البحوث


 

التفكير في عدَّة التفكير: مراجعة نقدية لنظرية الاستخدامات و الإشباعات في البيئة الرقمية، مجلة لباب،  ص 205-233

التفكير في عدة التفكير : مراجعة نقدية لنظرية الاستخدامات والإشباعات في البيئة الرقمية

 

رهانات تدريس الأنواع الصحفية في المنطقة العربية  في ظل مواقع الشبكات الاجتماعية

د. نصر الدين لعياضي

مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية ، جامعة الشارقة،  المجلد 8، العدد 2، يونيو 2011 ، ص ( 87-139)

 

ABSTRACT

The challenges of teaching Journalistic Genres in the Arab world in the era of social networks

The researcher aims to study the experiments of some mass communication departments and colleges in the Arab countries in the pedagogical of the journalistic genres in terms of content, span of time, and teaching methods.

Based on the previous, the researcher tries to identify certain parameters of the college level education. For example, there is a need for examining the journalistic genres in the curriculum plans. Also, there is need for figuring out the epistemological boundaries in the educational process and how does this relate to the new changes in the field of mass media studies. Other areas of inspection include the: identity of the contemporary journalist, interactivity, and the changing nature and structure of the journalistic text.

.Even though many of the media schools and departments try the best to supply the market with well-trained media personnel, still many obstacles appear recurring in the field. First, there is no reciprocal cooperation between scholars of communication and media studies on the one hand and professional media personnel on the other hand in educating journalists. Second, many of the schools and departments of media studies do not offer innovative courses that meet the requirements of new media organizations in the Arab World.

Thus, the researcher demonstrates that the teaching of journalistic genres became a technical issue that benefits neither the scientific contributions of sociology and semiotics of mass media or the philosophy of communication in the age of social networks.

Key Words:  Journalistic Genres,  Informative Genres,  Editorial Genres,  Journalistic Field, text, Journalistic Paradigm

ملخص:

يستعرض الباحث تجربة بعض أقسام الإعلام وكلياته ومعاهده في المنطقة العربية في مجال تدريس الأنواع الصحفية Journalistic Genres من ناحية المضمون، والمدة الزمنية، وطرق التدريس.

وحاول أن يكشف عن حدود هذا التدريس من ناحية تناسق مساقاته عبر مراحل التعليم الجامعي،  وغياب بعض الأنواع الصحفية في الخطط الدراسية ، وبيّن الحدود المعرفية  في هذا التدريس  على ضوء التغييرات الكبرى الذي يعيشها عالم الإعلام والاتصال ، والتي طرحت الكثير من التساؤلات عن هوية الصحافي ودوره، و مكانة الجمهور المشارك بفاعلية في العملية الإعلامية التي تتسم بالتفاعلية، والتغيير الحاصل في مفهوم النص الصحفي وأشكال بنائه.

لقد سعت أقسام الإعلام وكلياته ومعاهده في المنطقة العربية لتلبية حاجات سوق العمل من خلال ربط  البعدين النظري والعملي  في تعليم الصحافيين. هذا ما يثبته  تزودها  بمختبرات المكنتوش واستوديوهات  الإذاعات والتلفزيون. لكن هذا المسعى يظل يعاني من عدة نقائص منها، هشاشة التعاون بين الأكاديميين والمهنيين في مجال تعليم الصحافيين من جهة، وسقوط مؤسسات التعليم الجامعي في الامتثال، بمعنى أنها تعيد إنتاج قوالب الكتابة الصحفية ذاتها، وكأنها قوالب جامدة لا تتطور بتطور متغيرات العمل الإعلامي، كما تكشف عنه الممارسة الإعلامية الحديثة في العالم وفي المنطقة العربية ذاتها.

و يبرهن الباحث على أن تدريس الأنواع الصحفية تحول في بعض أقسام الإعلام وكلياته في المنطقة العربية إلى مسألة تقنية أو شكلية. لا يستفيد من الزاد المعرفي في مجال سوسيولوجية وسيميولوجية  الإعلام والاتصال، واقتصاد المؤسسات الإعلامية، وفلسفة الاتصال في ظل الشبكات الاجتماعية في الانترنت.

الكلمات المفتاحية: النوع الصحفي، الأنواع  الإخبارية، الأنواع الصحفية الفكرية، البراديغم  الصحفي، الحقل الصحفي، النص.

المقدمة

يُعدّ تدريس الكتابة الصحفية العمود الفقري لتكوين الصحافيين. فالمؤسسات الإعلامية تُقيّم خريجي كليات الإعلام ومعاهده، عادة، بالنظر إلى مدى تحكمهم في الأنواع الصحفية. وإذا كان المهنيون والباحثون في مجال الصحافة في الدول المتقدمة قد وضعوا تدريس الأنواع الصحفية موضع تساؤل وتفكير منذ سنوات، فلم يشكل الحديث عن الأنواع الصحفية، في الأوساط الأكاديمية والمهنية في المنطقة العربية، هاجسا معرفيا أو مهنيا.

 إن ما يسمى الميدبا الجديدة جدّد النقاش حول الأنواع الصحفية، وطرح على مؤسسات تعليم الصحافيين الكثير من الأسئلة الجوهرية التي تتعلق بمشروعية أشكال الكتابة الصحفية التي ظهرت، وتطورت في ظل وسائل الإعلام الكلاسيكية، بل مشروعية وجود هذه الوسائل ذاتها.

إن صمود الصحافة المكتوبة في ظل التنافس بين الأشكال الإعلامية المختلفة، أو انتقالها إلى صحافة إلكترونية أو الاحتفاظ بطبعتيها: الورقية والالكترونية معا، هو اختيار لم تمله ضرورة تجارية فقط، بل فرضه التغيير الحاصل في ايكولوجية عالم الإعلام والاتصال، وصناعة الصحافة، وتمثّل الجمهور للوسيلة الإعلامية وموادها الصحفية.

إن النقاش الذي يتجدّد في اللقاءات التي تجمع المهنيين والأكاديميين في الدول الغربية، و تحول إلى هاجس أساسي، يختصره السؤال التالي: كيف ينعكس هذا التغيير الايكولوجي على مستوى أشكال التعبير الصحفي؟ بمعنى يمكن القول أن وسائل الإعلام، والصحافة المكتوبة تحديدا تعيش مرحلة التغيير في قوالب كتابتها نظرا لظروف إنتاجها، وتعدد المساهمين في حلقات إنتاجها، والاكراهات المرتبطة بظهورها في الشاشة وشروط قراءتها غير الخطية، وتغير موقع القارئ في المعادلة الإعلامية الكلاسيكية.

 نعتقد أن هذا النقاش لم ينطلق بعد في المنطقة العربية ليس لقلة المنابر التي تجمع المهنيين والأكاديميين فحسب، بل لأن اللقاءات التي اقتصرت على المهنيين، أو الأكاديميين، تجنبت طرح مثل هذه التساؤلات لأسباب موضوعية وذاتية لا يسع المقام لذكرها. أما المواعيد التي فتحت جسور اللقاء والنقاش بين المهنيين والأكاديميين فقد استحوذ عليها الهاجس السياسي والانشغال التقني اللذان قاداها إلى المراهنة على فناء الصحافة المكتوبة والاحتفاء بالصحافة الإلكترونية.

إشكالية الدراسة:

إنّ مراجعة بعض البحوث العلمية حول الأنواع الصحفية تؤكد أنها صيغ تعبيرية غير جامدة، تتميز بمرونتها ومقدرتها على التجدد والتغيير. فثباتها واستقرارها في الممارسة الصحفية يكتسي طابع النسبية. والسؤال النظري الذي يثار عادة يتمثل في طبيعة القوانين التي تتحكم في استقرارها النسبي، والعوامل التي تتدخل في تجديدها وتغييرها.

فإذا كان تغيير الأنواع الصحفية في العقود السابقة يتسم ببطء ولا يتجلى إلا عبر التراكم الطويل  نتيجة ثقل الترسبات الثقافية والاجتماعية والسياسية، ووطأة تقاليد العمل الصحفي وروتينه، فإن التغيير في الأنواع الصحفية أصبح، اليوم، أسرعا، وأكثر إلحاح ضمن إيكولوجية الإعلام الجديد وتنوع وسائطه المختلفة.

إن محاولة طرح مسألة التغيير/التجديد في أشكال الكتابة الصحفية في المنطقة العربية يتطلب التفكير في مؤسسات تدريس الصحافة والإعلام التي من المفروض أن تواكب كل جديد يطرأ على الأنواع الصحفية كما تتجلى في الممارسة المهنية. فما هو المنطق الذي يتحكم في تدريس الأنواع الصحفية في المنطقة العربية؟ وكيف تتمثل كليات الإعلام ومعاهده الكتابة الصحفية في ظل الإيكولوجية الجديدة التي يعيشها حقل الإعلام والاتصال؟

تساؤلات البحث:

ما هو حجم الاهتمام الذي توليه الكليات ومعاهد الإعلام في المنطقة العربية لتدريس الأنواع الصحفية؟

ما هي أهم المفردات التي يُعتمد عليها لتأهيل طلاب الصحافة قصد تمكينهم من التحكم في الكتابة الصحفية على الصعيدين النظري والعملي؟

كيف يصمد منطق تدريس الكتابة الصحفية في كليات الإعلام ومعاهده في  ظل الايكولوجية الجديدة للإعلام، أو يتكيّف معها؟

منهج البحث وأدواته :

اعتمد الباحث على المنهج الوصفي المقارن لدراسة الخطط التدريسية التي تطرحها بعض كليات الإعلام ومعاهده في المنطقة العربية. ووظف تقنية تحليل المضمون معتمدا على وحدات التحليل والتصنيف التالية:  المساق التدريسي[1]، حجم الساعات التدريسية للأنواع الصحفية والمساقات المساندة، ومجمل الساعات التدريسية المعتمدة في الخطط التدريسية،  وعدد مساقات الأنواع الصحفية مع الساعات الممنوحة للمساقات المساندة، وعدد المساقات المطروحة في الخطط الدراسية لنيل شهادة البكالوريوس في الصحافة. هذا مع الإشارة إلى الباحث قام بتحليل الخطط الدراسية الخاصة بتخصص الصحافة المكتوبة دون غيرها.

 وقد اعتمد الباحث على عينة قصدية قوامها ثماني كليات الإعلام في المنطقة العربية[2]، نعتقد أنها تغطي مجمل المدارس والرؤى لتدريس الصحافة في المنطقة العربية.  إن القصدية هنا فرضتها طبيعة البحث الذي يشترط الإطلاع على الخطة التدريسية وتوصيف مساقاتها. فالقليل من كليات الإعلام في المنطقة العربية تنشر خطتها التدريسية مع توصيف وحداتها التدريسية. والعديد من كليات الإعلام لا تنشر خطتها الدراسية ، وبعضها يكتفي بنشر محاور التدريس بالكلية فقط. لذا اعتمد الباحث على عينة من الكليات التي توفر معلومات عن خطتها الدراسية في مجال الصحافة المكتوبة. وتجنب إدخال المعاهد والمدارس غير الجامعية ضمن مجتمع بحثه.

وقد قارن الباحث بين الوحدات إحصائيا للكشف عن التطابق والاختلاف في تدريس الأنواع الصحفية    في المعاهد وكليات الإعلام في المنطقة العربية.

لقد بدا للباحث أن أداة تحليل المضمون قاصرة عن معالجة الإشكالية المطروحة أعلاه، والإجابة على أسئلة البحث. لذا لجأ الباحث إلى توظيف إحدى أدوات البحوث الكيفية، وهي الملاحظة بالمشاركة. وقد تشكلت هذه الملاحظة لدى الباحث من خلال ممارسته للتدريس الأنواع الصحفية في عدة جامعات عربية لعدة سنوات، ومعايشته لأساتذة الإعلام في العديد من الجامعات العربية، واستمراره في الكتابة للصحف والمجلات العربية، واحتكاكه الدائم بالصحافيين، ومواكبته لأشكال التعبير الصحفي فيها. وقد تعززت هذه الملاحظة من خلال إطلاع الباحث على كل ما يستجد على صعيد التفكير في مجال الأنواع الصحفية.

الدراسات السابقة:

لم يشكل تدريس الأنواع الصحفية موضوع بحث مستقل في التراث العلمي حول علوم الإعلام والاتصال في المنطقة العربية، بل احتل جزءا من الاهتمام الكبير بمسألة تكوين الصحافيين وتأهيلهم الذي يعتقد الكثيرون من خاضوا فيها بأنها تظل مطروحة في كل الحقب التاريخية  بسبب التغيرات الاجتماعية والثقافية والتطور التكنولوجي المتزايد.( Rieffel ، 2001، Larue-Langlois ، 1989) وقد شاركت بعض البحوث العربية القليلة في التفكير في مسألة تكوين الصحافيين وتأهيلهم خاصة في مجال التلفزيون، وطالبت ” بضرورة إعادة النظر في أساليبه لأنه لا يستند إلى رصيد فكري معرفي، ولا يملك إطارا نظريا يكون بمثابة المرجعيّة العلميّة. إنّه يجري على نحو يغيّب التفكير في ما يحيط بالصّورة من أطروحات وأدبيات تفسّر وظائفها وتحلّل أبعادها؛ أي إنّه غارق برمّته في المنظومة التقنية الخالصة.( الحيدري، 2005)

ويظل الاهتمام الفكري والمعرفي بالأنواع الصحفية في المنطقة العربية شبه غائبا مقارنة بعدد البحوث والدراسات التي حظيت بها في فضاءات ثقافية مختلفة، حيث يمكن أن نذكر على سبيل المثال، وليس الحصر، برنامج البحث الذي حمل عنوان: “الهجانة وإبداع الأنواع الإعلامية: حقائق، وتمثّلات، واستخدامات تحولات الإعلام” (Ringoot ,Utard ،2009: 215)، والذي جمع 27 باحثا من مجالات علمية متعددة وبلدان مختلفة: كندا، وفرنسا، والبرازيل”. لقد تساءل الباحثون عن الأنواع الصحفية باعتبارها قرائن لتطور الإنتاج الصحفي على المستويات الثلاثة التالية: القواعد الخطابية المتحكمة في الإنتاج الصحفي ، والعلاقة بين الأنواع الصحفية والخط التحريري أو سياسة الوسيلة الإعلامية، وتحولات الأنواع الصحفية في الصحافة الوطنية، والمقارنة بين الأنواع الصحفية عبر الثقافات…

حاولت القليل من البحوث العربية استبصار أشكال الصحافة في المنطقة العربية من خلال دراسة الصحافة الإلكترونية، حيث يمكن أن نذكر في هذا المقام، البحث المعنون: الصحافة الإلكترونية: أحادية الشكل وتعدد المضامين أم أنواع صحفية جديدة؟ ( لعياضي، 2006 : 20 ) و” تجديد الإعلام: مناقشة حول هوية الصحافة الإلكترونية”. ( الحمامي،2009)  وقد تقاطع البحثان مع العديد من الإشغالات العلمية التي اهتم بها العديد من الباحثين الغربيين والتي ركزت على أشكال الكتابة الصحفية في صحافة الانترنت وتأثيرها على قوالب التعبير الصحفي الكلاسيكي.

نتائج تحليل الخطط التدريسية للأنواع الصحفية في الكليات في المنطقة العربية:                          تتراوح مدة الحصول على شهادة البكالوريوس صحافة في كليات الإعلام ومعاهده في المنطقة العربية  ما بين  170 ساعة ( قسم الإعلام، بكلية الآداب بجامعة عدن)، و125 ساعة (  قسم الإعلام بكلية الآداب، جامعة 7 أكوبر بليبيا)-

كما تتراوح نسبة الحصة الزمنية التي  تحظى بها مساقات الأنواع الصحفية والمساقات المساندة ما بين 6% من مجمل الساعات التي حددتها الخطة الدراسية لكلية الإعلام بالقاهرة، و17% من مجمل الساعات التدريسية في قسم الإعلام والسياحة بكلية الآداب بالبحرين. وهي النسبة ذاتها التي تعبر عن علاقة مساقات الأنواع الصحفية بمجمل المساقات التي تتضمنها الخطط الدراسية.

تكتفي بعض الكليات بتدريس الكتابة الصحفية فقط، كما هو شأن في كليتي الإعلام في القاهرة وبغداد. بينما تسعى الكليات الأخرى، بدرجات متفاوتة، إلى إضافة تدريس مساق الكتابة الإعلامية والكتابة الإذاعية ، كما هو الأمر بالنسبة قسم الإعلام بكلية الآداب، جامعة 7 أكوبر بليبيا- والكتابة لوكالات الأنباء  بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار.

لتقريب تدريس الأنواع الصحفية من الممارسة اكتفت بعض الكليات بتخصيص مساق للتدريب على الكتابة الصحفية سواء في المؤسسات الإعلامية أو داخل الكلية، أو توجيه الطلبة لإعداد أنواع صحفية ثقيلة       ( تحقيق صحفي، ريبورتاج)، كما هو الأمر بالنسبة  لقسم الاتصال الجماهيري، بكلية الآداب، جامعة الإمارات، وقسم الإعلام، بكلية الآداب بجامعة عدن، وقسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز بالسعودية. واتجهت الكليات الأخرى إلى إدراج مساقات ضمن الخطة الدراسية وهي عبارة عن معمل أو ورشة تحمل عناوين مختلفة، مثل ورشة الكتابة الصحفية، أو تطبيقات في الصحافة، كما هو الأمر بالنسبة لكلية الإعلام بالقاهرة وبغداد، ومعهد علوم الأخبار بتونس، وقسم الإعلام والسياحة بكلية الآداب بالبحرين.

تختلف أساليب تدريس مساقات الكتابة الصحفية في كليات الإعلام في المنطقة العربية فبعضها يفصل بين النظري والتطبيقي من ناحية عدد الساعات، كما هو الشأن في معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس، وقسم الإعلام بليبيا، وقسم الإعلام باليمن(عدن). لقد خصصت هذه المؤسسات الجامعية ساعات عملية لتطوير مهارات طلاب الصحافة وتدريبهم على كتابة ما تعلموه نظريا. ويتراوح حجمها الساعاتي ما بين 5 ساعات، و18 ساعة ( وهذه عبارة عن أعمال موجهة يطبقها معهد الصحافة وعلوم الأخبار تمتزج فيها مراجعة المعلومات النظرية وممارستها). أما بقية الأقسام وكليات الإعلام فقد تركت الأمر بيد أستاذ المساق الذي يمكنه أن يخصص جزءا من محاضراته إلى الممارسة إذا أراد ذلك، أو يكلف الطلبة بكتابة أنواع صحفية معينة خارج الوقت المخصص للمحاضرة.

يبدو أن ما سبقه ذكره من اختلاف في تدريس الكتابة الصحفية أمر طبيعي، لأنه يعبر عن اختلاف المدارس في تكوين وتأهيل الصحافيين في المنطقة العربية ومرجعياتها، وهو الاختلاف الذي نشاهده على مستوى دولي.  فتقسم ساعات تدريس الأنواع الصحفية في العديد من المؤسسات الجامعية الأوربية إلى قسمين: قسم نظري، وقسم عملي. وإن كانت الأهمية تولى إلى القسم النظري. أما في التجربة الأنجلو سكسونية والأمريكية تحديدا، فيمتزج النظري بالعملي. لكن تشترك التجربتان في الاستفادة من خبرات المهنيين في تدريس الكتابة الصحفية.

لقد كشفت التجربة أن نسبة تدريس الأنواع الصحفية من مجمل الساعات المحددة في الخطة الدراسية تبدو غير كافية، لأن الكثير من الطلبة يلتحقون بكليات الإعلام دون أن يتحكموا في قواعد الكتابة بصفة عامة. لكن المسألة لا تقف عند الكم، بل تطرح ما هو أعمق.

لتوضيح جوهر الأنواع الصحفية، والاختلاف بينها نورد التصنيفات التالية:

التصنيف الأول: قدمه الباحث De Baucker  Masé  (Adam، 1997) ، حيث وضع الأنواع الصحفية الكبرى ضمن خانتين فقط، وهما: الأنواع الإخبارية والأنواع التعليقيةof  Commentaries   Genres . وهذا التصنيف يقوم على مسلمة الفصل بين الخبر والتعليق بالاستناد إلى المعايير الثلاثة التالية: الموضوع، وقصدية الكتابة الصحفية. بمعنى هل تستهدف هذه الأنواع الصحفية الإخبار والتبليغ أو تفسير الأحداث والتعليق عنها؟ وما هو موقف الصحافي في خطابه؟ وما هي مصادره الإخبارية؟

التصنيف الثاني ( لعياضي، 2007: 30،31 ) يرى أن الأنواع الصحفية تتسم بثرائها ومساهماتها المختلفة والمتباينة في بناء الواقع، فتصنيفها يجب أن يعكس هذا الثراء ويكون أكثر شمولية، ويعتمد على معايير متعددة تتجاوز القصدية والموضوع، والموقف من المصدر لتشمل حجم المادة الصحفية، وعملية تلفظها، وآنيتها، لذا أدرجها في مجموعات تبدو أنها متقاربة، مثل الأنواع الإخبارية ( الخبر والتقرير الصحفيين)، والأنواع الفكرية ( المقال الافتتاحي، والمقال التحليلي، والعمود الصحفي)، والأنواع الاستقصائية ( التحقيق الصحفي) والأنواع التعبيرية ( الريبورتاج، والبورتري( Portrait  ) أو البروفايل )  (Profil  .

لا يأخذ تدريس مساقات الكتابة الصحفية في العديد من كليات الإعلام وأقسامه في المنطقة العربية بعين الاعتبار مسألة التدرج المعرفي والعملي للأنواع المصنفة أعلاه. فجل الكليات والمعاهد الإعلامية في الدول المتقدمة تشرع في تدريس الأنواع الإخبارية أولا، ثم تنتقل إلى تدريس بقية الأنواع وذلك انطلاقا من فهم صائب وهو أنه من الصعب التحكم في الأنواع الصحفية الفكرية، والاستقصائية، بدون التعرف على الأنواع الإخبارية. بيد أن بعض كليات الإعلام القليلة تحشر تدّريس التقرير الصحفي وسط الأنواع الفكرية، أو تنتقل مباشرة من تدرّيس الخبر الصحفي إلى تدريس التحقيق الصحفي. وهذا خلافا للتصور الذي يرى أن تدريس التحقيق الصحفي يجب أن يتوج التحصيل العلمي في جميع مساقات الكتابة الصحفية لأنه يستوعب الكثير من العناصر الأنطولوجية للأنواع الصحفية؛ أي أنه يتطلب الإلمام بالوظيفة الإخبارية التي يقوم بها الخبر والتقرير الصحفيين ( لأنها تجيب على سؤال ماذا جرى؟، واستيعاب مقومات المقابلة الصحفية ( تقديم شهادة أو خبرة…) والتحكم في الكتابة التي تحلل الأحداث ( المقال الصحفي).

إذا كان معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس يُدرّس الريبورتاج، ويتعامل مع البورتري كصنف من أصناف الحديث الصحفي، فإن الكثير من معاهد الإعلام  وكلياته في المنطقة العربية لا تتجاهل تدريس الأنواع الصحفية التعبيرية، مثل البورتري و الريبورتاج، على وجه التحديد، فقط بل تنفي مشروعية هذا الأخير كنوع صحفي قائم بذاته، وتنكر وجوده كشكل من أشكال الكتابة الصحفية الأكثر نبلا، والذي بُني عليه التمثّل الجماعي للمراسل الصحفي في المنتصف الثاني من القرن العشرين

يرتبط الريبورتاج في ذهن المهنيين في الدول الأوربية بالممر الذي انتقل عبره الكثير من الكتاب إلى عالم الأدب.[3] لقد ظهر هذا النوع الصحفي في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة الممتدة من 1861 إلى 1865، وأرسى الأسس المهنية للصحافة، لأنه أنزل الصحافي إلى الميدان لمتابعة ما يطرأ من تغيرات في الحياة اليومية، وليكون” الشاهد” المؤقت على حدوثها.( Balle ، 1987: 87)

إن الريبورتاج الذي يعبر عن ازدهار عصر الصحافة التجارية التي أطرت الصحافة الإخبارية طرح على الصحافة الأوروبية ضرورة الانتقال من سيطرة الكتابة ذات الطابع الفكري، التي انشغلت بتأويل ما يجري،  إلى الكتابة الصحفية التي تهتم بما يجري ( أي نقل الأحداث والوقائع). ويجد هذا الاهتمام  جذوره الفلسفية في السوسيولوجية الوظيفية (Ruellan ، 2008)  التي حررت العمل الصحفي من ارتباطه بالمصادر الرسمية والمؤسساتية، وفتحته على تعددية المصادر ليستقي معلوماته من مختلف الأطراف الاجتماعية بما فيها المواطن العادي.

فإذا كان تطور الريبورتاج الصحفي الذي يقوم على الالتصاق بتفاصيل الواقع قد أثار نقاشا نظريا حول البعد الذاتي في الكتابة الصحفية، فإنه  ساهم في تعزيز شرعية للصحافة التجارية التي سعت للانفلات من الرقابة الكلاسيكية التي تمارسها السلطة السياسية، وشارك في تأسيس الصحافة المعاصرة  وهي تعيش مرحلة تصنيعها، حيث أضحى جمع المعلومات والأخبار نشاطا اقتصاديا مربحا.(Ruellan ، 2008)

إن تغييب تدّريس الريبورتاج في الكثير من كليات الإعلام وأقسامه يمكن تفسيره بقلة استخدامه في وسائل الإعلام العربية، والصحافة تحديدا، لأن الصحافة العربية تغذت ولا زالت تتغذى من الترسبات التاريخية والاجتماعية، والتي دفعتها إلى تجسيد انشغال سياسي وثقافي، وحمّلتها رسالة نضالية وكفاحية. لذا نلاحظ أن الصحف العربية تبجل المقال، وتتعالى على الخبر الذي يشكل لحّمة الأنواع الصحفية.  فولع الصحف العربية بالمقال، وانشغالها بكل ما هو رسمي جعل الخطاب الصحفي العربي شديد الارتباط بالخطاب السياسي، يتغذى أساسا بالمقال والتقرير الصحفي. والنتيجة أن التقرير هيمن في  الممارسة الصحفية وتدّريسها الأكاديمي لأنه  يتناغم مع النشاط الرسمي والمؤسساتي أكثر من الريبورتاج، لكن ظروف الدول العربية تغيرت، ووسائل انتقال المعلومات تغيرت هي الأخرى ولم تعد حكرا على المؤسسات الرسمية.

إن تدريس الكتابة الصحفية في أكثر من جامعة عربية، والاحتكاك بتجارب مختلف الأساتذة العرب من جامعات عربية مختلفة يؤكدان أن تدريس الأنواع الصحفية لم يستفيد بشكل مباشر أو غير مباشر، من تقاليد السرد في الثقافة العربية الإسلامية.

إن المتتبع الحصيف للتراث العربي الإسلامي يعثر فيه على بعض سمات الريبورتاج. هذا ما نلاحظه على سبيل المثال في كتاب تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار لابن بطوطة، والذي يروي فيه رحلاته التي قادته إلى الهند والصين. وكتاب أحمد بن العباس بن رشد بن حماد المعروف باسم بن فضلان  الذي يسرد فيه رحلته إلى  روسيا وبلغاريا.

ولم يستلهم تدّريس الأنواع الصحفية على الصعيد النظري مما توصلت إليه الأنواع الأدبية العربية التي تعد أكثر تأثرا بالمتغيرات الثقافية والفكرية في العالم والمنطقة العربية. فمفهوم النص الصحفي المفتوح الذي يعني عدم خضوعه لنمطية القالب الواحد في الكتابة نتيجة الكتابة في شبكة الانترنت وفق منطق النص الفائق أو الفائض HyperText قد وجد في الأدب. ومارسه بعض الأدباء العرب في إنتاجهم الروائي الذي اجتمعت فيه عناصر الرواية والشعر والقصة القصيرة والمقالة. ( العزاوي،2000 )

يوجد عدد قليل من كليات الإعلام في المنطقة العربية التي أدرجت الصحافة الإلكترونية في تكوين الصحافيين. إن هذا الإدراج في اعتقادنا يطرح ضمن مطلب إطلاع الطالب على خصوصية الصحافة الإلكترونية، وتعريف الطلبة بالفرق بينها وبين الصحافة الورقية على صعيد الإخراج والتبويب، والمواد الصحفية المنشورة، أكثر من التفكير في التحول الجذري الذي تعيشه الصحافة اليوم على صعيد الكتابة والهوية، والناجم عن العديد من العوامل والتي تساهم كلها في تطور النظرة لما هو النص الصحافي وأشكال بنائه أو تشظيه.

أعتقد أن التصور المعمول به في تدريس ” الكتابة الصحفية” يقف عند طموح واحد ومحدد: تخريج طلاب يستطيعون أن يتأقلموا بسرعة مع ظروف العمل الصحفي والبيئة التقنية لهذه الوسيلة الإعلامية أو تلك، ويلتحقون بسرعة في دورة الإنتاج الصحفي. وهذا خلافا لخريجي بقية العلوم الاجتماعية والإنسانية الذين يقضون فترة أطول حتى يعول عليهم في المؤسسة الصحفية. ولعل هذا الطموح كان وراء إدراج بعض أقسام، مثل  قسم الإعلام  بجامعتي الإمارات والبحرين، مساقات ذات طابع تقني- إجرائي في الخطة التدريسية، وهو استخدام الكمبيوتر وبرامجه في تأهيل الصحافيين لجمع المعلومات، و إظهار البيانات والإحصائيات بشكل أسرع وأدق باستخدام برنامح SPSS، و ميكروسفوت أوفيس أكسس، وإكسال، وون نوت ( Microsoft Office One Note )

يبدو أن هذا الطموح منطقي ومبرر لأنه يسعى إلى التناغم مع متطلب سوق العمل في المجال الإعلامي، لكنه يعاني من نقيصتين. النقيصة الأولى وتتمثل في دفع التعليم الجامعي في مجال الإعلام إلى الامتثال؛ أي تكوين صحافيين قادرين على إعادة إنتاج قوالب الكتابة المهيمنة في وسائل الإعلام بدون امتلاك رصيد معرفي يسمح لهم بتجاوزها. لقد شكلت هذه النقيصة مأخذا على معهد تكوين الصحافيين الفرنسيين، الذي يُعّد أقدم وأبرز هيئة تعليم مهن الصحافة والإعلام في فرنسا. لقد اتهم بأنه مصنع لإنتاج الامتثال في الصحافة، لأنه يعكف على تدريب الصحافيين على القوالب التعبيرية ذاتها بالأسلوب ذاته الذي ظل سجين الصور النمطية لارتهانه لسلطة المال التي تتحكم في معظم وسائل الإعلام الفرنسية. (Ruffin، 2003)

ما يرسخ هذا الاعتقاد هو عدم انفتاح تدّريس الكتابة الصحفية في المنطقة العربية على المهنيين، وغلق المعرفة النظرية في مجال الكتابة على بعض الكتب المقررة، التي تتوارث المعلومات ذاتها مجسدة منطق ” المحلية الأكاديمية”. وبهذا فإنها لم تتجدد بما ينشره المهنيون عن تجاربهم وخبراتهم المهنية، ولا تثري بما يستجد من الكتابات الفكرية الخاصة بتطور أشكال الكتابة الصحفية في العالم، والتي تناولها بالتفصيل لاحقا. هذا إضافة إلى وجود نسبة من أساتذة الصحافة في الجامعات العربية لا تملك رصيدا مهنيا في مجال الممارسة الصحفية، واستمرار القطيعة، بهذا القدر أو ذاك، بين الأكاديميين والمهنيين.

تأسيسا على ما تقدم نعتقد أن مسمى ” الكتابة الصحفية أو الإعلامية”، و” فنيات التحرير” أو التحرير الصحفي” المدرج في الخطط الدراسية في أقسام وكليات الإعلام العربية يرسخ الفهم السائد والمتمثل في أن تدريسها مسألة تقنية تختصر في تلقين الطالب مجموعة من القوانين المرتبطة ببعض الأنواع الصحفية، وليس كلها، وتطبيقها على الأحداث والوقائع. وبهذا توحي ضمنيا بأن الكتابة الصحافية ظلت على ما هي عليه منذ  ظهور الصحف الأولى في المنتصف الأول من القرن السابع عشر! لهذا نلاحظ أن المؤسسات الأكاديمية المكلفة بتكوين الصحافيين وتأهيلها، تتجنب التعامل مع الكتابة الصحفية   في بعدها الفكري، أي لا تحولها إلى إشكالية ترتبط بكيفية نشوء الأنواع الصحفية والعوامل المتحكمة في تطورها، أي لم تضعها في نقطة تقاطع الكثير من العلوم: اللسانيات، السيمولوجيا، علم الاجتماع، الفلسفة، كما هو معمول به في أقسام الأدب وكلياته التي تعكف على تدريس الأنواع الأدبية. وحتى كليات الصحافة في أوربا. فالمدرسة العليا للصحافة بمدينة  ليلLile الفرنسية رفدت تدريس الكتابة الصحفية بمساق خاص بالتفكير في تعقد مهنة الكتابة الصحفية.

يمكن القول من باب الإنصاف، أن الكثير من كليات الإعلام وأقسامه، تمهد لتدريس ” الكتابة الصحفية أو الإعلامية” بمادة معرفية عن الفرق بين الصحافة والأدب، وخصائص الأسلوبين الصحفي والأدبي. وقد تجد هذه المادة مبرر وجودها في مساهمة المؤسسات الأكاديمية في تحرير الكتابة الصحفية من الإرث الأدبي الذي أثقلها. فالكل يعلم أن الصحافة في المنطقة العربية لم تظهر، في بدايتها، في شكلها اليومي الإخباري الذي يسمح لها بمتابعة الأحداث ونقلها بآنيتها، كما أن أغلبية محرريها كانوا من الأدباء والمصلحين إلى درجة أن بعض الأحداث الدولية كانت تنقل شعرا في الصحافة![4] لكن الأمور تغيرت، ولا توجد ضرورة للحديث المسهب عن الفرق بين الأدب والصحافة. فالضرورة تكمن في تشخيص الفرق بين الخطاب السياسي والإعلامي. فالكل يعلم أن الخطاب السياسي قد ” اغتصب” الخطاب الإعلامي في المنطقة العربية منذ  الخمسينيات من القرن الماضي.

إذا من أجل فهم رهانات تدريس الكتابة الصحافية في ظل الإعلام الجديد يجب التوقف قليلا عند الفهم السائد للأنواع الصحفية وتمثّل Representation لتطورها في الوسط الأكاديمي.

 أطروحتان لإدراك التغيرات التي عاشتها وتعيشها الصحافة.

من الصعب أن نفهم الأنواع الصحفية بدون إدراك أن الصحافة كائن حي يتغير، ويتجدد بفعل مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. فالمقارنة بين نسخ الصحف الأولى التي ظهرت في مطلع القرن التاسع عشر، وطبعات بعض عناوين الصحف الحالية، يبرز التغيير الكبير في سجل مواضيع المادة الصحفية، ومحتوياتها، وطرق تبويبها وإخراجها. ويكشف عن تطور أشكال كتابتها. إن هذه التغييرات لم تحدث مرة واحدة، ولم تسلك مسلكا خطيا، ولم تقض على كل تقاليد الممارسة الصحفية السابقة، بل كانت وليدة مسار معقد، ومتفاوت التأثير من منطقة إلى أخرى.

يفضل الباحث فرنسو دُمير (Demers، 2007) وصف هذا المسار بـ” الفك وإعادة التركيب”، بينما يعبر عنه  :Camille Laville  2008 بتغيير التشَكًل أو التكوين  Configuration الذي استلهمه من كتابات الباحث  Norbert Elias ، فيرى ( أن  الممارسات الصحفية تندرج ضمن عملية تشكيل تؤسسها مجموعة من العوامل الاقتصادية والثقافية والتقنية والسياسية.  فكل هذه العوامل تتجسم في الواقع الملموس الذي تصنعه المؤسسات، والفاعلون، والتقنيات. إنها تصنع تشكيلا غير ثابت، يتطور عبر التاريخ.”)

الأطروحة الأولى:  “براديغم” الصحافة    journalistic paradigm

لفهم منطق هذا التشكيل، يوظف الباحثان الكنديان: جون دو بوفيل  Jean de Bonville، و جون شارو Jean Charron  مفهوم  براديغم الصحافة journalistic paradigm. ويعرفانه بأنه  نسق معياري أنجبته الممارسة القائمة على الأنموذج والمحاكاة، ويتشكل من افتراضات، ومخططات تأويلية، وقيم وقوالب نموذجية ترجع  إليها جماعة من الصحافيين في إطار زماني ومكاني محدد. وتعمل على تمتين انتمائهم. وتستخدم لإعطاء شرعية للممارسة الصحفية. (Charron ،Bonville، 2000)

عند تنزيل هذا النسق المعياري في أرض الواقع يصبح يغطي ما يمتلكه الصحافيون من قواعد إنتاج المادة الصحفية. وهذه القواعد ليست ذات طبيعة قانونية أو أخلاقية، كما يذهب إليه الباحثان، بل جملة من المعايير الشكلية المتسترة التي يستبطنها الصحافي في الممارسة، وتحدد ما يجب قوله في هذا القالب الصحفي، والأسلوب الذي يقال به، وما لا يجب قوله، بل تفرز جملة من القوالب التي يمكن أن تستوعب هذا النوع من القول أو ذاك.

يرى الباحثان المذكوران أن براديغم صحافة الاتصال نابع من التغيير الحاصل في التصور للإعلام Information، حيث أصبح مختلفا عما كان سائدا من تصورات سابقة، إذ يؤكدا بأن مفهوم الإعلام أصبح في الصحافة المعاصرة يغطي حقلا سميائيا أكثر اتساعا من ذاك الذي يحصره  في نقل، و الإخبار أو التعليق عن الأحداث السياسية والدبلوماسية. وقد حاول الإعلامي بونوا رفائيل (Benoit ، 2008  )   حصر ثماني” جينات” Genes التي يتكون منها الحامض النووي  DNA Deoxyribonucleic acid   الجديد للإعلام في العصر المعاصر في مدونته الإلكترونية،  وهي كالتالي: التشظي الفائق، والتراكم من وحدات إعلامية صغرى، والنقل المباشر، ورشة مفتوحة دائما، ذو طابع اجتماعي أكثر، شخصي أكثر، لا يخضع لتراتبية الوسيلة الإعلامية مثلما كان في السابق، ذو قابلية لإعادة للتشكُل. وعلى هذا الأساس تغيرت الصحافة المعاصرة بفعل الجينات الجديدة التي غيرت محتوى الإعلام وشكله.

 يرى البعض أن سبب بروز براديغم صحافة الاتصال يعود إلى التغيير الحاصل في تمثّل المؤسسات الصحفية ومنتجيها للجمهور. فالجمهور كان مناضلا في تصور صحافة الرأي ، ومواطنا في تصور الصحافة الإخبارية يتمتع بحقه في الإعلام والمعرفة، وزبونا في تصور صحافة الاتصال ينتظر من وسائل الإعلام أن تقدم له سلعة.

الأطروحة الثانية: التشكيل الخطابي للصحافة   journalistic discursive formation

وظف الباحثان  روزلين رنغوت Roselyne Ringoot  وجون ميشال  ايوتار    Jean-Michel Utard أطروحة أخرى لشرح التحولات التي تعيشها الصحافة، إنها أطروحة  التشكيل الخطابي للصحافة   journalistic discursive formation   (Ringoot ، Ruellan ، 2006)

ويرى الباحثان أن التشكيل الخطابي للصحافة يعبر عن حالة من التجاذب بين النظام والتشتت. فالمقصود بالنظام قواعد العمل الصحفي أما التشتت فعبر عن التغيير في أشكال الكتابة الناجم عن المؤثرات الخارجية التي تؤثر على الصحافة باعتبارها مؤسسة. فإذا سلمنا بنظام الخطاب الصحفي، فإننا نسلم، أيضا، بالتشتت القادم من خارج الخطاب. (Ruellan ، Ringoot ، 6200)

إذا كانت الأطروحتان تشتركان في الإيمان بأن الصحافة هي اختراع اجتماعي متجدد، تعكس ديناميكية التغيير وتساهم فيها، فإنهما تختلفان في الرؤية لثقل وتأثير القواعد والانتظام regularities  & rules. )  Charron ، Bonville: 1996)  في إنتاج المادة أو الخطاب الصحفي.

تعتقد أطروحة البراديغم الصحفي أن القواعد rules  المختلفة تشكل نظاما معياريا؛ أي أنها هي التي تؤدي إلى انتظام الإنتاج الصحفي وتواتره وفق نفس المواصفات. بينما يرى أصحاب أطروحة التشكيل الخطابي للصحافة أن هذه المعيارية تتشكل من خلال الانتظام، والانتظام لا يأتي من داخل المؤسسة الصحفية بل تفرضه مختل قوى خارجية.

لتوضيح الاختلاف بين الأطروحتين يمكن القول أن أصحاب الأطروحة الأولى يعتبرون الأنواع الصحفية هي قواعد إنتاج المادة الصحفية، بينما يعتبرها أصحاب الأطروحة الثانية أن هذه الأنواع هي مظهر مؤقت لمسار في الكتابة أو الإنتاج.

إن القواعد التي تحدث عنها أصحاب الأطروحة الأولى تتعلق بالنشر والكتابة، ويمكن أن تكون ذات طبيعة إجرائية أو سميائية أو معيارية. فالمقارنة بين الأنواع الصحفية المختلفة: الخبر، والريبورتاج والتقرير، والتحقيق الصحفي تبيّن أن هذه القواعد إجبارية وملزمة وتفرض على كل خطاب ينتجه هذا النوع الصحفي أو ذاك. وبهذا فإن هذه القواعد هي تأسيسية بالنسبة للأنواع الصحفية. والأكثر من هذا أنها تكتسي طابعا كونيا وتتسم بصرامتها. بينما لا تنفي الأطروحة الثانية هذه القواعد، لكن لا تعطيها القوة والتأثير ذاته، بل تراها بجانب عناصر أخرى، مثل:  الموضوع، ونمط التلفظ، وتراها عبارة عن استراتيجيات تنتظم لتتحول إلى قواعد.)  Charron ، Bonville، 1996)

إذا الأطروحة الأولى تقر بحالة من الثبات والاستقرار في الكتابة الصحفية، ضمن أفق الانتظام. بينما تؤكد الأطروحة  الثانية طابع التغيير في الكتابة الصحفية. فهذه الأخيرة لا تتغير بفعل القواعد الداخلية التي تتحكم فيها والتي تتحول إلى قوة محايثة تعيد إنتاجها، بل تتطور بفعل ما ” يوجد من الخارج في داخلها”، أي بفعل الأطر الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والسياسية والثقافية والفاعلين الذي ينتجون خطابات اجتماعية مختلفة فتمنحها استقرارا مؤقتا.

يجد  بعض الباحثين صعوبة في فهم الأنواع الصحفية على ضوء الأطروحتين المذكورتين، لأنهما يشترطان التمييز الدقيق بين الثابت والمتغير في الصحافة. ويقترحون الانطلاق في مناقشة الأنواع الصحفية من زاوية النص. وبهذا، فإنهم يسايرون اللسانيين الذين يعتبرون هذه الأنواع ظاهرة لسانية. ويحصرون النص في التعريف الذي قدمه له اللساني برونكارت جون بيار Bronckart J.-P.؛ ولخصته Florimond فيما يلي: ( هو كل وحدة منتجة لفظيا تنقل رسالة منظمة لسانيا وتسعى إلى ممارسة تأثير منسجم على متلقيها. فهذه الوحدة اللفظية يمكن أن نعتبرها كوحدة اتصالية بدرجة أساسية.) (Florimond، 2002). فكل نص يحافظ على مجموعة من العناصر التي تزوده بنوع من الاستقرار من جهة، وتحدد موقعه بالنسبة لبقية النصوص. فطائفة النصوص التي تلتقي في قواسم مشتركة يمكن القول أنها تشكل نوعا. فالنص الصحفي يتشكل من العناصر التي حصرها  خضور ، 1993: 57، 58) في: الموضوع، الشرح والتفسير، التعليق والتحليل، الحقائق والوقائع، الأسلوب، الحجم أو المساحة. ويمكن أن نضيف لها عنصرين أساسيين، وهما: الآنية، وقصدية النص اللتان يؤكد عليهما اللسانيون.

إن العلاقة القائمة بين هذه العناصر والقوانين، التي تزن بثقلها لترزح كفة عناصر على حساب عناصر أخرى، هي التي تحدد انتماء نص ما إلى نوع صحفي معين. فإذا كان قصد النص، على سبيل المثال،  الإبلاغ والإخبار، وتضمن عنصر الآنية، وامتثل لمتطلب الحجم أو المساحة المطلوبة، يمكن إدراجه في خانة الخبر الصحفي.

إن النظر إلى الأنواع الصحفية بالانطلاق من مفهوم النص تطرح مسألتين شائكتين، وهما:

إذا كان حقل الأدب يؤكد لنا صعوبة الإجماع على أن  الوحدة المنتجة لفظيا والتي تنقل رسالة منظمة لسانيا وتسعى إلى ممارسة تأثير منسجم على متلقيها تُعّد نصا، بمعنى أن ما تعتبره هذه الثقافة نصا لا يعد كذلك في ثقافة أخرى. ( كيليطو، 2007: 21)  فإن الأمر يعدو أكثر صعوبة في الحقل الصحفي، وذلك لأن كل ما يكتب لا يُعّد نصا صحفيا، فيُزكى انتماؤه لهذا النوع الصحفي أو ذاك، والسبب لا يعود لخلو هذا النص من العناصر المذكورة أعلاه، بل لأسباب تتعدى النص والمؤسسة الإعلامية. وللتأكيد على هذه الفكرة نشير إلى أن الصحافي الجزائري سليمان جوادي نشر، في منتصف الثمانينات، بعض النصوص في صحيفة الشعب الجزائرية  في شكل مقامات تعالج الأحداث والقضايا المطروحة في المجتمع الجزائري. لكن إدارة الجريدة أوقفت نشرها، والسبب في ذلك لا يعود إلى أن الصحيفة المذكورة اقتنعت بوجهة نظر بعض النقاد الذي يرون أن المقامات لم تأت بأي جديد على صعيد المضمون، فاكتفت باللعب على اللغة وبها، بل لأن المنظومة الإعلامية والسياسية في ذاك الوقت كانت تحدد النص الصحفي بمدى قدرته على الامتثال لغائية الصحافة التجنيدية والتعبوية التي تميزه بالجدية. وتخشى أن تفعل المقامات في الصحافة الرسمية في ذلك الوقت، ما فعلته في الأدب في زمن ازدهارها: ( حرية في التخيل، وعدم التقييد بقيود الرواية والنقل والأسانيد التقليدية.) (مروة، 1985: 209)

لقد أفلحت هذه المنظومة، في فضاءات ثقافية أخرى، في احتواء بعض النصوص التي تنشرها المدونات الإلكترونية، فأدمجتها في مستوياتها التعبيرية المختلفة: الأبواب الصحفية  والأنواع الصحفية. لقد تعاملت معها كريبورتاج أو مقال الصحفي. فصحيفة الغردين اللندنية The Guardian ، على سبيل المثال،  كانت تنشر بشكل نصف شهري ما ينشره  Salam Pax، وهو الاسم المستعار لصاحب مدونة Where’s Raed ، عن يوميات الحرب في العراق ومزاج الشارع البغدادي في مدونته،  فتعاطت الصحيفة المذكورة مع هذه الكتابات على أساس أنها نوع صحفي قائم بذاته: المقال الصحفي. بينما نشرتها الطبعة الشهرية التي تصدرها الصحيفة الفرنسية ” لوموند” في ركن: ” فاكسات” (fac similé).  إن الفرق في التعامل  مع النصوص المذكورة يقاس بمدى تبني الصحيفتين لمضامين النصوص أو عدم تبنيها.

 تأسيسا على ما سبق من الصعب تعميم القول أن الأنواع الصحفية هي قوالب تعبيرية كونية تتجاوز الثقافات والمجتمعات. والدليل على ذلك أن الصحافة الفرنسية، على سبيل المثال، تستخدم أنواعا لا توجد بالمسمى والشكل والمحتوى ذاته في الصحافة العربية، مثل: Maronnier ، الذي يُعرف بأنه مادة صحفية قصيرة تتناول الموضوع ذاته تنشره مرة كل سنة، وEcho  والذي يدل على خبر قصير يتسم بطابعه التنكيتي وأسلوبه الساخر، وPotin  ( (Gossip والتي تعني ثرثرة عن أشخاص أو شائعة. ويمكن الإشارة إلى أن الصحافة الجزائرية الصادرة باللغة الفرنسية مازالت تحتفظ ببعض هذه الأنواع الصحفية، على غرار صحيفة ” ليبرتي” ) Liberté) الجزائرية التي تصدر البعض من موادها المختصرة تحت مسمى ” Télé Potins” ، أي ثرثرة عن التلفزيون.

إذا انطلقنا من تصور بأن الخطاب الصحفي هو تعبير سميائي عن الممارسة الاجتماعية، فإننا نستنتج بأن متنه تتقاطع فيه جملة من الخطابات الصادرة عن الأطراف المرتبطة بهذه الممارسة، أي  مصادر إخبارية مختلفة، وشهود عيان، وخبراء وأخصائيين، ومعطيات وثائقية، وخطابات صحفية سابقة  أو موازية عن الحدث/ الموضوع الذي يتناوله. فهذه الخطابات لا تحمل جملة من الملفوظات التي تحدد سياق النص الصحفي أو معطياته فقط، بل تتضمن مقاصده الاتصالية أو غاياته. لذا يمكن التعامل مع النص في مجال الصحافة على أساس أنه ملتقى العديد من النصوص، فهو ثمرة التناص Intertextuality.

إن النص الإلكتروني يسير بالتناص إلى أقصى حدوده( الصادق،2009)، إذ أنه يمّد حدوده عبر جملة من الإحالات إلى داخله ) في الصفحة التي يظهر فيها أو المواقع الإلكتروني) أو خارجه ( إلى وثائق ونصوص  أخرى). إذا النص الصحافي الإلكتروني هو إفراز لتناص التناص، أي يتشكل من مستويين من التناص ، المستوى الأول كامن في الشرط الأنطولوجي لكل نص صحفي، كما ذكرنا أنفا، والمستوى الثاني هو إفراز لمنطق الكتابة وفق متطلبات النص المتشعب HyperText  التي أخرجت النص الصحفي من أحاديته بما تتيحه من تنوع النوافذ التي يطل منها على الحدث/الموضوع. (الصادق، 2009)

الأنواع الصحفية في متغيرات الحقل الإعلامي.

إن تعريف الصحافة كممارسة بناء اجتماعي للواقع تسمح  بتعزيز الافتراض بأن ما نعيشه من ممارسات صحفية لا يتناغم مع ظاهرة مزج الأنواع الصحفية، بل ينسجم مع إعادة تحديد الممارسات الصحفية. ( Ringoot ،Utard، 2005: 105)

نعتقد أن هذا الفهم يحيلنا إلى التساؤل عن دور المؤسسة الصحفية في تأسيس النوع الصحفي. فإذا كان الحديث عن النوع الصحفي مجردا فإنه يقلل من مساهمة الوسيلة في ميلاده، أما إذا أبرزنا دور المؤسسة الحاسم في نشوء الأنواع الصحفية وتطورها وفق خصوصيتها التواصلية والجمالية، فلا مناص من ربط الأنواع الصحفية بالوسيلة، كأن نقول الأنواع في الصحافة المكتوبة، أو الأنواع الإذاعية، أو التلفزيونية، أو نربطها بالحقل كما حدده عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، والذي يعرفه بأنه ( تشغيل للمبدأ الأساسي الذي ينطلق من أن الواقع الاجتماعي هو علائقي. فما يوجد في الواقع هو حزمة من العلاقات ليس بمعنى العلاقات الاجتماعية، بل بمعنى البُنى غير المرئية….. كما أن تشغيل هذا المبدأ يؤدي إلى بناء حقول، مثل الحقل السياسي، والحقل الفكري، والحقل الفني، والحقل الديني…). (Mauger ،Pinto ،  1994) فالحقل الصحفي يضم الفاعلين الأساسيين ( الصحافيين، المؤسسات الصحفية وملاكها سواء كانوا خواص أو غيرهم، ومشرعي العمل الصحفي ومنظميه) والجمهور ( الفعلي أو المحتمل)، ومصادر الأخبار والمعلومات ( مؤسسات رسمية وطنية وأجنبية، أحزاب سياسية وتجمعات المجتمع المدني، وخبراء ومختصين، نجوم ومشاهير، عامة الناس)، ووسائط الاتصال المختلفة ( جرائد ومجلات ورقية، صحافة إلكترونية، إذاعة وتلفزيون…)

ظل التفكير في التغيرات التي أحدثتها تكنولوجيا الاتصال رهينة النظرة الاقصائية التي ترى أن كل واسطة اتصالية جديدة تقضي على القديمة، وتستعيد الوظائف التي كانت تقوم بها، وتستحدث وظائف أخرى جديدة . (De Laubier، 2000: 65). لقد استنفذ هذا التفكير أفقه المعرفي بعد أن قدمت الأيام البرهان على أن ما يُعّد إعلاما “جديدا” لم يلغ ما يُعّد قديما. وبدأ الحديث عن تكامل وسائل الإعلام يتزايد لتبرير ارتفاع عدد وسائط الاتصال وتنوع مضامينها دون اندثار وسائل الإعلام الكلاسيكية.( Maigret ،2007)

نعتقد أن مصطلح ” التكامل” هو صيغة تعبر عن نزعة توفيقية في النقاش الحاد بين أنصار وسائل الإعلام الكلاسيكية ومناصري “الإعلام الجديد”  New Media، وتحد من غلو منافحي الحتمية التكنولوجية أكثر مما تفسر ما تعيشه وسائل الإعلام من تغيير. فالتكامل يطرح على مستوى الاستخدام وليس على مستوى الحامل التقني، لأنه من الصعب الإقرار بعدم اكتمال وسيلة إعلامية. (Prerrier ، 2001) بمعنى أن الجمهور/ المستخدم ينتقل من قراءة الصحفية الإلكترونية إلى الصحيفة الورقية ثم إلى مشاهدة التلفزيون، ومتابعة شريط الأخبار في إحدى البوابات الإلكترونية على شبكة الانترنت .

نعتقد أن التغيرات التقنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاتصالية التي تعتمل في حقل الإعلام والاتصال أدت إلى ميلاد الوسيط الإعلامي الهجين  Medium Hybrid. فالتلفزيون الحالي هو قديم وجديد في ذات الوقت. فالقنوات التلفزيونية شرعت، بعد تردد، في ” صب” بعض موادها مجانا في شبكة اليوتيب، والبعض منها بدأ في بث مسلسلاته التي استقطبت أكبر عدد من المشاهدين، في مواقع إلكترونية، وبدأت بعضها ببث ما يصلها من المشاهدين من شرائط فيديو مباشرة أو من خلال الفيس بوك، والجمهور تحرر من سلطة التلفزيون التي كانت تبرمج له ما يشاهده في اليوم والوقت الذي يشاهده، وأصبح يخطط لما يشاهده وفق برنامجه اليومي سواء باسترجاع البرامج التلفزيونية التي تم بثها من المواقع الإلكترونية مباشرة أو بمساعدة محركات البحث المختصة أو باللجوء إلى خدمة ” فيديو تحت الطلب”  ( VOD)  Video on Demand

  رغم أن الصحافة الإلكترونية لم تقطع صلتها بإرث الصحافة الورقية إلا أنها  تجاوزت الكثير من الإشكاليات التي طرحت عليها في نهاية التسعينيات في انتقالها إلى النشر عبر شبكة الانترنت، والتي لخصها الباحث دا لاغ أوليفي (Da lage ،2001) في الأسئلة التالية: ماذا ننشر في هذه الشبكة؟ ما هو المظهر الذي يجب أن تظهر به الصحيفة في الانترنت؟  هل تخضع الصحيفة لإلكترونية للإكراهات ذاتها التي تعاني منها الصحافة الورقية، والمتمثلة في تحديد موعد زمني لتسليم المادة للمطبعة، وبالتالي الالتزام بدورية الصدور؟  من يجب أن يشتغل في الصحيفة الإلكترونية؟  ما هو الأنموذج الاقتصادي الذي يعول عليه  في الصحافة الإلكترونية؟

لقد غيرت التفاعلية التمثّل لماهية الصحيفة، ونقلتها من مادة للقراءة إلى حيز رمزي للقاء، والتبادل والمشاركة. فالصحيفة الإلكترونية غيرت تبويبها ومنحت مكانا للقراء/ المستخدمين، تسمح لهم بالمشاركة في الرأي، والرد، والاقتراح، والتصويت، واللعب، والدردشة، فصحيفة  الوشنطن بوست Washington Post ، على سبيل المثال، أدمجت الفيس بوك ضمن أبوابها (Epelboin ، 2010)، متخذة من أنشطة قرائها وعلاقاتهم في الفيس بوك أرضية للتوسع اجتماعيا للاقتراب أكثر منهم قصد نسج علاقات قد تختلف عن تلك التي كانت تربط الصحيفة بقارئها، بل تتحول إلى فضاء للحوار والنقاش حول الشأن المحلي في عالم معولم يسعى للقفز على كل ما هو محلي.

كما أصبحت الصحف تستعمل شبكة الفيس بوك للحصول على شهود عيان عن الأحداث، خاصة تلك المفاجئة والتي تحمل طابعا مأسويا أو دراميا. وذلك لأهمية المصادر في منح مصداقية أكثر للأحداث.

كما فتحت الكثير من الصحف أركانا خاصة بالمدونات، بعد أن كفت هذه الأخيرة عن القيام بما كانت تقوم به في بداية ميلادها، والمتمثل في إعادة نشر ما تبثه الصحف أو اقتباس مقاطع كبرى منه. وبهذا فإنها تعمل على كسب الرهان في مجال الإعلام العمودي في ظل سيادة الإعلام الأفقي. لقد جذبت المدونات صوت الأخصائيين في مجالات معرفية معينة ( تقديم ملخصات الكتب، الفنون المعاصرة، علوم…)، وأضافت إلى الصحيفة تلك اللهجة الذاتية التي كانت مهمشة في الصحافة الكلاسيكية بحجة ضرورة الالتزام بالموضوعية. وشكلت هذه اللهجة همزة وصل مع قرائها الذين يميلون إلى متابعة ” الآراء الشخصية والذاتية”، التي تتسم بقدر من الملموسية والحرية، حول القضايا التي تهمهم.

إذا لم تتخذ الصحف من إدماج المدونات الإلكترونية في منظوماتها الاتصالية كاختيار تكتيكي، ولا حتى استراتيجي، بل اعتبرته مطلبا انطولوجيا فرضته ايكولوجيا عالم الاتصال الجديدة.

عجزت المؤسسات الإعلامية عن الوقوف متفرجة على الشبكات الاجتماعية في الانترنت التي تبشر بديناميكية جديدة في عالم الاتصال تستند إلى مرجعية الفرد، وليس الجماهير أو الحشد كما كانت عليه الصحافة الجماهيرية. فبعض الصحف، مثل  صحيفة نيويورك تايمز عينت رئيسة تحرير مكلفة بأدوات الاتصال الجديدة لتطوير أشكال البحث عن مصادر إعلامية جديدة، وجمع المعلومات وتوزيعها.           (Ternisien ، 2009)  وحرصت بعضها، مثل صحيفة الواشنطن بوست، ووكالة رويترز على  تزويد صحافييها بتعليمات صارمة في التعامل معها، وذلك لضرورات مهنية وأخلاقية، تتمثل في الفصل بين الصحافي كشخص له الحق في الاتصال بحرية  وكمهني محدد بانتمائه لمؤسسة صحفية، والحذر في التعامل مع ما يصله من معلومات عبرها خوفا من تضليل الصحيفة، والحيطة في الحفظ على مصادر الأخبار.

لقد عززت بعض الدراسات  المسلك الذي سلكته الصحف في تعاملها مع موقع  تويتر، حيث أكدت بأنه اقرب إلى وسيلة إعلامية كلاسيكية من شبكة اجتماعية، خاصة بعد أن غير اهتمامه من الإجابة على السؤال ماذا تفعل الآن؟ إلى ما هو الجديد؟ (Doyen، 2010) وقد وصفه جيف مينون  Jeff Mignon، الخبير في وسائل الإعلام، بأنه وكالة أنباء مهنية وشخصية. ( Ternisien ، 2009) لأنه يجسد مفهوم ” crowdsourcing”؛ أي الاعتماد على الحشد كمصدر يزود الصحيفة بالأخبار والمعلومات.  لكن امتزاج المهني بالشخصي قد يؤدي بشبكة تويتر إلى عدم الفرز بين الإعلام، ورد الفعل العاطفي أو الانطباع أو حتى الرأي الشخصي الذي يتداول في هذه الشبكة وتلتقطه الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون، وتحوله إلى مادة إخبارية أو عنصر في مادة صحفية. فالمرجعية المعتمد عليها في هذه العملية ليس مصداقية من أرسله، بل عدد المشتركين الذين تقاسموه. بالفعل، إن للعدد/ الكم حكمه في فضاء الإعلام الجديد. لذا تتسابق الصحف اليوم لرفع عدد المشتركين في خدماتها المرتبطة بالشبكات الاجتماعية. لقد تجاوز عدد متابعي followers  خدمات تويتر التي وفرتها بعض الصحف عدد قرائها!

تطوير تدريس الأنواع الصحفية:  الضرورات الفكرية والمتطلبات المهنية.

ما هي العلاقة بين كل ما تم طرحه عن اتساع الحقل الإعلام، بالمفهوم البرديوي ( نسبة إلى بورديو) على حساب الحقل الصحفي، وهجانة الوسائط على الأنواع الصحفية وتدّريسها؟

يمكن الاقتراب من مظاهر التغيير في الخطاب الصحفي من خلال ما يلي:

 -1تعود قارئ الصحيفة الورقية على انتظار الصدور الدوري لصحيفته مما يخلق لديه نوعا من الترقب والألفة. فدورية الصدور تعني مدة زمنية افتراضية تحدد حياة الصحيفة، فإذا تجاوزتها أصبحت مادة أرشيفية أو وثائقية. فغياب هذه المدة في الصحف الإلكترونية يمنحها عمرا مستمرا، و يطرح مسألة الحدث على بساط النقاش. إن الحدث مرتبط بمعلم زمني، وبسياق معين في إنتاجه وقراءته. فاستمرار بقاء الإعلام المرتبط بحدث ما في شبكة الانترنت لمدة طويلة  يجعله أقرب إلى المعلومات Data.( Pélissier ، 2007)

إن مركز ثقل الشبكات الاجتماعية المختلفة في شبكة الانترنت لا يكمن في الأحداث، بل يتمثل في المعلومات، والآراء، والأفكار، والانطباعات، والذكريات، وردات الفعل، والتجارب، والدردشة، وتقاسم المشاعر، وخلق علاقات…  إن هذا الأمر لا يعني فقط تراجع الأحداث أمام طفوح المعلومات في شبكة الانترنت التي عرفها بعضهم بأنها مخزن كبير للمعلومات أو للمواد الإعلامية الخام (Pélissier ، 2007)  التي لا يتم توصيلها إلى البيت فحسب، بل توضع تحت تصرف المستخدم حيثما يوجد. إنه يدل على تراجع  دور الصحف في وضع أجندة الأحداث بعد انتقائها وترتيبها وإدراجها في سياقاتها، ويعبر عن تشذر الأحداث حسب الاهتمامات الفردية، والجماعية التي تبرز في الشبكات الاجتماعية.

يؤكد انغمار الأحداث في يم المعلومات تغيير مهام الصحافي. فهذا الأخير لم يعد، حسب عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، يكتفي بالبحث عن الأحداث فقط لنقلها، بل أصبح يطلب منه  تسييقها حتى تفهم؛ أي إدراجها فورا في سياق تاريخي، وسياسي واجتماعي. فالصحافي يصطدم يوميا بتعقد العالم ويجب يقدم لنا تقريرا عن هذا التعقد (Morin،. (2005 وهذا يجرنا إلى التساؤل عن مآل بناء الأنواع الصحفية التي تقوم على الحدث، مثل الخبر والتقرير الصحفيين، هل يتحولان إلى مادة مشبعة بالمعلومات يوظفها المتلقي وفق السياقات التي يراها مناسبة؟ هل يندثران بعد أن جزأت شبكة تويتر الأحداث، وأضحت ترسلها وتتداولها في شكل شرائح وجزئيات؟ هل ستُشَّكَل من جديد في اتجاه مزيد من الاختصار، والسرعة حتى تتماهى مع الرسائل النصية القصيرة  وtweets ؟ ألا يوجد منطق محدد يربط تشذر نقل الأحداث في شكل شرائح رقيقة بمفهوم ” الحداثة السائلة” Liquid Modernity الذي  يقوم على مبدأ التشظي. فالعالم المعاصر والحياة الفردية تتشذر وتتحول إلى لحظات متفرقة ومتتالية لكنها متجانسة. (Zygmun ، 2006: 26). هل يعيد النوعان المذكوران النظر في مفهوم News الذي أصبح، في ظل الإعلام الجديد، يشمل ردات الفعل الاجتماعية على الأحداث وتداعياتها؟

إن الانترنت دفعت بالآنية إلى حدها الأقصى، لكن  بناء المادة الصحفية وفق منطق النص المتشعب تجعل القارئ/ المستخدم يتنقل بسرعة وخفة بين الماضي، والحاضر، والمستقبل، فتبدو له الأحداث كقطع منفصلة عن بعضها،( Pélissier، 2007) بينما تَعوَّد في الصحافة الورقية على الفصل بين الماضي ( القابع في الأرشيف) والحاضر الذي تتضمنه الأحداث الآنية. فإذا تجاور الحاضر والماضي في بعض الأنواع الصحفية ( المقال الصحفي، التحقيق الصحفي، الحديث الصحفي…) فيبدوان مترابطين ومدرجان ضمن منطق محدد يساهم في إدراك الأحداث وفهم مغزاها.

ربما يعتقد البعض أن مسألة الحدث لا تطرح على الصحافة العربية  لأنها مازالت تحمل الكثير من إرهاصات الصحافة التعبوية التي لا تعبأ بالحدث لأنها تتخذه ذريعة لتمرر اللغة الجاهزة، وكأن دور الحدث يختصر في تبرير وجود هذه اللغة. وفي هذه الحالة تخون هذه اللغة الحدث، وتصبح لغة غير اتصالية! ربما يحتاج هذا الاعتقاد إلى نقاش أكثر وأعمق لا يستوعبه هذا المقام.

2 –   إن النص المتشعب ساهم في تعميق أزمة السردية الكلاسيكية، وربطها بالتقنيات الجديدة التي تمزج العوالم الواقعية والافتراضية.( الصادق،2009). ونعتقد أن للعامل التقني دور في تغيير البناء السردي للنص إذا انطلقنا من مفهوم محدد للسرديات، بمعنى أنه ليس القول الذي يسلك مسلكا خطيا، ويتصاعد فيه الحكي مندفعا إلى الأمام حسب تطور الأحداث، وذلك لأن بعض الأنواع الصحفية التي تستمد وجودها من السرد ( الخبر، التقرير الصحفي)، وإلى حد ما الريبورتاج،  تمردت على النمط الخطي للسرد وأعادت تشكيله من جديد. إن النص الإلكتروني أحدث أزمة في السرد ليس من منظور تشظيه عبر وسائل نقله وتداوله، بل لامتزاجه بأنماط تلفظية مختلفة يتداخل فيها التعليق على الأحداث مع نقلها، وتمزج فيه الشهادات بتقييم الأحداث المنقولة.

حقيقة، إن النص الإلكتروني أضاف للفعل التلفظي الصحفي شفافية، حيث وضع في يد القارئ مصادره، وسمح له بالاطلاع على النص الكامل للشهادات والأقوال والوثائق والإحصائيات التي استقى منها مادته. فالسرد كما هو معروف يرتبط بالحكي عن حدث مضى وانتهى. أي له بداية ونهاية، وتسمح للسارد أن ينأى قليلا عنه من أجل سرده، وهذا الأمر أصبح صعبا وفق منطق النص الإلكتروني الذي يظل مفتوحا، كما سنرى لاحقا.

قد يرى البعض أن أزمة السرد قد بدأت قبل النص الإلكتروني لأنها ارتبطت بالنقل التلفزيوني والإذاعي الحي للأحداث، والبث التلفزيوني المباشر في أواخر الثمانيات من القرن الماضي. إن هذا القول لا يجانب الحقيقة، ويتطلب البحث في تداعياته والتي يمكن أن نلتمسها في التحول الذي شهده السرد التلفزيوني الإخباري الذي لم يعد يتمركز حول رواية الأحداث، بل تعداها إلى تقديم الشهادة على حدوثها وإشراك الجمهور في الإحساس بوقوعها أمام نظره. وهذا التحول أثر بدوره على الأنواع الصحفية، حيث حُجم دور التقرير الصحفي في نقل الأحداث، وفَعَّل الريبورتاج الصحفي الحي الذي استثمر طاقته في الوصف المشبع بوجهة نظر ذاتية.

كان الصحافي يبنى نصه الصحفي بناء على تصوره لقرائه المحتملين لأنه لا يعرف قراءه الفعليين معرفة كافية. بينما قلص النص الصحفي الإلكتروني الفرق بين القراء الفعلين والمحتملين، بل غير مفهوم القارئ  لأنه أصبح  شريكا في إنتاجه وصياغة معناه، الأمر الذي كانت له استتباعات على مستوى بناء النص الصحفي الإلكتروني ، وعلى مستوى تحديد نوعه. فالنص الصحفي لم يعد يقف عند حدود ما يكتبه الصحافي و تنشره الصحيفة. فمتن المادة الصحفية أضحى يشمل التعليقات عن المادة المنشورة talkback التي أصبحت تملك قيمة لدى القراء تفوق قيمة النص الذي كتبه الصحفي. إن هذا المتن الشامل فتح النص الصحفي الإلكتروني، وجدده بما يتغذى به من تعليقات القراء وأرائهم ومعلوماتهم من جهة. فالمتن الصحفي الشامل يتشكل من كلام الصحفي، وكلام القراء عن كلامه. ولعل هذه النقطة الأخيرة هي التي تثير الاهتمام بالنظر إلى الأنواع الصحفية. لقد سبق وأن ذكرنا أن القصد، الذي ينطلق منه الصحافي أو المؤسسة لنشر المادة الصحفية يتدخل في تحديد هوية النوع الصحفي. فما يلاحظ في المتن الصحفي الإلكتروني أنه تحول إلى ملتقى لأكثر من قصد: قصد الصحفي والمؤسسة الإعلامية، وقصد المعلقين عنه، والتي تتنوع بدءا من تصحيح المعلومات والأخطاء الإملائية والنحوية  إلى إبداء الرأي والتعبير عن وجهة نظر مؤيدة أو معارضة  لما كتبه الصحافي أو فتح المجال  للنقاش حول الموضوع الذي أثاره.

إن التفكير في هذا الأمر يدعو إلى إعادة النظر في وزن القصد الاتصالي في تحديد معمار النص الصحفي وبالتالي تشخيص هوية نوعه.

ربما يرى البعض أن ما سبق قوله يتعلق بالأنواع الصحفية في الصحف الإلكترونية، وتأثيره لم يتجل بالوضوح المذكور في الصحافة العربية التي تطلق على نفسها تسمية الصحافة الإلكترونية. فصحيفة ” إيلاف الإلكترونية، على سبيل المثال” التي احتفلت بالعقد الأول من تجربتها، لم تستطع أن تتحرر من عقلية الصحافة الورقية المنشورة في شبكة الانترنت، واستعانتها بالشبكات الاجتماعية الإلكترونية لم تخرج عن كونها  ناقل لمضامينها لا غير. فالمدونات تفقد مقوماتها ومبررات وجودها في صحيفة إيلاف، لأن معظم ما ينشر منها يخضع لأجندة الصحيفة، وأسلوبها، وطريقة كتابتها. بل أن بعض موادها الإعلامية تنشرها في باب ” مدونات”!(فاطمة الزهراء، 2010). كما تستخدم شبكة تويتر للنقل الإعلاني لعناوين موادها الصحفية فقط، وليس كوسيلة لجمع المعلومات والأخبار وتوزيعها.

هل يعني هذا أن الصحافة العربية الإلكترونية والورقية بمنأى عن هذه التغييرات والمؤثرات التي حدثت في الحقل الإعلامي، وبالتالي لا يمكن لتدريس الأنواع الصحفية أن يلتفت إليها؟

إن القراءة المتأنية لصحيفة “القدس العربي” التي تصدر في لندن تبيّن، بشكل جلي، ملامح التغيير في كتابتها الصحفية. فباستثناء الافتتاحية، تتضمن بقية المواد الصحفية المنشورة هامشا من الذاتية يختلف، بهذا القدر أو ذاك، من مادة صحيفة إلى أخرى. فالموضوعية التي كانت تعد عنصرا أساسيا مؤسسا لمصداقية الصحف، وضامنا لشرعيتها  تراجعت في هذه الصحيفة بتأثير من المدونات الإلكترونية التي لم تكتسب شعبيتها من المواضيع التي تطرحها، بل من أسلوب كتابتها الذي يتسم بالذاتية ولغتها البسيطة والمباشرة التي تقترب من لغة الاستعمال اليومي في الشارع. فتضعضع مكانة ثنائية الموضوعية/ الذاتية في مثل هذه الصحيفة  يحث على التفكير في الحدود الجديدة بين الأنواع الصحفية، لأن هذه الثائية شكلت في السابق عاملا أساسيا في التمييز بين الأنواع الصحفية المختلفة. فالخبر والتقرير والمقال الصحفي يتسمون بالموضوعية أما العمود الصحفي و” البورتري” فيقومان على بعد ذاتي أكبر من بقية الأنواع.

إن الكثير من المواد التي تنشرها الصحيفة المذكورة أصبحت تنسج على منوال المدونات الإلكترونية؛ أي أنها لا تقوم على وحدة الموضوع. فالعديد من المواضيع أصبحت  تتعايش بشكل منفصل في المادة الصحفية الواحدة، وتقتبس خصائص الكثير من الأنواع الصحفية: الخبر، العمود الصحفي، المقال الصحفي… وهذا ما يعتبره البعض انزياحا عن للأنواع الصحفية، ويراه البعض ميلاد أنواع صحفية هجينة.

كما بدأت هذه الصحيفة تعنون موادها الصحفية بعناوين تنفرد بطولها وتفاصيلها، وكأنها تريد أن تلخص كل ما تتضمنه.

هذان المثالان  يخالفان قواعد كتابة العنوان التي دأبت كليات الإعلام على تدريسها، والمتمثلة في الاختصار، وعدم فضح مضمون المادة الصحفية، وأن يتضمن العنوان فعلا يفضل أن يكون في المضارع إذا كان ذا طبيعة إخبارية، وأن يبرز الجديد والأصيل، وغيرها من القواعد.

إن الصحف التي أصبحت تعاني من منافسة كبرى في عالم يتسم بالسرعة اضطرت إلى تغيير قواعد كتابة العناوين من أجل جذب قرائها. والحقيقة أن قواعد كتابة العناوين قد تغيرت عبر الزمان سواء في المنطقة العربية أو في العديد من دول العالم، كما تبيّن ذلك الدراسة التي أعدها الباحث جون بوفيل ( De Bonville، 2008) عن عناوين الأخبار المحلية في صحافة مقاطعة الكيبيك، في كندا، في القرن التاسع عشر.

يُعتبر النظر إلى مسألة العنوان كعنصر مستقل عن المادة الصحفية نوع من الإجحاف في حق التفكير في التغيرات التي طرأت على بعض الأنواع الصحفية نتيجة خضوعها لأنموذج صحف المشاهير أو ما يصبح يعرف باسم Press  People . فما يهمنا في هذا الأنموذج ليست المواضيع التي يطرحها، والاهتمامات التي يعبر عنها، بقدر اهتمامنا بأشكال الكتابة التي يجنح إليها.

نعتقد أن الملحقين ” دنيا”  و” 5 الحواس”، التابعين، على التوالي، لصحيفة الاتحاد الإماراتية، وصحيفة البيان الإماراتية  يتماهيان في  الأنموذج  المذكور. لذا نلاحظ قلة حضور الأنواع الفكرية أو غيابها فيها، مع تعميم قالب الكتابة الذي قرب العديد من الأنواع الصحفية بين بعضها. فإذا كان البورتري يعني سمك الحياة، والحديث الصحفي هو علو الصوت الشخصي، فإنهما يتقاربان في هاذين الملحقين لأنهما يشتركان في التقاط نوادر الشخصية التي تشكل محور هاذين النوعين الصحفيين، وتفاصيل ساخرة ومرحة  وغريبة في حياته المهنية أو العاطفية. فهنا تطرح ضرورة التفكير في حدود النوعين المذكورين. كما أن خصائص كتابة العمود الصحفي التي تتسم برشاقة الأسلوب، وبساطة لغته التي تقترب من العامية التي لا تتردد في استعمال الكلمات الأجنبية، وارتباطها بالمفارقات، والأقوال المأثورة، والنكت، قد تسللت إلى الكثير من المواد الصحفية التي تنشرها هذه الملاحق.

الخاتمة:

رغم أن بعض التغيرات العميقة والمعقدة التي طرحناها آنفا  لم يتصلب عودها بعد في المنطقة العربية حتى يُمكن الاعتماد عليها في قراءة الثابت والمتحول في الأنواع الصحفية، ألا أنها تطرح على التدريس الأكاديمي للكتابة الصحفية العديد من التساؤلات حول طبيعة القوانين التي تضبط ” القواعد” و”الانتظام” مما يسمح للنوع الصحفي بالتعبير عن ذاته في ظل التغيرات التي تطرح على مختلف عناصر الحقل الإعلامي التي ذكرناها أعلاه.

وتكشف أن التفكير في تطور الأنواع الصحفية  تلتقي فيه مختلف  الفروع المعرفية: علم الاجتماع الإعلامي، سيمائية الاتصال، اللسانيات، والاقتصاد، وفلسفة الاتصال المستلهمة من فلسفة ممارسة New Media . لذا يمكن القول أن تدريس الكتابة الصحفية في المنطقة العربية لم توظف المكتسبات المعرفية التي حصلت عليها الفروع المعرفية المذكورة أعلاه، ولم تفتح أفق التفكير في الكتابة الصحفية على ضوء التغيير الحاصل في مكانة الصحافي وموقعه في العصر الحالي ومشروعية وظائفه، وكذا موقع الجمهور في ظل التفاعلية التي جعلت منه متلقيا للمادة الصحفية ومنتجا لها في آن واحد.

نعتقد أن تدريس مساق الكتابة الصحفية استفاد، إلى حد ما، من أخلاقيات المهنة، خاصة في جانب التعامل مع مصدر المعلومات، هذا إذا لم نقل أن تدريس بعض الأنواع الصحفية تحول ببساطة إلى ” وعظ مهني”

  إن اهتمام الدرس الأكاديمي بهذه الجوانب لا يعني مطلقا تحويل تدّريس الأنواع الصحفية إلى مناظرة فكرية، ومرتع نظري من أجل حرمان الطلبة من التدريب على الكتابة الصحفية وخوض تجربتها في ربوع الجامعة.

أعتقد أن ما سبق عرضه وتحليله يمكن أن يشكل رصيدا معرفيا لتدريس الأنواع الصحفية، ويساهم، بالتالي، في شحذ وعي الطالب بما يكتب حتى لا يشعر بالغربة في قاعات التحرير التي بدأت تطوع أشكال تعبيرها الصحفي، وحتى لا يتهم مدرسو الأنواع الصحفية بأنهم سجنوها في قوالب تاريخية بعيدة عن نبض الحياة الاجتماعية والثقافية المعاصرة وسدوا مسالك التفكير في أفق تطورها. ويدفع الجامعة للمشاركة في التنظير للتغير في أشكال التعبير الصحفي  بعد أن تستوعب عملية الفك والتركيب التي تعيشها الممارسة الصحفية التي تحدث القطيعة والاستمرارية في الأنواع الصحفية.

لذا يتوجب إعادة النظر في تدريس الأنواع الصحفية بالأخذ بعين الاعتبار ما يلي:

التأكيد على أن الأنواع الصحفية ليست قوالب جامدة، بل أشكال تعبيرية مرنة وحية تتطور بتطور المجتمع، وتخضع لخصوصياته الاجتماعية والثقافية.

الكشف عن التغيرات التي حدثت في حقل الإعلام والاتصال وأثرت في الكتابة الصحفية.

تدريب الطلبة على كتابة النص الفائق أو المتشعب، بعد الشرح النظري لخصوصيته ودوره في الصحافة المعاصرة.

تمكين الطلبة من التحكم في أشكال التعبير والاتصال التي أصبحت تميز إيكولوجيا الإعلام الجديدة، مثل المدونات الإلكترونية، بعد تسليط الضوء عن مكانتها ودورها في الفضاء الإعلامي المعاصر، وتأثيرها المتزايد على أشكال التعبير في الصحافة.

تأهيل الصحافيين في مجال جمع المعلومات من المصادر المختلفة، بما فيها الانترنت والشبكات الافتراضية، والتحقق من مصداقيتها، وتطوير أشكال توظيفها في كتابة الأنواع الصحفية المختلفة. لقد أدرجت عملية جمع المعلومات، وغربلتها، وأشكال التحري في صحتها مادة تعليمية تدرس في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. بجانب تدريس خصائص الكتابة لشبكة الانترنت.

تبصير الطالب بأن قوالب التعبير الصحفي لم تعد مقتصرة على اللسان فقط، بل لابد من توظيف الوسائط المتعددة في البناء المعماري للنوع الصحفي. حيث يمكن الإشارة إلى أن منتجات هذه الوسائط اقتحمت التي تصهر العديد من الأنواع الصحفية قد ولجت عالم المسابقات لنيل جوائز مهنية في الولايات المتحدة الأمريكية، على غرار التحقيقات الصحفية.

تجسير العلاقة بين العالمين المهني والأكاديمي بما يسمح لتدريس الأنواع الصحفية من الانفلات سطوة الكتب التي تعيش قطيعة مع تطورات مهنة الصحافة. ويتيح التخلي عن الأسلوب الدفاعي الذي لا يرفض كل جديد في العمل الصحفي بحجة أنه لا يتطابق مع الكتب الكلاسيكية. هذا دون التشبع بالنظرة المثالية التي تمجد الممارسة المهنية في المنطقة العربية. هذه المهنة التي مازالت خاضعة للمؤسسة الصحفية التي تعاني من هشاشة اقتصادية، وقانونية، وتنظيمية، وتعاني من ضغوطات البيئة السياسية والاجتماعية والثقافية.

الإحالات :

[1] –  يوحي للبعض أن البحث اكتفى بتحليل مسميات المساقات الخاصة بالأنواع الصحفية دون محتواها. لكن بالنسبة للمختصين، فإن مسمى المساق ، مثل ” الخبر الصحفي” يعكس محتواه التعليمي، والذي يشمل : تعريفه، مصادره، أشكال كتابته، وبنيته ( العنوان، المقدمة، الجسم). وهذا ينطبق على جل الأنواع الصحفية. والسؤال الذي يثيره هذا البحث يتعلق بالرؤية الجامدة للنوع الصحفي، المنفصلة عن بقية الأنواع الصحفية.

[2] – وتشكلت مفردات عينة البحث من الكليات التالية:  كلية الإعلام بالقاهرة، قسم الإعلام بكلية الآداب ( جامعة 7 أكوبر بليبيا)، قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز المملكة السعودية، وكلية الإعلام بجامعة بغداد، قسم الصحافة والإعلام  بكلية الآداب باليمن، قسم الاتصال الجماهيري بجامعة الإمارات، قسم الإعلام والسياحة بكلية الآداب بالبحرين، معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس.

[3] –  نذكر منهم، على سبيل المثال وليس الحصر: أميل زولا، جون ريد، همنغواي، غارسيا ماركيز، والروائي البيروفي فرغاس يوسا الذي نال جائزة نوبل للآداب في السنة الحالية.

[4] – إن الأمر لا يقتصر على الأخبار فقط، بل امتد إلى العديد من المعارف التي تداولها الأقدمون في شكل نظم ، نذكر على سبيل المثال علم المنطق  الذي لخصه عبد الرحمن الصغير الأخضري في قصيدة مطولة بعنوان: ( السلم المرونق في فن المنطق)، وألفية بن مالك التي لخصت قواعد الصرف والنحو

المراجع:

المراجع بالغة العربية:

  1. (الحمامي) الصادق ( 2009) : تجديد الإعلام: مناقشة حول هوية الصحافة الإلكترونية، المملكة العربية السعودية، المجلة العربية للإعلام والاتصال، العدد الخامس، نوفمبر، ص73-14
  2. (الحيدري) عبدالله: الرّمز والأداة في مجتمع المعلومات، التكوين الإعلامي في مجال التلفزيون بأقسام الإعلام العربيّة، استرجعت بتاريخ 5/5/2009 من الموقع: http://www.arabmediastudies.net/images/stories/pdf/formation.pdf
  3. ( العزاوي) فاضل ( 2000):مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة“، ألمانيا، منشورات ” الجمل”
  4. القدس العربي اللندنية ( 2010) الصادرة يوم الجمعة 28 مايو
  5. (خضور) أديب ( 1993): مدخل إلى الصحافة نظرية وممارسة، سلسلة المكتبة الإعلامية، سوريا،
  6. فاطمة الزهراء)  ( 2010 :   أطول قطار في العالم سيربط السعودية بالأردن ودول مجلس التعاون الخليجي بنهاية العام الحالي2010، القدس العربي، مسترجع بتاريخ 18 سبتمبر 1010 من الموقع: http://muslimgirl.elaphblog.com/posts.aspx?U=3645&A=52324
  7. ( كيليطو) عبد الفتاح  )2007): الأدب والغرابة، دراسة بنيوية في الأدب العربي، المملكة المغربية،  دار توبقال
  8. (لعياضي) نصر الدين ( 2006): اقترابات نظرية من الأنواع الصحفية، الجزائر، الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية.
  9. (مروة) حسين ( 1985): تراثنا كيف نعرفه؟ لبنان، مؤسسة الأبحاث العربية،

المراجع باللغات الأجنبية:

  1. Rieffel Rémy ( 2001):Vers un journalisme mobile et polyvalent ?  Revue Quaderni.  France, N. 45, Automne, 153-169.
  2. Larue-Langlois Jacques( 1989):The teaching of journalism in French Quebec: Where from? Where to? Canadian Journal of journalism, Canada , Vol 14, No 2,  59-63
  3. Ringoot Roselyne & Jean-Michel Utard (dir.) ( 2005):Le journalisme en invention,  Rennes, PUR, coll. Respublica, 2005
  4. Adam Jean-Michele 1997 )  ): Unités rédactionnelles et genres discursifs, Cadre général pour une approche de la presse écrite, Revue Pratiques, France, N 91 juin, 3-18
  5. Balle Francis ( 1987) : Et si la presse n’existait pas..., France, J.-C. Lattès,
  6. Ruellan Denis: ( 2004) : Aux origines du journalisme, le reportage ; retrieved  December 3, 2008, from http://www.cyberjournalisme.com.ulaval.ca/module0.2/0.2.4_origines.php
  7. DemersFrançois )  2007) : Déstructuration et restructuration du journalisme ,  Revue tic & société, Vol. 1, n°1 |  2007  Retrieved  December 7. 2010 from : http://ticetsociete.revues.org/298
  8. Laville Camille: Journalisme ( 2008) : former au changement Comment les formations se saisissent des transformations , mediamorphoses Revue d’analyse et de réflexion ; INA ; France ; n.24,  92-96
  9. Charron Jean & Bonville  Jean ( 2000): Le paradigme journalistique, Usage et utilité du concept, retrieved  June 30,2007; from http://hal.archives-ouvertes.fr/docs/00/06/23/18/PDF/sic_00000790.pdf
  10. Benoit Raphael  )2008): Demain tous journalistes, Published January, 10, Retrieved August 20, 2009 from http://benoit-raphael.blogspot.com
  11. Ringoot Roselyne & Ruellan Denis ( 2006): Ordre, flou et dispersion, Le journalisme comme invention permanente et collective, Communication à la conférence internationale Thinking Journalism across National Boundaries: New Challenges and Emergent Perspectives, organisée par Associação brasileira de pesquisadores em jornalismo (SBPJOR), Porto Alegre, 3-5 novembre. Brésil retrieved February, 10, 2009 from http://www.surlejournalisme.com/
  12. Charron Jean & Bonville Jean (1996) : Le paradigme du journalistique de communication, essai de definition, Revue Communication Vol 17 Numéro 2, 51-97
  13. Florimond Rakotonoelina) 2002) :Écriture numérique et révolution des genres anamorphose du genre ,« débat public », actes du colloque : écritures en ligne pratique et communautés, Sous la direction de Chapelain Brigitte , Université de Rennes 2. CERCOR (CERSIC) , 26, 27 Septembre
  14. Mauger  Gérard & Pinto  Louis (1994): Lire les sciences sociales 1989-1992. Vol. 1.- Source bibliographique Paris, Belin, 1994, pp 326-329
  15. De laubier Charles ( 2000): La presse sur Internet, France, Que sais-je n° 3582, PUF
  16. Maigret Éric ( 2007): L’Internet : concurrence ou complémentarité avec les autres médias ? Revue  Cahiers français, France, n°338,  mai – juin, 26-32
  17. Prerrier Valerie Jeanne ( 2001): Media imprimé et media informatisé: la leurre de la complémentarité, Revue Communication et langages, France, n° 129, troisième semestre,  49 – 63
  18.  Da lage Olivier (2001): la presse saisie par l’internet,  Revue Communication et langages,  France, n° 129, troisième semestre , 37 – 48
  19. Epelboin Fabrice ( 2010) : Pourquoi la presse doit tenir compte de Facebook au plus vite. Retrieved, April30, from http://fr.readwriteweb.com/2010/04/23/a-la-une/pourquoi-presse-doit-tenir-compte-de-facebook-vite
  20. Ternisien: Xavier (2009) : Le réseau Twitter émerge comme source d’information pour les médias, France, Le monde du 11 juin
  21. Doyen Guy ( 2010): Twitter : média d’actualités ou réseau social ? Retrieved May 23,2010 from http://thenextweb.com/fr/2010/05/01/twitter-media-actualites-ou-reseau-social/
  22. – Nicolas Pélissier ( 2002): L’information en-ligne: un nouveau paradigme pour le journalisme,  Retrieved May 10, 2007, from  ccsd.cnrs.fr/sic_00000145/en
  23. – EdgarMorin ( 2005): J’apprécie les tout petits médias , Revue Medias,  France, n°4 mars, Retrieved May 10, 2007 from  http://www.revue-medias.com/-no4,9-.html
  24. – Zygmunt Bauman) 2006:(La Vie liquide, traduit de l’anglais par christophe Rosson, édition  Rouergue, France,
  25. De Bonville  Jean(2008): Le titre des nouvelles locales dans la presse québécoise à la fin du XIXème siècle,  Revue Semen, France, n° 25,   27 40

الصحافة الرقمية “العربية” والمجال العام:                                                                                                                                       فضاء للاستقطاب والتمشهد مقدمة:

تكشف مراجعة الأدبيات العربية التي تناولت موضوع الصحافة الرقمية عن لبس في تعريفها. ونعتقد أن سببه يعود إلى عدم التمييز بين المفهومين: الاتصال (Communication) والإعلام (Information) من جهة، وعدم التَّفْرِيق بين الصحافة كنشاط ومهنة لا تقتصر على وسيلة إعلامية واحدة، والأخبار الرقمية كمنتَج من جهة أخرى. إضافة إلى الحديث عنها بمخيال الصحافة المطبوعة. لذا يتوجب في البدء الاستناد إلى تعريف الصحافة الرقمية الذي يبدو أنه لقي قبولًا واسعًا لدى المهتمين وحظي بإجماع المختصين. “يحيل مفهوم الصحافة الرقمية أولًا إلى المحتوى الاعلامي المنتَجُ في إطار مشروع تحريري. إن مفهوم الإعلام المنقول عبر حوامل رقمية واسع جدًّا يتضمن الكثير من المواد بدءًا بالبيانات وصولًا إلى الحديث الأكثر عناية في صياغته. بينما يندرج الإعلام الصحفي صراحة في إطار وسائل الإعلام. ويقوم بدورها التقليدي في المجتمع: ممارسة مهمة الوسيط بين الأحداث والظواهر والمشاكل التي تطرأ في المجتمع وأعضائه (…) فما تقدمه الصحافة الرقمية من محتوى هو ثمرة المعالجة الصحفية؛ أي البحث عن الأخبار والمعلومات، وجمعها وتحليلها، وعرض الأحداث”(1).

ظلت الصحافة المطبوعة لمدة تزيد عن ثلاثة قرون تنمو في ظل التغيير “العادي”؛ إذ خضعت إلى المبادئ ذاتها، ولروتين الإنتاج عينه، ولإيقاع تقديم الأخبار نفسه، وللطريقة في التوجه للقارئ ذاتها، ولبنيات لجمع الأخبار عينها (2). لكن اليوم تغيرت البيئة الإعلامية تغييرًا جذريًّا وغيرت ما كان يعتبر من ثوابت المهنة. لقد تحولت شبكة الإنترنت إلى فضاء للمواجهة الرمزية حول تحديد الهوية المهنية للصحافة التي تعيش تغييرًا دائمًا (3).

تاريخيًّا، ظهرت الصحافة الرقمية مع الاستخدام الاجتماعي للجيل الأول من الويب، ثم واكبت تطور جيله الثاني واستفادت من إمكانياته التقنية والاتصالية، وأصبح من الصعوبة بمكان الحديث عنها دون الأخذ بعين الاعتبار تداعيات استعانتها بالمنتديات الرقمية، ومواقع التواصل الاجتماعي، والمدونات الرقمية. ولئن ظل الإعلام الخاصية الأساسية التي تشخص الصحافة؛ أي إطلاع عدد من الناس على الأحداث الواقعية، إلا أن الجيل الثاني من الويب غيَّر “الحامض النووي” للأخبار نظرًا للخاصيتين الأساسيتين اللتين يتمتع بهما، وهما: الآنية والتفاعلية. فلم يعد اهتمام الصحافة يرتكز على ما جرى فحسب، بل اتجه أيضًا إلى الانشغال بردود الفعل على ما جرى وتبعاته. فأصبح باستطاعة كل من يملك أدنى حد من الكفاءة التقنية والعُدَّة التكنولوجية المتصلة بشبكة الإنترنت أن ينخرط في ديناميكية تحوُّل الحامض النووي للأخبار.

من الناحية الإجرائية، تحصر العديد من البحوث الأمبريقية في المنطقة العربية (4) الصحافة الرقمية في مجمل الصحف التي تصدر طبعتها في شبكة الإنترنت بجانب نسختها الورقية. وتتسم الطبعة الرقمية بسمتها الإخبارية التي تتخذ النسخة الورقية مرجعًا لها. ويحتفظ صحافيوها بسلطة انتقاء الأخبار وصياغتها ونشرها مع التفاعل المحدود جدًّا والمراقب مع قرائها/مستخدميها. هذا إضافة إلى الصحف التي تنشئ موقعًا لها في شبكة الإنترنت دون أن تملك نسخة ورقية لكن نشاطها يظل قائمًا على صحافيين محترفين.

ويلتقي الاجتهاد النظري والبحوث الأمبريقية في تشخيص سمات الصحافة الرقمية في العناصر التالية: التفاعلية (Interactivity)، والكتابة غير الخطية-المتشعبة أو الفائضة (Hypertextuality)، وتعددية الوسائط (Multimediality).

يؤكد مسح التجارب المختلفة في العالم حقيقتين، وهما:

أولًا: رغم التأكيد على أهمية حامل الصحافة الرقمية وتفعيل السمات الثلاث المذكورة أعلاه، التي أحدثت تغييرًا جذريًّا في الصحافة المعاصرة على مستوى نمط الإنتاج الصحفي ومعاييره وعلى صعيد اقتصاديات الصحافة، إلا أنه يمكن القول إن مكتسبات الممارسة الصحفية في بيئة الويب لا تحلينا إلى نموذج وحيد للصحافة الرقمية يُوحِّد مختلف التجارب ويُنَمِّطُها.

ثانيًا: كانت الصحافة “الرقمية” ولا تزال حقلًا للتقليد -تقلد بعضها البعض- وميدانًا للتجريب. تقاوم في البداية أي مبتكر تكنولوجي جديد ثم تتبناه وتتملكه. فالكثير من عناوين هذه الصحافة اعتبرت المدونات الرقمية منافسًا خطيرًا لها، وناصبها صحافيوها العداء. ثم اتجهت جل مواقع الصحف في شبكة الإنترنت إلى احتوائها وإدراجها في استراتيجيتها الاتصالية أو التسويقية. لتنتهي إلى التخلي عنها تدريجيًّا (5). وتكررت الحكاية ذاتها مع الميديا الاجتماعية لتنتهي باستخدامها لمآرب مختلفة سواء كمصدر إخباري أو كحامل للمضامين الصحفية أو كفضاء للنقاش والحوار. وقد سبق للعديد من الصحف الرقمية أن فتحت صفحاتها للقارئ ليتفاعل مع ما تنشره من مضامين بالتعليق والتعقيب، ثم بدأت تتراجع عن هذا الاختيار جزئيًّا إلى غاية إلغائه كليًّا (6).

لا تؤكد هذه الحقائق عدم استقرار الصحافة الرقمية على شكل معين فحسب، بل ترافع عن البراديغم البنائي الذي يعتبر الصحافة عملية بناء اجتماعي للواقع في تحوُّل دائم وابتكار متواصل (7).

1. مقاربة الصحافة الرقمية

لا يوجد إجماع على مقاربة نظرية واحدة لدراسة الصحافة الرقمية. فأغلب المقاربات التي تناولتها أدرجتها في النظريات التالية (8): سوسيولوجيا مهنة الصحافة، والنظرية المتجذرة (Grounded theory)، ونظريات التكنولوجيا والمجتمع (الحتمية التكنولوجية ونظرية انتشار المبتكرات). ويمكن أن نضيف لها سوسيولوجيا الاستخدامات ونظرية المجال العام التي سنوظفها في هذا المقام.

نعتقد أن نتائج الاستعانة بالمجال العام لفهم التحولات التي عاشتها وتعيشها الصحافة، ودراسة تداعيات الصحافة الرقمية في المجتمعات العربية على المجال العام، تكون محدودة جدًّا وتجانب الواقع ما لم تأخذ بعين الاعتبار الدراسات المعاصرة التي تجاوزت الطرح الهبرماسي للفضاء العمومي (1988-1962)، كما سنوضح لاحقًا.

2. من خصائص الصحافة “الرقمية” العربية

من الصعب جدًّا الحديث عن الصحافة العربية “الرقمية” التي تتسم بقدر كبير من التنوع وعدم التجانس الذي يعود إلى تفاوت الإمكانيات المادية والتقنية، وتباين التقاليد الثقافية والاجتماعية، وتفاوت هامش حرية التعبير، لكن سنغامر بالقول: إنه بعد مرور 14 عامًا من صدور أول نسخة إلكترونية لصحيفة عربية، وهي الشرق الأوسط، استخلصت بعض الدراسات (9) أن ما سمي بالصحافة الرقمية العربية لم تصل بعد إلى الارتكاز على الخصائص الثلاث المذكورة أعلاه. ونعتقد أن هذه الخلاصة لا تزال صالحة لحد اليوم؛ إذ إن مخيال الصحافة المكتوبة ما زال يتحكم في الكثير من مواقع الصحف الرقمية العربية. وهذا يعني قلة الاعتماد على الكتابة غير الخطية أو فقر نصوصها المتشعبة أو الفائضة. فالروابط الرقمية إن وجدت فهي داخلية وتشير إلى مقالات ذات صلة بالموضوع المعالج ومقالات سابقة لكاتبها (10)، ولا تتضمن روابط خارجية. إن النص الفائض في الصحافة الرقمية يُقدِّم أكثر من مدخل للمادة الصحفية؛ يُثْرِيها بمعلومات مُكَمِّلَة ويُعمِّق بعض جوانبها. ويَرْفِدُها بمواد سمعية، وسمعية بصرية، وتسجيلات حية أو وثائق من الأرشيف. لكن استخدام النص المتشعب في الصحافة الرقمية العربية ضمن هذا الأفق يظل محدود جدًّا. وهذا يبعدها كثيرًا عن “موسوعية الإعلام”(11).

ولا تعتمد هذه الصحافة على البعد التفاعلي إلا في حدوده الدنيا؛ أي لم تصل إلى ترسيخ منطق الشراكة في إنتاج المادة الصحفية. فرغم أن مواقع بعض القنوات التلفزيونية العربية في شبكة الانترنت تُعَدُّ أكثر تقدمًا في إتاحة الفرصة للجمهور لإبداء رأيه مقارنة بمواقع الصحف الورقية إلا أن هذه الفرصة تظل أسيرة منطق بريد القراء. فموقع “العربية نت”، على سبيل المثال، يطلب من جمهوره أن يشاركه الرأي ويخصص له خانة لتوجيه رسائله مكتوبة!

وبصرف النظر عن استطلاع الرأي والاستفتاءات التي تقوم بها جل الصحف الرقمية العربية، التي تُمَثِّل ضربًا من التفاعل، لا تستعين أغلبها بالمدونات الرقمية. والقليل جدًّا منها لا يسمح سوى لعدد محدود جدًّا من صحافييه بنشر مدوناتهم فيها- مثل صحيفة “ليبرتي” الجزائرية (Liberté) -ربما ينفرد موقع الجزيرة نت في توظيف المدونات الرقمية التي تجمع صحافيي القناة وبعض الأقلام من خارج مؤسسة الجزيرة لتقديم مواد متنوعة عن مواضيع مختلفة تعكس تجارب متعددة تسير في اتجاه توسيع قاعدة متابعي موقعها الإلكتروني. هذا الانفراد الذي يقترب من الاستثناء لا يمكن أن يحجب استغناء قطاع واسع من الصحافة الرقمية العربية عن الطاقة التعبيرية والتواصلية للمدونات الرقمية التي من المفروض أن تفتح أفقًا للإنتاج المشترك للمادة الصحفية. فالمخيال التقني الذي قاد خطواتها لم يتمكن بعد من تحرير المخيال الاجتماعي. وهذا ما يتضح في تَملُّكها للميديا الاجتماعية. لقد سار هذا التَمَلُّك، بدرجات متفاوتة، في اتجاهين: الاتجاه الأول اعتمد على ما ينشر في هذه الميديا كمصدر أخبار، والاتجاه الثاني جعل منها رافدًا لنشر محتويات الصحافة الرقمية العربية وتوصيلها إلى جمهور جديد ومتنوع. وقد مرت الصحف الرقمية الأوربية بهذه التجربة؛ إذ جعلت من موقعي شبكتي: فيسبوك وتويتر مجرد لوح إشهاري يعلن عن عناوين موادها الصحفية، ويقدم ملخصات مختصرة لما تضمنته مواقعها الرقمية (12). لكنها تجاوزت هذه المرحلة؛ إذ أدمجتهما ضمن استراتيجيتها الإعلامية والتسويقية (13).

رغم اتجاه الكثير من المواقع الصحفية في شبكة الإنترنت إلى استخدام البرمجيات والتطبيقات التي تُمَكِّن من تصفحها عبر الحوامل المتنقلة، مثل الهاتف الذكي واللوح الإلكتروني، خاصة بعد أن كشفت المسوح الميدانية أن 67 %من الأشخاص في سبع دول عربية يتابعون الأخبار عبر هواتفهم الذكية، وأن ثلث مستخدمي الإنترنت فيها يؤكدون أن المنصات الرقمية والميديا الاجتماعية هي مصدر أخبارهم الأول (14)، فإن الكثير من الصحافيين يُقِرُّون بغياب استراتيجية واضحة وراء لجوء صحفهم إلى النشر عبر الإنترنت (15). ويتجلى هذا الغياب أكثر على مستويين: نمط إنتاجها الصحفي واقتصادياتها.

ربما لجأت بعض الصحف إلى النشر في شبكة الإنترنت من باب التقليد وركوب موجة “الحداثة التقنية” الذي دفع بعضها إلى القفز إلى الأمام من خلال دعوة الجمهور إلى نشر صوره وفيديوهاته(16). واعتمادها كشهادة شاهد عيان. وفتح بعضها المجال للقراء لإبداء آرائهم والتراجع عنه (17). وهكذا اتجهت بعض الصحف إلى تبني التكنولوجيا مع مقاومة آثارها من خلال التشبث بالماضي، فلا تُحَيِّن محتوياتها (18). هذا الاختلاف أو عدم التجانس في تطور الصحافة العربية الرقمية يدعو إلى تسييق (من السياق) نشوئها وتطورها من خلال عاملين أساسيين، وهما: العامل الاقتصادي، والعامل القانوني.

يعتمد تمويل الصحافة الورقية في المنطقة العربية إلى حد كبير على عائدات الإعلان. فأي انكماش في سوق الإعلان ينعكس على صحتها المالية. واستنسخت الصحافة الرقمية العربية هذا النمط التمويلي أمام وجود ما بين 61 و75% من مستخدمي شبكة الإنترنت يرفضون دفع مقابل مالي جراء تصفحهم للمواقع الرقمية (19). فرغم أن سعر الإعلان في مواقع الصحف الرقمية العربية يُعَدُّ أقل من سعرها في الصحف الورقية بـ ـ25 مرة (20) إلا أن معدل كل فرد سنويًّا من الإعلان الرقمي يظل ضعيفًا؛ إذ يتراوح ما بين دولار واحد في فلسطين وسوريا و7.8 دولار في لبنان (21). وهذا لا يكفي لتغطية تكاليف مواقع الصحف الرقمية، فتضطر الكثير من النسخ الرقمية إلى الاعتماد على الطبعة الورقية في تمويلها أو البحث عن مصادر مالية غير تقليدية (22) أو الكف عن الصدور (23). لذا أضحى منح الإعلانات للصحافة الرقمية في بعض البلدان العربية وسيلة للضغط عليها وابتزازها لتغيير خطها التحريري على غرار ما يحدث مع الصحف الورقية (24).

لقد نشأت الصحافة العربية الرقمية وتطورت في كنف قوانين الإعلام والمطبوعات التي وجدت أصلًا لتأطير نشاط وسائل الإعلام الكلاسيكية )الصحافة المطبوعة، والإذاعة والتليفزيون(. وكان للعوامل الخارجية دور في اهتمام المشرع في البلدان العربية بالإعلام الإلكتروني. فبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 تمت مراجعة قوانين الإعلام والمطبوعات وخُصِّص جزء منها للإعلام الإلكتروني وتم ربطه بالجرائم الرقمية. وبعد حوالي عقد تقريبًا من هذا التاريخ تم التركيز على أضرار هذا الإعلام تحسبًا لتداعياته على المنطقة العربية (25) بعد ما أصبح يعرف بـ “الربيع العربي. ولم ينظر المُشَرِّع للصحافة الرقمية باعتبارها أداة تعبير في يد من لا يملك “سلطة القول” أو قوة مراقبة السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية.

تخضع الصحافة الرقمية في جل البلدان العربية لقانون المطبوعات: مثل التصريح، وتعيين رئيس تحرير ومسؤول النشر. ويتشدَّد المُشَرِّع المغربي في التصريح المسبق لإصدار صحيفة إلكترونية أكثر من التصريح لإنشاء نظيرتها الورقية؛ إذ يفرض إيداع التصريح لدى النائب العام في المحكمة، ولدى الوكالة الوطنية لتقنيين المواصلات، والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، والمركز السينمائي المغربي (26).

يبدو أن تفسير الصعوبات التي تواجه الصحافة العربية في انتقالها إلى بيئة الويب بغياب النصوص القانونية المُنَظِّمة لها أو عدم مواكبة هذه القوانين لديناميكية تغييرها أضحى قاصرًا؛ إذ يمكن اليوم الوقوف على العديد من الحالات التي تكشف بأن بعض هذه الصعوبات تعود لعدم تطبيق القوانين أو أن تطبيقها يخضع للمزاج السياسي ولميزان القوى السياسية. فالنظر إلى وضع الصحافة الرقمية العربية من ” كوة” القانون توهم النظر وتعيد إنتاج الطوباوية التي تؤمن بوجود الإعلام خارج شرطه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي.

فعلى ضوء هذا الشرط نحاول أن نقرأ إسهام هذه الصحافة في تشكيل أو إعادة تشكيل المجال العام من خلال الافتراضات السبعة التي سنناقشها في هذا المحور.

3. الصحافة الرقمية العربية وتشكيل المجال العام

1.3. الاستقطاب في ظلال التشذر

عملت التكنولوجيا المعاصرة ووسائطها المختلفة على تشظي الجمهور والمستخدمين في البلدان العربية عبر مختلف واجهات الشاشات. ففي ظل تشنج العلاقات الاجتماعية، واللجوء إلى العنف في الصراع للوصول إلى السلطة في بعض البلدان العربية أو للاحتفاظ بها، انتقلت الصحافة “الرقمية العربية” من إحداث التشذر في صفوف قرائها إلى محاولة استقطابهم لاصطفافهم وراء الأطراف المتصارعة. فبهذا انزاحت إلى التجييش والتعبئة والإقصاء وابتعدت عن مسار النقاش العقلاني والديمقراطي. وهذا يتعارض مع الفكرة المسلم بها التي تنص على أن للصحافة الرقمية إمكانية تشكيل مجال عام شامل تناقش فيه كل القضايا والمواضيع ويستطيع كل شخص أن يلجه ويشارك فيه (27).

لقد اتسمت الصحافة المطبوعة العربية بطابعها السياسي نظرًا للظروف التاريخية التي تشكَّلت فيها (مقاومة الاستعمار والانخراط في ديناميكية الصراع في ظل بناء الدولة الوطنية). وهذا يعني أن جل عناوين الصحف نشأت وتطورت في كنف عائلة فكرية وسياسية معينة، وعملت، بهذا القدر أو ذاك، من أجل نشر فلسفتها والتعبير عن مواقفها. ونعتقد أن امتدادها إلى البيئة الرقمية لم يحررها من سلطة عائلتها، بل أدى بها إلى تشكيل عَصَبتها الرقمية في ظل تشظي المجال العام. إن تحليل الخطاب السائد في منتديات بعض الصحف الرقمية، يؤكد خضوعه “لوحدة الفكر والتصور” التي تقصي أي فكر مخالف مما يحول المناقشة إلى حوار ذاتي (28). وهذا يعني انغلاق الفضاء الذي تُشكِّله كل صحيفة إلكترونية على قرائها الذين يلتقون حول الأفكار والآراء ذاتها، فيعمق إيمانهم بصواب آرائهم، بل قد يدفعهم إلى التشدد فيها (29). وبهذا فإنها أقرب إلى تشكيل فضاء مشترك عن مجال عام.

2.3. الصحافة الرقمية و”فوقعة المصفاة”

ازداد الايمان بإقبال البشرية على تعددية المصادر الإعلامية وتنوعها في ظل تعدد المنصات الرقمية، وشاع معه الاعتقاد بزوال الوسيط بين مستخدمي هذه المنصات ومصادر المعرفة والأخبار، لكنه زال بتزايد دور الوسطاء الإعلاميين (Infomediaries) الذي يضطلع به العديد من الفاعلين في الإنترنت: الميديا الاجتماعية، ومجمعي الأخبار، ومحركات البحث المختلفة.

تراوحت نسبة الأشخاص الذين يلجون مواقع الصحف الرقمية في بعض الدول الأوربية أو يتصفحون محتوياتها عبر محرك بحث ” غوغل نيوز” ما بين 25 و40%(30). ولا يخفى على كل مطلع بأن هذا الوسيط الإعلامي يعمل على شَخْصَنَة المواد الإعلامية حسب كل قارئ. ومهما بلغت نسبة هؤلاء الذين يطلعون على ما تنشره الصحف الرقمية العربية فإن دور الوسيط الإعلامي المذكور يظل ذاته. وربما يتضاعف في ظل استعانة جل الصحف الرقمية في المنطقة العربية بشريط “ملخص الموقع الثري “آر إس إس” (RSS) الذي يزود كل مشترك بما تنشره هذه الصحف من جديد ويتماشى ورغباته واهتماماته. هذه الحقيقة تعزز فكرة “فقاعة المصفاة” (The Filter Bubble) التي قدمها إيلي بارزي (Eli Pariser) حيث أكد أنها تؤدي إلى شَخْصَنَة الأخبار والإعلام بشكل أكبر. فتقدم من الأخبار والتعليقات ما يتناغم مع أفكار القارئ المسبقة والجاهزة وتبعده عن مواجهة الأفكار المعارضة أو المخالفة فتشجع الاستقطاب بدل الانفتاح على الحوار والتداول. على هذا الأساس يمكن أن نفهم تراجع يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) في 2006 عن أعماله الأولى في دراسته للآثار المهيكلة للوساطة الإعلامية في المجال العام المعاصر، حيث أكد أن الإذاعة والتلفزة والصحافة ثم الإنترنت تشجع ميلاد “فسيفساء” من الفضاءات الموضوعاتية النصف عامة (31).

3.3. السياسة: ممارسة أم استعراض؟

لعل السؤال الذي طرحه الباحث مارك لانش (Marc Lynch) عن الفضاء التدويني العربي، في عز ازدهاره عام 2007، لا يزال راهنًا في جوهره ويمكن سحبه على الصحافة الرقمية العربية. لقد تساءل هذا الكاتب عن مقدرة الفضاء المذكور على تحويل ديناميكية الرأي العام والنشاط السياسي وإن كان قد استبعد حينذاك أن تقود المدونات الرقمية السياسة العربية إلى ثورة إلا أنه آمن بإمكانيتها في تغيير طبيعة السياسة في المستقبل (32) وهذا بفعل آثار تراكم الفعل التواصلي غير التقليدي والمتجدد.

إن تطور الصحافة العربية الرقمية لم يتم بمنأى عن المدونات الرقمية التي خف وزنها اليوم في المجال العام في المنطقة العربية نتيجة ديناميكية التواصل التي أحدثتها مواقع الشبكات الاجتماعية؛ إذ يجب الإشارة إلى أن الكثير من هذه المواقع كانت ولا تزال تتغذى بما تنشره وسائل الإعلام التقليدية التي تمَلَّكَتها؛ فقادها إلى الإسهام في تغيير نمط الاتصال العمودي في المجتمعات العربية. هذا التغيير وما واكبه من تشذر في القراء/المستخدمين وتشكيل “الجماعات الافتراضية” طعن في مشروعية التراتبية الاجتماعية الموروثة، وعمل على تجريد السلطة من كل تقديس، وخفَّف من منسوب الخوف من إبداء الرأي والتعبير عن الموقف.

لعل هذا التغيير في المجتمعات العربية الشغوفة بالشأن السياسي في ظل غليان الشارع في بعض البلدان العربية يطعن فيما توصل إليه الباحث بريس بمبر (Bruce Bimber) في محاولته تفسير العلاقة الترابطية بين الصحافة الرقمية والمشاركة السياسية في الولايات المتحدة الأميركية. فعزا هذه المشاركة إلى الاستعداد بالاهتمام بالشأن السياسي لدى مستهلكي هذه الصحافة وليس العكس (33). بمعنى أن متابعة الأخبار السياسية ليست متغيرًا مستقلًا يؤثر على المشاركة السياسية، بل إن هذه الأخيرة هي المتغير المستقل. لقد تجلت العلاقة الجدلية بين الإقبال على الأخبار السياسية والنضال السياسي الرقمي أكثر في بعض البلدان العربية التي عاشت أحداث “الربيع العربي”.

يُعَدُّ التواصل بين الأشخاص شرطًا أساسيًّا لِتَشَكُّل المجال العام. فالصحافة الرقمية وبقية وسائل الإعلام ليست قنوات اتصال فحسب، بل إنها بوتقة ينصهر فيها هذا الاتصال. فمهما كان مستوى الاتصال في الفضاء الافتراضي ومهما تعدَّدت منابر النضال الرقمي فإنها غير قادرة بمفردها على تطوير الممارسة الديمقراطية الفعلية والعملية في الواقع اليومي. هذا ما أكده الكاتب الأميركي ملكوم غلادويل (Malcolm Gladwell) (34)  من خلال مقارنته بين النضال العملي في أرض الواقع الذي خاضته حركات الدفاع عن الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأميركية في ستينات القرن الماضي والذي أدى إلى تغيير فعلي في واقع الأميركيين من أصول إفريقية، والنضال الافتراضي في العقد الثاني من الألفية الحالية الذي لا يتكبد فيه المناضلون الرقميون سوى أقل المخاطر. وهي مخاطر حقيقية وكبرى في بعض البلدان العربية التي تمنع، مع الأسف، أي شكل من أشكال الاحتجاج السلمي عبر التجمعات والمظاهرات والمسيرات.

أسهمت بعض مواقع الصحافة الرقمية العربية في دفع قطاع من المواطنين من التعبير عن آرائهم وشاركت بقدر وافر في بروز شكل جديد من الالتزام والانخراط في الشأن السياسي مما يفتح آفاقًا للديمقراطية الرقمية. ويثير هذا الإسهام السؤال التالي: ما وقع هذه الديمقراطية الرقمية على التغيير في الممارسة السياسية في المجتمعات العربية وفي بناء مؤسساتها الدستورية؟ ينبهنا هذا السؤال إلى أن مسألة التغيير السياسي في المجتمع تُعَدُّ عملية معقدة يشارك فيها العديد من الفاعلين، منهم الإعلام، وإن كانت إعادة بناء المؤسسات الدستورية على أسس ديمقراطية عملية بطيئة وناجمة عن فعل تراكمي. هذا إن لم نجار الباحثة السوسيولوجية البريطانية كيت ناش (Kate Nash) (35) في دعوتها إلى الابتعاد عن الرؤية التقليدية للسياسة وعدم حصرها على مستوى الدولة، واعتبارها شأنًا من شؤون الحياة اليومية، بوصفها تعيد بناء الهويات والحياة الاجتماعية اليومية. ففي هذه الحالة لا تتجلى السياسة في الفضاء الافتراضي، الذي تُشَكِّل الصحافة الرقمية جزءًا منه، كمواضيع أو أشياء بل كمشهد مرئي. وبهذا تسهم في تشكيل المجال العام انطلاقًا من تصور حنا أرنت (Hanna Arendt) لما هو عمومي؛ إذ تؤكد “أنه يدل أولًا وقبل كل شيء على كل ما يظهر أمام الملأ، ويمكن أن يُسْمَع ويُرى من قبل الجميع، ويتمتع بأكبر قدر من الذيوع”(36).

4.3. الصحافةالرقمية كمشهد

يعتقد بعض الباحثين أن الصحافة الرقمية تسمح بتفاعل قوي مع قرائها/مستخدميها. وتفرز نوعًا جديدًا من النقاش العام، وتفتح أجندتها للقضايا التي لا تتناولها وسائل الإعلام التقليدية، وتعالجها من زوايا جديدة، ومفتحة على المصادر البديلة للأخبار (37). ليس هذا فحسب، بل إن “الحقيقة لا تجري في علبة مغلقة؛ أي قاعات التحرير، بل في “الويب” المفتوح على السريان الآني لكل الملاحظات حول حدث معين”(38).

إن تقاطع أجندة الصحافة الرقمية في المنطقة العربية مع محتويات وسائل الإعلام التقليدية لا يحجب تجدُّدها المستمر وانفتاحها على المواضيع المسكوت عنها التي كانت تدرج في خانة المحرمات، وجعلها مرئية أكثر. لكن هذا الانفتاح لم يؤد إلى الدفع بالتفاعلية إلى أقصى مراحلها. فرغم تفاوت مستواها بين مختلف عناوين الصحف الرقمية العربية إلا أن مشاركة القراء في إنتاج المحتويات والتعليق عنها يظل محدودًا. بل إن بعض مواقع الصحف الرقمية ألغت تمامًا التعليقات على ما تنشره، مثل موقعي صحيفة الوطن الجزائرية الناطقة باللغة الفرنسية. وبعضها لم يُفَعِّل منديات نقاشه، مثل موقع صحيفة الراية القطرية. قد يُبَرِّر أصحاب هذه المواقع هذا الإلغاء وعدم التفعيل بجنوح المعلقين على ما تنشره نحو الشتم والقذف والتجريح. وهو التبرير الذي دافعت عنه الكثير من مواقع الصحف الرقمية في البلدان الغربية. لكن نعتقد أن هذا التبرير لا يمكن أن يخفي الإخفاق في إحداث التناغم بين الخطاب الإعلامي الصادر عن المؤسسة وخطاب المعلقين والمعقبين عليه، وهم من عامة الناس (39)، ولا يحجب ضعف تقاليد الحوار وذَمَّ الجدل في الثقافة العربية. ومهما كانت المبررات لتفسير ضعف التفاعلية أو غيابها في بعض مواقع الصحف الرقمية العربية إلا أنها ترافع لفهم المجال العام انطلاقًا من البحوث التي تلت كتابات هابرماس، والتي تقع في نقطة تقاطع علم الاجتماع وعلوم الاتصال، في بعده المشهدي (scenic). أي يمكن استيعاب المجال العام وفق هذه المقاربة كمشهد مسرحي، تظهر السياسة فيه أمام المُتَفَرِّجين الذين يُشكِّل حكمهم الجماعي عليه الرأي العام (40). فخلافًا لهابرماس الذي يولى أهمية قصوى للمناقشة والمداولة والاستعمال العمومي للحجة في تشكيل الفضاء العمومي، تميل حنا آرنت إلى منح الأهمية لإصدار الأحكام: الأحكام الجمالية والأخلاقية والسياسية (41). بالطبع إن هذه الأحكام التي تظهر في التعليقات على ما تنشره الصحافة الرقمية العربية أو مدوناتها الرقمية ليست مفصولة عن الأحكام الصادرة في المجال العام: المساجد، الملاعب والأندية، والمقاهي والنوادي الثقافية، والميديا الاجتماعية.

5.3. إكراهات السوق

غني عن القول: إن الصناعات الثقافية والإعلامية تخضع للعقلانية الاقتصادية. وفي ظل غياب الدولة كقوة ضابطة للسوق وضامنة للخدمة العامة يكون البقاء للصحف الأوفر مالًا. هذا ما يؤكده واقع الصحافة المكتوبة في الوطن العربي. لقد اضطرت الكثير من الصحف إلى توقيف نسختها الورقية عن الصدور نتيجة تراجع عائدها من الإعلانات على غرار الصحف اللبنانية: “النهار” و”السفير” و”اللواء”، وهو المصير الذي لقيه حوالي نصف الصحف المصرية التي ظلت محافظة على صدورها المنتظم خلال السنوات الخمس الأخيرة (42) وشاطرتها في ذلك 26 صحيفة يومية و34 صحيفة أسبوعية في الجزائر منذ 2014 (43). وتقتات جل النسخ الرقمية من عائدات طبعتها الورقية نظرًا لعدم تمكنها من تحقيق استقلالها المالي أو توازنه، ناهيك عن فرض نموذجها الاقتصادي.

لقد اختارت بعض الصحف الرقمية اسم نطاقها في بلد أجنبي، مثل الكثير من الصحف الجزائرية، من أجل الانفلات من الرقابة والمنع من الصدور ولتجعل من النسخ الرقمية وسيلة لنشر مضامين الطبعات الورقية عندما تتعرض للحجز أو الحظر من الصدور داخل الوطن، كما هو شأن جل الصحف الجزائرية، لكن حرية الصحافة لا تتطلب توفر الشرط السياسي فقط، على أهميته، والمتمثل في غياب الرقابة على ما تنشره، وعدم خضوعها لما تمليه عليها الحكومات من مواضيع وآراء ومواقف، بل تتطلب توفر الشرط الاقتصادي أيضًا، وهو عدم الانصياع لجنوح السوق. فلهذا الأخير سلطة تضاهي سلطة الحكومات (44). وهذا ما تفطَّن إليه بعض الباحثين الذين أشاروا إلى التناقض الكامن في قلب العلاقة القائمة بين الأخبار والديمقراطية، والذي يعبر عنه التعارض بين القدرات التحررية للتكنولوجيا الراهنة والإكراهات الخانقة للسوق (45).

6.3. رأسمال الرمزي

أثارت نظرية الحقل (field theory) (46) لدراسة الصحافة الكثير من النقاش الذي دار حول مبدأ استقلاليتها عن بقية الحقول، وتجدَّد بعد بروز الصحافة الرقمية وتطورها. فعلى الصعيد النظري يمكن القول: إن صناع هذه الصحافة يملكون من الحرية ما يسمح لهم بالعمل بشكل مستقل عن الشركات الإعلانية. لكن عمليًّا يحتاج هذا القول إلى مراجعة على ضوء عدم تمكن هذه الصحافة من فرض نموذجها الاقتصادي، واستمرار تبعيتها، بهذا القدر أو ذاك، لمصادر التمويل التقليدية، خاصة الإعلان، واستقصاء أخبارها من مصادر الأخبار الكلاسيكية المهيمنة حتى وإن انفردت ببعض الأخبار فسرعان ما تتملكها وسائل الإعلام الكلاسيكية وتدرجها في الأجندة الإعلامية المهيمنة.

إضافة إلى ما سبق قوله نميل إلى الاعتقاد بأن الصحافة في المنطقة العربية لا تُشَكِّل حقلًا بالمفهوم الذي حدده بيير بورديو؛ إذ إنها لم تستقل عن الحقول الأخرى: الاقتصادية، والسياسية والدينية. ولا غرابة في ذلك إن لم تتمكن الحركية الاجتماعية السياسية من فرض مبدأ الفصل بين السلطات، والذي على أساسه نزعم بوجود سلطة رابعة أو خامسة.

لقد أشارت الدراسات الحديثة (47) إلى أن الصحافة الرقمية تملك رأسمالًا اقتصاديًّا أقل من رأسمال الصحافة المطبوعة الذي بدأ يتآكل بفعل الأزمة التي تعيشها والتي ظهرت أعراضها بشكل جلي. وفي تآكله هذا سيقضم رأسمال الرمزي الذي راكمته عبر سنوات. لذا تحاول الصحافة الورقية أن تجعل من “الأخلاقيات الصحفية” رأسمالًا رمزيًّا تجنده حفاظًا على مكانتها وهيبتها في المجتمع، وتقصي بموجبه كل من يخترق إقليمها (48).

تفتقد الكثير من عناوين الصحف الرقمية العربية رأسمال الاقتصادي وتعيش “عالة” على الصحف الورقية التي تعاني من تآكل رأسمالها الاقتصادي. ولم تستطع نسخها الرقمية أن تستثمر رأسمال الرمزي لنسخها الورقية، وتطوير رأسمالها الاجتماعي.

ففي ظل غياب استراتيجية واضحة من لجوء الصحف العربية المطبوعة إلى النشر عبر الإنترنت لا يُشكِّل رأسمال الاجتماعي الشغل الشاغل لمسؤوليها والذي يُمكِّن صحافييها من الترابط مع نظرائهم وقرائهم. ولم يصبح رأسمالها الرمزي هاجسهم ويعملون على تطويره، بدليل أن بعض البحوث التي أنجزت عن الصحافة الرقمية العربية تؤكد عدم اهتمامها بمستخدمي مواقعها في شبكات الإنترنت وبتعليقاتهم على ما تنشره (49) في زمن أضحت هذه الصحافة في البلدان الغربية تستعين بمحركات البحث لمعرفة قرائها بشكل دقيق: سنهم، ومستواهم الثقافي، وأماكن تواجدهم، والوقت الذي يخصصونه لتصفحها، ومعدل الوقت لتصفح الصفحة الواحدة، ونوعية المواد التي حظيت بإعجاب أكثر، وتلك التي تم اقتسامها، وغيرها من المعلومات التي تُوَظَّف لصياغة استراتيجية تسويقية واتصالية للموقع. بل إن بعض مواقع الصحف العربية لا تصحح حتى أخطاءها ولا تعتذر للقراء/المستخدمين الذين لفتوا نظرها إليها عبر تعقيباتهم عما تنشره (50). وبهذا فإنها تشارك دون وعي في المساس بهيبتها، والنيل من رأسمالها الرمزي إن كان لها رأسمال.

إن تفريط الصحافة الرقمية في رأسمال الرمزي يُعَسِّر المقاربة لفهم المجال العام الذي يراه داشو إريك (Eric Dacheux) عبر أبعاده الثلاثة، ويعرفه بالقول “إنه هيئة الضبط الخاصة بالديمقراطية، تضبط وتُعَدِّل النزاعات بين النظام السياسي (صياغة المعايير)، والنظام الرمزي (سريان المعتقدات)، والنظام الاقتصادي) تثمين الموارد (“(51). ويدعو إلى التفكير في هذه الأبعاد الثلاثة لفهم أزمة الديمقراطيات الأوروبية بمنأى عن الأفكار الجاهزة، مثل أزمة التمثيل في المجالس المنتخبة، واغتراب الميديا اقتصاديًّا، وانحراف عمليات استطلاع الرأي.

7.3. اصطناع رأي عام

تكاد التفاعلية في الصحافة العربية الرقمية تنحصر في الإشارة إلى الأخبار والمقالات التي نالت الإعجاب أو كانت أكثر مقروئية، وتلك التي وزعت على الأصدقاء واشتركوا في قراءتها، والمشاركة في استطلاع الرأي أو الاستفتاء حول موقف معين. وتوحي هذه الأشكال من التفاعلية أنها تعرض صورة عن الرأي العام السائد في المجتمع، بينما لا تعمل سوى على تسخيرها لاصطناع رأي عام قد يكون غير موجود في الواقع.

فأمام محدودية النقاش والجدل حول القضايا والمواقف أو غيابهما في هذه الصحافة بدرجات متفاوتة يصعب الحديث عن مساهمتها في تشكيل الرأي العام. فالأفكار سواء كانت فردية أو جماعية تتشكَّل في النقاش والحوار.

إننا ندرك بأن الأخبار تشكل رهانًا أساسيًّا للديمقراطية وتقع في قلب سير المجال العام. لكن هذا الإدراك لا يسمح بمقاربة هذا المجال انطلاقًا من مضمون هذه الأخبار فقط (52).

إن كانت الدراسات السيمائية قد عملت منذ أزيد من نصف قرن على تعبيد الطريق من أجل استجلاء المعنى من مضمون الأخبار فقد برهنت عن حدود الحديث باسم الغائب؛ أي الجمهور. وبالتالي عجزت عن الكشف عن آليات تفاوض المتلقي/المستخدم مع هذا المضمون للاشتراك في إنتاج المعنى. الاشتراك الذي يؤكد أن الأخبار ليست سوى عملية تَمَثُّل اجتماعي يعيد بناء الواقع الاجتماعي بكل ما يحمله من توافق وتوتر واختلاف. ولا تستند إلى مضامين الأخبار فقط، بل إلى صلتها بالماضي أيضًا، وبالخلفيات الثقافية والأيديولوجية التي تؤطر عملية تأويلها.

لم تتطور الصحافة الرقمية في المنطقة العربية في جزيرة معزولة عن الميديا الاجتماعية، خاصة تويتر وفيسبوك وإنستغرام التي ازداد عدد مستخدميها واكتسبت مكانة معتبرة في الاتصال العمومي. فالصحافة الرقمية لم تتخذ من هذه الميديا مَعْبَرًا للنفاذ إلى الفئات الاجتماعية التي لم تصلها فحسب، بل حاولت أن تتملك الأخبار والمواضيع التي تتداولها.

لقد حاولت الميديا الاجتماعية قيادة النقاش في المجتمع دون أن تملك ما يؤهلها لذلك نظرًا لكونها أداة اتصال وليست إعلام، فانجر مستخدموها إلى التعبير عن المكبوت والقدح والوشاية واتهام معارضيهم في الرأي بالتخوين، وهكذا ساهمت بدور لا يستهان به في تمييع النقاش السياسي وأفرغته من محتواه. وهذا ما حدا ببعض الباحثين على غرار الباحث الأميركي مارك لينش إلى الاعتقاد بأن الميديا الاجتماعية ساهمت في إفساد الانتقال الديمقراطي في مصر وتونس (53).

يبدو أن فهم ديناميكية المجالات العامة المجزأة التي ساهمت في تشكيلها “الميديا” الاجتماعية والصحافة الرقمية تكون أوضح وأشمل إن جارينا ما ذهب إليه ماكنير بريان (Brian McNair) في أطروحته التي تدعو إلى الانتقال من براديغم الرقابة إلى براديغم الفوضى (54).

فالبراديغم الأول يؤكد على أهمية البنية والنظام التراتيبي الذي يبسط يد النخب القائدة على الجهاز الثقافي لوسائل الإعلام، مما يؤدي إلى التشكل الأحادي للأيديولوجيا المهيمنة. بينما يفصح براديغم الفوضى على أن رغبة هذه النخب في الرقابة تتعرض في الغالب لانقطاعات غير متوقعة وتفرعات ناتجة عن تبعات التطورات السياسية والثقافية والاقتصادية والتكنولوجية على مسار الاتصال. والنتيجة أن ما يسميه هذا الباحث المجال العام الجديد أصبح يواجه ظواهر جديدة، مثل التحوُّل المتزايد والسريع في أجندة الأخبار، واتساع أشكال التعبير البديلة والمتناقضة.

خاتمة

ما سبق عرضه هو مجرد افتراضات لفهم علاقة الصحافة الرقمية العربية بالمجال العام اتخذت مداخل مختلفة. فهي قابلة للإثبات أو النفي. ويمكن أن نختتمها بما يشكِّل قاسمها المشترك الذي نلخصه في النقاط التالية:

  1. إنّ الصحافة الرقمية ليست معطى ساكنًا ومنهي البناء. إنها عرضة للتجديد والتطور وتخضع لديناميكية التغيير الذي تصنعه الابتكارات التكنولوجية والاستخدامات الاجتماعية التي يؤطرها السوق.
  2. إنّ تصفح مواقع الصحف الرقمية العربية يكشف عن اختلافها وتفاوت تطورها. ويعود السبب في ذلك إلى جملة من العوامل، منها تباين الإمكانيات المادية، ودرجة مقاومة أو تبني قاعات تحرير هذه الصحف للمبتكرات التكنولوجية، وهامش الحرية المتوفر في المجتمع، والتقاليد الثقافية والاتصالية والصحفية في المجتمع. حيث نلاحظ أن بعض الصحف ال تعمل على تحيين محتوياتها، بل تكتفي بإعادة نشر نسختها الورقية في شبكة الأنترنت، بينما استطاع بعضها أن يخطو خطواته األولى في طريق التحرر من مرجعية الصحافة المكتوبة من خلال استخدام شرائط الفيديو، والملفات الصوتية، وفتح المجال لتفاعل جمهوره/مستخدميه ضمن أفق إشراكهم في إنتاج المادة الصحفية وتوزيعها.      3.  إن العوامل التي أدت بهابرماس إلى التأكيد عن انحراف المجال العام، مثل انتقال صحافة الرأي إلى صحافة تجارية، وتراجع اهتمام محرري الصحف بالمصلحة العامة بعد 1870 مقابل دفاعهم عن المصالح الخاصة، إضافة إلى جنوحها نحو الترفيه، ال تزال قائمة بالنسبة للكثير من مواقع الصحف الرقمية العربية. وهذا الأمر يجب أن لا يخفي الدور النشيط الذي قامت وتقوم به هذه الصحافة في توسيع سجل الأحداث والوقائع وأطالع أكبر عدد من الناس عليها، والكشف عن التجاوزات في إدارة قضايا الشأن العام في الكويت وتونس والجزائر، على سبيل المثال، والدفع بالمشاكل التي تطرأ على المجتمع لتكون مرئية أكثر كشرط أساسي لتحولها إلى مشاكل عمومية، باستخدام قوالب جديدة لسرد الأحداث والتجارب بشكل يثير فضول الجمهور/المستخدمين ويدفع للاهتمام بها.

 4 . إن تصفح مواقع الصحف الرقمية العربية ومتابعة تداعياتها في الفضاء العالمي العربي ال تؤكد تشذر المجال العام فحسب، بل تدعو أيًضا إلى إعادة التفكير في مفهومه وفي الأشكال التي يتجسد بها بعيدًا عن شروطه الأنطولوجية التي أكد عليها هابرماس: الاستعمال العمومي للعقل، ومناقشة الآراء والمقترحات المتعلقة بالشأن العام ومداولاتها، والفصل بين ما هو عام وخاص، ووجود مجتمع مدني قوي ونشيط. فالفضاء العمومي في البيئة الافتراضية التي تشكل الصحافة الرقمية جز ًءا من متنه يتطلب مقاربته من منظور إصدار الأحكام وليس الحجاج. الأحكام التي تفعل فعلتها في تشكيل الرأي العام العربي حول القضايا والمشاكل والأحداث التي تثيرها مواقع الصحف الرقمية.

المراجع:

(1)  Charon, J. M.; Le floch, P. la presse en ligne, (la Découverte, Paris, 2013(, p. 4.

(2)  Siapera, E.; Veglis, A. The Handbook of Global Online Journalism, (Wiley-Blackwell, 2012), p. 3.

(3)  Tredan, Olivier, Le “Journalisme Citoyen” en ligne: un public réifié, Janvier 2007, (Vu le 21 Mars 2018):

https://bit.ly/2GsT6kN

(4)  نذكر على سبيل المثال فقط:

– الشيخ جابر، جاسم محمد، الصحافة  الإلكترونية العربية، المعايير الفنية  والمهنية: دراسة تحليلية لعينة من الصحف الإلكترونية العربية،في: أبحاث المؤتمر الدولي: الإعلام الجديد، تكنولوجيا جديدة… لعالم جديد، (جامعة البحرين، 7-9 أبريل/نيسان 2009)، ص 391-412.

– عمار، رابح، الصحافة الرقمية وتحديات الفضاء الإلكتروني: دراسة ميدانية للصحافة الإلكترونية  الجزائرية، (أطروحة دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال، جامعة وهران 2، 2017)، ص497.

(5)  نشير إلى أن صحيفة “لوموند” (Le Monde) الفرنسية أنشأت في 2004 منصة جمعت 761 مدونة لصحافييها وقرائها وللخبراء والأكاديميين. وتخلت عنها في 2016 لتستعين بمنصات أخرى. وكانت قد استعانت قبلها بمنصة الدردشة (Chat). وكفَّت صحيفة “نيويورك تايمز” (The New York Times) في السنة ذاتها عن نشر المدونتين: “بيتس” (Bits) و”سيتي روم” (City Room) اللتان حظيتا بمتابعة فاقت متابعة أركان الصحيفة المذكورة في شبكة الإنترنت.

انظر:

Salles, Chloë, “Les blogs du Monde, des outils de management non-conventionnel”, Revue enjeux de l’information et de la communication, (N° 17, 2016), p. 63-76.

(6)  نذكر على سبيل المثال  بعض الصحف في شبكة الإنترنت التي أوقفت جزئيًّا أو كليًّا التعليق على ما تنشره: المجلة الرقمية البلجيكية “لوفيف” (Le Vif)، وصحيفتا شيكاغو سن-تايمز (Chicago Sun-Times) وتورنتو سان (Toronto Sun)، وقناة “سي إن إن” (CNN) ووكالة رويترز.

(7)  Ringoot, R.; Utard, J. M., Le journalisme en invention, Nouvelles pratiques, nouveaux acteurs, (Presses Universitaires de Rennes, France 2005), p. 24.

(8)  Siapera, Veglis, The Handbook of Global Online Journalism, op, cit, 10-12.

(9)  نذكر على سبيل المثال دراسة الشيخ جابر، الصحافة الإلكترونية  العربية، المعاييرالفنية والمهنية، التي أجريت في عام 2009 على 19 صحيفة إلكترونية عربية، مرجع سابق.

(10)  هذا ما ينطبق على سبيل المثال، على موقع صحيفة الخبر الجزائرية في شبكة الإنترنت، وصحيفة إيلاف.

(11)  لا نجد أي فرق بين المواد الصحفية الورقية والرقمية التي تنشرها صحيفة الحياة في موقعها: http://www.alhayat.com

(12)  انظر على سبيل المثال:

Mercier, Arnaud, “La place des réseaux sociaux dans l’information journalistique”, ina-expert, Octobre 2012, (Vu le 19March 2018):

https://bit.ly/2kn3rVy

(13)  يمكن أن نشير إلى تجربة مؤسسة “بي بي سي” البريطانية في هذا المجال. تؤكد آنا تمسون، نائبة رئيسة تحرير الفرع التفاعلي في قسم الرياضة بهذه المؤسسة عن تغطيتها للألعاب الأولمبية التي جرت في ريو دي جانيرو بالبرازيل عام 2016 أن القسم كيَّف طريقة جمع الأخبار وتحريرها؛ إذ لم تَعُدْ الكتابة خاصة بالموقع الإلكتروني، بل أُخْضِعَت لخصوصية الميديا الاجتماعي: فيسبوك، وتويتر، وإنستغرام، وسنا بشات.

Thompson, Anna, “Réseaux sociaux et récit journalistique”,bbc, 17 January 2017, (retrieved  May, 9, 2018 :

https://bbc.in/2OU0Fol

(14)  يقصد بها الدراسة الميدانية التي أجريت على مستخدمي الإنترنت في لبنان والأردن، ومصر، وتونس، وقطر، والإمارات، والسعودية. انظر:

Dennis, Everette E.; Wood, Robb, “Media in the Middle East: A new study shows how the Arab world gets and shares digital news”, 19 September 2017, (24 March 2018):

https://bit.ly/2fjkwxs

(15)  هذا ما يؤكده تصفح العديد من مواقع الصحف الرقمية العربية وتثبته المقابلات مع الصحفيين وبعض رؤساء تحرير الصحف الرقمية في الجزائر. انظر: عمار، الصحافة الرقمية وتحديات الفضاء الإلكتروني، مرجع سابق، ص 358-360.

(16)  انظر على سبيل المثال “أستوديو القراء” في موقع صحيفة إيلاف الذي يتضمن الدعوة التالية: “هل سجَّلتَ بِعَدَسَتِك مشاهد أثَّرت فيك وتريد تشاركها مع القراء؟”.

(17)  انظر على سبيل المثال إلى “منتدى الكتاب” بموقع صحيفة الرياض السعودية الذي تم إلغاؤه.

الشحري، فائز بن عبد الله، دراسة مسحية شاملة على رؤساء تحرير الصحف السعودية ذات الطبعات الرقمية، بحث مقدم لندوة الإعلام السعودي: سمات الواقع واتجاهات المستقبل، (المنتدى الإعلامي الأول لجمعية السعودية للإعلام والاتصال، الرياض، جامعة الملك سعود، 20-25 مارس/آذار 2003)، ص 2.

(18)  انظر على سبيل المثال موقع صحيفة “ميلسون” ( http://maysaloon.news )الذي لم يُحَدِّث المواد التي نشرها، ويحتفظ بتلك التي نشرها منذ ستة أشهر. وظلت بعض المواد التي نشرها موقع صحيفة “تكريز” التونسية ( https://www.takriz.org )، التي يَعُدُّها البعض من المصادر “الرقمية للثورة” التونسية في تونس منذ أربعة أشهر في موقعها الإلكتروني، وحتى سنة في موقع مماثل، وهو موقع ( http://www.reveiltunisien.org ). فمن يزور هذين الموقعين يعتقد أن محتواهما لا يختلفان عن المنشورات اليسارية المطبوعة لكنه منشور في شبكة الإنترنت. فلا تحديث للمواد ولا كتابة غير خطية ولا تفاعل!

(19)  Dennis, Wood, “Media in the Middle East”, op, cit.

(20)  Agence de coopération médias, Panorama des médias en ligne, (France, 2015),p. 19.

(21)  Ibid, p. 20.

(22)  نذكر على سبيل المثال موقع صحيفة “المصري اليوم” الذي يرسل الأخبار العاجلة عبر رسائل نصية إلى المشتركين مقابل 3.6 يورو شهريًّا أو لجوء بعض المواقع إلى تقديم خدمات لمؤسسات مختلفة: الترجمة، معرض لأقوال الصحف، أو تقديم خدمات تقنية: إنشاء منصات رقمية أو تطوير تطبيقات تقنية، أو القيام بتدريب في مجال الإعلام والاتصال.

(23)  نشير على سبيل المثال إلى الصحيفة الرقمية الجزائرية الناطقة باللغة الفرنسية (Dernières Nouvelles d’Algérie) التي توقفت عن الصدور في 2013 بعد ثلاث سنوات من العمل الإعلامي.

(24)  ينطبق هذا الأمر أكثر على الصحافة الرقمية الجزائرية التي تصفها بعض المنظمات غير الحكومية الدولية بأنها تتمتع بهامش من الحرية أكبر من بعض البلدان العربية. انظر:

(Daoud, Kamel, “la liberté passe par le Net”, Slate Afrique, 30 August 2011,  (24 March2018):

https://bit.ly/2pSnNW3

(25)  كريمي، علي، “التنظيم القانوني للصحافة الرقمية العربية، سياقه وأهدافه”، مركز الجزيرة للدراسات، 15 مايو/أيار 2016، (تاريخ الدخول: 25 أبريل/نيسان 2018):

https://bit.ly/2IWl9qU

(26)  Hidass, Ahmed, “Le nouveau Code de la presse et de l’édition au Maroc: Real change or more of the same?”, 14 December 2016, (Visited on 25 March 2018):

https://bit.ly/2MQKAur

(27)  Correia, JoãoCarlos, “Online Journalism and Civic Life”, ResearchGate, January 2012, p. 112, (Visited on 25 April 2018):

https://bit.ly/2COjdAJ

(28)  انظر على سبيل المثال إلى محتوى النقاش في صفحة منتدى الشروق:

https://bit.ly/2CfSmwe

(29)  هذا ما توصلت إليه دراسة ميدانية عن مساهمة مواقع التواصل الاجتماعي، مثل “فيسبوك” و”تويتر” في الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة الأميركية. انظر:

Pew Research Center:Political Polarization in the American Public, 12 June 2014, (Visited on 25 April 2018):

https://pewrsr.ch/1v23UXF

(30)  تنطبق هذه النسب على بعض الصحف الفرنسية بشهادة مسؤوليها. انظر:

Sire,Guillaume, “Référenceur et référencement. Cachez ces pratiques que je ne saurais voir”, Sur le journalisme, (Vol 3, N°1, 2014(, p. 70-83.

(31)  نقلًا عن:

Mabi, Clément; Monnoyer-Smith, Laurence,“Les arènes du débat public. Comprendre les logiques de mobilisation des différentes arènes de discussion par les acteurs d’un débat public Colloque International Communiquer dans un monde de normes”,hal.unv, 7 au 9 mars 2012, p. 281.

(32)  Lynch, Marc, “Blogging the New Arab Public,” Arab Media & Society, 12 March 2007, (Visited on 25 March 2018):

https://bit.ly/2yiW0To

(33)  Bimber, Bruce, “Information and political engagement in America: The search for effects of information technology at the individual level”, Political Research Quarterly, (N°1, 2001), p. 53– 67.

(34)  نقلًا عن:

Manise,JeanLuc, “Les nouvelles formes d’engagement”, publication du Services Culture et Education Permanente, (Décembre, 2012),p. 3.

(35)  نقلًا عن: تركي الربيعو، محمد، “تحولات المخيال السوسيولوجي، الناس العاديون والسلطة والحياة اليومية في القرن العشرين”، القدس العربي، 15 يوليو/تموز 2017، (تاريخ الدخول: 25 أبريل/نيسان 2018):

https://bit.ly/2EuPKgW

(36)  Arendt, A. Condition de l’homme moderne, (Agora/Pocket, Paris, 1961(, p. 89.

(37)  Ibid, p. 89.

(38)  نقلًا عن:

Cornu, Daniel,“Journalisme en ligne et éthique participative”, Éthique Publique, (Vol 15, N° 1, 2013).

(39)  نصر الدين، لعياضي، “الصحافة الجزائرية في بيئة الواب: إرهاصات التغيير، المجلة الجزائرية للعلوم الاجتماعية والإنسانية (جامعة الجزائر 3، العدد 6، يونيو/حزيران 2016)، ص 171-193.

(40)  Quéré, Louis, “L’espace public: de la théorie politique à la métathéorie sociologique”, Quaderni, N°18, 1992(, p. 75-92.

(41)  Buntzly, M. V. Le jugement comme faculté politique chez Hanna Arendt, Thèse doctorat en philosophie, (école pratique des hautes études, France, 2015).

(42)  فرج، عبد الفتاح؛ الخطاف، إيمان؛ الأبطح، سوسن، “الصحف الورقية في العالم العربي.. إما التجدد أو الاندثار”، الشرق الأوسط، (العدد 14237، 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017).

(43)  حسب تصريح وزير الإعلام الجزائري الذي نقلته الصحيفة الرقمية “Mediapart”. انظر:

“Médias. Plus de 60 journaux algériens ont disparu en 3 ans”, 9 Octobre 2017, (Vu le 25 March 2018):

https://bit.ly/2NIM8qD

(44)  Natalie, Fenton, “De-democratizing the News? New Media and the Structural Practices of Journalism”, in Siapera, Veglis, The Handbook of Global Online Journalism, op, cit, p. 131.

(45)  Ibid, p. 131.

(46)  تنسب إلى بيير بورديو (Pierre Bourdieu) الذي يرى أن العالم الاجتماعي مجزأ إلى عدد كبير من العوالم الصغرى. إنها الحقول حيث يملك كل حقل رهانات، ومواضيع، ومصالح خاصة )الحقل الأدبي، والعلمي، والقانوني، والديني، والصحفي). فأقسام هذا العالم مستقلة نسبيًّا، أي حرة في إقامة قواعدها الخاصة، ومنفلتة من التبعية لغيرها من الحقول الاجتماعية.

شوفالي، ستيفان؛ شوفري، كريستيان، معجم بورديو، ترجمة الزهراء إبراهيم، (دار الجزائر، سوريا، 2013)، ص 147.

(47)  Siapera, Veglis,The Handbook of Global Online Journalism, op, cit, p. 94.

(48)  Ibid, p. 4.

(49)  انظر نتائج دراسة ابن عبد الله الشحري، فائز، “واقع ومستقبل الصحف اليومية على شبكة الإنترنت: دراسة مسحية شاملة على رؤساء تحرير الصحف السعودية ذات الطبعات الرقمية، بحث مقدم لندوة الإعلام السعودي سمات الواقع واتجاهات المستقبل، المنتدى الإعلامي الأول للجمعية السعودية للإعلام والاتصال، الرياض، جامعة الملك سعود، 20-25 مارس/آذار 2003، ص 10.

(50)  إن التمادي في عدم تصحيحه يثير الكثير من الشكوك؛ إذ يبدو أن القائمين على بعض الصحف الرقمية العربية لا يتابعون تعليقات القراء على ما ينشرون. نذكر على سبيل المثال، وليس الحصر التعقيب عن المقال حول اكتتاب شركة أرامكو، الذي نشر في موقع صحيفة “المواطن” الرقمية يوم 25 يناير/كانون الأول 2018. يقول المعلق: “اللي عجزت أفهمه كيف رأس مال الشركة 60 مليار، وبتطرح 200 مليار سهم يعني قيمة سهم أرامكو حتكون 33 هللة مثلًا”. انظر:

https://bit.ly/2CfyU2O

(51)  Dacheux, Eric, “Une nouvelle approche de l’espace public”,Recherches en communication, (No 28, 2007(, p. 11.

(52) Utard, Jean-Michel, “la presse en ligne”, MédiaMorphoses, (No 4, 2002(, p 19-23.

(53)  الحمامي، الصادق، “نحن والفيسبوك: ما الفيسبوك ولماذا أصبح أساسيًّا في حياتنا”، المغرب، 8 يوليو/تموز 2017، (تاريخ الدخول: 25 أبريل/نيسان 2018):

https://bit.ly/2yGYg6e

(54)  نقلًا عن:

Correia, “Online Journalism and Civic Life”, op, cité

كيف نفكر في أخلاقيات الصحافة في المنطقة العربية؟

                                                     نصر الدين لعياضي

يعتقد البعض أن وهن الصحافة في المنطقة العربية وانحرافها يعود  أساسا إلى عدم احترام أخلاقيات الإعلام . يمكن أن نعتبر هذا الرأي بمثابة إجابة جيدة. لكن أين السؤال؟ 

تطلعنا بعض المنظمات المهنية وبعض الصحافيين بين الحين والآخر، على جملة من الانتهاكات لأخلاقيات الصحافة في هذا البلد العربي أو ذاك. فمن التحرش ببعض المتهمين في بعض القضايا التي لازالت في مرحلة التحقيق على مستوى الأجهزة الأمنية وتقمص دور القاضي الذي يحكم عليهم، مرورا ببث صور مهينة لأشخاص ساعة اعتقالهم بعد أن صدرت بحقهم مذكرات توقيف، وتثبيت التهم المنسوبة إليهم قبل امتثالهم أمام المحكمة، واستغلال صور أطفال قصر لأغراض تجارية ودعائية، وبثّ صور صادمة للقتل والتمثيل بالجثث التي تمارسها الجماعات المتطرفة، ونشر أخبار كاذبة دون تصحيحها[1]، واختلاق أحداث لا وجود لها في الواقع، ونشر مواد صحفية تمزج بشكل مشبوه بين الإشهار والإعلام، وتحريف المعلومات، والإفراط في نشر الأخبار مجهولة المصدر، والتحيز في نقل الأخبار وعدم الانصاف، والتحريض على ممارسة  العنف والميز العنصري،  وصولا إلى ابتزاز رجال المال والأعمال من أجل الحصول على امتيازات شخصية دون وجه حق أو دعم مالي للمؤسسة الإعلامية باسم الإشهار[2]. هذه بعض الأمثلة التي يبدو أنها تتفاقم في المستقبل القريب مع تعدّد حوامل الأخبار وانخراط أطراف جديدة في إنتاجها وبثّها.

إن الوعي بخطورة هذه الممارسات يختلف بين ممارسي الإعلام في هذا البلد العربي أو ذاك. فممتهنو الصحافة في بعض البلدان العربية يفتقدون المواثيق التي تؤطر النشاط الصحفي على الصعيد الأخلاقي ، وبعضهم بادروا بإصدارها مثلما حدث في المغرب وتونس. وأقدمت بعض المؤسسات الإعلامية العربية، القليلة، على إصدار ميثاق أخلاقيات العمل الخاص بها. والسؤال الذي يمكن أن يطرحه البعض يتمثل فيما يلي: ما هو نصيب هذه المواثيق من النجاح في الحدّ من الممارسات المذكورة أعلاه التي تطعن في مشروعية العمل الصحفي؟

ربما يجرّنا هذا السؤال إلى سؤال أخر : ما هي الأسباب التي ساهمت في بروز هذه الممارسات وتلك التي ساعدت على استشرائها؟  فمن الصعوبة القضاء عليها دون معرفة أسبابها.

لتذليل هذه الصعوبة نميل إلى مراجعة الخطاب عن أخلاقيات الإعلام في المنطقة العربية وتحليله. وهذه مهمة ليست يسيرة نتيجة تعقد هذا الخطاب وتعدّد منتجيه ومصادره . لكن يمكن، من باب التبسيط، تصنيفه إلى فئتين : فئة الخطاب الجامعي، وفئة خطاب المهنيين والسياسيين والمثقفين.

خطابان.

لازال الدّرس الجامعي في العديد من الجامعات العربية يتناول موضوع أخلاقيات الإعلام من زاوية مذاهب الإعلام الكبرى: السلطوي، الليبرالي، والمسؤولية الاجتماعية والاشتراكي، وقد يضيف له البعض الإسلامي! ويُثرى بشرح لنماذج من مواثيق أخلاقيات الإعلام التي صادقت عليها النقابات والمنظمات الصحفية الوطنية والدولية. ويعتقد بعض الطلاب: صحافيو المستقبل، أن هذا الدّرس لم يساعدهم كثيرا على مواجهة ما يعترضهم من قضايا ذات الصلة بأخلاقيات الصحافة في نشاطهم الميداني. هذا إضافة إلى أن المذاهب المذكورة قد تعجز عن تفسير الاختلاف في النظر إلى مسألة أخلاقيات الصحافة في البلدان التي تستمد ممارستها الإعلامية من الفلسفة الليبرالية ( فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية مثلا.) ويلاحظ أن بعض الأساتذة يدفعون بالدّرس الجامعي عن أخلاقيات الإعلام في اتجاه فلسفة الأخلاق وفق التّصوّر الكانطى، الذي يسمو بالواجب حتّى وإن كان ضد المنفعة. إنه التّصوّر الذي يؤكد على أن ( سيرتنا صحيحة إن كانت بغرض احترام القانون الأخلاقي، وليس لأننا نجني منفعة منها، أو لأن هذه السيرة  تكون لصالح سعادتنا. فالتصرف بحكم الواجب لا غير هو الذي يمنح قيمة أخلاقية لفعل ما (.[3] وينتهي هذا الدرس، مع الأسف، إما بتقديم “مواعظ” مهنية أو التنديد بسلوك الصحافة والصحافيين!

ينأى هذا التّصوّر عن واقع الممارسة الصحفيّة. ويسمو بالأخلاقيات عن العراك اليومي، ويجنب أصحابه المشاكل التي قد تترتب عن الحفر في العوامل التي تنتج الانحرافات في الممارسة الصحفية. لكنه يقع ، مع الأسف، في الخلط بين الأخلاق Morals والأخلاقيات Deontology. فالأخلاق تحيلنا إلى مجموعة من القيم والمبادئ التي نهتدى بها في حياتنا اليومية، وتمكّننا من التمييز بين الخير والشر، والعدل والظلم، والمقبول والمرفوض. بينما يعود مفهوم ” الأخلاقيات” إلى اللغة اليونانية ” دينوتس” ( deontos ) والتي تعني ” الواجب” وتتضمن جملة من الالتزامات التي يتطلب من الأشخاص القيام بها في عملهم؛[4] أي أنها مجموعة من التوصيات الأدبية والاعتبارية، ومدونة سلوكية يتبعها المحترفون في مهن محددة، ويستدلون بها في نشاطهم لأنها توجههم نحو ما هو أفضل للتصرف في مواقف وأوضاع معينة. يتبنونها بشكل طوعي ولا تفرض عليهم بالقوة لأنهم هم من سَنّوها. فالأخلاق تطبق كل الذين ينتمون إلى ثقافة ما. بينما الأخلاقيات تطبق فقط على الذين يمارسون مهنة ما وتميزهم عن غيرهم.

                                                      تعارض

هل يمكن للأخلاقيات أن تتعارض مع الأخلاق؟ سؤال لا زال يثير الكثير من الجدل. ويمكن الإجابة عنه من باب المزاح بالقول أن نقل الأخبار، التي تعد جوهر العمل الصحفي، يعد فعلا غير أخلاقي في ثقافتنا، لأننا نربي أبناءنا على عدم نقل قول الغير،باعتباره ضرب من النميمة! بعيدا عن المزاح يرى بعض الصحافيين ومنظماتهم المهنية أن الأخلاق تملي على المصور الصحفي، على سبيل المثال، التدخل لإنقاذ غريق حتّى وأن تطلب الأمر التخلي عن مهمته، بينما الأخلاقيات تتطلب منه أداء واجبه المهني والتقاط صور للغريق كالتزام مهني وتلبية للحق في الإعلام.

ويضع هذا التصور مسألة أخلاقيات الصحافة على كاهل الصحافي المطالب بالاحتكام إلى ضميره وتغليب واجبه حتّى وإن تعارض مع مصلحته. بينما يدرك الأخصائيون بأن (أخلاقيات الإعلام لا تختزل في الفعل الذي يقوم به الأشخاص المرئيون أكثر في حقل الإعلام: الصحافيون، والمصورون، والمخرجون، وفنيو التلفزيون. إنها ترتبط أيضا بالفعل الذي يقوم به قادة وسائل الإعلام ، والمؤسسات الإعلامية)[5].

أمام تقاعس بعض الأنظمة العربية عن تطبيق بعض بنود قوانين الإعلام التي سنّتها يتداخل في ذهن بعض الكُتّاب والمهنيين والسياسيين وحتّى النقابيين المفهومين التالين : القانون والأخلاقيات. هذا ما يتضح على سبيل المثال من إدراج بعضهم المساس بالحياة الخاصة للأشخاص العاديين ” و”التشهير بالغير” في خانة انتهاك أخلاقيات العمل الصحفي [6] ، بينما أدرجها المُشَرّع في خانة قوانين الإعلام في جلّ الدول العربيّة. كذلك الأمر بالنسبة لحق الرد الذي يُعدّ فصلا كاملا في قوانين الإعلام لكن لا تلتزم به جلّ وسائل الإعلام في المنطقة العربية،[7] ولا يندرج في باب الأخلاقيات. ويتأكد هذا الخلط أكثر في مواثيق أخلاقيات الإعلام التي صدرت في لبنان في 1958، و1974، و 1992، و 2006 التي أبرمت بعضها نقابة الصحافيين مع الحكومة. وجاء بعضها الآخر بعد اتفاق بين مجالس إدارة المؤسسات السمعية البصرية والحكومة. وتعتبر هذا المواثيق بمثابة وثائق تكرس التوافق بين السلطة السّياسيّة والصحافة لضمان حرية التعبير وتحدّيد مسؤوليات وسائل الإعلام في ظروف سياسية خاصة مر بها لبنان[8]. ولم تنبع من قاعات التحرير، ولم يصغها الصحافيون بقصد تنظيم مهنتهم وضبطها.

يمكن القول من باب توضيح الفرق بين القانون وأخلاقيات الإعلام بأن (القانون يحدّد مجمل القواعد التي تطبق في مجتمع معين. ويعاقب كل من لم يلتزم بها. ويروم إحداث الانسجام الإنساني في المجتمع، والتوافق بين مصالح جميع المواطنين، ويمنع حدوث النزاعات ويحلّها إن حدثت في إطار بعض القيم الأساسية الخاصة بمجتمع ما وثقافة معينة.)[9] إذا القانون يتسم بطابعه الزجري ويطبق على مهنة ما دون الحصول على موافقة مسبقة من أصحابها. بينما الأخلاقيات هي مجمل الواجبات والمعايير التي تضبط مهنة ما والتي يتفق عليها أصحابها. والسؤال المطروح هل أن الأخلاقيات تتعارض مع القانون؟ سؤال لازال يثير الكثير من الصراع بين السلطة القضائية وممثلي بعض المهن. فبعض المنظمات الطبيّة، على سبيل المثال، تجيز ممارسة ” القتل الرحيم” في مدوناتها الأخلاقية عندما تفقد الهيئة الطبيّة المشرفة على علاج المريض الأمل في شفائه، وتقرّ بأن الأفضل الرفق به وتخليصه من عذابه. بينما القانون يُجرّم القتل مهما كانت صفته  رحيما أو غير رحيم، سواء كان مُتَعَمِّداً أو دون قصد.

   أسباب

السؤال الذي يثار هو كالتالي: لماذا لا تحترم أخلاقيات الإعلام في الصحافة العربيّة؟                        يحصر بعض الصحافيين والنقابيين وأساتذة الصحافة الأسباب التي تقف وراء عدم الالتزام بأخلاقيات مهنة الصحافة في العديد من البلدان العربيّة، في العوامل التالية: القيود التي تفرضها السلطة السّياسيّة وجماعات الضغط على الصحافة، وخضوع الإعلام للأجندات السّياسيّة للدول، وهشاشة اقتصاد وسائل الإعلام وتبعيته للإشهار ، والخلط بين الإعلام والإشهار، ومزج الإعلام بالعلاقات العامة[10]، وثقافة المجتمع، والترهيب الذي تمارسه الجماعات المتطرفة[11]، ورؤية الصحافيين لذاتهم[12]، والتحاق من لا مهنة لهم بالعمل في قطاع الصحافة.[13] وضعف تكوين الصحافيين.[14]

لفهم الإخلال بأخلاقيات مهنة الصحافة في البلدان العربية بشكل أفضل، يجب النظر إلى السياق التاريخي الذي نشأت فيه هذه الصحافة وتطورت ، والذي يختلف عن السياق الذي نشأت فيه الصحافة الأجنبية في بلدان شمال أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. ففي هذه البلدان ظهرت الصحافة في سياق حرية الفكر والتعبير، مما يفترض وجود تعددية الرأي والفكر. وتطورت في ظل منافسة اقتصادية تؤطرها جملة من القوانين والتشريعات التي تتجدّد باستمرار بتطور المجتمعات ، وفي ظل تطور مجتمع مدني قوي تشارك فيه جمعيات الصحافيين ونقاباتهم التي لعبت دورا كبيرا في صياغة مواثيق أخلاقيات الإعلام. بينما ظهرت الصحافة في المنطقة العربيّة ضمن مشروع سياسي مناهض للاستعمار ، بدءًا بصحيفة “العروة الوثقى” التي أصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في باريس في 13 مارس 1884. وهذا يعني أنها صحافة نضال وتجنيد ضد العدو. فــفي عرفها “كل من ليس معها هو ضدها”؛ أي عدو وليس منافسا أو غريما تختلف معه في الرأي أو الموقف أو الإستراتيجيا ، بمعنى أنها صحافة أحادية الفكر تعتمد أكثر على مواد الرأي على حساب المعلومات والاستقصاء. تُخوّن كل ذي فكر مخالف و”تشيطنه”. فالمهم بالنسبة لها يكمن في مضمون الرسالة التي توصلها إلى الجمهور. ولا تولي الكثير من الاهتمام والعناية بالجوانب المرتبطة بأخلاقيات الإعلام ، مثل ضرورة التحرّي عن صحة المعلومات والأخبار ، وعدم الافراط في الاستناد إلى مصادر الأخبار المجهولة أو التستر عليها،  والإنصاف في المعالجة الصحفيّة للقضايا المختلفة، وعدم استعمال الأساليب المشينة للحصول على المعلومات. ضمن هذا السياق رسخت الممارسة الصحفيّة في العديد من البلدان العربية في ظل عدم الفصل بين السلطات: التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة، مستفيدة من تعثر الصحافيين في تنظيم مهنتهم وضبطها على غرار الفئات المهنيّة الأخرى: الأطباء ، والصيادلة، والمهندسين المعماريين، والمحامين، والقضاة، وغيرهم. واستندت الكثير من وسائل الإعلام الخاصة، التي انطلقت كمشاريع تجاريّة في العديد من البلدان العربيّة، إلى هذه الممارسات. وأضافت لها ما يوحي ” بالتراجع” في ممارسات أخلاقيات الإعلام، مثل ابتزاز الغير ومساومتهم للحصول على الإشهار أو على امتيازات مثلما ذكرت بعض النقابات.[15] وقد تفاقمت هذه ” الإضافات “، مع الأسف، بعد أن التحمت مصالح الجماعة المالكة لوسائل الإعلام والقوى السّياسيّة المتحكمة في صنع القرار. وجعلت من وسائل الإعلام أداة لتصفية الحسابات السّياسيّة كما حدث في الجزائر¨.

لعل القارئ الكريم يخالفنا الرأي بالقول أنه من الخطأ تقييم ممارسات أخلاقيات الإعلام في المنطقة العربية على ضوء مواثيق الشرف والمدونات الأخلاقية المعمول بها في المؤسسات الإعلامية الغربية. وذلك لأن الأخلاقيات معطى نسبي يخضع لتطور المجتمعات. ففي فرنسا على سبيل المثال أقدمت إدارة قناة التلفزيون الفرنسي الثانية على فصل مذيعة أخبار عن العمل في 1976 لأنها تجرأت وقدمت نشرة الأخبار وهي مرتدية تنّورة تظهر ركبتيها. واليوم لا أحد يعترض على صور المذيعات وضيفات البرامج التلفزيونية اللواتي ترتدين لباسا لا يخفي من مفاتنهن إلا القليل! لا سلطة ضبط السمعي البصري، ولا السلطات العمومية، ولا الصحافيين ولا المشاهدين. وتعبر أخلاقيات الإعلام عن الاختلاف الثقافي بين الشعوب وتعكس خصوصيات  كل شعب وقيمه. إذ يختلف موضوع الحياة الشخصية، على سيل المثال، في المجتمع الفرنسي عن المجتمع الأمريكي. لعل البعض يتذكر أن الصحافة الأمريكيّة لم تتردّد في نشر الملف الطبي للرئيس الأمريكي الراحل “رولاند ريغن” الذي تضمن صورا بالأشعة لجهازه الهضمي أثناء مرضه! بينما حكم القضاء الفرنسي بمنع توزيع كتاب “السر الكبير”، الذي ألفه كلود غولبي طبيب الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا متيران، الخاص بمعية الصحافي الفرنسي ميشال غونود. والذي يروى تفاصيل عن مرض الرئيس المذكور بعد أسبوع من وفاته.

اعتراض

قد يجد البعض أن ما سبق قوله يفتقد الدقة لأنهم يعتقدون أن الحديث عن أخلاقيات الإعلام لا يجدي نفعا في غياب ميثاق الشرف داخل المؤسسة الإعلامية أو على مستوى منظمات الصحافيين والهيئات الساهرة على تطبيقه . فالقول بأن أخلاقيات الإعلام تراجعت في المؤسسات الإعلامية يعني أن هذه المؤسسات كانت تملك ميثاقا للشرف المهني والتزمت فعلا بتطبيقه لكنها تراجعت عن تجسيده في الممارسة العملية لأسباب مجهولة. وهنا يكمن التغريب الذي يحوّل الشيء أو الظاهرة التي نريد دراستها من أمر “عاد جدا” ماثل مباشرة أمامنا إلى أمر مدهش غير متوقع.” ففي معنى من المعاني يصير الوضوح في حد ذاته غير مفهوم، على حين أن هذا لم يحدث إلا لكي يجعله مفهوما كل الفهم.” [16]

 وقد يلومنا البعض على التطرق لموضوع أخلاقيات “الإعلام العربي” دون الأخذ بعين الاعتبار تجدّدها وتطورها بتطور الطلب الاجتماعي واستشعار الصحافيين ورجال الإعلام الصعوبات الجديدة والمخاطر التي تهدّد مهنتهم. ويستدلون في ذلك بميثاق الوجبات المهنية للصحافيين الفرنسيين الذي صودق عليه في 1918. وتمّت مراجعته في 1938. وعُدّل في 2011  ليُضاف له مبدأ السر المهني لحماية مصادر الأخبار. وليحظر كل الأساليب غير النزيهة والمشينة للحصول على الأخبار والمعلومات.[17] وربما يبلغ اللوم مداه إن اقترن بالقول أن الكثير من وسائل الإعلام العربيّة، خاصة العموميّة، لا تحتاج إلى حماية السر المهني لأنّها لازالت “صحافة جالسة”، أي أن صحافييها لا يغادرون قاعات التحرير إلا لِمَامًا ، ينتظرون البيانات وبرقيات وكالات ألأنباء لنشرها. وإن غادروها فتظلّ مصادر معلوماتهم رسميّة في الغالب حتّى وإن تستّروا عليها. لعل بعض صحافيي وسائل “الإعلام العربية” المتشائمين لا يرون أي جدوى من حظر الأساليب المشبوهة للحصول على المعلومات والأخبار في مجتمع يعاني من فساد طبقته السّياسيّة ونخبته الاقتصاديّة. فالصحافة في نظرهم لا تنشط في بيئة معزولة عن المجتمع. ويحتمل أن ينمّ هذا الرأي عن نزعة تبريريّة يعزّزها القول بأنّ الصحافة مؤسسة اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة ولا تشكل حالة استثنائيّة في أي مجتمع.

تأسيسا على ما سبق ذكره، هل يمكن أن تستدرك وسائل الإعلام العربيّة ” تأخرها” في تطبيق أخلاقيات العمل الإعلامي إن توفرت الشروط الضروريّة لذلك، مثل تنظيم مهنة الصحافة وتبني سياسة توظيف واضحة وتطبق على الجميع، وضمان حقوق الصحافيين بما يضمن لهم كرم المعيشة، وقيام الصحافيين ذاتهم بإصدار لوائح لأخلاقياتها ، وإخضاعهم للمساءلة من قبل نظرائهم. وإجبار المؤسسة الإعلامية على الرد على مساءلتها. وإنشاء هيئات مستقلة لضبط العمل الصحفي والبثّ الإذاعي والتلفزيوني تشمل ممثلي المجتمع المدني: محامين، قضاة، فنانين، مثقفين، وهذا تجسيدا لقناعة راسخة بأن الحق في الإعلام وصيانة حرية التعبير ومقاومة انحراف وسائل الإعلام كلها مهام لا تقع على كاهل وسائل الإعلام والسلطات العمومية وحدها لأنها تعد شأنا مجتمعيا.

تفاديا للسقوط في التعميم، يمكن القول أن هذا ” التأخر” متفاوت بين وسائل الإعلام العربيَة من جهة، وبين البلدان العربيّة من جهة أخرى. فهناك بعض البلدان استكملت شروط ضبط العمل الصحفي، وتعمل المنظمات الصحفية بجدّ على مراقبة الالتزام بأخلاقياته.

                                              هاجس كوني

لم يكف مجال الأخلاقيات عن التوسع والتمدّد. وهدفها لم يعد مقتصرا على تحديد الواجبات المهنيّة، بل أضحى يروم تنظيم النشاط الاقتصادي سواء بالحد من تدخل الدولة الملزم أو ترقية نشاط ما وتطبيع المنافسة.[18] لذا أصبحت الأخلاقيات تشكل هاجس كونيًّا متجددًّا بتعقد قطاعات النشاط الاقتصادي والاجتماعي والعلمي، وبتطور المهن. فهامش استقلالية الصحافة كمهنة نشأ محدودا وهشّا ويزداد هشّاشة بتضاعف الإكراهات الاقتصاديّة والسّياسيّة والتكنولوجيّة ، مما دفع بعض المختصين إلى الاعتقاد بأن أخلاقيات الإعلام تحوّلت إلى أمنية أو ضرب من الوهم اللذيذ  أمام الإخفاق في تحقيق{ التمفصل الضروري بين قواعد ما يجب ” إنجازه على أكمل وجه” ( وهو من صلب الأخلاقيات)، والشروط الملموسة ” لإنجازه” والتي لا تتزامن بالضرورة مع ” الخبرة والمهارات”}[19]

 يشكل هذا التمفصل تحديا كبيرا للصحافيين والمؤسسات الإعلامية  ذا أبعاد مختلفة: تكنولوجية واقتصادية وسياسية.

على الصعيد التكنولوجي: لازالت القنوات التلفزيونيّة تعاني من وطأة البث التلفزيوني المباشر. فالصحافي الموجود في مكان وقوع الحدث لينقله ساعة حدوثه لا يملك من الوقت ما يسمح له بالتحرّي في تفاصيله وسياقه وخلفياته. ولا يستطيع النأي قليلا عنه والتفكير المتروّي فيه. وإن حاول أن يفعل ذلك فالمنافسة بين القنوات التلفزيونيّة وبقية وسائط الاتصال لا ترحمه. أمام هذه المعاناة في تحقيق المطلب الأخلاقي: الدقة في نقل الأخبار والمعلومات، داهمت مواقع التواصل الاجتماعي المؤسسات الإعلامية وحاولت أن تغير قاعدة تعاملها مع الأخبار، بعد أن أصبحت تنشرها قبل التحقق في صحتها ومصداقيتها. بل تخلت عن هذه المهمة وأحالتها إلى مستخدمي هذه المواقع. وقد حاولت وسائل الإعلام مجاراة هذا التحوّل في العمل الصحفي وأصبحت تستعين بمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي للتأكّد من صحة المعلومات قبل نشرها. غيرت هذه المواقع بعض القيم الإخباريّة ، مثل الواقعية والحقيقة، وجعلتها تُقاس بعدد الذين يطلعون على الخبر. فكلما ازدادوا ارتفعت مصداقيته! لقد ابتكرت هذه المواقع ” الأخبار الفيروسيّة”، أي التي تُعدي مثل الفيروس. فلا تراعي فيما تنشره الانصاف والنزاهة والواقعية والدقة لأنها تَتَعّمد الاستفزاز واستثارة العاطفة من أجل جذب اهتمام أكبر عدد من مستخدمي هذه المواقع ، ليكبسوا على أزرار: أحب أو أتقاسم  لرفع نصيبها من الإشهار.[20] وها هي وسائل الإعلام تواجه اليوم تحديًّا جديدا ممثلا في الأخبار المزيفة  Fake News ، وشرائط الفيديو المضللة Deep Fake. والقليل جدا من وسائل الإعلام العربية أعدّت العُدّة لمقاومتها.

على صعيد المؤسساتي: يمكن القول أن المؤسسة الإعلاميّة تعيش طفرة جينيّة. فرضت على الصحافي أن ينوع مهاراته ويطور كفاءته. فبعض المهن اندثرت، وانصهرت أخرى في مهنة واحدة. وظهرت مهن جديدة. تؤكد هذه الطفرة أن العمل الصحفي أصبح متلاحما. فالمادة الصحفية التي تنشر أو تبث هي ثمرة تعاون العديد من الأطراف. فمن الصعب القول أن هذه المادة الصحفية من إنتاج فلان بمفرده. فكل واحد يتكفل بمهمة أو يقوم بإنجاز جزء معين من المادة الصحفية: الموثق الذي يجمع البيانات والوثائق الورقيّة والرقميّة ، ومحلّل البيانات ، والمختص في الغرافيكس الذي يعطي بعدا مرئيا للمادة الصحفية سواء من خلال الأشكال والرسوم البيانيّة والمجسمات أو على صعيد الإخراج ككل ، والفني أو المهندس الذي يشرف على موقع الوسيلة الإعلامية في شبكة الانترنت وينشر المواد تباعا، والشخص الذي يتابع تعاليق الجمهور وتفاعلاته مع المادة المنشورة فينتقي منها ما يصبح جزءا أساسيا من متن المادة الصحفية.  هكذا انفتح المجال لتعدّدية المسؤولية على ما ينشر أو يبث فطرح صعوبة على صعيد أخلاقيات العمل الصحفي. فهذه الأخيرة  تنص على مبدأ  “التنسيب” imputability؛ أي تعيين الشخص الذي يمكن تحمّيله مسؤولية الإخلال بإحدى بنود ميثاق أخلاقيات الصحافة في هذه المادة الإعلاميّة أو تلك.

على الصعيد الاقتصادي: اشتد التوتر البنيويّ بين أهداف الصحافة كمهنة بكل ما تحمله من مثل وواقع المؤسسة الإعلامية الاقتصادي. ومع تفاقم الأزمة التي يعيشها قطاع الإعلام  ترتب عن هذا التّوتّر بعض التنازلات على صعيد أخلاقيات الإعلام، والتي يمكن ملاحظاتها على أكثر من مستوى، منها المزج بين الإعلام والإشهار وتأسيس ما أصبح يعرف ” بالربورتاج الإشهاري ” advertorial ” publireportage” في الصحافة المكتوبة أولا، ثم عمّ مختلف وسائل الإعلام. وInfotainment” ، التي تدل على اتجاه في معالجة مجمل البرامج – التلفزيونية والإذاعية- والإخبارية وفق أساليب الترفيه[21]. وهذا بقصد تقريب الأخبار من الجمهور وجعلها في متناول الجميع، وزيادة شعبية الوسيلة الإعلامية وبرامجها للحصول على أكبر عائد من الإشهار. وقد اتسع هذا الاتجاه بعد أن أصبحت شبكة الانترنت ومنصاتها الرقمية منافسا لوسائل الإعلام السمعية، والسمعية البصرية، في مجال الإشهار.

لقد انتهى التّوتّر المذكور بتسليم إدارة المؤسسات الإعلامية إلى إداريين قادمين من قطاعات مختلفة: البنوك، والبناء والإسكان، والتجارة الذين لا هم لهم سوى تعديل موازنة المؤسسة وتحقيق الأرباح. وقد دفع الصحافيون ثمن هذا التّوتّر: تسريح الكثير منهم، والتوجه إلى الاعتماد المتزايد على الصحافيين الناشئين الذين يتعاملون بالقطعة أو ضمن عقود عمل محدودة المدى والذين لا يسعفهم وضعهم المهني للدفاع عن أخلاقيات العمل الصحفي.

أخيرا، يمكن القول أن خلاص الصحافة من متاعبها لا يأتي من ترحيل مشاكل وسائل الإعلام المعقدة وتعليقها على مشجب ” غياب أخلاقيات العمل الصحفي”. وهذا لا يعني استصغار البعد الأخلاقي في الارتقاء بالعمل الصحفي، بل يقرّ بأن الإخلال بأخلاقيات العمل الصحفي ليست السبب الأساسي في  متاعب العمل الصحفي في المنطقة العربية. إنها نتيجة لجملة من العوامل يجب حصرها والبحث عن أسباب التي أدت إلى نسف الكثير من مبادئ أخلاقيات العمل الصحفي، والتفكير في أفضل السبل لمكافحتها ضمن هيئات الضبط الذاتي للمهنة، وتحرير هذه الأخيرة ضغط  المعادلة الثلاثية : السلطة والصحافيين وراسمال الخاص.  وجعل الصحافة، باعتبارها مهنة وليست منتجا، قضية الجميع، قضية المجتمع بأسره.

المراجع:

¨ يمكن القول من باب التحديد أن الجزائر لا تشكل استثناءً ، لأن هذا القول يشمل العديد من الصحف بما فيها تلك التي ظهرت في المهجر منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي. لقد أنُْشئت ووجهت لتصفية الحسابات بين الأنظمة العربية وليس لإعلام المواطن العربي بما تتطلبه أخلاقيات العمل الصحفي. وبهذا تكون استفادت من التراث الشعري الجاهلي واتجهت إما إلى المدح أوالهجاء!

[1] – يمكن أن نذكر على سبيل المثال الإعلان عن وفاة  الرئيس التونسي السابق، محمد الناصر، والإعلان المكرّر عن وفاة المجاهدة  الجزائرية جميلة بوحيرد  وتكذيبه أكثر من مرة.

[2] – أنظر على سبيل المثال البيان الذي نشرته نقابة الصحافيين الأردنيين والمنشور في صحيفة الرأي الأردنية يوم 6/11/2014

[3]-Philocours.com: La Morale Qu’est-ce qui rend une action bonne ? étude de la philosophie morale kantienne consulté le 21/11/2019 sur le site: http://www.philocours.com/new/cours/pages/cours-moralekant.html

[4]-La commission d’éthique  en science et technologie- Québec : Qu’est-ce que l’éthique, consulté le 20 –112019 sur le site : http://www.ethique.gouv.qc.ca/fr/

[5] – Cornu Daniel, L’éthique de l’information, Paris, PUF, 1997, p8

[6] – أنظر على سبيل المثال : سليمة لبال، شرف الصحافة العربية.. مواثيق حبر على ورق! صحيفة القبس- الكويت- الصادرة يوم  6 نوفمبر 2018  وبيان نقابة الصحافيين الأردنيين التي ذكرناها أعلاه.

[7] – يبدو أن عدم تمكين المواطنين من حق الرد في وسائل الإعلام العربية تحوّل إلى قاعدة عمل ولا يعد استثناء ً وهذا منذ عقود من الزمن. يذكر الكاتب الساخر، محمود السعدني أنه عندما صدر الحكم لصالحه في تهمة الإساءة إلى مسؤولي قطاع السينما بتبديد المال العام لم تقبل الصحف المصرية نشره بعد التشهير به.  فاضطر إلى نشره في الإعلانات المبوبة في جريدة الأهرام بمقابل مالي لكنه ظهر بخط صغير لا يُرى في موضع  إعلانات بيع السيارات المستعملة وتأجير الشقق المفروشة، أنظر كتابه الموسوم ” الولد الشقي في المنفى” مطبوعات أخبار اليوم د.ت مصر ص 18.                                                        لقد أخذت هذه الممارسة في الجزائر أبعادا أخرى أكثر خطورة. فعندما ترفض صحيفة ما نشر حق الرد لشخص ما. يلجأ هذا الأخير إلى صحيفة أخرى لنشره كنص إشهاري ويستغل الفرصة لينال من سمعة الصحيفة التي لم تلتزم بحق الرد المنصوص عليه في كل قوانين الإعلام الجزائرية. فترد هذه الأخيرة في صفحاتها على الصحيفة التي سمحت للغير بالنيل من سمعتها. وهكذا تندلع معركة القدح والذم بين الصحيفتين!

[8] – جورج صدقه: الأخلاق الإعلامية بين المبادئ والواقع، مؤسسة مهارات، بيرت، 2008، ص 68-71

[9] – La commission d’éthique, op cité

[10] – عصام سليمان الموسى:  أخلاقيات الإعلام في الأردن: مسألة لها خمسة جوانب، مسترجع بتاريخ 20/11/2019  من الموقع، https://urlz.fr/b9iA

[11] – Moukalled Diana:  Proceedings of Conference Media Ethics & Journalism in the Arab World: Theory, Practice & Challenges Ahead, Lebanese American University Beirut, Lebanon- Institute for Professional Journalists in cooperation with the Heinrich Böll Foundation  June 9–11, 2004

[12] عبد الوهاب بوخنوفة: دور الإعلام العربي في المرحلة الراهنة : دراسة في تصورات الصحفيين العرب، مداخلة في مؤتمر” الإعلام العربي وأسئلة التغيير في زمن التحوّلات ، كلية الإعلام والتوثيق ، بالتعاون مع دراسات إعلامية لبنانية، بيروت ،  5-7 مايو 2016

[13] – سليمة لبال، مرجع سابق

[14] –  للدلالة على ذلك يورد محمد شلبي أن وسائل الإعلام المختلفة، بما فيها العربية، نشرت يوم 5 فبراير 2003 خبر مفاده أن كاتب الدولة للخارجية الأمريكي، كولن باول عرض في مجلس الأمن صورا للأقمار الصناعية “تثبت” أن العراق يملك أسلحة دمار شامل. وقد فات على ذهن الصحافيين إدراج فعل ” قال ” ، لتصبح قال باول أنها تثبت…. وهذا حتى لا يبدو أن كٌتّاب الخبر يشاطرون ما ذكره  وزير الخارجية الأمريكي: أنظر:  عندما يغيب التحرّي في الوقائع تكون الصحافة أدنى من الهاوية صحيفة العرب الصادرة يوم الإثنين 22/07/2019 مسترجع بتاريخ 21/11/2019 من الموقع: https://urlz.fr/b9jJ

[15] – أنظر على سبيل المثال البيان الذي نشرته نقابة الصحافيين الأردنيين

[16] – محمد غنيم هلال : في النقد المسرحي ، دار العودة بيروت 1975، ص 68

[17] De Vulpillières  Eléonore : Ethique professionnelle du journaliste et critique du système médiatique : vers la refonte d’une profession; consulté le 21/11/2019 du ditehttp://eleonoredv.over-blog.com/2017/06/ethique-professionnelle-du-journaliste-et-critique-du-systeme-mediatique-vers-la-refonte-d-une-profession.html

[18] Decoopman Nicole – Droit et déontologie, contribution à l’étude des modes de régulation  consulté le 23/11/ 2019 sur le site: https://www.u-picardie.fr/curapp-revues/root/23/decoopman.pdf

[19] – Cornu Daniel: La déontologie entre l’évolution des pratiques, la sédimentation des idées reçues et la permanence des valeurs. Journalisme et objectifs commerciaux, consulté le 20/11/2019 sur le site: http://metamedias.blogspot.com/2005/07/la-dontologie-entre-lvolution-des.html

[20] – Aidan White Le journalisme éthique refait la Une, Courier de l’unesco Juillet – septembre 2017

[21] – We Are COM: Infotainment  consulté le 26/11/2019 sur le site: https://www.wearecom.fr/dictionnaire/infotainment/

 

المجال العمومي و”الميديا”: محاولة تفكيك علاقة ملتبسة*

أ.د. نصر الدين لعياضي

Abstract

This study attempts to provide a set of elements aimed at reviewing the relationship between the media and  the public sphere. For this purpose, the most prominent criticisms of Habermas’ concept of the public sphere were presented through the review of new readings of this field in the light of the evolution of political practice, the crisis of democracy in contemporary societies and the development of the media environment in light of the increasing use of the new media.                                                                                          From  the political perspective, the vision of the relationship between the media and public sphere has become somewhat ambiguous. Some limit the public sphere to the field of media, while others believe that the media is distorting the public sphere. There are those who see the media fragmenting it, while others believe it is harmonizing it, and finally there are those who believe that the media is reshaping it

This study proposes to overcome this ambiguity in light of the development of the new media by moving away from the political approach of the public sphere and using a sociological one.

Key words

Public Sphere, Public Space, Politic Space, Domestic Space, Common Space, New Media, Mediation, Mediatization, sociality

ملخص

تحاول هذه الدراسة أن تقدم مجموعة من العناصر التي تستهدف مراجعة علاقة الميديا بالمجال العمومي. ولهذا الغرض تقدم أبرز الانتقادات التي وجهت للمفهوم الهابرماسي للمجال العمومي من خلال استعراض القراءات الجديدة له على ضوء تطور الممارسة السياسية وأزمة الديمقراطية في المجتمعات المعاصرة، والتغيير الحاصل في البيئة الإعلامية في ظل تزايد استخدام الميديا الجديدة.

إذا نظرنا إلى علاقة الميديا بالمجال العمومي من الزاوية السياسية نجدها تتسم ببعض الغموض. فالبعض يحصر المجال العمومي في المجال الميدياتيكي، والبعض الآخر يعتقد أن الميديا تعمل على تحريف المجال العمومي. وهناك من يرى أنها تفتته، والبعض الأخر يعتقد أنها تحدث الانسجام فيه، وأخيرا يوجد من يؤمن بأنها تعيد تشكيله.

ويمكن تجاوز هذا الغموض في ظل تطور الميديا الجديدة إذا تحررنا من المقاربة السياسية للمجال العمومي، ونظرنا إليه زاوية سوسيولوجية.

الكلمات المفتاحية

المجال العمومي، المجال السياسي، المجال العائلي، المجال المشترك، الميديا الجديدة،  الوساطة,الأعلمة,المجتمعة.

مقدمة

واكب ولوج مفهوم المجال العمومي حقل العلوم الاجتماعيّة التحوّل/الأزمة التي عاشتها أوربا في القرن الثامن عشر نتيجة بداية أفول النظام الإقطاعي وصعود الطبقة البرجوازية بتداعياته الاقتصادية  إعادة النظر في التنظيم الاقتصاديّ وتوزيع الثروة  والسّياسيّة  إعادة التنظيم السياسي والمؤسساتي للمجتمع والثقافية  حركية فلسفة الأنوار في مجال الأدب والفلسفة. وتؤكّد مراجعات هذا المفهوم العديدة والمستأنفة اليوم وجود أزمة مزدوجة: أزمة سياسيّة واجتماعيّة أولا، ثم أزمة وإخفاق فلسفيين على مستوى الأدوات المفهوميّة حسبما أجمع عليه بعض الباحثين Lenoble, Jacques ; Berten, André, 1992, 83-108

وتستند كل المراجعات العديدة والمتنوّعة للمجال العمومي، التي يصعب حصرها في هذا المقام، إلى القراءة النقديّة للمفهوم الهابرماسي إلى درجة أن لويك بالاريني Loic Ballarini 2011، الذي اعتقد أنها كانت ضرورية في بدايتها، رأى أنها تطقست، أي أصبحت ذات طابع طقوسي، وفقدت تدريجيا مردودها. وأكد أنه من الصعوبة اليوم تقديم نقد للمجال العمومي يتضمن جوانب جديدة فعلا.

ليس في نيتنا تقديم قراءة جديدة للمجال العمومي تتجاوز ما هو سائد، وإنما نسعى إلى تفكيك العلاقة المعقّدة بين المجال العمومي والميديا الذي ازدادت التباسا في ظل المراجعات النقديّة المختلفة[1] لهذا المجال من جهة، ولتطور الميديا  بروز الميديا الجديدة من جهة أخرى.

نعتقد أن أول صعوبة تواجهنا في هذا المسعى تكمن في تعميم استخدام مفهوم المجال العمومي في كل مقام حدّ استنزافه إلى درجة أن الباحث جيرود آلان , 37 2000Girod Alain,  وصفه بأنه يبدو بمثابة كيس يختلف شكله بما يُحشى به.[2] وثاني صعوبة تكمن في نقل هذا المفهوم إلى اللّغة العربيّة التي لا يفصح عنها عدم الاتفاق على مقابل عربي وحيد لـــ space- espace فحسب، حيث نجده مجالا لدى البعض وفضاءً لدى البعض الآخر ، بل يعبر عنه عدم التمكن، أيضا، من إيجاد مقابل في اللّغة العربيّة يميّز العبارتين الراسختين في اللّغات الأجنبيّة  الانجليزيّة والفرنسيّة:space- espace ، sphere.[3] لقد كان الاعتقاد بأن العبارة الأخيرة تحيل إلى الواقع الأمبريقي لمفهوم المجال العمومي؛  أي ” الأغورا” Agora، والهيئات والمؤسسات التي يقوم فيها من يمثلون المواطنين ” بالاستخدام العمومي للحجة والعقل” و”التداول الحر للشأن العمومي”، مثل ” البرلمان. بينما تحيل عبارة ” Space- Espace إلى الواقع الرّمزيّ الذي يتجسد فيه هذا الاستخدام. بيد أن رجل القانون الألماني كارل شميث Carl Schmitt  نقلا عن Visone, 2014، يقدّم  فهما معاكسا في ضبطه المعرفي للمفهومين، حيث يعتبر ” Sphere ” Sphäre  بمثابة بُعد في الفعل والحياة البشريّة و ” space ”  Raum بمثابة منطقة أو مكان محدد حيث تُقام فيه العلاقة بين فكرة سياسيّة وإقليم ما. وعلى هذا الأساس يبدو أن عبارة Sphere أوسع وتشمل Space أيضا لكن هذا الفهم لا يشكل قاسما مشتركا لدى كل المهتمين بالمجال العمومي. فالباحثتان بنانسي فريزر، ومريال فالتن Fraser Nancy, Muriel Valenta, 2001 يريان أن Public Sphere تدلّ علميّا على مجال في المجتمعات المعاصرة حيث تتجسد فيه المشاركة السّياسيّة بواسطة المناقشة. بيد أن هاتين الباحثتين تؤكّدان أن استخدام مفهوم ” sphere publique ” لدى الكُتّاب المجدّدين، خاصة النّسويّين منهم، كان أقل دقة وتحديدا وملاءمة من كتابات هابرماس، إذا كن يقصدن به كل ما يجري خارج المجال الأسري والعائلي. بينما أعطى هابرماس بعدا آخرا لهذا المفهوم، إذ أكّد أنه يمكن أن نفهمSphere publique  “كمجمل “الأفراد الخواص” المجمعين لمناقشة المواضيع ذات “المنفعة العامة “أو “المنفعة المشتركة” Fraser, Valenta, 2001.

قد يبدو للبعض أن هاتين الصعوبتين شكليتين لأنهما تتعلقان بمسألة الترجمة، ونقل مفهوم من لغة إلى أخرى، إلا أننا نعتقد أن الأمر أعمق من الترجمة ويطرح بشكل مغاير في اللُّغات الأجنبيّة رغم أن بعض الباحثين يستخدم sphere publique  وespace public  كمردفين يغطيان الواقع ذاته.

ويرى البعض أن الاختلاف بين البعد الفيزيائيّ والمؤسساتي والرّمزيّ للمجال العمومي يكمن في الصيغة الصرفيّة؛ أي صيغة المفرد والجمع. فالباحث باكو تيريBaqout, 2009  يعتقد أن استخدام المجال العمومي بصيغة المفرد espace public يملك معنى مختلفا عن استخدامه بصيغة الجمع Espaces publics. فالصيغة الأولى لا تشير فقط إلى المكان الذي يجري فيه النقاش السياسي والمواجهة بين الأفكار الخاصة التي يدفعها النشر والإفشاء إلى العلن، بل يدل أيضا على الممارسة الديمقراطيّة، وعلى شكل من الاتصال وسريان مختلف الآراء. أما الصيغة الثانية فتدلّ على الأماكن المتاحة للعامة لولوجها والتجول فيها مثل: الساحات العامة، والشوارع، والحدائق، وغيرها.

الصعوبة الثالثة تكمن في مزالق نقل الفئتين السياسيتين والقانونيّتين، وهما: العمومي و” الخاص” وترحيلهما من واقع المجتمعات الغربيّة اللتان اكتسبتا فيها طابعا مؤسساتيّا إلى المجتمعات الناميّة، وخاصة الإسلاميّة التي لا يوجد تمييز بينهما، على حد قول محمد كيرو 2002 Kerrou. هذا رغم اعترافه بأن التمييز بين الخاص والعام لم يكن على قدر كبير من الوضوح والحسم في المجتمعات الغربية- كما نفصل ذلك لاحقا. فإذا كانت ثنائيّة العمومي والخاص تشكل حجر الأساس في فهم المجال العمومي كقوة تتوسط المجتمع والدولة فإن مفهوم الدولة لم يرسخ في الكثير من المجتمعات النامية بدليل أنها لم تتحرّر من قبضة العائلة الممتدة، والقبيلة والعشيرة والجهة. فالنزاعات المسلحة للاستيلاء على السلطة في بعض البلدان العربية: العراق، اليمن، سوريا، ليبيا، على سبيل المثال، لم تكشف عن إخفاق في بناء الدولة الوطنيّة فحسب، بل وضعت المجتمعقَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى من التفكك. إذا تتجلّى تبعات هذا الترحيل أكثر عندما يتم الاعتماد على الفاصل السميك الذي يفصلهما في تحديد الإطار النظريّ لشرح مفهوم المجال العمومي في الفعل السياسي والإعلامي.

قبل الشروع في محاولة تفكيك العلاقة بين المجال العمومي والميديا، يجب التوقف قليلا لمناقشة أبرز الانتقادات التي وُجهت إلى المفهوم الهابرماسي للمجال العمومي.

1-تراجع هابرماس عن بعض الأسس في تصوره للمجال العمومي البرجوازي بعد مرور ثلاثين سنة من صدور كتابه المرجعي:   L’Espace public. Archéologie de la

publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise منها اعترافه بتعدّديته، وبوجود مجال عمومي شعبي Habermas, 1992, 161-191 . ورغم ذل

ظل أكبر مأخذ يسجل عليه يكمن في إغفاله على الصعيد النظري تعدّدية المجالات العمومية، وصرف نظره عن المجالات الشعبية والبديلة! فرغم أن الواقع الأمبريقي يثبت تَشَذُّر المجال العمومي إلا أن النقاد ظلوا يؤكّدون على انحرافه نظرا لتَشَذُّره. والتشذر يعني التعدد بعبارة أخرى. ألا يوجد تناقض بين لوم  هابرماس على تجاهله المزعوم لتعدّدية المجال العمومي والتّنديد في الوقت ذاته بتَشَذُّره؟

فإن كنا نؤمن بأن نظرة هابرماس كانت تقتصر على المجال العمومي البرجوازي وأغفلت المجالات الأخرى فإن تعدّدية المجالات لا تعني انحراف المجال العمومي. هذا إن كنا لا نؤمن بأن التَشَتَّتَ يشكل عامل انحراف في المجال العمومي لأن الانحراف في هذا المقام يعني أن المجال العمومي الحالي قد انزاح عن النموذج المرجعي الذي يظل نموذجه الأصلي.[4]

2- رغم اعتراف هابرماس بأنه أغفل إقصاء الفئات المسحوقة اجتماعيا والمرأة في تشكل المجال العمومي البرحوازي Habermas, 1992, 161-191 إلا أن الكثير من الباحثين مثل Landes, Mary Ryan, Geoff Eley Joan يعتقدون أن هابرماس قدم صورة مثاليّة للمجال العمومي الليبرالي. إن وصف المجال العمومي بالمثالي يتضمن اعتقادا باكتماله وبإمكانية خُلوّه، بهذا القدر أو ذاك، من أي إقصاء. فــ “الأغورا” في العصر اليوناني، التي جسدت الشكل الأكثر وضوحا للديمقراطيّة المباشرة آنذاك، لم تنج من الإقصاء. هذا إضافة إلى أنه من الصعوبة أن ننفي الفكرة التي مفادها أن الإقصاء يشكل عاملا من بين العوامل الأخرى التي تشجع على تعدّدية المجال العمومي وتنوّعه.

3-الاعتقاد بمتانة الحدود الفاصلة بين المجال العمومي والخاص، واستبعاد ما هو خاص من المجال العمومي كشرط أساسي لتَشَكُّله. ويلتقي حول هذه النقطة الكثير من نقاد هابرماس. فــدومنيك ماهل Dominique Mehl, 2009, 89 – 90، على سبيل المثال، يؤكّد بأنه من المناسب الحديث عن تمفصل المجال العام والخاص وتداخلها عوضا عن الفصل بينهما. لذا يقترح الحديث عن مجال عمومي جديد تكون فيه القضايا الخاصة مرئية وحاضرة في النقاش باعتبارها عموميّة وخاصة. ولعل لهذا السبب لا يرى Nicholas Garnham فصلا بينهما. ويعتقد بإمكانية أن يكونا عموميين  نقلا عن Tremblay Tremblay, 2007, 207 – 225

4- المبالغة في عقلانيّة النقاش كشرط أساسي لتشكيل المجال العمومي. يذكر بالاريني Ballarini, 2011 بأن هابرماس استعمل “الاستخدام العلني والعمومي للحجة ” عشرات المرات في كتابه المرجعي المذكور وقد استعار هذا التعبير من إمانويل كانط. ويرى أن هذا الاستخدام لا يملك أي أهمية في حد ذاته ما لم يكن مرتبطا بغايته، وهي تمديد فكر الأنوار.

5- إبراز المجال العمومي كحَيِّز للنقاش والمداولات من أجل التوافق في الرأي، وبالتالي تمَثُّله في صورة خالية من أي نزاع، وهذا يتنافى مع المعطى التاريخي كما يستشف من تأكيد بعض الباحثين، مثل أوسكار نيغت Oskar Negt وألكسندر كلوج Alexander kluge، اللذان نحتا، في سبعينات القرن الماضي، مفهوم المجال العمومي المعارض للمجالالبرجوازي الذي تحدث عنه هابرماس والذي يدلّ، بشكل جوهريّ، على محدوديّة الديمقراطيّة الليبراليّة  , 2016 Neumann . هذا مع العلم أن البعض يرى أن المجال العمومي ليس حيزا يتطور فيه النقاش العام الذي يسمح بتشكّل رأي عام، بل للنشر والإعلان عن ناتج جمع الآراء الفردية. بالطبع إن القبول بهذا التعريف للمجال العمومي في حدوده الدنيا لم يَخْل من النقد  Dacheux,2010

6- يرى الكثير من النقاد أن ” المجال العمومي” من المنظور الهابرماسي أنتقل من كونه بناء اجتماعي للعلاقات التي تتوسط المجتمع والدولة في القرن 18 إلى إطار معياري غير زمني ليشكل نموذجا للمجال العمومي في كل الحقب التاريخيّة وفي كل المجتمعات. وقد وضّح Neumann, 2016 هذه الفكرة بالقول إن هابرماس لم يتمكن من تجاوز المشكل المروث عن كانط والمتمثل في التباين بين المفهوم المتعالى عن المكان والزمان والممارسة الاجتماعيّة الأمبريقية. ويبدو أن هذا الرأي/ الحكم لم يأخذ بعين الاعتبار التصحيحات التي قدمها هابرماس للمجال العمومي. إذ اعترف لاحقا بأن المجال العمومي ليس بنية معياريّة متمايزة الاختصاصات والأدوار، ورأى بأنه يمكن وصفه بشكل أفضل كشبكة تمكن من نقل المضامين والمواقف المتخذة والآراء 387 Habermas,1997,

لا شك أن المآخذ التي سُجلت على المفهوم الهبرماسي قد عملت على توسع مفهوم المجال العمومي من جهة. وأضفت على علاقته بالميديا بعض اللبس، من جهة أخرى. اللبس الناجم عن الاجتهاد النظري لفهم المجال العمومي، وتطور التمثلات للميديا ولاستخداماتها نتيجة تعدّد منصات البث والتوزيع الإعلامي، وتنوّع منتديات النقاش في الكثير من مواقع شبكة الانترنت، وتشكُّل الجماعات الافتراضيّة في مواقع التواصل الاجتماعي.

نعتقد أن تفكيك العلاقة بين الميديا والمجال العمومي تتطلب أولا الإشارة إلى منطلقات فهمها. فالمنطلق الأول، ينظر إليها من زاوية الميديا، والمنطلق الثاني ينظر إليها من زاوية المجال العمومي، أي من خلال إعادة مراجعة التمثّل لما هو المجال العمومي في ديناميكيته الاجتماعية.

وسنحاول أن نرفع اللبس عن هذه العلاقة من متابعة انزياح التفكير فيها من الإعلامي إلى السياسي، ومن السياسيّ إلى السوسيولوجيّ.

الميديا والمجال العمومي: من الإعلامي إلى السياسي

حصر برنار مياج Miège, 1997 أربعة نماذج من الفعل في المجال العمومي الديمقراطيّ انطلاقا من تقنيات الاتصال المهيمنة، وهي: صحافة الرأي، والصحافة الجماهيريّة التجاريّة، والوسائل السمعيّة-البصريّة الجماهيريّة، والعلاقات العامة المعممةلقد ساهمت هذه النماذج في تقويض نموذج المجال العمومي البرجوازي. فصحافة الرأي تراجعت في العديد من المجتمعات الليبراليّة المتقدمة إلى درجة تكاد تندثر أمام صعود الصحافة الإخباريّة والصحافة الشعبيّة Press People ذات الطابع التجاري التي غيبت الحوار والجدل و” الاستعمال العلني للحجة”. وتوجهت الوسائل السمعية البصرية إلى الفرجة والاستعراض من أجل الترفيه والتسلية كاختيار فرضته جملة من العوامل يأتي في مقدمتها الإشهار الذي يظل في اعتقادنا عاملا أساسيا في تحوّل وسائل الإعلام وتطورها. التحوّل الذي عمل على تهميش الخدمة العمومية إن لم يغيّبها، وجرّ المؤسسات الإعلاميّة إلى إنتاج محتويات العلاقات العامة المعممة بالمعنى المحدد أعلاه والتي أطلق عليها غيتان تروبلي2007 Tremblay, التواجد الدائم للاستراتيجيات التواصلية” communicationelles stratégies omniprésence des”.

وهذا رغم دخول فاعلين جدد في المجال العمومي، وهم خبراء الاتصال وسبر الآراء، بعد أن كان مقتصرا على محترفي السّياسة والصحافيين Champagne, 1990

بالطبع، لم تتشكل هذه النماذج بالصورة ذاتها في كل المجتمعات. فلم تصل صحافة الرأي، على سبيل المثال، في تطورها في بعض البلدان النامية إلى إنتاج خطاب جدالي يعدّ ثمرة النقاش السياسي حول القضايا ذات العلاقة بالشأن العام في بعض البلدان الناميّة، بل عملت على إعادة إنتاج الخطاب الدعائي الذي يروم ” إجماع ” الواجهة، ولم تفلح في صنع ” التوافق في الرأي” المبنى على المداولة في الطرح. إذ يلاحظ أن بعض الصحف لم تفتح المجال للنقاش إلا حول القضايا الدولية مستبعدة القضايا الداخلية من النقاش والنقد. وبعض الصحف تَمَثَّلت ذاتها في الممارسة كأنها أحزاب سياسيّة وانكفأت على تبرير مواقف الحكومات المتعاقبة أو هذا التيار الأيديولوجي والسياسي أو ذاك مستبعدة أي موقف أو رأي معارض له من التعبير عن ذاته في صفحاتها.[5]

الميديا تشذر المجال العمومي: يستنتج من النماذج الأربع أن الميديا عملت على توسيع المجال العمومي وتشذره ولم تدرج التحوّلات التي طرأت على الميديا بعد ميلاد شبكة الانترنت وتداعياتها على المجال العمومي. لقد أدت الممارسة الاتصالية في ظل هذه البيئة الجديدة إلى فك ارتباطها بالمكان مما نتج عنه تعدد المجالات العمومية التي لا يمكن المبالغة في وزنها السياسي مستقبلا Relieu, 2000, 157 – 186 Dahlgren

لكن لو تمعّنا في الواقع الأمبريقي فإن للحيّز الجغرافي حكمه في هذا التعدّد أو التَشَتَّت. فوجود مقهى في حيز جغرافي معين لا تستوعب سوى عددا محدودا من الناس، ومهما تزايد عدد المقاهي فلا يمكن أن يستوعب كل الناس المهتمين بمناقشة قضايا الشأن العام. وكذلك الأمر بالنسبة للصحف فلم يكن الجميع يقرأها ناهيك عن أن لكل صحيفة جمهورها. وهذا الأمر ينطبق، أيضا، على وسائل الإعلام الكلاسيكيّة، مثل المحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية قبل أن ترتهن للإشهار. فتعدّدها يدلّ على تَشَذُّرجمهورها. التَشَذُّر الذي وُجِد قبل ميلاد شبكة الانترنت ومختلف منصاتها الإلكترونيّة ومواقع شبكاتها الاجتماعيّة التي كان لها الفضل في توسيع القاعدة الاجتماعيّة للمشتركين فيها. هذا إضافة إلى أن التَشَذُّر ليس وليد استشراء حوامل الإعلام والميديا. إنه بالأحرى نتيجة منطقية للتَشَذُّر الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي يميز المجتمعات الصناعيّة المتقدمة Tremblay 2007, 207-225

في فهمه لعلاقة الميديا بالمجال العمومي لاحظ باتريك شارودوCharaudeau, 1999, 73-92 أن المجال العمومي يتشذر على مختلف المستويات: أولا، على مستوى البناء الاجتماعي للمعنى المتشذر أساسا بواسطة التمفصل الجدلي بين ” الأحداث، والتمثلات، والمنظومات”، ثم على مستوى الممارسة الاجتماعية المتشذرة بدورها إلى مختلف مجالات النشاط  السياسي، الاقتصادي، والميدياتيكي . وأخيرا، على المستوى الميدياتيكي المشتذر بدوره إلى مختلف الأنشطة الخطابية[6]. ويرى الباحث ذاته أن تشذر المجال العمومي مرتبط بتشذر الرأي العام  وشرحه بكيفية تشكل ما يسميه ” الجماعات الخطابية”  communautés discursives “.[7]

وقد رأى البعض في شبكة الانترنت وسيلة لبروز مجالات عمومية صغيرة وديناميكية غير مترابطة ببعضها البعض , 1999 NEVEU

الميديا تحرف المجال العمومي: رغم أن المجال العمومي لا يمكن اختزاله في المجال الميدياتيكي إلا أن أتباع المدرسة النقدية يرون أن الميديا تعمل على تحريف المجالالعمومي لأنها انحرفت عن دورها التنويري، وسقطت ضحية التسلية، والتسلية سلعت المجال العمومي. لقد عبر ألكسي هونيث نقلا عن Neumann, 2016 بالقول أن الخطر على المجال العمومي يكمن في تسليع وسائل الإعلام وفي مسار التجريد الذي يعاني منه التمثيل السياسي وفق نمط صناعة الثقافة.

بالطبع إن التسليع لم يقتصر على المضامين التي تبثها وسائل الإعلام، بل امتد إلى العلاقات الاجتماعيّة التي تنشئها، بيد أن هذه الحقيقة لا يمكن أن تخفي النظرة التبخسية للتسلية التي تقوم بها الوسيلة الإعلامية. ليس هذا فحسب، بل إنها تنفي أي بعد اجتماعي للتسلية في تشكيل المجال العمومي. وهذا ما سنفصله لاحقا. لقد شكل التداخل بين الإعلام والإشهار والترفيه إطارا لممارسة ما يسميه دولتن Dolton بالعلاقات العامة المعمم”.[8]  168 ,1995Miege, . ويقصد بها تلك العلاقات التي تركز على المواضيع التوافقيّة، وتستهدف كل مجالات الحياة، وصناعة الانخراط، وتسعى إلى التوجه على وجه الخصوص إلى الأشخاص /المستهلكين/ الزبائن، أكثر من المجموعات و” الجمهور”.

الميديا تحدث التجانس في المجال العمومي: يعتقد الكثير من الباحثين، خاصة أتباع المدرسة الثقافوية Culturaliste وتحليل الخطاب الإعلامي   1989, Mouillaud, Tétu

2013  Servais , أن الميديا تعمل على إحداث التجانس في المجال العمومي وذلك لكونها تنتج/ تعيد إنتاج التمثلات المهيمنة. وضمن هذا المنطلق فإن قراءة الصحيفة ذاتها يسمح بنشر أحداث العالم الاجتماعي في عالم يتخيّله كل قاري ويشترك فيه كل القراء   Awad,2010 . وإن كان تحليل هذا الخطاب في أبعاده الأمبريقية تجاوز دراسة تشخيص التمثّلات وراح يسأل عن نوع التجربة السياسيّة التي تقترحها Servais, 2013 إلا أنّه منح الأولوية إلى المضمون المتداول عبر وسائل الإعلام بتضميناته الأيديولوجية وتبعاته على المجال العمومي على حساب المتلقي وإشكالية تلقيه للخطاب الصحفي. وبهذا فإنه يلتقي مع مختلف نظريات تأثير وسائل الإعلام على الجمهور ويعتبرها تحصيل حاصل.

ونظرا لاندماج كل فرد في وسطه الاجتماعي والمهني في الواقع العملي وعلى الصعيد الافتراضي، ولبحثه عما يعزّز قناعاته واختياراته وميولاته، استنتج الباحث ترمبليTremblay, 207, 207-225 أن المجال العمومي ليس وحيدا وأنه غير منسجم. وذهب إلى أبعد من ذلك عندما استعار عنوان إحدى مقالات بيار بورديو وأعاد صياغته ليتماشى مع أطروحته ليصبح” المجال العمومي لا وجود له l’espace public n’existe pas.

الميديا تعيد تشكيل المجال العمومي: تجدّدت النظرة لالمجال العمومي على ضوء اتساع الاستخدام الاجتماعي للانترنت. إذ ساد الاعتقاد بأن هذه الأخيرة أحدثت انقلابا في المعمار الأوليغارشي للمجال العمومي التقليدي وأجرت تغييرا على إحدى قواعده. ففي السابق كان النشر والإعلان يتم بعد الغربلة والانتقاء أما بعد استخدام الانترنت أضحت الغربلة تأتي بعد النشر 2010 ، Cardon .

بعد أن أضحت وسائل الإعلام التقليديّة أسيرة سلطة المال ولوبيات السياسة، وتحولت إلى مصنع للترفيه والتسلية، واسهمت في إفراغ النقاش العمومي الذي تثيره حول القضايا ذات الشأن العام من محتواه، تجدّد الأمل في شبكة الانترنت ومنصاتها الرقمية ومواقع شبكاتها الاجتماعية حيث اعتقد أنها تحدث تغييرا جذريا في الممارسة السّياسيّة بعد أن قدمت شكلا مغايرا من الوساطة السّياسيّة

ترسخ هذا الاعتقاد في ظل ما أصبح يعرف بأحداث “الربيع العربي” انطلاقا من اعتقاد أن هذه الشبكات متحرّرة من كل أجندة سياسيّة بحكم أنها ليست ملكية أي حزب سياسي، ومنعتقة من سلطة المال، وتمنح صوتا للمقصيين من النقاش العمومي. ففي هذا الإطار يرى الكثير من الكتاب مثل مانويل كاستلز Castells, 2014, 431 أن الشبكات الرقميّة التي تتسم بطابعها التحرّري وحتّى التمردي تشكل ساحة عامة سواء على الصعيد الوطني أو الكوني باتكائها على الحركات الاجتماعيّة ذات الطابع الاحتجاجي، قد نقلت مستخدم الانترنت من شخص يريد الاستعلام عن هذه الحركات إلى الالتزام والانخراط فيها.

يبدو أن الطاقة الثوريّة للشبكات الرقميّة الكامنة في فوريّة الإعلام ونقل الأخبار، والتنسيق والتنظيم لم يفلحا في دفع الجماهير إلى التظاهر في الشارع وإبقائها أطول فترة على غرار الحركات الاجتماعيّة الاحتجاجيّة والنضاليّة التي شهدها مطلع القرن العشرين. والسبب في ذلك لا يعود إلى افتقاد هذه الحركات زعيم كاريزماتي وعدم استنادها إلى أيديولوجيا محددة تؤطرها وتجندها فقط. فأمام هذا الواقع تبدو مواقع هذه الشبكات وغيرها من المنصات الرقمية أنها أفلحت في إعطاء الانطباع بأن الثورة موجودة في كل وقت وكل مكان Ubiquité، على غرار ما فعلته شاشات التلفزيون بالحركة الجماهيرية التي أسقطت شاوشيسكو في رومانيا.[9]  لكن الغريب في المواقع الشبكات الاجتماعيّة التي ساهمت في تجنيد الناس وانخراط المحتجين في بعض البلدان التي شهدت حركات جماهيرية قويّة، مثل روسيا في شتاء 2011-2012 ساهمت في عزل المعارضة السّياسيّ 2015  Kondratov,  التي كان يُعَوَّل عليها في القيام بالتغيير المطلوب.

بالفعل لقد أدرجت القوى السّياسيّة المتدافعة على السلطة في المجتمعات الديمقراطيّة ” الميديا الجديدة”، في استراتيجيتها الاتصاليّة، خاصة في المحطات السّياسيّة الحاسمة، مثل الانتخابات السّياسيّة. ونُسب إليها فوز الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعهدتين رئاسيتين، ودونالد ترومب في الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة. لكن هذه الحقيقة لم تمنع بعض الكتاب من الدعوة إلى التقتير في التفاؤل بإسهام الشبكات في صياغة مجال عمومي جديد. إذ يعتقدون أنها لازالت بعيدة عن المثل الديمقراطية لأنها تحوّلت إلى أداة وحلبة للسوق الكوني فأخضعت النشاط الإعلامي والاتصالي ككلّ إلى المنطق المركنتيلي mercantiliste Dahlgren, Relieu, 2000 هذا ما تؤكده زيادة الاعتماد على المؤثرين influenceurs في المنتديات والمدونات الإلكترونيّة ومواقع الشبكات الاجتماعيّة لتغيير سلوك المستهلكين أو إعادة بناء الصورة الذهنيّة للشركات والمؤسسات.

يرى رليو ودهغرين Dahlgren, Relieu, 2000 أن المجال العمومي لا يوجد في حالة ثابتة وساكنة بل يخضع لحزمة من التغيرات المرتبطة بالتحولات في البيئة الاجتماعيّة والنماذج الثقافية والمشهد الإعلامي. وأن هذا المشهد يشكل من تفاعل وسائل الإعلام التقليدية والميديا الجديدة ومن السديم الذي تنتجه وسائل الإعلام الهجينة التي تلتقي فيها وسائل الإتصال الجماهيري ووسائل الاتصال الجماهيري  الذاتيّة Self Mass media [10] . يمكن أن نلتمس القاسم المشترك الذي يجمع المؤمنين بأن وسائل الإعلام التقليديّة أو الميديا الجديدة عملت على تشكيل المجال العمومي وفق النموذج الليبرالي بالذين يعتقدون بأنها عملت على تقويضه وفق النموذج ذاته. يتجسد هذا القاسم المشترك في تَمَثُّل وسائل الإعلام كوسائط للفعل السياسي وكمجال لإدارة النقاش العمومي في المجتمع. هذا وإن كان البعض، مثل دهلغرينت Dahlgren, 1994، لا يرى وسائل الإعلام والميديا في علاقتها بالمجال العمومي إلا ضمن ما يسميه بالشروط التاريخية الجديدة لوجوده، والتي يلخصها في العناصر التالية: أزمة الدولة، تَشَذُّرالجمهور وتشتُّته، الحركات الاجتماعيّة الجديدة، ووفرة تكنولوجيا الاتصال الجديدة. لكن يبدو أن وفرة هذه التكنولوجيا غير كاف في تشكيل أو إعادة تشكيل مجال عمومي لأن ممارسة السياسة عبر مواقع الشبكات يختلف كثيرا عن الحديث في السياسة في المواقع ذاتها.  ففي هذا الإطار ترى ترى باباشاريسي زيزي Zizi, 2009, 242 Papacharissiبأن شبكة الانترنت قد أنشأت فعلا ” حيزا عموميا” Espace public” لكنها لم تسمح بالضرورة بقيام مجال عمومي Sphere publique ففي نظرها إن فضاء عمومي جديد ليس مرادفا لمجال عمومي جديد. فالفضاء الافتراضي لا يقوم سوى بترقية النقاش، وبينما يجب على المجال العمومي أن يرقي الديمقراطية، أي أن ” ديمقراطية” الحصول على الإعلام والمعلومات والنفاذ إلى مصادرها المختلفة والمتنوعة بفضل الميديا الجديدة لا يقود مباشرة، وبشكل آلي، إلى توسيع المشاركة السياسية وتعميقها أو تعزيز الالتزام السياسي.

وعلى النقيض من هذا الطرح آمنت نانسي فرايزر  Fraser, 1992,135  بإمكانية أن تتحول شبكة الانترنت إلى مجال عمومي قوي بحيث تصبح منصاتها المختلفة مسيرة ذاتيا، وتمارس الديمقراطية المباشرة أو شبه المباشرة  في مواقعها، ففيها يشارك كل المنخرطين في مؤسسة جماعية في المناقشات والمداولات ويحددون تصورها وإدارتها.

إنّ المجتمعات الناميّة التي سعت إلى إقامة ديمقراطية الواجهة أو ديمقراطية ” مراقبة” عملت على إقصاء المعارضة السّياسيّة بمختلف السبل في ظل تكلس الأحزاب السّياسيّة التي تعاني من فقر في الفكر السياسي وقطيعة مع ناخبيها بعد أن تحوّلت إلى تجمع للمصالح الضيقة. هذا إضافة بسط هيمنة الخطاب الإعلامي الرسمي والتضييق على الرأي المختلف إن لم تصَادَره، ناهيك عن اللجوء إلى حجة القوة للفصل في النزاع حول السلطة.  ففي ظل هذه السياقات برز تمثّل للميديا “الجديدة” كمنابر بديلة عن الأحزاب السّياسيّة وأداة  للتمرد على الخطاب الإعلامي الرسمي في ظل ارتفاع عدد مستخدمي الانترنت ومنتسبي مواقع الشبكات الاجتماعيّة، في العديد من البلدان النامية، والمنطقة العربية تحديدا، وتزايد الوقت الذي يصرف في استخدامها اليومي الذي فاق المدة التي تخصص لمشاهدة التلفزيون يوميا[11]. وإن كان الاعتماد على الميديا الجديدة كمصدر إخباري قد زاد إلا ” الفضاء الافتراضي ” الذي أنشأته لم يعمل على ترقية النقاش السياسي إن لم يميعه ويحرفه.

إن النأي عن الحتمية التكنولوجية يقتضي تجنب الاعتقاد بقوة الشبكات الافتراضية المحايثة التي تمكنها من ” إنشاء مجال عمومي أو هدمه. ويتطلب فهم نشاط هذه الشبكات ضمن شروط وسياق استخداماتها. لذا من الصعب فصلها عن تقاليد الاتصال المتوارثة عبر الأجيال، وعن التاريخ السياسي لهذه البلدان الذي يؤكد غياب ثقافة الحوار والنقاش، الحِجاج ، أي أن الأطر ” التمثيلية” لم تبلغ مستوى الحلبة التي يدار فيها النقاش بكل ديمقراطية ويتم التداول حول الآراء التي تتصادم بحججها المتعارضة. لذا نجد أن الميديا الجديدة أفلحت في ابتكار أشكال التكافل الاجتماعي والتعاون، وتخريب الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي[12] دون أن تفلح في بناء مجال عمومي معارض.  ويمكن أن نضيف إلى الأسباب المذكورة أعلاه التي حالت دون ذلك توجه مواقع الشبكات الاجتماعية لتتخذ شكل الدوائر، أي أنها منفتحة نظريا لكنها تتجه نحو الانغلاق عمليا. فظاهرة “homophilie”، التي وجدت في مواقع التواصل الاجتماعي في مجتمعات هذه المنطقة أرضية خصبة، لا تشجع على الحوار والنقاش وتدفع المشتركين في مواقع الشبكات الاجتماعيّة إلى حذف ذوي الرأي المخالف أو المعارض من قائمة أصدقائهم، ورفض استقبال كل من يرسله من آراء وأفكار. وهذا يؤدي إلى ترسيخ ثقافة الحوار الذاتي Monologue. فظاهرة التوحد homophilie في مواقع الشبكات الاجتماعية تحث على الانطواء والانغلاق وتساهم بفاعلية في تشكيل المجال المشترك Espace commun الذي يختلف عن المجال العمومي.

ويمكن أن نأخذ بعين الاعتبار أن مواقع الشبكات الاجتماعيّة أصبحت ساحة للبوح وسرد الذات. وبهذا يمكن القول أن الميديا الجديدة تلتقي مع وسائل الإعلام التقليديّة فيما اتهمت به هذه الأخيرة، وهو تحريف المجال العمومي استنادا إلى الملاحظات الأمبريقيّة التي تقر بأن الحياة الخاصة والحميميّة قد غزتها. بالفعل، يمكن أن نتأكّد بكل يسر كيف أن الحياة الخاصة والسرديات الحميميّة غمرت الصحافة الشعبية People Press والوسائل السمعيّة البصريّة، كما يتجلّى ذلك في برامج تلفزيون الواقع.  بالطبع إن هذا الحكم يقوم على الفصل بين ما هو عمومي وما هو خاص. والقصد بالعمومي في هذا المقام يتضمن العديد من المعاني، منها ما هو مشترك.

إذا العلاقة القائمة بين المجال العمومي والميديا وفق هذا المنظور تستند إلى جملة من التمثّلات، بعضها مرتبط بهذا المجال، وبعضها الأخر ذو صلة بالميديا في سياقات مخصوصة وشروط تاريخية محددة، منها: وجود مجتمع مدني نشيط يعبر فيه المواطنون ذوي الوضعيات القانونية المتساوية عن انشغالاتهم وانخراطهم في القضايا ذات الشأن العام، ووجود نظام ديمقراطي بآلياته التي تصون حرية الرأي وتعدّديّته، ووجود حيّز متجانس تتشكل فيه الآراء والمواقف، ويحتكم إلى قوة الحجة وليس حجة القوة. ووجود وسائل إعلام متجانسة تهتم بقضايا الشأن العام وتجسد الخدمة العمومية. وتنأى عن إثارة المواضيع المرتبطة بالحياة الخاصة، وتعتمد على المواد الإعلاميّة والثقافيّة المنتجة وفق القالب الحواري والجدالي بين المواطنين ذوي القدرات التّعبيريّة والفكريّة المتكافئة والمصانة ضد الترفيه والبعيدة عن الرهانات التجاريّة.

ربما يعتقد البعض أن حصر علاقة الميديا بالمجال العمومي ضمن هذا الأفق لا تخلو من نزعة مثالية للميديا التي يراها بعيدة عن أي نزاع أو تجاذب داخلي أو خارجي. وتقفز على الحقيقة التي مفادها أن المجال العمومي ” مسرح تسعى السلطة باستمرار إلى استثماره من أجل تبرير توجهاتها وقراراتها وإعادة تأسيس شرعيتها[13]” Trembley, 2007, 207-225 .

الميديا والمجال العمومي: من السياسي إلى السوسيولوجي 

بصرف النظر عن الأطروحة التي تنص على الميديا في حد ذاتها مجال عمومي، يستنتج مما سبق أن النظرة لعلاقة الميديا بالمجال العمومي تقوم على الثنائيتين: الوساطة La mediation- وساطة الفعل السياسي والأعلمة La médiatisation أي جعل المجال العمومي مرئيا، وهذا ما يسميه بعض الباحثين، مثل ولتن , 2012, 95-114 WOLTON”بالمجال العمومي الميدياتيكي. وعلى هذا الأساس من الصعب جدا فصل المجال العمومي عن الميديا، بيد أن جون مارك فيري  Ferry, 1989  يرى أن هناك فضائين عموميين: مجال عمومي اجتماعي، ومجال عمومي سياسي. لقد ظلت المواضيع المتناولة في المجال الأول خاصة، وبرزت في المشهد العمومي. وأدت سيطرة الاتصال الشاملة إلى بروز منظومة جديدة مكنت العلاقات المهنية والعائليّة والزوجيّة الحميميّة من الاستعراض في المشهد الميدياتيكي. أما المجال العمومي السياسي، الذي يُعْتقد أنه لا يغطي مجمل الاتصال السياسي بالمعنى الذي حدده دومنيك ولتن  wolton,1989، الذي يعتبره حيّزا لتبادل الخطابات المتناقضة للفاعلين الثلاث الذين يملكون شرعيّة التعبير العلني وأمام الملأ عن السياسة، وهم: الساسة، والصحافيون، والرأي العام الذي تعبر عنه عمليات الاستطلاع.

استلهم بعض الباحثين فكرة ” السيولة” liquefaction” من أطورحة عالم الاجتماع زيغمونت بومان Zygmunt Bauman  ووظفوها في قراءتهم لمفعول مواقع الشبكات الاجتماعية. فالباحث كريستان فوشز Christian Fuchs, 2014, 57-101، على سبيل المثال، يعقد أن بروز ” الميديا الاجتماعي” يندرج ضمن السيولة والتداخل. فالتمييز بين الخاص والعام، واللعب والعمل، والترفيه وقت العمل، والبيت ومكتب العمل، والاستهلاك والإنتاج أصبح صعبا نظرا لتداخل كل هذه الأنشطة. وويشخص سمتين تأسيسيتين للطريقة التي تقوم فيها مواقع الشبكات الاجتماعية، مثل الفيسبوك، بإسالة الحدود بينها. إذ يذكر أن السمة الأولى تتجلى عبر المجتمعة المدمجة Socialité intégrée التي تتحقق عبر ثلاثة أنماط وهي: المعرفة، والتواصل والتعاون. وتتجلى السمة الثانية عبر الأدوار الاجتماعية المدمجة والتي تستند إلى عملية إنشاء “البروفايل” في هذه المواقع، مثل ” الفيسبوك” الواصف لمختلف الأدوار التي يقوم بها الإنسان في الحياة. لم يذهب البعض إلى حد التأكيد على دور ” الميديا الجديدة” في إسالة الحدود بين الأنشطة المختلفة، بل شددوا على دورها في الربط بين مختلف المجالات، فأريك  Dacheux, 2010 يؤمن بوجود ثلاث مجالات، وهي: السياسي، والعمومي ، والمنزلي domestique. ويقوم المجال الميدياتيكي بربطها ببعضها بجانب مجالات الوساطة الأخرى. فالمجال المؤسساتي للوساطة l’espace institutionnel de médiation  يربط المجال السياسي بالمجال العمومي. ويربط المجال المدني، من جهته، المجال السياسي بالمجال المنزلي. ويأخذ كل مجال من هذه المجالات الأشكال الأمبريقيّة المتميزة.

وتنصح دومنيك ماهل Mehl,2005,p89-90 بقطع الصلة بالعبارات المستقاة من الجغرافيا، مثل الاقليم والحدود في الحديث عما هو عمومي وما هو خاص، إذ تؤكّد أنه من الأجدى الحديث عن تمفصلهما وتداخلهما باستخدام عبارة المسار Processus. أو بالأحرى الحديث عن تمفصل الفضائين العمومي والخاص وتداخلهما ليشكلا حيزا عموميا جديدا تصبح فيه القضايا الخاصة مرئية ومطروحة للنقاش بصفتها ميدانا خاصا/عموميا. ولعل هنا يكمن المبرّر الذي جعل دومنيك ولتن   wolton,1989 يرفض الفصل الذي أحثته الفلسفة اليونانية بين ما هو خاص وما هو عمومي إذ يرى أنهما يشكلان ما يسمى بالاجتماعي. والذي تسميه حنه أرنت بالمجال الاجتماعي، وتقول عنه أنه ليس بالخاص ولا العمومي بالمعنى الدقيق للكلمة، بل ظاهرة جديدة برزت بظهور العصر الحديث الذي تجلّى شكله السياسي في الأمة والدولة  أرنت، 2015، 49. ولتوضيح تصورها تؤكّد أرنت أن ما هو خاص ارتبط، في الفكر اليوناني، بالحرمان من شيء ما Être privé de quelques choses. فالرجل الذي لا يملك سوى حياته الخاصة، شأنه في ذلك شأن العبد الذي لا يمكن أن يلج المجال العمومي. هذا الإنسان لم يكن إنسانا بالتمام. وحينما نتكلم عن المجال الخاص اليوم فإننا لا نفكر البتة في الحرمان. ففي زمننا هذا يتقابل الخاص، على أقل تقدير، بوضوح مع المجال الاجتماعي.  أرنت، 2015 59-60

إذا، إنّ التفكير في المجال العمومي من زاوية زوال الفصل بين ما هو خاص وعمومي حرّر تعريف هذا المجال من ثقله ووظيفته السّياسيّة، وأعاد تعريفه بصيغ مختلفة وعلى أسس جديدة، نذكر منها:  إن المجال العمومي “إطار ميدياتيكي” بصفة عامة، تقوم بموجبه المنظومة المؤسساتية والتكنولوجية الخاصة في المجتمعات الما بعد الصناعية بتقديم مختلف جوانب الحياة الاجتماعيّة إلى ” الجمهور”   Ferry, 1989 .

ووفق هذا المنظور الجديد، فإن الميديا ليست وسيلة بث وتوزيع مركزية وأحادية الاتجاه من مرسل إلى جمهور، وليست إطارا للجدل ومقارعة الحجة بالحجة، بل وسيط اجتماعي. أي أنها تقوم بالوساطة بين افراد المجتمع عبر اللّغة. وبهذا فإنها لا تخدم بالضرورة الرؤية السّياسيّة للمجال العمومي الذي تحصره في الوساطة  بين المواطنين والسلطات باعتباره حيّزا رمزيّا لطرح الآراء والمواقف المتعارضة ذات الصلة بإدارة الشأن العام.

يعيدنا هذا الحديث إلى الفكر اليوناني بعيدا عما كانت تمثله الأغورا الذي تذكرنا بها حنة أرنت أرنت، 2015، ص.40 بالقول أن من يوجد خارج المدينة – cité في نظر أرسطو، أي العبيد والبرابرة- محروم من الكلام، ومن البديهي ان ذلك لا يعني الحرمان من القدرة على الكلام، بل مَقْصِيّ من ضرب من الحياة العامة تكون فيها اللّغة واللّغة وحدها ذات معنى فعلي في وجود كان الهم الأول للمواطنين فيه هو أن يخاطبوا بعضهم.

إذا ولوج المجال العمومي من المنظور الاجتماعي ليس مشروطا بامتلاك سلطة القول التي تحدث عنها بيار بورديو، ولا باستعمال الحجة التي تحدث عنها هابرماس، بل بالحديث العلني وأمام الملأ عبر الوسائط المتاحة: الإذاعة، التلفزيون، مواقع الشبكات الاجتماعيّة، والمنصات الرقمية المختلفة في شبكة الانترنت.

نعم إننا نعي بأن الكثير من الوسائط الجديدة تملكها الشركات العملاقة في مجال المعلوماتية والانترنت. وسهلت جلّها الوشاية والقدح والقذف والعنف اللفظي والإقصاء ، خاصة في العديد من البلدان العربية.وتحوّلت إلى أداة نشيطة لممارسة المراقبة والتصنت والتلصص والجوسسة على كل ما يتم تداوله[14] و ساحة لتعرية الذات والفضضة عن النفس، وغيرها من المظاهر التي تعيق فعلا إعادة تشكيل مجال عمومي من المنظور السياسي. لذا لا بد من محاولة فهم علاقة الميديا بالمجال العمومي على ضوء الاتصال الميديتيكي الذي تزايد في حضن المجال المجتمعي espace societal الذي يتوسط الحيّز الخاص والحيّز العمومي Namoin, 2010, 223-226

رغم التحوّلات البارزة التي طرأت على الميديا والتي أعادت صياغة علاقتها بالمجال العمومي  إلا هذا الأخير أضحى المتغير الأساسي في فرضية هذه العلاقة. إذ اصبح ما هو اجتماعي le social هو الذي يشكل موضوع المجال العمومي وليس “السياسي” Le politique  Paquette, 2000, 47-74 . ونقصد بالسياسي السلطة الضمنية التي تتأسس في مجتمع ما وتكون ذا صلة بإدارة المجتمع وتنظيمه. وهذا يتطلب إعادة قراءة العلاقة المذكورة أعلاه على ضوء أسس جديدة، قوامها:

1-إضفاء البعد المرئي: تمنح الميديا للأشخاص والخطابات بعدا مرئيًّا والسبب في ذلك لا يقتصر على أن تطور تكنولوجيات الاتصال الراهنة فتحت أفاقا واسعة لتغيير علاقة المرء بالبعد والغياب، بل لالتفافها على الإقصاء الذي شكل إحدى المأخذ الرئيسة في نقد المجال العمومي الهبرماسي. فالمجال العمومي في تعريف حنا آرنت هو ” مجال للظهور”espace des apparences. فبعد أن أعادت تأويل المفهوم الأرسطي للسياسة المغاير للنموذج الهابرماسي القائم على الحجاج وفق منظور نقدي وتحرري، رأت هذه الفيلسوفة أن المجال العمومي يتمثل في كونه مؤسسة رمزية لمجال الانتماء والظهور الذي يصبح مرئيا في بعده الظاهراتي. Paquette, 2000, 47-74 .  ويقصد بالبعد الظاهراتي الأفعال، والأحداث التي يكتسي فيها الأشخاص معنى وشكل اجتماعيا ساعة ظهورهم. Quéré, 1992, 81.

ونظرا لرهانات الظهور أو مرئية الأشخاص والأفعال والقضايا، فإن بعض المواد الإعلامية-الترفيهية، مثل برامج تلفزيون الواقع والتوك شو التي تبثها بعض القنوات التلفزيونية العربية، على سبيل المثال، كالإدمان على المخدرات، وزنا المحارم، والدعارة، وعدم الاعتراف بشرعية الأبناء، وطرد الأبناء من البيت العائلي، وطرد المرأة من بيت الزوجية إلى الشارع،  لا تظهرها  إلا لأسباب تجارية. لكنه إظهار من أجل إخفائها وإبعادها عن الخطاب العمومي. ويتخذ هذا الإبعاد شكلين بارزين: التنديد بها واستنكارها والتهجم على مرتكبيها، وتقديمها  على أساس أنها حالة نادرة غريبة عن المجتمع وأن أصحابها نادمون على ما قاموا به. وفي الشكلين تعيد إنتاج الخطاب المهيمن: الخطاب الوعظي والأخلاقي الذي يحول دون انتقالها لتشكل موضوعا للنقاش العمومي يتجادل حوله الأشخاص المتعادلون في القدرة على التعبير عن وجهات النظر أو على إظهار اختلافهم دون خوف أو توجس من رد الفعل الاجتماعي أو رد الصحافيين ومشاركيها في هذه البرامج.[15]

2-حق الاعتراف: استعاد الفيلسوف الألماني أكل هونيث مسألة الاعتراف وجعل منها محورا لنظرية جديدة للصراع الاجتماعي. وفتح المجال للعلوم الاجتماعيّة للكشف عن تعدّدية معانيه. ففي نظره إن “الاعتراف المتبادل كفيل بوضع حدّ للصراعات الاجتماعية القائمة على السيطرة والهيمنة والظلم. وبفضله يستطيع الأفراد تحقيق ذواتهم وهويتهم ضمن علاقات تذاوتية”  بومنير، 2010، 108. والاعتراف في نظره مرهون بثلاثة شروط معيارية متميزة، وهي: الحب، والحق، والتضامن.

وإن كان الشرط الأخير؛ أي التضامن يتجسد بيسر، وبأشكال مختلفة في مواقع الشبكات الاجتماعية بعد أن بدأت الدولة الرعوية في الأفول، أو تنازلت عن دورها التكافلي كاختيار سياسي أو لضرورة اقتصادية، فإن الشرط الثاني؛ أي الحق، صعب المنال، إذ يظل موضوعا للتفاوض والصراع لأنه يندرج ضمن حقوق الإنسان الأساسية وملازم لمفهوم المواطنة.

إن المطلب الأساسي لتجسيد الحق في الاعتراف يكمن في إعادة توزيع الثروات والخيرات، والإقرار بالاختلاف الثقافي، وتسبيقها على الحب، حتّى لا يتحوّل الحق في الاعتراف في الخطاب العمومي الذي تنتجه وسائل الإعلام أو تنقله مختزلا في البعد النفسي فقط: الحب.

إن السعي لتجسيد الحق في الاعتراف لا يروم تحقيق المساواة بين الأشخاص، وإعادة النظر في تمثيلهم الديمقراطي، بل يقرّ بالوجود الاجتماعي للأشخاص ضمن تعدّدهم وتنوّعهم، والقبول باختلافهم كشكل من أشكال النضال ضد الإقصاء من المجال العمومي من جهة، وترسيخ فن العيش المشترك والذي يعاد على أساسه رسم الحدود بين المرئيات العمومية Visibilité publique، والممارسات اللسانية  , 2005 Voirol . فأهمية هذه الممارسات اللسانية لا تكمن في أن كل خطاب في المجال العمومي هو تمثيلي لأنه يحمل تجربة ” اجتماعية، ويستطيع كل شخص أن يكون في وضعية مماثلة. 89-103 1999,   Esquenaz, ، بل لأنه يمكن أن يثير نقاشا عاما، ويحوّل المشاكل التي كانت تدرج في خانة المسكوت عنه أو تلك التي همشها الخطاب الرسمي الصادر عن المؤسسات السّياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة إلى مشكل عمومي.

حتّى لا نسقط في التعميم يمكن التأكّيد على أن وسائل الإعلام لا تشكل وحدة متجانسة حتّى في المجتمع الواحد. إنها تخضع لتنوّع أنماط ملكيتها، ودرجة ارتهانها للسلطتين: السّياسيّة والماليّة، وحمولاتها الأيديولوجيّة، ومدى امتثالها للقوانين التي تؤطر الفعل الإعلامي وتفرض الخدمة العمومية في الدول الديمقراطية. لكنها تعمل، بدرجات متفاوتة على تمكين الأشخاص من انتزاع الحق بالاعتراف بهم ضمن تمثّلها للجمهور/المواطن/الزبون وللمجتمع وللعلاقات الاجتماعيّة القائمة فيه. وهذا خلافا لوسائل الإعلام الرسميّة- الحكوميّة – في المجتمعات الناميّة. فالمجتمع مغيب في نشرتها الإخبارية التي لا تبرز سوى الحكومة تحدث ذاتها وتنظر إلى صورتها في مرآة الإعلام الرسمي. أما الفرد فلا يظهر لذاته وإن ابرزته بذاته فلتجعل منه مُرْجِع صدى الخطاب الرسمي ومؤيده. [16]

فرغم أن المشاكل التي تطرح للنقاش سواء في إطار ” التوك شو” Talk show أو برامج تلفزيون الواقع في القنوات التلفزيونية الغربية تأخذ صيغة فردية وذاتية إلا أن المنظومة الاتصالية Le dispositive communicationel تعترف بمن يعانون منها، وتحوّل هذه المشاكل إلى قضايا عامة من خلال عملية الوساطة التي تقوم بها الميديا سواء عبر تَملُّك الجمهور أو المشتركين في مواقع الشبكات الاجتماعيّة لهذه المشاكل، أو بما تثيره من نقاش قد يخرج عن إطار الميديا ويمتد إلى مجالات أخرى. وقد يكلّل هذا النقاش بإصدار قوانين تتصدى لهذه المشاكل وتنظمها. هذا مع العلم بأن البعض يعتبر بأن مواقع الشبكات الاجتماعيّة تشكل حيّزا عاما ولا تعدّ، بأي شكل من الأشكال، مجالاً خاصا. ومن أجل ذلك يكفي أن يقوم المرء بنشر محتوى معين وهيكلته بطريقة تسمح للغير بالإطلاع عليه حتّى وإن كان هذا الغير محدودا 2014, Burkell .

إن ما تقوم به الميديا من ربط المجالات الثلاثة المذكورة أعلاه، أو تشكيل المجال العمومي الاجتماعي يجرى على صعيد رمزي. بالطبع إن التفكير في هذا البعد الرّمزيّ يطرح التساؤل عن العوائق التي تحول دون إعادة تشكيل مجال اجتماعي أو تشكيله من جديد في البلدان النامية ومنها الجزائر.

بالفعل إنّ تشكيل مجال عمومي لا يقتصر على المجتمعات التي تعيش في كنف النظام الديمقراطي مثلما ذهبت إليه ناموان Namoin, 2010، بل يرتبط بالبعد الرمزي لما يتم تداوله واقتسامه في الميديا التقليدية والجديدة بصرف النظر عن موضوعه: أي ليس شرطا أن يكون ذا صلة مباشرة بما هو عمومي.  فالرّمزيّ، كما يؤكّد داشو Dacheux, 2010 هو شبكة من الدلالات التي يستبطنها الفرد في مسار تنشئته الاجتماعيّة. إنه بنية اجتماعية لاواعية تحدد طريقة فهمه للعالم. فالذاتيات التي يبوح بها الفرد في الميديا المعاصرة لا يمكن أن تفهم لذاتها، بل في علاقتها المعقدة بالآخر، وبالشأن العام. إنها تجربة اجتماعية تقوم الميديا بسردها وتعميمها ضمن مستويات مختلفة من التفاعل معها، فتسمح للأفراد بتقييم ذاتهم واستعادة تجاربهم وقراءتها على ضوء ما هو مشترك ومقبول اجتماعيا ويؤسس للعيش المشترك.

*مداخلة قدمت في المؤتمر الدولي: “الفضاء العمومي ومواقع الشبكات الاجتماعية: التشظي وإعادة قراءة المفهوم” بقسم الإعلام والاتصال في كلية العلوم الإنسانية والعلوم الإسلامية، جامعة وهران1، أحمد بن بلة بالاشتراك مع مخبر استخدامات وتلقي المنتجات الإعلامية بجامعة الجزائر-  وهران – 10-11 أبريل 2017  – ونشرت  بمجلة علوم الإعلام والاتصال الإلكترونية

 المراجع

  •  بومنير كمال  2010 ، التظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، من ماكس هويكمير إلى ألكس هونيث ، الدار العربية للعلوم، ناشرون.  منشورات الإختلاف،
  • حنة أرنت- 2015 الوضع البشري، ترجمة هادية العرقي عن اللغة الأنجليزية، جداول- مكتبة الفكر الجديد
  • مانويل كاستلز ) 2014 (: سلطة الاتصال، ترجمة محمد حرفوش، المركز القومي للترجمة، مصر،

References

Awad  Gloria 2010, «Informer, relier le journalisme en tant que modèle moderne de mediation », Communication , 281

Ballarini Loic 2011: L’espace public au-delà de l’agir communicationnel. Quatre renversements de perspective pour sortir des impasses du modèle habermassien,  Doctorat Sciences de l’information et de la communication, Centre d’études sur les médias, les technologies et l’internationalisation, École doctorale Sciences sociales, École doctorale Sciences sociales, Université Paris 8,

Baqout Thierry  2009 ; l’espace public; éditions la découverte; Paris;

Bregman Dorine, Dayan Daniel, Wolton Dominique coord., 1989 :« Le nouvel espace public ». revue Hermès, n 4

Burkell Jacquelyn 2014: Facebook: public space, or private space? Journal Information, Communication & Society Volume 17, issue8

Cardon Dominique : Pourquoi l’internet n’a-t-il pas changé la politique ? Interview accordée à Hubert Guillaud; consulté le 14 mars 2017 ; URL http://www.internetactu.net/2010/10/07/dominique-cardon-pourquoi-lintern…

Charaudeau Patrick  1999« La médiatisation de l’espace public comme phénomène de fragmentation  », Études de communication N0 22

Dacheux Eric  2010 :Les trois dimensions de l’espace public ; consulté le 14 mars 2017, URL  http://archivesic.ccsd.cnrs.fr/sic 00531476

Dacheux Eric  2010   Revisiter le concept d’espace public à la lumière de deux objets frontières : l’économie solidaire et la BD. XVIIe Congres de la Société des Sciences de l’Information et de la Communication : Au cœur et aux lisières des SIC Dijon, 23-25 juin

Dahlgren Peter et autres 1994 : Espaces publics en images. Hermès la Revue, n°/1-2

Dahlgren Peter, Relieu Marc  2000. L’espace public et l’internet. Structure, espace et communication Réseaux, volume 18, n°100.

ESQUENAZI  Jean Pierre 1999, Télévision et démocratie. Le politique à la télévision française. 1958-1990 Paris, Presses universitaires de France

Wolton Dominique  1989 : La communication politique; communication d’un modèle; Hermès; n° 4

Wolton, Dominique 1992, « Les contradictions de l’espace public médiatisé », Hermès, 10 : 95-114.

Dominique Mehl  2005 The public on the television screen: towards a public sphere of exhibition in Sonia Livingstone; Audiences and Publics: When cultural engagement matters for the public sphere Changing Media, Changing Europe Volume Intellect Books, USA

Ferry J-M.  1989 « Les transformations de la publicité politique », Hermès, n°4.

Fraser Nancy 1990  Rethinking the Public Sphere: A Contribution to the Critique of Actually Existing DemocracyAuthors: Social Text, No. 25/26

Fraser Nancy, Muriel Valenta 2001 « Repenser la sphère publique : une contribution à la critique de la démocratie telle qu’elle existe réellement. Extrait de Habermas and the Public Sphere, sous la direction de Craig Calhoun, Cambridge, MIT Press, 1992,, Hermès, La Revue 3 n° 31,

Fuchs Christian  2014: Social Media and the Public Sphere, Triple C, volume12 N01

Habermas, Jürgen 1997. Droit et démocratie: Entre faits et normes. Traduit par Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz. Paris: Gallimard.

Habermas, Jürgen  1992 « L’espace public, 30 ans après », Quaderni, n° 18, dossier « Les espaces publics »,

Kerrou  Mohamed  2002 Public et privé en Islam IRMC, Maisonneuve & Larouse,

Kondratov Alexander  2015: Espace public politique official post soviétique à l’épreuve des réseaux socionumériques, études de mouvement de constatation en Russie en 2011-2012 – Revue French Journal for Media Research, n°4

Lenoble, Jacques, Berten, André 1992: L’espace public comme procédure. In: Raisons Pratiques : épistémologie, sociologie, théorie sociale, Vol. vol. 3

Mehl  Dominique  2005  The public on the television screen: towards a public sphere of exhibition in Sonia Livingstone; Audiences and Publics: When cultural engagement matters for the public sphere Changing Media, Changing Europe Volume 2 Intellect Books, USA

Miège Bernard1995: L’Espace public au-delà de la sphère politique, Hermès, n°4, 17-18

Miege Bernard 1995 : L’espace public: perpétué, élargi et fragmenté; in L’espace public et l’emprise de la communication sous la direction d’Isabelle Pailliart; Grenoble : ELLUG

Mouillaud Maurice, Tetu Jean Francois  1989: le journal quotidien , presse universitaire de Lyon

Namoin Yao  2010, « L’Espace Public Contemporain – Approche info-communicationnelle de Bernard Miège », Communication et organisation,  n° 38

NEVEU, Catherine. dir., Espace public et engagement politique,  Enjeux et logiques de la citoyenneté locale Paris, L’Harmattan, 1999

Neumann Alexander  2016  Conceptualiser l’espace public oppositionnel Variations, Revue internationale de théorie critique, 19

Quéré, Louis 1992, « L’espace public : de la théorie politique à la métathéorie sociologique », Quaderni, 18 : 75-92.

Paquette Martine 2000La production médiatique de l’espace public et sa médiation du politique; Revue Communication – vol. 20/1

Papacharissi Zizi 2009  The Virtual Sphere 2.0: The Internet, the Public Sphere and beyond in Andrew Chadwick, Philip Howard, Handbook of Internet Politics, Philip Howard  Routldge  taylor and Francis  group

Servais Christine 2013: Énonciation journalistique et espace public », Communication; vol 32 n0 2;

Tommaso VISONE  2014 « Le problème de la « sphère publique » dans la pensée de Carl Schmitt », Philonsorbonne [En ligne], 8 | 2014, mis en ligne le 19 janvier 2014, consulté le 13 janvier 2017. URL : http://philonsorbonne.revues.org/626 ; DOI : 10.4000/ philonsorbonne.626

Tremblay Gaëtan 2007, « Espace public et mutations des industries de la culture et de la communication; in Les industries de la communication et de la culture en mutation; sous la direction de Philippe Bouquillion et Yolande Combès, L’Harmattan, Questions contemporaines, Paris,

Voirol Olivier  2005 introduction Autour d’Axel Honneth. Reconnaissance et communication », Réseaux, n° 193,

[1] – نذكر على سبيل المثال وليس الحصر إسهام كل من: Jacques Rancière، Bernard Miege، Patrick Charaudeau، Christine Servais، Bourdieu Pierre لأخذ فكرة عن إسهام جاك رونسيار يمكن العودة إلى:

Julien Rueff ( 2014) : Penser le web politique avec Jacques Rancière, Revue Tic et société , Vol. 8, N° 1 et 2  ) 106-126)

Julien Rueff ( 2014) : Penser le web politique avec Jacques Rancière, Revue Tic et société , Vol. 8, N° 1 et 2  ) 106-126)

[2]– هذا ما ذهب إليه أريك داشو، عندما أكّد أن ” المجال العمومي” غدا مفهوما فاقدا لدلالته  notion valise ،  أي كل ما لا ينتمي إلى المجال المنزلي- أنظر:

Eric Dacheux (2010): Revisiter le concept d’espace public à la lumière de deux objets frontières : l’économie solidaire et la BD. Actes du XVIIe Congrès de la Société des Sciences de l’Information et de la Communication : Au cœur et aux lisières des SIC Dijon, 23-25 juin

[3] – يستخدم الفرانكفونيين ” Espace” بينما يميل الأنجلوساكسونيين إلى استعمال Sphere  لكن بالتدريج بدأ الفرانفكنيون يستعملون العبارتين معا.

[4] – هذا جانب واحد من معنى انحراف المجال العمومي الحالي، كما شخصه كل من Charles Perration      وÉtienne Paquette، و Pierre Barrette، أما الجانب الثاني الذي استخلصوه، فيحيل إلى ضرورة استكشاف الأشكال الجديدة لمستقبل الفعل السياسي. أنظر:

Charles Perration, Étienne Paquette; Pierre Barrette ) sous la direction, 2007( : Dérive de l’espace public à l’ère du divertissement; Presse Universitaire du Québec ; p 7

[5] – ينطبق هذا الأمر على الصحافة الجزائرية بشكل جلّي. فكلّ صحيفة تموقعت إيديولوجيا وسياسيا والتزمت بأحادية الرأي ومارست اقصاء الرأي المعارض.  هذا مع الإشارة إلى أن الصحف الصادرة باللغة الفرنسية فتحت منبرا للمثقفين والكتاب والفنانين والأساتذة الجامعين والإطارات السامية في الدولة والمسيرين المحالين على التقاعد وغيرهم للتعبير عن آرائهم تجاه الأحداث الراهتة والقضايا الاجتماعية والاقتصادية بشرط  أن يكونوا من المقريبين من خط ها الافتتاحي. وقد تنشر بين الحين والأخر بعض المواد الصحفية لأسماء مستعارة تثير علامة استفهام عن هويتها والجهة التي تحركها. وهذا خلافا للصحف الصادرة باللغة العربية التي تستكتب بعض الأقلام التي تشاطر خطها الافتتاحي. حقيقة لقد أنشأت بعض الصحف الصادرة باللغة العربية منتديات إلكترونية  مفتوحة نظريا على مختلف الآراء  لكنها لا تنشر عمليا سوى سوى الآراء التي تتطابق مع خطها التحريري أو لا تبتعد عنه كثيرا.

[6] -يقصد بها تلك تتدخل في صياغة الخطاب الإعلامي mise en discours  La، وهي : انتقاء المواضيع thématisation، والمعالجة الخطابية للأحداث، وإخراجها إعلاميا  lamise en scène .

[7] – يقصد به تجمع أفراد حول كتلة معرفية ( تخصص نظري) يشكل “جماعة علمية”، والتجمع حول كتلة العقيدة ( مذهب) يشكل جماعة دوغمائية، والتجمع حول كتلة من الآراء ( الدفاع عن طرف) تشكل “جماعة مناصرة”، والتجمع حول كتلة من التقديرات تشكل “جماعة أخلاقية ” قارّة حول متخيل عاطفي.

[8] –  يزعم اريك جورج، Éric George ، أن ايف دلهاي وبرنار مياج نحتا هذه الأطروحة في نقدهما لمفهوم المجال العمومي الهبرماسي. وقد ارتكز عليها إريك جورج  في قراءته للمجال العمومي – أنظر:

Éric George: Du concept d’espace public à celui de relations publiques généralisées; consulté le 13/3/2016, URL; http://commposite.org/v1/99.1/articles/george4.htm

[9] – ينسب Thierry Baqout هذا الوصف إلى هابرماس- أنظر:

Thierry Baqout ( 2009): l’espace public; éditions la découverte; Paris; p 25

[10] –  هذه الصيغة نحتها الباحث مانويل كاستلز، وهي كلمة مركبة يقصد بها الاتصال الجماهيري الذي يملك القدرة على الوصول إلى جمهور عالمي مثل شريط فيديو في موقع يوتيوب أو نشر من جهة، واتصال ذاتي من جهة أخرى حيث يتم إنتاج الرسائل ذاتيا و تحديد متلقيها يتم ذاتيا –  أنظر: مانويل كاستلز: ) 2014 ( سلطة الاتصال ، ترجمة  محمد حرفوش، المركز القومي للترجمة، مصر ، ص  92

[11] – يذكر على سبيل المثال أن موقع غوغل بين في دراسته المنشورة في أواخر 2010 أن معدل تصفح الانترنت لدى شريحة واسعة من مستخدمي الانترنت  في المملكة السعودية  فاقت مشاهدة التلفزيون  بمعدل ساعتين يوميا.- أنظر: عبد السلام بن عبد العالي ) 2012 ( :  الشباب ، التشبيك وثقافة التواصل والتغيير السياسي، منشور في كتاب جماعي بعنوان، الإنفجار العربي الكبير، في الأبعاد الثقافيّة والسّياسيّة ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ،  ص 87

[12] –  لتوضيح هذه الفكرة يمكن الرجوع إلى  نصر الدين لعياضي  2012( : الشباب الجزائري والتهميش الإعلامي وأساليب الالتفاف عليه، كتاب باحثات، صادر عن تجمع الباحثات اللبنانيات في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد 15.

[13] – لا يمكن أن نغفل هذه الحقيقة في بلد مثل الجزائر، لكن ما يلفت النظر أكثر هو محاولة السلطة مصادرة مختلف المجالات واستغلالها : وسائل الإعلام، المساجد، الزوايا، الأندية الرياضية، الجامعات، وغيرها من أجل إخماد أي صوت لا يعدّ صدى لصوتها باتهامه بالخيانة والعمالة للأجنبي-  االجملة التي تتواتر باستمرار لوصف المواقف والآراء المعارضة بأنها تحركها أيادي أجنبية”. ربما الأمر يعود إلى غياب مفهوم ” المنافس، الغريم” في القاموس السياسي الجزائري ، وفق ما ذهب إليه بعض الباحثين الجزائريين، مثل على الكنز.

[14] –  يستعرض الباحثان  Fabienne Martin-Juchat  و Julien Pierre  مختلف أشكال الرقابة والتلصص التي تمارس على المضامين المتداولة في شبكة الانترنت ومختلف المنصات الرقمية، ويؤكدان على تطور شكلها ضمن ما يسميانه بــ ” القبول الحر بالمراقبة.- أنظر :Fabienne Martin-Juchat et Julien Pierre : Facebook et les sites de socialisation :une surveillance librement consentie in Béatrice Galinon-Mélénec ( sous la direction) 2011: L’Homme trace Perspectives anthropologiques des traces contemporaines, CNRS Editions, Paris, p 105- 123

[15] – لمزيد من الشرح حول هذه النقطة يمكن الرجوع إلى:  نصر الدين لعياضي ) 2017) “برامج تلفزيون الواقع وإرهاصات التحوّل في بنية المجال العمومي في الجزائر، صدر في كتاب جماعي بعنوان: الإعلام العربي ورهانات التغيير في ظل التحوّلات، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت )  ص 83- 100(

[16] – لتوضيح هذه الفكرة اكثر، أنظر: نصر الدين لعياضي )  2015) :  صورة المعارضة الجزائرية في الإعلام الرسمي: الواقع والتمثلات، مسترجعة بتاريخ 22/3/2017  من الموقع:  studies.aljazeera.net/ar/mediastudies/…/201552111334528673.htm.

2- البحث العلمي في علوم الإعلام  والاتصال في المنطقة العربية وغياب الأفق النظري ، مجلة المستقبل العربي العدد 450: آب/آغسطس 2016  

3-  الصحافة الجزائرية في بيئة الواب : إرهاصات التغيير ،  المجلة الجزائرة للعلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة الجزائر 3، العدد السادس، جوان  2016  ص  171- 193

 4- أزمة، نهاية، فوضى أو “نشأة مستأنفة”: محاولة فهم التحولات التي تعيشها الصحافة وتأويلها ، مجلة سمات، كلية العلوم الاجتماعية والانسانية ، جامعة البحرين، المجلد  4- العدد 1 -السنة 2016

5-المثقف ووسائل الإعلام: رهانات الإمتاع والمؤانسة، مجلة اتحاد الإذاعات العربية- تونس، عدد 3 -2015

النقر للوصول إلى ASBU_rev_2015_03.pdf

6-مواقع الشبكات الاجتماعية في المنطقة العربية بين الابستيمولوجيا والايديولوجيا، مجلة إضافات، المجلة العربية لعلم الاجتماع، مجلة أكاديمية فصلية محكمة، عددان 29-30 ، شتاء-ربيع 2015  ص 227- 240

7- وسائط جديدة وإشكاليات قديمة: التفكير في عدة التفكير في مواقع الشبكات الاجتماعية في المنطقة العربية، المجلة الجزائرية للاتصال، كلية الاتصال، جامعة الجزائر 3 ، العدد 22 السنة 2014، ص 117 – 159
ملخص:
يتناول هذا البحث بالنقد الدراسات التي تطرقت إلى مواقع الشبكات الاجتماعية في المنطقة العربية متسائلا عن اضافاتها العلمية في علوم الإعلام والاتصال. فحاول أن يرفع اللبس عن تعدد الأسماء التي حاولت أن تعبر عنها. واستعرض أهم المقاربات النظرية والمنهجية التي اعتمدت عليها مبينا حدودها العلمية. ونقاش أهم المفاهيم التي استخدمتها هذه الدراسات مثل: التفاعلية، وصحافة المواطن، والفضاء العمومي، ورأسمال الاجتماعي. ويبيّن الرهانات المعرفية لاستعمالها لأن كل مفهوم ينبثق عن تصور معين لهذه المواقع. ولأن نقل هذه المفاهيم من سياق اجتماعي وثقافي إلى بيئة عربية اسلامية يطرح الكثير من الإشكاليات.
الكلمات المفتاحية: مواقع الشبكات الاجتماعية، التفاعلية، صحافة المواطن، الفضاء العمومي، راسمال الاجتماعي، الميديا الجديدة.

Theoretical and Methodological Approaches to Social Network Sites in the Arab Region

Abstract: This paper critically looks at the studies that investigated the Social Network Sites in the Arab region asking whether they made a practical addition to the field of information and Communication sciences or not. The paper tried to lift the ambiguity of the variety of names , as well as the most important theoretical and methodological approaches used by these studies highlighting its scientific limitations. The paper discussed the most important concepts used by these studies such as: Interactivity, Citizen Journalism, Public Sphere and Social Capital and showed the problems of using them because each concept comes out of a specific view to these websites. The importation of these concepts from a cultural and social context to an Arab Islamic environment raises so many issues and problems.
Key Words: Social Network Sites, Interactivity, Citizen Journalism, Public Sphere Social Capital, New Media

8- الفصاء التدويني العربي واستراتيجية بناء الذات وسردها، مجلة الباحث الإعلامي، كلية الإعلام، جامعة بغداد، العدد 18 السنة 2013، ص 93-73
الملخص:
اهتم البحث العلمي بالمدونات الإلكترونية لدورها في ممارسة الديمقراطية في المنطقة العربية، من جهة، ولاعتبارها وسيلة إعلام بديلة تعمل على ضمان حرية التعبير وتطويرها من جهة أخرى. وتجاهل مكانتها في الحقل الاجتماعي والثقافي.
يحاول هذا البحث أن يكشف عن الأبعاد الاجتماعية والثقافية للفضاء التدويني في المنطقة العربية من خلال تحليل استراتيجية المدونات الإلكترونية في بناء الذات وسردها. ولهذا الغرض قام بجملة من المقابلات مع المدونين. وحاول أن يقترب سيمائيا من شكل المدونات ومضمونها. وسعى إلى تحدد تأثير العلاقات الاجتماعية القائمة في الواقع اليومي على الفضاء التدويني.
الكلمات المفتاحية: الفضاء التدويني، وسائل الإعلام الجديدة، بناء الذات، السيرة الذاتية

The Arab Blog Sphere and the Strategies of Building the Self.

Basically, media studies focused on the important role of the blogs in boosting the democratic process in the Arab States. Blogs also worked on creating an alternative media for the public that maintained freedom of expression
However, media studies ignored the status of the blogs in the social and cultural fields.
The current study tries to tackle the socio-cultural dimensions of the blogs by means of showing how the blogs construct the self. The researcher is going to conduct interviews with the bloggers. He will also carry out a semiotic analysis that may reveal the strategies used by the bloggers. Besides, he tries to identify the realistic and traditional frames in which the social relationships are built and developed by means of these blogs.
Key Words: blogsphere, new media, Building the Self, diary
النص الكامل:
http://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&aId=68846-

9- الشباب الجزائري والتهميش الإعلامي وأساليب الالتفاف عليه، كتاب باحثات، صادر عن تجمع الباحثات اللبنانيات في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد 15، سبتمبر 2012
ملخص:
يشعر الشباب الجزائري بتهميشهم أو إقصائهم من وسائل الإعلام الجزائرية الرسمية، وبقلة حضورهم في الصحف الجزائرية التابعة للقطاع الخاص نتيجة توجهها التجاري، وانشغالها المفرط بالصراع حول السلطة بين مختلف القوى السياسية ودوائر النفوذ في الجزائر. هذا الشعور دفعهم إلى البحث عن البديل الاتصالي والإعلامي للتعبير عن ذاته وانشغالاته.
إن التفكير العلمي في هذا البديل وتشخيصه يتطلب البحث في المستويات المتداخلة الأربعة التالية، وهي:
1- الاقتراب من البناء الاجتماعي لمفهوم الشباب في السياق الثقافي والاجتماعي الجزائري.
2- تحديد معنى التهميش أو الإقصاء الاجتماعي نظرا لأن التهميش الإعلامي هو إحدى تجليات التهميش الاجتماعي.
3- التهميش الإعلامي الذي عاني ويعاني منه الشباب الجزائري و إطاره النظري وآلياته
4- أشكال الالتفاف على هذا التهميش أو إستراتجية البديل الاتصالي والإعلامي.
إن دراسة هذه المستويات يتطلب قراءة سوسيو سيمائية للمواد الإخبارية التي أنتجتها وسائل الإعلام المختلفة، خاصة التلفزيون. لكن لماذا المواد الإخبارية؟ ولماذا سوسيو سيمائية؟
للإجابة عن السؤال الأول يمكن القول أن العديد من البحوث حاولت استجلاء علاقة الشباب بوسائل الإعلام من خلال عملية التأثير التي كشفت عن حدودها العلمية، وذلك لتوجه جزء كبير منها لاستنباط هذا التأثير من خلال متابعتهم لهذا البرنامج الإذاعي والتلفزيوني أو ذاك. وبهذا يبرز التأثير كتحصيل حاصل لفعل شرطي وحيد، وهو المشاهدة أو الاستماع. ومن النادر أن نعثر على دراسة في المنطقة العربية تحاول أن تبحث عن الوجود الفعلي أو الرمزي للشباب من خلال الأخبار، على غرار ما فعل ماكسيم دووي Maxime Douet في مصفوفة قراءته لمعالجة قضايا الشباب في الإعلام التلفزيوني الفرنسي.
لقد قام الباحث بتطوير هذه المصفوفة بما يتناغم مع السياق الجزائري. وذلك لأن المادة الإخبارية تبنى وفق سلم من التمثلات Representation للشباب والمجتمع ووسائل الإعلام. لذا نعتقد أن المقاربة السيوسيو سيميائية تسمح للباحث بتفكيك أفضل للإيديولوجية الرسمية التي تتجلى في الخطاب الإعلامي الحامل لهذه التمثلات. هذا مع العلم أن فاعلية هذه المقاربة تشترط تنزيل السيمولوجية إلى أرضية اجتماعية حتى تتحرر من عملية بناء المعنى أو تشكيله من داخل النص الإعلامي فقط، ومن قوته المحايثة.
لهذا الغرض اختار الباحث عينة عشوائية منتظمة من نشرات الأخبار المصورة المركزية التي بثها التلفزيون الجزائري على الساعة الثامنة بعد الزوال خلال الفترة الممتدة من 19 / 6 إلى 20/7 /2011 ، وشكل منها أسبوعا اصطناعيا بحيث يضمن ظهور مختلف أيام الأسبوع في العينة المدروسة .
لقد سمح لنا تحليل نشرات الأخبار، وبرنامجين تلفزيونين قام التلفزيون الجزائري ببثهما من أجل استقطاب الشباب، وهم: قصر الأبطال، و” جيل الشباب” باستنتاج مجموعة من الأشكال التي سعى التلفزيون الجزائري من خلالها إلى تهميش الشباب في الفضاء الإعلامي الرسمي. وعلى أسس هذه الأشكال حدد هؤلاء الشباب إستراتيجية الالتفاف على هذا التهميش، والبحث عن البديل الاتصالي والإعلامي.
إن فهم هذا البديل بشكل علمي يتطلب عدم فصله عن الأشكال الثقافية التي يعبر من خلالها الشباب عن وجوده والتي قام هذا البحث باستعراضها. وربطه باستملاك Appropriation الشباب لأدوات التواصل الاجتماعي التي رسختها تطبيقات الواب 2 Web .
الكلمات المفتاحية:
التهميش الإعلامي، الإقصاء الاجتماعي، الشباب، التمثل Representation ، الاستملاك Approriation، الشعبوية، صحافة المواطن Citizen Journalism

10- المواقع الإلكترونية للفضائيات العربية في شبكة الانترنت بين الدواعي والتداعيات، مجلة ” المعيار” بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة – الجزائر، عدد 25- سبتمبر 2012
ملخص:
تسعى هذه الدراسة إلى البحث عن الأسباب التي أدت إلى توجه القنوات التلفزيونية العربية إلى إنشاء مواقع لها في شبكة الانترنت، والنتائج المترتبة عنها على صعيد صياغة هوية Identity القناة وتمثلها Representation لجمهورها. وهذا من خلال تحليل محتوى عينة من مواقع هذه القنوات، والكشف عن الملامح السوسيو- ديمغرافية لمستخدمي مواقعها.
وتكمن أهمية هذه الدراسة في أن التنافس بين القنوات التلفزيونية العربية لكسب أكبر عدد من الجمهور لم يعد مقتصرا على البث الفضائي فقط، بل امتدت إلى حضورها في شبكة الانترنت وما توفره من أشكال جديدة للتواصل مع الجمهور.
الكلمات المفتاحية: التلفزيون، الهوية، التمثل، الجمهور، التفاعل.

Abstract :

The Internet Arab TV Channels:
A critical analytical study of the uses & consequences
Dr Nacer-Eddine Layadi, Associate professor, Sharjah University

The current study endeavors to seek for the reasons that led to setting up the Internet websites of the Arab TV channels. The researcher aims also to examine the consequences of launching these websites on the identity of the channels and the representation of the audience.
The research utilizes a content analysis method to figure out the socio-demographic characteristics of the users of these channels.
The importance of the study stems from the competitive attitudes of the said channels to attract not only the TV satellite channels’ viewers but also the online users. Hence, this would represent a new form of communicating with the audience.
Key words:
Television, representation, interactivity, Identity

11-الشباب في دولة الإمارات والانترنت، المجلة العربية لعلوم الإعلام، المملكة العربية السعودية، عدد 8 ابريل 2012
ملخص
يتناول هذا البحث موضوع استخدام الشباب في دولة الإمارات العربية المتحدة للانترنت وتمثّلاتهم لها. وقد اعتمد على عينة تمثيلية من الشباب بغية الكشف عن أوجه استخدام التطبيقات التي تتيحها. وفهم مدى التوافق والاختلاف في هذا استخدام، وذلك انطلاقا من الافتراض الذي مفاده أن امتلاك الأداة التقنية لا يؤدي بالضرورة إلى توحيد استخدامها آليا، بل تتدخل فيه مجموعة من المتغيرات الاجتماعية والثقافية.
ويؤكد هذا البحث أن استخدام الانترنت مرتبط إلى حد كبير بما تمثّله للشباب. وضمن هذا التمثّل يسعى هذا البحث إلى الإجابة عن العديد من الأسئلة، لعل أبرزها، هي: هل تعمل شبكات التواصل الاجتماعي الافتراضيةNetworks Social على تشكيل علاقات اجتماعية جديدة في وسط الشباب في دولة الإمارات أو أنها تعيد إنتاج العلاقات الاجتماعية القائمة، وتوسع انتشارها فقط؟
الكلمات المفتاحية:
شبكات التواصل الاجتماعي، الاستخدام، التمثل، العلاقات الاجتماعية، الشباب، البنائية

Youth in the United Arab Emirates and the Internet: A representation and Uses Approach
Dr Nacer-Eddine Layadi, associate Professor , Sharjah University

Abstract:
This study looks at the use of Internet by youth in the United Arab Emirates and their representation of it. The researcher used a representative sample of youth to discover the applications provided by Internet, and to understand what are the compatibilities and the differences in using them, assuming that owning the technological device doesn’t lead automatically to unifying and automating the use of applications, because of the intrusion of a score of social and cultural variables. This paper argues that the use of Internet is linked to a large extent to what it represents to the youth.
Within this representation, this paper attempts to answer several questions, the most important of them are: Do virtual social networks build new social relations among youth in the United Arab Emirates? , or do they reproduce existing social relations, and extend its expansion?
Key Words: Social networks, use, representation, social relations, youth, constructivism.

12- رهانات تدريس الأنواع الصحفية في المنطقة العربية في ظل الشبكات الاجتماعية الافتراضية، مجلة جامعة الشارقة للعلوم الاجتماعية والانسانية، المجلد 8، العدد 2، يونيو 2011، ص ( 87-139)
ملخص:
يستعرض الباحث تجربة بعض أقسام الإعلام وكلياته ومعاهده في المنطقة العربية في مجال تدريس الأنواع الصحفية Journalistic Genres من ناحية المضمون، والمدة الزمنية، وطرق التدريس.
وحاول أن يكشف عن حدود هذا التدريس من ناحية تناسق مساقاته عبر مراحل التعليم الجامعي، وغياب بعض الأنواع الصحفية في الخطط الدراسية ، وبيّن الحدود المعرفية في هذا التدريس على ضوء التغييرات الكبرى الذي يعيشها عالم الإعلام والاتصال ، والتي طرحت الكثير من التساؤلات عن هوية الصحافي ودوره، و مكانة الجمهور المشارك بفاعلية في العملية الإعلامية التي تتسم بالتفاعلية، والتغيير الحاصل في مفهوم النص الصحفي وأشكال بنائه.
لقد سعت أقسام الإعلام وكلياته ومعاهده في المنطقة العربية لتلبية حاجات سوق العمل من خلال ربط البعدين النظري والعملي في تعليم الصحافيين. هذا ما يثبته تزودها بمختبرات المكنتوش واستوديوهات الإذاعات والتلفزيون. لكن هذا المسعى يظل يعاني من عدة نقائص منها، هشاشة التعاون بين الأكاديميين والمهنيين في مجال تعليم الصحافيين من جهة، وسقوط مؤسسات التعليم الجامعي في الامتثال، بمعنى أنها تعيد إنتاج قوالب الكتابة الصحفية ذاتها، وكأنها قوالب جامدة لا تتطور بتطور متغيرات العمل الإعلامي، كما تكشف عنه الممارسة الإعلامية الحديثة في العالم وفي المنطقة العربية ذاتها.
و يبرهن الباحث على أن تدريس الأنواع الصحفية تحول في بعض أقسام الإعلام وكلياته في المنطقة العربية إلى مسألة تقنية أو شكلية. لا يستفيد من الزاد المعرفي في مجال سوسيولوجية وسيميولوجية الإعلام والاتصال، واقتصاد المؤسسات الإعلامية، وفلسفة الاتصال في ظل الشبكات الاجتماعية في الانترنت.
الكلمات المفتاحية: النوع الصحفي، الأنواع الإخبارية، الأنواع الصحفية الفكرية، البراديغم الصحفي، الحقل الصحفي، النص.

The challenges of teaching Journalistic Genres between the stability and the change

ABSTRACT:
The researcher aims to study the experiments of some mass communication departments and colleges in the Arab countries in the pedagogical of the journalistic genres in terms of content, span of time, and teaching methods.
Based on the previous, the researcher tries to identify certain parameters of the college level education. For example, there is a need for examining the journalistic genres in the curriculum plans. Also, there is need for figuring out the epistemological boundaries in the educational process and how does this relate to the new changes in the field of mass media studies. Other areas of inspection include the: identity of the contemporary journalist, interactivity, and the changing nature and structure of the journalistic text.
.Even though many of the media schools and departments try the best to supply the market with well-trained media personnel, still many obstacles appear recurring in the field. First, there is no reciprocal cooperation between scholars of communication and media studies on the one hand and professional media personnel on the other hand in educating journalists. Second, many of the schools and departments of media studies do not offer innovative courses that meet the requirements of new media organizations in the Arab World.
Thus, the researcher demonstrates that the teaching of journalistic genres became a technical issue that benefits neither the scientific contributions of sociology and semiotics of mass media or the philosophy of communication in the age of social networks.

Key Words: Journalistic Genres, Informative Genres, Editorial Genres, Journalistic Field, text, Journalistic Paradigm

النص الكامل على الرابط:

http://www.sharjah.ac.ae/ar/Media/Publications/JournalHSS/Pages/v8.aspx
13- فضاء عمومي أو مخيال إعلامي: مقاربة نظرية نظرية لتمثَل التلفزيون في المنطقة العربية، نشر في حولية الأداب والعلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، عدد 336، مجلد 31، يونيو 2011 ( ص 7- 125)
ملخص :
يستعرض هذا البحث مصادر مفهوم الفضاء العمومي، و استخداماته المختلفة في العلوم الاجتماعية منذ أن بيّن الفيلسوف الألماني يوغن هبرماس أهميته في تطور الحياة السياسية والثقافية في الدول الديمقراطية، في الستينيات من القرن الماضي.
ويحاول أن يبين الحدود الابستمولوجية لهذا المفهوم في العصر الحالي، والتي كشف عنها التطور الرهيب لوسائل الاتصال، سواء الجماهيرية أو الفردية، والتحولات الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى التي أثرت على الفعل السياسي و العلاقات الاجتماعية فمحت الحدود بين الحياة الخاصة والعامة في المجتمعات الديمقراطية.
إن النقد الذي وُجه إلى مفهوم الفضاء العمومي، كما حدده الفيلسوف الألماني يوغن هبرماس، يرتكز على القراءة المثالية لدور الفضاء العمومي في الديمقراطيات الحديثة، التي تضخم دور العقل والحجة في تطوره، وتنكر مساهمة أشكال الخطب غير الجدالية والعقلانية، القائمة على السرد والأسطورة، في تشكل الفضاء العمومي. وتراه في صيغته الفريدة والمركزية، وتعتبره ظاهرة عقلانية. وتغفل، بالتالي، دور الفضاءات العمومية الشعبية.
ويتساءل هذا البحث عن إمكانية الحديث عن وجود ” فضاء عمومي في المنطقة العربية في ظل هشاشة أو غياب العناصر الأساسية التي شكلته، مثل: المجتمع المدني، والمواطنة، والحرية والديمقراطية، والمشاركة السياسية، والخدمة العمومية في مجال الإعلام، والفصل بين ما هو خاص وما هو عام. وعلى ضوء هذه الحقيقة يقترب هذا البحث من رهانات الحديث المجتر عن فضاء عمومي عربي ليستجلي أثارها على الخطاب العلمي عن التلفزيون في المنطقة العربية وتمثُلاته التي ظلت أسيرة الخطاب اليقيني المهيمن، الذي يمنح للتلفزيون قوة وسلطة نادرا ما تناقش بشكل علمي.
ويستعرض هذا البحث جملة من الحجج التي ترافع لصالح استعمال مفهوم” المخيال الإعلامي” وتبيّن أنه الأصلح للتعبير عن ما يعتقد أنه فضاء عمومي في السياق الثقافي والسياسي العربي عبر الكشف عن كيفية تدخل المواد التلفزيونية المختلفة القائمة على السرد الإخباري أو الدرامي في تشكيل المخيال الإعلامي.
الكلمات المفتاحية: الفضاء العمومي، المجتمع المدني، المواطنة، الخدمة العامة، المخيال الإعلامي، التمثل، الرأي العام، السرد، الأسطورة، التوسط

Public space or imaginary media?
Theoretical approach to the representation
of television in the Arab world.

Abstract:

This study attempts to identify sources of the concept of public space since the time of the “philosophy of enlightment”. The concept has been used in the social sciences since the German philosopher Habermas Jurgan has demonstrated its invaluable role in the rise of modern democracies.

This study highlighted the epistemological limits of this concept revealed by the evolution of means of mass and individual communication and economic transformations that have changed social relations and political action in modern societies, erasing the boundaries between public and private life.
Critics including the public space, as defined by Habermas, have been the subject that focused on the following:
(1): the idealization of the role of public space that will privatize more in modern democratic societies;
(2): overestimation of the contribution of rational discourse in its training, as (3): failure of other forms of popular public spaces based on non-discursive discourse (narrative, myths), which equates the only public space central to a rational phenomenon.
This study questions the validity of the concept of public space in the Arab world in light of the fragility, if not the absence of certain constituent elements, such as: civil society, citizenship, participation policy in managing the city, freedom and democracy, the public service in the media sector, and the separation between the public and private sectors.

This study concluded that the concept of public space is more ideological than scientific in the Arab world. This is why it prefers to use the concept of “imaginary media” which can be operational within the Arab cultural and political context. To achieve this, it retraces the context of development of television channels in
the Arab world and analyzes the contribution of rational and emotional discourses which illustrated clearly through the narration, in the rise of this “imaginary media” and its challenges.

Key-words: public space, Civil Society, citizenship, public service, imaginary media, representation, public opinion, narration, myth, mediation.

14-البحث عن العلاقة بين المدونات الالكترونية والصحافة، مجلة ثقافات، كلية الآداب بجامعة البحرين.، عدد 24، يونيو 2011 ص( 133-165)
ملخص:
تحاول هذه الدراسة أن تستجلي العلاقة بين الصحافة والمدونات الإلكترونية بعيدا عن منطق النهايات الذي وجه العديد من البحوث الاجتماعية، بما فيها بحوث الإعلام والاتصال، وبمنأى عن النظرة الإقصائية التي لا ترى مستقبلا للصحافة في ظل تطور المدونات وازدهارها.
إن الاكتشاف المعرفي لطبيعة هذه العلاقة يشترط استبدال المنظور Paradigm الذي نقرأ عبره التحولات التي تعيشها الصحافة في الحاضر والمستقبل. فإذا كان من الصعب أن نسحب ماضي الصحافة على واقعها ومستقبلها، فمن الأصعب أن نستخدم المنظور القديم لفهم ما تعيشه الصحافة من تطورات. وذلك لأن الصحافة ليست معطى مجردا، ولا كائنا جامدا. إنها شكل ملموس وديناميكي يتفاعل مع الايكولوجيا الجديدة التي فرضها الإعلام الجديد، الذي يعد افرازا لتطور تقني واجتماعي يتسم باستشراء التكنولوجية الرقمية بمختلف تطبيقاتها واستتباعاتها في عالم الإعلام والاتصال.
إن الصحافة عبارة عن بناء اجتماعي يتجلى عبر تطور الممارسة في مختلف مستوياتها. هذه الحقيقة تفرضها المقاربة البنائية للصحافة كخطاب، وكمؤسسة اقتصادية وسياسية، وكحزمة من العلاقات الاجتماعية.
إن المقاربة البنائية لتطور الصحافة قربت الباحث من رصد أنواع المدونات ومقاصدها، وإستراتيجية استخدام وسائل الإعلام المختلفة لها في الدول الغربية.
كما أن هذه المقاربة قدمت بعض العناصر التاريخية والثقافية والسياسية الكفيلة بتفسير ضعف التفاعل بين الصحافة والمدونات الإلكترونية في المنطقة العربية.
الكلمات المفتاحية:
صحافة، المدونة الإلكترونية، الخطاب، البنائية الاجتماعية، المنظور Paradigm

Blogs and Journalism

Abstract

The current study theoretically endeavours to sketch out the future of journalism within the emerging frames of the new of the new media. Based on this, the researcher has already developed the following core questions:

How can communication researchers forecast the justifiable future of journalism apart from its abstract concept?

Can scholars conceive of the present day journalism as they did before using the traditional paradigm?

Is it viable to trace the power of relationship between the blogs and the present day journalism irrespective of any sort of denial or exclusion?

Are the blogs inducing any sort of effect on the present day journalism even though blogging is still technologically not sophisticated, and so on the cultural and ontological levels?

To answer all these questions, there seems to be a need for looking after the consequences of blogging in accordance with the journalistic paradigm.

Hence, the journalistic paradigm enables communication scholars to trace back the development of the press over 400 years. In the mean time, scholars will find themselves confronted with the fact that journalism over the long history is not a static genre. However, it looks renovating itself. In addition, it becomes evident that the present day journalism is different from blogging in many different ways.

Actually, constructivism has led to the emerging development of the “journalistic paradigm.” It intensifies that journalism as a genre is not a socio-cultural or political phenomenon; however it is an open system that is institutionally teeming up with functions, discourses, and ideas.

Finally, the current study concludes that there seems to be a sort of difficulty in terms of the reciprocal interaction between the genre of journalism and blogging especially in the Arab arena but not in the Western one.

Key words:
Journalism, Blog, discourse, paradigm, social constructivism

15-الاتصال والسيمئيات: استراتيجية بناء المعنى، مجلة الباحث الاجتماعي، كلية العلوم الاجتماعية، جامعة منتوري، قسنطينة، الجزائر، عدد 10 سبتمبر 2010، ص ( 39-68)
ونشر بمجالة الاتصال والتنمية، مجلة بحثية محكمة، تعنى بشؤون الاتصال والتنمية في المجال العربي، تصدر عن المركز العربي لبحوث الاتصال والتنمية ( ACCDR) ودار النهضة العربية، العدد الأول، 2010
ملخــص:
بدأت الدراسات الاتصالية والإعلامية تنأى عن الإشكاليات المرتبطة بتأثير وسائل الاتصال الجماهيرية أو الفردية، وبدأت تتجه أكثر للاهتمام بإشكالية معنى ما تقدمه هذه الوسائل. فإدراك ماهية الاتصال ورهاناته لم تعد محصورة في المستوى البسيط، والمتمثل في تبادل المعلومات والرسائل بين المرسل والمتلقي، وحتى في اقتسامها، بل أصبح يرتبط بإنتاجهما للمعنى من الرسائل، والرموز، والصور، والتجارب المتبادلة بينهما.
تحاول هذه الدراسة مساءلة البنيوية والسيميائية من زاوية مساهمتهما في إثراء النقاش حول الاتصال وإنتاج المعنى.
لتحقيق ذلك قامت هذه الدراسة بتعريف البنيوية والسيميائية، وتقديم مفاهيمهما المشتركة، مثل: الكلام/ اللسان، والدال/ المدلول، التزامني/ التعاقبي، العلامة/المرجع. وبيّنت الآليات التي توظفاها لاستخراج المعنى انطلاقا من أسس فلسفية مختلفة.
وانتهت إلى التأكيد أن البنيوية والسيميائية لم تفلتا من المشاكل الكلاسيكية التي عانت منها العلوم الاجتماعية، والمتمثلة في العلاقة النظرية القائمة بين الذات كفاعل والبُنى الاجتماعية.
وتساءلت هذه الدراسة عن فرص توظيف المكتسبات العلمية للبنيوية والسيميائية لإثراء نظريات التلقي في دراسات علوم الإعلام والاتصال.

الكلمات المفتاحية: البنيوية، البنية، السيميائية، اللسان، الكلام، التزامن، التعاقب، الدال، المدلول،العلامة، المرجع النص، السياق، الخطاب،

Communication and Semiotics:
Strategies for creating meaning

Abstract

Indeed, media and communication studies started to focus on the meanings produced by the mass media rather than studying the effects of mass or self communication processes.

Basically, the essence of the communication process does not still exist in the old paradigm of sender-receiver but rather extends to the production of meanings, symbols and images. All of these intermingle to produce reciprocal experiences.

The current study reconsiders the role of structuralism and semiotics in consolidating the discussion around communication and meaning production.

Many concepts have been operationally defined like: language/speech, signified/signifier, and synchronic/ anachronistic, Sign, Referent

Furthermore, mechanisms have been to extract meaning out of the diverse philosophical principles.

Results showed that structuralism and semiotics did not evade from the same problems that faced the social sciences as represented in the relationship of the social actor and the overall social system.

The current study proclaimed that there are possible chances to incorporate structuralism and semiotics in theoretical reception research in media and communication studies.

Key words: Structuralism, Structure, Semiotics, Language, Speech, Signified, Signifier, Synchronic, Anachronistic, sign, referent, Text, Context, Discourse

النص الكامل:

النقر للوصول إلى 03%20layadi.pdf

16- الرهانات الابستمولوجية والفلسفية للبحث الكيفي: نحو آفاق جديدة لبحوث الإعلام والاتصال في المنطقة العربية “، مجلة شؤون اجتماعية، مجلة علمية محكمة، تصدر عن الجامعة الأمريكية بالشارقة، وجمعية الاجتماعيين والاقتصاديين بالإمارات، عدد 107، 2010

الملخص:
أعتاد البحث العلمي في مجال العلوم الاجتماعية والانسانية أن يفكر من خلال المنهج، بينما تحاول هذه المداخلة أن تفكر في المنهج، لأنها تعتقد أن القيمة المعرفية المضافة تتوقف، أساسا، على عمق التساؤل والتفكر في المنهج أولا.
إن النقاش النظري والمعرفي الذي دار بين مناصري المذهب الكمي والنوعي في الستينيات من القرن الماضي، قد تجدد في مطلع هذا القرن على ضوء تطور الأطروحات التي صاغها أصحاب النموذجين التفسيريين Paradigms : الوضعي Positivism والبنائي Constructivism . وأزداد حيوية بعد أن اتسع نطاق استخدام وسائل الاتصال الجديدة.
لقد وضعت هذه الوسائل، عبر مسار ديناميكتها، العديد من القضايا المتعلقة بالاتصال والإعلام، والعلاقات الاجتماعية والثقافية الفعلية والافتراضية ، والفضاء الرمزي، ومختلف التمثلات Representations للعُدّة التكنولوجية التي تتوسط مستخدميها موضع تساؤل علمي. فأرغمت علوم الإعلام والاتصال على توسيع مجال إشغالاتها، وتطوير إشكالياتها المعرفية، وتنويع ومقارباتها المنهجية التي آلت إلى توجيه النقاش الأكاديمي ليتجاوز شكلانية مناهج البحوث ويصب في جوهرها.
يدعو هذا البحث إلى مُساءلة الأسس الفكرية والابستمولوجية للمنهج الكيفي، كمقاربة منهجية مركزية في البحوث العلمية حول وسائل الاتصال الحديثة، ويستدعي التفكير في أدوات البحث والقياس في البحث العلمي، ومفهوم الموضوعية والحياد، والرؤية للقيم والأحداث، وغائية البحث العلمي في حد ذاته.
تؤكد هذه المُساءَلة أنه لا يمكن أن تبلغ مقصدها الابستمولوجي ما لم تقم بتفكيك بعض الثنائيات التي طبعت الفكر الاجتماعي، والتي نذكر منها: التأمل / الفعل أو الممارسة، النظرة للظاهرة الإعلامية أو الاتصالية من داخلها / والنظرة لها من خارجها، والموضوعية / الذاتية، وغيرها من الثنائيات.
ويختتم هذا البحث بالتفكير في الأسباب الكامنة وراء الاستخدام المحدود للمنهج الكيفي في بحوث الإعلام والاتصال الحديثة في المنطقة العربية، وعن رهاناتها المعرفية والفكرية، في ظل تزايد البحوث الكمية التي تحاول أن تدرس التبعات الاجتماعية و السياسية والثقافية و الإعلامية للتكنولوجيا الحديثة في كل دولة عربية أو في المنطقة العربية ككل.
الكلمات المفتاحية: المنهج الكيفي /المنهج الكمي / البنائية الاجتماعية / الموضوعية والحياد /المشاركة والفعل.

The Epistemological and Philosophical Aspects of the Qualitative Method: Towards a new Perspectives in Media
and Communication Research in the Arab World.

ABSTRACT

We deal with certain problematic of communication using a specific methodology. This study suggests reconsidering the different approaches related to this methodology.
In order to reach a global methodology, the philosophical and epistemological foundations of the use of both quantitative and qualitative methods, must be explained and assessed. Furthermore, the study will help us to understand better the ambitions and the limitations of the current quantitative methods in media and communication research.
The paper proposes some analytical approaches to the qualitative method used in conducting media and communication research. It also highlights the drawbacks of representation, appropriation, and the use of new media in the Arab World.
Keywords:
Quantitative method, qualitative method, constructivism, positivism, Representation, appropriation, usage

النص الكامل:
http://www.nmconf.uob.edu.bh/download/arabic_articles/ 01.pdf

17- وسائل الإعلام واستراتيجيات البناء الاجتماعي للأزمات
د. نصر الدين لعياضي، مجلة الحكمة عدد 6- 2011

ملخص:
تحاول هذه الدراسة أن تساهم في النقاش النظري الذي أحتد منذ أكثر من أربعة عقود، حول موقع البنائية في العلوم الاجتماعية، من خلال استعراض أشكال تمثل represention الواقع في وسائل الإعلام، والاستراتيجيات المختلفة التي توظف لهذه الغاية.
لقد بينت البحوث العلمية أن تحليل الخطاب لا يهتم بالكلمات في حد ذاتها بقدر اهتمامه بالإستراتيجية التي توظفها التي تتجلى عبرها عملية بناء الواقع.
في هذا الإطار النظري يتسأل الباحث عن الآليات التي تستند إليها وسائل الإعلام المختلفة في البناء الاجتماعي للأزمات، متخذا من حالتي: فيروس H1N1 والكارثة البيئية التي جرت في خليج المكسيك في أبريل 2010 نموذجا لتحويل الحدث إعلاميا إلى أزمة، وتحجيم الأزمة وتصغيرها إعلاميا لتتحول إلى حدث.
الكلمات المفتاحية:
الحدث، الأزمة، التمثل، الوساطة، الخطاب.
Abstract:
Mass Communication Strategies and the Social Construction of Crises
This study endeavors to discuss the long term debate around the status of social construction in the field of social sciences. It does so by tackling the representation of the reality in mass media and the means used to do this.
Research studies showed that discourse analysis not only considers the words but also hits the strategies that are used to build the reality.

By using the theoretical framework, the researcher aims to study the mechanisms used by the mass media to socially construct the crises. The case studies of the H1N1 and the BP environmental issue that took place are two models that could be studied within the paradigm of media and crisis.
Key Words:
Media Event – Crisis -Representation- Mediation- Discourse

مقدمة:
تختلف الدراسات الخاصة بالعلاقة بين وسائل الإعلام والأزمات حسب منطلقات الباحث أو الدارس ورؤيته لها. فإذا كان ينطلق من موقع المسؤول في المؤسسة المعنية مباشرة بالأزمة ( رجل العلاقات العامة، مدير عام، مدير تنفيذي، مسؤول سياسي سام) فإنه ينشغل بمسألة إدارتها. ومن هذا المنطلق يعتبر وسائل الإعلام خشبة النجاة من الأزمة أو وسيلة لتسويتها. أما إذا كان ينطلق من وسائل الإعلام للحديث عن علاقاتها بالأزمة فإنه ينظر إليها كشريك في حدوثها أو كمسؤول عن حدوثها ففي هذه الحالة لا ينظر لوسائل الإعلام كوسيلة لحل الأزمة بل كجزء أساسي من الأزمة.
إذا كان المنطلق الأول لم يثر أي نقاش ماعدا بعض الاعتراض عن اختصار وسائل الإعلام في الأداة التقنية التي تساهم بفاعلية في حل الأزمة وتسويتها، فإن المنطق الثاني يطرح الكثير من النقاش المتعلق بعلاقة وسائل الإعلام المعقدة، وحتى والمتعارضة، بالأزمات، والتي تحيلنا إلى النقاش حول علاقة وسائل الإعلام بالواقع، والذي لخصه عالم الاجتماع لويس كيري Quéré, Louis فيما يلي: ( إن الواقع الذي تطلعنا عليه وسائل الإعلام يحمل طابعا متناقضا. لأنه انعكاس للواقع وبديلا لمرجعيته في ذات الوقت، أو يقوم مقامها. فوسائل الإعلام تبدو أنها تعيد إنتاج الواقع بينما تقوم بتشكيله قطعة قطعة، ليملك مظاهر صورة طبق الأصل للواقع و يشكل تمثلا له في آن واحد.)
يُعّد هذا النقاش في جوهره امتدادا للجدل الكلاسيكي الذي طبع الفكر الفلسفي الغربي بين الاتجاهين الوضعيPositivism والبنائيConstructivism حول وسائل الإعلام ودورها في المجتمع، حيث نجد صداه في العديد من البحوث التي تبنت مفردات حديثة نابعة من منظومة مفاهيمية جديدة للكشف عن الرؤية لوسائل الإعلام في تصورها للعديد من الظواهر والقضايا الاجتماعية.
نعتقد أن هذا النقاش لم ينطلق بعد في المنطقة العربية. فرغم بعض المحاولات التي حاولت التفكير في وسائل الإعلام بعدة مفاهيمية جديدة، إلا أن جل الدراسات الإعلامية تنطلق بشكل صريح أو ضمني من تصور جاهز بأن وسائل الإعلام تعكس الواقع وتعبر عنه، ولا تعيد تشكيله، وإن كان بعضها ينفي هذا الانعكاس لاعتقاده بأن وسائل الإعلام تزور الواقع من باب التضليل والدعاية. وبهذا فإن هذا النفي لا ينزاح عن حقيقة الواحدة والوحيدة التي تؤكدها الثنائية التالية: إما أن وسائل الإعلام تعكس الواقع بشكل دقيق أو أنها تتنكر له. إنها الحقيقة التي تلتزم الصمت تجاه السؤال التالي: كيف تدرك وسائل الإعلام حتى تطابق بينها وبين الصورة التي تنقلها عنه أو تحرفها؟
إذا، هذا البحث لا ينطلق من الافتراض الذي مفاده أن وسائل الإعلام تفبرك الكثير من الأزمات دون أن يكون لها أي وجود فعلي في الواقع. وهو الافتراض الذي يلقى رواجا كبيرا في الأوساط التي تتهم وسائل الإعلام بتسليع الخوف الذي يعد الشرط الأساسي لإدراك الأزمة، لأنه تحول إلى وسيلة للترويج لوسائل الإعلام ورفع شعبيتها ، وأصبح أداة من أدوات التحكم السياسي في العصر الحالي.
إن هذا البحث ينطلق من أن الأزمات هي نتاج لعدة مرجعيات فعلية وواقعية، أي موضوعية التي تحولها وسائل الإعلام لدى الجمهور إلى تمثل رمزي للواقع، وتمنحها، بالتالي، بعدا ذاتيا.
على هذا الأساس يحاول هذا البحث أن يدرس العلاقة بين وسائل الإعلام والأزمات من منظور النظرية البنائية. وبهذا فإنه يشكل امتدادا للدراسات التي اهتمت بتمثل الواقع في وسائل الإعلام وقيام وسائل الإعلام بالوساطة بين جمهورها والواقع.
إشكالية البحث:
هل يمكن التمييز بين الحدث والأزمة؟ نعم يجيب الكثير من الباحثين عن هذا السؤال، لكنهم يستدركون إجابتهم بالقول على الصعيد النظري على الأقل، لأن الإجابة على الصعيد العملي تبدو في غاية الصعوبة، فإضافة إلى العاملين: السياسي والثقافي، تتداخل العديد من العوامل وتضغط لتحجيم بعض الأزمات وتحويلها إلى مجرد أحداث Facts أو تتضافر لتحول الحدث إلى أزمة Crisis.
فالتخريج الإعلامي للأحداث، وطريقة تأويلها بإعادة تشكيل عناصرها من خلال طبيعة تدريمها ( أي تحويلها إلى مادة درامية) استجداءً للعاطفة، ولدفع الجمهور لاستملاكها ( أي الإحساس القوي بأنه معني بها وأن مصيره ومصالحه مرتبطة بها) من خلال سرعة بث وتوزيع المادة الإعلامية المتعلقة به، واختراقها للمسافات والثقافات، كلها مؤثرات تكشف عن تمثل وسائل الإعلام للأزمات.
إذا توسط وسائل الإعلام للأزمات لم تعد مثار جدل علمي لأن البحوث قد أقرت بأنها تجري على المستويات الثلاثة: الموضوعي، والذاتي والرمزي ، لكن السؤال الذي يثار هو كالتالي: هل تستخدم الاستراتيجيات ذاتها إزاء كل الأحداث وتترك المجال للجمهور وحده للإدراك بأن ما تعرضه وسائل الإعلام من خطب يدل على أزمة فعلية أم أنه حدث عابر؟ إن الإجابة على هذا السؤال تدفعنا إلى التحديد المعرفي لما هي الأزمة، ثم التطرق إلى تمثلات وسائل الإعلام لها، وأخيرا استراتيجيات بنائها والتي نحاول استقراءها من خلال تصور وسائل الإعلام لفيروس H1N1 والكارثة البيئية التي جرت في خليج المكسيك التي انجرت عن تسرب النفط لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر في الصيف الماضي.
تساؤلات البحث:
1) ما هي الأزمة، وكيف يمكن تميزها عن الحدث؟
2) كيف تعمل وسائل الإعلام المختلفة لبناء الواقع من منظور البنائية الاجتماعية؟
3) كيف تتمثل وسائل الإعلام المختلفة الأزمات، وتتدخل لتحجيم بعضها أو النفخ في الأحداث لتحويلها إلى أزمات؟
4) ما هي الاستراتيجيات التي تبنتها وسائل الإعلام في الإعلام لفيروس H1N1 والكارثة البيئية التي جرت في خليج المكسيك في أبريل 2010؟
ما هي الأزمة؟
يقول الباحث ولف دينر إبروين Wolf-Dieter Eberwein أن صياغة المفاهيم هي القاعدة الأساسية للبناء النظري للبحث، وتدقيق العبارات ضروري لتعيين الظواهر التي نسعى إلى وصفها وشرحها.
يتفق الباحثون على الكلمة الأجنبية Crisis ذات أصول يونانية، فهي مشتقة من krisis والتي تدل على القرار، والحسم، والحكم، والتقدير. وقد وظفت في القرن الرابع عشر ميلادي في مجال سيميائية الطب، حيث أصبحت تدل على التغيير السريع في تطور المرض. وأخذت معنى سياسي في القرن الثامن عشر.
يؤكد عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران Edgar Morin أن مفهوم الأزمة انتشر في القرن العشرين في كل ميادين العلوم المعاصرة، و عمم في انتشاره إلى درجة إفراغه من محتواه، ليصبح عبارة عن صورة نمطية لا تعبر، في أخر المطاف، سوى عن الفوضى، والتشخيصات والتوقعات التي تجسد فجوة مزدوجة: فجوة على مستوى معرفتنا للأزمة، وأخرى على صعيد الواقع الاجتماعي الذي تظهر فيه.
تختلف الأدبيات العلمية في النظر إلى الأزمة، فبعضها يذهب إلى حصر خصائصها، وبعضها الأخر يسعى إلى حصر أسبابها. فهما كانت هذه الخصائص أو الأسباب فإن الأزمة تعني بروز مشكل ما داخل مؤسسة أو قطاع أو مجال أو نظام سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو بيئي، بشكل مفاجئ أو بطريقة غير منتظرة، ولا يمكن حله أو تسويته بالأساليب المألوفة، والتعامل معه بالمعايير المعهودة، فيحدث ارتباكا وخللا وظيفيا، وحتى شللا في المؤسسة أو القطاع أو مجال أو المنظومة، وينجم عنه حالة من الفوضى والقلق، والشك الذي قد يستمر فترة معلومة فتتجلى أثاره على المدى القريب أو البعيد على مختلف الأصعدة.
إن الأزمة معطى نسبي يختلف من ثقافة إلى أخرى، ومن سياق اجتماعي إلى أخر. لذا يراها البعض شيئا سلبيا، بينما يعتبرها البعض الأخر معطى إيجابي وعامل أساسي في التطور. فهي لا تحرر الأوضاع التي كان مسيطرا عليها، بهذا القدر أو ذاك، فقط، بل تتيح الفرصة لتحفيز الذكاء، والتخيل الذي يولد الحلول. ففي هذا المقام يقول جمال الدين الأفغاني ” إن الأزمة تلد الهمة ولا يتسع الأمر إلا إذا ضاق ولا يظهر نور الفجر إلا بعد الظلام الحالك”.
إن الاهتمام المفرط بالأزمات، الذي تحول إلى هاجس أساسي للحكام والسياسيين ورجال الإعلام نابع من عدم اعتبارات، منها الثقة المفرطة بالتكنولوجيا والعلوم، والعقل في التحكم في مختلف أشكال التطور والتغيرات التي تحصل في المجتمع المعاصر وفي البيئة الطبيعية، بحيث أصبح من الممكن تجنب كل ما هو مفاجئ وغير منتظر. لكن تعقد الحياة الاجتماعية في مختلف أبعادها وفي علاقاتها بالبيئة تفلت من قواعد الإدارة والتنظيم المعتاد، وتباغت البشرية بمشاكل جديدة وظواهر غير مسبوقة.
الفرق بين الأزمة والحدث:
انطلاقا من المسلمة التالية: كل ما هو متوقع لا يشكل حدثا، يستعرض الباحث والمؤرخ وينوك ميشال Winock Michel السمات الأربعة، التي تميز الحدث، وهي كالتالي:
الكثافة: ويمكن تكميمها؛ أي ما مدى اتساع الحدث؟ كم هو عدد الأشخاص الذين قاموا به أو كانوا ضحية له أو معنيين به؟ إن الكم لا يملك أهميته إلا إذا أدرك في بعده الجغرافي وسياقه السياسي.
عدم التوقع: الحدث بأتي مما هو غير متوقع فيفاجئ ويزعزع الأفكار السائدة.
الأثر: الحدث هو ما يطلع عليه الناس. فالتفسير الوحيد لثراء التاريخ المعاصر بالأحداث مقارنة بالتاريخ القديم يعود إلى التطور الرهيب في وسائل الإعلام التي أصبحت تتنافس، بشدة، في استعراض الأحداث.
الاستتباعات: إذا كان الحدث مهدما ( لنظام ما، لاستمرارية معينة، لتوازن محدد) فإنه بالمقابل مبدع لتغيير. لكن استتباعات الحدث لا تعكس كثافته، لأنها قد لا تظهر في الآجل القصير، بل قد تتجلى في الأجل البعيد.
رغم هيمنة الرؤية التاريخية للحدث وفي تشخيص سماته إلا انه يبدو من أول وهلة أنها لا تتعلق بالحدث فقط، بل ترتبط، أيضا، بالأزمة. لكن بعد تفكير معمق نستنتج أن الأزمة تغطي واقعا أوسعا واشملا من الحدث. فيمكن أن يكون الحدث مؤشرا لأزمة غير مرئية. ففي هذا الإطار يمكن أن نفهم أن الحريق الذي شب بمنصة النفط في عرض خليج المكسيك، يوم 14 أبريل 2010 كان يمكن أن يشكل إيذانا بأزمة بيئية واقتصادية لو توفرت له الشروط التي سنتطرق لها بكل تفصيل لاحقا. ويمكن أن تكون الأزمة نتيجة لمجموعة من الأحداث المتعاضدة، وتترتب عنها مجموعة من الأحداث والوقائع التي لا تفهم على إنفراد بل في إطار رؤية شاملة لتفاعلاتها وانعكاساتها. فرهانات الأزمة أوسع وأعقد من الحدث الذي يكون محدودا جدا في الزمان والمكان.
رغم أن البعض يزعم أن الأزمة تعبر عن مرحلة يتجلى فيها عدم التناسب بين طبيعتها والإعلام عنها، وهذا ما سنحاول أن نفنده لاحقا، إلا أنه لا مناص من الإقرار بأن الحدث أو الأزمة في العصر الحالي لا توجدان إلا بفضل وسائل الإعلام التي تطلعنا عليهما، وحتى تصدمنا بها. فوسائل الإعلام لا تكتفي بمتابعة الحدث أو الأزمة بل تسعى إلى تشكيلهما. فمن النادر أنه يمكن فصلهما عن الواسطة الإعلامية. فالواسطة هي ” التجسيد” المادي لهما، ولا وجود لهما دونها. وهذا يقودنا إلى الحديث عن العلاقة بين وسائل الإعلام بالواقع,
كيف تبني وسائل الإعلام الواقع؟
بدأت البحوث الإعلامية منذ السبعينيات تنأى عن الاتجاه الوضعي في دراسة الإعلام من خلال تركيزها على “عملية إنتاج المعنى”، وصياغة الواقع”، و”بناء الأحداث”، والتي تستلهم، بهذا القدر أو ذاك، من النظرية البنائية.
ينطلق أغلب البنائيين من المسلمة التي تنص على أن كل شيء هو تمثُل”، وكل تمثل هو بناء، ويرون أن الطابع البنائي للواقع والعالم هو الشرط الأساسي الذي لا مندوحة عنه للمعرفة. ويذهبون في ذلك إلى التأكيد أن العرق، على سبيل المثال، ليس معطا بيولوجيا، بل بناءً اجتماعيا يشمل كل التصورات والإسقاطات الثقافية والإيديولوجية المتعلقة بالبشر نتيجة الاختلاف في لون بشرتهم. ويعتقدون إن الاقتراب المعرفي من العرق يضل طريقه، ويتحول إلى جملة من القناعات الإيديولوجية إن لم يأخذ بعين الاعتبار هذا الأمر.
وقام مؤسسا نظرية البناء الاجتماعي للواقع طوماس لوكمان وبيتر بركغر بشرح نظرية بناء الواقع بالقول أن الواقع يبرز في البداية كحقيقة مؤولة من قبل الأشخاص، فتملك معنى. لكن بعيدا عن الذاتية الفردية التي تفرزها عملية التأويل، فإن الحياة اليومية توجد، أيضا في موضعة المسارات الذاتية – أي تحويلها إلى موضعية- التي تؤسس المعنى العام أو المشترك من خلال أفكار الناس ونشاطهم الذي يحافظون عليه كواقع.
وقد تسأل الفيلسوف الأمريكي جون رسيرل John R. Searle عن كيفية تحول الواقع الفيزيائي إلى واقع اجتماعي موضوعي. وقدم الإجابة عن هذا التساؤل في تصنيفه للحقائق الموجودة في الواقع الفعلي إلى صنفين: حقائق خامة توجد بشكل مستقل عن الهيئات الإنسانية، وهذا مهما كانت نيتنا أو قصدنا تجاهها. والحقائق المؤسساتية، مثل النقود، اللعب،… فهذه الحقائق لا توجد إلا بفضل المؤسسات الإنسانية وتتجسد بفضل قصدنا تجاهها. ومن هنا ينطلق ليتساءل عن دور اللسان في بناء الحقائق الاجتماعية.
يعتقد الفيلسوف المذكور أن الحقائق الاجتماعية التي توجد بفضل المؤسسات الإنسانية تشترط شرطين أساسيين، وهما: أن التمثلات تشكل الجزء التأسيسي لها، وأن التمثلات تتوقف على اللسان. فطالما توجد ضرورة منطقية لارتباط الحقائق المؤسساتية باللغة، فإن أفكار ترتبط، طبيعيا، بالرموز والكلمات والصور والتي بدونها يستحيل التفكير فيها. فإذا لم يستطع الأفراد تمثل هذه الأحداث فإنها لا تستطيع أن توجد. وينتهي في الأخير إلى الاستخلاص التالي والمتمثل في أن إنتاج الأحداث المؤسساتية يرتبط بمسألة السلطة.
وهذا ما يمكن ان نلتمسه في مساهمة وسائل الإعلام في البناء الاجتماعي للواقع والتي تحدث عنها الكثير من المهتمين بوسائل الإعلام.
يؤكد اللساني البريطاني روجر فولير Roger Fowler ” أن الإعلام هو ممارسة وخطاب، لا يظهر الحقائق الأمبريقية بشكل محايد ، بل يتدخل في البناء الاجتماعي للواقع” . فالاختلاف في القول يعبر عن الاختلاف في تمثل الواقع الذي تكشفه الملفوظات.
أما الباحث شرودو بارتريك Patrick Charaudeau فإنه لا يرى عملية إعادة بناء الواقع، التي تتجلى في الخطاب الإعلامي، من منظور منتجه فقط، بل يراها كنتيجة تعاقد بين منتجه ( الصحافي أو المؤسسة الإعلامية) والمتلقي الذي يؤله. فالعناصر اللفظية والمرئية، والخطية، والسمعية تشكل الخطاب الإعلامي وفق الصورة التي تتخيل فيها وسائل الإعلام جمهورها، وحسب مراكز اهتمامها، ووفق ظروف تأويله لها.
ينطلق عالم السيمائيات الأرجنيتي Eliseo Veron في نظرته لبناء الواقع من قبل وسائل الإعلام من أطروحة الوساطة التي تقوم بها وسائل الإعلام بين الواقع والجمهور. حيث يرى أن وسائل الإعلام لا تعكس موضوعيا الواقع، لكنها تقدم تمثلا للواقع. فالأحداث لا تلد كإنتاج وسائل الإعلام، بل كبناء اجتماعي للتمثل الإعلامي للأحداث.
إذا كان القول بأن الإعلام في عصرنا الحالي هو معطى مبني اجتماعيا لا يثير أي جدل أو اعتراض، فإنه يحفز النقاش على مستويين، على الأقل، وهما:
1- يكاد مفهوم البناء الاجتماعي يتحول إلى مودة شائعة في الدارسات الاجتماعية لأنه يقدم المفتاح الذي يمكن أن يسلط الضوء على بعض الظواهر الاجتماعية حيث لم تعد تقتنع بالفكرة التي مفادها أن الوقائع الاجتماعية موجودة بشكل منفصل عن ذات الباحث والمبحوثين، وكحقيقة جاهزة لا تكلف الباحث أي جهد سوى “انتزاعها” من الواقع. لكن هذا المفهوم نقل النقاش من الصعيد الأمبريقي إلى الصعيد النظري، وأعطى شرعية للسؤال المتعلق البعد الفلسفي للبنائية، حيث شكك Gilles Gauthier ، وهو احد المعارضين للنظرية البنائية في مجال الإعلام، في النتائج التي توصلت إليها البنائية في الدراسات الإعلامية، وذلك لأنه فهم بأن ما تبثه وسائل الإعلام أو تنشره يعد مبنيا اجتماعيا مرتين. ويوضح ذلك بالقول أن الواقع الاجتماعي يعد، مبدئيا، مبنيا حسب البنائيين، ثم تتدخل وسائل الإعلام لتعيد بناءه مرة أخرى. فمن نتائج التسليم بصحة هذا الأمر أنه يطمس التمييز بين الحقائق المؤسساتية وغير المؤسساتية التي ذكرناها أعلاه. ويتجاهل أن المنتج الصحفي يكون مبنيا لأن يشكل جزءا من الواقع الاجتماعي المبني، من جهة. وتمنح، من جهة أخرى، الشرعية للتجاوزات في الممارسة الإعلامية التي تضحي بالمعايير المهنية والأخلاقية، مثل الصدق، والإنصاف، والمسؤولية، والدقة، وغيرها.
2- إذا القول بأن الخطاب الإعلامي هو نتاج عملية بناء اجتماعي أصبح من مسلمات البحث الإعلامي المعاصر، فإن النقاش الذي يثار يتعلق باستراتيجيات وآليات هذا البناء في مجال الإعلام الذي تتداخل حدوده مع المجال السياسي والإيديولوجي، واللساني والأدبي الذي يتعاطى مع الإعلام كنص أو مادة سردية، كما تكشف عن ذلك الدراسات السيمائية للإعلام التي أنجزها العديد من الباحثين، مثل: رولان بارث ( 1964، 1966)، بول عطا الله ( 1991)، فريون إلينسيو ( 1994)، وإريك سكيولي( 1994) جوست فرنسوا وبنافوس سيمون ( 2000)، وسمير بدير(2007).
ترى الباحثة المكسيكية Beatriz Padilla Villarreal أن وسائل الإعلام تبني الواقع من خلال إستراتيجية ترتكز على العناصر التالية: التشخيص Personification ، والإثارة Sensationalism، والاقتتالBellicising والأسطرة Mythification
ويقصد بالتشخيص سرد الأحداث عبر الشخصيات التي تعتقد وسائل الإعلام أنها تلعب دورا استثنائيا في حدوثها، والتي تنتهي إلى اختصار هذه الأحداث والوقائع في بعض الشخصيات، وبالتالي تبسيطها إن لم يكن تسطيحها. وقد عالج كل من ميغل بنسفاغ وفلورنس أوبان، بتفصيل، هذه الإستراتجية في كتابهما الخاص بالصحافيين وإيديولوجية الاتصال.
الإثارة: تعرف الإثارة بأنها” المعادل الدرامي للإعلام “. فهي تصور متكامل لماهية الصحافة وجمهورها ودورها، وتستند في وجودها، حسب الباحثة المذكورة، إلى مجموعة من العناصر وهي: القطيعة مع الوضع القائم، أي الخروج عن المألوف والانحراف عن الاعتيادية، والصراع الذي يجذب لاحتوائه على التنافس والغلبة والإقصاء الذي يقود إلى العنف ثم الموت.
الاقتتال: تلجأ وسائل الإعلام في بنائها للأحداث إلى الاستعارات المستقاة من الحرب، هذا ما نلاحظه، على سبيل المثال، في سرد وقائع المقابلات الرياضية فالتفوق يتحول إلى سحق الخصم، وتسديد الكرة تتحول إلى ضربة صاروخية، ومراوغة اللاعب تتحول إلى مناورة الفريق، والخسارة تتحول إلى انهزام، والمباراة تتحول إلى تصفيات، وغيرها. بالفعل، إن هذه الاستعارات تقولب الأحداث وتنمطها وتحولها إلى مادة للاقتتال تشد الانتباه والأعصاب، وتخلق اصطفافا لدى جمهور وسائل الإعلام وتجعلها، في أخر المطاف، مادة للفرجة وحتى النزاع، وتسحبها من ساحة الفهم، والاستيعاب والتأمل.
الأسطرة: يرى عالم الاجتماع الروماني كمو ميهي Coman, Mihai أن الدراسات الأنتروبولوجية يجب أن تتجاوز الوساطة الإعلامية للأحداث، أي التغطية الإعلامية لها، وتغرس في خضم الرؤية للبناء الإعلامي للواقع بواسطة الطقوس والأسطورة، فوسائل الإعلام توظف الأساطير والسرديات لإعطاء معنى للأحداث حتى وإن كان هذا التوظيف يؤدي إلى اختصارها وسجنها في صور نمطية.
قد تبدو هذه الإستراتجية غير إجرائية في قيام وسائل الإعلام ببناء الواقع، لأنها تتمحور حول تمثل المؤسسة الإعلامية ومنتجي خطابها في تمثلها للواقع فقط، وبالتالي تقصي الجمهور من هذا البناء. لأن قصد الرسالة الإعلامية كما صاغه منتجها ( الصحافي والمؤسسة الإعلامية) لا يعني بالضرورة تطابقه مع قصد الجمهور من تعرضه للوسيلة الإعلامية ومتابعة مضامين ما تبثه. فالجمهور، الذي كان يوصف في السابق، بدون ترو ولا دراسة دقيقة، بأنه متلقى سلبي قد برز في العصر الحالي كفاعل نشيط مشارك في إنتاج المعنى من مادة الاتصال.
لم تقص الباحثة المكسيكية الجمهور في الإستراتيجية التي تحدثت عنها، حيث اعتبرته شريكا في عملية بناء الواقع من خلال تأكيدها على أن تلقى الخطاب الإعلامي لا يمكن اختصاره في فك رموزه اللسانية والمرئية والسمعية فقط، بل يشترط جملة من الدوال ( جمع دال) المرتبطة بالتمثلات، والأثر العاطفي، واستتباعاته الفعلية، وردات الفعل الدفاعية التي يثيرها لدى المتلقي حسب مخطط تأويله.
وسائل الإعلام و فيروس H1N1: من الحدث إلى الأزمة؟
بعد أن أنقضت أكثر من سنة ونصف على نشر خبر انتشار فيروس H1N1 في المكسيك، اتضح أن الإعلام أعطى لهذا الحدث أبعادا كبرى غريبة عنه. فبدون الانسياق وراء نظرية المؤامرة، يمكن أن نتساءل، كيف أفلحت وسائل الإعلام في تحويل حدث انتشار فيروس الأنفلونزا إلى أزمة عالمية؟ وكيف بنت هذه الأزمة، وما هي الإستراتيجية التي وظفتها في ذلك؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال يجب الاستعراض الوقائعي لانتشار الفيروس والاحتياطات التي اتخذت للوقاية منه، لمعرفة الاتجاه الخطي لنموه في وسائل الإعلام، التي أسقطت، مسبقا، كل تصريح مخالف له أو مشكك فيه.
مارس 2009: إصابة عدد من المكسيكيين بضيق حاد في التنفس نتيجة عدوى مرضية
13 أبريل 2009 : وفاة أول شخص في جنوب المكسيك
24 أبريل: منظمة الصحة العالمية تعلن عن كشف عن مئات الإصابات في المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية.
26 أبريل: الحيطة تزداد في العالم ومنظمة الصحة العالمية تعلن عن انتقال المرض من الإنسان إلى الإنسان، وتؤكد أن الفيروس H1N1 اتضح أنه أكثر خطورة.
27 أبريل: منظمة الصحة العالمية ترتفع درجة الطواري من 3 إلى 4 في سلم يتشكل من 6 درجات، بعد أن انتقلت العدوى إلى أوربا، حيث ظهرت إصابات في إسبانيا وبريطانيا.
28 أبريل: انتقال المرض إلى أمريكا الوسطى و الشرق الأوسط
29 أبريل: أول إصابة مميتة في الولايات المتحدة، ووفاة رضيع في المكسيك
30 أبريل: منظمة الصحة العالمية تسمي فيروس H1N1 بدل أنفلونزا الخنازير
2 مايو: انتقال المرض إلى آسيا.
22 مايو: منظمة الصحة العالمية تحذر من أن فيروس H1N1 يكون أكثر خطورة في الدول النامية.
2 يونيو: ظهور المرض في مصر
11 يونيو: منظمة الصحة العالمية ترفع درجة الطوارئ إلى 6
24: يونيو: بداية شراء كميات هائلة من الكمامات وارتدائها.
25 يونيو: منظمة الطيران المدني تعلن عن انخفاض هائل في عدد المسافرين بسبب الفيروس المذكور..
1 يوليو: التشدد في تطبيق مخططات الوقاية من الفيروس في العديد من دول العالم.
أغسطس: أخبار متفرقة عن وفيات بسبب الفيروس المذكور في بعض دول العالم.
29 سبتمبر: موافقة أوربا على تسويق اللقاح المضاد للفيروس المذكور،
30 أكتوبر: منظمة الصحة العالمية تعلن أن عدد الوفيات قد بلغ 5700 شخصا منذ ظهورها في شهر مارس مع زيادة بنسبة 14% خلال أسبوع.
5 مارس 2010: بلغ عدد ضحايا هذا الوباء 16455.
إن عدد الوفيات بفيروس H1N1 لا يمكن مقارنته، بأي شكل من الأشكال، بضحايا السرطان، أو مرض الإيدز في العالم، أو أي وباء أخر يصيب الدول النامية، إذا كيف انتقلت وسائل الإعلام من الإخبار عن الوباء إلى بناء أزمة.
إن الحديث عن الأزمة في وسائل الإعلام لا يشترط طريقة من الوصف والنظر للواقع فقط، بل يتطلب بناء واقع جديد، وهذا ما سنكشفه من خلال النقاط التالية:
– الإثارة: سعت وسائل الإعلام منذ ظهور الفيروس في مارس 2009، بالمكسيك، التركيز المبالغ فيه على الفيروس وخطورته غير المسبوقة التي يمكن أن تبيد نصف البشرية! يمكن أن نورد في هذا الصدد التصريح الذي أدلى به البروفسور نيل فورغسن، عضو فريق العمل الخاص بفيروس H1N1 لدى المنظمة العالمية للصحة في ناهية شهر أبريل 2009، حيث أكد فيه أن حوالي ما بين 30 إلى 40% سيصابون بهذا الفيروس إذا تفشى الوباء في الأشهر الستة القادمة، وان عدد المصابين سيرتفع في الأسابيع القادمة، وأن 152 وفاة بهذا الفيروس في المكسيك من المحتمل أن يكون عددا متواضعا مقارنة بعدد المصابين، ويمكن ان يترفع عدد الوفيات إلى عشرات أو مئات الآلاف.
كما قامت وسائل الإعلام المختلفة بتجميع الأخبار المتفرقة والمتناقضة عن الفيروس المذكور في عدة مناطق من العالم التي تدعو إلى التهويل. وكثفت الحديث عن الاستعدادات العالمية لمكافحته ( غلق المدارس، الدعوة إلى تجنب الأماكن العامة والاختلاط بالبشر، العزوف عن السفر في وسائل النقل الجماعي، تعميم صور الكمامات في المطارات، والمواني، ومصالح الطوارئ في المستشفيات، النقل الدرامي لألام المصابين وذويهم)، وغيرها. وشددت، عبر كل هذا، على عنصر الصراع: الصراع من أجل البقاء، الصراع ضد الوباء، والصراع الذي يغذي المخاوف، وإحداث قطيعة مع ما هو مألوف في الحياة العامة: الدعوة لتغيير نمط الأكل بتفضيل المواد الحاملة للفيتامينات المقوية لمقاومة الأنفلونزا، تغيير العادات والطقوس الاجتماعية ( المصافحة، والتقبيل…)، التقليل من الحركة، والمبالغة في الاستعدادات الطبية لمكافحة المرض: فتح عيادات طوارئ، إنشاء مختبرات طبية في المناطق الموبوءة، منح قروض مالية للدول العاجزة عن شراء المستلزمات الطبية الضرورية إبادة قطيع الخنازير في بعض الدول، وغيرها..
لقد بينت الخبرة العلمية بأن تحليل الخطاب الصحفي ، كعلم، يهتم، بشكل أقل، بمحتوى الكلمات في ذاتها، من اهتمامه بالاستراتيجيات التي من المفروض أن يحققها في إطار الممارسة الإعلامية.
لقد أفلحت الإثارة في خلق حالة من الذعر ليس في المناطق الموبوءة فقط، بل في كل الدول، ولا يخفي لا أحد بأن الذعر هو جملة من ردات الفعل الفردية التي تتشابه فيما بينها. إنها تتشابه ليس لكونها تؤثر في ما بينها وتتحول إلى تقليد، بل لأن كل رد فعل هو استجابة نمطية ومنمطة تجاه وضع معين. والذعر يحيد الفكر ويغيبه وهذا ما تسعى إليه الإثارة.
الترقب: المعلومات التي ظلت وسائل الإعلام تكررها باستمرار لم تتسم بالحسم واليقين، بل كانت تترك الجمهور في حالة قلق وانتظار الغد. إن السبب في ذلك لا يكمن في أن وسائل الإعلام لا تملك من المصادر والمعلومات الموثوق في صحتها، والتي تشكك في عدد المصابين، وفي الطرق المعتمدة في إحصائهم. ففي هذا الصدد يقول أحد الصحافيين ما يلي: إن نموذج الإحصاء لعدد الأشخاص المصابين بالفيروس المذكور لا يستند إلى فحوصات الأطباء العامين بل يعتمد على مراكز الاتصال الهاتفي call-center التي تسجل آليا عدد المتصلين وتحصيهم كمرضى، مهما كان سبب اتصالهم. والنتيجة أن هذا الانتظار لا يكلل باليقين والحجج الدامغة، بل يولد انتظارا جديدا، وهذا ما تستخدمه بإتقان الفنون الدرامية: الأفلام والروايات.
لاحظنا أيضا وطأة الترقب من الأخبار المتسربة عن اللقاح الذي شابه الغموض والتضارب: عجز ما هو موجود من لقاح في السوق عن العلاج من الفيروس المذكور، ضرورة الانتظار شهرين على الأقل لتنتهي المختبرات من صناعة اللقاح المناسب، نقص كميات اللقاح المصنعة لحد الآن عن سد الحاجة، شراء كميات هائلة من اللقاح الجديد، والشروع في التلقيح مع الإشارة إلى الأنباء المتضاربة عن أعراضه الجانبية، وحتى عن وفيات بسببه، والانتظار من جديد لتحسين اللقاح…
الأسطرة: لا يمكن أن نفهم الوساطة التي تقوم بها وسائل الإعلام بين الواقع والجمهور دون الأخذ بعين الاعتبار أنها منتجة للخطاب حول الأحداث التي تمس جمهورها، فهذا الخطاب لا يتغذى من الاستعارات فقط، إن أرسطو بالفعل أوّل من أعطى معنىً لكلمة “استعارة” في “علم العروض” و”علم البلاغة” على السواء. وقد شدّد في تعريفاته الأولى هذه على أنّ الاستعارة ليست صورة بيانيّة تستخدم للتزيين المحض، بل إنّها بحدّ ذاتها شكل من أشكال المعرفة. مع ذلك، ولقرون عدّة بعد أرسطو، استمر الاعتقاد أنّ الاستعارة صورة بيانيّة تجمّل الحديث فحسب ولا تغيّر جوهره. وإلى يومنا هذا قد يؤيّد البعض بأنّ هذه هي وظيفتها
أسند أرسطو إلى الاستعارات المُتقنة وظيفة شبه علميّة. إنّها نوع من العلم لا يستلزم اكتشاف شيء مجهول إنّما يبتكر طريقة جديدة للنظر إلى الأشياء أرسطو… وعصابة القراصنة-اببرتو إيكو: السبت 27 نوفمبر 2010الاتحاد، وجهات نظر.
أبل من السرديات والأساطير التي نسجت حول الأحداث المشابهة أو المتقاربة، وبهذا تصبح السرديات البديل الإعلامي للوقائع الحاضرة الذي يسعى إلى تقريب المعنى مما يجري. ففي هذا الإطار يحيل الحديث عن الفيروس المذكور إلى ” أنفلونزا” التي جرت في 1918 ، وسميت بالإسبانية، والتي أدت إلى وفاة 40 مليون مصاب، ووباء الأنفلونزا التي سميت بالإسبانية والتي جرت في 1957 والتي أودت بحياة 4 ملايين شخص في العالم ، و أنفلونزا ” هونغ كونغ” في 1968 وقتلت مليوني شخص.
إن الإحالة إلى التواريخ المختلفة بكل ما تحمله من ثقل مثيولوجي لا تستهدف شرح ما يجري الآن نتيجة الفيروس المذكور، لأنه لو كان هذا هو الغرض من الإحالة لتم الاستشهاد بالأنفلونزا الأحدث والأقرب تاريخيا للجمهور والتي انتشرت في الولايات المتحدة الأمريكية في 1976.
إن الإحالة إلى التاريخ توحي ضمنيا بالتشابه، أو حتى التطابق بين الأوبئة القديمة والحالية، دون الإشارة إلى أن عدد القتلى بأوبئة الأنفلونزا المذكورة قد أخذت منحى تنازليا، وإن البشرية في 2010 هي أكثر تسلحا من 1918 على الصعيد العلمي والثقافي، وعلى مستوى الإمكانيات العلمية والبشرية والمادية والتنظيمية، وفي مجال الخبرة. عن التأكيد على هذا الأمر لا يتماشى والمنطق الذي بنيت وفقه أزمة الأنفلونزا في 2009.
إن النظر إلى إستراتيجية بناء أزمة الأنفلونزا على المستوى الموضوعي والذاتي والرمزي تكشف أن الصحافيين لا يظهرون كأنهم المنتجين الفعليين للإعلام، بل كمنخرطين في السديم الإعلامي/السياسي/ الطبي/الصيدلاني الذي أخذ بعين الاعتبار الفكرة التي مفادها أن كل حديث عن الوباء يجعل الجمهور معنيا به بالضرورة، واتكأ على الشعور العام الذي يحرك سلوكه والنابع من ثقافته وحياته الجماعية.
فالبشرية في مطلع الألفية الحالية تعيش قلقا وجوديا نتيجة الحيرة والشك في المثل الكبرى و السرديات التي تحكمت في تصورها للكون والمجتمع والعلاقات الاجتماعية نتيجة استشراء الحروب، والعنف في المجتمع، والقنوط من التغيير. مما يعطي شرعية للوصف الذي قدمه الفيلسوف ميشال سار Michel Serres لما تعانيه البشرية اليوم، إذ قال أنها تعيش عملية إخراجية ” للخوف.
إذا يصعب تمثل الأزمة بدون رابطها بالخوف الذي تحول إلى موضوع للتفكير في العديد من الحقول المعرفية: علم النفس، علم الاجتماع، والعلوم السياسية، وعلم التربية، وعلم الاتصال، حيث يقول عنه مدير معهد الصحافة والإعلام بجامعة نشطال السويسرية أنه أصبح رابطا اجتماعيا لمواجهة مختلف الأخطار التي امتدت إلى المجالات المختلفة التي تأسس مما يلي:
الخوف من الآخر: إن جهل الأخر، والتنكر لخصوصيته، واختلافه يولد الخوف منه، في مجتمع يعاني من ضعف الأمن وحماية الأشخاص وممتلكاتهم، وفي مجتمع قائم على المنافسة الشديدة والتزاحم من أجل الحصول على منصب عمل، أو إنشاء مشروع استثماري والحفاظ عليه، أو تقديم مشروع علمي أو ثقافي…..
الخوف من الموت: لم يتمكن التقدم العلمي الذي أحرزته البشرية، خاصة في مجال الطب، إضافة إلى تزايد الاعتمادات المالية الموجهة لقطاع الصحة من تخفيف من الخوف من المرض والموت، الذي مازال يثير الكثير من الخوف والفزع والجزع.
الخوف من الفقدان: الخوف من فقدان الصحة، والحب، و منصب العمل، والسكن، و الخوف من الفقر، أفرز، عبر تراكمه، حالة من القلق وسلوكا عدوانيا، وحتى عنيفا.
الخوف من التغيير بفعل عوامل خارجية بعيدا عن السيطرة مما يدعو إلى القطيعة على ما تعودنا عليه والذي كان مصدر الإحساس بالأمان. ولعل هذا الخوف ينبع أصلا من الخوف من المستقبل الذي أصبح من الصعب التنبؤ به، ناهيك عن التحكم فيه أو السيطرة عليه.
يعتقد البعض أن تمثل أنفلونزا الخنازير، لم تشارك في إنتاجه وسائل الإعلام الكلاسيكية فقط، بل شارك فيه الإعلام الجديد New Media، وهذا الاعتقاد لا يجانب الصواب قط، لكنه يحتاج إلى توضيح نراه ضروريا. فلا يمكن أن نتصور أن الإعلام الكلاسيكي والإعلام الجديد يعيشان في قارتين مختلفتين، فلهما وشائج قوية. لذا، فأن القسم الأكبر من الجمهور يستطيع أن يطلع على الأحداث، ويشارك فيها، من خلال ” الانجذاب”Osmosis ، أي ليس نتيجة تعرضه مباشرة لوسائل الإعلام، بل من خلال ما تختطفه عينه من صور وحروف، وما يلتقط سمعه من كلمات وجمل عن الأحداث من سيل الإعلام الجارف، الذي لازالت وسائل الإعلام تشكل لحمته الأساسية.
وسائل الإعلام وتلوث خليج المكسيك: تحويل الكارثة الإيكولوجية إلى حدث.
من يقرأ البرقية التي أرسلها مراسل وكالة الأنباء الفرنسية من ” نيو اورلينز” بالولايات المتحدة، غداة الحريق الذي شب بمنصبة النفط في عرض خليج المكسيك، أي يوم 14 أبريل الماضي 2010 لا يشعر بحجم الكارثة البيئية التي تجري في خليج المكسيك. ولا ينتابه أي قلق لأنه البرقية المذكورة تؤكد أنه لم يسجل أي تسرب للنفط، وإذا حدث ذلك وهذا مستبعد فإنه الإمكانيات متوفرة وجاهزة لمواجهته. ( أنظر البرقية التي نشرتها الوكالة المذكورة في ملحق البحث).
وهو الإدراك ذاته الذي يستخلصه من البرقية التي أعلنت عن سد الفوهة التي يتسرب منها النفط يوم 5 أغسطس 2010.
فما هي الإستراتيجية التي اعتمدت عليها وسائل الإعلام في بناء تلوث خليج المكسيك في أبريل 2010، وأدت إلى بالتقليل من شأن حريق المنصة النفطية، استصغار تداعياتها الاقتصادية، والبيئية، والسياسية، والأخلاقية؟ يمكن توضيح هذه الإستراتجية في النقاط التالية:
1- تجنب الإثارة: لم تلجأ وسائل الإعلام إلى أسلوب الإثارة لبناء الحدث بشكل درامي، فلم تتطرق إلى العمال الذين ماتوا جراء العريق الذي شب في منصة استخراج النفط في خليج المكسيك ولا لوضعهم الاجتماعي، ولا ظروف عملهم في عرض البحر ولا جنسياتهم ولا سنهم ولا حالة أهلهم، لقد تحولوا إلى مجرد أرقام فقط: 11 عاملا لقوا حتفهم في الحادث. كذلك الأمر بالنسبة للناجين الذين أصيبوا بجروح وحروق خطيرة. ولم تسرد تفاصيل الحياة الدرامية التي يعيشها الصيادون، الذين وجودوا أنفسهم في بطالة إجبارية. لقد قضت على كل بعد درامي في الحدث من خلال التأكيد أن شركة برتيس بتروليوم قامت بتشغيل الصيادين الراغبين في تطهير الشواطئ من زبد النفط، ودفعت لكل صياد خمسة ألاف دولار كتعويض جزافي عن فقدان مصدر رزقه، هذا دون الإشارة إلى أن هذا التعويض تم مقابل أن يلتزم كل مستفيد، خطيا، بعدم رفع دعوى قضائية ضد الشركة المذكورة!
لم تتطرق وسائل الإعلام للحدث عبر تشخيصه بأسماء الشخصيات، وحتى الشركة: فرغم أن الكل يعلم بأن المسؤولية تقع أولا وقبل كل شيء على الشركة النفطية برتيش بتروليوم إلا أن برقية وكالة الأنباء الفرنسية المذكورة أعلاه حاولت إعفاء الشركة المذكورة من المسؤولية بالقول أنها استأجرت المنصة، أي بمعنى أخر أن من يستأجر ليس مسؤولا عن وضع ما استأجره! فاسم الشركة المذكورة لا يظهر في وسائل الإعلام إلا عندما تؤكد أنها ستعوض أو عوضت الشركات المتضررة من الحادث، أو تقوم بمكافحة التلوث الذي انجر عن تسرب بقع النفط في عرض البحر واتجاهها إلى الشواطئ.
2- عدم تحديد المسؤولية عن الحدث ولا أسباب وقوعه. لم تنصرف المؤسسات الإعلامية إلى البحث عن سبب هذه الكارثة، والتساؤل عن عدم تدخل تجهيزات الأمن لسد فوهة البئر عند احتراق المنصة مباشرة؟ لعل القارئ الكريم يتذكر جيدا أن وسائل الإعلام تتدافع، بقوة، لشرح أسباب وقوع أي كارثة جوية بسيطة، فتخصص لها العديد من التحليلات والتعليقات، وتسأل مسؤول شركة الطيران المعنية، وخبراء الملاحة الجوية، ومسؤولي الأمن في المطارات، وغيرهم. لكن في هذه الأزمة قفزت وسائل الإعلام من الإجابة على السؤالين: من المسؤول عما جرى؟ ولماذا جرى ما جرى؟ إلى نقل انشغالات الشركة المذكورة وتأكيداتها أن الأهم هو التحكم في أثار ما جرى.
3-غرس الطمأنينة في نفوس الجمهور واستبعاد القلق:
قدمت وسائل الإعلام الحريق المذكور على أنه أمر عارض حدث ويحدث في الكثير من أبار النفط سواء في البر أو البحر. ففي الوقت الذي امتدت فيه بقعة النفط لتهدد ولاية” لويزيانا” و” فلوريدا” و” الامبا” و”الميسيسيبي”، والمدن التي تشكل القلب السياسي والاجتماعي والثقافي للولايات المتحدة الأمريكية، مثل بوسطن، ونيويورك، وواشنطن، وفلادليفيا، ظلت وسائل الإعلام تؤكد بأن التحكم في النفط المتدفق من البئر في متناول اليد، وأن كل الإجراءات اتخذت لاحتوائه.
بدأت العديد من وسائل الإعلام تؤكد، منذ 14 أبريل إلى غاية 5 أغسطس، أن الأمور تسير نحو التحكم التام في تسرب النفط وامتداد بقعته في البحر. فرغم تسرب المعلومات التي تشير إلى ظهور عيون جديدة للبئر يتدفق منها النفط، ظلت وسائل الإعلام تؤكد السيطرة على الحادث تارة من خلال تجنيد أسطول بحري لامتصاص بقعة النفط في خليج المكسيك، طورا إرسال “روبرت” لغلق البئر، ثم حشو فم البئر المفتوح بكبسولة ، وضخ مواد كيماوية وإسمنتية لتشميع فوهة البئر، ووضع سدة من الاسمنت تزن 70 طنا لغلقه نهائيا. لقد غرقت وسائل الإعلام في هذه المعلومات المزودة برسوم الغرافيكس فاستفدت وقتها بالشرح والتفسير، ولهت عن الإشارة إلى فشل المحاولات المتلاحقة الواحدة تلو الأخرى. لكن الغريب أنه رغم الفشل المتلاحق للمحاولات المتلاحقة إلا أن وسائل الإعلام لم تلجأ إلى الترقب خوفا من أن هذا الأخير يؤدي بالجمهور إلى القلق. لقد كانت تقدم كل محاولة على أنها ستكون ناجحة.
4-عدم اللجوء إلى الاستعارة والأساطير: لوصف أثار التلوث النفطي في خليج المكسيك ذكر الرئيس الأمريكي أوباما بأنه ” مثلما أحدث 11 سبتمبر تغيرا في نظرتنا لضعفنا، وسياسيتنا الخارجية نعتقد أن كارثة خليج المكسيك تمثل 11 سبتمبر بيئي يدفعنا إلى إعادة التفكير في سياستنا البيئية والطاقوية في السنوات القادمة. لكن وسائل الإعلام لم توظف هذه الاستعارة للحديث عن أبعاد حريق المنصة المذكورة، ولم تستعن بالأحداث التاريخية وحمولاتها من السرديات. نعم لقد أشارت إلى أثار هذه الكارثة تتجاوز الكارثة التي أحدثها غرق ناقلة النفط “اكسون فالديز” Exxon Valdez في سواحل ألاسكا في 1989 لكنها لم تكشف عن حجم التلوث الناجم عن تسرب أربعين مليون لتر من النفط من هذه الناقلة، والتي لطخت مسافة 1300 كيلومتر من مياه البحر. ولم تشر إلى المعارك القضائية التي استمرت سنوات للتعويض عن الضرر الذي أصاب العباد والبيئة، وعن الثروة السمكية التي أبيدت. إن مجرد الاشارة يشعر الجمهور أنه معني بالكارثة المذكورة.
5-استبعاد الجمهور عن الحدث: في ظل العولمة التي أعطت لكل حدث محلي بعدا كونيا، نلاحظ إصرار العديد من وسائل الإعلام على حصر الكارثة المذكورة على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية. فالقرار الذي أتخذه الرئيس الأمريكي، على إثر هذه الكارثة، والمتمثل في تجميد التنقيب عن البترول في السواحل الأمريكية، لا يمس العصب الحساس في الاقتصاد الأمريكي فقط، بل يمس الاقتصاد العالمي أيضا. فالشركات النفطية التي تنقب عن النفط وتستخرجه من بحر الشمال قد تعدت المئات، بل توجد في خليج المكسيك وحده حوالي ثلاثة ألاف منصة نفط، تنتج حاليا 1.6 مليون برميل نفط يوميا. لقد كثفت الدول الغربية والشركات النفطية عملية التنقيب عن النفط في أعماق البحار واستغلاله كاستجابة لتداعيات الأزمة النفطية في 1973. لهذه الأسباب يبدو أن تسرب النفط في خليج المكسيك قضية خطيرة وحساسة على الصعيد الاقتصادي والبيئي.
وقد عملت وسائل الإعلام على استبعاد الأزمة من اهتمامات الجمهور، وعدم الإشارة لا من قريب أو بعيد على تأثيرها على حياة الأشخاص، وعلى التوازن البيئي، وعلى التنمية المستدامة التي تهم كل الكائنات الحية.
وفي الأخير يمكن القول أن الانتقال من الحدث إلى الأزمة يتوقف إلى حد كبير على مدى مرئيته وتأويله، واستملاكه من قبل الجمهور. فالجمهور لم يجد ذاته أو مصالحه في الحدث المذكور، ولم يشعر بأنه معني بتمثّلات وسائل الإعلام للكارثة البيئية التي شهدها خليج المكسيك، لذا لم تمنح الكلمة للمنظمات والجمعيات المدنية المدافعة عن البيئة.

المراجع:
– أنظر على سبيل المثال إلى سيل الكتابات التي تطرقت إلى تبعات المقابلة الرياضية التي جمعت المنتخبين الجزائري والمصري للتأهيل إلى دورة كأس العالم التي جرت في جنوب إفريقيا في يونيو 2010
– Quéré, Louis. Des miroirs équivoques. Aux origines de la communication moderne. Aubier Montaigne, France, 1982, p. 158
– أنظر على سبيل المثال :
John H. Powers & Xiaosui Xiao.: The Social Construction of SARS: Studies of a Health Communication Crisis. John Benjamins Publishing Company, Netherlands/Philadelphia, PA: 2008, 242 pp

Hassan Atifi & Michel Marcoccia: La relation entre les interactions verbales et leur mise en scène visuelle à la télévision : construction du genre et distribution des rôles dans l’émission “ Demain les jeunes ” (France 2, mars 1994) ; retrieved Octobre 14 ;2010 from gric.univ-lyon2.fr/…/actes/…/Atifi_Marcoccia_genre_tele.doc
Fathallah Daghmi : Constructions identitaires et récits médiatiques, retrieved June 26 ;2008, from http://etudescaribeennes.revues.org/document368.html.
Champagne Patrick : La construction médiatique des “malaises sociaux”
Actes de la recherche en sciences sociales, France, Année 1991, Volume 90, Numéro 1 p. 64 – 76

– هذا ما يستشف من اختيار العديد من عناوين البحوث الإعلامية والعربية التي تفضل التغطية الإعلامية لهذه القضية أو تلك أو لهذا الأزمة أو تلك بدل البناء الإعلامي لها.
– يؤكد الفيلسوف الإيطالي أنبرتو إيكو أن مفهوم الأزمة استخدم بدون تمييز، لأنه يبيع بشكل جيد، لقد بيعت لنا في العقود الأخيرة بمختلف الأشكال ( في الأكشاك، وبالمراسلة، وبالاتصال المباشر) أزمة العقيدة، أزمة الرمز، أزمة التمثل، أزمة السكن، أزمة المؤسسات، و أزمة العائلة، وأزمة البترول.
ECO, U. La guerre du faux. France, éd. Grasse, France, 1985, P 119
– السيد ولد أباه: تسيير الرعب وإدارة الخوف، صحيفة الاتحاد الإماراتية، الصادرة يوم الاثنين 06 سبتمبر 2010

– Beatriz Padilla Villarreal: l’agenda médiatique et construction sociale de l’incertitude, Magazine de la Communication de Crise et Sensible, Observatoire International des Crise, Col. 13- Avril 2007 – p 10/47
– أنظر:
David L. Altheide and Robert P. Snow : Media Worlds in the Postjournalism Era, New York: Aldine de Gruyter, 1991.
– نقلا عن:
Guy Koninckx , Gilles Teneau : Histoire de la crise, retrieved October 30,2010, from
http://www.resilience-organisationnelle.com/1513.html
– Maria Beatriz Padilla VIllarreal: Médiatisation et identification comme facteurs intervenant dans l’irruption de la crise sociale. Une analyse biculturelle de contenu de la presse écrite et modélisation. Thèse pour obtenir le grade de docteur de l’Université, Université Jean-Moulin, Lyon 3, juin 2005
– نقلا عن:
Morin Edgar: Pour une crisologie, Communications, France, n° 25, p. 149, 1976.
– Edgar Morin : ” Il faut toujours s’attendre à l’imprévu “, retrieved October 20,2010 from http://www.socialismedemocratie32.net/
– نقلا عن:
حسين جمعة : الفكر النقدي لرواد عصر النهضة، الموقف الأدبي، مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق – العدد 440 كانون الأول 2007
– Winock, M., « Qu’est-ce qu’un événement ? ». Revue L’Histoire, France, N 268 septembre 2002, p 32-37.
– Guy Koninckx , Gilles Teneau, Idib
– Alban Bensa et Eric Fassin: Qu’est-ce qu’un événement ? Terrain, numero-38 ,mars 2002, retrieved November 2,2010 from http://terrain.revues.org/index1888.htm
– Stefan Weber :Media and the Construction of Reality, retrieve November 3,2010 from http://www.mediamanual.at/en/pdf/Weber_etrans.pdf
– Grassineau Benjamin: La construction de la réalité sociale. Synthèse du livre de Thomas Luckmann et Peter Berger, retrieved from http://librapport.org/getpdf.php?get=491&id=17&pagename=FILE:download/document%20view
– نقلا عن:
Grassineau Benjaman : John R. Searle, La construction de la réalité sociale, retrieved October 3, 2010 from http://www.docstoc.com/docs/55037375/Formation—John-Searle-la-construction-de-la-realite-sociale
– FOWLER, R. Language in the news. Discourse and ideology in the press, England, London, Routledge, 1991.1991, p. 2
– Charaudeau Patrick, Le discours d’information médiatique. La construction du miroir social, 1997, Paris, Nathan / Institut national de l’audiovisuel (coll. « Médias-Recherches ») P 18
– Verron E. Construire l’événement : les médias et l’accident de Three Mile Island. France, 1981, Paris: Minuit p. 170.
– Gilles Gauthier: Journalisme et réalité : l’argument constructiviste, Revue Communication et langages. N°139, 1er trimestre 2004. pp. 17-25.

– Beatriz Padilla Villarreal: L’agenda médiatique et construction sociale de l’incertitude, Magazine de la communication de crise et sensible, Observatoire International des crises, France, Vol. 13- Avril 2007

– Aubenas Florence et Benasayag Miguel. La fabrication de l’information. Les journalistes et l’idéologie de la communication, La Découverte, France, 1999

– Beatriz Padilla Villarreal: L’agenda médiatique et construction sociale de l’incertitude, Idib
– Coman Mihai. Une approche symbolique de l’espace public. Université de Bucarest, Roumanie, Actes du colloque Bogues, 2000. Retrieved June 28, 2008 from http://www.er.uqam.ca/nobel/gricis/actes/bogues/Coman.pdf
– Beatriz Padilla Villarreal: L’agenda médiatique et construction sociale de l’incertitude
– Daily Express, 1er mai 2009; quoted by Michel Chossudovsky: Mensonge politique et désinformation médiatique concernant la pandémie porcine; retrieved November 3,2010 from http://www.mondialisation.ca/index.php?context=va&aid=13468

– Burger Marcel: Les mots de la peur, medias et analyse du discours, Les médias créent-ils ou reflètent-ils les peurs collectives ? Recueil de textes préparatoires pour le deuxième colloque de l’Institut de journalisme et communication (Université de Neuchâtel)Aula des Jeunes-Rives, 11 avril 2003

– Etienne VERMEIREN: Réflexions essentielles sur le phénomène de panique en situation de crise, entretien accorde à Thierry Portal , Magazine de la Communication de Crise et Sensible, Vol. 19 – juillet 2010 – p 26/41

– Audrey Chauvet: Grippe H1N1: histoire d’une incompréhension, Journal 20 minutes;
– نقلا عن:
Brugidou Mathieu, « L’affaire du sang contaminé : la construction de l’événement dans Le Monde (1989-1992) », Revue Mots. Les langages du politique, France, n°37, 1993

– Maurice Antoine :La construction des peurs par les medias, Recueil de textes préparatoires pour le deuxième colloque de l’Institut de journalisme et communication, Ibid
– Obama: Gulf spill ‘echoes 9/11’, retrieved November 3,2010 from http://www.politico.com/news/stories/0610/38468.html#ixzz0qu8NzdAV

ملحق:
توقف البحث عن 11 مفقودا ولا تسرب نفطيا بعد غرق منصة قبالة السواحل الأميركية
04/24 | 06:36 GMT
نيو اورلينز (الولايات المتحدة ) (ا ف ب) – أكد خفر السواحل الجمعة أنه لم يسجل أي تسرب نفطي قبالة السواحل الأميركية بعد غرق منصة في خليج المكسيك، وأعلنوا توقف عمليات البحث للعثور عن احد عشر مفقودا.
وقال مايك او بيري، الناطق باسم خفر السواحل في نيو اورلينز لوكالة فرانس برس “لا تسرب نفطيا للنفط الخام من الآبار حتى الآن”. وأضاف أن “القضية لم تنته بعد لكن هذا خبر سار”.
ويتم استغلال محيط الآبار النفطية منذ مساء الخميس من قبل رجل آلي (روبوت) تحت الماء مجهز خصيصا لهذه المهمة. وكان خفر السواحل ذكروا أولا لفرانس برس أن بقعة تعتبر “كبيرة” تسربت من المنصة.
وأضافوا أن سفنا مزودة بمعدات لإزالة التلوث تعمل لمنع وصول بقعة المحروقات إلى سواحل لوزيانا والاباما وميسيسيبي التي تأثرت أنظمتها البيئية من قبل بعدد كبير من الأعاصير. من جهة أخرى، قال خفر السواحل الجمعة أنهم انهوا عمليات البحث للعثور على احد عشر شخصا فقدوا منذ وقوع الانفجار.
وقالت الادميرال ماري لاندري التي تعمل في خفر السواحل في نيو اورلينز ” لا يمكننا ان نتوقع العثور على ناجين بعد الآن”. وأضافت إن هؤلاء المفقودين كانوا على ما يبدو على المنصة عند وقوع الانفجار الذي تسبب في غرق المنصة الواقعة على بعد سبعين كيلومترا قبالة سواحل نيو اورلينز (ولاية لويزيانا، جنوب).
وتابعت المسؤولة “اذا حدث أي تسرب فسنكون جاهزين للتحرك”، مؤكدة ان السلطات تستعد “لأسوأ سيناريو”. وكان 126 شخصا على المنصة عند وقوع الانفجار الذي تلاه حريق كبير. وقد تمكن 115 منهم من الوصول الى الشاطئ. وبين هؤلاء 17 جريحا أربعة منهم في حالة حرجة.
وكانت المنصة التي تحمل اسم “ديب ووتر هورايزن” تحوي 2,6 مليون لتر من النفط وتستخرج ثمانية آلاف برميل يوميا، أي نحو تسعين ألف لتر.
وأكد الرئيس الأميركي باراك اوباما الخميس ان “الأولوية الأولى” للحكومة ينبغي ان تكون التعامل مع تداعيات حادث المنصة النفطية في خليج المكسيك التي غرقت الخميس متسببة بتلوث نفطي.
وقال البيت الأبيض في بيان ان اوباما “أكد أن الحكومة الفدرالية تقدم كل المساعدة الضرورية في جهود الإنقاذ وكذلك في التعامل مع تأثير (هذا الحادث) على البيئة واحتوائه”.
ونشرت مجموعة بريتش بتروليوم البريطانية التي تستأجر المنصة سفنا لمراقبة أي تسرب نفطي وأثره على البيئة في ما يمكن أن يؤدي الى أسوأ بقعة نفطية في الولايات المتحدة منذ تلك التي حدثت في 1989 بعد غرق ناقلة النفط “اكسون فالديز”. وكانت هذه الناقلة التي جنحت إلى سواحل الاسكا سببت تسرب أربعين مليون لتر من النفط امتدت على مسافة 1300 كلم.
واحترقت المنصة التي يبلغ طولها 121 مترا وعرضها 78 مترا، ليوم ونصف اليوم. وقالت الشركة السويسرية “ترانس اوشن” المالكة للمنصة انه لم يكن من الممكن “تجنب احتمال تسر

18- البرمجة التلفزيونية في القنوات التلفزيونية العربية: دراسة تحليلية للأسس والدلالات، مجلة البحوث والدراسات الإنسانية، جامعة سكيكدة، الجزائر، عدد 5 مارس 2010

19- المدونات الإلكترونية والصحافة: تغيير المنظور لإستجلاء الأفق المعرفي، المجلة العربية لعلوم الإعلام، المملكة العربية السعودية، عدد 5 نوفمبر 2009 ص ( 243-293)
النص الكامل: http://samc.org.sa/arab-journal

20- الهوية الوطنية والتلفزيون: عشر اطروحات لتطليق المسلمات، نشر في مجلة ” المعيار” بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، بقسنطينة – الجزائر، أذار 2009، ومجلة عالم الفكر، الكويت، عدد 2، المجلد 38، 2009

الملخص:

إن مسألة الهوية تطرح في كل المجتمعات، تقريبا، لكن الإحساس بها وطرائق التعبير عنها وتبعاتها تختلف من مجتمع إلى أخر. وهذه الدراسة لا تطمح إلى تسليط الأضواء على مظاهر توتر الهويات المختلفة في العالم، بل ترمي إلى تفكيك العلاقة الجدلية بين التلفزيون والهوية منطلقة من مفهوم هذه الأخيرة وتعاطيها مع التلفزيون. وبهذا فإنها تخرج من النموذج النظري Paradigm الذي يبرز التلفزيون، وما يقدمه من واقع رمزي، في صورته القوية المالكة لسلطة صياغة الهوية أو إعادة تشكيلها، ويظهر الهوية في وضعها الثابت والقار والمنغلق على ذاتها والضعيفة في وجه قوته. لتحقيق هذا الطموح و طرحت هذه الدراسة للمناقشة عشر أطروحات للكشف عن مدى تعقد ظاهرة الهوية وصعوبة الحديث عن علاقتها بالتلفزيون الذي عاش تحولا كبيرا في مقامه القانوني وأدواره الاجتماعية وتعددية مضامينه.

الكلمات الدالة: الهوية، التلفزيون، التلقي، التمثل، الجمهور، إنتاج المعنى.

National Identity and television: Ten assumptions to end the axioms

Abstract:

The question of the national identity settles in almost all the countries. But its acuteness postpones from a country to the other one, and from a community to the other one.
This study aims by no means at putting the light on the various forms of expression of the national identity. It contents with disintegrating the dialectical relation between the television and the National identity by basing itself on its definition in its relationship on the television and not the opposite. In this sense it questions paradigm which invested the television of an inestimable power which shapes the identity as it pleases. And presents the national identity contained on it and in a vulnerable state.

This study puts in debate ten postulates to explain better the complexity of connections between the television and the national identity

Key Words: Television, Identity, Public, Reception, Representation, production of meaning

21- الصورة في الأخبار التلفزيونية العربية: بين النظر والرؤية: نشر في المجلة الجزائرية الاتصال، في العدد 21يونيو 2009
http://caus.org.lb/Home/electronic_magazine.php?emagID=234&screen=0

22- ” بعض الاافتراضات لدراسة علاقة الإعلام بالحرب”– المجلة الجزائرية للاتصال، عدد 12، 2004 ص ( 24- 38)
23- “الخطاب عن تكنولوجيا وسائل الاتصال الحديثة والمجتمع: بين الواقع الماثل والواقع المأمول” ، حولية جامعة الجزائر عدد 13 يونيو 2000 ص: 85- 120
24- البنيوبة، الاتصال، الفضاء الثقافي العربي: المجلة الجزائرية للاتصال ( الجزائر) العدد 17 1999-
25- « structuralisme, communication, espace culturel arabe: Quelques hypothèses de recherches, Annales de l’université d’Alger N11/avril 1998,T1 (P 11-25)
26- “ البنيوية والدراسات الإعلامية“: حولية جامعة الجزائر، عدد 10/ أبريل 1997 الجزء الثاني ( الجزائر) ( ص 361- 369)
27- إشكالية المحلي في علاقة وسائل الاتصال بالمجتمع”: المجلة التونسية للاتصال- تونس- عدد 15/ يناير- 1997 ( ص32-58) والمجلة الجزائرية للاتصال العدد 15 – جانفي- يناير 1997 ( ص 32 – 56)
28- ” عن مفهوم الثقافة الجماهيرية: المجلة الجزائرية الاتصال، عدد 14/ ديسمبر 1996 (226-243)
29- الخطاب الإعلامي في حرب الخليج” : المجلة التونسية للاتصال، عدد 19/ يناير1991 ( ص 85-99)
30- -” الإعلام الجزائري في ظل التعددية” : الدراسات الإعلامية ( مصر)، يوليو/أيلول 1990(ص51-58)
31- إشكالية الكتابة الصحفية في الجزائر، الملة التونسية للاتصال، عدد 24 ، جويلة/ ديسمبر 1993 ( ص 25-42 )
32- مؤشرات البحث العلمي الإعلامي في الجزائر ” المجلة الجزائرية للاتصال عدد 4/ خريف 1989 (63-75)

6 رأي حول “البحوث

  1. استاذ بعض الروابط الدالة على تكملت المقال او امكانية تحميل المقال لم تعد متوفرة او لم يعد المحتوى متوفر عليها ……كيف لنا ان نتحصل عن المحوى كاملا ……وجزكم الله خيرا

    1. معذرة فاطمة كنت أعتقد أن أجبت عن رسالتك… بإمكانك أن تلفتي نظري إلى المقالات التي مات رابطها الإلكتروني لأحاول إحياءها، وإن لم استطع سأرسل لك المقال على بريدك الشخصي إن أردت

  2. شكرا على التنبيه ربما تقصدين المقال العلمي الذي نشر في كتاب جماعي بمركز دراسات الوحدة العربية. بالفعل لقد سحبت هذه المؤسسة الكتاب الذي نشرته في صيغة PDF في شبكة الانترنت. وأعتقد أن هذه هي سياستها. لم يصدر الكتاب جديدا تتركه في شبكة الانترنت حيث يمكن الاطلاع عليه دون تحميله من باب الترويج للكتاب، ثم تسحبه.

  3. السلام عليكم
    دكتور ابحث عن بحث لك بعنوان الصورة في وسائل الاعلام العربي بين البصر والبصيرة… اتمنى ان تصلني نسخة من ذلك البحث
    تحياتي وتقديري لك من بغداد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: