جراء العريق الذي شب في منصة استخراج النفط في خليج المكسيك ولا لوضعهم الاجتماعي، ولا ظروف عملهم في عرض البحر ولا جنسياتهم ولا سنهم ولا حالة أهلهم، لقد تحولوا إلى مجرد أرقام فقط: 11 عاملا لقوا حتفهم في الحادث. كذلك الأمر بالنسبة للناجين الذين أصيبوا بجروح وحروق خطيرة. ولم تسرد تفاصيل الحياة الدرامية التي يعيشها الصيادون، الذين وجودوا أنفسهم في بطالة إجبارية. لقد قضت على كل بعد درامي في الحدث من خلال التأكيد أن شركة برتيس بتروليوم قامت بتشغيل الصيادين الراغبين في تطهير الشواطئ من زبد النفط، ودفعت لكل صياد خمسة ألاف دولار كتعويض جزافي عن فقدان مصدر رزقه، هذا دون الإشارة إلى أن هذا التعويض تم مقابل أن يلتزم كل مستفيد، خطيا، بعدم رفع دعوى قضائية ضد الشركة المذكورة!
لم تتطرق وسائل الإعلام للحدث عبر تشخيصه بأسماء الشخصيات، وحتى الشركة: فرغم أن الكل يعلم بأن المسؤولية تقع أولا وقبل كل شيء على الشركة النفطية برتيش بتروليوم إلا أن برقية وكالة الأنباء الفرنسية المذكورة أعلاه حاولت إعفاء الشركة المذكورة من المسؤولية بالقول أنها استأجرت المنصة، أي بمعنى أخر أن من يستأجر ليس مسؤولا عن وضع ما استأجره! فاسم الشركة المذكورة لا يظهر في وسائل الإعلام إلا عندما تؤكد أنها ستعوض أو عوضت الشركات المتضررة من الحادث، أو تقوم بمكافحة التلوث الذي انجر عن تسرب بقع النفط في عرض البحر واتجاهها إلى الشواطئ.
2- عدم تحديد المسؤولية عن الحدث ولا أسباب وقوعه. لم تنصرف المؤسسات الإعلامية إلى البحث عن سبب هذه الكارثة، والتساؤل عن عدم تدخل تجهيزات الأمن لسد فوهة البئر عند احتراق المنصة مباشرة؟ لعل القارئ الكريم يتذكر جيدا أن وسائل الإعلام تتدافع، بقوة، لشرح أسباب وقوع أي كارثة جوية بسيطة، فتخصص لها العديد من التحليلات والتعليقات، وتسأل مسؤول شركة الطيران المعنية، وخبراء الملاحة الجوية، ومسؤولي الأمن في المطارات، وغيرهم. لكن في هذه الأزمة قفزت وسائل الإعلام من الإجابة على السؤالين: من المسؤول عما جرى؟ ولماذا جرى ما جرى؟ إلى نقل انشغالات الشركة المذكورة وتأكيداتها أن الأهم هو التحكم في أثار ما جرى.
3-غرس الطمأنينة في نفوس الجمهور واستبعاد القلق:
قدمت وسائل الإعلام الحريق المذكور على أنه أمر عارض حدث ويحدث في الكثير من أبار النفط سواء في البر أو البحر. ففي الوقت الذي امتدت فيه بقعة النفط لتهدد ولاية” لويزيانا” و” فلوريدا” و” الامبا” و”الميسيسيبي”، والمدن التي تشكل القلب السياسي والاجتماعي والثقافي للولايات المتحدة الأمريكية، مثل بوسطن، ونيويورك، وواشنطن، وفلادليفيا، ظلت وسائل الإعلام تؤكد بأن التحكم في النفط المتدفق من البئر في متناول اليد، وأن كل الإجراءات اتخذت لاحتوائه.
بدأت العديد من وسائل الإعلام تؤكد، منذ 14 أبريل إلى غاية 5 أغسطس، أن الأمور تسير نحو التحكم التام في تسرب النفط وامتداد بقعته في البحر. فرغم تسرب المعلومات التي تشير إلى ظهور عيون جديدة للبئر يتدفق منها النفط، ظلت وسائل الإعلام تؤكد السيطرة على الحادث تارة من خلال تجنيد أسطول بحري لامتصاص بقعة النفط في خليج المكسيك، طورا إرسال “روبرت” لغلق البئر، ثم حشو فم البئر المفتوح بكبسولة ، وضخ مواد كيماوية وإسمنتية لتشميع فوهة البئر، ووضع سدة من الاسمنت تزن 70 طنا لغلقه نهائيا. لقد غرقت وسائل الإعلام في هذه المعلومات المزودة برسوم الغرافيكس فاستفدت وقتها بالشرح والتفسير، ولهت عن الإشارة إلى فشل المحاولات المتلاحقة الواحدة تلو الأخرى. لكن الغريب أنه رغم الفشل المتلاحق للمحاولات المتلاحقة إلا أن وسائل الإعلام لم تلجأ إلى الترقب خوفا من أن هذا الأخير يؤدي بالجمهور إلى القلق. لقد كانت تقدم كل محاولة على أنها ستكون ناجحة.
4-عدم اللجوء إلى الاستعارة والأساطير: لوصف أثار التلوث النفطي في خليج المكسيك ذكر الرئيس الأمريكي أوباما بأنه ” مثلما أحدث 11 سبتمبر تغيرا في نظرتنا لضعفنا، وسياسيتنا الخارجية نعتقد أن كارثة خليج المكسيك تمثل 11 سبتمبر بيئي يدفعنا إلى إعادة التفكير في سياستنا البيئية والطاقوية في السنوات القادمة. لكن وسائل الإعلام لم توظف هذه الاستعارة للحديث عن أبعاد حريق المنصة المذكورة، ولم تستعن بالأحداث التاريخية وحمولاتها من السرديات. نعم لقد أشارت إلى أثار هذه الكارثة تتجاوز الكارثة التي أحدثها غرق ناقلة النفط “اكسون فالديز” Exxon Valdez في سواحل ألاسكا في 1989 لكنها لم تكشف عن حجم التلوث الناجم عن تسرب أربعين مليون لتر من النفط من هذه الناقلة، والتي لطخت مسافة 1300 كيلومتر من مياه البحر. ولم تشر إلى المعارك القضائية التي استمرت سنوات للتعويض عن الضرر الذي أصاب العباد والبيئة، وعن الثروة السمكية التي أبيدت. إن مجرد الاشارة يشعر الجمهور أنه معني بالكارثة المذكورة.
5-استبعاد الجمهور عن الحدث: في ظل العولمة التي أعطت لكل حدث محلي بعدا كونيا، نلاحظ إصرار العديد من وسائل الإعلام على حصر الكارثة المذكورة على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية. فالقرار الذي أتخذه الرئيس الأمريكي، على إثر هذه الكارثة، والمتمثل في تجميد التنقيب عن البترول في السواحل الأمريكية، لا يمس العصب الحساس في الاقتصاد الأمريكي فقط، بل يمس الاقتصاد العالمي أيضا. فالشركات النفطية التي تنقب عن النفط وتستخرجه من بحر الشمال قد تعدت المئات، بل توجد في خليج المكسيك وحده حوالي ثلاثة ألاف منصة نفط، تنتج حاليا 1.6 مليون برميل نفط يوميا. لقد كثفت الدول الغربية والشركات النفطية عملية التنقيب عن النفط في أعماق البحار واستغلاله كاستجابة لتداعيات الأزمة النفطية في 1973. لهذه الأسباب يبدو أن تسرب النفط في خليج المكسيك قضية خطيرة وحساسة على الصعيد الاقتصادي والبيئي.
وقد عملت وسائل الإعلام على استبعاد الأزمة من اهتمامات الجمهور، وعدم الإشارة لا من قريب أو بعيد على تأثيرها على حياة الأشخاص، وعلى التوازن البيئي، وعلى التنمية المستدامة التي تهم كل الكائنات الحية.
وفي الأخير يمكن القول أن الانتقال من الحدث إلى الأزمة يتوقف إلى حد كبير على مدى مرئيته وتأويله، واستملاكه من قبل الجمهور. فالجمهور لم يجد ذاته أو مصالحه في الحدث المذكور، ولم يشعر بأنه معني بتمثّلات وسائل الإعلام للكارثة البيئية التي شهدها خليج المكسيك، لذا لم تمنح الكلمة للمنظمات والجمعيات المدنية المدافعة عن البيئة.

المراجع:
– أنظر على سبيل المثال إلى سيل الكتابات التي تطرقت إلى تبعات المقابلة الرياضية التي جمعت المنتخبين الجزائري والمصري للتأهيل إلى دورة كأس العالم التي جرت في جنوب إفريقيا في يونيو 2010
– Quéré, Louis. Des miroirs équivoques. Aux origines de la communication moderne. Aubier Montaigne, France, 1982, p. 158
– أنظر على سبيل المثال :
John H. Powers & Xiaosui Xiao.: The Social Construction of SARS: Studies of a Health Communication Crisis. John Benjamins Publishing Company, Netherlands/Philadelphia, PA: 2008, 242 pp

Hassan Atifi & Michel Marcoccia: La relation entre les interactions verbales et leur mise en scène visuelle à la télévision : construction du genre et distribution des rôles dans l’émission “ Demain les jeunes ” (France 2, mars 1994) ; retrieved Octobre 14 ;2010 from gric.univ-lyon2.fr/…/actes/…/Atifi_Marcoccia_genre_tele.doc
Fathallah Daghmi : Constructions identitaires et récits médiatiques, retrieved June 26 ;2008, from http://etudescaribeennes.revues.org/document368.html.
Champagne Patrick : La construction médiatique des “malaises sociaux”
Actes de la recherche en sciences sociales, France, Année 1991, Volume 90, Numéro 1 p. 64 – 76

– هذا ما يستشف من اختيار العديد من عناوين البحوث الإعلامية والعربية التي تفضل التغطية الإعلامية لهذه القضية أو تلك أو لهذا الأزمة أو تلك بدل البناء الإعلامي لها.
– يؤكد الفيلسوف الإيطالي أنبرتو إيكو أن مفهوم الأزمة استخدم بدون تمييز، لأنه يبيع بشكل جيد، لقد بيعت لنا في العقود الأخيرة بمختلف الأشكال ( في الأكشاك، وبالمراسلة، وبالاتصال المباشر) أزمة العقيدة، أزمة الرمز، أزمة التمثل، أزمة السكن، أزمة المؤسسات، و أزمة العائلة، وأزمة البترول.
ECO, U. La guerre du faux. France, éd. Grasse, France, 1985, P 119
– السيد ولد أباه: تسيير الرعب وإدارة الخوف، صحيفة الاتحاد الإماراتية، الصادرة يوم الاثنين 06 سبتمبر 2010

– Beatriz Padilla Villarreal: l’agenda médiatique et construction sociale de l’incertitude, Magazine de la Communication de Crise et Sensible, Observatoire International des Crise, Col. 13- Avril 2007 – p 10/47
– أنظر:
David L. Altheide and Robert P. Snow : Media Worlds in the Postjournalism Era, New York: Aldine de Gruyter, 1991.
– نقلا عن:
Guy Koninckx , Gilles Teneau : Histoire de la crise, retrieved October 30,2010, from
http://www.resilience-organisationnelle.com/1513.html
– Maria Beatriz Padilla VIllarreal: Médiatisation et identification comme facteurs intervenant dans l’irruption de la crise sociale. Une analyse biculturelle de contenu de la presse écrite et modélisation. Thèse pour obtenir le grade de docteur de l’Université, Université Jean-Moulin, Lyon 3, juin 2005
– نقلا عن:
Morin Edgar: Pour une crisologie, Communications, France, n° 25, p. 149, 1976.
– Edgar Morin : ” Il faut toujours s’attendre à l’imprévu “, retrieved October 20,2010 from http://www.socialismedemocratie32.net/
– نقلا عن:
حسين جمعة : الفكر النقدي لرواد عصر النهضة، الموقف الأدبي، مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق – العدد 440 كانون الأول 2007
– Winock, M., « Qu’est-ce qu’un événement ? ». Revue L’Histoire, France, N 268 septembre 2002, p 32-37.
– Guy Koninckx , Gilles Teneau, Idib
– Alban Bensa et Eric Fassin: Qu’est-ce qu’un événement ? Terrain, numero-38 ,mars 2002, retrieved November 2,2010 from http://terrain.revues.org/index1888.htm
– Stefan Weber :Media and the Construction of Reality, retrieve November 3,2010 from http://www.mediamanual.at/en/pdf/Weber_etrans.pdf
– Grassineau Benjamin: La construction de la réalité sociale. Synthèse du livre de Thomas Luckmann et Peter Berger, retrieved from http://librapport.org/getpdf.php?get=491&id=17&pagename=FILE:download/document%20view
– نقلا عن:
Grassineau Benjaman : John R. Searle, La construction de la réalité sociale, retrieved October 3, 2010 from http://www.docstoc.com/docs/55037375/Formation—John-Searle-la-construction-de-la-realite-sociale
– FOWLER, R. Language in the news. Discourse and ideology in the press, England, London, Routledge, 1991.1991, p. 2
– Charaudeau Patrick, Le discours d’information médiatique. La construction du miroir social, 1997, Paris, Nathan / Institut national de l’audiovisuel (coll. « Médias-Recherches ») P 18
– Verron E. Construire l’événement : les médias et l’accident de Three Mile Island. France, 1981, Paris: Minuit p. 170.
– Gilles Gauthier: Journalisme et réalité : l’argument constructiviste, Revue Communication et langages. N°139, 1er trimestre 2004. pp. 17-25.

– Beatriz Padilla Villarreal: L’agenda médiatique et construction sociale de l’incertitude, Magazine de la communication de crise et sensible, Observatoire International des crises, France, Vol. 13- Avril 2007

– Aubenas Florence et Benasayag Miguel. La fabrication de l’information. Les journalistes et l’idéologie de la communication, La Découverte, France, 1999

– Beatriz Padilla Villarreal: L’agenda médiatique et construction sociale de l’incertitude, Idib
– Coman Mihai. Une approche symbolique de l’espace public. Université de Bucarest, Roumanie, Actes du colloque Bogues, 2000. Retrieved June 28, 2008 from http://www.er.uqam.ca/nobel/gricis/actes/bogues/Coman.pdf
– Beatriz Padilla Villarreal: L’agenda médiatique et construction sociale de l’incertitude
– Daily Express, 1er mai 2009; quoted by Michel Chossudovsky: Mensonge politique et désinformation médiatique concernant la pandémie porcine; retrieved November 3,2010 from http://www.mondialisation.ca/index.php?context=va&aid=13468

– Burger Marcel: Les mots de la peur, medias et analyse du discours, Les médias créent-ils ou reflètent-ils les peurs collectives ? Recueil de textes préparatoires pour le deuxième colloque de l’Institut de journalisme et communication (Université de Neuchâtel)Aula des Jeunes-Rives, 11 avril 2003

– Etienne VERMEIREN: Réflexions essentielles sur le phénomène de panique en situation de crise, entretien accorde à Thierry Portal , Magazine de la Communication de Crise et Sensible, Vol. 19 – juillet 2010 – p 26/41

– Audrey Chauvet: Grippe H1N1: histoire d’une incompréhension, Journal 20 minutes;
– نقلا عن:
Brugidou Mathieu, « L’affaire du sang contaminé : la construction de l’événement dans Le Monde (1989-1992) », Revue Mots. Les langages du politique, France, n°37, 1993

– Maurice Antoine :La construction des peurs par les medias, Recueil de textes préparatoires pour le deuxième colloque de l’Institut de journalisme et communication, Ibid
– Obama: Gulf spill ‘echoes 9/11’, retrieved November 3,2010 from http://www.politico.com/news/stories/0610/38468.html#ixzz0qu8NzdAV

ملحق:
توقف البحث عن 11 مفقودا ولا تسرب نفطيا بعد غرق منصة قبالة السواحل الأميركية
04/24 | 06:36 GMT
نيو اورلينز (الولايات المتحدة ) (ا ف ب) – أكد خفر السواحل الجمعة أنه لم يسجل أي تسرب نفطي قبالة السواحل الأميركية بعد غرق منصة في خليج المكسيك، وأعلنوا توقف عمليات البحث للعثور عن احد عشر مفقودا.
وقال مايك او بيري، الناطق باسم خفر السواحل في نيو اورلينز لوكالة فرانس برس “لا تسرب نفطيا للنفط الخام من الآبار حتى الآن”. وأضاف أن “القضية لم تنته بعد لكن هذا خبر سار”.
ويتم استغلال محيط الآبار النفطية منذ مساء الخميس من قبل رجل آلي (روبوت) تحت الماء مجهز خصيصا لهذه المهمة. وكان خفر السواحل ذكروا أولا لفرانس برس أن بقعة تعتبر “كبيرة” تسربت من المنصة.
وأضافوا أن سفنا مزودة بمعدات لإزالة التلوث تعمل لمنع وصول بقعة المحروقات إلى سواحل لوزيانا والاباما وميسيسيبي التي تأثرت أنظمتها البيئية من قبل بعدد كبير من الأعاصير. من جهة أخرى، قال خفر السواحل الجمعة أنهم انهوا عمليات البحث للعثور على احد عشر شخصا فقدوا منذ وقوع الانفجار.
وقالت الادميرال ماري لاندري التي تعمل في خفر السواحل في نيو اورلينز ” لا يمكننا ان نتوقع العثور على ناجين بعد الآن”. وأضافت إن هؤلاء المفقودين كانوا على ما يبدو على المنصة عند وقوع الانفجار الذي تسبب في غرق المنصة الواقعة على بعد سبعين كيلومترا قبالة سواحل نيو اورلينز (ولاية لويزيانا، جنوب).
وتابعت المسؤولة “اذا حدث أي تسرب فسنكون جاهزين للتحرك”، مؤكدة ان السلطات تستعد “لأسوأ سيناريو”. وكان 126 شخصا على المنصة عند وقوع الانفجار الذي تلاه حريق كبير. وقد تمكن 115 منهم من الوصول الى الشاطئ. وبين هؤلاء 17 جريحا أربعة منهم في حالة حرجة.
وكانت المنصة التي تحمل اسم “ديب ووتر هورايزن” تحوي 2,6 مليون لتر من النفط وتستخرج ثمانية آلاف برميل يوميا، أي نحو تسعين ألف لتر.
وأكد الرئيس الأميركي باراك اوباما الخميس ان “الأولوية الأولى” للحكومة ينبغي ان تكون التعامل مع تداعيات حادث المنصة النفطية في خليج المكسيك التي غرقت الخميس متسببة بتلوث نفطي.
وقال البيت الأبيض في بيان ان اوباما “أكد أن الحكومة الفدرالية تقدم كل المساعدة الضرورية في جهود الإنقاذ وكذلك في التعامل مع تأثير (هذا الحادث) على البيئة واحتوائه”.
ونشرت مجموعة بريتش بتروليوم البريطانية التي تستأجر المنصة سفنا لمراقبة أي تسرب نفطي وأثره على البيئة في ما يمكن أن يؤدي الى أسوأ بقعة نفطية في الولايات المتحدة منذ تلك التي حدثت في 1989 بعد غرق ناقلة النفط “اكسون فالديز”. وكانت هذه الناقلة التي جنحت إلى سواحل الاسكا سببت تسرب أربعين مليون لتر من النفط امتدت على مسافة 1300 كلم.
واحترقت المنصة التي يبلغ طولها 121 مترا وعرضها 78 مترا، ليوم ونصف اليوم. وقالت الشركة السويسرية “ترانس اوشن” المالكة للمنصة انه لم يكن من الممكن “تجنب احتمال تسر

18- البرمجة التلفزيونية في القنوات التلفزيونية العربية: دراسة تحليلية للأسس والدلالات، مجلة البحوث والدراسات الإنسانية، جامعة سكيكدة، الجزائر، عدد 5 مارس 2010

19- المدونات الإلكترونية والصحافة: تغيير المنظور لإستجلاء الأفق المعرفي، المجلة العربية لعلوم الإعلام، المملكة العربية السعودية، عدد 5 نوفمبر 2009 ص ( 243-293)
النص الكامل: http://samc.org.sa/arab-journal

20- الهوية الوطنية والتلفزيون: عشر اطروحات لتطليق المسلمات، نشر في مجلة ” المعيار” بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، بقسنطينة – الجزائر، أذار 2009، ومجلة عالم الفكر، الكويت، عدد 2، المجلد 38، 2009

الملخص:

إن مسألة الهوية تطرح في كل المجتمعات، تقريبا، لكن الإحساس بها وطرائق التعبير عنها وتبعاتها تختلف من مجتمع إلى أخر. وهذه الدراسة لا تطمح إلى تسليط الأضواء على مظاهر توتر الهويات المختلفة في العالم، بل ترمي إلى تفكيك العلاقة الجدلية بين التلفزيون والهوية منطلقة من مفهوم هذه الأخيرة وتعاطيها مع التلفزيون. وبهذا فإنها تخرج من النموذج النظري Paradigm الذي يبرز التلفزيون، وما يقدمه من واقع رمزي، في صورته القوية المالكة لسلطة صياغة الهوية أو إعادة تشكيلها، ويظهر الهوية في وضعها الثابت والقار والمنغلق على ذاتها والضعيفة في وجه قوته. لتحقيق هذا الطموح و طرحت هذه الدراسة للمناقشة عشر أطروحات للكشف عن مدى تعقد ظاهرة الهوية وصعوبة الحديث عن علاقتها بالتلفزيون الذي عاش تحولا كبيرا في مقامه القانوني وأدواره الاجتماعية وتعددية مضامينه.

الكلمات الدالة: الهوية، التلفزيون، التلقي، التمثل، الجمهور، إنتاج المعنى.

National Identity and television: Ten assumptions to end the axioms

Abstract:

The question of the national identity settles in almost all the countries. But its acuteness postpones from a country to the other one, and from a community to the other one.
This study aims by no means at putting the light on the various forms of expression of the national identity. It contents with disintegrating the dialectical relation between the television and the National identity by basing itself on its definition in its relationship on the television and not the opposite. In this sense it questions paradigm which invested the television of an inestimable power which shapes the identity as it pleases. And presents the national identity contained on it and in a vulnerable state.

This study puts in debate ten postulates to explain better the complexity of connections between the television and the national identity

Key Words: Television, Identity, Public, Reception, Representation, production of meaning

21- الصورة في الأخبار التلفزيونية العربية: بين النظر والرؤية: نشر في المجلة الجزائرية الاتصال، في العدد 21يونيو 2009
http://caus.org.lb/Home/electronic_magazine.php?emagID=234&screen=0

22- ” بعض الاافتراضات لدراسة علاقة الإعلام بالحرب”– المجلة الجزائرية للاتصال، عدد 12، 2004 ص ( 24- 38)
23- “الخطاب عن تكنولوجيا وسائل الاتصال الحديثة والمجتمع: بين الواقع الماثل والواقع المأمول” ، حولية جامعة الجزائر عدد 13 يونيو 2000 ص: 85- 120
24- البنيوبة، الاتصال، الفضاء الثقافي العربي: المجلة الجزائرية للاتصال ( الجزائر) العدد 17 1999-
25- « structuralisme, communication, espace culturel arabe: Quelques hypothèses de recherches, Annales de l’université d’Alger N11/avril 1998,T1 (P 11-25)
26- “ البنيوية والدراسات الإعلامية“: حولية جامعة الجزائر، عدد 10/ أبريل 1997 الجزء الثاني ( الجزائر) ( ص 361- 369)
27- إشكالية المحلي في علاقة وسائل الاتصال بالمجتمع”: المجلة التونسية للاتصال- تونس- عدد 15/ يناير- 1997 ( ص32-58) والمجلة الجزائرية للاتصال العدد 15 – جانفي- يناير 1997 ( ص 32 – 56)
28- ” عن مفهوم الثقافة الجماهيرية: المجلة الجزائرية الاتصال، عدد 14/ ديسمبر 1996 (226-243)
29- الخطاب الإعلامي في حرب الخليج” : المجلة التونسية للاتصال، عدد 19/ يناير1991 ( ص 85-99)
30- -” الإعلام الجزائري في ظل التعددية” : الدراسات الإعلامية ( مصر)، يوليو/أيلول 1990(ص51-58)
31- إشكالية الكتابة الصحفية في الجزائر، الملة التونسية للاتصال، عدد 24 ، جويلة/ ديسمبر 1993 ( ص 25-42 )
32- مؤشرات البحث العلمي الإعلامي في الجزائر ” المجلة الجزائرية للاتصال عدد 4/ خريف 1989 (63-75)

6 آراء على “البحوث

  1. استاذ بعض الروابط الدالة على تكملت المقال او امكانية تحميل المقال لم تعد متوفرة او لم يعد المحتوى متوفر عليها ……كيف لنا ان نتحصل عن المحوى كاملا ……وجزكم الله خيرا

    1. معذرة فاطمة كنت أعتقد أن أجبت عن رسالتك… بإمكانك أن تلفتي نظري إلى المقالات التي مات رابطها الإلكتروني لأحاول إحياءها، وإن لم استطع سأرسل لك المقال على بريدك الشخصي إن أردت

  2. شكرا على التنبيه ربما تقصدين المقال العلمي الذي نشر في كتاب جماعي بمركز دراسات الوحدة العربية. بالفعل لقد سحبت هذه المؤسسة الكتاب الذي نشرته في صيغة PDF في شبكة الانترنت. وأعتقد أن هذه هي سياستها. لم يصدر الكتاب جديدا تتركه في شبكة الانترنت حيث يمكن الاطلاع عليه دون تحميله من باب الترويج للكتاب، ثم تسحبه.

  3. السلام عليكم
    دكتور ابحث عن بحث لك بعنوان الصورة في وسائل الاعلام العربي بين البصر والبصيرة… اتمنى ان تصلني نسخة من ذلك البحث
    تحياتي وتقديري لك من بغداد

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )