مقالات صحفية


          إنّه زمن المشاهدة النَّهْمَة.

                                                     نصر الدين لعياضي

عزيزي القارئ، هل حدث أن فتحت كمبيوترك أو هاتفك الذكي أو لوحك الإلكتروني، وحمّلت مسلسلا تلفزيونيًّا، ثمّ انزويت لمشاهدة كل حلقاته تباعا، دفعة واحدة دون توقف؟ إنّه سلوك عادي أمسى يستقطب أعدادا متزايدة من المشاهدين من أعمار مختلفة، خاصة الشباب. ويثير فضول الكثير من الباحثين في علم النفس والاجتماع والإعلام. إن فعلت ذلك، فما هي العبارة المناسبة التي تصف بها بهذا النمط من مشاهدة المسلسلات أو الأفلام؟

يلخصه الناطقون باللغة الإنجليزية في كلمتين متلازمتين:” binge-watching “، فالكلمة الأولى تعني، حسب قاموس أكسفورد، فترة قصيرة من الوقت يصرفها المرء في نشاط معين، كتناول الطعام أو الشراب. ثم تدرج استعمالها لتكتسب معنى الاسراف في الشراب أو المرح الصاخب أو حفلة سمر.

حاولنا العثور عن المقابل العربي المناسب لهذا النمط من المشاهدة التلفزيونية فلم نفلح. فارتأينا الاستعانة بخدمات برنامج الذكاء الاصطناعي ” جيميني” Gemini. فأخبرنا بأنه تُرجم إلى اللغة العربية بصيغ مختلفة، مثل المشاهدة الماراثونية، التي تتطابق مع سباق الماراثون الطويل. وتعبر عن فكرة المشاهدة المسترسلة لساعات طوال دفعة واحدة. والمشاهدة المتواصلة: وهو توصيف حسي للاستمرار في المشاهدة فترة طويلة دون توقف. وترجم أيضا إلى ” إدمان المسلسلات”. وتفتقد هذه الصيغة الدقة لأنها لا تعني مشاهدة حلقات المسلسل الواحد، بل تشمل كل المسلسلات، ولا تميز هذا النمط “الجديد من المشاهدة” عن النمط المألوف والتقليدي. وتحصر المشاهدة في المسلسلات فقط. هذا فضلا عن تضمينها السلبي للفعل، إذ تعتبره حالة مرضية، عافكم الله منها، يعاني منها المولعون بهذا النمط من المشاهدة.

وترجم إلى المشاهدة النَهّمَة. وينصحنا برنامج الذكاء الاصطناعي المذكور أعلاه باعتمادها، إذ يعتقد أنها أكثر دقة وذيوعا. وربما لأنها ذات صلة ذهنية بدلالتها الأصلية في اللغة الإنجليزية؛ أي الإسراف في الأكل والشرب، مثلما ذكرنا أنفا.

ورطة المفهوم:

إذا اعتبرنا أن الترجمة الأخيرة، المشاهدة النَهّمَة، أقرب إلى التعبير الإنجليزي، فهذا لا يغطي على قصورها في إيصال المعنى المقصود، لأنها تشير إلى أن المرء يسعى إلى إشباع شراهته في المشاهدة التلفزيونية؛ بمعنى أنه يميل إلى مشاهدة البرامج التلفزيونية بشكل مسترسل لفترة طويلة، بصرف النظر عن نوعية هذه البرامج وعددها. ولا تدل على المشاهدة غير الخطية لمسلسل واحد؛ أي الانتقال من سياق المشاهدة المتدرجة: حلقة بعد أخرى، إلى سياق مشاهدة الحلقات بشكل متواصل دون انقطاع، مما ينشئ سياق للمشاهدة مختلف عن السياق المألوف. هل هذا يعني أننا أمام ورطة الترجمة أم إشكالية المفهوم؟

أشار فريق من الباحثين من اختصاصات مختلفة، ومن جامعات متعددة: غرنوبل بفرنسا، وهلسنكي بفنلندا، وبالتيمور بالولايات المتحدة الأمريكية، وأمستردام بهولندا إلى إشكالية هذا المفهوم في بحثهم المشترك المعنون بـ ” المشاهدة المتسلسلة النهمة لمحتويات الفيديو: ضرورة المراجعة ذات الاختصصات المتعددة “، الصادر في الصادر 2019. لقد أجمعوا على الرأي القائل إن هذا النمط من المشاهدة ما انفك يزداد انتشارا ليصبح ظاهرة اجتماعية وثقافية لكنه يفتقد الدقة في التحديد اللسانيّ.

من أجل معالجة إشكالية هذا المفهوم يتجه التفكير إلى بعض محدّداته: الاستهلاك المفرط والسريع للمحتويات الإعلاميّة التي تكون غالبا مسلسلات تلفزيونية أو أفلام أو برامج أخرى، مثل مباريات كرة القدم للفرق التي وصلت إلى الربع النهائي من الدوري القاري أو كأس العالم. وهذا الاستهلاك أصبح ممكنا بفضل منصّات البثّ أو التوزيع، مثل منصّة بينج – Binge- لاحظ تشابه الأسماء- إنّها منصّة أستراليّة مختصة في بث الفيديو وفق الطلب، تقترح قائمة من المنتجات السمعية-البصرية الشعبيّة: مسلسلات وأفلام وثائقيّة على مشتركيها. ثمّ تلتها المنصّات التالية:  ناتفليكس Netflix، وأمازون برايم  amazon prime ، وديزني بلاس Disney plus ، ومواقع الشبكات الاجتماعيّة التي وسعت شعبية هذا النمط من المشاهدة. وفي نظر هؤلاء الباحثين، إن المشاهدة تصبح نهمة إذا زادت مدتها عن ثلاث إلى أربع ساعات متواصلة.  وقد صنفها البعض إلى صنفين: المشاهدة النهمة المبرمَجة، أي التي سبق التخطيط لها: اختيار نوع المسلسل التلفزيوني، وتعيين الوقت المحدّد لمشاهدة كل حلقاته. والمشاهدة النهمة بالصدفة، أي أن المشاهد يقرر في أخر دقيقة ما يشاهده من قائمة المعروضات. هذا، وتتعدد الأسباب التي تدفع المرء إلى اختيار هذا النمط من المشاهدة، نذكر منها تسجية الوقت والقضاء على حالة الضجر، وتعديل المزاج، وتلبية الفضول في اكتشاف نهاية المسلسل، وهي الحالة ذاتها التي يعيشها بعض القراء الذين خانهم الصبر، فينتقلون رأسا إلى الفصل الأخير لمعرفة نهاية الرواية أو فك الحبكة  بعد قراءة فصولها الأولى، والتدريب على السيطرة على العواطف والتحكم فيها.

 الفروق

ما هو الفرق بين المشاهدة الخطية؛ أي المشاهدة التقليدية للمسلسلات التلفزيونية التي آلفناها منذ سنوات، والمشاهدة النهمة؟ إن المشاهدة الأخيرة تمنح للمشاهد الحرية: حرية اختيار ما يشاهد بيسر، ومتى يشاهد، ومدة المشاهدة المسترسلة وإيقاعها، وأين يشاهد، ووسيلة التي يستعملها في المشاهدة، والمنصة التي يفضلها. إنّها الحرية المفقودة في المشاهدة الخطية التي يعترضها العديد من العوائق: وقت البث، والمنتج الثقافي المعروض للمشاهدة والمفروض على الجميع، ومكان المشاهدة، ووسيلة المشاهدة. ففي السابق كان المشاهد مجبرا على انتظار موعد بثّ كل حلقة من حلقات مسلسله المفضل كل مساء أو كل أسبوع. وعليه أن يعلق نشاطاته اليومية، ويتفرغ للمشاهدة خوفا من أن تفوته حلقة من حلقات المسلسل، فتضطرب متابعته لأحداث المسلسل وتطوراته. هذا فضلا على أن المرء يتحرّر من ضغط القلق والترقب الذي تفنن كتاب السيناريو والمخرجون في ممارسته في نهاية كل حلقة من حلقات المسلسل التلفزيوني من أجل شدّ المشاهد وتشويقه لفك اللغز واكتشاف المفاجأة التي تنتظره في الحلقة التالية. وعلى القارئ الكريم أن يتصور كيف تطورت ممارسة تقنيات الترقب والتشويق في مئات الحلقات في المسلسلات الطويلة التي تدوم مدة بثّها سنوات. كما أن المشاهدة غير الخطية تُنسي المرء عاداته القديمة: المشاهدة بالمواثبة؛ أي استعمال أداة التحكم عن بعد Remont Control للقفز من مشاهدة قناة إلى أخرى، ومن برنامج تلفزيوني إلى أخر، لتفادي ما يسميه الفرنسيون “النفق الإعلاني”، أي تمطيط مدة بث اللقطات الإعلانية إلى درجة أنها تبلع حلقة المسلسل التلفزيوني. وتُنْسي المشاهد ما دار فيها من أحداث وما سمع من أقوال. إنه النفق ذاته الذي تعود عليه عشاق المسلسلات التلفزيونية في الفضائيات العربية في شهر رمضان الفضيل.

ما وراء المفهوم:

أحدثت “المشاهدة التلفزيونية النهمة” جملة من التحولات على المستوى الاجتماعي، والإعلامي، والنفسي، والاقتصادي.

إن كانت مشاهدة المسلسلات التلفزيونية في السابق تجمع أفراد العائلة، فإن المشاهدة النهمة تعمل على تفتيتهم. ليس هذا فحسب، بل تعمل على إلغاء الطابع الجماهيري للتلفزيون الذي كان يجمع شرائح واسعة من الجمهور، ويعزّز لحمتها الاجتماعية، ويوحد مشاعرها وأحاسيسها. ويدعم قاسمها المشترك الثقافي والعاطفي. وتثبت مكانة ما أصبح يعرف” بوسائل التواصل الجماهيري الذاتية”: الهاتف الذكي، والكمبيوتر الشخصي، واللوح الإلكتروني، الذي يفتح المجال للعزلة والانفراد في المشاهدة.

وإن كانت العزلة والاستقلالية في السلوك مألوفة في المجتمعات الغربية، فإنها غير ذلك في المجتمعات ذات النزعة الجماعية، بل إنّها مقلقة ومريبة. ففي مجتمعاتنا العربية لا نتقبل بسهولة فكرة أن الشخص يمارس الألعاب الالكترونية الانفرادية، فالألعاب في ثقافتنا جماعية بالضرورة أو يشارك فيها اثنان على الأقل. كذلك الأمر بالنسبة إلى الانزواء لمشاهدة مسلسل تلفزيوني لساعات.

يبدو أن الانزواء والانفراد يجري في الظاهر فقط؛ أي على الصعيد الفيزيائي، بينما في الواقع هو “انفراد وسط  الجماعة” alone together، على حد تعبير عالمة الأنثروبولوجيا والنفس، الأمريكية “شيري توركل” Sherry Turkle التي لاحظت بأن التكنولوجيا المعاصرة تدفع الفرد ليعيش حياته منعزلا وسط الجماعة عبر ما يمارسه من نشاط مع أصدقائه ومعارفه عبر الانترنت. ففي حالة المشاهدة النهمة، يتابع الفرد عبر شاشة كمبيوتره الشخصي حلقات مسلسله التلفزيوني تباعا، ويرسل في الوقت ذاته انطباعاته وآراءه عما يشاهده إلى أصدقائه، في شكل تعليقات على أداء الممثلين أو الإخراج أو الأحداث أو الحوار، والتي تفضي إلى تقييم المسلسل بهذا القدر أو ذاك. وهكذا تثري تجربته، وتتسع معارفه ومداركه التي من الأرجح أن تؤثر على اختياراته المستقبلية في انتقاء المسلسلات. ولعل هذه التفاعلات التي تجري أثناء المشاهدة النهمة هي التي تساهم في تشكيل المعجبين بالممثلين، والمخرجين، التي تتسع دائرتهم خارج أوقات المشاهدة. وقد استعان علماء الاجتماع بجماعة المعجبين لفهم آليات تشكل المؤثرين في مواقع الشبكات الاجتماعية.

أما على الصعيد الإعلامي، فإنها تدفع كتاب السيناريو إلى مراجعة طرائق كتابتهم، وتكييف سردهم التلفزيوني لظروف المشاهدة المتواصلة، والاستغناء عن فبركة حالة التشويق الضعيفة التي لا دور لها في البناء الدرامي للمسلسل التلفزيوني سوى تشويق المشاهد لتجديد موعده لمشاهدة الحلقة التالية، والاستغناء عن المماطلة والترهل في سرد الأحداث التي تثقل المسلسل التلفزيوني. وتعفي مخرجه من التمطيط وتلخيص مضمون كل حلقة والتذكير بأحداثها. والحقيقة أن كتاب السيناريو والمخرجين يستفيدون كثيرا من ملاحظات وتعليقات المشاهدين، لأنهم يتبادلون معهم الآراء والأفكار عبر مواقع الشبكات الاجتماعية التي تشجع النقاش عن المسلسلات التلفزيونية مع المعجبين والمتابعين.

أما نفسيا، فإن المولع بالمشاهدة النهمة، يعيش تجربة مختلفة. فالاستغراق في مشاهدة المسلسل لفترة ممتدة، يدفع المشاهد للانسجام أكثر مع أحداث المسلسل وأبطاله، بل ينغمس في أجوائه؛ أي يُبْتَلع مثلما ذكر الناقد التلفزيوني الأمريكي، جيمس بونيوزيك James Poniewozik.  ويتآلف مع الممثلين، ويرتبط بهم عاطفيا أكثر، ويستأنس بالديكور والهندام والموسيقى. فتتغلل في حياته اليومية دون وعي في بعض الأحيان. لقد شجعت هذه التجربة الباحثين على إجراء البحوث الاجتماعية والنفسية لمعرفة حالات الإشباع الأني والمتزامن والمؤجل من المشاهدة النهمة. وهي العناوين البارزة للبحوث التي اهتمت بكفية التوفيق بين تدفق المحتويات التلفزيونية المتشابهة والمتماثلة عبر المنصات الرقمية المختلفة وإشباع حاجات الجمهور المتنوعة.

يؤدي سعي الجمهور إلى تحقيق إشباعاته من المشاهدة الممتدة للمسلسلات التلفزيونية إلى الإدمان. وقد لاحظ الباحثون أن بعض عشاق هذه المشاهدة يشعرون بحالة من الفراغ واليأس بعد الانتهاء، مباشرة، من مشاهدة كل حلقات المسلسل دفعة واحدة، خاصة إن كانت خاتمته لا تساير توقعاتهم، أو على الأقل لا تسير وفق ما تشتهي رياحهم. إن الأمر ينطبق أكثر على الأشخاص الحساسين والعاطفيين الذين يذرفون الدموع بسخاء على مصير بعض الممثلين والممثلات.

خلافا للقنوات التلفزيونية الكلاسيكية التي تعتمد على الإعلان كمورد لتمويلها، تسعى المنصات الرقمية إلى ضمان تمويلها من مشتركيها. وتستغل هذه المنصات هذا النمط من المشاهدة لرفع عائد الاشتراكات. ليس هذا فحسب، بل توظف خوارزمياتها لتوجيه مشتركيها نحو نوع معين من الأفلام أو المسلسلات، أي ” ترويضهم”، إن صحت العبارة. والذي يتم باستخدام جملة من التقنيات، منها “التجسس” على المشاهد لمعرفة ميوله وما يفضل مشاهدته من خلال تعقب آثار إبحاره في شبكة الانترنت و”جولاته” في مواقع الشبكات الاجتماعية، وبالتوصيات التي توجهها له، وبالإعلان عن أفضل الأفلام والمسلسلات التلفزيونية التي تحصل على الرتبة الأولى في مؤشر المشاهدة لأنها حظيت بأكبر عدد من المشاهدة أو الإعجاب خلال أسبوع أو شهر. وغيرها من التقنيات التي “تسعر” المنافسة بين المنصات الرقميّة المختصة في بثّ الأفلام والمسلسلات التلفزيونية.

وفي النهاية يمكن القول، أن المشاهدة النَهّمَة ليست الأداة الفضلى لامتصاص وقت الفراغ، بل إنها سلاح لترسيخ الثقافة المهيمِنة التي تفرضها القوى الاقتصادية والتكنولوجية العالمية التي تصقل ذائقتنا وعواطفنا، بل تدفعنا لنشارك في ذلك برضا تام.

تحرّي الأخبار والمعلومات.. إشعال شمعة أفضل من لعن الظلام

نصر الدين لعياضي

أراد أحد “المتفذلكين” البولنديين أن يمازح أصدقاءه، ومتابعي مدونته الإلكترونيّة؛ فنشر الخبر التالي: “جهّز الجيش البولندي طائرة من سلاحه الجوي محمّلة بالمواد الغذائية والأدوية والخيم لإغاثة وتقديم العون لضحايا زلزال جمهورية هايتي الذي خلف ما يقارب ثلاثمائة آلاف قتيل، وعددًا مماثلًا من الجرحى والمصابين، علاوة على حوالي (1.3) مليون دون مأوى؛ لكن قبطان الطائرة ضلّ طريقه؛ وحطّ في جزيرة “تهايتي”، لقد تشابه عليه أسم هذه الجزيرة التي تقع في المحيط الهادي، وهي بالمناسبة، أكبر جزر بولينيسيا الفرنسية، واسم جمهورية هايتي التي تقع في جزر الانتيل الكبرى في بحر الكاريبي.
الكلّ أدرك ببداهة أن هذا الخبر مجرد دعابة إلا بعض وسائل الإعلام التي بثته دون أن تفحصه وتمحصه وتتحرى صحته، بما فيها القنوات التلفزيونية ذات الشأن الكبير، مثل القناة الأولى – الخاصة – في التلفزيون الفرنسي، وهكذا تحولت الدعابة إلى قضية جدية أقلقت السلطات البولندية فسارعت إلى تفنيد الخبر جملة وتفصيلًا، وأكدت أن لا أساس له من الصحة، ويتجاوز المعقول في الملاحة الجوية.
حدث هذا في العاشر من شهر فبراير 2010م؛ أي قبل أن يرتفع عدد مستخدمي شبكة الإنترنت في العالم، وينتشر ما أصبح يعرف بالأخبار المزيفة، وتتطور تقنيات ممارستها في وسائل الإعلام التقليدية، والميديا الاجتماعية على وجه الخصوص، وقبل أن يسمع الصحافيون وملاك وسائل الإعلام بالتزييف العميق (Deepfake)؛ الذي يعني التلاعب بالصور وشرائط الفيديو ومكوناتها لتصبح شديدة التطابق مع الصور الأصلية بحيث يعجز المرء، غير الخبير، عن تمييزها عن غيرها.

طوفان النشر الإلكتروني
يخبرنا موقع “ستاتيسكا” للبحث في شبكة الإنترنت إن عدد الإنترناتيين في العالم سيبلغ (5.56) مليار في نهاية السنة الجارية، وأن عدد الرسائل التي يتم تبادلها عبر منصة “الواتساب” يبلغ حوالي (42) مليون رسالة في الدقيقة الواحدة، وأن مليار ساعة من شرائط الفيديو تشاهد يوميًّا في منصة “اليوتيوب”! حسب صحيفة “لو دوفيني ليبيري” الفرنسية الصادرة في 23 أبريل 2025م، ويُدْرج (510) ألف منشور في الثانية الواحدة في موقع “الفيسبوك”!.
أمام هذا الطوفان من المواد المكتوبة والمسموعة و(السمعية/البصرية) المنشورة عبر مواقع الشبكات الاجتماعية، المفروض من وسائل الإعلام التقليدية، التي تنهل منها وتعتبرها مصادر إخبارية، أن تعيش في حالة طوارئ دائمة من تحرّي الأخبار لاكتشاف المزيفة أو الملفقة فتحظر نشرها.
والأخبار المزيفة هي المصطنعة أو المُشَوَّهة أو المُحًرَّفة التي تنشرها وسائل الإعلام التقليدية أو تدسّ في الميديا الاجتماعية عن قصد لأسباب متعدّدة، نذكر منها: “تضليل الجمهور أو مستخدمي الإنترنت، وتشوّيه سمعة شخص أو مؤسسة ما أو بلد، وتفضيل حزب سياسي، والطعن في حقيقة علمية أو طبية مثبتة ومؤكدة، والتسلية، والحصول على منافع، وتصفية حسابات سياسية، ورفع عدد متابعي المنصّة الرقمية أو القناة التي تنشرها”.

ما معنى تحرّي الأخبار والبيانات؟
تجيب “صوفي مليبرو” (Sophie Malibeaux)، نائب رئيسة تحرير إذاعة فرنسا الدولية، عن هذا السؤال بالقول: إنها مجمل الممارسات والأدوات التي تسمح بالتحرّي بطرائق مختلفة عن الأخبار والمعلومات “صور، نصوص، شرائط فيديو، إشاعات تم بثها عبر الميديا الاجتماعية”، وغيرها من أنواع المحتويات.
ويعرفها بعض الباحثين بأنها: “مسار من التحليل وتدقيق الأخبار والمعلومات التي تنشرها وسائل الإعلام في سياق خاص والتثبّت من صحتها”.
ويبدأ هذا المسار من المصدر الأصلي للأخبار والبيانات لينطلق في تحليل الصور وشرائط الفيديو، والتحرّي عن تصريحات رجال السياسة، وعن المعلومات الطبية والعلمية والتكنولوجية، وعن الإحصائيات المنشورة والمتعلقة بقطاع اقتصادي أو تجاري معين.
إنه مسار معقد وشاق يتطلب منهجية عمل، وصبر وتريّث في الحكم، وكفاءة تقنية، ومهارات لولوج مصادر المعلومات.
يعتقد بعض الباحثين أن ممارسة تحري الأخبار أنتجت نمطًا من الصحافة يقدم ضمانات للجمهور عن صحتها وصدقها، ويعمل على تحويل الأخبار والمعلومات إلى معرفة في خدمة المواطنين.
لقد استطاع هذا التحرّي أن يفرض قالبه التعبيري المستقل والقائم بذاته، على غرار بقية الأنواع الصحفية، مثل التقرير الصحفي، والمقال والعمود الصحافيين، وتخصّص له الصحف زاوية في الجريدة، مثل “المفكك” في صحيفة “لوموند” الفرنسية أو برنامج إذاعي، على غرار برنامج “ما وراء الخبر”، الذي تذيعه نائب رئيس التحرير “صوفي مليبرو”، على موجات إذاعة فرنسا الدولية، أو برنامج تلفزيوني مثل برنامج “الملاحظ” على قناة “فرنسا 24” التلفزيونية، وبرنامج “فك التشفير” الذي يبث على قناة “آرتي” التلفزيونية التابعة لفرنسا وألمانيا.
ويذهب بعض الباحثين في تنظريهم لتحرّي الأخبار في البيئة الرقمية إلى القول: “إنه أصبح يمثل اتجاهًا في الصحافة الرقمية يتّسم بالتعاون خارج حدود دائرة التحرير الصحفي التقليدي، يجمع الصحافيين، والجمهور، والعُدَّة التقنية، وهيئات المجتمع المدني”.
خلفًا لما يعتقد البعض، إن التحرّي عن صحة الأحداث والأخبار لم يظهر في مطلع هذا العقد، بل استخدمته الصحف الأمريكية في عشرينيات القرن الماضي، فصحيفة “التايم” الأمريكية، على سبيل المثال، وظفت صحافيين في عام 1920م، لمراجعة موادها الصحفية: يدققون في أسماء الأشخاص، والمدن والبلدان، والتواريخ، والأرقام، والمساحات، والأوزان، والأسعار، وفي تصريحات السياسيين، وفي الأحداث قبل نشرها.
وإن كانت غاية هذه العملية تكمن في إضفاء الشفافية على العمل الصحفي وطمأنة القارئ على صحة الأخبار والمعلومات التي تنشرها، فقد فرضها حرص الصحيفة وخوفها من المتابعات القضائية والغرامات المالية، إنْ نشرت أخبار مغلوطة عن أشخاص أو مؤسسات أو قدمت إحصائيات تضر بالشركات والمؤسسات.
لم تدرج مهنة تحرّي الأحداث والأخبار في التداول اليومي إلا في عام 1990م، بعد أن اختص بعض الصحافيين في الاستقصاء عن مضمون التصريحات التي يدلي بها السياسيون، ثم انتشرت هذه المهنة بعد أن اتسع الاستخدام الاجتماعي لشبكة الإنترنت، ووقوع أحداث 11 سبتمبر 2001م، حين زاد الشك في الرواية الرسمية عن هذه الأحداث، فراح كل مستخدم لشبكة الإنترنت يعلق عليها دون امتلاك معلومات كافية، وخلفية في العمل الصحفي، ولا التزام بالضوابط الأخلاقية التي يستلزمها العمل الإعلامي، وقد حققت له تكنولوجيا الاتصال ذلك، وهذا أدى إلى ارتفاع منسوب الأخبار المغلوطة وحتى المزورة في شبكة الإنترنت، وقد شعر الصحافيون الأمريكيون بأن الأخبار المزيفة أصبحت تهدد مهنتهم فقاموا بالرد، فأنشأوا مواقع في شبكة الإنترنت لفحص الأخبار، مثل موقع “بوليفاكت” في عام 2007م، التابع لصحيفة “تامبا باي تايمز” (Tampa Bay Times) الذي حصل على جائزة “بوليتزر” المشهورة في عام 2009م، لما قام به في مجال تحرّي الأخبار، الأمر لا يقتصر على الولايات المتحدة الأمريكية، فقد أنشأت العديد من الصحف والمؤسسات الإعلامية في العالم مواقع لها في شبكة الإنترنت لتحرّي الأخبار والمعلومات، بل أن عدد المنصات الرقمية التي أنشئت خارج المؤسسات الإعلامية التقليدية لهذا الغرض ما انفكت تزداد منذ بداية العقد الماضي، لتبلغ اليوم (300) منصة في العالم!

أسباب أخرى
تزايد الاهتمام بعملية تحرّي الأخبار والمعلومات منذ بداية العقد الثاني من الألفية الحالية نتيجة الانتشار السريع والواسع لظاهرة الأخبار المزيفة التي أصبحت بمثابة العملة الرديئة التي تطرد العملة الجيدة في السوق، لقد ازدهرت هذه الأخبار أثناء الحملات الانتخابية في البلدان الديموقراطية، لذا نلاحظ أن بعض وسائل الإعلام أنشأت مواقع لها خصيصًا للتحري فيما يروجه المرشحون للرئاسة في الحملات الانتخابية، هذا ما جرى في فرنسا، على سبيل المثال، في موعديها الانتخابيين، في 2012م و2017م، وفي زمن الأزمات والجوائح، مثل جائحة كورونا في 2019م.
توجد عوامل أخرى، تدفع إلى التدقيق في الأخبار والمعلومات المتداولة في وسائل الإعلام التقليدية أو في الميديا الاجتماعية، نذكر منها، على سبيل المثال وليس الحصر، التغيير الذي طرأ على قواعد العمل الصحفي، ففي عصر التكنولوجيا التناظرية كانت المؤسسات الإعلامية تتحرّى في أي خبر قبل أن تنشره، لكن اليوم تندفع المواقع والمنصات في شبكة الإنترنت، تحت واقع المنافسة، إلى نشر الأخبار أولًا، ثمّ تبحث عما يؤكد صحتها، وقد تتنصل من هذه المسؤولية وتضعها على كاهل الجمهور وفق منطق: “نحن ننشر وللجمهور مطلق الحرية في تصديق ما ننشره أو تكذيبه”، لذا نلاحظ أن القسط الأكبر من عملية تحرّي الأخبار والمعلومات يجري بعد نشرها أو بثها.
هذا علاوة على أن معايير الحكم على صحة الأخبار والمعلومات قد تغيرت هي الأخرى، ففي السابق كانت المصداقية تستشف من مصادر الأخبار، والمؤسسات الإعلامية التي تنشر الخبر أو تبثه، ومن الصحافي الذي يوسمه باسمه، أما اليوم فإن المصداقية “تكتسب” من عدد المطلعين على الخبر، فكلما أرتفع عددهم نال الخبر مصداقية أكثر، ولا يخفى على القارئ الكريم أن الميديا الاجتماعية تتفوق على الميديا التقليدية بآنيتها في نشر الأخبار، وبتواجدها في كل مكان، وبعدد متابعي صفحاتها أو مؤثريها والمتفاعلين معهم.

ما بعد الحقيقة
إن ما سبق عرضه من أسباب ليس سوى الجزء البارز من جبل الجليد، فالجبل في هذه الحالة هو ما أصبح يعرف بــ “ما بعد الحقيقة” التي أصبحت تهيمن على الحياة العامة وعلى ذهن الجمهور.
يعرف قاموس أكسفورد “ما بعد الحقيقة” بأنها: “تشير إلى الظروف التي تكون فيها الحقائق الموضوعية أقل تأثيرًا في تشكيل الرأي العام الذي يناشد المشاعر والاعتقادات الخاصة”، فصفة “ما بعد” لا تعني بتاتا أننا نعيش مرحلة تجاوزنا فيها الحقيقة، بل تشير إلى تراجع مكانة الحقيقة في حياتنا اليومية أمام اندفاع المشاعر والعواطف، بمعنى أن الأحداث تصبح حقيقة إن أثارت مشاعرنا وعواطفنا وانساقت مع قناعاتنا، وليس انطلاقًا من تطابقها مع الواقع، ففي هذه الظروف برز مفهوم “الوقائع البديلة”.
ما يقلق رجال الصحافة والمؤسسات الإعلامية هو إخلال صاحب شركة “ميتا”، المالكة لمواقع “الفيسبوك، وانستغرام، واتساب”، بوعده بالإسهام في محاربة الأخبار المزيفة من خلال إشراك الصحافيين والمؤسسات الإعلامية في عملية التدقيق والتحرّي في منشورات مواقعه، لقد انضم مؤخرًا إلى مالك موقع “إكس”، “تويتر” سابقًا، الذي يؤمن بأن عملية التحرّي نشاط مقيد لحرية التعبير، وعوضًا الاستعانة بمختصين وذوي خبرة في غربلة الأخبار واكتشاف المزيفة منها، والمالكين لمهارات التمييز بين الأخبار الصحيحة عن الكاذبة، اكتفى بملاحظات مستخدمي الموقع الذين يشيرون إلى أن هذا الخبر يتضمن معلومات مغلوطة أو تجاوزات أخلاقية، لقد شبه أحد المازحين هذا التحول في سياسة مالك شركة “ميتا”، بذاك الذي يعاني من تسرب المياه في مسكنه، فلم يلجأ إلى سَبَّاك، بل خرج إلى الشارع يطلب المساعدة من المارة للقضاء على تسرب المياه!
إن الإخلال بوعده، جمّد نشاط (80) منظمة مدنية تعمل في مجال التحرّي في صحة الأخبار والبيانات، وتستخدم (60) لغة، وقطع رزق ألفين مدقق خارج الولايات المتحدة الأمريكية.
إنّ هذا الإخلال يثقل كاهل المؤسسات الإعلامية العاملة على تدقيق الأخبار ومحصها.

آليات التحرّي
إن تكنولوجيا الاتصال المعاصرة، على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي “برنار ستيغلر”، تعدّ بمثابة “فارماكوس”، وهي كلمة يونانية الأصل تعني السم والدواء في آن واحد.
بمعنى أنها سهلت نشر الأخبار المزيفة وانتشارها، ووفرت في الوقت ذاته العُدّة التقنية لمحاربتها من خلال تمكين المدققين والصحافيين من التأكد من صحة الأخبار والبيانات عبر منصات ومحركات بحث مختلفة، مثل منصة “هواكسي” (Hoaxy) لتحرّي المعلومات والأخبار، و محرك بحث “تين آي” Tin Eye)) الذي يبحث في ملايين الملفات عن مصدر الصور والتحويرات التي أدخلت عليها، وغيرها من محركات بحث.
بجانب التقصي الآلي أو الرقمي، لازالت بعض المؤسسات الإعلامية تمارس الاستقصاء اليدوي، أي الاتصال مع الأشخاص الذين ورد ذكرهم في الخبر، والعودة إلى الأرشيف وبنك المعلومات والتقارير الرسمية للتأكد من صحة البيانات.
يركز القسم الأكبر من عملية التحرّي على الأخبار والمعلومات المنشورة، وفق مستويات مختلفة.
المستوى الأول؛ أي القاعدي، ويتمثل في تقديم الإجابة عن السؤال التالي: هل الخبر أو المعلومة صحيحة أم لا؟.
أما المستوى المتقدم، فيكشف عن نسبة الكذب أو الخطأ في الخبر، والجانب الناقص أو المسكوت عنه فيه، وعلامات انحيازه أو تضليله، ويكشف عن سياق نشره ومراميه المبطنة.
أخيرًا، يمكن القول: بصرف النظر عن الخلفية التي أدت إلى إنشاء مواقع تحرّي الأخبار والبيانات ونقائصها، فإنها تعدّ بمثابة إشعال شمعة ذات جدوى أفضل من لعن الظلام

العنف في التلفزيون: كيف نقارع الأوهام؟

نصر الدين لعياضي- باحث في علوم الإعلام والاتصال

تحول النقاش حول العنف في التلفزيون إلى موضوع سجالي بامتياز. فلم يستقطب السلطات العمومية وملاك القنوات التلفزيونية ومنتجي المادة السمعية- البصرية، والجمهور العريض فحسب، بل شغل حتّى الباحثين، الذين من المفترض أن يتفقوا على قاسم مشترك يجمعهم. وهذا أضعف الايمان، لكنهم انقسموا إلى فسطاطين: فسطاط يُحمّل وسائل الإعلام والتلفزيون مسؤولية استشراء العنف في المجتمع. وفسطاط أخر، يبرئ ساحتها.

فعن الفسطاط الثاني، يؤكد عالم الاجتماع الفرنسي، أريك ميغري، عدم وجود أي علاقة إحصائية دالة بين وسائل الإعلام والعنف الذي يستشري في المجتمع. وحجته في ذلك أن اليابان، بلد ألعاب الفيديو القتالية وأفلام الكارتون المعروفة باسم مانغانس Mangas التي تنتقد بشدّة لطابعها العنيف، تسجل أقل عدد من حالات الاغتصاب والقتل في العالم. بينما تسجل الولايات المتحدة الأمريكية أكبر عدد من الجرائم على الرغم من الرقابة المشدّدة على برامج قنواتها التلفزيونية. ففي الغالب لا يبثّ أي برنامج تلفزيوني عنيف موجه للأطفال.

الطريق المسدود

يرد وليام جيمس بوتر، رئيس تحرير جريدة البث الإذاعي والباحث الأساسي في مشروع دراسة العنف في التلفزيون الوطني، على هذه الحجة التي يتداولها الكثيرون بالقول: هل من المصادفة أن يبلغ المجتمع الأمريكي الدرجة العالية من العنف التي نعرفها في الوقت الذي تعرض فيه وسائل إعلامه -خاصة التلفزيون – شخصيات جذابة تستخدم القوة البدنية لحل مشاكلها؟  على الرغم من تزايد المؤمنين بالوجود الفعلي لهذه الصدفة، التي لا تخضع لأي تحليل عقلاني، إلا أنها لم تثن الجهود الرامية إلى البحث عن العلاقة الكامنة بين المضامين التي يبثها التلفزيون والعنف السائد في الحياة اليومية.

بالفعل، منذ خمسينات القرن الماضي، واستطلاعات الرأي العام توجه أصابع الاتهام إلى وسائل الإعلام وتحمّلها مسؤولية تزايد الجرائم والاعتداءات في المجتمع، وتطالب بالتقليل من مشاهد العنف في القنوات التلفزيونية، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. ولم تتردّد الدراسات المختلفة عن عنف وسائل الإعلام عن “لوك ” الحجج المتعارضة، وتقديم النتائج المتباينة، بل حتّى المتناقضة. الأمر الذي دعا عالم الاجتماع الفرنسي المذكور أعلاه إلى التعليق عليها بالقول: لقد أضحت دراسة أثر عنف وسائل الإعلام على سلوك الجمهور استثمارا ذا عائد مرتفع بالنسبة إلى العديد من الباحثين. فحيت بإنتاج متواصل من المقالات والكتب ومتزايد، ممّا يفسر الطلب الاجتماعيّ والمؤسساتي الكبير عليها من لدن الهيئات المختلفة: الأسر، والدولة، العدالة، والسلطات المكلفة بمراقبة وسائل الإعلام، وغيرها. لكن هذا الكم من المقالات والكتب لم يفض إلى أي نتيجة علمية كبرى، هذا إذا استثنينا تلك التي تعترف بعدم وجود نتيجة. ) وهذا شرط لديمومة البحث حول الموضوع {(.

يمكن للقارئ الكريم أن يتساءل: لماذا وصلت الدراسات عن العنف ووسائل الإعلام إلى هذا الوضع، الذي يمكن وصفه بالطريق المسدود؛ وأين الخلل؟ السبب فيما يبدو أن الكثير من نتائج الدراسات استندت إلى أحكام مكتسبة تعبر عن نظرة أصحابها إلى الموضوع، وغني عن القول إن هذه الأحكام بنيت على معلومات خاطئة أو مبتورة. لذا يدعو ” وليام جيمس بوتر” إلى ضرورة التشكيك في الاقتناعات الراسخة عن الموضوع، والابتعاد عن الطرائق المألوفة والمعتادة التي أطرت التفكير في ” عنف التلفزيون”، في كتابه المعنون بــ” إحدى عشرة أسطورة عن العنف والميديا، الصادر في 2003.

يمكن استبدال الوهم أو المسلمة بالأسطورة من باب تيسير الفهم، وتقريبه إلى الذهن، خاصة في ظل الخلط بين معطيّن مختلفين في فهم موضوع العنف التلفزيوني. المعطى الأول، يتمثل في مظاهر العنف التي تتخذ أشكالا متجلية في الشاشة الصغيرة، حتى وإن حدث اختلاف في تحديدها، والمعطى الثاني يكمن في تأثير هذا العنف على الجمهور؛ أي كيف يفهم الجمهور هذا العنف، ويؤوله؟ إن الفرز بين المعطيين لا يحسم الخلاف في موضوع العنف التلفزيوني، وإن كان يوجه النقاش. والسبب في ذلك يعود إلى اعتقاد الباحث المذكور إلى وجود أربع ثقافات تنظر، بشكل مختلف، إلى هذا الموضوع، وهي: ثقافة المنتجين { كتاب السيناريو، مخرجبن، مديري التصوير، معدي شبكة البرامج التلفزيونية ، وغيرهم} ، الذين ينتجون أو يشاركون في إنتاج المواد الدرامية، وحتّى البرامج الرياضيّة والإخبار التلفزيونية التي أصبحت بدورها تتسم بدرجة من العنف أحيانا، وثقافة الجمهور الذي يشكو من عنف البرامج التلفزيونية وبالمقابل يخصص المال والوقت لمتابعتها! وثقافة الباحثين الذين ينتجون معارف عن أشكال العنف في وسائل الإعلام، ويكشفون عن الطرائق التي تعرض على الجمهور، وثقافة أصحاب القرار الذين يسعون إلى إحداث التوزان بين نقد الجمهور وحق المنتجين والمخرجين في ممارسة الفن.

ويسجل الباحث وليام ليام جيمس انغلاق كل مجموعة من هذه المجموعات الأربع على ثقافتها، واكتفاءها بما تعتقد أنه صائب عن العنف في التلفزيون. فتشحذ خطابها بأدلة تخدم وجهة نظرها دون أن تلتفت إلى حجج أصحاب الثقافات الأخرى. وبهذا تجانب هذه الأدلة الصواب في الغالب لاستنادها إلى بيانات ومعلومات تفندها الملاحظة العلمية قبل المحص والتحري الميداني.

سنكتفي بعرض الأوهام التي تكتسي الطابع العام، أي تلك السائدة في العديد من المجتمعات، ونتجنب تلك التي ولدت في بيئة مخصوصة، مثل بيئة الولايات المتحدة الأمريكية، وترتبط بجانبها التشريعي. ونوجزها فيما يلي:

  • الطرف الثالث:

يقول البعض إن عنف وسائل الإعلام، والتلفزيون تحديدا لا يؤثر علي، بل على الأخرون الذين يعتبرونهم أكثر عرضة لمخاطرها. هذا ما يؤكده أكبر عدد من المشاهدين الذين شملتهم استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة في فترات مختلفة، إذ بلغت نسبتهم 88%. يعود هذا الاعتقاد إلى نظرية في علوم الإعلام والاتصال تسمى نظرية التأثير على الطرف الثالث. والتي تعبر عن الافراط في تقدير الذات والوثوق في مناعتها ضد التأثر بمضامين وسائل الإعلام. وبالمقابل المبالغة في تأثيرها القوي على الغير مع عدم تشخيص هذا الغير اجتماعيا وثقافيا. ومعنى هذا الاعتقاد عمليَّا أن العنف الذي تتضمنه برامج التلفزيون لا يشمل الجميع، بل يمس الطرف الثالث، أي عدد قليل فقط. إذا كل حديث عن تأثير العنف في التلفزيون يتسم بالنسبية،   ويتطلب الحذر من تعمّيمه على الجميع؛ أي على كل أفراد المجتمع. لكن هل يستطيع الشخص الذي يبالغ في قدراته الدفاعية ضد الـتأثير الإعلامي أن يميّز بين التأثير الفوري والتراكمي الذي لا يظهر إلا على المدى الطويل؟ هذا علاوة عما أشار إليه بعض علماء النفس في حديثهم عن ظاهرة العنف. فمن أدمن على مشاهدة أفلام العنف، يفقد تدريجيا احساسه بالعنف لاعتياده عليه، والأدهى أنه يعتبره سلوكا طبيعيّا مع مرور الوقت.

2.من المسؤول؟

وسائل الإعلام ليست مسؤولة عن التأثير السلبي لمضامين برامجها العنيفة. فهناك فرق بين المسؤولية والتأثير.  توجد العديد من العوامل المتفاعلة في مسار التأثير على السلوك على المدى الطويل وليس الآني، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، في سياق لا يمكن تجاهل ثقله في عملية تلقي المواد الدرامية. هذا ما يتضح أكثر من خلال المثال التالي: يقول أحد الصحافيين اللبنانيين أنه دخل قاعة السينما بلندن لمشاهدة فيلم “البرتقالة الميكانيكية ” للمخرج “ستانلي كوبريك”. ولاحظ أن المشاهدين لم يتحملوا مشاهد العنف فغادروا القاعة تباعا متأثرين جدا دون أن يكملوا مشاهدته. وشاهد الفيلم ذاته في بيروت في عز الحرب الأهلية. واندهش من تصرف المشاهدين. فلم يظهر عليهم أي تأثر، بل رآهم منسجمين مع أجواء الفيلم، لأن عنف الحرب الأهلية كان أقوى من عنف الفيلم المذكور. لذا لابد من فهم تعقد عملية التأثير حتى يمكن التصدي للعنف في وسائل وتبعاته على مستوى الأفراد والمجتمع.

  1. الأطفال أكبر الضحايا

الأطفال أكثر عرضة للأثار السلبية لعنف وسائل الإعلام لهشاشتهم: بالفعل، إنهم كذلك، لكن المراهقين وبالغي سن الرشد يتعرضون لها ايضا. إن استثناء الأطفال في هذه الحالة يستند إلى بعض الحجج مثل حجم الوقت الذي يخصصه الأطفال لمشاهدة التلفزيون، وصعوبة تمييزهم للواقع والخيال، وغيرها من الحجج التي تحتاج إلى مزيد من التجارب. وبالمقابل فإن بعض هذه الحجج ينطبق على البالغين أيضا لأنهم ليسوا صلبين في تعاملهم مع برامج التلفزيون، مثلما يعتقد البعض. فكل الشرائح العمرية هشة، بهذا القدر أو ذاك، أمام مظاهر العنف في التلفزيون.

4- فائض العنف

 يوجد الكثير من العنف في وسائل الإعلام: توحي هذه المقولة أنها تحظى بإجماع مطلق، لكنه في حقيقة الأمر إجماع شكلي، يتبدد بمجرد تفكيكها. إن العنف في التلفزيون ليس واحد في نظر الجميع. إنّه متباين. فتعريف مشاهدي التلفزيون له يختلف عن تعريف الباحثين. فهؤلاء يستعينون، في الغالب بتحليل المضمون لتشخيص عنف البرامج التلفزيونية. لقد قاموا بجرد 17500 فعلا عنيفا في السنة في القنوات التلفزيونية الأمريكية، بينما لم يحص مشاهدوها سوى 300 فعلا فقط. وهذا يعني أن معايير الجرد تختلف، فمشاهدو التلفزيون يعتمدون على الجانب الغرافي، وعلى السياق في تحديد العنف فيستخلصوا بأن العنف أقل حضورا في التلفزيون مقارنة بالنتائج التي يتوصل إليها الباحثون الذين قاموا بتوثيق أفعال العنف المتلفز.

  1. العنف في كل مكان

 العنف في وسائل الإعلام يعكس العنف السائد في المجتمع: يبدو أن هذا الاقتناع أصبح بمثابة مسلمة، خاصة في أوساط الذين يؤمنون بان هذه الوسائل عبارة عن مرآة تعكس المجتمع.  لكنها مسلمة في ثقافة واحدة: ثقافة منتجي البرامج التلفزيونية والمواد الدرامية التي تزعم ضمنيا بأن هناك علاقة طردية بين عدد أفعال العنف في التلفزيون ومظاهره في الحياة اليومية. بينما لا توجد أي إحصائيات تثبت هذا الزعم. فالعنف أشكال وأنواع: السطو، القتل، الاغتصاب، السرقة، تخريب الممتلكات، الاعتداء، الضرب والتعذيب. والإحصائيات تؤكد عدم استقرار أن أي شكل من العنف على وضع معين سواء نحو التصاعد أو التراجع، حسب السنوات والمجتمعات. وهذا لجملة من المتغيرات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والتنظيمية، والأمنية.

تؤكد بحوث علم الاجتماع أن الجريمة وليدة جملة من الظروف، منها الفقر، والبطالة، والتشرد، وغياب التربية، وسوء معاملة الأطفال، والاقصاء الاجتماعي، وسهولة الحصول على الأسلحة النارية بطريقة قانونية، بينما تشير البحوث الإعلامية إلى عوامل مختلفة. فوسائل الإعلام تهيئ الجمهور ليعيش حالة شرطية؛ أي تقنعه بأن حلّ خلافاته مع الغير، ونيل حقوقه يشترط استعمال العضلات، وأن الرجولة وفرض الهيبة على الغير يقتضي استعمال العنف والبطش كأسلوب في الحياة، وأن الحياة المثيرة مقرونة باستعمال القوة البدنية.

6- لا سرد دون عنف

العنف عنصر أساسي في كل مادة درامية أو مضمون تخيلي. هذه المقولة من بنات أفكار المخرجين ومنتجي الأفلام الذين يزعمون بأن العنف ضروري وإلزامي لأي سرد درامي، وتندرج ضمن حرية كاتب السيناريو والمخرج التلفزيوني أو السينمائي. تبدو هذه المقولة حقا يريد به باطلا، لأنها تبرر ما يعرض على الجمهور أكثر مما تفسر ما آلت إليه بعض المنتجات التلفزيونية من عنف وتفسرها. إنّها تتضمن مغالطة. فما هو أساسي في المادة الدرامية ليس العنف، بل النزاع في البناء السردي، الذي يأخذ أشكالا عديدة، منها الشكل العنيف؛ أي أنها ليست الشكل الوحيد.

  1. إنّها رغبة الجمهور

وسائل الإعلام لا تقوم سوى بتلبية رغبات السوق. يقول الباحث وليام ليام جيمس أن هذه المقولة تتضمن نصف الحقيقة، وليست الحقيقة كلّها. بالفعل إن هذه الوسائل تابعة لمؤسسات تجارية تروم الربح، وليست جمعيات خيرية، لذا تسعى دائما إلى مسايرة السوق وتلبية طلب زبائنها وذوقهم. وهذا هو نصف الحقيقة، أما النصف الأخر المسكوت عنه، فيحجم عن ذكر دور وسائل الاعلام ومكانتها في صياغة طلبات الجمهور ورغباته، وبالتالي صقل ذوقه. فعلى سبيل المثال: من تعود على مشاهدة الأفلام الأمريكية- أفلام ” أكشن- Action” منذ عقود لا يستسيغ، في الغالب، غيرها، ولا يرضى بالأفلام الوطنية على سبيل المثال. ويقارنها شاهدها بشكل صريح أو ضمني بالأفلام الأمريكية المذكورة. فهذه الأخيرة لا تصبح مرجعه الفني والجمالي فقط، بل تتحول، أيضا، إلى ذائقته الفنية. وينتظر أن تنتج المواد الدرامية على منوالها.

أخيرا، هذه بعض المسلمات فقط التي يسميها الباحث “وليام جيمس بوتر” أساطير في الكتاب المذكور أعلاه التي تتطلب المراجعة النقدية التي يقول عنها أنها تشبه عملية قشر البصل. فكل أسطورة تتكون من عدة شرائح، وبتفكيك كل شريحة للكشف عن أخطائها والخلل في منطقها تظهر شريحة أخرى.

جمهور الإنتاج السمعيّ-البصريّ والخوارزميات: الترويض المتبادل

                            نصر الدين لعياضي

يسألنا الباحث الكوستاريكي “اجناسيو سيلز” Ignacio Siles وزملاؤه: ما معنى أن تعيش في مجتمع يتّسم بالتّركيم البياناتي Datafication؟ ويردّ، دون أن يترك لنا المجال للتفكير، قائلا: إنّ العيش في سياقات يعاني من تخمة الوسائط الرقميّة وتشبّعها، ويعني أن تحيا وسط التحولات المضطردة في التجارب، والعلاقات، وهويّات الأشخاص انطلاقا من البيانات. فالميديا في أخر المطاف ليست سوى واجهة للخوارزميات التي تعمل بنشاط وشغف على التقاط نشاطاتنا وتحركاتنا وتصريحاتنا، ومشاعرنا، وميولنا، ورغباتنا، وقراءاتنا، ومختلف مستهلكاتنا وتحويلها إلى بيانات قابلة للتكميم – من الكم- والقياس، والتخزين، والتحليل، والاستغلال، وحتى عرضها للبيع!

لم يكن أحد يدري، ربما حتّى الباحث المذكور وزملاؤه، أن حب الإنسان وأمنيته في الظهور، وفي أن يكون مرئيًّا أمام الملأ لأطول فترة ممكنة قد تحقّقت، لكنها أضحت كابوس العصر الرقمي.  فالإنسان في عصرنا الحالي أصبح يناضل، دون جدوى، ضد استبداد المرؤئية أو ” رأسمالية المراقبة” التي جعلت حياته مكشوفة في الكثير من جوانبها. فالمثل الفرنسي، الذي يدعو كل من يروم الحياة السعيدة إلى العيش مختفيّا، أصبح بعيد المنال، بل مستحيلا. فالعديد من نشاطاتنا اليوميّة تتطلب ولوج شبكة الانترنت والاستعانة بالمنصّات الرقميّة، بدءَا من الاطلاع على حالة الطقس، والاستفسار عن مواعيد السفر، و”تصفح”  مواقع الصحف في شبكة الانترنت، أو الاستماع إلى الموسيقى عبر موقع سبوترفي spotify.com  وشراء سلعة ما عبر متجر أمازون الإلكتروني، وتأكيد المشاركة في تظاهرة ثقافية عبر البريد الإلكتروني، وصولا إلى متابعة تغريدة صديق في موقع أكس – تويتر سابقا- وغيرها من الأنشطة التي أقنعت بعض الباحثين بأنه من الصعوبة بمكان فصل الخوارزميات عن الأنشطة التي تشكل ثقافة المرء المعاصر. “فالتركيم البياناتي” أضحى مسارا ثقافيّا أكثر منه ظاهرة تقنيّة”.

لا يكمن خطر الخوارزميات في جعل حياة المرء مكشوفة للغير فحسب، بل في تأثيرها عليه أيضا بشكل ضمني ومبطن. إنها قوة خفية توجه المرء؛ أو بالأحرى توجه اختياراته: فيما يستهلك، ويقرأ، وما يسمع، وما يشاهد من أفلام ومسلسلات وما الألعاب الرقمية التي يمارسها عبر مختلف المنصّات. ألا يجلب هذا القول الماء لطاحونة مناصري أطروحة الحتميّة التكنولوجيّة؛ الذين يؤمنون إيمانا مطلقا بقدرة التكنولوجيا على أن تفعل بالإنسان ما تشاء. فتحوله إلى إنسان يثير العطف والشفقة بعد أن كان يثير الفخر والإعجاب بقدرته على الابتكار والابداع! إنّه أصبح ببساطة ضحية الخوارزميات.

في الترويض المتبادل

إن أطروحة الحتميّة التكنولوجية ليست وليدة التكنولوجيا الرقميّة، بل ظهرت في نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات من القرن الماضي على يد مجموعة من الباحثين القادمين من مشارب علمية مختلفة، مثل هارولد إنيس، وماكلوهان. وقد أطّرت النقاش عن تأثير اختراع المطبعة، والتليغراف، والسينما، والإذاعة والتلفزيون، والانترنت. إنه النقاش الذي لخصته أستاذة الثقافة الرقميّة في جامعة ماسترخيت بهولاندا، سالي وايت Sally Wyat ، في مقال يحمل العنوان المفارقاتي التالي: ماتت الحتميّة التكنولوجية، فلتحيا الحتميّة التكنولوجيّة. يستند هذا المقال إلى الفكرة التي مفادها بأن العلاقة بين التكنولوجيا والإنسان ليست متعارضة ولا اقصائية؛ بمعنى أنّ لكليهما سلطة مؤثرة على الطرف الأخر. إنها الفكرة المستنبطة من الاتجاه التوفيقي الذي يجمع بين أطروحة ماكلوهان، الذي بالغ في وصف تأثير للتكنولوجيا: المطبعة، البث الإذاعي والتلفزيوني، على مدارك الأشخاص وثقافتهم، وحتى في مسار المجتمعات والأمم، حيث جعل من التكنولوجيا قوة مستقلة تدفع إلى التغيير انطلاقا من خصائصها التقنية فقط، وبمعزل عن المتغير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وأطروحة جيمس وليام كيري، والذي ينظر إلى وسائل الإعلام كمؤسسات اجتماعية، وليست مجرد بناء تكنولوجي. يستغلها الأشخاص لإقامة علاقات اجتماعية. وهذا ما تؤكده البحوث الحديثة عن السلطة المتبادلة بين خوارزميات مواقع المنصّات الرقميّة، مثل: نتفليكس المختصة في بث الأفلام، وسبورتي المختصة في الموسيقى، وموقعي الفيسبوك والتيك توك المشهورين، ومستخدميهم. ويمكن أن نشير في هذا الإطار إلى الدراسة التي قام بها الباحث اجناسيو سيلز، وزملاؤه عن العلاقة الملتبسة بين هذه الخوارزميات وجمهور المنصّات المذكورة . فوصفوها بــ “الترويض المتبادل“. فما المقصود بهذا الترويض الذي أصبح بمثابة نظرية لدراسة الميديا الاجتماعية؟

استعان الباحث المذكور وفريقه بأستاذ الميديا البريطاني، روجي سيلفرستون Roger Silverstone ، الذي وضع تعريفا لهذا الترويض قبل ثلاثين سنة، عندما كان التلفزيون سيد المشهد الإعلامي في العالم. إذ نصّ على أنّه يتمثل في” قدرة مجموعة اجتماعية) اسرة، عائلة، منظمة( على تملّك العُدّة التكنولوجية وأنظمة التوزيع والبثّ وعلى إدراجها في ثقافتها، وفضاءاتها وزمنها، وجماليتها الخاصة، من أجل مراقبتها وجعلها أكثر خفاءً مدفونة في روتين الحياة اليوميّة”.

الخوارزميات: العلبة السوداء المُوَجّهة

كان الاعتقاد ولازال بأن خوارزميات المنصّات الرقمية علبة سوداء يصعب على الباحثين ولوجها. فكل منصّة أو محرك بحث أو موقع رقمي في شبكة الانترنت يحتفظ بأسرارها.

إنّ مهندسي المعلوماتية يجتهدون في ابتكار الخوارزميات التي تمكن هذه المنصّات من تحويل مستخدميها إلى زبائن ممتازين يزودونها بمعلومات عنهم حتّى تلبي رغباتهم في الظاهر، استجابة لمنطق السوق والمنافسة. لكنها تعمل في ذات الوقت على ترويضهم في الخفاء وتوجيههم من خلال التعليمات والتوصيات التي تقدمها والاختيارات التي تتيحها.

لقد شرع نتفليكس على سبيل المثال، في السنة 2000، في الاستعانة بالبيانات الضخمة وتحليلها لتقديم توصيات لزبائنه في مشاهدة أشرطة الفيديو والأفلام. وبعد ست سنوات من هذا التاريخ راهن بمليون دولار لتحسينها.  عمليا، تعرض هذه المنصة على كل مشترك عناوين الأفلام والمسلسلات التلفزيونية والألعاب الرقمية التي يعتقد أنها تعجبهم. وهذا بناءً على ما يعبر عنه في بداية اشتراكه في هذه المنصّة؛ أي فيما يدرجه في قائمة تفضيلاته. فإذا استمر أحدهم في مشاهدة فيلم أو مسلسل تلفزيوني إلى غاية نهايته يطلب منه تقييمه. ثم تقترح عليه المنصّة قائمة من عناوين الأفلام والمسلسلات بناءً على ما شاهده أو استخدمه. وهكذا تستطيع الخوارزميات أن تأخذ فكرة دقيقة عن رغبات وميولات مشتركيها. يتضح من هذا المنظور أن منصّة نتفليكس لا تقوم سوى بتسلية العالم، مهما كانت تفضيلات مشتركيها، وبصرف عن أماكن تواجدهم. إنها تعرض عليهم أفضل الأفلام والمسلسلات والألعاب، فيختارون ما يريدون مشاهدته متى شاءوا ذلك. مثلما ينص خطبتها الترويجي. إذا؛ هل نحن أمام نظرية الاستخدامات والإشباعات في أبهى تجلياتها الرقميّة؟ الإجابة لا بكل تأكيد، على لسان الكثير من الباحثين، أمثال غبريال سيلفا Gabrielle Silva، وموتا دريمو Mota Drumond اللذين يريان أنّ خوارزميات منصّة نتفليكس تعمل على تنميط “استهلاك” مشتركيه للأفلام والمسلسلات وتوحيد ألعابهم الرقمية. ففي العام 2012 أعلنت منصة نتفليكس عن نظام توصية جديد لمحتوياتها يرمي إلى تصنيف قائمة الفيديوهات في خانات، مثل خانة العشر الأوائل  Top 10 for” وخانة ” الفيديوهات المحبوبة أكثر”. ولحثّ المشتركين على الاختيار وفق هذا التصنيف ، تؤكد على ثقة الزبائن في نوعية ما توصي به. لذا يعتقد البعض أن منصة نتفليكس أصبحت تقوم بدور حارس البوابة الثقافيّة في ” اقتصاد المتعة”، كما يسميها البعض، وأن ما تعرضه لا يشكل قطيعة مع الذوق الفني والثقافي الذي ظلّ مهيمنا لعقود. بعبارة أخرى، إن خوارزميات منصّة نتفليكس على سبيل المثال لا تفرض على مشتركيها أي شيء لكنها تروّضهم.

إنّ تعامل المشتركين مع توصيات منصّة نتفليكس، أو مستخدمي بقية المنصّات الرقميّة لا يسير على خط مستقيم، فلكلّ فرد أو جماعة استراتيجيتها الخاصة؛ تبدأ من صرف النظر عن ترتيب المحتويات حسب عدد المعجبين بها، مرورا بالبحث عن نوعية الأفلام والمسلسلات في التصنيف المقترح للمنتجات السمعية- البصرية حسب الموضوعات، والتعليق السلبي على بعضها الذي يحتمل أن تأخذه الخوارزميات بعين الاعتبار في توصياتها القادمة، وصولا إلى تعليق الاشتراك وصرف النظر عما تعرضه منصّة نتفليكس على مشتركيها. وهذا يعني أن المشترك في هذا المنصّة، يقوم أيضا بترويض الخوارزميات. والنتيجة أن العلاقة بين المنصّة الرقمية ومستخدمها تقوم على الترويض المتبادل.

أسس الترويض المتبادل

بالطبع، لم يكتف “اجناسيو سيلز” وشركاؤه؛ في البحث الموسوم بــ “الترويض المتبادل لمستخدمي منصّة نتفليكس وخوارزمياتها” والمنشور في 2019، بشرح مفهوم الترويض المتبادل وسياق ظهوره فحسب، بل حاولوا أيضا تعيين الأسس التي تجسد ديناميكيته، وهي كالتالي:

الشخصنة: يقيم مستخدمو المنصّات الرقمية، مثل نتفليكس، علاقات بخوارزمياتها انطلاقا من تفضيلاتهم الشخصية، ممّا يسمح بصقل تطلعاتهم وتفاعلاتهم معها.

الاندماج: يدرج المستخدمون التوصيات الخوارزمية في سجلهم الثقافي وفق ما يستجيب لحياتهم اليومية.

الطقوس: يطور المستخدمون ممارساتهم الخاصة حول تفاعلاتهم مع المنصّات الرقمية محدثين بذلك روتين أو طقوس تعزّز انخراطهم وارتباطهم بالمحتوى.

ديناميكية التحول: يتقاسم المستخدمون تجاربهم وتوصياتهم ونصائحهم معزّزين بذلك العلاقات ما بين الأشخاص والروابط ما بين الجماعات بفضل تفاعلهم مع الخوارزميات

المقاومة: يرفض المستخدمون تطلعات الخوارزميات وحدودها، ويتجنبوها من خلال التأكيد على هويّتهم الثقافية في مواجهة التّركيم البياناتي

تجربة بحثية

قليلة هي البحوث العلمية التي استخدمت نظرية الترويض المتبادل، ولعل أبرزها، والتي أصبحت تعدّ بمثابة مرجع أساسي في علم اجتماع الجمهور، هي تلك التي انجزها الباحث “اجناسيو سيلز”، وزملاؤه والتي ذكرناها أعلاه. وطوروها لتنشر في كتاب بعنوان: العيش مع الخوارزميات”، صدر السنة 2023. وقد تضمن فصلا عن مستخدمي خورازميات منصّة نتفلكس، وموقع سبورتي، والفيسبوك، والتيك توك في كوستاريكا.

سنتوقف قليلا عند الجانب التطبيقي في هذا الكتاب لنرى معا، باختصار، ماذا استنتج هؤلاء الباحثين من تعامل الكوستاريكيين مع الخوارزميات المذكورة، وخاصة خوارزميات نتفلكيس وكيف روّضوها؟

بعد أن استعرض الباحثون المذكورون أعلاه خارطة انتشار منصّة نتفليكس في أمريكا اللاتينية، ومساهمة مشتركي هذه القارة في اقتصادياتها لتشكل 16% من أرباحها السنويّة. قاموا بتفكيك العلاقة بين منصّة نتفليكس ومشتركيها في كوستاريكا. لقد سجلوا انزعاج الكوستاريكيين من عدم مساواة منصّة نتفليكس بينهم وبين الأمريكيين، حيث تعرض عليهم مجموعة قليلة من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية والألعاب الرقميّة مقارنة بما تعرضه على الأمريكيين. وهذا على الرغم من أن المقابل المالي الذي يدفعونه لاشتراكهم هو ذاته الذي يُدفع في الولايات المتحدة الأمريكية. وسجلوا أيضا احباط الكوستاريكيين مما تروّجه المنصّة المذكورة من أفكار ثقافية مسبقة عنهم، ومن إقصائهم من الحوار العالمي لحرمانهم من بعض المواد السمعيّة البصريّة التي توفرها لمشتركيها خارج أمريكا اللاتينية.

يؤكد الباحثون المذكورين أعلاه أنّ الكوستاريكيين يعتقدون أن المنصّات الرقميّة، مثل نتفليكس وسبورتي، تعدّ امتدادا لهويّتهم الاجتماعيّة والثقافيّة. فيستخدمونها في حدود ما تتيحه خوارزمياتها لاكتشاف المحتويات التي تتناغم مع قيمهم الثقافية ومبادئ دولتهم السلمية والديمقراطية، ويرفضون تلك التي تعزّز الأفكار العنصريّة.

إن مقاومة الكوستاريكيين لتوصيات خوارزميات منصّة نتفليكس لا تملك بعدًا سياسيّا، بل تندرج ضمن ممارستهم اليوميّة التي تروم تغيير ركائز “التّركيم البياناتي”، وذلك من خلال الشعور بنوع من الاستقلاليّة عن هذه الخوارزميات التي تعتبرهم أهداف تجارية أكثر منهم كائنات اجتماعيّة.

وقد يضطر مشتركو منصّة نتفليكس إلى استعمال الشبكة الافتراضية البديلة ” في بي أن” VPN، المُؤَمَنَة ضد الاختراقات والقرصنة، من أجل الاطلاع على ما يموج في العالم الافتراضي من أفلام ومسلسلات وألعاب وأفكار لتساعدهم في حوارهم مع المنصّات الرقمية؛ فتثري المقترحات التي يتقدمونها لعلها تدرج في توصيات الخوارزميات، وحتّى ترفع تمثيل ثقافة أمريكا اللاتينية في قائمة معروضاتها، خاصة وأن هذه المنطقة من العالم تتميز بتقاليدها في إنتاج المسلسلات التلفزيونية، خاصة في البرازيل والمكسيك. وقد سمحت مبادرة ” نتفليكس الاجتماعي” للكوستاريكي بالاطلاع على ما يشاهد أصدقاؤه، ومعارفه وأهله ما يفضلونه. فأصبح يشارك غيره في المشاهدة والنقاش الذي قد يفضي إلى تشكيل جماعة مبادرة بمقترحاتها لخوارزميات المنصّات للأخذ بعين الاعتبار خصوصيتهم الثقافيّة.

التلفزيون الرقمي الأرضي في وداع البث التلفزيوني التناظري.

                                            نصر الدين لعياضي

يكاد موضوع التلفزيوني الرقمي الأرضي أن يُنسى في خضم التحولات التي يعيشها قطاع الإعلام والاتصال في العالم لولا النقاش المتوتر الذي يثار بين حين وأخر، خاصة بعد الإعلان عن عروض جديدة لتأجير أو منح رخص لاستغلال موجات البث الإذاعي والتلفزيوني الرقمي الأرضي. وهذا الذي حدث في فرنسا فعلا في الشهر المنصرم، والذي أثار جدلا واسعا شارك فيه ملاك القنوات التلفزيونية المختلفة، والمنظمات المهنية التي تسعى إلى جمع شمل عمال القطاع السمعي-البصري، والصحافيين، وحتى السياسيين. وهذا على إثر رفض الهيئة الفرنسية المكلفة بضبط البثّ السمعي-البصري والرقمي وتعدّيله تجدّيد الترخيص لقناتي التلفزيون الرقمي التابعتين لشركة ” كنال بليس  Canal Plus ” التلفزيونية، التي يملكها رجل الأعمال الفرنسي، فنسان بولوري، نتيجة خرقهما بنود قانون السمعي-البصري الصادر في 1986. لقد سحبت منهما موجات البثّ ومنحت إلى قناتين تابعتين لرجل الأعمال التشيكي، “دانيال كرتنسكي”.

قبل الإجابة عن السؤال المتعلق بدوافع هذا الجدل في فرنسا أو أي بلد أخر في أوربا يعرض موجات البث الإذاعي والتلفزيوني للتّأجير أو المنح المجاني، والمتعلقة بالتحديات القانونية والمالية والسياسية والثقافية التي تواجه التلفزيون الرقمي الأرضي، لابد من التوقف قليلا للتعريف بهذا النوع من البث التلفزيوني.

قصة التلفزيون الرقمي الأرضي.

يعدّ هذا التلفزيون نقلة تكنولوجية نوعية في نمط البثّ والتلفزيوني، الذي أنهى حياة البث التلفزيوني التناظري الذي واكب نشوء وتطور التلفزيون منذ انطلاقته في مطلع خمسينيات القرن الماضي إلى العقد الأخير من القرن العشرين. وقد شبه ألان وييل، المدير العام لمحطة “نيكس راديو تيفي NextRadioTV بفرنسا التلفزيون الرقمي الأرضي بموجات البث الإذاعي بتضمين التردد   FM broadcastingذي النطاق الواسع، الذي اخترع في 1933 فمنح للإذاعة نقاء الصوت    وجودته. فتبنته جلّ المحطات الإذاعية في العالم.

مثلما يدل اسمه، يعتمد هذا التلفزيون على التكنولوجيا الرقمية، لكنه يستعمل البنية التحية التي استخدمت في البث التناظري، أي محطات البثّ وإعادة بثّ الإشارات الرقمية الثنائية، أي المركبة من 0 و1، مع ضرورة امتلاك جهاز استقبال receiver خاص موصل بجهاز التلفزيون من أجل تحويل الإشارات الرقمية إلى إشارات تماثلية. وتستخلف هذه التكنولوجيا البث التلفزيوني التناظري- التقليدي- الذي شرع في الاستغناء عنه منذ مطلع الألفية الحالية في العديد من بلدان العالم. وتسمح باستغلال أفضل للطّيف الكهرومغناطيسي ممّا يضاعف عدد القنوات التي تبث عبر الموجات الهرتيزية. ففي البثّ التلفزيوني التناظري تمنح كل قناة موجة لبثّ برامجها، ممّا يفسر شحّ عدد القنوات التلفزيونية في البلد الواحد آنذاك، وهذا نظرا لمحدودية عدد الموجات التي يخصصها الاتحاد الدولي لكل بلد. فيوجه بعضها للبثّ الإذاعي والتلفزيوني، ويحتفظ ببعضها الأخر للاستخدام في مجال الاتصالات المدنية والعسكرية.  أما تكنولوجيا البث الرقمي الأرضي فقد رفعت عدد القنوات التلفزيونية نظرا لإمكانية بثّ عدد معتبر من البرامج التلفزيونية على الموجة ذاتها. وهذا حسب نسبة انضغاط البيانات وترميزها، مع ضمان صورة أجود وصوت أوضح وأنقى.

شُرع في استخدام البث التلفزيوني الرقمي الأرضي في نهاية تسعينيات القرن الماضي. وظلّ يتطور ببطء طيلة العقدين الأخيرين تماشيا مع ايقاع تطور نمط انضغاط بيانات الصور، والتردّد في استخدام المتاح منها. وتماشيًّا مع هذا الاستخدام صيغ الإطار التشريعي المنظم لهذا البث.

ففي ألمانيا على سبيل المثال، انطلق التلفزيون الرقمي الأرضي في 2002 في مدينة برلين، ليمتد تدريجيا إلى بقية المقاطعات الإدارية إلى غاية 2018، وهو التاريخ الذي تم الاستغناء فيه نهائيا عن نمط البث التناظري. أما في بلجيكا فإن وتيرة استخدام هذا النمط من البث التلفزيوني لم تكن واحدة. لقد انطلق التلفزيون الرقمي الأرضي في المناطق الناطقة بالفرنسية بتاريخ 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2007؛ أي بعد سنتين من تجربته ليتغطى حوالي 80 % من هذه المنطقة. وشمل البث الرقمي الأرضي المنطقة الناطقة باللغة الهولندية باسرها في 2008.

أصدرت اللجنة الفيدرالية للاتصالات بالولايات المتحدة الأمريكية، وهي الهيئة المخول لها تنظيم قطاع الإعلام والاتصالات، تعليمية في مارس/ أذار 2007 تلزم فيها كل المتعاملين الاقتصاديين، صناع أجهزة استقبال البث التلفزيوني أو مستورديها من الخارج، أن تكون ملائمة لاستقبال البث الرقمي الأرضي. وبناءً عليه تم الترخيص لـحوالي 98.8 % من محطات البث الرقمي الأرضي. وشجعت اللجنة ذاتها الأمريكيين على اقتناء هذه الأجهزة من خلال منهم قسيمة بــ 40 دولار لشرائها في يناير 2008. وهي السنة التي استكملت فيها البرازيل تغطية اقليمها كاملا بهذا النوع من البثّ.

لم تكلّل تجربة التلفزيون الرقمي الأرضي بإسبانيا بالنجاح في بدايتها. فالقنوات غير المجانية التي رُخص لها بالبثّ في العام 2000، لم تحقّق عائدا ماليا مرضيًّا، فتوقف بعضها عن البث، بعد سنتين فقط. وفي 2005 سمحت للقنوات التلفزيونية الأرضية بالبث المختلط: التناظري والرقمي. وبعد الموافقة على الترخيص بإنشاء قنوات تلفزيونية رقمية أرضية مجانية لتستفيد القنوات التلفزيونية التابعة للقطاع العام من هذا النمط من البث، فرضت اسبانيا نمط البث عالي الدقة ) High Definition Television‏ (على المتعاملين في مجال السمعي البصري في شباط الماضي. وقد قدرت أن 80 % من أجهزة التلفزيون الموجودة في إسبانيا مؤهلة لالتقط إشارات هذا البث. وعلى مالكي 20% من أجهزة التلفزيون الباقية الاختيار بين شراء أجهزة تلفزيونية جديدة أو اقتناء أجهزة استقبال مناسبة.

وواجهت البثّ التلفزيوني الرقمي الأرضي في إيطاليا بعض التعقيدات ذات الطبيعة التقنية في ظل الصراعات بين المستثمرين في مجال البث الفضائي والأرضي. فبدءًا من 22 ديسمبر/ كانون الأول 2022، لم يعد بإمكان الإيطاليين استقبال البث التلفزيوني الرقمي الأرضي بصيغة ” إم بي إي جي2 IMPG التي استبدلت بــ إم بي إي جي4. وحتى تشجع المشاهدين الإيطاليين على إنجاح هذا التحول اقترحت منح 30 يورو للراغبين في اقتناء جهاز استقبال ملائم. وقد سبق لها، في المقابل، منح 50 يورو للراغبين في اقتناء أجهزة استقبال البث التلفزيوني الفضائي وفق ما نصّ عليه قانون السمعي-البصري الصادر في سبتمبر/ أيلول من العام ذاته.

استغل أرباب الشركات الخاصة المالكة للقنوات التلفزيونية الفرنسية الثلاث: القناة الأولى، وأم 6، وقناة بلاس تعثر البثّ التلفزيوني الرقمي الأرضي في إسبانيا، والتعقيدات التقنية التي واجهت انتشار التلفزيون الرقمي الأرضي في إيطاليا، وتحالفوا للضغط على السلطات الفرنسية من أجل تجميد مشاريع البث التلفزيوني الرقمي الأرضي أو تأخيره. وتكمن خلفية هذا الضغط في الأموال الطائلة التي انفقوها مجتمعين من أجل إطلاق باقة البرامج التي تبثّ عبر الأقمار الصناعية. وهذا ما يفسر التردد الفرنسي في تعميم البث التلفزيوني الرقمي الأرضي، علما أن فرنسا كانت من الدول السباقة التي شكلت لجان للتفكير في الاختيار التقني والإطار القانوني لهذا الضرب من البث التلفزيوني.

يتضح مما سبق أن توديع التلفزيون التناظري عبر الانطلاق في البث الرقمي الأرضي، قد فرض على المستمرين المحليين في مجال السمعي-البصري، وعلى سلطات العديد من الدول تحديات تكنولوجية، واقتصادية، وثقافية وسياسية.

فعلى الصعيد الافريقي على سبيل المثال، وقعت دول المنطقة رقم 1 في المنظمة الدولية للاتصالات، والتي تشمل بلدان أوربا وأفريقيا والشرق الأوسط على اتفاق يخطط لموجات البث الإذاعي والتلفزيوني من أجل تعميم البث الرقمي، في الندوة الجهوية التي نظمها الاتحاد ذاته في جنيف يوم 16 جوان/ يونيو 2006 ويحدد يوم 17 جوان/ يونيو 2022 ليكون أخر أجل الانتقال إلى البث الرقمي، والاستغناء عن البث التلفزيوني التناظري.

                                   تحديات بالجملة

يقدر المختصون بأن تقديم خدمة التلفزيون الرقمي الأرضي في ثلاثة مدن افريقية أساسية على الأكثر يتطلب على الأقل 10 ملايين دولار. ويكون هذا المبلغ مرشحا للارتفاع حسب الكثافة السكانية وبعد هذه المدن عن بعضها. وهذا ما فتح شهية الشركات الاستثمارية الكبرى في مجال البث الإذاعي والتلفزيوني. ففي القارة الافريقية تتنافس ثلاث شركات أساسية، وهي الشركة الصينية ” ستار تايمز” StarTimes التي أغرت بعض الدول الافريقية بالقروض التي تقترح تقدميها لتمويل المشاريع المتكاملة للبث التلفزيوني الرقمي الأرضي: التجهيزات القاعدية؛ أي محطات الإرسال وإعادة إرسال الإشارات الرقمية، وأجهزة استقبال البرامج التلفزيونية الرقمية غير المجانية عبر البث الأرضي. وشركة جنوب افريقيا، ملتي شويز Multichoice للبلدان الناطقة باللغة الانجليزية، وشركة كنال بلاس Canal+ للبلدان الناطقة باللغة الفرنسيّة.  ولم تساعد هذه المنافسة الكثير من البلدان الافريقية على تجاوز بعض الصعوبات التي واجهت الانتقال إلى البث الرقمي الأرضي لبرامج التلفزيون. والنتيجة أن حوالي 30% من مشاهدي بعض البلدان الافريقية لم تعد تلتقط أي برنامج تلفزيوني بعد الانتقال إلى البث الرقمي الأرضي! وأن الكثير من القنوات التلفزيونية الخاصة دخلت في صراع مع حكوماتها بعد الشروع في هذا النمط من البث، بينما وجد80 % من مشاهدي دولة افريقية أن أجهزة استقبال البث التلفزيوني الرقمي الأرضي التي وُفرت لهم في السوق غير صالحة للاستعمال!

ليست هذه الأسباب وحدها هي التي دفعت المدير العام السابق للتلفزيون الجزائري، المغفور له، عبدو بوزيان، الإعلان صراحة في الاجتماعات الرسمية وفي منابر الإعلام المختلفة عن رفضه لاستخدام التلفزيون الرقمي الأرضي في الجزائر. لقد رأى أن مساحة الجزائر شاسعة وكلفة تغطيتها بهذا النمط من البث التلفزيوني مكلفة جدا، مقارنة بالبث عبر الأقمار الصناعية. وأن اللجوء إلى التلفزيون الرقمي الأرضي يترجم اختيارا سياسيا يتماشى مع إرادة فتح المشهد السمعي-البصري الجزائري إلى الاستثمارات الأجنبية والمحلية، ويجسد رغبة في التعددية الإعلامية والسياسية التي تتجسد عبر عدد هائل من القنوات التلفزيونية ذات الوضعيات القانونية المختلفة، والتي تقدم برامج تلفزيونية متنوعة: شاملة، ومتخصصة، موجهة للعامة، ولشرائح اجتماعية وعمرية مختلفة. بينما لم يتجاوز عدد القنوات التلفزيونية الجزائرية أصابع اليدين وهي رسمية وتابعة للقطاع الحكومي. وبقية القنوات ليست سوى مكاتب لقنوات تلفزيونية أجنبية تبث عبر الأقمار الصناعية من بلدان أجنبية.

واجه البث الرقمي الأرضي تحديات من نوع أخر في البلدان الأوروبية المتطورة، تختلف عن تلك التي ذكرناها عن أفريقيا، وبقية الدول السائرة في طريق النمو. ففي نهاية التسعينيات من القرن الماضي وقفت شركات البث التلفزيوني الكبرى ضد المساعي الرامية إلى الانطلاق في البث التلفزيوني الرقمي الأرضي، لأنه ينافس أشكال أخرى من البث، مثل البث الفضائي، والبث عبر الكيبل، وشبكة الانترنت -البث عبر خط المشترك الرقمي غير المتناظر ADSL) (. ويشكل خطرا على القنوات التلفزيونية الكبرى. بالفعل، لقد تمكّنت قنوات التلفزيون الرقمي الأرضي، في فرنسا على سبيل المثال، والتي بلغ عددها 18 قناة، من فرض مكانتها خلال خمس سنوات من الوجود فقط، إذ استطاعت أن تستحوذ على نسبة 18.8 % من سوق المشاهدة التلفزيونية في فرنسا، لتحتل الرتبة الثانية بعد القناة التلفزيونية الأولى. ليس هذا فحسب، بل نجحت في تقديم مواد إعلامية وثقافية متنوعة تروم الترفيه والتسلية والتثقيف والإعلام والتفاعل مع جمهور المشاهدين. وقد نتج عن هذا الوضع أن حصتها من عائدات الإعلان قد زادت بنسبة 50%، بينما تراجعت حصة القنوات التلفزيونية ” التقليدية” بنسبة 13%.

تغيير  الموقف

لقد تغير موقف القنوات التلفزيونية التقليدية من البث التلفزيوني الرقمي بعد العقد الثاني من الألفية الحالية، إذ أدركت بأن التكنولوجيا الرقمية تضاعف قنوات البث: قنوات تلفزيونية شاملة، وأخرى متخصصة، وخدمات التلفزيون الاستدراكي، والفيديو تحت الطلب، والبث عبر شبكة الانترنت، والتلفزيون الرقمي الأرضي، وأرضيات للألعاب الرقمية. وأن رفع عائد أي منتج إعلامي وثقافي يتطلب استغلال أكبر عدد من قنوات البثّ وشبكاته المختلفة لمدة أطول في رقعة جغرافية أوسع. وهذا ما اتبعته القنوات التلفزيونية التقليدية إذ لجأت إلى إنشاء قنوات تلفزيونية رقمية أرضية، مثل القناة الأولى، وقناة بلاس Canal+ الفرنسيتين.

ويخشى في البلدان الأوروبية المتقدمة أن يعمل التلفزيون الرقمي الأرضي على تراجع الخدمة العمومية التلفزيونية التي تسعى إلى لمّ شمل مشاهدي البلد الواحد لتقاسم الأخبار ذاتها والاستماع إلى السرديات الثقافية والتاريخية عينها، ومتابعة ما يطرح من مشاريع سياسية. أما قنوات التلفزيون الرقمي الأرضي المجانية، فإنها تتناغم مع العصر، وتعمل على تفتيت الجمهور. وتضعف الرابط الثقافي والاجتماعي الذي يوحد أبناء المجتمع الواحد.

يخفف بعض المختصين في مجال السمعي-البصري، مثل دومنيك ولتن، و”فرنسوا جوست” هذا الحكم، بالقول إن تفتيت الجمهور ليس وليد التلفزيون الرقمي الأرضي، بل بدأ مع برامج القنوات التلفزيونية التي تبث عبر الكيبل، واستمر مع القنوات التلفزيونية المتخصصة. ويعتقد أن التلفزيون الأرضي الرقمي أعاد تصالح الجمهور مع التلفزيون، بل أضفى عليه الطابع الديمقراطي، إذ أصبح كل فرد يجد ما يريده من برامج تلفزيونية، وغيّر عادات المشاهدة بحيث جعل التلفزيون مصدرا صوتيّا، شأنه في ذلك شأن الإذاعة فالكثير من شباب اليوم يتابعون برامج التلفزيون الرقمي الأرضي المختص في الموسيقى والغناء وهم منصرفون عنها لقضاء حاجتهم البسيطة: الأكل والشرب، ومتابعة منشورات مواقع الميديا الاجتماعية.

الصحافة المعدية

نصر الدين لعياضي، باحث في وسائل الإعلام

كم هو عدد المفاهيم التي تحاول توصيف تنوع الممارسات الجديدة في الصحافة وتكاثرها والتي برزت بظهور “الواب”، خاصة جيله الثاني، وانتشار استخدامه، والتي تحولت إلى نوع من أنواع الصحافة؟ لقد حاول بعضهم حصرها حصرا شاملا- دون أن يتأكد من ذلك- في المفاهيم التالية: صحافة الانترنت، وصحافة الواب، والصحافة التساهمية، وصحافة المواطن، وصحافة المصادر الشعبيّة، والصحافة الإلكترونيّة، وصحافة الويكي Wiki، وصحافة البيانات، والصحافة الرقميّة، وصحافة “الموبايل”، ويمكن أن نضيف له ” الصحافة المكتَنَفة ambient journalism، والميديا ذات القابلية للانتشار Spreadable ، وأخيرا، الصحافة المعدية Viral Media أو ميديا العدوى. ماذا؟ العدوى؟ وما دخل العدوى في حقل الإعلام والاتصال والميديا؟

قوة الاستعارة

لعل القارئ الكريم يدرك أن مصطلح lلعدوى مستقى من العلوم الطبية، للدلالة على صفة انتشار الوباء الذي يسببه الفيروس وانتقاله بسرعة بين الأشخاص. لقد رُحل  هذا المصطلح إلى حقل الإعلام والاتصال والتسويق في مطلع القرن الحالي من باب الاستعارة.

إنّ الاستعارة، كما هو معروف، أسلوب تكتسب بموجبه عبارة ما معنى مختلفا عن معناها المألوف الذي رسخه التداول اليومي. فالباحثان جورج لاكروف ومارك جونسن يؤكدان على أن الاستعارة ليست قضية لسانية فحسب، بل تتعلق أيضا ببناء أفكارنا ومواقفنا وأفعالنا. بمعنى أن الاستعارة ليست إجراء بلاغي ففقط، لكنه مسار إدراكي. ويعترفان بسلطتها الاستكشافيّة والتعليميّة.

في معنى العدوى الميدياتكية

يؤكد بيار مورلي، أستاذ الاتصال الرقمي بجامعة لوزان بسويسرا على أن العدوى الميدياتكية تتمثل في تركيز الانتباه الجماعي خلال فترة زمنية وجيزة جدا على موضوع ما أو حدث معين. فيؤدي إلى انتشاره بسرعة فائقة بين الأشخاص عبر الميديا الاجتماعيّة. الانتشار الذي يتجلى عبر التداول الواسع للحدث، والاشتراك عن قصد في بثه وإعادة نشره وتوزيعه.

انطلاقا من هذا الإطار العام عُرّفت صحافة العدوى Viral Journalism بأنها وليدة التغيير الكامل والأساسي في إنتاج المحتوى الإعلامي، الذي أحدثته شعبية الميديا الاجتماعية، وفي استهلاكه، والذي وساهم الجمهور/ القارئ/ المستخدم في توزيعه وإعادة نشره أو بثّه. والقصد بالصحافة في هذا المقام لا يكمن في المنْتَج؛ أي الصحف، بل في الممارسة الإعلاميّة.

يعتبر موقع “بزفيد”  BuzzFeed الإخباري أبرز مثال عن الصحافة المعدية، وهو تابع لشركة ترفيه عالمية، أسست في 2006 بالولايات المتحدة الأمريكية. مؤسسه هو جون بريتي Jonah Peretti، الذي شارك في انطلاقة صحيفة هافينغتون بوست( Huffington   Post‏  الأمريكية التي تقدم أخبارا متنوعة عن الصحة والمال والأعمال والسياسة والثقافة وتعتمد على المساهمات المجانية لأكثر من 200 مدون التي يبثّها عبر الميديا الاجتماعية.كان نشاط موقع  “بزفيد” في انطلاقاته بالولايات المتحدة الأمريكية يقتصر على تجميع الأخبار التي يتوجس فيها القدرة على “العدوى”؛ أي سرعة الانتشار في شبكة الانترنت ومواقع الشبكات الاجتماعية. ثم ّتوالت طبعاته المختلفة في بريطانيا، وألمانيا، واسبانيا، وكندا وأستراليا والهند، والمكسيك. وعلى الرغم من توجهه إلى نشر الأخبار الجادة إلا أن استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي شملت مختلف الأوساط الاجتماعية والسياسية، لا تعتبره مصدرا إخباريَّا ذا موثوقية ومصداقية.إن كان هذا الموقع يفتقد المصداقية فبماذا نفسر “عدوى” أخباره التي بلغت شعوبا وأمما مختلفة في قارات العالم الخمس؟ هل السبب يعود لطبيعة عناوينه التي تتسم بالإثارة أم في معالجته السطحية للمواضيع ” المنسية” في الصحافة العالمية؟ أم لعلاقاته المشبوهة بالمعلنين؟ لقد تم التأكد من اقدامه على نشر مواد إعلامية، وليست إعلانية وترويجية، بتمويل كامل ومتستر من شركات صناعية وتجارية.

تفسير

 مهما كانت الإجابة عن هذه الأسئلة فإنها لا تستطيع وحدها أن تفسر ميلاد وتطور الصحافة المعدية. لقد ربط البعض ظهورها بسلطة التكنولوجيا، وشرح أشكال تطورها عبرها. فإن كانت الصحافة الورقية صنعية المطبعة، فإن صحافة الانترنت ولدت نتيجة اختراع شبكة الانترنت، وبرزت صحافة العدوى مع تزايد شعبية مواقع الشبكات الاجتماعية التي رفدتها الأجهزة النقالة، خاصة الهاتف الذكي الذي عمّ انتشاره مختلف الشرائح الاجتماعية في جل بلدان العالم. إنّ هذا التفسير يجسد دورة الحياة التكنولوجية لوسائل الإعلام.من الصعب أن ننظر إلى تطور وسائل الإعلام من “كَوّة” التكنولوجيا على الرغم من أهميتها الكبرى.  فمُنَظِّر الميديا الجديدة ” روجي فيدله” ٌ Fidler Roger بيّن في كتابه المرجعي الخاص بتحول الميديا، الصادر في 1997، أن العلاقة بين التكنولوجيا والميديا والتحول في وسائل التواصل تحصل في الغالب كنتيجة للتفاعل المعقد بين الطلب الاجتماعي، والضغط التنافسي التجاري والسياسي، والمبتكرات الاجتماعية والتكنولوجية.إن هذا القول ينفي كل فكر حتمي في تفسير تطور وسائل الإعلام عبر التاريخ، لكنه لا يتجاهل تأثير التكنولوجيا الذي نراه واضح للعيان. إن استعانة وسائل الإعلام بالوسائط المتعددة غيرت النمط السردي للأخبار وجعلتها أكثر قابلية للانتشار. وأن البحوث التجريبية التي اتبعت مسار الأخبار ورسمت منحنيات تصاعد انتشارها وتداولها في مواقع الشبكات الاجتماعية تؤكد أن الأخبار التي تتوسل شرائط الفيديو تحظى بانتشار أوسع من تلك التي تكتفي بالنص المكتوب الخالي من أي صورة. وأن إيقاع هذا الانتشار يكون أسرع. فالكاتب الأمريكي دوغلاس روشكوف Rushkoff  Duglas يؤكد بأن الصور والأيقونات المستفزة تسافر بسرعة وأبعد وسط البيانات الافتراضية، وافتتاننا بها يعد خير دليل على أننا غير محصنين ثقافيا ضد الفيروسات الجديدة؛ ويقصد بها الأخبار المزيفة. فهذه الأخيرة تسري في شرايين مواقع الشبكات الاجتماعية بسرعة تُقدر بست مرات عن الأخبار الصادقة والموثقة لتبلغ 1500 شخصا فقط. وهذا حسب البحث الذي قام به الباحث سوروش فوسوغي Soroush Vosoughi   وفريقه في معهد ماسوشيت للتكنولوجيا، الذي قام بتحليل 123 ألف تغريدة في موقع شبكة تويتر سابقا، خلال الفترة الممتدة من 2006 إلى 2017. ليس هذا فحسب، بل أن الأخبار الملفقة تصل إلى أكبر عدد من الجمهور قبل تلك الموثوق في صدقها! فمتوسط سلسة الأشخاص الذين يتداولونها لا تزيد عن عشرة أشخاص. بينما متوسط دائرة الذين يتولون نشر الأخبار الملفقة تصل إلى 19 شخص.حقيقة، أن البيئة الرقمية غيرت قواعد التعامل مع الأخبار، فوسائل الإعلام التقليديّة كانت لا تنشر الأخبار دون التأكيد من مصادرها والتحري حول صحتها وموثوقيتها، لكن صحافة الانترنت ومواقع الميديا الاجتماعية أصبحت تنشر الأخبار أولا، ثمّ تتأكد من مصداقيتها! بل تبرأت من مسؤولية التحري عن مصداقية ما تنشره أو تبثّه. وهذا منذ أن أطلق المعلق الأمريكي ماتيو دوردج  Matthew Drudge مدونته الإلكترونية المسماة درودج ربورت Drudge Report ، والتي اشتُهِرت بعد أن نشر ما أصبح يعرف ” بقضية كليتون- لونيسكي” في يناير 1998. لقد اتُهِم آنذاك بأن نسبة كبيرة من الأخبار التي ينشرها عارية من الصحة وبعيدة عن الحقيقة. فكان رده الغريب كالتالي: لم أطلب من أي شخص أن يصدق ما أنشره!يقول الكاتب جون لوبرت Joe Lambert صاحب كتاب:” السرد القصصي الرقمي: التقاط الحياة وبناء الجماعات” الصادر في 2013 ” إننا نعيش تجربتين مختلفتين: نكون في التجربة الأولى قراءً، و كُتًّابا في التجربة الثانية”.

تدفع هذه التجربة المزدوجة إلى التساؤل عن دور الصحافي في البيئة الإعلاميّة الجديدة، وعن التغيير الذي طرأ على إنتاج المحتويات الإخبارية وتوزيعها. فمواقع الشبكات الاجتماعية وانخراط الجمهور في توزيع الأخبار واقتسامها على مدار اليوم طيلة أيام الأسبوع بشكل متواصل أثر على طبيعة العمل الصحفي من جهة، وطبيعة الأخبار من جهة أخرى. لقد تغيرت “جينات” هذه الأخيرة وتحول حتّى حامضها النووي. فلم تعد تكتفي بذكر ما حدث أو ما قيل، بل أصبحت تتابع ردود الفعل على الحدث والتصريحات التي رافقته والتداعيات التي أحدثها. وبهذا أصبح الحدث مفتوحا أو مستمراـ يبثّ/ ينشر في شكل أجزاء صغيرة في مواقع شبكة الانترنت أو صفحات الأشخاص في مواقع الشبكات الاجتماعية، حسب الباحث الهولندي مارك دوز Mark Deuze. فإن كانت صحافة الانترنت قد حرّرت القارئ من عائق الزمن والمكان وخصصت له حيزا للتعليق على الأحداث ومنشوراتها، فإن مواقع الشبكات الاجتماعية أعطت أبعاد أخرى لتفاعليته إذ جعلت التعليق مكونا أساسيا للخبر، وبموجبه أضحى القارئ شريكا في إنتاج الأخبار، ليس هذا فحسب، بل أضحي يعيش تجربة إعلامية فلم يعد يساهم في نقل ما جرى، بل أصبح يتواصل عبر ما جرى، يتوق إلى إنشاء علاقات عبر نشر الأخبار وتشكيل جماعات.

قواعد العدوى

هل توجد علاقة سببية بين التغيير الجيني في الأخبار والعدوى الإعلامية؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب وذلك لأن التغيير المذكور هو وليد العدوى الإعلامية التي لها قواعدها، والتي لخصها صومائيل بوسكارت، وكيفن مليي، الباحثان لدى شركة الاتصالات الفرنسية ” أورنج  لاب” Orange Labs

في جملة من العوامل، منها: المحاكاة وسلوك القطيع، وجِدَّة الأخبار والبيانات، والتعرض للمحتوى، واقتباس محتوى من صفحة في موقع في شبكة الانترنت ممّا يضاعف حظوظ انتشاره في شبكة الانترنت وفي مواقع الميديا الاجتماعية، وتوصيات الزملاء والأصدقاء والمعارف والأهل بالاطلاع على هذا الخبر أو ذاك أو الاستماع إلى هذا الشريط عبر رابط في البريد الإلكتروني أو تحميل شريط الفيديو عبر نص رسالة قصيرة أو في حساب في موقع من مواقع الشبكات الاجتماعية. وتحلّ هذه التوصيات محلّ ما كان ينقل شفهيا من الفم إلى الأذن، أو يدرج في خانة القيل والقال. فالباحثان المذكوران قدرا أن التداول الشفاهي للأخبار والمواد الإعلامية يرفع عدوى الأخبار بنسبة 53% بينما لا يساهم العرض المرئي للأخبار عبر مختلف الشاشات في هذه العدوى سوى بنسبة 47%.

على العموم أضحت الأخبار التي تثير الفضول العام تحظى بأكبر قدر من الانتشار في الميديا الاجتماعية من تلك المرابطة بالمنفعة العامة. وهذا يفسر جزئيا سرعة انتشار المادة الأولية التي يستغلها المؤثرون” في مواقع الشبكات الاجتماعية، فتكسبهم مزيدا من الشهرة. هذا في عصر ما بعد الحقيقة الذي” يتراجع فيه تأثير الوقائع الموضوعية لصالح المشاعر والأهواء والاقتناعات الشخصية. إنه العصر الذي يختار الناس فيه ما يعزّز افكارهم وآراءهم وأحاسيسهم”. هذا علاوة على أن مشاركة الأصدقاء والزملاء والمعارف الأخبار ذاتها في مواقع الشبكات الاجتماعية الأخبار يرمي إلى تلبية حاجة إنسانية ماسة. إنها الحاجة إلى تجديد الانتماء إلى الجماعة، ومشاطرتها الأحاسيس والمشاعر وحتى الاقتناعات.

الرهانات

إن الرهانات التي تطرحها الميديا المعدية عديدة ومختلفة، لعل أبرزها يكمن في تغيير معايير الحكم على مصداقية الأخبار. لقد أصبحت موثوقية الخبر لا تستند إلى مصادره، بل تحيل إلى عدد المطلعين والمتفاعلين معه سؤال بالكبس على ايقونة الاعجاب أو بإعادة التغريدة أو بث الخبر والتعليق عليه. فكلما زاد عددهم ارتفع منسوب مصداقية الخبر!

ولا يخفى على كل مطلع بأن إمكانية تصحيح الخبر المنشور في مواقع الشبكات الاجتماعية واستدراكه بتصويب محتواه تبدو مهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة.

أنتجت الصحافة المعدية سياق من المنافسة غير المتكافئة، فأصبحت العدوى مؤشرا أساسيا على نجاعة الصحافة. وهذا الأمر يدفع وسائل الإعلام التقليدية إلى الاختيار، بين الالتزام بمسؤوليتها الاجتماعية والأخلاقية بتجسيد فلسفتها في انتقاء الأخبار وفق القيم المهنية والاجتماعية المتوارثة منذ قرون، أو التضحية بهذه المسؤولية والتماهي مع الصحافة المعدية.

الفيديو تحت الطلب: من نشاط تجاري هامشي إلى نمط من البث

نصر الدين لعياضي

من منكم يتذكر أكشاك تأجير شرائط نظام الفيديو المنزلي ” في إتش إس” VHS. كان بعضنا يقصدها، في ثمانينات القرن الماضي، سائلا عن الجديد في عالم شرائط الفيديو؛ أي عن أخر المقتنيات من الأفلام السينمائية؟ وبعد دردشة قصيرة مع صاحب الكشك عن عالم السينما وحياة أبرز الممثلين، يترك الأمر له لينتقي ما يشاء من الشرائط. فيدفع ثمن تأجير الشريط لمدة 24 أو 48 ساعة. وتسلم له بطاقة الهوّية كضمان، ولا يستردها صاحبها إلا إذا أعاد شريط الفيديو. وتم التأكد من سلامته. وكان بعضنا يهوى جمع شرائط الفيديو، ويصطفها في رفوف مكتبته لتضاهي الكتب. ويتباهى بآخر ما يقتنيه من أفلام. بل يكاد يطير فرحا وهو يشاهد الأفلام السينمائية على جهاز الفيديو في منازله مع أهله أو أصدقائه. كيف لا وقد أصبح من المحظوظين القلائل الذي يملكون هذا الجهاز الساحر.

لقد ولى ذاك الزمان دون أن ندري أنه كان منذرا بانقلاب كبير في أشكال الصناعة السمعية -البصرية     وتلقّي منتجاتها. فبعد أن كان تأجير شريط الفيديو نشاطا تجاريا ثانويا تحوّل إلى نمط من البثّ أعاد هندسة اقتصاد القطاع السمعي- بصري. بالفعل، لقد برز، في العقد الأول من القرن الماضي، العديد من الوسطاء في مجال الصناعات الثقافية المرئية الذين طوروا عروض المواد السمعية- البصرية غير المادية التي انفصلت عن حاملها، ولجأت إلى المنصّات الرقميّة. هذا بصرف النظر هل هذه العروض شرعية أم غير شرعية. يقترح هؤلاء الوسطاء منتجات سينمائية وتلفزيونيّة لتقديمها وفق الطلب؛ أي بمنأى عن دوائر البثّ والتوزيع التقليديّة، وخارج ما تعرضه قاعات السينما من أفلام، وما تبثّه القنوات التلفزيونيّة. هؤلاء الوسطاء هم الشركات الاستثمارية العملاقة الناشطة في ميدان المعلوماتية والانترنت، مثل: غوغل، وآبل، والفيسبوك، وأمازون، والميكروسوفت، ومزودو خدمة الانترنت، وشركات الاتصالات، والشركات التلفزيونية الكبرى، ومالكي شركات الكيبل للبثّ التلفزيونيّ.

التعريف

يعرّف المرصد الأوروبي للسمعي-البصري ” الفيديو وفق الطلب” بأنه خدمة تجمع حزمة واسعة من التكنولوجيات هدفها المشترك هو السماح باختيار محتوي الفيديو لإيجاره أو شرائه عن بعد في صيغته غير المادية، من أجل مشاهدته في الوقت ذاته أو لاحقا عبر العديد من الحوامل: الكمبيوتر، والتلفزيون، والهاتف الذكي، واللوح الرقمي، لمدة معينة أو غير محدودة.

ويعرف قاموس المصطلحات الصادر عن شركة “غرانتر” الأمريكية، المختصة في مجال الخبرة والدراسات في تكنولوجيا الاتصالات، “الفيديو تحت الطلب”، بأنه يغطي العديد من المجالات. ويشمل محتوى الفيديو المختار وفق طلب المستخدمين. يمكن أن يكون فيلما لم يعرض بعد في قاعات السينما، أو لم يدرج في شبكة البرامج التلفزيونية، أو شرائط للتظاهرات الرياضيّة والفنيّة. وقد يضمّ أيضا المحتويات التي ينتجها المستخدمون ذاتهم. هذا فضلا عن مالكي القنوات التلفزيونية التي تبث عبر شبكة الانترنت بمقابل مالي، والتي تشرع في بيع برامجها، التي بثتها خلال 24 أو 48 ساعة الأخيرة، وفق طلب المستخدمين. فالمعروف عن هذه القنوات التلفزيونية أنها تحتفظ بمحتويات ما تبثه لهذا الغرض. ويستطيع المشاهد أن يشتري الفيديوهات المطلوبة بالقطعة أو بالجملة؛ أي من خلال اشتراك جزافي شهريا لعدد من البرامج التلفزيونية التي تبثّ عبر شبكة الانترنت.

يتضح من التعريفين السابقين أن التحمّيل المجاني للمضامين السمعية-البصرية من شبكة الانترنت من أجل رفع عائدات الإعلان أو للاستلاء على بيانات المستخدمين الشخصية لبيعها إلى الشركات والمؤسسات التسويقية لا تندرج ضمن مسمى ” الفيديوهات تحت الطلب”.

يعود تاريخ الفيديو تحت الطلب عبر شبكة الانترنت إلى بداية الألفية الحالية في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنه تطور بسرعة فائقة خلال بضع سنوات فقط، نتيجة تعدّد الأطراف المشاركة في الإنتاج والتوزيع، خاصة بعد بروز خدمة الفيديو المجاني ) free on demand ( ؛ أي الذي تموله الإعلانات، والرسوم التي تقتطع من الصناعات الثقافيّة، ومن هبات الجمعيات الخيرية. وتسمح للمشاهدين من مشاهدة هذا الإنتاج دون مقابل مالي.

فرض ” الفيديو تحت الطلب” نفسه منذ 2008، بجانب التلفزيون الاستدراكي، أو التلفزيون وفق الطلب الذي يسمح للمشاهد بانتقاء ما يريد من برامج بعد بثّها أو قبل ذلك. واستطاع أن ينافس منصّات تقاسم المحتويات السمعيّة البصريّة، مثل منصّات اليوتيوب والدلي موشن. Dailymotion ، و”فيميو” Viméo التي تعرض شرائط الفيديو مجانًا.

تركز ” خدمة ” الفيديو تحت الطلب على “برامج التخزين”؛ أي التي لا تفقد قيمتها مع مرور الزمن، مثل الأفلام السينمائية والوثائقية والمسلسلات التلفزيونية. لذا لا غرو أن نجد عدد مشاهدي الأفلام السينمائية عبر “الفيديو تحت الطلب” يتجاوز كثيرا عدد من يشاهدونها في قاعات السينما في العديد من الدول الغربية. الأمر الذي دفع هذه الدول إلى اتخاذ جملة من التدابير القانونية لحماية قاعات السينما والصناعة السينماطوغرافية من الاندثار. فحسب الشركة البريطانية المختصة في الاستشارات في مجال التكنولوجيا المتطورة، إنّ عدد المشتركين في خدمات “الفيديو تحت الطلب” قفز من 10% من الأسر في الولايات المتحدة الأمريكية في السنة  2009 إلى 55% بعد عشر سنوات من هذا التاريخ.

إذا، منذ السنة 2019 والتنافس بين عمالقة الإنتاج السمعي البصري الأمريكيين، على أشده على هذه الخدمة، إذ دخلت كلّ من شركة والد ديزني Disney Walt و ورنر ميديا WarnerMedia ،  وفوكس Fox، و إسبن ESPN، وسي بي أس أل أكسس  CBS All Ac-cess ، وشوتايم Showtime، و هوبو ناو HBO Now، و يوتيوب تي في YouTube TV ، وبلي ستيشن فيو PlayStation Vue، وغيرها، مجال منافسة شركة نتفليكس Netflix ، التي بسطت يدها على هذه الخدمة ، حيث بلغ عدد مشتركيها في السنة الماضية 223 مليون مشتركا بمقابل مالي. لقد خدمتها جائحة كورونا كثيرا لمدة سنتين. فمصائب قوم عند قوم فوائد.

إن كان مقدمو خدمة “الفيديو تحت الطلب” التقليديون، مثل نتفليكس، Netflix، وأمازون برايم  Amazon Prime ، وغيرهم يركزون في استراتيجياتهم على اقناع المشاهدين بالتخلي عن اشتراكهم التقليدي في القنوات التلفزيونية التي تبثّ عبر الكيبل، فإن مقدمي هذه الخدمة الجدّد يسعون إلى إزاحة هؤلاء من الصدارة معتمدين على نوعية الأفلام التي يقدمونها من جهة، والأسعار التي يقترحونها من جهة أخرى. فالمدير العام لشركة والت ديزني” بوب إيجر”، على سبيل المثال، لم يذكر سعر الاشتراك الشهري لمشاهدة ما تقدمه شركته من فيديوهات، إلا أنه أكد على أنه سيكون أقل من سعر الاشتراك في خدمات العملاق نتفليكس الذي يتراوح ما بين 8 و14 دولار شهريا.

تشبيه

شبه “جيم نايل” Jim Nail المحلّل لدى الشركة الأمريكية فورستر Forrester المختصة في الاستشارات ودراسة الأسواق الرقمية تزايد الشركات التي تقدم خدمة “الفيديو تحت الطلب” بالانفجار “الكامبري”، الذي حدث قبل 542 مليون سنة؛ أي على إثر نهاية العصر الجليدي. فذوبان الجليد في الكرة الأرضية أدى إلى مضاعفة انبعاث أنواع الكائنات الحية من حيوانات ونباتات.

يمكن أن نتأكد من صحة هذا التشبيه على مستويين: المستوى الأول، ويتمثل في مضاعفة عدد المؤسسات العملاقة، التي أصبحت تنشط في جلّ بلدان العالم. والتي لم تعد تكتف بشراء حقوق بثّ الأفلام السينمائية والوثائقية والمسلسلات التلفزيونية لإدراجها في خدمة ” الفيديو تحت الطلب”، بل شرعت في خوض غمار الإنتاج السينمائي والتلفزيوني من أجل تقديم الجديد الذي لم يسبق عرضه على المشاهدين بأي وسيلة كانت. وتزايد عدد الشركات الصغرى ذات الطابع المحلي في الدول النامية والتي بدأت تفرض نفسها في مجال “الفيديو تحت الطلب”. ففي بلدان أمريكا اللاتينية، على سبيل المثال، برزت العديد من الشركات، يمكن أن نذكر بعضها من باب التوضيح وليس الحصر، مثل شركة ” غلوبو بلاي”Globo Play في البرازيل، ولوب 13 Loop في الشيلي، وفيديو بلاي Veo Play في المكسيك وأمريكا تيفي غو América TVGO بالبيرو، وفيرا تيفي Vera TV بالأرغواي، وفيفو بلاي Vivo Play بفنزيويلا التي تعتبر البلد المتأخر عن ركب بقية بلدان أمريكا اللاتينية في هذا المجال.

بات الانتشار المتسارع لهذه الشركات يهدد وجود القنوات التلفزيونية التي رأت أن منافستها لخدمة “الفيديو تحت الطلب” محدودة جدا. وذلك لكونها تخضع لجملة من القيود القانونية والتجارية، منها: بث الإعلانات وفق سقف معين وعدم تجاوزه. واشتراط بثّ، وحتّى إنتاج، نسبة معينة من المواد الدرامية المحلية أو الوطنية. وعدم الاكتفاء ببثّ أو إعادة بثّ الإنتاج الدارمي الأجنبي، خاصة الأمريكي. لذا نلاحظ أن الكثير من القنوات التلفزيونية العالمية والوطنية اتجهت إلى الاستثمار في مجال ” الفيديو تحت الطلب.

اما المستوى الثاني، فيتمثل في التنافس بين صناع التكنولوجيا الرقميّة من أجل تقديم أفضل البرامج التي تسمح بمشاهدة شرائط الفيديو التي تبث عبر الأنترنت وتحمّيلها. فتضاعف عدد هذه البرامج التي نذكر منها مكروسفوفت سيلفرلايت Microsoft Silverlight، وفلاش بلاير أدوب Flash Player، ووكويك تايم آبل، وبرنامج “مكروسفت ميديا بلاير”، Microsoft Media Windows Player الذي ظلّ مهيّمنا حيث كان يقتطع نسبة 50.7 % من السوق في 2009. ثم بدأ يتراجع بعد أن أزاحه برنامج “أي تون آبل” iTunes d’Apple من الصدارة، في مطلع 2012.

 عادات جديدة

غَيّر “الفيديو تحت الطلب” علاقة المشاهد بالمادة السمعية- البصرية فوثّق صلته بعالم المسلسلات بفضل العُدّة الرقميّة، التي تسمح بمشاهدة ما يريد، ومتى يريد، وأين يريد، وبالوسيلة التي يريد، والمدة التي يختارها. فإن اختار مسلسلا تلفزيونيا فيمكن مشاهدته حلقة بعد حلقة أو يشاهد كل الحلقات دفعة واحدة.  كما يستطيع متابعة أخبار الممثلين والممثلات، والبحث عن الرواية التي اقتبست منها المسلسلات، والانخراط مع المعجبين بهذا الفيلم أو ذاك المسلسل التلفزيوني الذين ينشئون له صفحات في مواقع الشبكات الاجتماعيّة. وابداء الرأي فيه. ويمكن لهذا المشاهد أن يجمع ألبوم الصور عن أبطال مسلسلاته المفضلة. وترى أستاذة الأدب المقارن في جامعة “نيم” الفرنسية، “كلير كورنيون”، أنه يمكن للمشترك أن يقوم بمزج بعض المقاطع المختلفة من مسلسله المفضل لينشئ محتوى جديدا ويرسله لأصدقائه.

وكشفت البحوث الميدانيّة التي أجريت مع بعض المشتركين في خدمة الفيديو تحت الطلب عن بعض الأحاسيس والمشاعر التي يشعرون به أثناء مشاهدة المسلسلات والأفلام السينمائية التي عاصروها في طفولتهم أو شبابهم. فالبعض يقول إنّها تثير فيه الحنين إلى ماضيه ومراهقته. والبعض الأخر يهتم ببعض التفاصيل التي لم يلتفت إليها في مشاهدته السابقة. ويؤكد الذين يطلبون دائما بإعادة مشاهدة المسلسلات القديمة أنهم يجدّدون علاقتهم العاطفية بالممثلين، وكأنهم يزورون أصدقاء لم يرونه منذ مدة طويلة!

إن الخطر الذي تمثله خدمة الفيديو تحت الطلب يكمن في دور الخوارزميات في تنميط ذوق المشاهدين وتعمّيمه. فالشركات التي تعرض هذه الخدمة توجه مشتركيها نحو نوع معين من المسلسلات والأفلام التي ترتبها حسب نسبة مشاهدتها. فمن النادر ألا يلتفت المشاركون إلى هذا الترتيب ويتجهون رأسا إلى عناوين الأفلام والمسلسلات الموجودة في مكتبات هذه الشريكات. والأدهى أن المسلسلات والأفلام التي تحظى بإقبال كبير تتحوّل إلى نموذج ناجح- تجاريا بالطبع- يحتذى به، ويؤثر على اختيار الصناعات السينماطوغرافية والتلفزيونيّة.

صعوبات

إضافة إلى خدمة ” الفيديو تحت الطلب” التي تقدمها الشركات الدولية العملاقة، مثل ناتفليكس، في المنطقة العربية، بدأت بعض المؤسسات العربية في تقديم هذه الخدمة، مثل اتصالات الجزائر تحت مسمى ” جزائر بلاي” Dzair Play إذ تقترح على زبائنها، المشتركين في شبكة الانترنت، الفيديوهات التي تتضمّن أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونيّة جزائرية مجانا، لمشاهدتها عبر الأجهزة المتحركة التي تشتغل وفق نظام الآندرويد: الهاتف الذكي، واللوح الرقمي، والكمبيوتر المحمول.

نعتقد أن تطور خدمة” الفيديو تحت الطلب” تواجهها جملة من الصعوبات في المنطقة العربية، يأتي في مقدمتها تباين البنية القاعدية للتكنولوجيا الرقمية بين الأقطار العربية. إذ تعاني بعض الأقطار العربية، القليلة من حسن الحظ، من عجز في توفير تغطية كاملة لأقاليمها، ومن بطء تدفق الانترنت وضيق سعتها. ففي الجزائر على سبيل المثال، تتطلب الاستفادة من خدمة الشركة المذكورة أعلاه الاشتراك في شبكة الانترنت بسرعة لا يقل تدفقها عن 15 ميغابايت في الثانية. إن هذا الشرط يحرم شرائح واسعة في المنطقة العربية من الاشتراك في خدمة ” الفيديو تحت الطلب” لضعف قدرتها الشرائية.

تشهد المنطقة العربية تزايد مذهلا في عدد القنوات التلفزيونية، إذ بلغت في 2016 حوالي 1122 قناة تعود ملكية 965 منها إلى القطاع الخاص، حسب احصائيات اتحاد الإذاعات العربية بتونس. وبالمقابل يعاني العديد من هذه القنوات من عجز في الإنتاج، إذ يلجأ إلى استيراد البرامج من القنوات التلفزيونية أو مؤسسات الإنتاج السمعي- البصري الأجنبية. وذلك نظرا لسعرها الزهيد مقارنة بارتفاع كلفة الإنتاج المحلي للأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية، أي المادة الأساسية التي تغذي ” الفيديو تحت الطلب”. هذا علاوة على أن بعض البلدان العربية لا تشجع القطاع السمعي البصري، أي لا تمنحه الاعانة التي يحظى بها في بعض الدول الأوروبية ضمن سياستها الثقافية، مثل التمويل الكامل أو الجزئي لمشاريع الإنتاج الدرامي وفق مراحل انجازها، وإعفاء الشركات المختصة في الإنتاج السينمائي من الرسوم والضرائب المختلفة، والترويج لها، والتكفل بمصاريف مشاركة الأفلام في المهرجانات الدولية.

من المتعارف عليه أن رأسمال الخاصيخشى المغامرة والاستثمار في قطاع تتسم دورة رأسماله بالبطء، وعائده المالي غير مضمون مسبقا، مثل قطاع السمعي-البصري.لذا من المحتمل أن تلجأ الشريحة الاجتماعية المقتدرة ماديًّا وثقافيًّا في المنطقة العربيًّة إلى متابعة الأفلام والمسلسلات الغربية الرائجة في الأسواق العالمية عبر خدمة “الفيديو تحت الطلب” التي توفرها الشركات العالمية المذكورة أعلاه، خاصة وأن بعضها أصبح يقدم “فيديوهاته” مدبلجة بالعديد من اللغة، مثل شركة ناتفليكس، مما يسمح للجمهور بالتغلب على عائق اللغة. أما الفئات الشعبية، فستدمن على متابعة الفيديوهات المجانية المتداولة في مواقع الشبكات الاجتماعية، مثلديلي موشن” و” يوتيوب” و” تيك توك” وغيرها. وبهذا نسه، بشكل لا إرادي، في توسيع الهوة الثقافية بين أبناء المجتمع الواحد.

 

ماذا يستدرك التلفزيون الاستدراكيّ؟

نصر الدين لعياضي

سقطت كل التكهنات بموت التلفزيون. وتفاجأ المتكهنون بأن معارفهم عن التلفزيون لازالت متواضعة لأنه أصبح بمثابة الثعبان الذي ينسلخ من جلده كلّما نما. فلجلد الثعبان قدرة محدودة على النمو والتوسع ليحتوي تحولات جسمه، لذا يستبدل جلده. كذلك الأمر بالنسبة إلى التلفزيون. إنّه لا يكف عن التجدّد ليستأنف ميلاده مستفيدا في نموه من المبتكرات التكنولوجيّة. وتكمن إحدى مظاهر هذا التجدّد فيما أصبح يعرف بالتلفزيون الاستدراكي( catch-up TV)

يُعرّف هذا التلفزيون بأنه مجمل الخدمات التي تسمح بمشاهدة أو إعادة مشاهدة البرامج التلفزيونيّة بعد بثّها عبر قناة تلفزيونيّة لمدة محدودة. حقيقة، لقد كان بإمكان المشاهد إعادة مشاهدة ما فاته من برامج تلفزيونيّة في نهاية السبعينات والثمانيات من القرن الماضي سواء من خلال قيام القنوات التلفزيونيّة بإعادة بث برامجها في وقت لاحق، أي بعد منتصف الليل أو بعد قيام المشاهد بتسجيل برنامجه المفضل في جهاز الفيديو ساعة بثّه، ثم يشاهده وقت ما يشاء. لكن التلفزيون الاستدراكي هو نوع متميّز من البثّ التلفزيوني ونمط مغاير من “استهلاك” البرامج التلفزيونيّة.

يبثّ هذا التلفزيون في موقع القناة التلفزيونيّة في شبكة الانترنت تحت مسمى ” إعادة البث” replay أو ” فيدوهات”، أو “أي بلاير( iPlayer ). وأيضا عبر مواقع متخصصة في إعادة بث البرامج التلفزيونيّة، مثل ” بليز” Pluzz، و غولي ربلي Gulli Replay وميديا سيت  Mediasetو بروسيبيان   ProSieben  وغيرها. والاستفادة من خدمات هذا التلفزيون تكون في الغالب مجانا أو موجهة للمشاركين في القنوات التلفزيونيّة المشفَّرة، أو بمقابل مالي بسيط في الشركات المتخصصة في البثّ والتوزيع التلفزيونيّ. وتتطلب هذه الاستفادة بالضرورة ولوج الشبكة التفاعليّة سواء عبر الكابل أو الخط المشترك الرقمي غير المتناظرADSL أو من خلال الجيل الثالث والرابع للشبكات الخلويّة.

ظهر التلفزيون الاستدراكي في تايلاند والولايات المتحدة الأمريكية في نهاية عقد التسعينات من القرن الماضي كخدمة توفرها القنوات التلفزيونيّة لمشتركيها عبر الكيبل، ثم ما انفك يتطور بالمبتكرات التكنولوجيّة. فاضحت القنوات التلفزيونيّة تستعين بتطبيقات نظام ” الأندرويد” الذي يستخدم في الوندوز، و”الأي أو س” ( iOS ) حتّى يمكن متابعة البرامج المستدرك عبر مختلف الشاشات: التلفزيون المتصل بشبكة الانترنت، والكمبيوتر المحمول، والهاتف الذكي، واللوح الرقمي. ليس هذا فحسب. بل أصبحت لكلّ قناة تلفزيونيّة برامج رقميّة تسمح بتسجيل ما تبثه من مواد تلفزيونيّة وفيديوهات، مثل “كابت تفي” Captvty، و”تي في أو” TVO، وغيرها.  ومن أجل تسهيل المهمة على المشاهدين تلجأ المنصّات الرقميّة المتخصصة في بثّ برامج التلفزيون الاستدراكي والقنوات التلفزيونيّة إلى إدراج ” كتالوج” للبرامج المستدركة في مواقعها في شبكة الانترنت، وترتب موادها المستدركة حسب الموضوعات أو التواريخ.

تطور

يتفق محترفو العمل التلفزيوني على تقسيم البرامج التلفزيونيّة إلى صنفين: برامج الفيض أو التدفق Flow program، وهي البرامج التي تبثّ مرة واحدة، وتستمد قيمتها من لحظة بثها لذا فإن مدة حياتها قصيرة جدا، مثل: الأخبار، وحالة الطقس، وحركة المرور، والبرامج الحوارية، وبعض برامج الألعاب والمسابقات التلفزيونيّة، ونقل المباريات الرياضيّة. وتستغل القنوات التلفزيونيّة هذا الصنف من البرامج لتأثيث مدة بثّها وسد بعض الفراغات في البرمجة التلفزيونيّة. وصنف ثان، وهو برامج التخزين Stock program ، التي لا تشترط وقت محدّد لبثّها؛ أي يمكن بثّها وفق ظروف القناة. وتشمل الأفلام السينمائيّة، والأفلام الوثائقيّة، والمسلسلات التلفزيونيّة. وهذه البرامج ذات قيمة ثقافيّة وجمالية أفضل من الصنف الأول.

كان البثّ في انطلاقة التلفزيون الاستدراكي مقتصرا على برامج التخزين، ثم امتد ليشمل كل البرامج التلفزيونيّة التي يُعتقد أن الطلب عليها يتزايد بالنظر إلى نسبة مشاهدتها في بثّها الأول على المباشر.

وتختلف القنوات التلفزيونيّة في لحظة بثّ البرامج الاستدراكيّة والمدة المتاحة لمشاهدتها. لقد جرت العادة أن تستدرك البرامج التلفزيونيّة في اليوم الموالي لبثّها. وفي ظل المنافسة الشديدة بين القنوات التلفزيونيّة تم التخلي عن هذه العادة. فالقناة الثانية في التلفزيون الهنغاري TV2 Webcast، على سبيل المثال، تستدرك برامجها وتعيد بثّها في اليوم ذاته، بينما تستدركها القناة السادسة من التلفزيون الفرنسي بعد ساعة فقط من بثّها.

وتختلف المدة المتاحة لإعادة مشاهدة برامج التلفزيون الاستدراكي، حسب القنوات التلفزيونيّة، إذ تتراوح ما بين 48 ساعة بعد أول بثّ إلى شهر. فالمعدل الأوروبي هو أسبوع بعد أول بّث. وهذا ما تلتزم به القناة الفرنكو أمانية Arte، والتلفزيون الاسباني TVE وتلفزيون البي بي سي، على سبيل المثال، بينما تشذ  القناة السادسة في التلفزيون الفرنسي عن هذه القاعدة وبمنحها مدة أسبوعين للجمهور لإعادة مشاهدة ما فاته من برامجها. وتمنح القنوات المشفَّرة مدة أطول لمشاهديها، تصل إلى شهر وتقتصر على “زبائنها” فقط.

جدل

على الرغم من إنّ مدة عرض برامج التلفزيوني الاستدراكي تظلّ تخضع لتقدير القنوات التلفزيونيّة من أجل تلبية رغبة مشاهديها إلا أنها تثير الكثير من الجدل، إذا بإمكانها أن تزيل الجدار الرخو الفاصل بين خدمة الفيديو تحت الطلب Video on demand، والأرشيف التلفزيوني الذي هو مادة غير مجانية. لقد التمس الفاعلون في ميدان السمعي- البصري من المُشَرِّع التدخل للفصل النظري بين الخدمتين: التلفزيون الاستدراكي والفيديو تحت الطلب، ووضع آليات عملية لحماية خدمة الفيديو التي ليست مجانيّة حتّى لا يلحق بها أي ضرر مادي بفعل انتشار التلفزيون الاستدراكي. وتعزيز مكانة ما تبثّه القنوات التلفزيونيّة المجانيّة خوفا من تراجع جمهورها أكثر، خاصة بعد استشراء الاستدراك الممتدSeason Stacking .

من المتعارف عليه أن بعض المسلسلات التلفزيونيّة تتكون من العديد من الحلقات. وقد يستغرق بثّها أشهر حتّى وإن كانت تبثّ يوميّا، وهي المدة الكافية التي تسمح للقناة التلفزيونية بخلق وشائج وألفة مع الجمهور، وترسيخ نمط من المشاهدة مبني على الشغف والانتظار والترقب. بينما الاستدراك الممتد يسمح للمشاهد بمتابعة كل حلقات المسلسل التلفزيوني دفعة واحدة دون انقطاع.

الفرق:

بغضّ الطّرف عن أن خدمة التلفزيون الاستدراكي التي تكون مجانية في القنوات التلفزيونية غير المشفرة، إلا أن الحدود الفاصلة بين الخدمات التي يقدمها كلّ من ” تلفزيون الاستدراك” و” الفيديو تحت الطلب” و” الأرشيف التلفزيوني” تظلّ غير معروفة بدقة. بالفعل، إن هذه الخدمة تنتمي إلى ” الاستهلاك” غير الخطي للبرامج التلفزيوني، بمعنى أنها لا تفرض على المشاهد الالتزام بمواعيد مرتبة مسبقا لمشاهدة هذا البرامج التلفزيوني أو ذاك، أي أنها تحرّر المشاهد من ضغوطات الزمن، وتمكّنه من مشاهدة ما يرغب أن يشاهد متى يشاء وحيثما يشاء، ويمكن أن يعيد مشاهدة ما شاهده أكثر من مرة.

يرى الخبيران ” لوران لوتايور” و”غريغوار ويبجل” بالمجلس الأعلى للسمعي-البصري الفرنسيّ بأن خدمة التلفزيون الاستدراكيّ تختلف عن خدمة ” الفيديو تحت الطلب” لأنه مرتبط بشكل وثيق بالخط التحريري للقناة التلفزيونيّة التي يستدرك برامجها. وتستمد برامجه جاذبيتها من البثّ الأول في القناة التلفزيونيّة الأصلية. وتكمن قيمة التلفزيون الاستدراكي في قيمة القناة التي ينتمي إليها عضويًّا. ويتجلى هذا الانتماء من خلال هوّية و”لوغو” ولون برامجه. وبهذا يعدّ التلفزيون الاستدراكي امتدادًا للقناة التلفزيونيّة الأم. فبدونها لا يوجد ما يستدركه. وهذا خلافا لخدمة “الفيديو تحت الطلب “التي ينفصل فيها شريط الفيديو عن قناة البثّ ويفقد الصلة بها. ويتم التعامل معه وكأنه أنتج من خارج سياق المؤسسة التي أنتجته. هذا إضافة إلى أن مدة برامج التلفزيون الاستدراكي محدودة، بينما خدمة الفيديو ممتدة عبر الزمن. وتتطلب متابعتها مقابلا ماليا. فعلاوة عن نمط تسويق الخدمتين، تخضع كلتهما إلى نظام مختلف من حقوق المؤلف. هذا في البلدان التي تحترم حقوق المؤلف حقًا. وتملك مؤسسات تصونه. وبهذا فصل المجلس الأعلى للسمعي-البصري الفرنسي في الخلاف بين الخدمتين بتاريخ 8 يناير/جانفي 2008 مؤكدا بأنهما موجهتين لسوقين مختلفين تماما. ويمكن أن نضيف إلى هذه الاختلافات تلك المتعلقة بمضمون المواد التي تقدمها الخدمتين. فمادة الفيديو تحت الطلب تقتصر في الغالب على برامج التخزين التي ذكرناها أنفا، أي الأفلام الوثائقية، والمسلسلات التلفزيونية، والتحقيقات الاستقصائية الدسمة التي تطلبت أشهر من التحري لجمع البيانات عن الموضوعات الخطيرة أو التي يتم فيها التحايل على القانون. وتستثمر الكثير من الأموال لإنجازها. بينما القسم الأكبر من برامج القنوات التلفزيونية غير المشَفَّرة يُعاد بثها عبر التلفزيون الاستدراكيّ، وهذا ما جعل هذا التلفزيون يتغذى من برامج التدفق التي ذكرناها أعلاه. فالبرامج الإخبارية والترفيهيّة بلغت 83 % من مجمل برامج التلفزيون الاستدراكي في الاتحاد الأوروبي في 2014، والبقية تركت لبرامج التخزين.

ولازالت مدة عرض البرامج في التلفزيون الاستدراكيّ مثار جدل. فالبعض يعتقد أن إعادة مشاهدة أي برنامج تتناقص بعد 48 ساعة من بثه لأول مرة. فقيمته تكمن في استهلاكه لحظة بثه، أي عندما يحتفظ بــ “نظارته”. لذا مُنح للتلفزيون الاستدراكي مدة أسبوع فقط لبث برامج التخزين، ثمّ تحجب أو ترفع إلى خانة العرض غير المجاني. وهذا الإجراء خفف قليلا من التوتر الذي ساد العلاقة بين الأطراف المعنية بخدمتي التلفزيون الاستدراكي والفيديو تحت الطلب. وأرضى مالكي حقوق بثّ الأرشيف التلفزيوني. أما برامج التدفق فيمكن إعادة مشاهدتها خلال شهر أو يزيد.

وعلى العموم، يعتقد المنتجون والشركات المالكة لحق البثّ أن التلفزيون الاستدراكيّ لا يضرّ بتاتا بخدمة التلفزيون تحت الطلب، بل بالعكس أنه يعمل على تعويد الجمهور على ” استهلاك” البرامج التلفزيونيّة الدسمة والثقيلة، ويُحَضِّر المشاهدين للالتحاق بخدمة هذا الفيديو.

المحظورات

غني عن القول إنّ القنوات التلفزيونيّة ليست مجبرة على إعادة بثّ برامجها عبر التلفزيون الاستدراكيّ، باستثناء القنوات التلفزيونيّة غير التجارية؛ أي التي تعود ملكيتها للدولة والتي تفرض عليها اللوائح القانونيّة إعادة بثّ بعض البرامج التي تندرج في خانة المنفعة العامة، حتّى يتمكن الجميع من متابعتها.

بالطبع لا تستطيع القنوات التلفزيونيّة إعادة بثّ كل المواد التلفزيونيّة حتى لو رغبت في ذلك، فهناك بعض المحظورات. فمن أجل حماية الصناعة السينمائية في عز أزمتها يُمنع إعادة بثّ الأفلام السينمائية عبر التلفزيون الاستدراكي حتى لا تفرغ قاعات السينما من المشاهدين. ويسمح  فقط للقنوات التلفزيونيّة المساهمة ماليا في إنتاج بعض الأفلام من إعادة بثها لمشتركيها لمدة محدودة، مثل قناة بلاس   Canal Plus الفرنسية، والقناة الفرانكو- ألمالية ” أرتي”. كما أن عقود استغلال برامج التخزين قد تحول دون إعادة بثّها. فبعض العقود تحدّد مرات البث، وتحصر حوامل العرض: تلفزيون، هاتف ذكي، لوح إلكتروني. كما يمكن الامتناع عن عرض بعض المواد التلفزيونيّة في التلفزيون الاستدراكي نزولا عند رغبة مالكي حقوق بثّها.

هل يشكل التلفزيون الاستدراكي خطر على القنوات التلفزيونيّة؟

يعتقد البعض أن التلفزيون الاستدراكي يعمق أزمة القنوات التلفزيونيّة التي تشذر جمهورها الذي انصرف شبابه عن متابعتها ولجوئهم إلى الشاشات المتنقلة. ليس هذا فحسب، بل أن التلفزيون الاستدراكي يقدم عروض متنوعة: مواد كاملة ومجزأة في شكل شرائط فيديو قصيرة أو مقاطع مختارة وحتّى ملخصات لحلقات من المسلسلات التلفزيونيّة، أو لقطات التوتر والمشادات في البرامج الحواريّة. ويناسب هذا التنوع أكثر نمط المشاهدة عبر الشاشات المتنقلة، خاصة الهاتف الذكيّ واللوح الرقميّ. ويلبي مزاج الشباب غير الصبور المدمن على المشاهدة الخاطفة، ويتماشى وسلوكهم في مواقع الشبكات الاجتماعيّة.

يعتقد البعض أن هذه البرامج القصيرة التي تبث عبر التلفزيون الاستدراكيّ لا تؤثر سلبا على القنوات التلفزيونيّة، بل بالعكس إنّها ترفع سمعتها وتعزّز مكانتها في المشهد التلفزيونيّ. ويمكن أن تجلب لها مشاهدين جدّد سواء من الشباب أو من الذين لم تسعفهم الظروف، نتيجة ضغوطات العمل أو الدراسة، أو زحمة المواصلات، أو التزامات عائليّة من متابعة برامجها أثناء بثّها لأول مرة.

يعمل التلفزيون الاستدراكي على إبقاء المشاهدين في “مجرّة” القنوات التلفزيونيّة. إنّه يُشكل في نظر المختصين نافذة على شبكة برامجها. ويعمل على توسيع حقل مرؤؤيتها. فالتلفزيون الاستدراكي مكمل للقنوات التلفزيونيّة وليس بديلا لها، حيث لا يمكن أن يحلّ محلّها، ولا يكون منافسا لها.

حتّى تكتمل الصورة.

ستكون رؤيتنا للتلفزيون الاستدراكي ناقصة ما لم نلتفت إلى الجانب المالي. فغني عن القول أن نفقات هذا التلفزيون متواضعة جدا، لأن كلفة الإنتاج أو شراء حق البثّ تدفعها القناة التلفزيونية التي تبث برامجها مرتين عبر البثّ العادي ثُمّ الاستدراكيّ، وتجلب من خلالها عائدا ماليًا عبر الإعلان الذي تعدّدت أشكاله بدءًا بإدراج شريط متواصل للسلع والخدمات والشريكات، وصولا إلى بثّ الإشهار قبل انطلاقة البرنامج الاستدراكي” Preroll ” ووسط مدة بثه« mid-roll » وبعدها، و مرورا بالإعلانات المتجدّدة التي ” تزيّن” واجهة موقع القناة التلفزيونيّة في شبكة الانترنت التي تبثّ البرامج الاستدراكيّة. هذا على الرغم من عدم الاتفاق على تسعيرة الإعلانات وطرائق حسابها في التلفزيون الاستدراكيّ. فبعض القنوات التلفزيونيّة تطلب 100 يورو لبث إعلان لمدة 30 ثانية في البرامج الطويلة التي يعاد بثّها. وبعضها الأخر يحسب سعر الإعلانات حسب عدد الحوامل التي يُعاد عبرها بثّ البرامج التلفزيونيّة. لكن ما فتح الباب لمستقبل الإعلانات التلفزيونيّة على يد التلفزيون الاستدراكي يتمثل في ” الوشم الرقميّ” « watermarking »   الذي يسمح للقناة التلفزيونية باحتساب عدد مشاهدي برامج التلفزيون المستدرك والذي على أساسه يحدّد سعر الإعلانات. ويُمَكِّن المعلنين من جمع البيانات الشخصية المتعلقة بالمشاهدين، وتقديم صورة شبه تامة عنهم حتىّ يصلوا إلى صياغة إعلانات مُشَخّصة لكل فرد حسب حاجاته وميوله.

وسائل الإعلام وتطبيق تيك توك: زواج  المصلحة

نصر الدين لعياضي

“إنّ الأحمق هو الشخص الذي لا يغير رأيه أبدًا ولا يزيح عنه”.. يبدو أن هذا ما أرادت أن تقنعنا به وسائل الإعلام المختلفة، من صحف ومجلات وقنوات تلفزيونية ومواقع إخبارية وإعلانية في شبكة الإنترنت، وها هي اليوم تتهافت على تطبيق التشبيك الاجتماعي الصيني، “تيك توك”، لأخذ موطن قدم فيما يبثه، لقد كانت تستخف بهذا التطبيق دون سائر التطبيقات المعروفة في شبكة الانترنت، والسبب في ذلك لا يعود لكونه موجه خصيصًا للأطفال دون سن السادسة عشرة، فهناك بعض التطبيقات في شبكة الإنترنت مثل سناب شات الموجهة للأطفال أيضًا بدءًا من الثالثة عشر من العمر، بل للاعتقاد السائد أن هذا التطبيق أصبح يبث شرائط فيديو تتضمن تصرفات خرقاء وتحديات ” بلهاء”.

فماذا جرى حتى تحوّل الاستخفاف إلى إعجاب وازداد التنافس شراسة للاستفادة من خدمات هذا التطبيق الرقمي؟!

تيك توك: البداية

أطلقت الشّركة الصينيّة “بايت دنس” هذا التطبيق في عام 2016م، الذي يُحَمَّل في الهواتف الذّكيّة، استنادًا إلى فكرة نجمت عن ملاحظتين، الملاحظة الأولى تتمثل في ولع الشباب المراهق في الصين، وبقية بلدان العالم، بالتقاط صورهم بكاميرا هواتفهم، فيما أصبح يعرف بظاهرة ” السيلفي” (Selfie)، والملاحظة الثانية تجلت عبر شغفهم بالموسيقى والأغاني، إذ أصبح المراهقون يتمايلون على أنغام الأغاني الرائجة المنبعثة من هواتفهم في تنقلاتهم أو تنزهاتهم.

ومن الملاحظتين شكل هذا التطبيق خصوصيته التي تجمع الرقص بالتصوير.

يقترح هذا التطبيق على الشباب المراهق الاشتراك فيه من خلال تسجيل اسمه واختيار أغنيته المفضلة من ألبوم الأغاني التي يختزنها، ثمّ يصور نفسه وهو يرقص على أنغامها في شريط فيديو قصير تتراوح مدته ما بين ثلاث ثواني ودقيقتين، يكرّر كلمات الأغنية مكتفيًّا بتحريك شفتيه فتظهر في شريط الفيديو وفق طريقة (Play back)، فيعتقد مستخدمو “تيك توك” أنه يؤدي الأغنية بصوته، ولئن كان هذا التطبيق قد زاد من شعبيّة بعض الأغاني فإنه نشط الصناعات الموسيقيّة، ونشر بعض الفيديوهات التي جعلت من أصحابها مشاهير في عالم الموسيقى والغناء.

لقد كان لهذه الفيديوهات مفعول العدوى في صفوف المراهقين في البلدان الآسيوية، والأوروبية، والولايات المتحدة الأمريكية وحتّى البلدان العربيّة، إذ بلغ عدد متابعيها (150) مليون مستخدمًا ناشطًا يوميًا في يونيو 2018م، مقابل (500) مليون ناشط شهريًا؛ لكن العدوى تعدت عالم الموسيقى والغناء لتتناغم مع مزاج المراهقين واندفاعهم لرفع التحدي في مختلف المجالات، كالرقص الخطير على سلالم العمارات مع إيقاع الموسيقى، وسرعة تبديل الملابس على إيقاع أغنية، وغيرها من التحديات الرياضيّة البهلوانيّة.

على الرغم من الإقبال الواسع والسريع على هذا التطبيق أو بسببه بدأ التضييق على هذا التطبيق، الذي أصبح يهدد الشركات الكبرى المالكة لمواقع الشبكات الاجتماعية، مثل الفيسبوك، وتويتر، واليوتيوب في عقر دارها، أي الولايات المتحدة الأمريكية، ففي شهر فبراير عام 2019م، أدانت اللجنة الفيدراليّة للتجارة الشّركة الصينيّة “بايت دنس” بغرامة قدرها (5.7) مليون دولار جراء قيامها بجمع البيانات عن الأطفال القصر – دون سن 13 سنة – بطريقة غير شرعيّة، وجعلها في متناول الغير، وشجّعت هذه العقوبة مكتب لجنة الإعلام ببريطانيا على فتح تحقيق قضائي حول حماية الأطفال في هذا التطبيق.

أدركت شركة “بايت دنس” أن تطبيق “تيك توك” وقع ضحية حرب تجاريّة غير معلنة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد أن عارضت شراكتها مع الشّركتين الأمريكيّتين “ميكروسوفت”، ثمّ “أوراكل”، فسارعت إلى إنشاء مكاتب لها خارج الصين في العديد من بلدان العالم، ووظفت من يملكون القدرة على التأثير على أصحاب القرار السياسي والاقتصادي في بعض العواصم العالمية ليشكلوا جماعة ضغط لصالحها.

من لعب “عيال” إلى شريك

قد يتساءل البعض ماذا يجمع صحيفتي “لوموند” الفرنسيّة “النخبويّة”، و”الواشنطن بوست” الأمريكية الرزينة بتطبيق “تيك توك”، الذي كان يُعتبر منذ وقت قريب عبارة عن “لعب عيال”؟  وما الذي دفع شبكة التلفزيون الأمريكي (إن بي سي نيوز NBC News)، والقناة التلفزيونية الفرنسية الألمانيّة (أرتي ARTE) ذات الطابع الثقافي النخبوي، والقناة الأولى في التلفزيون الفرنسي (تي أف 1 TF1) على سبيل المثال وليس الحصر، إلى التوجه ببرامجها التلفزيونية، ونجومها، وحصصها المتلفزة إلى جمهورها عبر مواقع الشبكات الاجتماعية، وتطبيق “تيك توك” على وجه الخصوص؟

الأمر لم يتم صدفة أو بشكل عفوي، لقد أدركت وسائل الإعلام التقليدية أن تطبيق “تيك توك” يختلف عن كل مواقع الشبكات الاجتماعية التي تعتمد على تداول الفيديوهات والصور.

يفسر “إكزافي واتبلاد”، المكلف بدراسة تسويق البرامج بالقناة السادسة في التلفزيون الفرنسي، سر اهتمام وسائل الإعلام التقليدية بتطبيق تيك توك بقوله: أحدث هذا الأخير قطيعة كبرى مع الميديا التي سبقته، فبعد الإذاعة والتلفزيون، جاء جيل موقع “اليوتيوب” المغرم بشريط الفيديو، الذي يتسم بطول مدته والذي يسمح لمشاهديه بالدخول في التفاصيل، بينما تتسم فيديوهات التيك توك بالسرعة والإيجاز ولا يستغرق سوى بعض الثواني، ليس هذا فحسب، بل أن خوارزميات تيك توك تفرض اختياراتها – أيضًا – على مستخدمي هذا التطبيق، هذا علاوة على أن تيك توك يُعد التطبيق الذي يبثّ الفيديوهات التي تُحمّل أكثر من غيرها في شبكة الإانترنت، لقد حُمّلت مليارين مرة في السنة 2020م، بنسبة زيادة تقدر بـ(600%) أغرى هذا العدد الهائل وسائل الإعلام التقليديّة، خاصة تلك التي تملك خبرة في التعامل مع مواقع الشبكات الاجتماعية، مثل: “الفيسبوك، واليوتيوب، والدلي موشن، وانستغرام”، بالوصول إلى جزء من مستخدميه.

استهجان

استهجن الكثير من متابعي صحيفة “لوموند” الفرنسيّة المشهورة ما قامت به يوم 15 يونيو 2020م، حين أطلقت أول شريط فيديو لها في تطبيق “تيك توك”، لقد اعتقدوا أنه ليس لهذه الصحيفة الموجهة أصلا للكهول من الفئات الوسطى في المجتمع الفرنسي والبلدان الناطقة بالفرنسيّة، ما تجنيه من هذا التطبيق الموجه لمن هم دون 24 سنة، سوى النيل من هيبتها وسمعتها، لكن لـ”ليتيتيا بيرو”، التي تُعْرف بصحافية الفيديو، والمسؤولة على مواقع الشبكات الاجتماعية في الصحيفة المذكورة أعلاه رأي آخر، إذ ترى أن لصحيفة لوموند إستراتيجية خاصة بالنشر في مواقع “واتساب، وتويتر، والفيسبوك، وسناب شات”، وتقول إنهم لاحظوا في الصحيفة، خلال الحجر الصحي، أن تطبيق “تيك توك” حقّق نسبة متابعة عالية جدًا خارج الشريحة العمرية التي كان يستهدفها في بداية انطلاقته؛ أي المراهقين، وأن هناك مستخدمين آخرين تملكوا هذا التطبيق وبدأوا يبثون محتويات أصيلة ومبدعة وخفيفة، وأن “الأخبار الملفقة” (Fake News) انتشرت خلال هذا الحجر انتشار النار في الهشيم وأخذت أبعادًا رهيبة، وأكّدت المسؤولة ذاتها على أن هدف صحيفة “لوموند” هو الكشف عن هذه الأخبار ومخاطبة الجمهور عنها حيثما يوجد عبر مواقع الشبكات الاجتماعيّة، واستطردت “ليتيتيا بيرو” قائلة: “لقد لاحظنا – أيضًا – أن تطبيق “تيك توك” تسيس أكثر في بعض القضايا، مثل حركة “لحياة السود قيمة” (Black Lives Matter) التي انطلقت في أوساط الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية في عام 2013م، للتخلص من العنف الممارس ضد السود، فخلال بضعة أيام تفاعل (10.8) مليون من مستخدمي تطبيق “تيك توك” مع فيديوهات هذه الحركة.

وتقول “ليتيتيا بيرو”: لقد أدركنا أن هناك شيئًا ما يحدث، وأن هذا التطبيق تجاوز هويّته الأصليّة بعد أن شكل جماعة واسعة متعطشة للأخبار ولتبادل الأفكار، فأن تكون شابًّا لا يعني بتاتا أنك لا تملك أي اهتمام بالسياسة والاقتصاد.

تتمثل إستراتيجية صحيفة “لوموند” على المدى البعيد في الوصول إلى الشباب الذين لا يعرفونها، وفي ترويج علاماتها التجارية في أوساطهم، وعندما يكبرون ويحققون استقلالهم المالي ويملكون قدرة شرائية سيشتركون في طبعتها الرقميّة أو الورقيّة، ويكونون خلفًا لقُرّاء صحيفة “لوموند” الذين شاخوا.

وهكذا أصبحت هذه الصحيفة تبث محتوى أصيلاً بمعدل خمس مواد كل أسبوع، للتحري حول صحة الأحداث ومحاربة الأخبار الملفقة، وشرح السياقات لفهم المواضيع المهمة.

إنّ ما تبثه هذه الصحيفة على موقع “سناب شات” يختلف عن محتوى ما تبثه في تطبيق “تيك توك”، الذي لا يرتبط دائمًا بالأحداث “الساخنة”، لكنه ذا صلة بالقضايا السياسيّة التي تقدم بطريقة تربويّة وتعليميّة، كما يتضمن شرائط فيديو تبسيطيّة للمعارف العلمية، مثل شرح “الاندماج النووي” بحبات الحلوى! وتقديم بيانات مرئيّة مختصرة ذات صلة بموضوع معين، وهكذا استطاعت هذه الصحيفة أن تحقق رقم (574) ألف مشترك في هذا التطبيق وتنال (6.5) مليون إعجاب بما تبثه.

الريادة

لا تشكل صحيفة “لوموند” حالة استثنائية في المشهد الصحفي الفرنسي، فقد سبقتها إلى تطبيق “تيك توك” بعض الصحف الفرنسيّة، مثل صحيفة “الفيغاروا” و”البريزيان” ومجلة “لكيب” الرياضيّة، لكن الريادة في صحافة “تيك توك” تعود إلى لـ”واشنطن بوست” الأمريكية، وإلى الصحافي “دافيد جورجونسن” الذي جعل منها مرجعًا، إذ بلغ عدد متابعيها في “تيك توك” (850) ألف مشترك، لقد صور في فيديوهاته مهنة الصحافة بنوع من الخفة والمزاح كاشفًا عن كواليس الصحيفة المذكورة، ما حمّس الشباب للالتحاق بهذه المهنة، وتناول في فيديوهاته المواضيع الساخنة التي تثير النقاش في أوساط المشتركين، ويختار مئة تعليق على كل فيديو ينشره، ويشارك المعلقين بالإجابة على السائلين للحفاظ على ترابط أعضاء المجموعة التي تشكلت من المشاركين في الصحيفة عبر تطبيق “تيك توك”، لقد أضفى طابع الجدية على منشورات الصحيفة في “تيك توك” مع حركة “لحياة السود قيمة”، التي ذكرناها آنفا، حيث أعطى الكلمة لزملائه في قاعة التحرير للحديث عن عملهم، وليعبروا عن “ماذا يعني أن تكون صحافيًّا ذا بشرة سوداء؟” لقد أفلح في تعريف العنصرية المطبقة بطريقة منظمة في أقل من (59) ثانية.

يدافع مسؤول “إنتاج الفيديوهات” في صحيفة “الواشنطن بوست” عن هذا الاختيار بالقول: “إنّ نشر المحتويات مفيد جدًا للصحيفة، إذا تحكم المرء في مدونتها المرئية وأخضعها لطبيعة صحيفته”، واستطرد قائلا: “نحن نسعى عبر تطبيق تيك توك إلى ضخّ دم جديد في قرائنا، دم الجيل الشاب الذي أصبح يملك طريقة خاصة لاستهلاك المحتويات الإعلامية تختلف عن الجيل السابق، ومع مرور الوقت سنكسب قراء جدد لموادنا الإعلامية التّقليديّة، ومن يستغرب سلوكنا هذا، فنذكره بأن القراء استنكروا قيامنا بإدراج لعبة “الكلمات المتقاطعة” في صحيفتنا، لكن هذه اللعبة أصبحت مشهورة جدًا اليوم، وتمثل لنا موردا ماليًّا، ومصدرًا لكسب مشتركين جدد”.

لم يجذب “تيك توك” الصحف وحدها، فحتى المحطات الإذاعية تسابقت لبثّ برامجها على هذا التطبيق، فالإذاعة الفرنسية “فرانس أنفو” شرعت هي الأخرى في بث شريطي فيديو في اليوم، بمحتوى مبسط ومفسر للأحداث، وسعت لجعل منشوراتها مفهومة ومرئية، فنظمت فيديوهاتها في حوالي اثني عشر موضوعًا، ولكل شريط فيديو عنوانه الفرعي المثير، وبهذا بلغ عدد متابعيها في “تيك توك” (240) ألف مشترك.

التحدي من جديد

واصل تطبيق “تيك توك” انتشاره، وهذه المرة في أجهزة التلفزيون ذاتها، خاصة في تلك التي تعتمد على نظام تشغيل أندرويد، وعلى تلفزيون غوغل، وأجهزة سامسونغ التلفزيونية، لذا لا غرو أن تسابقت القنوات التلفزيونية على بثّ شذرات من برامجها عبر هذا التطبيق، لا يعتبر هذا التسابق ضرورة فرضها منطق التطور التكنولوجي، بل وسيلة لكسب جمهور جديد من الشباب، فحسب الباحث “آلان ديبردر” صحاب المؤلف “الاقتصاد الجديد للسمعي/البصري” الصادر في عام 2019م بفرنسا، فإن مشاهدة التلفزيون في البلدان الأوروبيّة تراجعت بنسبة (25%) لدى المشاهدين الذين يقل أعمارهم عن (24) سنة خلال الفترة الممتدة من 2015 إلى 2018م، ويوعز ذلك إلى شغفهم بشرائط الفيديو التي تطفح من الشاشات الأخرى، لذا يُعد “تيك توك” وسيلة للقنوات التلفزيونيّة لتجديد مشاهديها والنفاذ إلى هذه الشريحة التي أدارت ظهرها للتلفزيون، لذا تنوعت مقاربات العديد من القنوات التلفزيونيّة لجذب هذا الجمهور بواسطة تطبيق “التيك توك”، في أكثر من بلد في العالم، بدءًا ببثّ أكثر اللقطات شهرة في برامجها التلفزيونيّة، أو دعوة مستخدمي “التيك توك” للمشاركة في التحديات التي تتضمنها برامج الألعاب والمنافسات التلفزيونيّة، مثلما تفعل القنوات التلفزيونيّة الفرنسيّة التي تعلن عن نوع التحدي الذي يجري في برامجها الترفيهيّة: الموسيقيّة والغنائيّة، وتمنح لمستخدمي “تيك توك” مدة أسبوع من التحضير للمشاركة في المسابقة التلفزيونيّة قبل بثها أو في بثّ شرائط قصيرة جدًا لا تتعدى (15) ثانية عن الأحداث الراهنة، مثلما تفعل شبكة التلفزيون الأمريكية الإخبارية “إن بي سي نيوز (NBC News).

يؤكد “إكزافي واتبلاد” المكلف بدراسة تسويق البرامج بالقناة السادسة في التلفزيون الفرنسي أن علاقة القنوات التلفزيونيّة المختلفة في “تيك توك” لا تقوم على التجريب، بل تستند إلى دراسة وتحليل دقيق للموضوعات الرائجة والأكثر متابعة في هذا التطبيق، وهي كالتالي: الكوميديا بنسبة (93%)، والرقص بنسبة (75%)، والمودة والزينة بنسبة (58%)، وعالم الحيوانات بنسبة (55%)، وحيل للحياة اليوميّة نسبة (43%). بالطبع إن طموح القنوات التلفزيونيّة ليس إحداث انقلاب في ترتيب الموضوعات التي يتضمنها هذا التطبيق، إنها تسعى بكل بساطة الاستفادة من المزاج السائد في “تيك توك”، وصناعة فيديوهات مستقاة من برامجها أو استغلال ما يرسله مشتركوها من فيديوهات وإعادة إدماجها في منتجاتها كطريقة لتشجيع هؤلاء المشاركين على الارتباط أكثر بالقنوات التلفزيونيّة.

خاتمة

أخيرًا، يدعونا “روبرت هرنندز”، أستاذ الممارسة المهنيّة في مدرسة الاتصال بجامعة أنومبرغ، جنوب كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، إلى عدم الاندهاش من العلاقة التي بدأت تتطور بين وسائل الإعلام التقليدية وتطبيق “تيك توك”؛ لأن ما يجري مع هذا التطبيق يتطابق تمامًا مع ما جرى مع بعض المنصات الرقميّة قبله، مثل “سناب شات، وانستغرام، وتويتر”.

لقد بدأ الأمر مع هذه المنصات كشيء عابر ومسلٍّ، ثمّ كشف عن مقومات استمراره، ثم أصبح أكثر تعقيدًا واحترافية عندما انتقل إلى طرح الموضوعات الجادة، ما يرجح لصالح هذا الرأي أن القناة (الفرنسية – الألمانية) المهتمة بالثقافة المكرسة أو “ثقافة النخبة” أنتجت برنامجًا مخصوصًا للبثّ عبر تطبيق “تيك توك” بعنوان: “تعال نرقص” في شكل شرائط فيديو قصيرة تعالج موسيقى “الهيب هوب” (Hip Hop) أو “الرّاب” (Rap)؛ أي الموسيقى الشعبيّة التي طوّرها الأمريكيون الأفارقة المنحدرون من جنوب القارة الأمريكية، في سبعينات القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية، ورقصة “البريك دانس (Break dance) التي تُعرّف بأنها التعبير الجسديّ لموسيقى الرّاب، والتي اجتاحت العديد من بلدان العالم.

لقد استغلت هذه القناة التلفزيونيّة بهذه الشرائط المراهقين، بطريقة لبقة، للحديث والتفكير في تطور أنواع الموسيقى وأشكال الرقص في المناطق الحضرية كضرب من ضروب التعبير الثقافي، هكذا نرى أن هذه القناة وغيرها لم يتخلوا عن شخصيتهم وهويّتهم، بل استغلوا تطبيق “تيك توك” بما يتماشى مع خصوصيتهم

عتبات الكلام: أيهما أخطر؟

شرعت في تنظيف كمبيوتري من الملفات التي تراكمت في ذاكرته منذ سنين حتّى تباطأت استجابته. فعثرت على رسالة قديمة كنت قد وجهتها لاتحاد الكتاب العرب في 2005. لقد أعادتني هذه الرسالة إلى الماضي، وإلى قصة جرت مع صديق زاملني في التدريس في جامعة عربيّة لبضع سنوات.
كان صديقي هذا ينصحني دائما بالقول: إن أردت ألا يسرق جهدك العلمي، فانشره في شبكة الانترنت لأنه ينتشر بسرعة، ويطلع عليه القاصي والداني. وليس مثل المجلة الورقية أو الكتاب الورقي الذي يصدر بنسخ محدودة وتنفذ فيطويه النسيان بعد سنوات، ومن الصعب على أي قارئ عادي أن يتبيّن السرقات العلمية أو الأدبية لأنها تبقى بين ثلّة من أهل الاختصاص أو محترفي القراءة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يتجرأ أي عاقل ويسرق نصًّا أو حتّى مقطعا منشورا في الانترنت لأن أي محرك بحث بسيط يفضحه، ويبيّن بأن ” هذا الكعك من ذاك العجين”. وقد جادلته آنذاك بالقول: إن فكرتك صالحة لدى منتسبي الجامعة الأجنبية التي تخرجت منها لكنها لا تنطبق في البيئة العربية الذي يوجد بها من يتعامل مع منشورات الانترنت وكأنها كتاب لم يطلع عليه أحد سواه أو يعتقد بأن كلّ ما هو منشور في شبكة الانترنت مشاع، ومن حقه أن يستولى عليه. ولا يسمي ذلك سطوا أو سرقة. لم يقتنع بوجهة نظري هذه إلى غاية اليوم الذي قدمت له البرهان.
أخبرته بأن مقالي الموسوم بإشكالية الإعلام في عصر العولمة الذي نشرته في مجلة الرافد في 2003، وأعادت نشرته العديد من المواقع الإلكترونية سطا عليه شخص اسمه ” نزيه الشوفي” وأدرجه في دراسته التي عنونها بــ ” الثقافة الھدامة والإعلام الأسود، من ھیروشیما إلى بغداد، ومن خراب الروح إلى العولمة”، والذي صدر عن اتحاد الكتّاب العرب في 2005. ولم يصدّق قولي إلا بعد أن اطلع على النص المنهوب، وعقب عن الأمر ضاحكا: أي ثقافة هدامة؟ وأي خراب الروح أكثر مما فعل هذا الساطي؟ وحثّني على مخاطبة الناشر، وألا ألتزم الصمت لأن ذلك يشجع هذا الشخص وغيره على التمادي في نهب جهد الآخرين. وبعد إلحاح وجهت خطاب إلكتروني إلى المؤسسة المذكورة على العنوانين المسجلين في الكتاب المذكورة. وانتظرت الرد، أو بالأحرى انتظرنا نحن الاثنين الرد، وكان صديقي يأمل أن يجد في رد اتحاد الكتّاب العرب ما يعزّز رأيه الذي ما انفك يردده على مسامعي. لكن لم يأت الرد. فلا حياة لمن تنادي. لم ييأس صديقي، وطلب مني أن أوجه رسالة توضيحية إلى موقع ” لصوص الكلمات”- لست أدري هل لازال هذا الموقع على قيد الحياة- والذي أحدث دوشة كبرى في تلك السنوات لأنه اختص في ” فضح” كبار المفكرين والكتاب والشعراء والصحافيين العرب، والكشف عن مصادر سرقاتهم.
شاركني صديقي في كتابة الخطاب الذي أرسلناه إلى هذا الموقع وبيّنا فيه أن صاحب الدراسة المذكورة قد “سلخ” المقال المذكور، ونثر أجزاءه في ثنايا الكتاب المنشور: في الفقرة الأولى من الصفحة رقم 144 ، والفقرة الأخيرة من الصفحة 147. ونشر بقية المقال حرفيا في الصفحات الست التالية: من الصفحة 150 إلى الصفحة 156
وجاء رد الموقع سريعا: إن ما تنسبه إلى الكاتب المذكور لا أساس له من الصحة لأنه ذكرك كمرجع في دراسته! والحقيقة أن الكاتب سلخ مقالي وأعاد نشره مع قائمة المراجع التي استعملتها والتي تحيل إلى كتابين من كتبي. ولا يمكن لصاحب الدراسة أن يكون قد اطلع عليهما لأن الكتاب الأول صدر في 1991، والثاني في 1997 بنسخ محدودة، ونفذا في السوق ولا أثر لهما حتى في المكتبات الجامعيّة في الجزائر، ولم يتم تسويقهما خارج العاصمة ناهيك عن الخارج!
لقد أوحى لي صاحب الموقع ضمنيّا بأنني لم أبلغ بعد درجة السطو على كتاباتي. وقد بدا لي الأمر آنذاك بأن اختصاصهم هو مقارعة الكبار من مشاهير الشعراء والكتاب والمفكرين العرب ولا يهتمون بصغائر” السرقات”. لذا لم يكلفوا أنفسهم مجرد الاطلاع على الحيثيات التي شرحتها.
لم أشأ أن أذكر صديقي بأنه فشل في اقناعي، لكنني سألته: أيهما أخطر من يسرق جهد الغير، وهذا أمر أصبح مباحا بل ” مشروعا” في المنطقة العربية، أم من يتستر على هذا السلوك أو يدافع عنه؟ إنه السؤال الذي لازالت أطرحه إلى غاية اليوم؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال أضع بين يد القارئ الكريم، الذي يرغب في الاطلاع على المقال والدراسة المذكورة الرابطين الرقميين، الأول للمقال والثاني للدراسة:

مشاهدو التلفزيون: هل يقولون عكس ما يفعلون؟

نصر الدين لعياضي

تساءل الكاتب ومؤسس القنوات التلفزيونية المتخصصة في فرنسا، سارج شيسك، في مقال له صدر بمجلة ”ميديا” في 2006، قائلاً: هل يعاني مشاهدو التلفزيون الفرنسي من مرض انفصام الشخصية؟
لقد وُلِد هذا السؤال من قراءته الفاحصة لاستطلاعات الرأي التي أنجزتها، تحت الطلب، بعض المراكز المختصة، لمعرفة آراء المشاهدين الفرنسيين فيما يشاهدون من برامج القنوات التلفزيونية، وللاطلاع على حكمهم عليها، فاستخلص أن ما يصرحون به يتنافى مع ما يمارسونه يوميًا.
لقد لاحظ على سبيل المثال، أن القناة الأولى في التلفزيون الفرنسي لا تحظى بتقدير الفرنسيين حسب استطلاعات الرأي، لكن قياس المشاهدة التلفزيونية يثبت عكس ذلك تماما، إذ يؤكد أنها تجذب أكبر عدد من المشاهدين مقارنة ببقية القنوات التلفزيونيّة الفرنسيّة، وبالمقابل يولي الفرنسيون أهمية أكبر للقناة الفرنكو- ألمانية (آر تي) ذات الطابع الثقافي ويبجلونها، في حين أن قياس المشاهدة التلفزيونية يبيّن أن عدد مشاهديها متواضع جداً، وتحتل الرتبة الأخيرة في سلم تصنيف القنوات التلفزيونية حسب عدد المشاهدين، ليس هذا فحسب، بل يذهب الكاتب إلى درجة التأكيد على أن قمة التعارض بين أقوال المشاهدين وأفعالهم تتجلى أكثر في برامج ” تلفزيون الواقع”؛ فأغلب الفرنسيين يجزمون، في استطلاعات الرأي، أنها سخيفة وتافهة وسطحية، ولا يترددون في وصف القناة التلفزيونية التي تبثها بتلفزيون النفايات، لكن نتائج قياس عدد مشاهديها تؤكد تزايدهم باستمرار، خاصة أثناء بث الحلقات الأخيرة من التصفيات بين المتنافسين، ويضيف الكاتب ذاته قائلاً: (لو كان هؤلاء المشاهدين على حق فيما ذهبوا إليه لاستطاعت البرامج الثقافية والفكرية في القنوات التلفزيونية استقطاب أكبر عدد من المشاهدين)، فمسؤولو القنوات التلفزيونية لم يكفوا عن التذمر من البرامج الثقافية التي يُفرض عليهم بثّها لأنها تحولت إلى عامل طارد لجمهور التلفزيون!.
نفي
قد يعتقد بعض القراء أن ما سبق ذكره هي حجج دامغة تدل على أن الفرنسيين يعانون، دون غيرهم، من حالة مرضية في علاقاتهم بقنواتهم التلفزيونية. لكن الكاتب سارج شيسك ينسف هذا الاعتقاد نافيًا أن يكون المشاهد الفرنسي أو أي مشاهد آخر للقنوات التلفزيونية في العالم يعاني من هذه الحالة المرضية. ويعلل التعارض بين قول المشاهدين وفعلهم بجملة من العوامل، لعل أبرزها يكمن في المراوغة أو الحيلة للتخفيف من الإحساس بتأنيب الضمير جراء تبعيتهم لتلفزيون أو الإدمان على مشاهدته، فالمواطن الفرنسي يخصص ما معدله ثلاث ساعات ونصف من يومه لمشاهدة التلفزيون، وأن 95% من الفرنسيين يشاهدون التلفزيون يوميًا.
وحالة تأنيب الضمير من التبعية للتلفزيون ظاهرة قديمة ولا تتعلق بشعب دون سواه، لكن وطأتها تختلف من مجتمع إلى آخر، ومن شريحة اجتماعية وعمرية إلى أخرى.ويشرح الباحثان البريطانيان المختصان في علم الاجتماع، “دافيد غونتليت” و” آنات هيل” هذه الظاهرة في كتابهما: “الحياة في التلفزيون: التلفزيون، والثقافة والحياة اليوميّة”، الصادر في 1999، أي قبل أن تكتسح شبكة الانترنت الحياة الاجتماعية، بالقول، إن أغلب الناس الذين تسألهم: ماذا فعلتم ليلة أمس؟ يجيبونك بنوع من الاعتذار والأسف: لا شيء سوى مشاهدة التلفزيون، وكأن مشاهدة التلفزيون لا تعني سوى إهدار الوقت، وصرفه فيما لا ينفع، وإن كان القليل منهم يجيبك بالقول إنه تابع نشرة الأخبار التلفزيونيّة، من باب منح نوع من الشرعية للمشاهدة التلفزيونيّة وإعطاء قيمة لما قام به.
                                                 حيل
لعل القارئ الكريم صادفته بعض المراوغات التي يمكن أن تكشف عن سر إصرار البعض على متابعة بعض البرامج التلفزيونية التي يصفها، بإلحاح، بأنها تافهة وساذجة وسطحية. فبعض الكهول الذين يتذمرون من إدمان أفراد أسرتهم على مشاهدة برامج تلفزيون الواقع، التي يصفونها بأنها تافهة وسخيفة، يتفاجؤون إن قلت لهم: يبدو أنكم تتابعونها أيضا طالما أنكم مطلعون على سخافتها، فيتلعثمون ويرددون على استيحاء قول المثقفين: إنّ فضول المعرفة هو الذي دفعهم إلى الاطلاع على تطور الذهنيات وسلوكيات الجيل الصاعد عبر هذه البرامج.
أما أطرف الحيل في هذا الباب هي تلك التي سمعتها عندما سألت أحد المتذمرين والغاضبين على برامج الترفيه الرمضاني التي بثتها القنوات التلفزيونيّة الجزائريّة عما أجبره على متابعتها طالما أنه يشكو من ضحالتها وسطحيتها وحتى بلاهتها، فأجابني إجابة فلسفية بالقول: إنه الفضول لمعرفة هل أن للتفاهة التلفزيونيّة حدود تقف عندها؟
من الممكن أن يجيب المستجوبون عن أسئلة الاستبانة التي توجهها لهم مراكز استطلاعات الرأي، المتعلقة بالقنوات التلفزيونية التي يشاهدونها والبرامج التلفزيونية التي يفضلونها أو التي دأبوا على متابعتها، بما يتماشى مع ” الضمير الجمعي”، أي ينساقون وراء الرأي السائد أو الشائع حتى لا يخرجون عن الإجماع، فيجدّدون عبر إجابتهم انتماءهم إلى الأغلبية الحاضرة بآرائها وأفكارها في النقاش العام.
قيمة
علاوة عن التخفيف من وخز الضمير، يعتبر “سارج شيسك” أن الفصام الذي يعاني منه المشاهد التلفزيوني، إن صحت تسميته كذلك، يحمل قيمة كبرى، إذ يفصح عن عدم رضاه على ما يشاهده، ورغبته في مشاهدة الأفضل، خاصة إذا كانت مؤسسة التلفزيون فقيرة ولا تملك من الإمكانيات ما يسمح لها بشراء المسلسلات والأفلام ذات النوعية الجديدة أو القيام بإنتاجها، هذا علاوة عن وجود تقارب بين ميل المشاهد إلى مشاهدة البرامج الاستقصائية والتقارير الحية إن وُجدت، والتي تعبر عن تفاصيل حياته اليومية، وما يصرح به هذا المشاهد عنها.
إنْ نظرنا إلى موضوع عدم تطابق أقوال مشاهدي التلفزيون مع أفعالهم من زاوية أخرى، نجد أن الكثير من المشاهدين يرون في التلفزيون وسيلة للقضاء على الملل وملء الفراغ حتى بالفراغ، وبعضهم يتعامل مع التلفزيون وكأنه إذاعة، يشغله ثم ينصرف إلى أداء بعض الأشغال في المنزل، ولا ينظر إليه، بل يكتفي بالاستماع إليه من بعيد ليستأنس بالصوت أو الأصوات فقط! هذا فضلا على أن التلفزيون ظلّ موضع سجال متواصل منذ اختراعه، والسبب في ذلك لا يعود لعجز أي قناة تلفزيونية عن الحصول على رضا جميع المشاهدين، فلكل قناة جمهورها أو لكل جمهور قناته، بل لأن التلفزيون عاش ويعيش مفارقة، وهذا خلافا للإذاعة والصحافة والمجلة، إننا نحبه ونكرهه في الوقت ذاته وذلك لحضوره الطاغي في حياتنا اليومية ولاستحواذه على قسط كبير من وقتنا.
لقد ظل التلفزيون ردحًا من الزمن منظمًا لإيقاع حياتنا الاجتماعية والأسرية وفق مؤشر وقت ذروة المشاهدة “Prime Time”، الذي يجمع أكبر عدد من المشاهدين، والذي تحدّد على أساسه أسعار اللقطات الإعلانيّة والبرامج التلفزيونية، علاوة على ما يثيره من توتر داخل بعض الأسر بسبب البرنامج الذي يُفْرض على جميع أفرادها متابعته، فالكثير من البحوث الاجتماعية حاولت معرفة العلاقة بين أفراد الأسر عبر التلفزيون عندما كانوا يجتمعون لمشاهدة برامجه، لقد سعت هذه البحوث إلى معرفة ممارسة السلطة داخل الأسرة، فمن يملك جهاز التحكم عن بعد في التلفزيون يفرض على الجميع متابعة القنوات التلفزيونية التي يرغب في مشاهدتها لأنه يتمتع بسلطة فعلية على أفراد الأسرة.
لقد كشف الباحث المغربي، عبد الرحمن الزيري، في أطروحة الدكتوراه التي أعدها بعنوان: “مقاربة اثنوغرافية للتلقّي المباشر لبرامج القنوات الفضائية عبر الأقمار الصناعية في الوسط العائلي المغربي” في 1998، جانبًا من أشكال التفاوض من أجل تحقيق إجماع الأسرة على البرامج التي يشاهدها الجميع معًا، إذ لاحظ أنه بمجرد أن يتراجع دور الوالد في تلبية حاجيات الأسرة بعد زوال دخله المالي أو تناقصه، ويتولى أحد أفراد الأسرة مسؤولية إعالة الأسرة، وليكن الابن البكر، فتنتقل إليه سلطة الفصل في هذا التفاوض.
                                         تعقيد
لا تنفي كل التوضيحات المذكورة آنفًا أن علاقة المشاهد بالتلفزيون أضحت معقدة جدًا، إذ يندرج ما يجري بين المشاهد وما يشاهده على شاشة التلفزيون في خانة الأسرار التي لم تتمكن بعد آليات قياس المشاهدة التلفزيونية من كشفها على الرغم من تطورها ودقتها. إنها الآليات التي استطاعت الوصول إلى أدق التفاصيل عما يفضله المشاهد ومدة المشاهدة وأوقاتها، ومن يشاركه في المشاهدة، ورأيه فيما يشاهد.
لقد دفعت هذه الأسرار البحوث الاثنوغرافية إلى الطعن في صحة بحوث التأثير المطلق للتلفزيون على المشاهدين، فاهتدت إلى أن مشاهدة التلفزيون سواء كانت فردية أو جماعية) مع الأهل أو الأصدقاء (تظلّ ممارسة اتصالية بامتياز، إذ تتحول إلى ذريعة للتفاعل وإثارة النقاش على هامش ما يعرضه التلفزيون، ومادة لتجديد روابط الانتماء، أو تصبح مجرد وسيط لاكتشاف الذات وتقويمها، حيث يختلط فيها خطاب التلفزيون مع الخطاب عن التلفزيون.فالخطاب عن التلفزيون، مثلما يؤكد عالم الاجتماع الفرنسي دومنيك بويي، ليس مجرد نص مشفر يحال إلى عالم السيميائيات ومُحَلِّل المحتوى ذي الكفاءة في فك رموزه، فالمشاهد يحتفظ دائما بهامش يفصله عن خطابات التلفزيون، ويعكس علاقته بهذا الجهاز وبما تثيره فيه برامجه.
إنّها العلاقة التي بدأت تفصح عنها الشاشة الثانية، التي تكون بيد من يشاهد التلفزيون ولا يستغني عنها أبدًا، ويضعها بجانب جهاز التحكم عن بعد في التلفزيون، وهي شاشة الهاتف الذكي أو اللوح الإلكتروني والذي يتواصل عبره المشاهد مع أترابه أو أصدقائه للتعليق على ما يشاهد على شاشة التلفزيون مباشرة وبشكل متزامن، أو للتعبير عما تثيره المشاهد التلفزيونية أو التصريحات من مشاعر أو أحاسيس، أو تستدعيه من أفكار أو تستحضره من تجارب، فالتلفزيون في آخر المطاف هو مجمل ما يبثّه، أي خطاباته، وكلّ ما نقله عنه، أي خطاباتنا عنه.

عتبات الكلام: هل هي مجرد أضغاث كوابيس؟

نصر الدين لعياضي

سمح الله طارق صبري، أستاذ نظرية الإعلام والاتصال في جامعة وستمنستر، ببريطانيا، والباحث في معهد بحوث الاتصال والإعلام والمركز العربي للإعلام. لقد أمضيت سنوات باحثا عن كل ما كتبه. وأخيرا، وقع بين يدي كتابه: “لقاءات ثقافية في العالم العربي: في الإعلام والحداثة والحياة اليومية- إنها ترجمتي التقريبية-. لم أستطع الانتظار أكثر ممّا انتظرت، فشرعت في قراءته ساعة الحصول عليه. فداهمني النعاس بعد أن رزح بثقله الذي يزن حمولة جمل على أجفاني قبل الانتهاء من قراءة المقدمة. فسلمني الأستاذ طارق إلى كوابيسه.

يذكر طارق صبري في مقدمة كتابه المذكور، أنه عانى، وهو في السابعة من العمر، من شِدّة الكوابيس كلّما خلد إلى النوم. ولم يستطع إخفاء معاناته، فأصبح وضعه مصدر قلق كل أفراد أسرته التي يقرّ أنها كانت حداثية وشديدة العقلانيّة. لكن والدته العقلانيّة جدًا، اضطرت مرغمة، بعد أن أعيتها كل حيل علاجه، إلى أخذه إلى أحد المشايخ الذي ذاع صيته في محو السحر ومطاردة الجن وجلب الحظ، وذلك لاعتقادها أن ابنها “مركوب”، أي مسوس.

يذكر أنه توارى خلف والدته خجلا ليمسح بعيونه جدران بيت الشيخ المذكور الذي لا يوجد ما يميّزه عن بيوت القرويين. ولم ينتشل مما هو فيه سوى صوت يأمره بالنزول إلى الاسطبل فأصطدم بسريالية الديكور: بقايا تبن متناثرة في أرجاء القاعة الترابية، ورائحة الأنعام تلف المكان، وأصفاد نهشها الصدأ مثبتة في الجدار، وحَجَرتان تجاورتا قرب الأصفاد. أزداد خوفه عندما انتصب أمامه شيخ نحيف لا يدري كيف ومن أين تسلسل إلى هذا المكان. شيخ ذو لحية عبث بها الشيب، يرتدي “قشابية” لم يقترب منها الماء منذ زمان أو لم تقترب منه. فأمره زاجرًا بالجلوس على الحجر. وقيد معصميه النحيلتين بالأصفاد. فسرى الألم والخوف في أوصاله. ثم جلس بجانبه على الحجر الثاني ومال بوجه إلى درجة أحس بأنفاسه تلفع خده، ثم شرع في البصق على وجهه! ولم يتذكر طارق سوى الذهول الذي اصابه إلى درجة أن حلقه جف، فعجز عن الرد على الشيخ بمثل ما فعل. ثم انتفض هذا الأخير واقفا ليربت بحنان على كتفي الطفل ويرافقه صامتا في السلالم، وسلمه إلى أمه التي كانت تنتظره بقلق عجزت عن إخفائه. دسّت والدته في يديه بعض الدريهمات ليسلمها إلى الشيخ شاكرا على ” بصاقه”. ووقفت تنتظر ” نتائج الفحص”. فأخبرها الشيخ باسما: لا شيء، أبعدوه فقط عن التلفزيون لمدة 17 يوم.  ويعترف طارق صبري أن والده اشترى أول تلفزيون يبث باللونين الأبيض والأسود عندما بلغ السن المذكور أعلاه. لكنه أنهى هذا القصة دون أن تنتهي. فلم يخبرنا على سبيل المثال هل أبتعد عن التلفزيون أو أبُعد عنه؟ وهل البصاق وصل إلى فراشه وطرد الكوابيس من نومه؟ ولماذا 17 يوما بدل أسبوع أو أسبوعين أو حتّى شهر؟ لقد كان مستعجلا، ولم يتركنا مع هذه التفاصيل، ليصطحبنا عبر هذه القصة، التي أرادها مدخلا لتحليله السوسيو ثقافي، ويذكر أن ذاك الشيخ من أتباع الظاهراتية، بل من مناصري مارشال ماكلوهان لأنه لم يحدّد برنامجًا أو مسلسلاً تلفزيونيًّا بعينه ويجعله سبب كوابيسه، بل اكتفى بالقول: إنّه التلفزيون. فسحر التلفزيون وقوة تأثيره لا تسري في اليقظة فقط، بل تمتد إلى النوم. وبحكم تكوينه الأنتربولوجي، تسأل طارق صبري قائلا: هل أن والدته خانت عقلانيتها بتصرفها هذا، وتراجعت عن حداثتها؟  وهل بإمكان المرء أن يكون تقليديًّا وحداثيَّا في الوقت ذاته دون أن يصاب بــ “الشيزوفرينيا ” الثقافيّة؟ بمعنى هل يظلّ المرء حداثيّا في مجتمعنا طيلة حياته؟

لم ينسني هذا التحليل ما أصابني، وكأن عدوى الكوابيس التي أرهقت الطفل طارق صبري قد أصابتني، وأنا في هذا السن الذي يمنعني من توجيه أصابع الاتهام إلى القنوات التلفزيونية في بلدي. والسبب في ذلك لا يعود إلى ارتفاع منسوب وطنتي الذي جعلني أشعر بالغيرة على كل ما هو جزائري حتىّ وإن كان تلفزيونيًّا، بل لاعتقادي أن ما تسمى “قنوات تلفزيونيّة” تملك من الدهاء ما جعلها تكسب ود الشيوخ من طينة ذاك الذي داوى طارق صبري. فتستضيفهم في “بلاطواتها”. وقد يأخذ الحماس بعضهم فيبصق على المشاهدين عبر الشاشة حتى لا يضطر أحدهم إلى اللجوء إلى غريمهم إن انتابته الكوابيس.  وتستضيف بعض الساسة والمحللين السياسيين الذين يزايدون على المشعوذين معتقدين أن للكوابيس جينات بإمكانها أن تتحول، وتغير توقيت إغارتهم على البشر من الليل إلى النهار.

حاشا الله أن اتهم هذه ” القنوات التلفزيونية”، وأحمّلها ما أصابني من كوابيس لأن مفهوم التلفزيون يتبرأ منها بعد أن انتحلت صفته على حين غفلة من هيئة الضبط السمعي-البصري أو على مرآها ومسمعها. إنها في حقيقة الأمر ليست سوى إذاعة مصورة، وكان عليها أن تصنف بإذاعة أو شبه تلفزيون. وما يثبت هذا الانتحال أنه يمكن لأحد ملاكها أن يهرول مسرعا إلى أستديو ما يسميها قناته، إن زاحمه أحد السائقين، على سبيل المثال، على المكان الذي يركن فيه سيارته في الشارع العام. فيستل الميكروفون من أحد مذيعه وينتصب أمام الكاميرا الوحيدة الثابتة ليجلده لأكثر من ساعة بكلام لاذع، ويتهمه بما شاء من التهم. ويغتصب من وقت المشاهدين ما أراد مبدعا في أنواع القذف، وضاربا عرض الحائط بحق الرد الذي نصّت عليه كل قوانين الإعلام في الجزائر. فمن يحاسبه؟ إنه صاحب قناة يدفع من “حر” ماله بالعملة الصعبة أو بالأحرى من حر “ريع الإشهار العمومي” إلى ملاك الأقمار الصناعيّة الأجانب لينكل بمن يشاء وقتما شاء، أو عندما يوعز له بذلك- بالمناسبة من يتذكر تلك التي اعتلت منبر التلفزيون لتصف المعلمين بالجراثيم- أو ليغمر الفراغ الذي يعاني منه المشاهدون بالفراغ مع إلحاق الأذى بذوقهم الجمالي. فلا غرو إن رأينا صاحب هذه القناة أو تلك أو أحد المنتفعين ماليًّا أو سياسيًّا أو إيديولوجيَّا من وجودها يصول ويجول في المؤتمرات أو الندوات يلقننا أبجديات مهنة الصحافة وأصول أخلاقياتها.

أتفهم جيًّدا من لم يفهم الأسباب المذكورة أعلاه التي تبرئ القنوات التلفزيونية في الجزائر من الكوابيس التي قد تصيبنا، لعله يعتقد أن أضغاث الكوابيس قد انتقلت لتسكن في قلمي.

   

 عن أزمة تلفزيون الخدمة العمومية

  نصر الدين لعياضي

“التلفزيون يبلّد الأشخاص المثقفين، ويثقف الأشخاص الذين يعيشون حياة بليدة”، بهذه الجملة حكم الفيلسوف الإيطالي ” أومبرتو إيكو” على التلفزيون. نعتقد أنه لا يوجد من يستطيع أن يتهم هذا الروائي والباحث الإيطالي بجهل عالم (السمعي/البصري)، وبعدم التمييز بين الأنظمة التلفزيونية في العالم. ربما كان حكمه هذا يحمل تنبؤًا بما تؤول إليه التحولات التي يعيشها التلفزيون المعاصر التي تهدد بالقضاء على الفروق القائمة بين أنظمته، أو بالأحرى بين نظاميه الأساسيين: نظام التلفزيون التجاري، وتلفزيون الخدمة العمومية، أي التلفزيون الرسمي الناطق باسم الدولة، وليس ذاك الذي يقوم بدور اللسان الناطق باسم السلطات التنفيذية في بلد تتناوب فيه الأحزاب الفائزة في الانتخابات البرلمانية على إدارة هذه السلطة.

ففي نظر الباحثين ومحترفي العمل الإعلامي في الدول الغربية لا يعقل أبدًا أن يظل التلفزيون، الذي هو أصلاً مرفقًا عامًا، حكرًا على الحزب السياسي الذي يشكل الحكومة فيتلاعب به كما يشاء، ليسلمه لحزب آخر ليفعل به الشيء ذاته عندما يفوز بدوره في الانتخابات.

بالفعل إن التقارب الكبير بين النوعين المذكورين من أنظمة التلفزيون والذي يوحي بتطابقهما في المستقبل القريب، دفع الكثير من محترفي العمل التلفزيوني والباحثين إلى الحديث عن أزمة تلفزيون الخدمة العمومية، فما هي مظاهر هذه الأزمة؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال يجب الإشارة أولاً إلى أن الخدمة العمومية في القطاع (السمعي/البصري) شكلت هاجسًا سياسيًّا ومعرفيًّا، في مطلع ثمانينات القرن الماضي، في دول أوروبا الغربية بعد أن أقدمت فرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال، وبلجيكا، وغيرها من الدول على إعادة التنظيم القانوني للبث الإذاعي والتلفزيوني، وفتحت قطاع (السمعي/البصري) للاستثمار الخاص، فظهرت العديد من القنوات التلفزيونية التجارية التي أصبحت تهدد وجود تلفزيونات الخدمة العمومية، مما عزّز التخوّف من أن يقع مصير التلفزيون والإذاعة في يد السوق، ويحرم المواطنين (المستمعين والمشاهدين) من حقهم من الإعلام عمّا يجري في بلدانهم من أحداث، ويمنعهم من التعبير عن ثقافتهم وتراثهم الوطني.

لكننا نلاحظ اليوم أن الحديث عن تلفزيون الخدمة العمومية قد خفت إلى درجة أنه لم يعد يُسمع حتى في الدول التي وقفت ضد مشروع إلحاق قطاع الثقافة والإعلام باتفاقية منظمة التجارة العالمية في تسعينات القرن الماضي، رافعة شعار: “لا نريد تلفزيونـًا مصنوعًا في اليابان يبث برامج أمريكية”!.

ما الخدمة العموميّة؟

تتفق جلّ القواميس على أن الخدمة العمومية هي نشاط تمارسه الدولة عبر مؤسساتها المختلفة تجسيدًا لسيادتها على القطاعات الإستراتيجية: الدفاع والأمن الوطنيين، والقضاء، والمالية العمومية خدمة للمنفعة العامة، وحماية هذه القطاعات من الخضوع لمنطق السوق، ويمكن للدولة أن توكل هذه الخدمة لمؤسسات أخرى لتقوم بها نيابة عنها وفق صيغ قانونية مختلفة: منح الصلاحيات والتراخيص، وفرض دفتر الشروط، ومراقبة الاستثمار وتوجيهه، وتحديد الأسعار، وتتسم الخدمة العمومية بالخصائص الثلاثة التالية: الاستمرارية، والمساواة، والقدرة على التكيّف مع تطور المجتمع ومتطلبات المستخدمين والمواطنين.

يُعرّف تقرير منظمة اليونسكو المعنون بـ: “إذاعة وتلفزيون الخدمة العمومية: انتقاء الممارسات الجيدة”، الصادر في عام 2005م، تلفزيون الخدمة العمومية بأنه التلفزيون الذي يتوجه إلى كل فرد باعتباره مواطنًا، وتسهم في توسيع معارفه، إنه أداة للإعلام والتربية، يتجه إلى الجميع ويكون في متناولهم بصرف النظر عن مكان تواجدهم ومكانتهم الاجتماعية، ولا تقف مهمته عند الإعلام والإخبار، بل تمتد إلى الثقافة وتقديم مواد ذات نوعية جيدة تميّزه عن التلفزيون التجاري.

ونظرًا لأن وجود تلفزيون الخدمة العمومية غير مرهون بعائده المالي، فإنه يتسم بالمبادرة، والجرأة والتجديد وحب المخاطرة، فيتجه إلى ابتكار قوالب تعبيرية جديدة، ويقدم أفكارًا غير مسبوقة ينافس بها التلفزيونات التجارية، ويقدم مواد ترفيهية رصينة وهادفة، وبهذا يفرض معيارية جديدة في المشهد التلفزيوني.

لقد وجدت ضرورات تاريخية فرضت الخدمة العمومية في قطاع الإذاعة والتلفزيون تأتي على رأسها محدودية موجات البث الإذاعي والتلفزيوني، مما يتطلب تدخل الدولة لتنظيم البث وتوزيعها بما يضمن حق المواطن في الإعلام والثقافة.

بيد أن البعض لم يفهم من هذه الضرورة سوى أن التلفزيون العمومي وليد احتكار الدولة ويمارسه، بمعنى أن الدولة هي التي تموله وتديره وتراقب ما ينشره، بينما المرجعية التاريخية، كما عبر عنها التقرير المذكور، تؤكد على ضرورة التزامه بجملة من المبادئ، منها التنوع الذي يقصد به التعبير عن التنوع الذي يميّز جمهوره الفعلي أو المستهدف، وتقديم برامج مختلفة لتلبية حاجات الجمهور: برامج موجهة للأطفال والمرأة والشباب والشموليّة، بمعنى جعل برامجه في متناول جميع المشاهدين دون أي إقصاء.

فالتلفزيون الذي تكون برامجه مشفرة وتتطلب مقابلاً ماليَّا لمتابعتها لا يمكن وصفه بتلفزيون الخدمة العمومية، وذلك لأنه يقصي الفئات التي لا تملك المال الذي يسمح لها بمشاهدة برامجه.

والاستقلالية والإنصاف أي عدم تبعية تلفزيون الخدمة العمومية لأي حزب أو قوة مالية لخدمة أهدافها المنافية للمنفعة العامة أو التي تفرض عليه التحيز ضد فئة من المشاهدين دون تمكينها من الرد أو التعبير عن وجهة نظرها.

والخصوصية؛ أي على تلفزيون الخدمة العمومية امتلاك شخصية تميّزه عن التلفزيون التجاري وتتجسد أولاً في هويته المرئية المختلفة، ثم في مضمون برامجه الجادة والمفيدة.

قد يقول قائل إن هذه المبادئ ضرب من الخيال، ولا يمكن لأي قناة تلفزيونية أن تلتزم بها التزاما تامًا.

حقيقة، إن تجسيد الخدمة العمومية في قطاع الإذاعة والتلفزيون واجهته العديد من الصعوبات منها ما هو تشريعي “تحديث القوانين لتواكب تطور الممارسة الإعلامية وتحولات المجتمع”، وما هو اقتصادي “ضمان الاستقلالية المالية” لتمكّنه من منافسة التلفزيون التجاري، لكن على الرغم من هذه الصعوبات إلا أن التجربة التاريخية تؤكد بأن الخدمة العمومية ليست أضغاث أحلام أو طلب المستحيل من القنوات التلفزيونية، إنها فكرة نبيلة وطموح سام تجسد تدريجيًا في العديد من البلدان تأتي في مقدمتها بريطانيا عبر نموذجها المرجعي: الـ(بي بي سي)، ووصفة المرجعي لا تعني إسقاط الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والسياسية لكل بلد من حساب الخدمة العمومية.

ففي البلد الذي تتعدد لغاته الرسمية مثلاً تعمل الدولة على إنشاء أكثر من قناة تلفزيونية ذات الخدمة العمومية تبث كل واحدة منها بلغة معينة، كما هو الأمر في كندا أو بلجيكا، والبلد الذي يشعر أن ثقافته الوطنية أو هويته مهددة في وجودها تعمل دولته على توجيه تلفزيون الخدمة العمومية إلى إحياء عناصر هذه الثقافة أو الهوية لدى جمهوره، مثل اللغة، والفن، والموسيقى، والغناء، والشعر، والطبخ، واللباس التقليدي، والعادات والتقاليد، والألعاب الشعبية، والهندسة المعمارية، والدفاع عنها بشتى السبل، الأمر الذي يتردّد التلفزيون التجاري عن القيام به ما لم يحقق من ورائه عائدًا ماليًّا مربحًا، وتوجد بعض القنوات التلفزيونية تبث برامج تعليمية مستقاة من المقرر المدرسي لصالح الفئات المحرومة التي يعاني أطفالها من العزلة التي تحول دون التحاقهم بالمدارس، وتعتقد أن هذه البرامج تندرج في خانة الخدمة العمومية، بمعنى آخر، إن تلفزيون الخدمة العمومية هو صوت المجتمع المسموع.

أين الخلل؟

إن غياب تلفزيون الخدمة العمومية أمام فيض قنوات التلفزيون التجاري لا يعني تسليع الإعلام والثقافة – أي تحويلهما إلى سلعة – فحسب، بل يقضي على التعددية الإعلامية وتنوعها، ووجود هذا التلفزيون علامة صحية في المنظومة الإعلامية، ولا يمكن تقدير قيمة غيابه ما لم نلتفت إلى ما أشار إليه “برترون لاباس”، أستاذ الإعلام في المعهد العالي بجامعة ليل الفرنسية، بقوله: إن الانجراف الإعلامي والمعلوماتي الذي يميز عصرنا الحالي سينتهي بإحداث فجوة على الصعيد المعرفي  وليس التقني بين الذين يعرفون والذين لا يعرفون ولا يبالون بذلك”.

يؤكد الكثير من الباحثين بأن المنافسة الشرسة بين القنوات التلفزيونية للاستحواذ على أكبر عدد من المشاهدين من أجل رفع حصتها من عائدات الإعلان قد يدفعها إلى الابتعاد عن المواضيع الخلافية والتوجه إلى بث البرامج التي تحقق الإجماع أو على الأقل التوافق بين المشاهدين، مثل نقل مباريات كرة القدم، وبرامج الألعاب والمسلسلات التلفزيونية، والأخبار الخفيفة التي تتسم بقيمتها الدرامية وطابعها الغريب.

ففي هذا الإطار لاحظ “إريك داراس”، أستاذ العلوم السياسية بفرنسا، أن القنوات التلفزيونية الفرنسية المختلفة، بصرف النظر عن نظامها القانوني: تجارية أو ذات الخدمة العامة، قد رفعت بثلاث مرات عدد الأخبار الخفيفة والغريبة والشاذة المتعلقة بالجريمة والفضائح التي بثتها خلال الفترة الممتدة ما بين 1995 و2004م، ويعتقد أن هذا الأمر ليس بريئًا بالمرة لأن هذه الأخبار تدر العاطفة ويتابعها بنهم عدد كبير من المشاهدين، ولا تتردد القنوات التلفزيونية عن بثها لأغراض تجارية محضة، بينما من المفروض أن يبثها تلفزيون الخدمة العمومية باعتدال، ويستثمر ما تثيره من عاطفة ومشاعر من أجل تحفيز المشاهدين على التفكير في أوضاع المجتمع وحال الناس.

مظاهر الأزمة

لا يرى البعض أي ضرورة لوجود تلفزيون الخدمة العمومية بعد زوال السبب التاريخي المذكور أعلاه، فالتكنولوجيا الرقميّة قضت على ندرة موجات البث الإذاعي والتلفزيوني وسمحت بوفرتها، مما قد يعفي الدولة من التدخل لتوزيعها، خاصة وأن هذه الأخيرة قد رفعت يدها عن الكثير من القطاعات، وأن عدد المحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية تزايد بشكل كبير، بل أصبح بإمكان أي شخص أن ينشئ محطته الإذاعية وقناته التلفزيونية عبر شبكة الإنترنت.

تراكمت مجموعة من الصعوبات التي أصبحت تواجه تلفزيون الخدمة العمومية، يأتي في مقدمتها شحّ الإعانات المالية التي تقدمها الدولة له أو التي يحصل عليها من المشاهدين كرسوم، ممّا يجبره على البحث عن مصادر تمويل بديلة أو مكملة؛ أي اللجوء إلى الإعلان، وهذا يعني الدخول في منافسة مع التلفزيون التجاري والتي تؤدي به إلى تقليد، وهذا ما حدث بالفعل، حيث لاحظنا أن العديد من قنوات تلفزيون الخدمة العمومية اقتفت آثار التلفزيون التجاري وأصبحت تنتج وتبث ما تميز به مثل برامج تلفزيون الواقع كالأخ الأكبر، وستار أكاديمي، وغيرها.

إذًا المظهر الأول لأزمة تلفزيون الخدمة العمومية يكمن في اضطراره للاختيار بين الاستمرار في بث البرامج ذات المنفعة العامة وغير الربحية، وبالتالي تقليص عائده المالي أو العمل على تحقيق أكبر قدر من عائدات الإعلان، وبالتالي التفريط في مسؤولياته المتمثلة في تقديم مواد ثقافية هادفة بأسلوب راق، وإعلام نزيه، فأمام السيل المتدفق من الأخبار على تلفزيون الخدمة العمومية أن يثبت اختلافه عن التلفزيون التجاري في مجال الإعلام، إذ يتوجب عليه انتقاء الأخبار بعد غربلتها وترتيبها وفق سلم من الأهمية دون الأخذ بعين الاعتبار مقولة “هذا ما يريده الجمهور”، بل بالنظر إلى دور الأخبار في تكوين الحس المدني لدى المشاهد، وتطوير إحساسه بالمسؤولية، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، على تلفزيون الخدمة العمومية التنقيب عن الأخبار في مناطق الظل التي تتستر عليها الشركات التي تمنح الإعلانات ويغض التلفزيون التجاري النظر عنها، ليس هذا فحسب، بل على قنوات تلفزيون الخدمة العمومية أن تعي بأن الجمهور المعاصر يختلف عن جمهور نهاية القرن الماضي الذي يراه ميشال مونوتي، المذيع في القناة الثانية في التلفزيون الفرنسي، أنه متخم بالمعلومات والأخبار التي تطفح من كل فج عميق، وما يريده هذا الجمهور هو النظرة الفريدة إلى الأحداث، وأشكال جديدة ومبتكرة لسردها وفق إيقاع جديد.

أمام شحّ الموارد المالية وارتفاع تكاليف إنتاج المواد السمعية البصرية أُجبر تلفزيون الخدمة العمومية على استيراد البرامج التلفزيونية والمسلسلات بأثمان زهيدة ليشترك في بثها مع التلفزيون التجاري! وهذا الشحّ في الموارد يقلّل من فرص استثمار تلفزيون الخدمة العمومية في التكنولوجيا الرقمية التي أصبحت الممر الإجباري للمستقبل.

إن المظهر الثاني في أزمة تلفزيون الخدمة العمومية يكمن في التأخر في إدراك التحول الذي طرأ على البيئة الإعلامية والذي يستدعي قراءة معاصرة لمبادئ الخدمة العمومية في مجال البث الإذاعي والتلفزيوني.

إنّ المبدأ الأساسي الذي يخضع له هذا التلفزيون هو التوجه إلى جميع المشاهدين المحتملين دون استثناء، مثلما ذكرنا آنفًا، وتطبيق هذا المبدأ في البيئة الرقمية يعني التوجه إلى كل مشاهد في ظل تعدد منصات البث التلفزيوني، وحوامل البرامج التلفزيونية، وخاصة الشباب الذين أداروا ظهورهم لجهاز التلفزيون واتجهوا إلى مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية المختلفة، فهذه المنصات ليست أدوات بث فقط، بل إنها معامل لصناعة المحتوى وفق تصورات مستحدثة لأشكال السرد ومكونات المادة (السمعية/البصرية) لتعزيز ترابط أفراد المجتمع.

هذا ما أدركته الـ(بي بي سي 3) التي عزمت في يناير 2005م على إنتاج برامج مخصوصة للبثّ عبر موقعي “توتير” و”سنابشات”، واعتبرت أن ما عزمت عليه نابع من صميم “الخدمة العمومية” التي يتوجب عليها القيام به لتكمل ما شرعت فيه المؤسسة الأم منذ سنوات، والمتمثل في إنشاء موقع على شبكة الإنترنت يبث الأخبار على مدار (24) ساعة، وينشر ملايين صفحات الواب، وآلاف الفيديوهات والشرائط المسموعة ووضعها مجانـًا في متناول من يريد من أجل إقامة حوار بين المشاهدين والمستمعين ومؤسسة الـ(بي بي سي)، إنه بُعد آخر من الخدمة العمومية في العصر الرقمي.

بالطبع لا يمكن مقارنة إمكانية الـ(بي بي سي) البريطانية، بإمكانيات الكثير من المحطات الإذاعية وتلفزيونات الخدمة العمومية في العالم التي تعاني من أزمة حقيقية فعلية، مثلما ذكرنا أسبابها أعلاه.

لذا تحركت الكثير من المنظمات المهنية المختلفة للتوعية بأهمية الخدمة العمومية في قطاع الإذاعة والتلفزيون، ولعل أنشط منظمة في هذا المجال هي الفيدرالية الدولية للصحافيين، التي نظمت العديد من المؤتمرات والدورات التدريبية للدفاع عن الخدمة العمومية منذ عام 2001م، وقد استفادت المنطقة العربية من أحدى الدورات التي شارك فيها اتحاد الإذاعات العربية، والتي عُقدت في العاصمة الأردنية عمّان ما بين 15 و17  يوليو 2003م.

 

                                              عن صحافة “العدوى”

نصر الدين لعياضي

ماذا لو بعث عالم الاجتماعي الأمريكي “جورج هربت ميد”، واستمع بملء أذنيه إلى المختصين وهم يصفون ممارسات الصحافة المعاصرة  بمصطلحات ومفاهيم عديدة ومتنوعة، هل يصاب بالذهول من كثرتها أو الغبطة بصحة ما ذكره منذ ما يربو عن قرن؟  لقد أكد في 1926 بأنه لا وجود سوى لنوعين من الصحافة: صحافة الإعلام، وصحافة السرد والقص. فالصحافي لا يُرْسل في الغالب لنقل الوقائع بل للحصول على قصة “.

إن تزاحم وتنوع المصطلحات والمفاهيم التي تعبر، بشكل أو بآخر، عن تطور الممارسة الصحفية  مع ميلاد “الواب”، خاصة جيله الثاني، تدفع للتأمل مليًّا فيما قاله عالم الاجتماع هذا. ولست أدرى هل نوفق في جرد كل مسميات الصحافة المعاصرة إن حصرناها فيما يلي: الصحافة الجديدة، وصحافة الانترنت، وصحافة الواب، والصحافة التساهمية، وصحافة المواطن، وصحافة المصادر الشعبية، والصحافة الإلكترونية، وصحافة الويكي، وصحافة المواطن، وصحافة البيانات، والصحافة الرقمية، وصحافة “الموبايل”، وصحافة الوسائط المتعددة، وصحافة المواءمة Convergence  ، وما بعد الصحافة  Post-journalism، و وأخيرا صحافة العدوى. ماذا؟ العدوى؟ وما دخل العدوى في العمل الصحفي؟  أو بالأحرى كيف “تسللت” العدوى إلى العمل الصحفي؟

ما هي العدوى؟

تجمع قواميس اللّغة العربيّة القديمة والحديثة على معنى فعل أعدى، إذ تؤكد بأن ( أعدى فلانًا من خُلُقه أو مرضه: أصابه بالعَدْوى، أي نقل إليه المرض أو الخُلُق، وأكسبه مثلَه حُمَّى مُعْدية ) فالعدوى هي انتقالُ المرض من مصاب بداء إلى شخص سليم فيصبح بدوره مصابا به بوسَاطةٍ ما، مثلما هو الأمر اليوم مع جائحة ” كوفيد 19″. وانتقلت العدوى إلى الاستعمال في الحقل المجازي، فأصبحنا نسمع بعَدْوَى الفساد، وعَدْوَى الغش في الامتحانات، و عَدْوَى التحايل على القوانين، وغيرها، لكن لا أحد كان يعتقد أن العدوى تصل إلى عالم الصحافة.

وتؤكد القواميس في اللّغات الأجنبّية على أن أصل كلمة العدوى “فيروس”Virus” يعود إلى اللغة اللاتينية. وانتقلت إلى تداول من عالم الطب إلى عالم المعلوماتية في 1984 لتدل على البرمجيات القادرة على التسلل إلى المنظومة الإعلامية لتعطّل أداءها أو تبدد بياناتها أو تخربها. ومنها انتقلت إلى التداول في مجال التسويق، فأصبح يقال ” التسويق المعدي”  viral Marketing الذي أزداد انتشارا بفضل مواقع التواصل الاجتماعي. فعرفت العدوى في عالم التسويق” بأنها التوزيع المفاجئ وغير المتوقع لبعض المحتويات المتعلقة بالسلع والخدمات والمنشآت دون معرفة مصدرها”. لذا لا وجود للعدوى دون بثّ أو إعادة توزيع. ويسلك مسار العدوى في مواقع التواصل الاجتماعي المخطط التالي: مصدر ما ينشر أو يبثّ مضمون ما في شكل نص قصير أو تسجيل صوتي، أو مقطع موسيقي، أو أغنية، أو صورة أو شريط فيديو أو مادة صحفية تتضمن بعض هذه العناصر التي تكونها إلى مشترك أو مشتركين في موقع من مواقع التواصل الإجتماعي، وليكن الفيسبوك، أو تويتر، أو اليوتيوب أو انستاغرام، فيتقاسمونها مع أصدقائهم ومعارفهم. ويقوم هؤلاء بدورهم بنشرها وتوزيعها على معارفهم، وهكذا تتسع حلقة انتشارها.  لقد استفادت العدوى الرقميّة من ” علم الشبكات الجديد”  الناشئ على يد الباحث “واتس دنكن ” Watts Duncan و” علم الواب” على يد الباحث “هندلر جيمس” Hendler James ” وأخرون .

ساهم الإشهار والتسويق في تطوير قياس نسبة العدوى التي تحظى بها بعض المحتويات، والذي يأخذ بعين الاعتبار بعض المتغيرات مثل عدد الأشخاص الذين أوصلوا بالاطلاع على المحتوى المتداول، أو عدد الذين حمّلوه أو اقتسموه مع غيرهم. وأخيرا عدد الذين اطلعوا عليه. وقد جنى التسويق والإعلان من هذا القياس فائدة كبرى، تتمثل في شخصنة رسائلهما، أي توجيهها إلى أشخاص بعينهم. ومتابعة صداها بشكل أسرع وأدق.

عدوى الأخبار:

إن مجال العدوى ليس محصورا في مواقع التواصل الاجتماعي، بل إن للميديا التقليدية نصيبها من العدوى. لقد ولجت حقل الإعلام والاتصال مؤسسات مختلفة لا علاقة سابقة لها بالأخبار ، فزادت في فيضها بشكل أصبح من الصعب مواكبة تدفق الأخبار عبر الحوامل المتعددة والمتنوعة. واشتدت المنافسة بينها ليس من أجل إبلاغ أكبر عدد من الجمهور  بمستجدات الأحداث، بل بدفع هذا الجمهور إلى إعادة توزيع الأخبار والترويج لها. ففي خضم هذه المنافسة ظهرت صحافة العدوى.

يؤكد الباحثان  دوماجو بيبي Domagoj Bebić،  وماريجا فلاررفيك  Marija Volarević  بأن المثال الأبرز عن صحافة العدوى هو موقع ” بوز فيد”  BuzzFeed، في شبكة الانترنت الذي تأسس في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، في 2006  ثم جرى تدويله بعد خمس سنوات، أي أصبح موقعا دوليا بعد صدور طبعته البريطانية والكندية والهندية والأسترالية والفرنسية في السنة 2013، ثم الاسبانية والألمانية في 2014، والمكسيكية واليابانية في السنة التي تلتها. واعتبر هذا الموقع أشهر موقع  عالمي بالنظر إلى الاحصائيات عن زواره ومستخدميه، ومواده التي أعيد توزيعها. وحسب رئيس تحرير طبعته الفرنسية “بن سميث” فإن “موقع بوز فيد” BuzzFeed يركز على المواضيع التي تتجاهلها الصحف الفرنسية؛ أي المواضيع الخفيفة والطريفة والمازحة التي تحرر بجمل مختصرة وتساؤلية ، وبعتاوين جذابة ومبتكرة ومثيرة تسرد قصصا شيقة تارة وصادمة طورا.

وقد اقتفى موقع صحيفة ” هافينتون بوست” Huffington Post أثر موقع “بوز فيد” ليتحولا  إلى نموذج لصحافة العدوى.

إنّ صحافة العدوى تمثل شكلا جديدا من الصحافة وجدت لتستقطب انتباه المستخدمين في ظل بروز ” اقتصاد الانتباه” ، وتوزع عبر مواقع التواصل الاجتماعي مما يتطلب تفاعل المستخدمين معها ، أي أنها تعتمد على ديناميكية المواقع وانتشارها ، وعلى دور المستخدم في توزيعها واقتسام محتواها. وتستند إلى سرد الأخبار، بلغة بسيطة وايجاز  حتّى لا تأخذ من وقت المستخدم الكثير.

وإن استلهمت صحافة العدوى من الصحافة الصفراء التي ظهرت في 1890 في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي عملت على رفع عدد مبيعاتها بخفض سعرها، والاسراف في نشر الأخبار الطريفة والمثيرة والاستثنائية، مثل السرقات والجرائم والفضائح الأخلاقية، والتركيز على المحتوى العاطفي والحسي للأحداث أكثر من قيمتها الإخبارية، واستعمال لافتات عريضة للعناوين ، والرسوم التوضيحية المختلفة، إلا أنها تختلف عنها وذلك لأن الصحافة اليوم تعيش تحولات كبرى مستفيدة من المبتكرات التكنولوجية المختلفة : الوسائط المتعددة، الاستعجال في نقل الاحداث لحظة وقوعها ، والسرعة في إعادة صياغة الأخبار وتجديدها لتواكب الأحداث. وتتمتع بتعدّد حواملها، خاصة المتنقلة منها، التي حرّرت المستخدم من عائق المكان والزمان. كل هذا يدفع الأخبار اليوم لتكون معدية، بمعنى أنها تغري المستخدم على نشرها في موقعه الإلكترونية أو صفحته ، واقتسامها مع أصدقائه في موقع التواصل الاجتماعي، وتحمّيلها، أو التعبير عن إعجابه بها، أو استيائه من مضمونها، والتعليق عليها لحظة نشرها.

وحتى ندرك جيدا سياق ظهور هذا النموذج من الصحافة لابد من العودة إلى مراحل تطور الصحافة كما وصفها الكاتبان المذكوران، إذ أكدا  بأن المطبعة ساهمت في ميلاد الصحافة الورقية. وساهمت الانترنت بفاعلية في تطور الصحافة عبر الخط، ومواقع التواصل الاجتماعي والعُدّة التقنيّة المتنقلة، خاصة الهاتف الذكي الذي رسخ التغيير المعدي في الصحافة.

ففي هذا الإطار يمكن التذكير بالدراسة المسحية التي قام بها معهد رويترز في 2015 وشملت 12 بلدا و20 ألف شخصا، من أجل رسم خريطة بيئة الأخبار المتغيرة. لقد وقفت هذه الدراسة على الدور الرئيسي الذي قام به الهاتف الذكي في زيادة استخدام الميديا الاجتماعية، وفي تقاسم الأخبار ومناقشتها.

إذا، إن صحافة العدوى تكشف عن التغيير الكبير الذي طرأ على العمل الصحفي، بدءا من طرائق جمع البيانات، وتعدد مصادرها وتنوعها، وثراء المواضيع والأحداث التي يتطرق إليها، وتنوع أشكال تحرير المادة الصحفية وسردها وعرضها ، واستهلاكها الذي يرتكز على شعبية مواقع التواصل الاجتماعي والدور الأساسي الذي يقوم به المستخدم في نشرها، وما ما يترتب على توزيعها من رد فعل مما يجعلها مشخصة أكثر، أي موجهة لشريحة من المستخدمين بعينهم نظرا لتطابقها مع اهتماماتهم وخصوصيتهم.

السر

يظل سبب انتشار بعض الأخبار واتساع رقعة عدواها دون سواها من الأسرار التي سعى الكثير من الباحثين إلى الكشف عنها من خلال تحليل مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، وتقنيات الإنزال الإعلامي وتكثيفه في مواقع التواصل الاجتماعي. وإن لم يوفق هؤلاء الباحثين التوفيق كله في ذلك إلا أنهم استطاعوا أن يبيّنوا بعض العوامل التي تساعد على ذلك، مثل: تقليد الأصدقاء والمعارف ومشاركتهم ما يطلعون عليه ويتابعونه في شبكة الانترنت، والتوصيات والنصائح التي يسديها بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إلى معارفهم وأصدقائهم الافتراضيين لمتابعة هذا المحتوى أو ذاك. وهذا العامل يذكرنا بنظرية انتقال المعلومات عبر مرحلتين للباحثين “إليهو كاتز” و”بول لازرسفيلد” اللذان  تأكدا من الافتراض بأن لوسائل الإعلام تأثير محدود على الجمهور وذلك لوجود وسيط يتدخل بينهما، ويتمثل في قادة الرأي الذي يؤثرون على أتباعهم، ويوجهونهم صراحة أو بشكل ضمني نحو المواد الإعلامية والثقافية التي يفضلون الاطلاع عليها، وما يفكرون في مضمونها. وقد تراجع دور هؤلاء القادة اليوم لصالح المؤثرين. وهذا فضلا عن عامل آخر، يتمثل في الموقع الذي ينشر فيه الخبر، فإن كان في الصفحة الرئيسية لموقع في شبكة الانترنت فحظه من الانتشار يكون أكبر. وكذا جِدَّة الأخبار، فالأخبار الأنية تحظى بإقبال أوسع في مواقع التواصل الاجتماعي. هذا مع العلم بأن الباحث  ” توماس بوفيزاج” Thomas Beauvisage يؤكد بأن موضوع الجدّة يمثل معضلة  في صحافة العدوى. فمن جهة يمكن التأكد بأن الخبر الجديد يحظى بمتابعة لحظة نشره أكثر من الأخبار القديمة التي تعد في عرف ممتهني الصحافة التقليدية أخبارا ميتة. ومن جهة أخرى تأخذ العدوى شكل منحنى، يبدأ بمجرد نشر الخبر، ويرتفع تدريجيا إلى غاية بلوغه الذروة ثم يبدأ في الانخفاض إلى غاية نهاية العدوى، ويأخذ هذا المسار بعض الوقت، بمعنى أن منحى الخبر يتصاعد كلما فقد بعضا من جدّته وظل منشورا مدة من الزمن!

لقد حاول بعض علماء الاجتماع رصد انعكاسات صحافة العدوى على الحياة الاجتماعية والثقافية. ففي هذا الصدد تنبأ الكاتب “رشكوف” مبكرا في كتابه : فيروس الميديا، الأجندة المنسية في الثقافة الشعبية، الصادر في 1994 بنيويورك، بمفعول العدوى، إذ أكد  بأن الأحداث الإعلامية التي تؤدي إلى تغيير اجتماعي حقيقي هي فيروسات ميدياتيكية. إنها تنتشر في الجسم الجماعي مثلما ينتشر الفيروس البيولوجي. فبقدر ما تكون الصورة أو الايقونة استفزازية  تسافر بسرعة أكبر في فضاء البيانات. ويعتبر اهتمامنا وافتتانا بها مؤشران يدلان على أننا ثقافيا لا نملك “مناعة” ضد هذا الفيروس الجديد.

يبدو أن القليل من الباحثين حاول رصد تأثير صحافة العدوى على الصحافة بشكل عام وعلى ظيفتها في المجتمع، إن استثنينا الذين ربطوا ارتفاع نسبة الأخبار المزيفة بانتشار صحافة العدوى.

معيار النجاح

لقد أصبحت “العدوى” معيار نجاح الأخبار الأساسي الذي يكاد يكون الوحيد. لذا راحت صحافة العدوى تستعمل مختلف الحيل من أجل الحصول على أكبر عدد من “الكبسات” التي تعبر عن اعجاب المستخدم بها، أو تلك التي تخبر عن إعادة توزيع ما تنشره أو تعيد تغريده Retweet.

لقد ساهمت صحافة العدوى بفاعلية في تغيير جينات الأخبار وحامضها النووي. فلم يعد التركيز على الأحداث وعلى ما جرى وبالنظر إلى واقعيتها، بل أضحى الاهتمام يتمحور على ردود الفعل على ما جرى، وذلك لسببين، أولهما تقني، ويرتبط بخصوصية الوسيط، فموقع الفيسبوك على سبيل المثال يدفع إلى التركيز على من تفاعل مع ماذا؟ ومن علق على تعليق هذا المستخدم أو ذاك؟ وثانيهما اجتماعي، ويتثمل في التوافق بين الأخبار المعدية التي تركز على الجانب العاطفي والوجداني في الأحداث، ومزاج المستخدم الذي أصبح يحتكم إلى مشاعره وأهوائه وقناعاته الشخصية أكثر اعتماده على موضوعية الأخبار.  وبهذا دفعت صحافة العدوى العمل الصحفي إلى الانزياح عن الحديث باسم الجمهور في الفضاء العام، وطرح القضايا ذات الصلة بالمصلحة العامة ، إلى محاولة تلبية الفضول العام لدى الجمهور. وهكذا ساهمت في إحداث الطلاق بين الأخبار والإعلام. فلم تعد الأخبار تعني الإعلام مثلما كان الأمر منذ قرون خلت.

                                  برنامج “التوك شو”: عندما تتحول المقابلة التلفزيونية إلى فُرْجَّة

نصر الدين لعياضي

لعل القراء الكرام لاحظوا بمتعة، وربما باندهاش، تزايد عدد برامج الحديث الاستعراضي ( Talk Show) في القنوات التلفزيونية العربيّة والأجنبيّة، والتي شكلت أرضية إضافية للتنافس المحتدم   فيما بينها. لكن القليل منهم يتساءل عن السبب الذي أدى بالحديث Interview أو المقابلة التلفزيونية، التي تعتبر نوعا من الأنواع الصحفية التقليدية، مثل الخبر أو التقرير الصحفيين ، لتصبح برنامجا تلفزيونيًّا قائمَا بذاته يغري المشاهدين والمعلنين معا، أو يحاول التفكير فيما ينجر عن تزايد هذه  البرامج على الصناعة الإعلامية، وما يترتب عنها في مجال السياسة والثقافة والفن.

في تعريف “الحديث الاستعراضي

يعرف الحديث الاستعراضي ” توك شو” بأنه برنامج إذاعي أو تلفزيوني يتراوح بين الخفّة والجدّة. ويتناول شتى المواضيع ذات الصلة بقضايا المجتمع ويتسم بطابعه الترفيهي، وبقدرته على تحقّيق الفرجة عبر الحوار والمناقشة التي تجمع مذيع/ صحافي وضيف أو مجموعة من الضيوف من مشاهير القوم أو صانعي الأحداث السّياسيّة أو الثقافيّة أو الفنيّة أو الرياضيّة وغيرها. يتداولون الآراء والمعلومات والتجارب والخبرات والمشاعر والأحاسيس .

يعتقد الكاتب ميسون وين ) Munson Wayne (، صاحب كتاب ” الكل يتكلم: الحديث الاستعراضي في ثقافة الميديا”، الذي صدر باللّغة الإنجليزيّة في 1993، أن برنامج ” التوك شو” أصبح نوعا ثقافيّا يشكل إنتاجه مصدرا حيويًّا لاقتصاديات التلفزيون. ويساهم في بناء الخطاب العمومي، وتشكيل المعرفة لدى قطاع واسع من المشاهدين.

يثير ” التوك شو” الكثير من السجال، وحتىّ النزاع ليس بسبب مواضيعه غير المألوفة وحتّى الجريئة فحسب، ولا للخطاب الذي ينتجه والذي يتسم بالجرأة وحتى النزق أحيانا فقط، بل لكونه أصبح ظاهرة إعلامية مؤثرة. يقترح شكلا من الترفيه الذي يثير خلافا سياسيًّا وأخلاقيًّا، مثلما أشارت إليه الباحثة ” كورنيليا إيلي” ) Cornelia Ilie (  من جامعة مالمو Malmö  بالسويد. إذ تعتقد أن هذا البرنامج يحمل في طياته مجموعة من المفارقات إن لم تكن تناقضات، إذ يجمع بين ما هو خاص وما هو عام، وما هو مؤسساتي وما هو شعبي، وبين التجربة الشخصية والعامة، وبين خبرة الراسخون في العلم وتجربة العامة من الناس، وبين الاتصال الشخصي الشِّفَاهِيِّ  والاتصال الجماهيري.

تاريخ ” التوك شو”.

ترجح بعض المصادر أن تاريخ ” توك شو” يعود إلى بداية البثّ التلفزيوني في نهاية أربعينات القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكيّة، رغم أن جهاز التلفزيون لم يكن آنذاك منتشرا بشكل واسع. وقد استثمرت الشبكات التلفزيونيّة الكبرى الأمريكيّة: ” أي بي سي”) (ABC ، و” سي بي أس”) CBS (، و ” أن بي سي” ) NBC ( في هذه البرامج  إذ بلغ عددها نصف عدد البرامج التي كانت تبثها في مطلع السبعينات من القرن الماضي.  ولعل التاريخ يحتفظ باسمين ساهما في ترسيخ هذا البرنامج و تطويره. الأول هو الصحافي ومنتج الأفلام الأمريكي ” فيل دوناهو” لأنه أول من تبنى هذا النوع التلفزيوني الذي كان يسمى آنذاك ” برنامج النقاش مع الجمهور” أو ” برنامج النقاش في “الأستوديو “. والثاني، هي ” أوبرا ونفلي ” Oprah Winfrey ” التي تربعت على عرش هذا البرنامج منذ 1984.

إذا انطلقت برامج الحديث الاستعراضي في التلفزيون من الولايات المتحدة الأمريكيّة إلى بلدان أمريكا الجنوبية وكندا وأروبا والبلدان العربيّة. ورغم القالب العام الذي يجمع هذه البرامج  وخضوعها للمنطق الاقتصادي إلا أنها تلوّنت بالمزاج الوطني الذي يطبع كل بلد، وبتقاليده الثقافيّة. ففي فرنسا على سبيل المثال، اتسمت برامج الحديث الاستعراضي بنزعتها اللسانية والأدبيّة رغم محتواها اللهوي والتسلوي، بينما اتجهت في إيطاليا إلى أسلوب البهرجة والسخرية. فالإضافة إلى انشغالها بالقضايا السّياسيّة الراهنة، خاصة في أثناء الانتخابات الرئاسيّة والبرلمانيّة، ركزت هذه البرامج في الولايات المتحدة الأمريكية على المواضيع الاجتماعية ، وعلى متاعب الحياة اليومية لقطاع واسع من المواطنين الأمريكيين وعلى حقوقهم المدنيّة ، وأبرز مثال على ذلك برنامج ” أوبرا ونفري”. والتي تقول عنها الكاتبة “رشا أرنست” أنها استطاعت خلال 25 سنة من العطاء أن تمنح الفرصة لمشاهدي برنامجها للإبحار معها داخل ذواتهم ليكتشفوا من هم، وليعترف كل واحد منهم بما في داخله ببساطة الأطفال ونضوج البالغين. لقد ظلت “أوبرا ونفري” طيلة 4561 حلقة من برنامجها مثابرة على تحرير ضيوفها من خوفهم ومن شعورهم بالدونية واحساسهم بالعار جراء الاعتراف بأخطائهم. لقد حوّلت برنامجها إلى ورشة يشارك فيها المشاهدون لتقويم السلوك ولتعزيز التضامن الاجتماعي واحياء النزعة الإنسانية التي سحقتها عقلانية السوق الفظة وجنوح السياسة الهوجاء.

السؤال

لماذا تحوّل الحديث التلفزيوني إلى برنامج قائم بذاته مُتَبَّلاً بالاستعراض والتسلية؟ للإجابة عن هذا السؤال يمكن الإشارة إلى وجود جملة من الأسباب الاقتصاديّة والتقنيّة والثقافيّة  وهي ذاتها تقريا التي دفعت بالأغنية لتتحول إلى ” فيديو كليب”. ففي ستينيات القرن الماضي كان التلفزيون يبث الأغاني بنوع من البساطة والتلقائية تضاهي تلقائية أداء المطربين آنذاك. وبدءًا من ثمانيات القرن المذكورة أصبح العرض التلفزيوني للأغنية يتطلب مُنْتِجا تلفزيونيًّا أو سينمائيًّا، وفريقا تقنيّا متكاملا يسهر على إنتاجه، يقوده مخرج تلفزيوني يستلهم عمله من سيناريو معد مسبقا. فيُصور المغني ومن يرافقه في العرض من فنانين وممثلي الأداء في أماكن مختلفة. ويُلَقَم بمؤثرات مرئية ذات إيقاع متسارع وسط ديكور مبهر. هذا فضلا عن ابتلاعه ميزانية ضخمة.

لقد تبلور برنامج “التوك شو ” في سياق ثقافي هيمن فيه الاستعراض على مختلف الأنشطة بدءًا بالرياضة وصولا إلى السياسة. فعيون الكاميرا أصبحت هي الحاكم على السياسيين، بل أن تصويت الناخبين أصبح رهينة الصور التلفزيونية للمترشحين في الانتخابات النيابية والرئاسية، ولما يقدمونه من استعراض أمام كاميرات التلفزيون. فتمشهدت نشرات الأخبار هي الأخرى، أي تحولت إلى استعراض كبير، وتحوّل مذيعوها إلى نجوم ينافسون أبطال الأفلام والمسلسلات ولاعبي كرة القدم في الشهرة. وأصبح السرد التلفزيوني يُبنى دراميًّا من خلال إبراز الضحايا في النزاعات المسلحة، والفيضانات ، والزلازل، والانفجارات، والحرائق، والأمراض الفتاكة مما يثير العاطفة والقلق.

خصائص

في ظل هذا السياق الثقافي، اكتسى برنامج ” توك شو” جملة من السمات، نذكر منها التركيز على الجمهور. إن غاية هذا البرنامج هو بلوغ أكبر عدد من المشاهدين وإثارة تفاعلهم معه سواء كانوا داخل الأستوديو أو خارجه، وذلك بإبداء رضاهم على ما يدلى به هذا الضيف أو ذاك أو الاعتراض على ما يقوله. المهم ألا يظل هذا الجمهور محايدا وساكنا.

ويطبع كل مذيع برنامج ” التوك شوك ” بطابعه الشخصي نظرا لكونه أضحى شخصية إعلامية مؤثرة. فهو الذي يحفز ضيوفه على الحديث، وهو الذي يتحكم في مجرى الحديث التلفزيوني ويوجهه، ويتبنى استراتيجية ” تسخين النقاش” سواء بالاستفزاز أو التواطؤ لدفع الضيف إلى الاعتراف أو التخلي عن تحفظه أو بتتبيل حديثه بالنوادر والنكت. وقد يكتسب ضيوف بعض هذه البرامج صيتا وتزداد شعبيتهم. إذ يذكر على سبيل المثال برنامج ” التوك شو” الأدبي ” أبوستروف” Apostrophe   الذي كان يعده ويقدمه الصحافي، برنار بيفو” Bernard Pivot ،  في التلفزيون الفرنسي – القناة الوطنية – الذي دفع به ليصبح علامة بارزة في الحياة الأدبيّة الفرنسيّة ومنشط ديار نشرها. لقد خطب الكثير من الكتاب والروائيين وده ليحلّوا ضيوفا على برنامجه، لأن ظهورهم التلفزيوني بجانبه يعني ضمان ارتفاع مبيعات كتبهم. وقد سبق لرئيسي فرنسا الراحلين: فرنسوا ميتران وجيسكار ديستان أن شاركا في هذا البرنامج من أجل كسب شرعية أدبيّة ونقديّة والظهور أمام الفرنسيين كمثقفين وليس سياسيين وحكام فقط.

يقوم هذا البرنامج على الاعتراف أو المواجهة التي تتحقّق بفضل طبيعة المواضيع الخلافية المختارة أو الشخصيات التي يستضيفها والتي تكون مثار جدل أو في اختيار جمهور الأستوديو الذي تمنح له فرصة التدخل والتعليق على ما يصرح به الضيوف وحتى التصويت على أدائهم أو منحهم علامة على ذلك.

على العموم يفضل السياسيون المشاركة في برامج ” التوك شو” بجانب الفنانين والرياضيين والكتاب للترويج لكتبهم التي تروي سيرتهم الذاتية أو لتقديم شهادتهم أو خبرتهم في إدارة الشأن العام، مثلما يجرى في برنامج ” لم ننم بعد” الذي كان يقدمه المذيع ”  رولان روكي” Laurent Ruquier ويبثّ لمدة تزيد عن ثلاث ساعات في التلفزيون الفرنسي في ساعة متأخرة من الليل في نهاية الأسبوع فضلا عن السعي لتجديد الثقة فيهم من خلال البروز كأشخاص عاديين وإنسانيين مثل بقية الضيوف: يمزحون وينكتون، ويتأثرون، ويمكن أن يتحدثوا بصدق.

وإن كانت برامج ” توك شو” أنزلت الخطاب التلفزيوني إلى الشارع، فقد دفعته للانزياح إلى الشعبوية التي تروم الوصول إلى أكبر عدد من المشاهدين لرفع نصيب القناة التلفزيونيّة التي تبثّه من عائدات الإعلان. وفي هذه النزعة تتجلى خاصية خطاب هذا البرنامج الذي يقول عنه الكاتب “باتريك إمي” في كتابه المعنون بـ : ” كلمة التلفزيون  وعُدّة التوك شو” بأن سجل خطاب هذا البرنامج يفضل ” إيتوس”   ( éthos)الضيوف ؛ أي أسلوبهم لجذب المشاهدين وتماهيهم معهم ” والباتوس” pathos”، أي قدرة الضيف على إثارة عاطفة المتلقّي وإلهاب مشاعره، على حساب  “اللوغوس ” ( logos)، أي عقل الضيوف وبلاغتهم وحججهم . وكان هذا الخطاب مؤسسا لفلسفة التداخل بين الإعلام والترفيه. ولتجسيد هذه الفلسفة لجأت بعض برامج ” التوك شو” إلى المزج بين أشكال التعبير: الشهادات، الجدل، سرد النكت والحكايات المشوقة، الألعاب شرائط سمعية – مقتطفات مصورة من أفلام أو مسرحيات، قراءة مقاطع من نصوص وغيرها مما يجعل ” التوك شو” برنامجا هجينا.

لا يحتاج إنجاز برنامج ” التوك شو” إلى ميزانية ضخمة، إذ تكلف الحلقة الواحدة منه التي تبثّ في القنوات التلفزيونيّة الأمريكيّة حوالي مائة ألف دولار أمريكي. وهذا خلافا للمسلسل الدرامي الذي تكلف إحدى حلقاته مليون دولار أمريكي! وبالمقابل قد يجني ” التوك شو”، الذي يبث قُبَيل زمن ذروة البث أو في السهرة ، مبالغ مالية عالية من عائدات الإعلان تفوق ما تجنيه المسلسلات التلفزيونيّة.

نعتقد أنه آن الأوان ليهتم البحث العلمي بتداعيات ” التوك شو” على ” تلعيب” الثقافة وتسلية السياسة.

أخيرا، هل يمكن القول عن برنامج ” التوك شو” أنه الأداة التي تجسد ما قاله الروائي والفيلسوف الإيطالي، “أنبرتو إيكو”، عن التلفزيون: “إنه يُبَلِّد المثقفين، ويثقف الذين يعيشون حياة بليدة”؟

    صحافة “الحلول”:  إشعال شمعة أفضل من لعن الظلام

نصر الدين لعياضي

لا غرو إن وصف مناصرو “صحافة الحلول”  solutions Journalism جائحة كرونا بالقول المأثور”  رب ضارة نافعة “. كيف لا وهم يرون أن المعنى الكامل لهذا الضًّرْب من الصحافة تجلى في ظل الإنزال الإعلامي الكثيف الذي حاول أن يواكب انتشار هذه الجائحة  وتداعياتها المخيفة. بالفعل لقد حظي كوفيد 19 بتغطية إعلامية مركزة ومتواصلة وغير مسبوقة في تاريخ وسائل الإعلام. فآلاف الأخبار والمواد الصحفية تنشر يوميا بكل اللّغات عن ارتفاع عدد المصابين بهذه الجائحة وأشكال انتقال عدواها والتدابير التي اتخذتها الدول للوقاية منها ، ناهيك عن المئات من البرامج الإذاعية والتلفزيونية وأشرطة الفيديو التي تتقاسمها وسائل الإعلام المسموعة والسمعية –البصرية ومواقع التواصل الاجتماعي الذي تتابع، دون كلّل، خريطة انتشار هذه الجائحة على الصعيدين المحلي  والعالمي: إحصائيات مخيفة عن تزايد عدد الوفيات، وشهادات مقلقة عن متاعب الطاقم الطبي في التكفل بالمصابين، وخطب السياسيين والأطباء المنذرة بالخطر القادم مع موجتها الثانية. باختصار، تلتقي كلّ هذه الأخبار والتصريحات والتحليلات الصحفية التي تتقاسمها وسائل الإعلام المختلفة في رفع منسوب القلق وربما اليأس في أوسط الجمهور. لقد ارتفع هذا المنسوب إلى درجة أن منظمة الصحة العالمية نصحت الناس بعدم الافراط في متابعة أخبار هذه الجائحة حفاظا على صحتهم العقلية لأنها تعلم أن الحجر الصحي، الذي طبق في العديد من بلدان العالم، يشجع الناس على متابعة الأخبار بشكل مكثف.

في هذا الجو المشحون بالقلق والخوف اتجهت بعض وسائل الإعلام إلى طمأنة الناس إن لم تبعث فيهم الأمل من خلال تقديم العديد من أمثلة التعاضد والتضامن في هذه المحنة الصحية.  واستعراض أشكال العون التي تقدم للمحتاجين سواء في شكل أقنعة ومحلول مطهر ومواد غذائية أو الاطمئنان على كبار السن الذين يعيشون منفردين وفي عزلة وقضاء حاجتهم من السوق. وسعت إلى تقصي الأخبار عن أخر التطورات في مجال العلاج الناجع في مقاومة الإصابة بعدوى كوفيد 19. إذ يمكن أن نذكر على سبيل المثال خبر شفاء العجوز الايطالية، التي تبلغ من العمر 95 سنة بعد إصابتها بجائحة كوفيد 19، الذي نشره موقع ” هافينغتون بوست”     Huffington Post  الإخباري ، وتناقلت صورها وسائل الإعلام المختلفة في العالم لبعث الأمل في المصابين الذين تزايد عددهم مع مرّ الأيام. ولشق طريق الأمل دائما راحت بعض وسائل الإعلام تدرس التجربة الفيتناميّة  التي قاومت جائحة كوفيد 19 بأقل الخسائر الممكنة. وأشادت بها منظمة الصحة العالمية. ليس هذا فحسب، بل حاولت فهم الخطة التي اعتمدت عليها كوريا الجنوبية والسويد في حماية مواطنيها من هذه الجائحة متمنية أن تستفيد منها بقية الدول الأوربية، التي ارتفع عددها ضحاياها.

إن السؤال المطروح هو كالتالي: هل تمثل الأمثلة التي ذكرناها أعلاه “صحافة “الحلول”؟

                                             ما هي صحافة الحلول؟   

بدأ مفهوم صحافة الحلول في التداول الواسع في الأوساط المهنيّة والأكاديميّة في 1996 على الرغم من أن ممارستها تعود إلى أكثر من عقدين. وتوصف بالصحافة البناءة ، وصحافة الأثر . ويقصد بها تلك الصحافة التي تقوم بتحليل المعلومات المتعلقة بالمبادرات التي تقدم إجابات ملموسة وعملية لمشاكل المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ويقول “ألريك هايحروب” Ulrik Haagerup ، مدير الأخبار في الهيئة الدنمركية للإذاعة والتلفزيون العمومي ، ومؤلف كتاب : الأخبار البناءة الصادر في 2017، عن هذه الصحافة : ” بأنّها تحاول توثيق الصلة بجذور الصحافة وتمنح للناس رؤية دقيقة، قدر الإمكان، للعالم الذي نعيش فيه. فالمعالجة الإعلاميّة الحاليّة للأحداث تجعل الناس يؤمنون بأن العالم في حالة أكثر سوءًا مما هو عليه في الواقع. فصحافة الحلول لا تتجاهل المشاكل “. ويضيف قائلا : “إنّنا نريد من صحافة الحلول أن تكون أكثر مصداقية. تنظر إلى العالم بعينين أثنين. فتظهر الأشياء التي ليست على ما يرام لكها نستعرض أيضا تلك الأشياء التي يمكن أن تكون على ما يرام.”

إذا، إنّ صحافة الحلول ليست صحافة الشعور بالاكتفاء الذاتي ومداهنة الأشخاص والمؤسسات، والحديث بلغة ” ليس بالإمكان القيام بما هو أفضل مما هو موجود “. فوسائل الإعلام التي تقدم كل شيء بايجابيّة مطلقة تبيع الوهم . وتضرّ جمهورها بالقدر ذاته من الضر الذي تسبّبه وسائل الإعلام التي ترى كل شيء سلبيّا. فالصحافة تملك نظرة سوداوية للعالم، وتسحب النزعة السلبيّة على كل ما تذكره ، وتثبط عزائم الجمهور وتدفعه إلى اليأس من تحسين الأوضاع.

إنّ وجود صحافة الحلول لا يلغي دور الصحافة  كــ” كلب حراسة”. وهي الصفة التي ألصقها بعض الكتاب بما تقوم به وسائل الإعلام  في البلدان الغربيّة.  فالصحافة البناءة لا تنتج خطابا تندّيديًّا عبر ما تنشره ، بل تطرح المشاكل، وتكشف عن التحديّات، وتشير إلى الصعوبات لكنها تبرز في الوقت ذاته الإمكانات المتوفرة لتجاوزها، وتستعرض المبادرات والحلول. وإنّ لم تجد حلا فتكتفي بإبراز تجارب الصمود والمثابرة ومقاومة هذه الصعوبات. وتقدم برتريهات لأصحابها.

يرى البعض أن صحافة الحلول تستمد مقوماتها من علم النفس الايجابي ، والتي ترجمتها الصحافية الدنمركية  “كاترين غيلدنستد”، على الصعيد الممارسة بإضافة سؤال ” وماذا الآن ” إلى الأسئلة الخمسة الكلاسيكيّة المعروفة في صياغة الخبر الصحفي، وهي: من؟ متى؟ أين؟ ماذا؟ ولماذا؟  وهذا تعزيزا للمسؤولية الاجتماعية المنوطة بوسائل الإعلام.

                                                الضرورة

لم تعد الحاجة ماسة إلى استخدام صحافة الحلول فحسب، بل إلى ضرورية أيضا لتطويرها وذلك لجملة من الأسباب، نذكر منها استشراء النزاعات المسلحة المدمرّة في العالم، وتنامي الخوف من جنوح الدول إلى التسلح المفرط وتخزين الأسلحة النووية  ، وتفاقم آثار الاحتباس الحراري على البيئة، والتلاعب الجيني بالمواد الغذائيّة وتأثيره الخطير على صحة الإنسان ، وتزايد ظاهرة التصحر في الكرة الأرضيّة، وتفشي الأوبئة الغامضة وغير معروفة والتي لم يصل الأطباء والأخصائيون بعد إلى فك كل أسرارها، وتوالي الأزمات الاقتصاديّة التي ترافقها في الغالب حروب تجاريّة، وغيرها من المآسي التي تعجّ بها نشرات الأخبار في القنوات التلفزيونيّة، فتبعث على الكآبة والإحباط.

هذا إضافة إلى تنافس وسائل الإعلام من أجل تحقيق السبق الصحفي وتدافعها في نقل الأحداث بشكل مباشر لحظة وقوعها، مما يعيق فهم الصحافيين والجمهور لما يجري في العالم لأنه يُبثّ مجزأ ومبتور في نشرات الأخبار الإذاعية والتلفزيونية. فتنفخ في بعده الدرامي وتشحنه بالإثارة لتتلاعب بمشاعر الجمهور، وتتركه متأرجحا بين الخوف والذعر.

تؤكد ” دونيس بادن”، الأستاذة بجامعة ساوثهامبتون في بريطانيا والمختصة في علم النفس الإعلامي، بأن القراء يميلون فعلا إلى العناوين الصاخبة والمثيرة التي تخيفهم في الصحف ، لكنهم يدركون أن الصورة السلبية التي تنقلها وسائل الإعلام لا تعبر عن حقيقة العالم. وهذا الأمر يدركه جيدا الذين يعانون من التهميش والإقصاء ، مثل سكان ضواحي الحواضر الأوربية الكبرى من أبناء المغتربين وسكان العشوائيات وأحياء الصفيح من الزنوج وأبناء جنوب أمريكا في الولايات المتحدة الأمريكية الذين يقولون أن وسائل الإعلام الكبرى لا تتذكرهم إلا إذا حدثت جريمة في حيهم أو تم القبض على أحد أبنائهم الذي يمارس تجارة المخدرات أو أثناء مشاركتهم في أحداث الشغب. وتتجاهل الأعمال الخيرية التي يشاركون فيها، والمبادرات التي يقومون بها بين الحين والأخر من أجل تنظيف محيطهم وتهيئة الساحات لممارسة الرياضة أو الأنشطة الثقافيّة. وهذا التجاهل يذكرنا بما جاء في التقرير الذي أعده الأستاذ الإيرلندي” شون ماكبرايد” في 1981 عن الخلل العالمي في مجال الاتّصال والإعلام والذي بيّن فيه بأنّ بلدان العالم الثالث لا تظهَر في كبريات وسائل الإعلام العالمية إلا اذا اجتاحتها الفيضانات ونشب فيها نزاع عرقيّ مسلح أو عمّتها المظاهرات وأعمال الشغب أو تعرضت لزلزال قوي أو إعصار أو كانت مسرحا لانقلاب عسكري!

إن جنوح وسائل الإعلام إلى تقديم صورة غير دقيقة عن العالم الذي نعيش فيه قد أدى إلى تراجع ثقة الجمهور فيها بنسب متفاوتة من مجتمع إلى آخر. وتوجه هذا الأخير إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي لم تلفح هي الأخرى في تقديم صورة متوازنة عما يجري في المجتمعات “. هذا إضافة إلى أن تكنولوجيا الاتصال الراهنة قد غيرت قواعد الإنتاج والتوزيع الإعلاميين التقليديين. فأصبح بإمكان أي شخص أن ينشر ما شاء من أخبار غير موثوق فيها خاصة وأن المنافسة بين المنصّات الرقميّة تشجع على التعجيل في نشر الأخبار أولا، ثمّ التحري عن صحتها مع مستخدميها. وساهمت هذه الممارسة في تزايد الأخبار المزيفة التي تحدث بلبلة في صفوف المتابعين لمستجدات الأحداث التي يحمل بعضها قدرا كبيرا من القلق.

                                              تجارب   

يذكر المنافحون عن “صحافة الحلول” العديد من التجارب الرائدة ، مثل تلك التي خاضتها  صحيفة الغارديان Guardian  The البريطانية، التي أحتل موقعها في شبكة الانترنت المرتبة الثالثة عالميا في 2012 من ناحية عدد زوارها، بعد موقعي صحيفة ديلي مايل The Daily Mail  ونيويورك تايمز. لقد أنشأت صحيفة الغارديان ركنا اسمته : نصف مملوء « Half Full” في 2016 وحمل العنوان الفرعي التالي: “الحلول، والابتكارات، والإجابات” وذلك رغبة منها    في فتح المجال للتفاؤل والتأكيد على أن تغيير العالم نحو الأفضل يظلّ في نطاق الممكن. وقد ساهم هذا الركن في كسب عدد جديد من القراء الراغبين في الخروج من قتامة الأخبار.

وخاضت بعض القنوات التلفزيونية بعض التجارب المماثلة في نشراتها وبرامجها الإخبارية لتعيد النظر في بعض الصور النمطية التي التصقت ببعض البلدان، مثل مبادرات الفلاحين  في كولومبيا لتحويل حقول ” الكوكا”، التي يصنع منها مخدر الكوكايين و يُهرّب إلى الخارج، إلى مزارع الكاكاو الذي تصنع منه الشكولاتة . وربورتاجات عن أثيوبيا التي حرّرتها من صورة الجفاف والمجاعة التي التصقت بها ردحا من الزمن  لتفسر كيف أصبحت بلدا صناعيًّا حديثا جاذبا للاستثمارات، وذي طراز معماري معاصر. و ربورتاجات عن روندا التي تغلبت على آثار حربها الأهلية المدمرة لتصبح البلد النموذج في افريقيا في مجال التطور الاقتصادي والتنمية الاجتماعية ونظام الحوكمة  governance . والربورتاجات التي تنقل المبادرات التي قامت بها بنغلاديش لصد سيول الفيضانات التي كانت تغمر العاصمة داكا، وغيرها من المبادرات الإيجابية في العديد من مناطق العالم.

لا يفهم مما سبق أن صحافة الحلول تهتم بالشأن الخارجي فقط، بل إنها وُجِدت أساسا لمعالجة القضايا المحليّة من أجل تحرير المبادرات الفردية والجماعية ودفع المواطنين للاهتمام بالقضايا ذات الصلة بالشأن العام، مثل تلك التي ترمي إلى امتصاص البطالة، وتحسين ظروف المعيشة، ومكافحة التلوث وحماية البيئة، والوقاية من الأمراض، والقضاء على الأمية، وتمكين المواطنين من الثقافة والعلاج وغيرها.

لقد أضحت صحافة الحلول تقليدا راسخا في بعض المؤسسات الإعلامية ، فهيئة الإذاعة والتلفزيون الدنمركية تبث يوميا ربورتاجين وفق متطلبات هذه الصحافة. ودأبت الصحيفة السويسرية ”  تاغس أنزيغر” Tages Anzeiger ” على نشر مادة صحفية يوميا تنتمي إلى “صحافة الحلول”

لقد تحوّلت “صحافة الحلول” إلى حركة اجتماعية مدنيّة تستقطب الكثير من ممتهني العمل الصحفي والفاعلين في المجتمع المدني في أكثر من بلد. يمكن أن نذكر على سبيل المثال الجمعية الفرنسيّة المسماة ” مراسلو الآمال” التي تصدر منشورات ومواضيع تخدم فلسفة هذا الضرب من الصحافة. وقد امتدت هذه الحركة إلى العالم الافتراضي. حيث تم إنشاء منصّة رقميّة بعنوان” سبارك نيوز” “Sparknews”. وهي عبارة إنجليزية مركبة من كلمتين:  “نيوز” وتعني الأخبار، و”سبارك” وتعني التحفيز، أي الأخبار المحفزة على الفعل والنشاط. وهذا ما تحاول القيام به في نشاطها اليوم إذ دعت إلى تخصيص يوم  25 يونيو- حزيران- ليكون يوما عالميًّا لصحافة الحلول . وقد شاركت فيه 55 صحيفة عالمية في 2016  تم فيه تبادل نماذج من صحافة الحلول ونشرها مجانا ليطلع عليها القراء من مختلف البلدان. ويقول كريستيان دو بوسردون Christian de Boisredon الذي أنشأ هذه المنصّة في 2012، إنّنا نريد من الصحافيين أن يطرحوا على أنفسهم السؤال التالي: ألا يوجد أي طريق أخر ، حل أخر كلما تناولوا مشكلا أو قضية في كتابتهم الصحفية؟

لقد نشأت برامج إذاعيّة وتلفزيونيّة وصحف ومجلات في كنف حركة ” صحافة الحلول” مثل مجلة ” أسبك وريكا ” Usbek & Rica  الأسبوعيّة الفرنسيّة التي أصبحت تباع عن طريق الاشتراك فقط . وهذا ما أدى بالكثير من محترفي العمل الإعلامي إلى الاعتقاد بأن الصحافة البناءة ستخرج الصحافة ككل من أزمتها.

                                           المنقذة

لعل محترفي العمل الصحفي في فرنسا هم الأكثر تفاؤلا بمقدرة صحافة الحلول على معالجة أزمة الصحافة وهذا انطلاقا من النجاحات التي حققّتها بعض الصحف الفرنسيّة التي أوشكت على الإفلاس مثل صحيفة ” نيس ماتن” Nice Matin في 2014. يقول المسؤول على قسمها الرقمي إنّ توجهنا إلى صحافة الحلول رفع عدد المشتركين في موقعنا في شبكة الانترنت من 2000 إلى 6000 وأن شريط الفيديو الذي تم بثّه عبر موقع الفيسبوك، والذي شرحنا فيه كيف أن مدرسة في فرنسا استطاعت أن تقلّل من نفايتها بنسبة 80% قد شهده أكثر 1.7 مليون شخص، وتم تقاسمه 30 ألف مرة!

واستطاعت صحيفة ” ليبراسيون” الفرنسية رفع عدد مبيعاتها في السوق بنسبة 24% وهذا بفضل ما تنشره من مواد تصب في خانة صحافة الحلول. وقد برهنت هذه التجارب وغيرها بأن سعر الإعلانات التي تنشر أو تبث في الربورتاجات التي تندرج في الخانة ذاتها تكون في الغالب أغلى من مثيلتها التي تبث في بقية البرامج.

إن القول بأن ممارسة الصحافة البناءة تشكل مخرجا للصحافة من أزمتها العامة يحتاج إلى نقاش معمق لأنه يحمل قدرا كبير من التفاؤل. فسُّنُونو – خُطّاف- واحد لا يصنع الربيع كما يقول المثل الفرنسي.

التحديق في صحافة “النّظرة الخاطفة “

 

نصر الدين لعياضي

لازالت تكنولوجيا الاتصال وتطبيقاتها في مجال الإعلام تفاجئنا بكثرة المصطلحات والمفاهيم التي تسعى إلى توصيف ما ترتب عنها في مجال الممارسة الصحفية. مفاهيم تبدو أنها متعارضة رغم كونها ولدت في البيئة الرقميّة ذاتها. فمن الصحافة المتأنية Slow Jounalism”” مرورا بصحافة البيانات، وصحافة المصادر المفتوحة، والصحافة التساهمية وصولا إلى إلى صحافة النظرة الخاطفة “”Glance Journalism

تعرف الباحثة بلج نرين صحافة ” النظرة الخاطفة”  بأنها ” شكل من السرد الذي  يُنْشر عبر الساعات الذكية  ويستند أساسا إلى عناوين الأخبار وتحديثها التلقائي. إنها نمط جديد من الممارسة الصحفية التي ترتكز على نشر الأخبار في بضع كلمات”. وتضيف قائلة:  تمثل صحافة “النظرة الخاطفة” طريقة جديدة في نشر الأخبار بسرعة مستخدمة الكلمات المفتاحية، والتنبيه الصوتي أو اهتزاز الساعة الذكية كنمط من التكنولوجية المحمولة”

ويعرفها الصحافي الأمريكي روبرت موران (Robert Morin ) بأنها تلك التي تبث/ تنشر المحتويات الإخبارية لتلبية حاجات الأشخاص الخاصة في الظرف الحالي: محتويات إخبارية قصيرة، بل أقصر من التغريدات  التي ترسل عبر موقع شبكة تويتر . هذا على الرغم من أن عدد كلمات التغريدة لم تزد عن 140 كلمة قبل 2017.  لذا سارع الصحافي الفرنسي “فرنسوا أوشترير” ( François Auchatraire ) ، الذي يساهم بكتاباته في منشورات مرصد وسائل الإعلام بفرنسا، إلى توجيه كلمة وداع إلى موقع شبكة تويتر  في العام 2015 ، معتقدا أن مكانة هذا الأخير ستتراجع أمام تزايد الاقبال على صحافة “النظرة الخاطفة” بعد اهتمام وسائل الإعلام المختلفة الكبير بها لتصبح المشارك النشيط في إنتاجها.

                                       تداعيات الساعة الذكيّة    

إذا، اقترن مفهوم  صحافة “النظرة الخاطفة” لدى مستخدمي شبكة الانترنت وصناع المحتوى الرقمي والباحثين في علوم الإعلام والاتصال بنزول الساعة الذكيّة التي أنتجتها الشركات التالية: ” آبل” “”Apple ، وسامسونغ Samsung””، وميكروسوفت “Microsoft” إلى السوق بكميات كبيرة  في السنة 2014. ووُصِفَت هذه الساعة بالذكيّة لكونها تشتغل ككمبيوتر مصغر يثبت في المعصم  كأي ساعة لكنها مزودة بـــنظام “البلوت توث”  Bluetooth” وتتواصل عبر شبكة الانترنت بفضل نظام ” الواي في” ”  Wi-Fi“. وتتوفر على تطبيقات تسمح لها بقراءة مختلف الملفات الرقمية: شرائط الفيديو، والصور، والنصوص المكتوبة، والموسيقى.  وبهذا يتمكّن مالكوها من متابعة الأخبار القصيرة المختلفة التي تظهر على شاشتها بمجرد القاء نظرة سريعة عليها.

تعتبر صحافة ” النظرة الخاطفة ” ضربا من الصحافة المصغرة Micro journalism” ” التي دشّنتها الأخبار العاجلة التي توزعها القنوات التلفزيونية الإخبارية على زبائنها عبر رسائل نصية قصيرة ” SMS” ؛ أي أخر الأخبار الآنية في المجالات التي يفضلونها : سياسة دولية، ورياضة، وثقافة، وعلوم، مقابل رسوم زهيدة.  وعزّز موقع شبكة تويتر مكانتها باختزال الأخبار في عدد قليل من الكلمات، وزودها برابط إلكتروني. وقد نقلت عنه مواقع شبكات التواصل الأخرى، مثل “الفيسبوك” و”سنا بشات” هذه التجربة.

هل اطلع مسؤولو  موقع شبكة الفيسبوك على كلمة الوداع المذكورة  أعلاه بعد زيادة انتشار صحافة ” النظرة الخاطفة”؟ لا احد يدري. لكن  المؤكد أنهم ابتكروا خدمة جديدة سميت بــــ ” إبلاغ” ” Notify ” التي انطلقت يوم 12 نوفمبر ( تشرين الثاني) 2014 . والتي تقترح على مستخدمي هذا الموقع  إبلاغهم بما يجري من أحداث عبر طائفة من الأخبار المختلفة حسب مجالات اهتماماتهم.

                                         التسارع

سارعت شركة ” ياهو أنس” Yahoo Inc إلى اقتناء أربع تطبيقات مخصوصة لساعة آبل الذكية Apple Watch،  بما فيها تلك التي تبث ملخصات للأخبار مع تحديثها كل ساعة بموجز لأبرزها. وتطبيقات مخصوصة للأخبار الرياضية وأحوال الطقس. وحذت حذوها قناة “سي أن أن” CNN الأمريكية، والإذاعة العمومية الأمريكية NPR  ثم توالت المؤسسات الإعلامية التي ساهمت في

إنتاج المحتويات الإخبارية القصيرة الموجهة خصيصا للساعات الذكية؛ فاسهمت في تطوير  صحافة “النظرة الخاطفة”. ويقارب عدد هذه المؤسسات المائة ، معظمها أمريكية:  قنوات تلفزيونية إخبارية تجارية شاملة، وأخرى متخصصة في الأخبار السياسية والرياضة والترفيه والمودة والزينة والمال والأعمال والديكور، نذكر على سبيل المثال قناة  سي بي أس سوبورتس “CBS Sports “، وفوكس نيوز Fox News وفوكس سبورت Fox Sports، وقناة ” أي بي أس” ABC”…  وقد حذت كبريات الصحف والمجلات في العالم حذو هذه القنوات، نذكر منها: ” هو ليود ربورتر ” The Hollywood Reporter، و هافينغتون بوست” Huffington Post” ، والواشنطن بوست Washington Post، ،  والتايمز” “The Times وتيويوك تايمز، The New K York Times،  ومجلة ” ماري كلير” Marie Claire” النسوية،  و مجلة ” آل ديكور”  Elle Decor” وغيرها. وحتى الوكالات الإعلامية المتخصصة، مثل ” غيتي إيمج” ” Getty Images” المتخصصة في الصور في مختلف المواضيع والنشاطات ساهمت بدورها في تموين الساعات الذكية بالأخبار المصورة.

إن تهافت العديد من المؤسسات الإعلامية على تزويد  الساعات الذكية بالأخبار يهدف إلى ما كانت تصبو خدمة إبلاغ” ” Notify ” إلى تحقيقه،  والمتمثل في تمتّين علاقتها بجمهورها الملتصق بالأحداث على مدار اليوم . وتعزيز مثابرته على متابعة ما تنشره أو تبثه، وترسيخ علامتها التجارية لدى الجمهور. إذ يذكر أن موقع شبكة الفيسبوك منح لهذه الوسائل الإعلامية بيانات تتعلق بعدد المشتركين في هذه الخدمة، وعدد الذين الغوا اشتراكهم فيها،  وعدد الكبسات على الأخبار التي نشرها ” إبلاغ”،  وغيرها من البيانات التي وظفتها وسائل الإعلام في إعداد استراتيجيتها بغية رفع حصتها من عائدات الإشهار.  لذا لم تتردّد وكالة الأنباء الفرنسية في الحكم على صحافة “النظرة الخاطفة”، في برقيتها المؤرخة في 20 أبريل- نيسان- 2015، بالقول أنها تشكل اتجاها جديدا في الصحافة المعاصرة. وذلك لخصوصيتها: الآنية والسرعة المفرطة في نقل الأخبار بعناوين ذكية ومختصرات لأبرزها. ولم تتأخر صحيفة نيويورك تايمز New York Times في التأكيد على أن التطبيقات الرقميّة الموجهة للساعات الذكيّة ستقدم ” شكلا جديدا من السرد الصحفي” يشارك فيه الناشرون في قارات العالم.

البركة في القليل

  يتجنب المنافحون عن الساعات الذكية وإسهامها في صحافة ” النظرة الخاطفة” الحديث عن عامل المنافسة في صناعة الساعات التي وصلت إلى الكساد. ولم تجد منفذا لها إلا في الاستثمار في مجال التكنولوجيا الرقميّة. وينطلقون في الحديث عن مزاياها. فـــ “ماريو غارسيا” ) Mario Garcia (، على سبيل المثال، الأستاذ بمعهد “بويتي” (Poynter  ) للدراسات الإعلامية  بفلوريدا – الولايات المتحدة الأمريكية-  يرى أن المرء قد يجد صعوبة  في إخراج هاتفه الذكي في ميترو نيويورك المكتظ بالمسافرين قصد الاطلاع على الأخبار المستجدة ، بينما بإمكانه فعل ذلك بمجرد القاء نظرة على ساعته.

ويؤكد بأنّ أنماط تلقي الأخبار قد تغيرت بتعدّد منصات الإعلام و حوامله. فالشخص يطلع على هاتفه الذكي 100 مرة في اليوم بينما ينظر إلى ساعته ما بين 300 و500 مرة في المدة ذاتها. هذا إضافة إلى أن الاطلاع على الأخبار عبر الساعة الذكية يتم دون الكبس على أي إيقونة. وخلافا لما يعتقده البعض يرى مناصرو صحافة ” النظرة الخاطفة” أن عدم الكبس هذا لا يعني بتاتا قلة اكتراث صاحب الساعة بالأخبار التي تصله.

قد يجد الشباب، جيل مواقع شبكات التواصل الاجتماعي أو ما أصبح يعرف بجيل “زد” Z” سعادته في هذه الساعة. وهذا ليس لكونه ولوع بكل مبتكر تكنولوجي جديد بل لكونه شغوف بالقيام بأكثر من نشاط في الوقت ذاته. فالساعة الذكية التي تقدم له الأخبار على مقاس رغباته وميوله، تسمح له بمتابعة أخبار مدينته وفريقه في كرة القدم وهو يأكل أو يتابع دروسه في المدرسة أو في مدرج الجامعة. لقد كان يفعل ذلك في هاتفه الذكي عبر المنصة الرقميّة ” فيفو ” Vevo” التي تقدم له أخبار مغنيه المفضل.

إن ضيق مساحة النشر والسرعة المفرطة في نقل الأخبار أثرا على قالب صياغة الأخبار. لكن من يتابعها على شاشة ساعته الذكية يعثر على ما يريح نظره ويجذبه : وفرة أشكال مختلفة من أبناط الحروف ، وإمكانية تكبيرها … ويلبي حاجته في ظل كثرة انشغالاته التي تفرض عليه تخصيص أقل مدة زمنية لمتابعة الأخبار إذ تقدم له ملخصات وجيزة للأحداث التي تُحَيّن كل ساعة، وأخبار مركزة بأقل عدد من الكلمات…  لذا تعدّدت مسميات هذه الصحافة، فالبعض أطلق عليها مسمى ” نيترون الأخبار” لكونها تنقل جزيئات صغيرة من الأحداث. والبعض اسماها ” ميكرو الملخصات الإخبارية”. بينما وصفها بعضهم باستعارة لافتة للنظر مثل: قصص كبيرة في حيز صغير” ، والكثرة في القليل” التي نسجت على منوال القول العربي المأثور” البركة في القليل”.

                                           الوجه الآخر  

لم تشفع كل هذه الاستعارات لصحافة ” النظرة الخاطفة  وتخّفف من حدّة النقد الذي وُجه لها، والذي ينطلق مما أشارت إليه الصحافية وعالمة الانتربولوجية الاجتماعية، جليان تيت Gillian Tett. لقد أكدت بأنه من المهم استيعاب كيف يستهلك المرء الأخبار وليس كيف يلقي نظرة على معطياتها.

إن السرعة والآنية اللتان كانتا مبتغى مختلف وسائل الإعلام في عصر التكنولوجيا التناظرية لتحقيق السبق الصحفي تحولتا اليوم إلى نقمة على الصحافة، خاصة تلك التي نحن بصدد الحديث عنها! إذ يبدو أن نشر المزيد من الأخبار تحت ضغط السرعة أضحى غاية في حد ذاتها. النشر الذي يتم في الغالب دون التأكد من صحة الأخبار.

وأنتج ضيق مساحة النشر أخبارا مجزأة وناقصة أحيانا إن لم تكن مبتورة ، وبالتالي لا تساعد الجمهور على أخذ فكرة كاملة على ما يجري حوله، ناهيك عن استيعابه. وهذا ما أدى بالكثير من الباحثين إلى وصف صحافة النظرة الخاطفة بالصحافة السطحية والمبتذلة . وحمّلوها مسؤولية” ماكدونالدزة ” McDonaldization” الصحافة، أي أنها تفعل في العمل الصحافي ما فعلته شركة “ماكدونالدز” في الأكل.

إن السرعة تولد النسيان والأحداث التي تنقل بعجالة وتستهلك في أقل من ثانية أو بمجرد النظر إلى عنوانها أو كلماتها المفتاحية تتحوّل إلى مجرد فقّاعات تَنْفَقِئُ سريعًا دون أن ترسّب في الذاكرة. قد يحاجج البعض بالقول أن صحافة “النظرة الخاطفة” أو الصحافة المصغرة هي سمة عصر السرعة واللهث وراء الآني دون تريث، وملاحقة ما سيأتي قبل وقوعه. إنه عصر ما بعد الحقيقة. إن خطورة هذا القول لا تكمن في نزعته التبريرية فحسب، بل في التفسير الذي يقدمه الباحثون في العلوم الاجتماعية والفلاسفة لما بعد الحقيقة أيضا. إذ يؤكدون بأنها تعني الاحتكام إلى المشاعر والعواطف بدل الرجوع إلى الوقائع والأحداث. والاقتناع بأن مستقبل الصحافة ككل سيتحدّد على ضوء مدى انتشار صحافة ” النظرة الخاطفة ” يعني التسليم بأن لا مستقبل للأخبار سوى ” المشخصنة، أي التي تنتقيها الخوارزميات وفق رغبات وميول كل شخص. ومعنى هذا أن الشخص يتلقى ما يساير قناعته وذوقه من الأخبار ضمن اهتماماته الأساسية. فيصبح سجينا لها وينغلق على ذاته. وتعزّز رفضه لكل ما يخالفه رأيه أو يفتح له أفقا جديدا للنظر إلى الواقع من زاوية معايرة، أو يغير ذوقه. فصحافة ” النظرة الخاطفة ” تهمش الأخبار التي يشترك فيها أبناء المجتمع الواحد،  مما يعسر عملية العيش المشترك والقبول بالاختلاف في الرأي.

في انتظار “الميديا” المتأنية

  نصر الدين لعياضي

من كان يدري أن حركة الاحتجاج التي قادها المواطن الايطالي” كارلو بيتريني” على افتتاح مطعم ماكدونالدز في ساحة ” سبنا” بروما في العام 1986 ستؤدي إلى ميلاد حركة دولية مناهضة للوجبات السريعة أو بالأحرى الأطعمة السريعة. وينضم إليها المثقفون والفنانون وعلماء الاجتماع ومزارعون. وتعترف بها الأمم المتحدة في 1989؟ لم يكن أحد يتنبأ في تلك السنة أن هذه الحركة التي اتخذت من الحلزون، رمز البطء، علامتها المميزة Logo تتحول إلى تيار فكري وفلسفي يتعدى الدعوة إلى العودة إلى الطبيعة في إنتاج المواد الغذائية وطبخها واستهلاكها. ويمتد إلى العديد من الميادين، مثل السفر، والعلاقات العامة، والأخبار، والصحافة، والتلفزيون، والميديا بصفة عامة.

لقد لاحظ الكثير من المختصين أن الانتقال إلى العصر الرقمي قد ضاعف كمية المعلومات والأخبار   وعجل في تدفقها وسريانها في أرجاء الكرة الأرضية. فالباحثة الفرنسية المختصة في إدارة المعلومات في الشركات، كارولين سوفجول-ريالوند، ترى أن عدد الأخبار يتضاعف كل أربع سنوات، وأن البشرية أنتجت من المعلومات عددا من الأخبار في السنوات الثلاثين الأخيرة ما يتجاوز ما أنجزته طيلة 5 ألاف سنة من تاريخها!

تخّمة الأخبار

يعتقد البعض أن كمية الأخبار المتداولة بين البشر ما انفكت في التزايد قبل ميلاد العصر الرقمي. فالباحث الأمريكي في العلوم الاجتماعية ” برترام ميرون”، ابتكر مفهوم ” الافراط في الأخبار” في 1962. وقد وظفه عالم المستقبليات الأمريكي ” آلفين توفلرفي كتابه المعنون بــ ” صدمة المستقبل” لتحليل تأثير التكنولوجيا على إدارة المؤسسات وعلى السلوك الاجتماعي. ولعل المفهوم الأكثر دقة ودلالة على ضخامة الأخبار التي تطفح عبر مختلف الحوامل الرقمية في العصر الراهن هو ” البدانة الإعلامية” infobesity  الذي ابتكره الكاتب والسينمائي الأمريكي ” دافيد شنك” في  مؤلف بعنوان: ضباب البيانات الدخاني: النجاة من تخمة المعلومات، ونشره في  1993. ويمكن تعريف هذه البدانة بكمية الأخبار والمعلومات  الرهيبة التي تصلنا عبر مختلف الوسائط التقليدية والحديثة بشكل آني ومتزامن ومتواصل، فتصيب الفرد بالتخمة. لقد بلغت هذه التخمة درجة أن 60  %من الأشخاص يتقاسمون المقالات التي تصلهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون أن يقرؤونها، حسب الدراسة التي قامت بها جامعة كولومبيا الأمريكية ونشرتها بمعية المعهد الوطني للبحث في علوم التكنولوجيا الرقمية الفرنسي واصدرت صحيفة “الواشنطن بوست ” يوم 16 يونيو 2016 ملخصها. إن كانت التخمة تحول دون ابتلاع الأخبار فلا مجال للسؤال عن عملية هضمها؛ أي ترتيبها وفق نظام من الأولويات لأنها تتضمن الغث والسمين والمهم والتافه، وادراك معناها، وتذكرها. حقيقة أن قدرات الانسان الذهنية والعقلية التي تؤهله للاحتفاظ بالمعلومات لفترة طويلة وتذكرها متفاوتة، وتختلف من شخص لأخر، لكنها تظل محدودة في نهاية المطاف. فالتخمة الإخبارية لا تنهك الذاكرة فقط، بل تشتت أيضا الانتباه وتضعفه.

مفارقة

إن التغيير المتسارع في الإنتاج الإعلامي أدى إلى تراجع التقاليد الصحافية حيث اضطرت الكثير من الصحف إلى إنتاج أكبر عدد ممكن من المواد الإعلامية بأقل عدد من المهنيين لمواجهة الأزمة التي تواجهها.  لقد وجدت وسائل الإعلام نفسها مضطرة إلى ركوب موجة التكنولوجيا الرقمية لمنافسة ” الميديا الجديدة” في أرضية ليست لصالحها: أرضية الآنية، والسبق الصحفي دون التأكد من مصدر الأخبار، والسعي للحصول على أكبر عدد من المتابعين والمعجبين بكبسة على الأيقونة قصد الحصول على أكبر نصيب من الإعلانات. ففي هذا الإطار يقول مؤسس المجلة البريطانية ” ديلايد غراتفيكشن”Delayed Gratification ”  ) الإشباع المتأخر ( إننا انتقلنا من شراء منتجات مادية بفضل الإعلانات التي تنشرها وسائل الإعلام إلى نموذج إعلاني خالص. يتمثل في التحريض على نشر المحتويات المستفزة، والتي تتسم بالإثارة والخالية من أي قيمة مضافة أو إبداع، مجانا للحصول على المال مع إدراج الإعلانات الغازية : شرائط الإعلان المنبثقة في الشاشة بشكل فجائي، وفيديوهات إشهارية مبرمجة آليا، وغيرها.

ظهرت ” الميديا المتأنية” في 2009  لمعالجة المفارقة الكبرى التي أصبحت تعاني منها البشرية: ففي الوقت الذي تزايدت فيه الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطبية والمناخية تعقدا، اتجهت ” الميديا”، بمختلف أنواعها، إلى التبسيط الذي يخل بالفهم، وإلى التسطيح الذي يتماهى مع التتفيه ، وإلى الكتابة المستعجلة القائمة على الصور النمطية والكليشيهات على حساب التروي والتأمل. فالجمهور لا يهمه معرفة من هي الوسيلة الإعلامية التي سبقت غيرها في نقل خبر انتخاب فلان في هذا البلد أو ذاك. فما يهمه حقا هو الشرح الذي يفسر له أهمية هذه الانتخابات وتأثيرها على حياته بشكل مباشر أو غير مباشر، وما ينتظر بلده منها.

ما هي الميديا المتأنية؟

تُعرف الصحافية “إميلي موغي” العاملة في الموقع الفرنسي في شبكة الانترنت” كاتر أور”Quatre heures ” أي ” أربع ساعات”، هذا الضرب من الميديا بأنه نوع من الاتفاق الذي يبرمه الناشر مع القارئ. إنه أكبر من دعوة إلى القراءة بل انغماس في الأحداث، يمثل قطيعة مع إيقاع الإنتاج الإعلامي وتوزيعه. وتقول عنها الصحافية  ” كلير برثليم ” من المجلة الرقيمة الفرنسية ” لانبريفي”  l’imprévu”” أي غير المتوقع”   أنها تتطرق الى المواضيع التي تمر عليها وسائل الإعلام الكلاسيكية مرور الكرام.  تعالجها بعمق وتحللها: القضايا القضائية، والكوارث الطبيعية، والنزعات الاجتماعية، أي كل القضايا التي تبرزها وسائل الإعلام لفترة فتثير زوبعة من ردود الفعل، ثم تنصرف عنها بسرعة وتطوى في غياهب النسيان.

يعتقد البعض أن مسمى ” الميديا المتأنية” يحيل إلى المدة الزمنية التي تُصرف في إنتاج ما تبثه أو تنشره. وهذا خلافا لوسائل الإعلام التقليدية التي تسعى إلى تغطية أكبر عدد من الأحداث والموضوعات في أقصر فترة زمنية ممكنة وبطريقة سطحية. فالميديا المتأنية تشرك الكتاب والمثقفين والفنانين والباحثين في الكتابة عن الموضوعات المختلفة من وجهات نظر متنوعة تتضمن طائفة من الأفكار المتعددة. أنها تنأى قليلا عن الأحداث الطارئة والملتهبة  لتنظر إليها مليا وبتأمل من أجل إنتاج نصوص لا تموت في لحظة إنتاجها. ويمكن العودة إليها بشغف بعد أشهر. لذا نلاحظ أن الصحافة المتأنية استثمرت في الأنواع الصحفية التعبيرية والاستقصائية المطولة، مثل الريبورتاج، والتحقيق الصحفي، والبورتري. وأعادت المجد للسرد الصحفي الذي يعتبر أفضل وسيلة لاستعادة الذاكرة الجماعية وبعث الحياة في أحداث الماضي. لقد ابتكرت الصحافة المتأنية شكلا جديدا من الإنتاج المكتوب وهو ” موك”. وهذه الكلمة عبارة عن تركيب لمختصر الكلمتين الانجليزيتين: ماغازين”« magazine المجلة،  وبوك، أي كتاب. وأبرز مثال على ذلك هي المجلة الفصلية الفرنسية  المسماة ” XXI “ التي تصدر في 256 صفحة وتباع في المكتبات. وهي في الحقيقة نموذج متطور للمجلات الصادرة باللغة الانجليزية، مثل ” ذو نيويوركر”  The New Yorker ، و” أمبير” Empire .”

إعادة النظر

إن الميديا المتأنية” تعيد النظر في علاقة الوسيلة بالجمهور لان مادتها الإعلامية لا تسلك اتجاها أحاديا: من الصحافي إلى الجمهور. ولا تعتبر هذا الأخير قاصرا أو دون مستوى، بل تتعامل معه كصاحب تجربة اجتماعية، ويملك خبرة في مجال معين. ويمكن أن يكون طرفا في عملية إنتاج موادها. وقد تلجأ بعض وسائل الإعلام التي تنتمى إلى هذا النوع من الميديا، مثل الموقع   الهولندي ” دو كرسبوندن” De Correspondent ، أي ” المراسل” في شبكة الانترنت إلى عرض بعض مقالته على متابعيه  قبل نشرها!

ويمكن أن نذكر بالمناسبة أن هذا الموقع يشكل النموذج الناجح لهذا الضرب من الميديا الذي حقق ما وعد به: إحداث القطيعة مع اقتصاديات وسائل الإعلام الكلاسيكية . فلا ينشر أي إعلان ولا يعتمد على المعلنين في تمويله، بل يستند إلى جمهوره فقط. لقد استطاع أن يجمع خلال أسبوع واحد مليون يورو، تبرع بها 15 ألف مستخدم لشبكة الانترنت. ولازال هذا الموقع يجذب 30 مشتركا جديدا يوميا. وتؤكد إحدى صحافيته، “ماييك غوسانغا” أن ثلاثة أرباع من المشتركين الجدّد يظلون أوفياء للموقع بعد مرور سنة على اشتراكم.

قد يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم أن هذا الضرب من الميديا يروم النوع وليس الكم، ولا يسعى ليكون جماهيريا. فهل هذا يعني أن جمهوره نخبوي؟ لا يفضل رواد ” الميديا المتأنية” صفة النخبوية، وإن كانوا يعترفون أن الصحافة غير المجانية تتطلب من القارئ، الذي تعود على المواد الصحفية المختصرة والمبسطة التي تنشرها الصحف المجانية أو مواقع التواصل الاجتماعي، بعض الجهد. وبهذا يؤكدون ما قاله مؤسس صحيفة “لوموند” أي ” العالم” الفرنسية،” هربرت بوف ميري”، ذات مرة، بأن ثمن جريدته يكمن في سعرها في السوق إضافة إلى الجهد الذي يبذل في قراءتها!

مبادئ

إن ” الميديا المتأنية” فلسفة قبل أن تكون منتجا. هذا  ما أكده البيان الذي أصدره بعض مناصريها الألمان في يناير 2010، وصاغوه في جملة من المبادئ. وترجمته الصحافة الانجلوساكسونية ، والفرنسية والسويسرية  والكندية. لكن لم نعثر، مع الأسف، على أي ترجمة له في الصحافة العربية. لذا نحاول أن نختصرها في النقاط التالية: تساهم هذه الميديا في ديمومة المحتوى خلافا للمقولة التي تنص على أن المادة الإعلامية، مثل الأخبار شديدة التلف، تموت بسرعة. وتشجع التركيز على المنتج والمتابعة في زمن يمجد السرعة ويعزز تشتت الذهن وانصرافه إلى الاهتمام بأكثر من شيء في الوقت ذاته. وتروم التميز، والجودة التي يمكن التماسها على مستوى المحتوى والإخراج. وتسعى إلى جعل الجمهور شريك في مسار الإنتاج بأفكاره وآرائه. وتعد الميديا المتأنية خطابا يغذي الحوار مع الجمهور.

تعددت التجارب الصحفية منذ 2009 ، تاريخ ميلاد ” الميديا المتأنية، لتشكل اليوم نماذج. فإضافة إلى مجلة XXI   التي ذكرناها أعلاه، والتي توزع 22 ألف نسخة  وتهتم بالشعر والأدب وتترجم الكثير من النصوص من المجلات الصادرة باللغة الانجليزية،  يمكن أن نذكر المجلة  الفصلية ”  Delayed Gratification   الإشباع المتأخر” البريطانية التي صدرت في 2011. والتي تغطي الأحداث والقضايا التي طرحت خلال الفصل بنظرة مغايرة وبأشكال تعبيرية ومرئية مختلفة. تباع في العديد من بلدان العالم. و المجلة الفرنسية  ” فيتون” التي صدرت في 2011 والتي طورت أشكال السرد الصحفي. إنها تسحب عشرين ألف نسخة توزع في فرنسا وبلجيكا وسويسرا وكندا.

التلفزيون المتأني

لم يتأخر التلفزيون عن تيار ” البطء” الذي يسعى إلى إعادة النظر في إنتاج الإعلام واستهلاكه. فالقناة التلفزيونية النرويجية ” أن أر كيو” NRK ” نصبت كاميرا في مقدمة القطار الذي يربط العاصمة ” أسلو” بمدينة ” بيرغت” على مسافة 500 كلم في 2009 . وبثت ما صورته لمدة سبع ساعات.  وجمعت 1.2  مليون مشاهدا، أي ربع السكان. وقد شجعها هذا النجاح على إعادة التجربة في رحلة بحرية بثت لمدة خمسة أيام، وتابعها 3,2 مليون مشاهد. وفي فرنسا خاضت القناة الرابعة تجربة مماثلة بعنوان ” طوكيو، الاتجاه المعاكس”  الذي يسرد رحلة من طوكيو إلى فرنسا. لكنها لم تجمع سوى 1,4 مليون مشاهدا خلال تسع ساعات من البث. لكن الغريب أن بعض الصحافيين الفرنسيين أكدوا أن هذا البث لفت نظر رواد موقع تويتر فأرسلوا 13 ألف تغريدة عنه. وكان عددهم أكثر من الذين غردوا على تعيين “مانويل فالس” الذي عين رئيسا للحكومة الفرنسية في اليوم الذي بث فيه هذا الشريط.

هل أن التلفزيون المتأني يختلف عن التلفزيون الكلاسيكي  في طول المدة الزمنية التي يستغرقها بث مواده؟ إن كان الأمر كذلك فالكثير من البرامج  انزاحت عن المعايير المعروفة والمعتمدة في إنتاج المواد التلفزيونية، وهي 20، و52، و90 دقيقة. فبرامج تلفزيون الواقع، على سبيل المثال، كانت السباقة في هذا المجال.  للإجابة عن هذا السؤال يؤكد  بوريس رازون، مدير الكتابات الجديدة في التلفزيون العمومي الفرنسي قائلا: إن تلفون التأني لا يقول للمشاهد ما هي الأشياء التي يجب أن تفكر فيها.  فخلافا لبرامج تلفزيون الواقع، لا يتضمن في تلفزيون التأني سيناريو، ولا أدوارا سردية. إنه يعبر عن الأصالة. فالوقت الذي يقضيه المشاهد أمام الشاشة هو الزمن الحقيقي.

خلافا لما يعتقد، إن حركة التأني تنمو أيضا في حضن شبكة الانترنت التي تتميز بالسرعة. فالربورتاجات المتلفزة وأفلام الواب الوثائقية التي تستغرق وقتا طويلا لمشاهدتها بدأت في الانتشار. فالمواقع مثل ” نيوز دوت كم” News.me”، و ” بريف دوت مي ” Brief.me” وغيرها تنتقي من الأحداث والأخبار التي يعتقد أنها أكثر أهمية وتسلط عليها الأضواء.  ليس هذا فحسب، لقد بدأت الكثير من التطبيقات الرقمية التي تسمح بتأجيل قراءة المواد الصحفية  في الانتشار لتضاف إلى التلفزيون الاستدراكي  والمشاهدة بأثر رجعي والتي تبين أن للمرء حياة أخرى وليس سجين شبكة الانترنت ومنصاتها الرقمية.

أخيرا، متى يحن موعد انطلاق ” الميديا المتأنية” في المنطقة العربية؟

العلّة في التفاصيل

نصر الدين لعياضي

يقول المثل الإنجليزي إنّ العلّة، وليس الشيطان، في التفاصيل. لذا سأحكي لكم القصة كلها. وأعذروني إن اثقلت عليكم بتفاصيلها لأن العبرة في العلّة .

كان الهاتف الجوال يرن بإلحاح. فاضطررت إلى ركن سيارتي على حافة الطريق لأن المتصل يهتف من رقم ثابت. وذاكرة هاتفي تخلو من مثل هذه الأرقام.

جاء الصوت من بعيد حتّى خلته قادما من أعماق الأرض.

 ألو  ألو….. هل أنت السيد… ؟

 نعم تفضلي.

أستاذ الإعلام؟

نعم مرحبا بك…

أنا السيدة ….. أكلمك من ديوان وزارة الاتصال.

أهلا بك…

لعلك تعلم أن الوزارة دأبت على تنظيم سلسلة من المحاضرات للصحافيين عن أخلاقيات الإعلام. واسمك تردّد كثيرا في أروقة الوزارة من أجل المساهمة فيها. لكننا أجلنا دعوتك لأنك قريب منا. ومنحنا الأولوية للأساتذة البعيدين ؛ أي المقيمين خارج الوطن. وها نحن اليوم ندعوك لتقديم محاضرة عن أخلاقيات الإعلام.

شكرتها على الالتفاتة الكريمة. وعبرت لها عن استعدادي لتقديمها. وأوضحت لها أن موضوع الأخلاقيات أصبح مستهلكا. وليس لدي ما أضيفه إلى ما قدمه الأساتذة المحاضرون الذين سبقوني. لكنني اقترحت عليها موضوعا أخر يتعلق بالرهانات المهنية والاجتماعية والأخلاقية في استخدام  وسائل الإعلام لمواقع التواصل الاجتماعي. وسيطرح موضوع الأخلاقيات في سياق الحديث. وكان هذا الموضوع آنذاك حديث الساعة، ومصدرانشغال وسائل الإعلام وصحافييها ولا يزال كذلك.

وذكّرتها بأن الوزارة تدفع للمحاضرين القادمين من خارج  الوطن ثمن تذكرة الطائرة ( وهذا أمر طبيعي). وتضع تحت تصرفهم سيارة الوزارة مع ضيافة كاملة في فندق خمسة نجوم (وهذا منطقي). ولا أشك بأن الكرم  يتأخر عن هذه المناسبة ( وهذا من شيم الجزائري). بينما محاضرتي لا تكلف شربة ماء. لذا أطلب من الوزارة أن تتكرم وتصرف لي مكافأة مالية نظير أتعابي. إن طلبي هذا لا يعبر عن احساسي بالغرور بأن ما أقوله أصبح ماركة مسجلة لها مقابلها المالي. بل يأتي من باب التوضيح  بأن تقديم محاضرة يأخذ مني وقتا لإعدادها ، والإطلاع على ما هو جديد عن موضوعها. والوقوف على ما وصل إليه التفكير فيه على مستوى العالم.  ووظيفتي في الجامعة تفرض عليّ شراء كتب من الخارج بالعملة الصعبة. وتجديد الاشتراك في المجلات العلمية المتخصصة. ودفع تكاليف المشاركة في الملتقيات العلمية التي تعقد في الخارج. فلم يحدث أبدا أن استفاد العبد الضعيف الذي يحدثك بدينار واحد من الجامعة  خارج راتبه الذي يذهب قسط كبير منه لما ذكرته.

استمعت إليّ بأدب واهتمام. وأنهت مكالمتها بالقول، سأرفع مقترحك وطلبك إلى صاحب القرار. وأعيد الاتصال بك من جديد.

نسيت هذه المكالمة. ولم أتذكرها إلا بعد حوالي أسبوعين على ما أظن عندما أخبرني أحد الطلبة أنه شارك في محاضرة نظمتها وزارة الاتصال. ألقتها أستاذة جامعية قدمت من بلجيكا. وكان موضوعها ذاته الذي اقترحته على السيدة التي اتصلت بي!

في الحقيقة لم يدفعني الفضول إلى الاهتمام بالمحاضرات التي كانت الوزارة تقيمها على مرمى حجر من مقر عملي. لقد لجأت الوزارة إلى الجامعة لتنظيم هذه المحاضرات قصد الاستعانة بالطلبة للتغطية على غياب الصحافيين.  فهؤلاء يعرفون أن هدف الوزارة من هذه المحاضرات يتمثل في استغلال الأساتذة المحاضرين، خاصة أن بعضهم من الأسماء الوازنة في علوم الإعلام والاتصال، لاعتلاء المنصة لــ “تشنّف” آذان الحضور بخطبة ممجوجة ومكررة تلقنهم فيها درسا في الأخلاق! وتجدّد تهديدها المجتر بحرمان أي صحيفة أو وسيلة إعلامية من عائدات الإشهار إن لم تلتزم بأخلاقيات العمل الصحفي.

لقد تحوّلت هذه المحاضرات إلى مبرر وجود الوزارة المذكورة. فاستغلتها للإقناع بأنه بالإمكان بناء مجتمع الأخلاق في ظل غياب مجتمع القانون أو باختراقه. بدليل أنها تصدت بشجاعة منقطعة النظير لفسخ عقد شراء صحيفة الخبر وقناتها التلفزيونية المقبورة بحجة أن القانون لا يسمح لمن اشتراها بامتلاك صحيفتين في آن واحد، والشاري يملك صحيفة ناطقة باللغة الفرنسية. ونجحت في ذلك، بل أبدعت ، والحق يقال، في الكيل بمكيالين لأن أحد اثرياء النظام، على الأقل، كان يملك صحيفتين وقانتين تلفزيونتين!

ماذا لو اعفتنا الوزارة المذكورة من الثرثرة عن أخلاقيات الإعلام في ذاك الوقت. واكتفت بإجراء واحد، وسهل جدا، يتمثل في الكف عن تمويل  الصحف، التي توقفت عن الصدور، بعائدات الإشهار ؟  لو فعلت ذلك لحرّرتنا من سذاجة الحديث عن أخلاقيات الإعلام. ولمّا وقفنا فاغري الأفواه  من مبلغ  4000 مليار دينار جزائري الذي قال العربي ونوغي، المدير العام للوكالة الوطنية للنشر والإشهار أن الصحف الجزائرية استفادت منه كعائد من الإشهار خلال السنوات الأربع الفارطة، وفق ما جاء في وكالة الأنباء الجزائرية. لقد فصل المبلغ بالقول أن مالكي 40 صحيفة لا صلة لهم بعالم الصحافة والإعلام استنفعوا بنصيب وافر منه! منهم من يملك صحيفتين أو أكثر بالعنوان ذاته!  “وأسبوعيات يصدرونها ثلاث مرات في الأسبوع ! وصحف لا يسحبونها من المطبعة، ولا توزع بتاتا!

نشكر السيد العربي ونوغي الذي أكد لنا بأن العلّة في التفاصيل. ونبهنا ضمنيّا بأن كل حديث عن أخلاقيات الإعلام لا ينزل صاحبه إلى الميدان ويقترب أكثر من تفاصيل عالم الصحافة والإعلام وتحوّلاته هو مجرد ثرثرة. ألا يقال بأن الأخلاقيات هي ” الأخلاق التطبيقية”؟

كوفيد 19 : ماذا سيغير فينا ؟

نصر الدين لعياضي

ماذا يفعل المرء الذي حكمت عليه جائحة “كوفيد 19″، التي تجتاح العالم، بالإقامة الجبرية في منزله حفاظا على حياته  وحياة غيره؟  سيشاهد الأفلام بدون شك، ويتابع برامج مختلف القنوات التلفزيونية التي تتخمه بالأخبار المأسوية. فترفع منسوب قلقه بارتفاع عدد المصابين بهذه الجائحة. وتزيد في خوفه بتزايد  ضحاياها.

سيتذكر المرء أن أكبر حليف لهذه الجائحة هو الخوف والهلع . إذا سيقاوم خوفه بالتفكير في الشخص الذي بنى أول سجن في التاريخ في القرن الثالث عشر ميلادي ليكون مؤسسة ” تأديبية””. ساعتها سيدرك أن أقسى عقوبة تسلط على الشخص هو حجره ؛ أي عزله فيزيائيا عن المجتمع. لكن هذه القسوة تتضاءل في نظره لأن عزل السجين إن كان مجرما يستهدف حماية المجتمع من الخطر الذي يمكن أن يشكله. لكن حجره ” الاختياري” في منزله هو حماية له أولا! ربما ستحرّره هذه الفكرة من وطأة القلق نسبيا لأن المنزل أصبح ملجأ صحيّا. ” فالخوف من هذه الجائحة أعاد إلى المنزل وظيفته البدائية: الحماية من خطر الانقراض تحت تهديد «حيوانات» مفترسة أو متوحشة سائبة في الجوار، مثلما يؤكد الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني.

                             في معنى الحجر

يلفت نظرنا الفيلسوف الفرنسي، ميشال فوكو، في كتابه : “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”، الصادر في 1961 ، إلى أن العزل الفيزيائي والاجتماعي لم يمارس على المساجين فقط ، بل مورس أيضا على المجذومين،  لكن مع تراجع مرض الجذام في المجتمع حلّ محلهم المجانين. لكن أليس المجانين اليوم هم الذين يهيمون على وجهوهم أو “يتدافعون” في المتاجر من أجل الحصول على المزيد من المواد الغذائية لتكديسها. فيتمكّن منهم فيروس “كورونا”. في هذه الحالة يتساوى أبناء هذا البلد العربي أو ذاك وسكان لندن! إنه منطق العنزة التي تقبل ما عرضه عليها الذئب : منحها قنطار شعير ليأكلها ، مثلما تقول الحكاية التي تُروى للاطفال.  إن العقّال اليوم ” محجوزين ” وليسوا طلقاء يتسكعون في الشوارع. إنهم العاكفون في منازلهم. والاعتكاف خوفا من هذه الجائحة يدفع الكثيرين  إلى الوقوف على عتبة الزهد والتَّصَوُّفِ، بمعنى بالابْتِعَاد عَنْ مُخَالَطَة النَّاس.

                     من تفاصيل ” الطاعون”.

يُنصح  بقراءة الأدب في ” الحجر المنازلي” والروايات على وجه التحديد، خاصة تلك التي اتخذت من الأمراض والأوبئة موضوعها  لعلها ترفع المعنويات، وتخبر القارئ  كيف تعايش الناس مع الأوبئة وانتصروا عليها. فيزداد تفاؤله. ربما قرأ الكثيرون رواية ” الحب في زمن الكوليرا” لغارسيا ماركيز أو ” الطاعون” للكاتب الوجودي ألبير كامي. تسرد هذه الرواية تفاصيل يوميات الأوربيين في مدينة وهران، التي تقع غرب عاصمة الجزائر وتبعد عنها بــ 351 كلم، والتي اجتاحها وباء الطاعون في 1945. من التفاصيل الدالة التي التقطها الروائي نذكر غضب الأوربيين على أحد الكهنة، الذي أغلق أبواب أكبر كنيسة في المدينة في وجه من يأتون بأمواتهم للصلاة عليهم وتشيعهم إلى مثواهم الأخير خوفا من إصابته بالعدوى.  لقد بلغ غضب بعضهم درجة الانتقام من الكاهن. فصعدوا إلى سطح الكنسية، ونزعوا قرميدها ورموا من علوها بجثة أحد ضحايا الطاعون داخل الكنسية. لقد اتهم أحد الغاضبين الكاهن بضعف إيمانه الذي منعه من الصلاة على الأموات خوفا من العدوى . وذكّر الحاضرين بإمام احدى المساجد في مدينة مغربية قريبة من وهران. لقد كان يقوم بغسل أموات المسلمين ضحايا الطاعون، ولم تصبه العدوى! لكن من أين لهذا الغاضب معرفة الحقائق العلمية في الطب التي تؤكد وجود الحامل السليم للفيروس؟

لقد عزّزت الأوبئة التي فتكت بالبشرية عبر التاريخ النزعة القدرية. لم يجد المسيحيون ما يواجهون به ” الأنفلوانزا الإسبانية” التي كُنيت بالطاعون الأسود، واجتاحت أوربا خلال الفترة الممتدة من  ( 1918-1920) و قضت على حوالي 50 مليون شخص، سوى القول أنها عقاب سلطه الله عليهم لكثرة معاصيهم. العقاب لا يتعلق بالأوبئة فقط ، بل يشمل الكوارث الطبيعية، والحروب أيضا. لقد ذكر بورس سيلرنيك، أخصائي الأعصاب والأمراض العقلية الفرنسي، أنّ الكولومبين كانوا يشكرون الرب على عقابهم لسوء أعمالهم بعد كل مجزرة تحصد أرواح مواطنيهم. إنها نزعة قدرية تبرّئ الجناة.

                  المالتوسية الجديدة

حاولت بعض الدول أن تستثمر هذه النزعة ، مثل بريطانيا وهولندا قبل أن تتراجعا، والسويد. فدعت إلى سياسة ” مناعة القطيع” من أجل تحقيق الاصطفاء الصحي.  ويتطلب تطبيق هذه السياسة ترك المواطنين يعيشون حياتهم على سجيتهم ، أي دون حجرهم  أو إجبارهم على التقيد بالقواعد المعروفة للوقاية من العدوى. لقد قدر أن كل مصاب بالفيروس يعدي ما يعادل 2.5 من الأشخاص الأصحاء. وهذا يعني أن الوباء سيزول بمجرد أن يصيب 60 % من السكان. كانت ” مناعة القطيع” الحل الوحيد لمواجهة مرض الجدري الذي انتشر في القرون الوسطى، و” الأنفلونزا الإسبانية” في اجتاحت أوروبا في الحرب العالمية الأولى. و كانت حجة أنصار هذه السياسة تتلخص في القول أن العلوم الطبيّة لم تكن متطورة آنذاك، ولم تتوصل البشرية بعد إلى اختراع لقاح ضد الأوبئة. لذا رأت أنه لابد من التضحية  بمن لا يملكون مناعة قوية ويموتون حتّى وإن قدرت نسبتهم بـ 6% من مجمل المصابين. وهذا من أجل انقاذ بقية السكان. لكن ما هو مبرّر هذه السياسة اليوم؟ إنها النيوليبرالية التي أعادت الحياة لفكر توماس مالتوس ( 1766-1834) ، القسيس البريطاني الذي أصبح أستاذ الاقتصاد والذي كان يشكو من أن النمو السكاني يتزايد في الكرة الأرضية بمعدل يفوق معدل نمو المواد الغذائية، مما يؤدي إلى خلّل في النمو. وكان ينتظر من الحروب والأوبئة أن تتدخل لإحداث التوازن المطلوب.

إن المالوتسية الجديدة التي تتطلب انقاذ رأسمال قبل البشر يمكن أن تساعدنا على تفسير سبب ارتفاع نسبة الوفيات من مجمل عدد المصابين في الولايات المتحدة الأمريكية، مقارنة بألمانيا على سبيل المثال. فهذه الأخيرة قامت بفحص منتظم لسكانها من أجل التكفل بالمصابين منهم قبل أن يستشري المرض في أبدانهم. بينما قام ترامب بإلغاء بطاقة التأمين الصحي التي أقرها الرئيس الأمريكي السابق بعد وصوله إلى سد الحكم. قد يقول قائل  وكيف نفسر ارتفاع عدد الأموات في إيطاليا؟ يمكن الإشارة إلى عاملين أساسيين دون إبعاد العامل الاقتصادي. أولهما بيولوجي، ويتمثل في شيخوخة الإيطاليين. فالإحصائيات الرسميّة  تشير إلى أن ايطاليا من الدول الأوربية التي يعيش فيه أكبر عدد من المعمرين. فمعدل  الأعمار فيها بلغ 83.1 سنة. وثانيهما عامل اجتماعي، إذ يُعرف الإيطاليون بحبهم الشديد للحياة الجماعية، واختلاط بعضهم ببعض مما سهل انتقال فيروس الكورونا.

أزمة النيو ليبرالية.

لعل بعض حكام العالم سمعوا ما ردّده الصحافي والكاتب الفرنسي، برنار بيفو متندّرا  على  جائحة الكورونا. لقد قال عنها أنها ذات نزعة معادية للرأسمالية: تحب الذهب فرفعت قيمته بنسبة 8%  في الأسواق العالمية . وتكره رأسمال فألحقت أضرار بليغة بالبورصات العالمية. لذا قرر هؤلاء الحكام محاربة هذه الجائحة بما تكرهه.  فوجهوا عنايتهم الصحية لرأسمال والاقتصاد خوفا من انهياره قبل أن يعتنوا بالبشر!

لقد كشف وباء ” كوفيد 19″ أن النيوليبرالية الجديدة غير إنسانية. لقد دفعت إلى الوقوف ضد تدعيم السياسات الاجتماعية في العديد من بلدان العالم، خاصة في مجال الصحة العامة. فتراجعت الاعتمادات المالية المخصصة لمستشفيات القطاع العام ، وقلصت عدد العاملين فيها.  وها هي اليوم تدفع ثمن سياستها.

يذكرنا كمال بومنير، على لسان الفليسوف الفرنسي لوك فيري، بأن جائحة كورونا تعد مكسبا للكوكب الأرضي! وانتصارا لجمعيات حماية البيئة وأحزابها التي عبرت عن مخاوفها من دمار العالم جراء السياسة النيو ليبرالية التي عقلنت الاقتصاد بشكل مفرط . ودفعت بالإنتاج المادي إلى ذروة الزيادة على حساب الطبيعة. لكن يبدو أن هذه الجمعيات ليست الوحيدة التي تردّد في سرها الكلمة الألمانية: Schadenfreude، والتي  تعني حسب المترجم المذكور “الابتهاج بمصائب الآخرين” لأن الجائحة المذكورة بيّنت أنها كانت على صواب. قد تشاركها في الابتهاج الشركات الصيدلانية العالمية ووكلائها الذين يتعاركون في بلاطوهات التلفزيون وفي صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي كلما بدت بارقة أمل في استعمال دواء جديد رغبة منهم في احتكار العلاج.

الإنسان الأعلى

في هذه الظروف الأليمة يتجلى “الإنسان الأعلى”،  بمفهوم الفيلسوف الألماني نتشه الذي يراه متحرّرا  من الأخلاق والأديان، وحتّى من الفلسفة؛ أي الحكمة، فتنفجر قدراته اللاعقلانية. كيف لا وعدد المؤمنين بالمبدأ الميكيافلي : الغاية تبرّر الوسيلة في تزايد مضطرد؟

 رفع الرئيس الفرنسي شعار ” الانسحاب القومي” وهو يخاطب مواطنيه،  وكأنه كان يردّد ” من بعدي الطوفان” ، وهو القول الفرنسي المنسوب إلى مدام دي بومبادور عشيقة لويس الخامس عشر. يترجم هذا الشعار انطواء الدول على ذاتها في زمن الوباء الكوني. ويبرّر تلكؤ، وربما تقاعس، الاتحاد الأوربي في تقديم الإعانة المالية لإيطاليا وإسبانيا لمواجهة الوباء الذي أصبح يهدّد سكانهما بالفناء.

سقوط الأوهام

لقد اسقطت جائحة كوفيد 19 الكثير من الأوهام، تأتي في مقدمتها فلسفة ” الانسانية المتجاوزة” التي تؤمن بـ ” الخلود الصحي” نتيجة قوة الإنسان على قهر الشيخوخة والمرض. ألم يقل الكاتب وعضو الأكاديمية الفرنسية، أريك أورسينا:  بقدر ما تكون قويا يظهر ضعفك؟ من يشك في صحة هذا القول لينظر إلى وضع الولايات المتحدة، التي لا تحتاج إلى من يثبت قوتها العسكرية والاقتصادية وتفوقها العلمي. ها هو ضعفها يتحدث عنها، وهي تنتظر المساعدات  لمقاومة الجائحة المذكورة.

 وها هي البشرية اليوم تدفع ثمن ايمانها المطلق ” بما بعد الحداثة” التي سيّدت العقل الأداتي/ الوظيفي على حساب العقل التواصلي. وتنكرت لكل السرديات القديمة. ولم تهتم سوى بما هو يومي. ولم نحتف سوى بما هو آني. لكن الزمن “يتجمد” في الحجر الاجبارى الذي يختزل الكون في المنزل. و تلاشت الحياة اليومية وهي تقترب من العدم . فلا مناص من  التساؤل مع الفيلسوف الايطالي، جرجيو أغامبان : كيف أصبح الانسان المعاصر إنسانا عاريًّا وهو يواجه مصيره ، لا يفكر سوى في وجوده البيولوجي؟ يروم البقاء فقط متنازلا عن شروط حياته الطبيعية: أهله، وأصدقائه ، وحياته الاجتماعية وهواياته، وعمله، وطقوسه الحياتية خوفا من الإصابة بالمرض؟ إنسان يعيش في مجتمع الطوارئ! هل يمكن  للمجتمع الذي يعيش حالة الطوارئ الدائمة  أن يكون حرا؟

يتساءل الفيلسوف السلوفيني، سلافوي جيجك، المثير للجدل: ماذا لو كانت ” وهان الصينية” مستقبلنا في عالم متشابك ومترابط؟ سؤال يطمح منظرو إيديولوجياالاتصال أن يتحقق عبر احتفائهم في كتابتهم بالإنسان المعاصر الذي يختزل عالمه في مسكنه. ولا يغادره إلا لماما: يشتغل عن بعد؛ أي في بيته. ويشارك في الاجتماعات والمؤتمرات دون أن يبرح مكانه. ويدفع فاتوراته عبر شبكة الانترنت، ويتسوق الكترونيا، ويقرأ الصحف ويشاهد الأفلام ويتواصل دون أن يغادر منزله. إنسان يُحجر برضاه دون تململ أو امتعاض.  يقول عالم الاجتماعي الفرنسي، ” ألان توران “، عن هذا المستقبل أنه يمثل نهاية المجتمعات.

              أي مستقبل؟

يحاول بعض الكتاب والاقتصاديين والسياسيين قراءة المستقبل من موقع اختصاصهم : ماذا بعد جائحة كوفيد 19 ؟  يتفقون على القول أنها تعيد ترتيب العالم الذي سيتغير لا محالة. ويتنبئون بزوال الأحادية القطبية بتراجع الولايات المتحدة الأمريكية ، وتفكك الاتحاد الأوربي، وانهيار الاقتصاد العالمي، وصعود الصين كقوة عالمية رائدة بعد انكسار النيوليبرالية. وأن الناجي من هذه الجائحة  سيكون مختلفا عما كان عليه قبل أخر شهر من السنة الماضية. هل هناك مبالغة في هذا الاتفاق؟ بعض التنبؤات استخلصت من دروس الماضي. ففي هذا الصدد يقول جاك أتالي، مستشار الرئيس الفرنسي السابق ميتران: أن كل جائحة تصيب البشرية تنتج نظاما خاصا بها من المعتقدات والرقابة. لقد أنتهى وباء الطاعون في القرن الرابع عشر بتجريد الكنسية من سلطتها السياسية والروحية لعجزها عن الحفاظ على صحة الناس. فحلّ الشرطي، الذي ينتمي إلى القوة الفاعلة في حماية حياة البشر والحفاظ على صحتهم، محلّ الكاهن. وحلّ الطبيب، الذي يتمتع بكفاءة علمية في الحفاظ على حياة الناس، محلّ الشرطي في نهاية القرن الثامن عشر.  وانتهى إلى قول ما يلي: ” إذا عجزت السلطات في البلدان الغربية عن التحكم في هذه المأساة البشرية  سيُطْعن في نظامها السياسي. وستكون أسسه الأيديولوجية وسلطته موضع تشكيك . وسيحل محلة نموذج يقوم على الثقة. ويستند إلى منظومة قيمية أخرى، بعد أن تجتاز البشرية فترة قاتمة.

رغم الخوف من الفترة القاتمة التي تحدث عنها جاك أتالي إلا أن الإنسان متفائل بطبعه رغم المآسي. هذا ما يقوله الروائي “ألبير كامي” في رواية الطاعون: « ما نتعلمه في خضم الكوارث هو أن لدى البشر من الأشياء ما يستحق الإعجاب أكثر مما لديهم مما يثير الاشمئزاز».

لكن ما يثير الاشمئزاز في محنة البشرية مع ” كوفيد 19″؟  إنه الاقتراح الذي تقدم به طبيبان فرنسيان عبر قناة  تلفزيونية فرنسية، والمتمثل في تجريب المصل المضاد لفيروس كورونا الذي يُخترع مستقبلا على الأفارقة قبل تلقيح الأوربيين به ! لقد فاق هذا الاقتراح ذاك التصريح الذي دعا فيه رئيس وزراء بريطانيا مواطنيه إلى وداع آبائهم وأجدادهم! فوباء كوفيد 19 يختار ضحاياه من كبار السن.

ربما ستتغير الكثير من الأشياء بعد أن تتغلب البشرية مجتمعة على هذه الجائحة ونتمنى أن يكون ذلك في أقرب وقت. لكن هل سيتم القضاء على الأنانية والجشع والعنصرية بمختلف أشكالها؟

هل يمكن التحرر من غوغل؟

                                                         نصر الدين لعياضي

هل يمكن التحرر من غوغل ؟ القليل من يطرح هذا السؤال، لكن الصحافية ” كاشمير هيل” الخبيرة  في التكنولوجيا الرقميّة التي التحقت بالعمل في صحيفة نيويورك في السنة الماضية لم تكتف بطرحه بل خاضت التجربة فعلا. لقد حاولت العيش دون الاستعانة بخدمات  شركات “غافا”، التي تختصر بالحروف الأولى للشركات الأربعة المسيطرة   على شبكة الانترنت، وهي: غوغل، وآبل، وفيسبوك، وأمازون. فاستغنت طيلة كل أسبوع عن خدمات كل شركة تباعا. لقد ارتأت خوض هذه التجربة بعد أن نشرت سلسة من المقالات المقلقة عن التغيرات التي أدخلتها التكنولوجيا الرقمية على حياتنا الخاصة استخلصتها من تجربتها الشخصيّة. إذ يذكر أنها حَوَّلت منزلها إلى بيت ذكي. ورصدت ما يرسله من بيانات ومعلومات شخصيّة.

لكن ” فرامسوفت”  Framasoft، وهي إحدى الجمعيات الفرنسيّة الناشطة في مجال التكنولوجيا الرقمية، حَوَّلت السؤال المذكور إلى الشعار التالي: ” لنحرّر الانترنت من سلطة غوغول”. فهل استطاعت أن تفعل ذلك؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال يتوجب التعريف بهذه الجمعية وانجازاتها والدواعي التي دفعتها إلى رفع التحدي المتمثل في الاستغناء عن غوغل في استخدام شبكة الانترنت.

انطلقت هذه الجمعية على يد “كارولين أتابكيان”، أستاذة اللغة الفرنسيّة، و”ألكسيس كوفمان” أستاذ الرياضيات في مدرسة بالضاحية الباريسيّة. لقد أطلقا في نهاية تسعينات القرن الماضي مشروعا تعليميّا أسماه ” فرمنات”، وهو اختصار للحروف الأولى للكلمات اللاتنية ” لغة فرنسية، رياضيات. وأضافا لها عبارة  نت اختصارا لكلمة ” أنترانت” “intraNET”، أي الشبكة الداخلية، لأن مشروعهما تجسد عبرها.     وتضمن هذا المشروع جزءا يتعلق بجرد كامل لبرامج الكمبيوتر الحرة، أي المجانية، التي تشتغل وفق نظام “ويندوز” التي يحتاجها الأساتذة لتطوير كفاءتهم وتحسين أداءهم.

                                                               البداية

لقد انطلق هذا المشروع من مبدأ الاعتراض على دفع المقابل المالي جراء استخدام بعض برامج الكمبيوتر. واستند في ذلك إلى الرياضيات إذ لم يتصور أصحابه تطور الهندسة لو اشْتُرط من كل مستخدم لنظرية فيثاغورس دفع ثمن استخدامه لها. فوجدوا في برامج الانترنت الحرة ضالتهما.

تحوّلت هذه الجمعية إلى ” فرماسوفت” في 2004 بعد أن تعززت قناعة أصحابها وأدركوا بأن الرهان في العالم الرقمي لا ينحصر في دفع مقابل مالي جراء استخدام برامج الكمبيوتر وشبكة الانترنت، بل يشمل أيضا الطابع المركزي لشبكة الانترنت الذي يسمح باستغلال بيانات ومعلومات مستخدميها لأغراض تجارية وأخرى مشبوهة. فوضعت هذه الجمعية نصب أعينها هدفا كبيرا يتمثل في إنشاء خدمات بديلة ومساوية لتلك التي تقدمها شركات ” غافا”؛ أي خدمات مجانية، وغير مركزية، وصائنة لحياة مستخدميها الشخصية. لذا سعت هذه الجمعية منذ إنشائها إلى الامتناع عن تجميع البيانات الشخصية عن مستخدمي برامجها الخاصة، والحد من تبعيتهم إلى الشركات الكبرى المسيطرة على ” الواب”.

إن التصدي لشركات ” غافا” يمثل تحديًّا كبيرا إن لم يكن ضربا من جنون جمعية متواضعة الإمكانيات. إنها تتكون من 35 عضوا متناثرين في المدن والقرى الفرنسية، منهم تسعة فقط موظفين مقابل أجر دائم والبقية متطوعين. ومواجهة الشركات المذكورة ليس بالأمر الهين لأن سيطرتها التقنيّة تتعدى نطاق شبكة الانترنت وتمتد إلى الذكاء الاصطناعي، والسيارات الذكيّة، والهواتف، وربط الأشياء المادية بشبكة الانترنت. وسيطرتها التقنيّة مستمدة من سطوتها الاقتصاديّة. ولتوضيح هذه السطوة يمكن الإشارة إلى أن شركة ” مايكروسفت” كانت الوحيدة التي تنتمي إلى الشركات الخمس المالكة لأكبر رأسمال في السوق العالمية في السنة 2001، وبعد 15 سنة، أي في السنة 2016 ، أصبحت الشركات الخمس المسيطرة على رأسمال السوق العالمية هي: آبل، ألفابي: الشركة المالكة لغوغل، و مايكروسفت ، وأمازون، والفيسبوك. هذا إضافة إلى سيطرة هاته الشركات على الصعيد السياسي والثقافي والتي توجت بما أصبح يعرف بــ ” ما بعد الرأسمالية” التي تقوم على ما أسمه العالم الاقتصادي الأمريكي، شوشانا زيبوف، بــ ” رأسمال المراقبة” الذي يكشف عن الدور الاقتصادي المتنامي لأشكال مراقبة السكان في تزايد تراكم رأسمال في مختلف القطاعات. فبعض المصادر تشير إلى أن جمع البيانات الشخصية حقق للولايات المتحدة الأمريكية رقم أعمال قدر بــ 200 مليار دولار أمريكي في السنة 2013 ؛ أي ما يعادل ثلاثة أضعاف المبلغ الذي تمنحه لمختلف أجهزتها الأمنية!

يقرّ مسؤول جمعية ” فرامسوفت” أن ما نقوم به يعد تحديا فعلا لكنه ليس جنونا بكل تأكيد. فعندما رفعت شعار ” لنحرر شبكة الانترنت من غوغل ” كانت بمثابة من يريد تسلق جبل الهيملايا بخُفّ مطاطي. لكنها رفعت التحدي لأنها تؤمن بأنه حتّى وإن كان احتمال الانهزام في المعركة كبيرا يجب خوضها. وبيّنت جمعية ” فرامسوفت” المتواضعة أنها تستطيع أن تتحرّر من خدمات بريد غوغل السريع ” جيميل” Gmail، ومحرك غوغل الذي يحلّل المواقع الإلكترونيّة في شبكة الانترنت، ” غوغل أنالتيكس” ، ووكالة غوغل الإشهارية ، وغيرها من البرامج وملحقات شركة ” ألفابي” المالكة لغوغل.

                                                               المنجزات

استطاعت شركة ” فرامسوفت” أن تبتكر وتطور 37 برنامجا وخدمة في مجال الأنترنت خلال  السنوات الخمس الأخيرة من وجودها، اشترك فيها حوالي 600 ألف شخص كل شهر. فسمحت لهم بالاستغناء عن خدمات شركة “ألفابي”. ويمكن أن نذكر منها على سبيل المثال، وليس الحصر، ” تنتون روجي” Tonton Roger،  وهو محرك بحث بديل عن محركات البحث الثلاثة في آن واحد: غوغل، وياهو، وبنغ   Bing. وفرامادرايف” Framadrive ” عوضا عن برنامج ” دروببوكس” ” Dropbox”، وهو برنامج يخزن الملفات في شبكة الانترنت ويقوم باقتسامها بين مستخدميه. و” فرامابوكين” ، وهو البرنامج التي ابتكرته الجمعية المذكورة ليكون بديلا عن “غوغل بوكس” ينشر صفحات وفصول كاملة من الكتب. ويتيح لمستخدمه من تصفحها فقط. و”فرماكارت” وهي البديل المقترح لبرنامج غوغل مابس، أي المحرك المختص في الخرائط. و” فرامابيك” Framapic   المختص في تبادل الصور. وفرماباد FramaPad الذي يعرض 200 ألف ملف مكتوب للتداول ليكون بديلا عن برنامج غوغل دوكس Google Docs ، وفراماسفير” Framasphère ، المنصة الرقمية للتواصل الاجتماعي تجمع بين خدمات موقعي الفيسبوك وتويتر لتكون بديلا عنهما. للإشارة لقد بلغ عدد مستخدمي هذه المنصة قبل سنتين 32 ألف مستخدما. وغيرها من البرامج والمنصات.

قد يقول البعض أن عدد المشتركين في منصات جمعية ” ” فرماسوفت”  ومستخدمي برامجها وأدوات بحثها لازال متواضعا ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينافس الشركة المالكة لغوغل ، ناهيك عن بقية شركات ” غافا”.

                البديل ممكن

اعترف “كريستوف ماسوتي”، رئيس الجمعية المذكورة السابق، بهذه الحقيقة. وأكد بأن غاية جمعيته ليس الاستحواذ على أكبر عدد من مستخدمي شبكة الانترنت، بل تقديم الحجة بأن التحرّر من غوغل ممكن جدا. فطموح جمعيته ليس احتلال مكانة شركات  الـ ” غافا”، بل تقديم بديل ملموس عنها، والبرهان على أن سيطرتها التقنيّة والاقتصاديّة والثقافيّة ليست حتميّة وأزلية. وأن هناك حلولا أخرى للانفلات من الخضوع لمعيارية القرية العالمية التي يسيطر عليها الأمريكيون.

يتفق الناشطون في جمعية ” ” فرماسوفت” على القول أنهم لا ينافسون غوغل. فمنافسته تعني الانسياق لاستنساخ نموذجه وفق مبادئه، بينما يقوم مشروعهم على فلسفة مغايرة تقنيا واقتصاديا . فبرنامج ” بيرتيوب” PeerTube ، على سبيل المثال، الذي يشبه إلى حد كبير المنصات المعروفة في مجال بث الفيديوهات، والذي طورته الجمعية المذكورة يقدم تصورا مختلفا لشبكة الانترنت: شبكة غير مركزية ولا يراقبها سوى مستخدموها. فميزة هذا البرنامج أنه يستند إلى نموج ” الند للند” الذي يعني أن المستخدم يمكن أن يتحوّل إلى خادم، ويأوي شرائط الفيديو ويوزعها على نظرائه. ويسمح طابعه غير المركزي لكل مستخدم بمشاهدة شرائط الفيديو وحتّى تحمّيلها دون أن يشكو من التباطؤ المعهود الذي يلاحظه مستخدمو المنصات المشابهة عندما يتزايد عددهم أثناء مشاهدة إحدى فيديوهاتها في الوقت ذاته. ولا يعاني برنامج ” بيرتيوب” من العطل مثلما يحدث لخوادم منافسيه التقليديين: ” يوتيوب” ودلي موشن”.  هذا إضافة إلى أن محتوى ما يبثه يدار من قبل أصحاب المواقع، ولا تتحكم فيه الشركات الرقمية الكبرى.

يؤكد رئيس جمعية ” فرماسوفت”  أن البيانات الشخصية لمستخدمي برامجها ومنصاتها لا تُجَمع ولا تُباع وذلك لأن اقتصادها لا يقوم على الإعلان، بل يستند إلى العطاء والهبات. لقد قفز مبلغ هذه الهبات من 150 ألف يورو في 2013 إلى 415 ألف يورو في 2017  قدمها خمسة ألاف شخص منهم ألف شخص تعودوا على تقديم هبات مالية منتظمة كل شهر.

لم تسع الجمعية المذكورة إلى طلب الإعانة من الحكومات الفرنسية المتعاقبة وذلك حفاظا على استقلالها، وخوفا من الضغط عليها ودفعها إلى تجميع المعلومات الشخصية عن مستخدميها لتوظف لأغراض مختلفة. ولم تمارس الحكومات الفرنسية أي ضغط على هذه الجمعية وغيرها من الجمعيات الناشطة في مجال اختراع برامج الكمبيوتر والانترنت الحرة لأنها بحاجة ماسة إلى مثل هذه الجمعيات حتّى تُحرّر جزئيا بعض مؤسساتها من التبعية لشركات الــ ” غافا” من جهة، ومن أجل تعزيز قدراتها على التفاوض مع ممثلي هذه الشركات من أجل الحصول على خدماتها بكلفة أقل وبشروط معقولة، من جهة أخرى، مثلما فعلت وزيرة التعليم السابقة، نجاة فالو بلقاسم، في تعاقدها مع شركة “مايكروسفت” في نوفمبر 2015,

إن ما حققته هذه الجمعية من نجاح بفضل الناشطين في حقل برامج شبكة الانترنت الحرة، أدى إلى تزايد المبادرات في بعض البلدان الأوربية على حذت حذوها، مثل  أرضية ” أكس نت” X-net  التي تجمع كل الأنشطة الرامية إلى توفير العدّة التي يمكن أن تسهم في تحرير شبكة الانترنت من غوغل في إسبانيا. ومنصتي “ويهو.أست” Weho.st  و ” ويستروت” Disroot في هولاندا، ومنصة ألمند. أي أو” Allmende.io في ألمانيا.

الانترنت السيادية

لم تتبن روسيا الاستراتيجية الفرنسية مع شركات “غافا”، بل سعت إلى تجسيد رؤيتها لما اسمته شبكة الانترنت السيادية بموجب القانون الذي دخل حيز التنفيذ في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. لقد اتجهت إلى تأسيس بنيتها القاعديّة التقنيّة المستقلة التي تسمح لها بعزل شبكة الانترنت المنتشرة في الأراضي الروسيّة عن الخوادم العالمية الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوربيّة. وبهذا الفصل تضمن روسيا استمرارية استخدام الانترنت في حالة الإعلان عن حصارها أو تعرضها لحرب إلكترونيّة عالميّة أو عندما تصاب الخوادم العالمية بعطب نتيجة زلزال أو حرب تجبرها على التوقف عن الخدمة.

طمأن ” ايفغني نوفيكوف”، الناطق الرسمي باسم وزارة الاتصالات الروسيّة، مستخدمي شبكة الانترنت في روسيا قائلا بأن التغيير الجاري في البنية التقنيّة الناقلة لخدماتها لا يؤثر على استخدامها لها، بل لا يشعرون به أصلا. لكن بعضهم لازال يخشى استغلال هذه الاستراتيجيا لممارسة الرقابة على شبكة الانترنت. إذ يعتقدون أن القاعدة التقنيّة المستخدمة تسمح للسلطات الروسيّة بتحليل البيانات المتدفقة عبر الخوادم الروسيّة والموجهة إلى المواقع والمنصات الإلكترونيّة المختلفة وغربلتها. وهذا ما حدا بالرئيس الأمريكي ” فيلادمير بوتين” إلى التأكيد على عدم وجود أي تناقض بين وجود شبكة ” انترنت مسؤولة وحرة” في الوقت ذاته، في مؤتمره الصحفي السنوي الذي عقده في نهاية السنة المنصرمة.

ما سبق قوله لا يعني أن روسيا لم تسع إلى إنشاء مواقع للتواصل الاجتماعي ” وطنية”. لقد أنشأت موقع ” أودنولاسنيك ” Odnoklassnik ، ويعني ” زملاء الدراسة”، و ” موقعا أخر اختير له اسم مختصر من حرفين : “في ك” VK  ويُترجم بــ ” التواصل” في 2006. ويُعد هذا الأخير أكثر استخدما في روسيا حيث  قدر عدد مستخدميه بــأكثر من 276 مليون مستخدما. ويحتل المرتبة الأولى في بلاروسيا والمرتبة الثالثة في كزاخستان. لقد صمم على شكل موقع ” الفيسبوك”. وفي يونيو 2015 أنشأ خدمة خاصة بتقاسم الصور أطلق عليها مسمى ” سنابستر” Snapster ” يمكن تحمّيلها على هواتف ” آبل الذكية” وأنظمة أندرويد.    

إستراتيجيا مغايرة

لم تحذو الصين حذو روسيا وتسعى إلى بناء شبكة انترنت سيادية لمحدودية قدرتها التكنولوجيا القاعدية. لكنها عملت على تطوير قدراتها في مجال تطبيقات الكمبيوتر وبرامج شبكة الانترنت مما رشحها لتكون رائدة عالميا في مجال التجارة الرقمية، والدفع عن طريق الهاتف الذكي، ومواقع التواصل الاجتماعي. لقد أصبحت الشركات الصينية الكبرى المهيمنة على الاقتصاد الرقمي التي يرمز لها بحروفها الأولى: باتكس ” BATX” ، وهي “بايديو ” Baiduو” علي بابا” Alibaba و”تنسنتTencentو”إكينيوميXiaomi ” تهدّد عرش شركات “غافا” الأمريكيّة.

تُعدّ الصين البلد الأكثر تشبيكا بالانترنت، حيث بلغ عدد مستخدميها 854 مليون مشتركا في شهر أغسطس الماضي، متقدمة بذلك على الولايات المتحدة الأمريكية التي يبلغ عدد مستخدميها 300 مليون مستخدما. وقد شجعها هذا الوضع على تطوير مواقع تواصلها الاجتماعي. فالمنصة الرقمية الصينية المسماة ” توتياو” Toutiao” ومعناها ” عنوان اليوم” التي أنشأت في 2012  لتحاكي موقع ” غوغل نيوز” تفوقت عليه. إذ أصبحت تقدم الأخبار وشرائط الفيديو وفق حاجيات ورغبات مستخدميها الذين بلغ عددهم 120 مليون مستخدما نشيطا يوميا يقضون ما معدله 74 دقيقة في اليوم. وتجمع 1.2 مليونا مُنْتِجا للمحتوى: وسائل الإعلام التقليديّة، ووكالات حكوميّة، ومؤسسات اقتصادية وثقافية، وحتّى المشاهير والمؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي.

ولم تستطع شركة ” يوبر” « Uber » الأمريكيّة منافسة نظيرتها الصينيّة ” ديدي” التي صُمّمت على منوالها لنقل الزبائن في سيارات خاصة، إذ تنازلت على نشاطها في الصين مقابل 20 % من رأسمالها. ووسعت ” ديدي” نشاطها خارج الصين لتقدم خدمات أخرى عبر موقعها في شبكة الانترنت: تأجير السيارات، توفير سيارات كهربائية مع سائق، تأجير الدراجات الهوائية، توصيل الوجبات الغذائية إلى الزبائن.  لقد تغلبت على الشركات المشابهة في الهند، وأزاحت مثيلتها في سنغافورة، وإستونيا ، والبرازيل، وأخيرا وصلت إلى السوق المكسيكية.

هذا ناهيك عن بقية مواقع التواصل الاجتماعي، مثل ” تيك توك” الصيني الذي غزا المراهقين في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوربية.

أخيرا، هل يمكن القول أن نبوءة المدير السابق لشركة غوغل، ” ايرك شميت، في طريقها للتحقق. لقد تنبأ  بأن الانترنت ستُقسم إلى قسمين، قسم للولايات المتحدة والأخر للصين. هذا بعد أن لاحظ أن نموذج الانترنت الصيني أصبح أكثر شعبية في العالم.

التغريد في مملكة التلفزيون.

نصر الدين لعياضي

يأخذ موقع شبكة تويتر النصيب الأوفر من الحديث عن التلفزيون الاجتماعي أو التلفزيون التشاركي مثلما يسميه الناطقون باللغة الفرنسيّة. والسبب في ذلك لا يعود للمصداقية التي يتمتع بها هذا الموقع في أوساط الصحافيين وممتهني الإعلام وميلهم إلى اعتماده كمصدر إعلامي فحسب، بل لكونه أيضا من أنشط  مواقع التواصل الاجتماعي التي منحت للتلفزيون بعده التشاركي، وأثرت تجربة المشاهدين التلفزيونيّة.

لقد بدأت القوات التلفزيونية تستعين بالتغريدات في برامجها التلفزيونية بدءا من 2012، والسبب في ذلك لا يعود إلى تزايد عدد مستخدمي هذا الموقع لأن موقع الفيسبوك، على سبيل المثال، يتفوق عليه في هذا المجال ، بل لأن نصيب التلفزيون من المضامين التي تتداولها التغريدات ما انفك يتزايد. لقد قدر بعض المختصين بأن 50% من التغريدات التي أرسلها مستخدمو موقع شبكة تويتر الفرنسيون في السنة المذكورة أعلاه كانت ذات صلة ببرنامج من برامج التلفزيون: موضوعه،  مذيعيه وضيوفه. وقدّر المركز الفرسي لقياس المشاهدة التلفزيونيّة أن عدد التغريدات التي أرسلت إلى البرامج  التي بثها التلفزيون الفرنسي في السنة 2015  بلغ 70 مليون تغريدة!  رقم رهيب أليس كذلك؟

التنافس

مكنّت هذه التغريدات التلفزيون الفرنسي من تحقيق أمنيته الغالية والمتمثلة في الالتحاق بركب القنوات التلفزيونيّة الأمريكيّة. فالبرنامج المسمى بــ ” لي برول أي لي زاكت” Les paroles et les actes ،” الأقوال والأفعال”، الذي كانت تبثه قناته الثانية خلال الفترة الممتدة من 23 يونيو 2011 إلى 26 مايو 2016 “، تلقى حوالى 40063 تغريدة في إحدى حلقاته  حسب مؤسسة ميزاغراف ” Mesagraph”، شريكة التلفزيون الفرنسي في مجال قياس استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.

إن البرنامج التلفزيوني المذكور سياسي بامتياز، يستضيف شخصية سياسية بارزة في حوار يدوم ساعتين ونصف، يشارك فيه صحافيون من مختلف وسائل الإعلام الفرنسية ونشطاء في المجتمع المدني واخصائيون في مجالات مختلفة: الاقتصاد، التجارة، الزراعة، السكن، الصحة، العمل والتشغيل، الهجرة، الطاقة، وغيرها من المجالات.

إن العدد الأسبوعي للتغريدات التي ترسل إلى حساب هذا البرنامج في الفيسبوك يقترب من البرامج السّياسيّة الكبرى التي يبثّها التلفزيون الأمريكي، مثل البرنامج الشهير”  Meet the press ” ميت ذو برس” ” في لقاء الصحافة” الذي شرعت قناة ” أن بي سي” “NBC “ في بثه في 1947 والذي يتلقى 109717 تغريدة. وبرنامج “” “Fox News Sunday  فوكس نيوز ساندي” ” أخبار الأحد في فوكس نيوز” الذي شرعت في بثّه في 1996، والذي يتلقى 51940 تغريدة . وبرنامج Al Punto” “ البانتو” أي ” في آنه” الذي تبثهّ قناة ” أي بي سي” ABC للمشاهدين المنحدرين من جنوب القارة الأمريكيّة والذي يحظي بـ 41336 تغريدة.

لقد كانت القنوات التلفزيونيّة تتنافس لكسب أكبر عدد من المشاهدين. وهاهي رقعة المنافسة تتسع اليوم لتشمل عدد التغريدات التي تحصل عليها برامجها!  

قد يلاحظ القارئ الكريم أن هذه البرامج المذكورة كلها سياسيّة وبدأت تنافس برامج الرياضة وبرنامج تلفزيون الواقع، مثل “ستار أكاديمي” في عدد التغريدات! حيث لم يتجاوز عددها في أي برنامج من البرنامجين 20 مليون تغريدة طيلة السنة!

تعدّد الشاشات

يشترط التلفزيون الاجتماعي من المغرد أن يمتلك شاشتين على الأقل، شاشة التلفزيون التي يتابع عبرها البرنامج التلفزيوني وشاشة أخرى: لوح إلكتروني أو هاتف ذكي ليرسل عبر أحديهما تغريداته في شكل نص، لا يزيد عن 280 علامة بعد أن كان يقتصر على 140 علامة، أو صور أو فيديوهات أو روابط إلكترونية. فتظهر التغريدة في أسفل شاشة التلفزيون لبرهة لا تزيد عن اثنى عشرة ثانية.  ويمكن لأي مغرد أن يضع ” hashtag  ” هاشتاغ”، أي الوسم، الذي يعمل على توحيد التغريدات في محور أو في عبارة واحدة. ويعتبر هذا الوسم ككلمة مفتاحية ذات صلة بعنوان البرنامج التلفزيوني أو الموضوع الذي يطرحه للنقاش مما يسمح للمغردين بمتابعة الحوار على موقع شبكة تويتر والتعليق على ما جاء في البرنامج.

من المنطقي، بل من الضروري ألا ينشر أي برنامج تلفزيوني كل التغريدات التي تصله حتّى وإن كان في استطاعته فعل ذلك. فإن فعل فإنه يُدفن في سيل التغريدات ويُطمس. فالبرنامج التلفزيونيّ الفرنسيّ المذكور أعلاه لا يبث سوى حوالى 60 تغريدة  من بين ملايين التغريدات التي تصله عبر هاشتاغ ” وسمه”، حسب الباحث حسان عطيفي من جامعة التكنولوجيا بـمدينة ” تروا” Troyes الفرنسية. يتولى سبعة أشخاص مهمة انتقاء التغريدات التي تعتبر مهمة لعرضها على رئيسي التحرير للنظر في إمكانية بثّها عبر الشاشة عندما يتطرق البرنامج التلفزيوني إلى المحور الذي تثيره. وقد تساءل الكاتب ذاته عن معايير انتقاء التغريدات ملمحا إلى أنها تبطل الحديث عن موت حارس البوابة الإعلامية الذي راج بعد تزايد استخدام شبكة الانترنت وتدفق الأخبار في شرايينها. إنه الحديث الذي لم يأخذ في الحساب عملية تملّك وسائل الإعلام التّقليديّة لمنصات التواصل الاجتماعي.

                                                    انتقاء

استنتج الباحث حسان عطيفي جملة من القواعد التي يسترشد بها رئيسا تحرير البرنامج المذكور في عملية اختيار التغريدة التي تظهر على شاشة التلفزيون. منها على وجه التحديد اختيار عينة تمثيلية من التغريدات مع الحفاظ على التوازن في اتجاهاتها، أي عدم نشر التغريدات التي تعارض فقط الضيف أو تخالف رأيه، والامتناع عن نشر التغريدات التي تقدح أو تسبّ الضيف أو أحد المشاركين في الحوار. وكذا التغريدات التي تكون عبارة عن وصلات إلكترونيّة لصفحات ومواقع في شبكة الانترنت أو اقتباس ما قاله الضيف في البرنامج.  هذا إضافة إلى الأخذ بعين الاعتبار الإكراهات التقنيّة، أي نشر التغريدات وفق فاصل زمني محدّد، وعدم إبراز التغريدة في الشاشة بطريقة تغطي وجه ضيف البرنامج.

أحدث اقحام التغريدات في متن البرامج التلفزيونيّة تغييرا في طريقة عمل التلفزيون وفي عقد الاتصال الضمني الذي يجمع مذيع البرنامج التلفزيوني وجمهوره وضيفه. فالتغريدات التي تظهر على شاشة التلفزيون يشاهدها مذيع البرنامج ويتابعها المشاهدون ولا يطلع عليها المشاركون في الحوار ولا الضيف رغم أنها موجهة إلى هذا الأخير! ويكتفي المذيع بقراءتها ويطلب من ضيفه التعليق عليها أو الرد على أصحابها. إن هذه الطريقة المتبعة في نشر التغريدات تنتج شكلا من التواصل غير المتكافئ إن صح التعبير. فالمغردون يعرفون الضيف الذي قدمه المذيع في بداية بث البرنامج ويطلعون على مساره المهني وربما الاجتماعي. وفي المقابل لا يعرف هذا الضيف أي شيء عن هوية الذين تنشر تغريداتهم. وهذا خلافا للاتصال الهاتفي في البرامج الإذاعية والتلفزيونية التي كان التواصل فيها مع الجمهور يتم عبر الهاتف، حيث يطلب المذيع من المتصل ذكر اسمه، والمنطقة التي يتصل منها، ومهنته في بعض الأحيان، وحتى سنه إن اقتضت الضرورة. إن حرمان الضيف والمشاركين من متابعة التغريدات التي تبثّ عبر الشاشة يضعف مبدأ التفاعلية التي هلّل لها الكثيرون منذ عقدين من الزمن. وذلك لأنها تظل محصورة بين مستخدمي موقع شبكة تويتر، ولا تسجل حضورا قويًّا في الشاشة. لذا لم يتردّد الباحث حسن عطيفي عن وصفها بالتفاعلية المخادعة! إذا ما الجدوى من نشر التغريدات في برامج التلفزيون؟

                                                          الإجابة

تختلف الإجابة عن هذا السؤال باختلاف مسارات المجيبين. فمدير قسم التلفزيون في مؤسسة قياس المشاهدة ” ميديا متري” Médiamétrie “، جوليان روسفالون، يرى أن القنوات التلفزيونيّة مهتمة برفع عدد مشاهديها. لذا تشجعهم على الانخراط في الحديث الرقمي عن البرامج التلفزيونيّة. ويرى نائب مدير الطبعات الإلكترونية في مؤسسة التلفزيون الفرنسي، من جهته: ( أن التغريد عبر شاشة التلفزيون يعدّ وسيلة من أجل تعويد الجمهور وجرّه إلى الحفاظ على صلته بالبرنامج التلفزيوني قبل بثّه، وفي أثناء بثّه، وبعد نهاية إرساله. فالتغريدة التي تبثّ عبر شاشة التلفزيون تولد جملة من التعليقات والتعقيبات بين مستخدمي شبكة الانترنت.)

إن التغريدات التي تبث في البرامج التلفزيونيّة  تؤكد على التناغم والتكامل بين خطاب البرنامج التلفزيوني وخطاب جزء من مشاهديه. وتدعو إلى التفكير في المنطق الذي يجعل ” الخطاب الخاص”، الذي تتضمنه تغريدات بعض المغردين، ينفذ إلى شاشة التلفزيون وينتشر في الفضاء العمومي.

يعتقد الكثير من الباحثين أن توظيف القنوات التلفزيونية لمواقع التواصل الاجتماعي، وشبكة تويتر تحديدا يندرج ضمن المسار الذي سلكه التلفزيون منذ مطلع تسعينات القرن الماضي. والذي دُشن ببرامج الحوار الاستعراضي ” Talk show ” وتلفزيون الواقع الذي أعطى الحق في الكلام للأشخاص العاديين والمغمورين، أي من عامة الناس الذين يأتون إلى الأستوديو لتقديم شهاداتهم العفوية على واقعهم المعيش.

ويعتقد البعض أن ” التغريد في مملكة التلفزيون” يندرج ضمن التحول العام الذي يشهده قطاع الإعلام والثقافة والتعليم، والذي يستند إلى فكرة التشارك في الإنتاج، وتقاسم المنتج، وتطبيق الذكاء الجماعي، كما هو مجسد في موسوعة ” ويكيبيديا” على سبيل المثال. وفي هذا التحوّل تغيرت مكانة الجمهور في المعادلة الإعلامية، إذ انتقل من جمهور مستهلك إلى جمهور مواطن. ومع تملك وسائل الإعلام التّقليديّة لمواقع التواصل الاجتماعي ظهر الجمهور الشاهد، والمناضل، والقاضي والمحلّل.

الإشهار السياسي: صداع الدول المزمن

                                                        نصر الدين لعياضي

هل أصبحت دول الاتحاد الأوروبي الثماني والعشرون تعاني من صداع مزمن اسمه الإشهار السياسي في مواقع التواصل الاجتماعي؟ يبدو أنها لم تقتنع بالإجراءات المتخذة للحدّ من الإشهار السياسي في مواقع التواصل الاجتماعي بعد النداء العاجل الذي وجهته إلى المؤسسات الرقميّة الكبرى، وتحديدا إلى شركة الفيسبوك، وتويتر، وغوغل، قبل أربعة أشهر من انتخاب أعضاء البرلمان الأوروبي. لقد أدركت لجنة هذا الاتحاد أن هذا الإشهار أصبح يشكل خطرا على الناخب الأوربي بسبب مواقع التواصل الاجتماعي، بل يمكن أن يهدّد مالكي سلطة القرار في البلدان الأوربية. كيف لا وهى ترى أن آثار الإشهار السياسي الذي نشرته مواقع التواصل الاجتماعي لم تقف عند تخويف الناخب البريطاني، وحثّه على للتصويت لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوربي في الاستفتاء الذي جرى  في 23 يونيو 2016. لقد قدرت الشركة الأمريكية المختصة في مجال الإعلام والانترنت، “بزفيد” Buzzfeed، أن القوى السّياسيّة المتصارعة في بريطانيا صرفت 1.1 مليون يورو على الإشهار السياسي الموجه للمواطنين البريطانيين قصد إرسال رسائل لنوابهم يطالبونهم فيها برفض المشروع الذي تقدمت به رئيسة الوزراء السابقة ، ” تيريزا ماي” قبل أيام قلائل من التصويت عليه  يوم 15 يناير 2019. التصويت الذي انتهى باستبعاد المشروع المذكور واستقالة الحكومة. وصرفت القوى السّياسيّة المطالبة بإعادة الاستفتاء على القانون المتعلق انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوربي 250 ألف دولار على الإشهار السياسي عبر موقع الفيسبوك وحده! ربما ما يقلق أكثر في الإشهار السياسي ليس المبالغ المالية الضخمة التي صرفت من أجله، بل أن قسطا كبيرا من هذا الإشهار كان مجهول المصدر! ومن المتوقع أن  يتكرّر هذا السيناريو في بريطانيا في المستقبل إذا علمنا أن قسطا كبيرا من الإشهار السياسي الذي استهدف الناخبين البريطانيين  في حملة الاستفتاء على الانسحاب من الاتحاد الأوربي- البركسيت في يونيو 2016 كان كاذبا وبُثّ بأسماء مستعارة  “.

لم تقع بريطانيا وحدها ضحية الإشهار السّياسيّ المزيّف. ففي الولايات المتحدة الأمريكيّة لازال الاتهام يلاحق موقع الفيسبوك لـــ” تساهله ” مع الإشهار السياسي الموجه إلى الأمريكيين، والذي يعتقد أنه ساعد الرئيس الأمريكي الحالي على الوصول إلى البيت الأبيض الأمريكي. فأيرلندا ، تعرضت هي الأخرى، إلى موجة من الإشهار السياسي في الاستفتاء على مشروع قانون الإجهاض الذي جرى في مايو 2018.

                                                               الخلط

قد تختلط الأمور على القارئ الكريم ، ويتداخل فى ذهنه الخبر السياسي والدعاية والإشهار السياسي. ولتوضيح الفرق بينهم يمكن القول أن الخبر السياسي هو التبليغ عن حدث ذي طابع سياسي. وتُعرّف الدعاية بأنها بثّ ونشر ما من شأنه يشجع القبول بفكرة أو موقف أو نظرية سياسية. وهدفها هو التأثير على الرأي العام، وتغيير تصوره للأحداث والأشخاص. وتجنّيده لتبني هذه الفكرة أو لمناصرة أصحابها. أما الإشهار السياسي فيدل على الأفعال ذات الطابع التجاري المروجة للأفكار أو لشخصيات سياسية أو برامج أو مواقف سياسية. ربما لا يفهم البعض سر القلق من الإشهار السياسي ووصفه بالصداع طالما أنه يلتقى مع الدعاية في الهدف. إن السر لا  يتلخص في أن الدافع لنشر الإشهار السياسي هو مالي قبل أن يكون سياسيا ، وأن دافع الدعاية سياسي بحت ، بيد أن مصدر القلق لا يكمن في المال، مهما ارتفع مبلغه، الذي يدفع مقابل بث هذا الإشهار ، بل في الخصوصية التي يكتسبها عندما يبثّ عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة: الفيسبوك، تويتر، انستغرام، اليوتيوب وغيرها. إذ يمكن لمموّله ، شخص طبيعي أو معنوي ( هيئة ، مؤسسة)، أن يختفي وراء اسم مستعار. ويستطيع موقع التواصل الاجتماعي أن يمنح له الفرصة في اختيار ما يشاء من المعايير، نذكر منها انتقاء الشريحة التي يستهدفها ، مثل النساء أو الرجال، أو فئات عمرية دون سن معين، أو ذوي الدخل المعين أو الأشخاص الذين نقروا على زر ” أحب” هذا المحتوى أو ذاك. وهذا يعني تمكين المشهر من تصميم إشهاره السياسي وفق خصوصيات ناخبين معينين، من المحتمل أن يكونوا مجهولين من قبل المرشحين ذاتهم ناهيك عن بقية الناخبين.

    الحدود

يرى البعض أن هناك نوعا من المبالغة في تقدير تأثير الإشهار السياسي على نتائج الانتخابات والاستفتاءات الشعبية في البلدان الأوربية،  وحتّى في الولايات المتحدة الأمريكية. وذلك لأنهم يؤمنون يعجزه على تغيير اختيار الناخبين الذين حسموا أمرهم وقرروا منح صوتهم للمترشح الذي يتفق مع آرائهم ومواقفهم أو لصالح المشروع الذي يرونه مناسبا لهم. توضح أستاذة الاتصال ، “كثلين هال جميسون”، هذا الرأي في كتابها المعنون بـ ” سيبر وار” الحرب السيبرنية ” بالقول أن جميع المواطنين يقاومون الاتصال السياسي إلى حد كبير، لكن الاشخاص الذين يشعرون بعدم الارتياح إذا طُلب منهم أن يختاروا ، والذين يؤجلون اتخاذ القرار على من يصوتون  إلى أخر دقيقة هم أكثر تأثرا بالاتصال السياسي. وشركات الواب الكبرى تستهدف هؤلاء الأشخاص ذوى المواقف والآراء الهشة بإشهارها السياسي بمقابل مالي يكاد لا يذكر.

 إن تجربة الإشهار المدسوس في مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة الفيسبوك ، في حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 2016 تدعونا إلى التفكير في الإشهار السياسي من زاوية مغايرة. فالإشهار السياسي الذي مُوِّلته روسيا استهدف الناخبين الديمقراطيين التقليدين تحديدا، والزنوج القاطنين في الأحياء السكنيّة الفقيرة. ولم يرم إقناعهم بالتصويت لصالح  المترشح الجمهوري ، بل سعي إلى ثنيهم على التصويت أصلا ، وذلك من خلال إقناعهم بعدم الجدوى من الانتخابات. والكل يعلم اليوم أن صد هذه الشريحة عن التصويت أضّعف ” هيلالي كلنتون” وخدم المرشح الجمهوري .

                                                                   موقف وموقف

فاجأ مدير عام موقع شبكة تيوتر، جاك دورسي، بقية مواقع التواصل الاجتماعي: فيسبوك، يوتيوب، وسناب شات، وغيرها، عندما أعلن أنه سيحظر بثّ الإشهار السياسي في موقعه بدءًا من 22 نوفمبر الماضي. وعلّل قراره هذا القول أن بثّ هذا الإشهار الذي يستهدف أشخاص بعينهم قد يلغي قدرتهم على اتخاذ القرار. وهذا الإلغاء الذي يحركه المال يشكل خطورة فعلية على المجتمع ،  ولا صلة له بحرية التعبير. فدفع الأموال من أجل زيادة تأثير الخطاب السياسي تترتب عنه نتائج لا تستطيع الإمكانيات التي تتمتع بها الديمقراطية اليوم على إدارتها . نتائج قد تؤثر على حياة ملايين الأشخاص. وكأن ” جاك دروسي” بقوله هذا يستهدف شركة الفيسبوك قبل أن تعلن عن موقفها صراحة من الإشهار السياسي.

صرح المدير العام لشركة الفيسبوك، مارك زوكربيرغ،  أنه لن يمنع نشر الإشهار السّياسيّ   في موقعه. وعلّل موقفه هذا بالقول أن ما يجنى من أموال من هذا الإشهار لا يبرّر كل هذا الجدل الذي اثير عنه ، متمنيا أن يفتح هذا الجدل النقاش عن مستقبل وسائل الاتصال المعاصرة في المجتمع. وأكد على أن أهمية الإشهار السياسي تكمن في مضاعفته للخطابات السّياسيّة ، خاصة تلك التي يدلي بها المترشحون في الانتخابات المحلية ، وكل الذين يسعون لرفع التحدي في الانتخابات ، والمجموعات التي تدافع عن بعض القضايا التي لا تحظى بأي اهتمام إعلامي سوى هذا الإشهار. فحظر الإشهار السياسي يعني تقديم خدمة للأشخاص المتربعين على سدة الحكم، والذين اختارت وسائل الإعلام التقليدية تغطية نشاطهم. إن موقف ” مارك زوكريبرغ” من الإشهار السياسي ليس جديدا. فقد سبق وأن دافع عنه في أكتوبر 2018 أمام طلبة جامعة “جورج تاون” بواشنطن وأساتذتها . لقد أكد ساعتها أنه يرفض أن يكون ” قاضيّا في محاكمة  الحقيقة” . ولن يقف ضد حرية تعبير  2.4 مليار مشترك في مواقع شركته وتطبيقاتها المختلفة: أنستغرام، وواتسات، وميسنجر. ويعتقد أن المواطنين الذين يعبرون على آرائهم جهرا وأمام الملأ يشكلون قوة في عالمنا ، بل سلطة خامسة تضاف إلى هيئات السلطة السياسية في مجتمعاتنا المعاصرة.

تدابير

يُعتقد أن شركة الفيسبوك قد استفادت من تجاربها السابقة، ومن الغرامة التى أجبرت على دفعها، والمقدرة بــ 500 ألف يورو ، بسبب قلة الإجراءات المتخذة لحماية بيانات مستخدميها! وهي البيانات التي جمعتها شركة ” كامبرج أناليتيكا” واستفادت منها بطريقة غير شرعية. هذا ما يوحي به الإعلان على لسان مديرها العام يوم 21 أكتوبر الماضي عن القيام بجملة من الإجراءات والتدابير الكفيلة بضمان شفافية الإشهار السّياسيّ وحماية الديمقراطيّة في الانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة التي تجرى في السنة القادمة. و يمكن أن نذكر منها الكشف عن السلوك المشبوه في بعض صفحات الموقع. وفي هذا الإطار يقول مارك زوكربيرغ أنه ألغي بعض الحسابات التي انشأها أشخاص من روسيا وإيران. ويعتقد أنها كانت تستهدف الولايات المتحدة الأمريكية. وأنشأ نظام ” فيسبوك  بروتكت” Facebook Protect، لحماية المترشحين ومساعديهم من خصومهم السياسيين، ومن كل القراصنة الذين يمكن أن  يستولوا على بياناتهم الشخصية وعلى المعلومات الخاصة بمعارفهم وأصدقائهم بطرق غير شرعية، ويستغلونها ضدهم. ويستعملونها في نشر الأخبار المزيفة.

ويعمل الفيسبوك على نشر معلومات عن المنظمات وحتّى الدول المشرفة على إدارة الصفحات المشبوهة وهذا حتّى يكون مستخدم الفيسبوك حذرا في تعامله مع الصفحات التي يعتقد أنها مستقلة ومحايدة. لقد أضاف موقع الفيسبوك هذه الخدمة إلى تلك التي كانت متوفرة سابقا والتي تكشف عن أي تغيير يطرأ على مسمى صفحات الفيسبوك والبلد الذي أنشئت فيه. وقد ذهب مدير عام الفيسبوك في محاربته الإشهار السياسي إلى حد اتاحة الفرصة لكل مستخدمي موقعه لمعرفة ما أنفقه كل مرشح في الانتخابات للرئاسية الأمريكية المقبلة من مال على الإشهار السّياسيّ، وفي كل ولاية من الولايات المتحدة الأمريكية عبر كل موقع الفيسبوك وأنستغرام، ومسنجر.

أما بخصوص الأخبار المزيفة، فقد وعد المدير العام لشركة الفيسبوك بتوسيمها من أجل لفت الانتباه إلى أنها تفتقد المصداقية. وإذا أصر مستخدم الفيسبوك على الإطلاع عليها رغم التوسيم فيصله إشعار بأن المتعاونين مع موقع الفيسبوك تَحَرّوا عن صحة هذا الخبر واعتبروه مزيفا.

وقد سبق لموقعي الفيسبوك وغوغل بأن تعهدا بأنهما سيضعان العدّة التقنيَة ذاتها المستخدمة في الولايات المتحدة الأمريكية تحت تصرف الدول الأوربية من أجل مراجعة أرشيفها المتعلق بالإشهار السّياسيّ: من؟ نشر ماذا؟ ومن أي مكان؟

تعقد

يرى المختصون بأن موضوع الإشهار السياسي معقد جدا. فإن كانت ممارسته في الحملات الانتخابية واضحة، بهذا القدر أو ذاك. فإنه يصعب في بعض الأحيان تمييزه عن غيره من الإشهار السّياسيّ الذي يبث في مواعيد غير انتخابية. وتبدو الحدود التي تفصله عن إعلام المواطن غامضة. الأمر يتعلق بالإشهار الذي تموله الحكومات خارج الحملات الانتخابيّة والتي يصعب الحكم عليه هل يندرج ضمن مسؤوليات الدولة على إعلام المواطنين أم أنه عبارة عن إشهار سياسي يروج ، بشكل ضمني” للحزب السياسي الحاكم؟ السؤال ذاته يطرح على الإشهار الذي تمولها الجمعيات ذات النفع العام على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل تلك التي قامت بها منظمة ” السلام الأخضر” الفرنسية المتعلقة بمخاطر المحطة النووية في إقليم “الدروم” الواقع جنوب شرق فرنسا. ومخاطر استخراج المعادن من أعماق المحيطات.  والإشهار الذي يبثه بين الحين والأخر الاتحاد القومي الأمريكي للأسلحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتي يعارض فيه أي مبادرة لحظر بيع الأسلحة النارية الشخصية. وغيرها من الإعلانات المسببة للصداع ، خاصة تلك التي تدعو إلى الاقصاء والميز العنصرى على أسس عرقية أو دينية، والتي  تسهم في تقسيم المجتمع.  لكن مواقع التواصل الاجتماعي لم تحدّد بعد موقفها منها.

ويبدو أن هذا الغموض سيعمر طويلا في ظل التأخر في إصدار القوانين المنظمة للإشهار السياسي في جلّ دول العالم.

ففرنسا التي تملك ترسانة من القوانين الزاجرة في المجال الإعلامي، وتحظر بث الإشهار السياسي الموجه للناخبين عبر شبكة الانترنت في الحملات الانتخابية، لم تصدر أي نص قانوني من شأنه أن يرفع اللبس عن الإشهار السياسي، خاصة ذاك الذي يضر بالمصلحة الوطنية ويهدّد وحدة الأمة ، ويميزه عن إعلام المواطن. وألمانيا المتشددة في حماية المعلومات الشخصية، تبيح بثّ الإشهار السياسي بشرط ألا يتعارض مع مبادئ الدستور الألماني. بينما تعاني بريطانيا، التي كانت ضحية إنزال شديد للإشهار السياسي الكاذب، كما ذكرنا أعلاه، من غياب القوانين المنظمة للإشهار السياسي. ولم تمنع، على الأقل، بثّه خلال الحملات الانتخابية. إنها المعاناة ذاتها التي يشتكي منها مواطنو بلدان أوربا الشرقية.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية التي تعد نموذجا في حرية الإعلام ، يخضع البث الإذاعي والتلفزيوني إلى مراقبة اللجنة الفيدرالية للاتصال. إذ يذكر أن الشبكات التلفزيونية الأمريكية الكبرى، مثل ” سي أن أن ” CNN ، و الأن بي سي NBC، وحتى قناة “فوكس نيوز” قد رفضت بث إشهار سياسي يسيء إلى “جو بايدن” المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020. وهذا في اطار الحملة الانتخابية التي يخوضها الرئيس الأمريكي الحالي للاستمرار في الحكم لعهدة انتخابية ثانية. بينما ترك المشرع الأمريكي المجال لمواقع التواصل الاجتماعي لنشر هذا الإشهار أو رفضه.

أما البلدان العربية فيبدو أنها لم تعان بعد من هذا الصداع المذكور. وإن كانت بعضها قد شرعت  في التفكير فيه بصوت مسموع خلال إعداد مدونات لأخلاقيات الإعلام.

      التزييف العميق:  من التلاعب بالصور إلى تزوير الفيديو

                                            

                                            نصر الدين لعياضي

من كان يتمنى في صغره أن يصبح ممثلا سينمائيا ووقفت ظروف الحياة  في وجهه يمكنه اليوم أن يحقق أمنيته في بعض الثواني فقط؟ الأمر ليس حلما بل حقيقة. إذ يمكن لموقع التواصل الاجتماعي الصيني ” مومو” ” Momo ” أن يحقق له ذلك من خلال تطبيق ” زاوو” Zao ” الذي أطلقه في شهر أغسطس الماضي. فالمطلوب منه فقط أن يزود التطبيق المذكور بمجموعة من صوره الشخصية ” سيلفي” ” Selfie”  تتوفر على سلسلة من تعابير وجهه: حركات شفاهه وفمه، ونظراته ذات الدلالات المختلفة، وحركات رموش عينيه، وتقطيبة حاجبيه، وغيرها من ملامح محياه المتغيرة  التي تعبر عن مزاجه وحالاته النفسية. فيقوم البرنامج المذكور بغربة هذه الصور عبر مصفاة ذكية وديناميكية ويستغلها. فيجعل منه الممثل الذي يحل محل نجمه السينمائي المحبوب والمفضل  بطريقة مطابقة له في أدق التفاصيل، بحيث يعتقد من يشاهده أنه أدى دور البطل الفعلي والحقيقي في الفيلم. هذا ما فعله تطبيق ” زاوو” مع أحد الصينيين في الفيلم السينمائي المشهور ” التيتانيك”. لقد سلخه من جلده وأسكنه في جلد الممثل العالمي ” دي كربريو”! الذي قام بدور البطولة في هذا الفيلم.

                                من الصورة الثابتة إلى المتحركة

إنّ ” زاوو” ليس التطبيق الأول الذي يتلاعب بالصور، فقد سبقته عدة برامج من تكنولوجيا الاكساء؛ والتي تتمثل في إضفاء تفصيل على الصور أو تغييرها. وتنتج عنها قيم لونية ذات كثافة وتردّد أعلى مما تضمنه الصورة الأصلية. وأبرز مثال على هذه البرامج  برنامج ” الفتوشوب”، الذي اخترعه الطالب توماس كنول من جامعة ميشغان بالولايات المتحدة الأمريكية في 1987، وشُرِع في استخدامه منذ 1990.

وفي 2014، اخترع الباحث الأمريكي ” إين قودفلو”  الشبكات الاتهامية التوليفية” ) GAN)، وهي عبارة عن برامج كمبيوتر تقوم بتوليف الصور المزورة المستخرجة من مجموعة الصور الحقيقية المخزنة في بنك الصور بفضل الذكاء الاصطناعي. فتبدو طبيعية وأصلية. وقد وقع  الساسة ومشاهير الفن والطرب والرياضة ضحايا هذا الاختراع الخطير.

لقد حاول موقع التواصل الاجتماعي ” سنابشات” في 2016 أن يتجاوز حدود ما يتيحه برنامج الفتوشوب، أي ادخال الرتوشات على الصور وتجميلها مستفيد من تقنية ” الشبكات الاتهامية التوليفية”. فقام بإحلال صورة شخص محل صورة شخص أخر. إنها محاولة يسيرة مقارنة بما يقترحه تطبيق ” زاوو” الصيني الذي يتلاعب بمكونات شريط الفيديو. فهذا التلاعب أصعب من التلاعب بالصور الفتوغرافية.

لقد أطلق على هذا الضرب من التلاعب تسمية التزييف العميق، Deepfake” باللغة الآنجليزية. وهي التسمية التي تنافس  مصطلحا  أخر راج استعماله في 2016″. إنه مصطلح الأخبار المزيفية” Fake” والذي ارتبط استخدامه بالحملة الانتخابية التي أدت إلى فوز مؤيدي انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوربي في التصويت الذي جرى في يونيو 2016. ومَكّن دونالد تراب من الوصول إلى البيت الأبيض الأمريكي على إثر فوزه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016.

إن كان المصطلحان المذكوران ظهرا في مواقع التواصل الاجتماعي ويشتركان في التزييف والتزوير، فإن طريقة تجسيدهما تختلف. فالأخبار المزيفة تقتصر أساسا على النص المكتوب أو المنطوق. بينما يشمل التزييف العميق كل مكونات شريط الفيديو أو أي مادة سمعية- بصرية: الصوت، والصور المتحركة، والألوان، والموسيقى.

التزييف أو الزيف العميق هي تقنية تتمثل في تغيير وجوه الأشخاص وملامحهم في شريط فيديو أو فيلم سينمائي بفضل الذكاء الاصطناعي من أجل تحريف أقولهم وحركاتهم وأفعالهم لخدّاع الجمهور والتدليس عليه. ويتم التحريف بدمج جملة من مقاطع شريط الفيديو لشخصية ما والاشتغال عليها من أجل إعادة إنتاج مقاطع جديدة.  لقد استفادت هذه التقنية من جملة من البرامج التي يعود تاريخ اختراعها إلى نهاية التسعينات من القرن الماضي، مثل برنامج ” فيديو ريرايت”  Video Rewrite)) الذي تم اختراعه في 1997 ويقوم باستبدال كلمات قالها شخص ما بكلمات أخرى تلفظها في سياق مختلف، واقتبست من شريط أخر. وتصبح في الأخير جملا جديدة لم يتفوه بها الشخص المذكور أبدا! وبرنامج ” فيس تو فيس” (Face2Face) الذي ظهر في 2016. وهو برنامج محاكاة حركات الأشخاص وتعابير وجوههم. إذ تقتبس هذه الحركات والتعبير من شريط قديم وتُنتقى وتدمج في شريط فيديو جديد، أي تخرج عن سياقها وتدغم في سياق أخر.

تداعيات التزييف

لازال استعمال تطبيق ” زاوو” محصورا في الصين، إذ يجب تحمّيله من مستودع البرامج  والتطبيقات الرقمية المتوفرة في أنظمة التشغيل التي تستخدمها الهواتف الصينية، أي لا يمكن تحمّيله في أي بلد أخر غير الصين. لكنه أثار موجة من ردود الأفعال في العالم ومخاوف لا حصر لها. ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن تكنولوجيا التلاعب بالصورة لم تبلغ مستوى الدقة و الاتقان في التنفيذ مثل الذي بلغه تطبيق ” زاوو” من جهة. ولأن هذا الأخير أصبح في متناول أي شخص يرغب في استخدامه بصرف النظر عن مستوى تحكمه في المعلوماتية والبرامج الرقمية من جهة أخرى. والدليل على ذلك أن هذا التطبيق أضحى أول التطبيقات الأكثر تحمّيلا في الصين منذ شهر أيلول/ سبتمبر الفائت.

لا تكمن مخاطر تقنية ” التزييف العميق” في عدد مستخدميها رغم أهميته، ولا في نوعية ضحاياها بل في عواقبها على الصعيد السياسي والإعلامي والأخلاقي وحتى الفلسفي.

يعترف خبير المعلوماتية  آرجوير زيتونغ  ( Aargauer Zeitung) بخطورة التلاعب بالصور ومقاطع الفيديو باستخدام الذكاء الاصطناعي التي أصبحت  ظاهرة جماعية لكنه يحاول التقليل من أثارها بالقول إن التخوف منها يضاهي ذاك التخوف الذي انتابنا عندما تم اختراع برامج رقمية لتحرير الفيديو والصور. ولو سايرنا هذا الخبير فيما ذهب إليه  لقلنا أن ما يخيف في هذه الظاهرة هو جوهرها التكنولوجي وطابعها الجماهيري المحتمل وليس وجودها في حد ذاته. فوجودها الذي سبق التكنولوجيا الرقمية أملته الرغبة في التسلية والتندر. هذا ما يستشف من البرامج التلفزيونية الساخرة التي كانت تستعين بالمجسمات التي تجسد رجال السياسة ومشاهير الفن والطرب في شكل دمى. وتقولهم أقوالا مضحكة على لسان ممثلين محترفين يقلدون أصواتهم الحقيقية والأصلية. ومن الأمثلة عن هذه البرامج  في الفضاء التلفزيوني الفرنسي يمكن أن نشير إلى  برامج ” لي غنيول دو لنفورمسن”، أي ” عرائس أراجوز الأخبار” الذي كانت تبثه القناة الفرنسية الخاصة ” كنال بلاس” خلال الفترة الممتدة من 1988 إلى 2018.

بالفعل، قد تستخدم مواد ” التزييف العميق” من أجل التسلية والترفيه. مثلما نلاحظه في الدعوات التي تواجه إلى رواد مواقع التواصل الاجتماعي وتطلب منهم وضع صورهم في برنامج ليشاهدوا ملامح وجوههم عندما يتقدم بهم العمر ويشيخون!  وقد تبلغ التسلية درجة غير متوقعة مثل برنامج ”  برنامجُ سانثيسيزينغ أوباما ( Synthesizing Obama) وهو عبارة عن شريط فيديو للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما يشرح تقنية ” التزييف العميق” ويكشف عن مخاطرها!  لكن أوباما لم يتعرض طيلة حياته سواء أثناء توليه رئاسة البيت الأبيض الأمريكي أو بعدها لهذه التقنية. كل ما في الأمر أن البرنامج المذكور جمع عددا هائل من فيديوهات الرئيس وانتقى منها الكلمات المناسبة التي يحتاجها الموضوع، والتي قيلت في مناسبات مختلفة. وقام بحياكتها لينسج منها خطابا وهميا عن التكنولوجيا المذكورة.

                                     سلاح

إنّ مختلف منتجات التزييف العميق لا تقتصر، مع الأسف،على الدعابة والمزاح وحتى السخرية من الغير. بل تروم أهدافا أكثر جدية وخطورة. ويمكن أن نذكر منها شرائط الفيديو التي تبرز مشاهير الفن والطرب والمودة في وضعيات مخلة بالآداب لنيل من سمعتهم في سوق الفن المحموم بالمنافسة الشرسة. وشريط الفيديو الذي استبدل فيه وجه ألدوف هتلر بوجه ” ماوريسيو ماكري” الذي يترأس الأرجنتين على إثر فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في السنة 2015. وشريط الفيديو الذي استبدل فيه رأس المستشارة الأمريكية أنجيلا مركل برأس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

لقد تحوّل ” التزييف العميق” إلى سلاح خطير يستعمل بضراوة في الصراعات السياسية. هذا ما يؤكده شريط الفيديو الذي راحت ضحيته عضو الكنغرس الأمريكي، نانسي بليبسي، المعارضة الشرسة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. لقد أظهرها برنامج ” التزييف العميق” تتحدث بصوت مرتج وبجمل غير متناسقة مما يوحي أنها سكرانة حد الثمالة! وقد فهم الكثير من الناخبين الأمريكيين أن هذا الشريط يندرج في التحضيرات للانتخابات الرئاسية الأمريكية التي تجرى في السنة القادمة وبدأت مبكرا.  ويخشى المنتخَبون الأمريكيون أن تجرى الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة في إطار تكنولوجيا ” التزييف العميق”، بعد أن جرت الانتخابات السالفة ( 2016) في إطار الأخبار المزيفة. ساعتها لا أحد يستطيع أن يتوقع قوة تأثيرها الدعائي والتضليلي والمخادع على الناخبين الأمريكيين.

لقد حاول الخبير في الذكاء الإصطناعي ، ” أليكس شامباندارد” أن يلخص تداعيات ” التزييف العميق” في حقل الإعلام بالقول إن المسألة لا تكمن في التقنية بقدر ما تكمن في قضية الثقة في المعلومات التي تبثها أو تنشرها وسائل الإعلام. فمن المحتمل أن تعيش الإنسانية في عصر يصبح فيه من غير الممكن تحديد هل محتوى هذه الصورة حقيقي أم لا؟ وهل هذا الفيديو أصيل أم مزيف؟

لعل القارئ الكريم يدرك أن وسائل الإعلام تستمد مشروعية وجودها في مصداقيتها فإن ضربت هذه المصداقية في الصميم فقدت مبرر وجودها في عصر ما بعد الحقيقة. هذا العصر الذي عرفه قاموس أكسفورد في 2016 بـ ” بالسياق الذي يتراجع فيه تأثير الوقائع الموضوعية لصالح المشاعر والأهواء والقناعات الشخصية. ففيه يختار الناس ما يريدون من الوقائع ويبنون عليها قناعاتهم  وآراءهم “.

إن التزييف العميق يوسع القاعدة الاجتماعية لما يسميها عالم الاجتماع الفرنسي” جيرار بروني” بــ ( ديمقراطية المصدقين) أو السذج، الذين يصدقون كل ما يُحكى لهم نظرا للتناسل الفوضوي لمصادر الأخبار، وتخمة المعلومات، وافتقادهم للوقت اللازم للتحري عن صحة المعلومات والصور أو عجزهم عن فعل ذلك.

أبعد من 1 و0

لقد أجبرت الانتقادات التي تعرض لها موقع التواصل الاجتماعي ” مومو” على الإعلان عن  تغيير سياسته الأمنية”، إذ سيتخلى عما كان يعتبر حقه الدائم، والذي لا رجعة عنه، في المحتويات التي ينشرها مستخدموه ،  والقابل لاستخدامها في شتى الأغراض. وفرضت الانتقادات ذاتها على منصة التواصل الاجتماعي الصيني ” ويشات” (WeChat) تقييد تحميل تطبيق ” زاوو” .  لكن هذه الإجراءات تظل، رغم أهميتها، محدودة جدا في محاربة تقنية ” التزييف العميق“.

قد يعتقد البعض أن نجاح هذه المحاربة يتطلب تطبيق شعار” مقاومة التكنولوجيا بالتكنولوجيا”. وللتعقيب عن هذه الفكرة يقول مدير مخابر البحث في التكنولوجيا الرقمية في جامعة نيويورك، سوي ليو” ما يلي: لقد شرحنا في يونيو 2018  أن غياب غَمَضات عيني الأشخاص وفتحهما دلالة على التلاعب بشرائط الفيديو وتزويرها. لكن بعد ثلاثة أسابيع من هذا الشرح قام  أخصائيو ” التزييف العميق” بتصحيح هذا الخطأ.  ويؤكده هاني فريد، أستاذ المعلوماتية في جامعة بركلي الأمريكية والخبير في أساليب الانتحال الرقمي، من جهته، هذا الأمر بالقول: كنا في السابق نبتكر أساليب جديدة للكشف عن التزوير الرقمي. وتمضى سنوات قبل أن يقوم المزورون بـ ” تطوير” ما يزورونه. وبالتالي إبطال أسلوبنا في كشف المُزَور. اما اليوم فإنهم يحققون ذلك في غضون اشهر قلائل. ويستطرد قائلا: لقد قررنا عدم  اشراك الصحافة فيما نتوصل إليه من اختراعات.

يستشف مما سبق أنه من الصعب، بل من المستحيل على المرء استكشاف شرائط الفيديو المزيفة بالعين المجردة ، بل لابد من الاستعانة ببرمجيات متطورة. وهذا ما يقوم به كل من محرك غوغل وموقع الفيسبوك وبعض المؤسسات الرقمية ، مثل “3 د أنفرسيوم” الهولندية ، و”سيرليا “البريطانية و “أوبلكس” الكندية. لكن التكنولوجيا وحدها لا تستطيع أن تتصدى لهذه الظاهرة الخطيرة دون مشاركة المعنيين. فالمؤشرات تؤكد بأن مجموعة قليلة من الأشخاص يقعون ضحية تقنية ” التزييف العميق” ، وهم عادة من الناشطين في مجال السياسة ونجوم الفن والرياضة والمودة. فهؤلاء يتلقون إشعارا بظهور فيديوهات جديدة لهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي يستخدمونها. وعليهم التأكد من صدقيتها والتحرك لحذفها في الفضاء الافتراضي. أما بقية البشر الذين لا يملكون مثقال ذرة من الشهرة فعليهم أولا وأخيرا ألا يحملوا صورهم في أي برنامج رقمي يطلب منهم ذلك حرصا على أمنهم وسمعتهم، مثلما يذكر ذلك المهندس الفرنسي المختص في الأمن الرقمي وأشهر القراصنة الرقميين ، إليوت الدرسون.

أخيرا، يمكن القول أن مسؤولية محاربة هذه الظاهرة تظل ملقاة على كاهل السلطات العمومية وهيئات المجتمع المدني والأجهزة القضائية ووسائل الإعلام المختلفة.

                                                                                                                          ماذا قدمت مواقع التواصل للنشر والأدب

                                                      

نصر الدين لعياضي

من يعتقد أن حظ الثقافة ” السائلة”،  أو ثقافة “اللحظة” في مواقع التواصل الاجتماعي أكبر من حظ الثقافة المكرّسة وعلى رأسها الكتاب يجانب الصواب لأن هناك بعض المواقع لم تعد واجهة لما تطبعه ديار نشر، بل أحدثت ثورة حقيقية في عالم النشر. وأعادت النظر في علاقة الناشرين بالقراء. وغيرت علاقتنا بالكتاب،  وجعلتنا شهودا على التغيرات التي تحدث في ” جينات” الكتابة الأدبيّة.

لم تصل هذه الثورة إلى المطابع  قبل أن يقتنع أصحاب ديار النشر بضرورة الانتقال إلى العصر الرقمي. الاقتناع الذي أكدته، جوستين دوشو، المكلفة بالإعلام في دار نشر ” مرداغا” البلجيكية بقولها: ” في هذا العصر من الصعب أن توجد في العالم الواقعي والفعلي دون أن يكون لديك وجودا في امتداده الافتراضي. فبصرف النظر عن وضعنا كعلامة تجارية أو مؤسسة أو شخصية اعتبارية فإن وجودنا في العالم الافتراضي يعدّ أفضل طريقة مسلية ومبدعة وحية للحديث عنا. وقطاع الثقافة لا يشذ عن هذه القاعدة.

أهداف

حاولت “ستيفاني فيكشيون”، مسؤولة الإستراتيجيا في مجال الواب في مجمع مؤسسات النشر الفرنسية المسماة ” فونتان أو ليفر” ، تحديد الأهداف التي تسعى إليها ديار النشر من خلال توظيف مواقع التواصل الاجتماعي في نشاطها. فحصرتها في ثلاثة أهداف، وهي، أولا: تشكيل جماعة نشيطة وملتزمة من القراء، يتابعون الجديد في عالم النشر ويتداولونه عبر مختلف المنصات الرقميّة ويرصدون آراء النقاد في الكتب التي تنزل إلى السوق. ثانيا، تحسين سمعة دار النشر في أوساط القراء والمختصين في صناعة الكتاب وتوزيعه، وجعل ” قوائم” منشوراتها مرئية على أوسع نطاق. ثالثا، تشكيل شبكة من العلاقات المتّينة مع عملائها المحترفين: كُتَاب وروائيين ، منظمي معارض الكتاب، أصحاب المدوّنات الإلكترونيّة المختصة في الإبداع الأدبي والنقد.

لقد دفعت مواقع التواصل الاجتماعي إلى إنشاء علاقات جديدة مع القارئ، ومنها تستقي توجهات السوق واهتمامات القراء الأدبية، وعلى أساسها تتخذ القرارات الخاصة بالنشر. وقد تأخذ بعين الاعتبار آراء القراء وانطباعاتهم على كتبها قبل صدورها! أي من خلال التعليقات على ملخصات الكتب التي ستصدرها قريبا والتي تنشرها عبر الصحف أو في مواقعها الإلكترونيّة أو المنصات الرقميّة. هذا ما قامت به دار النشر ” دلاكورت برس” الأمريكية. لقد أجلت إصدار رواية ” وريث الدم” للروائية الأمريكية ذات الأصول الصينية، “إميلي ون زهاو” الذي كان من المقرر أن ينزل إلى الأسواق الأمريكية في يونيو الماضي. لقد تراجعت عن قرارها نتيجة للجدل الذي أثارته الرواية المذكورة في مواقع التواصل الاجتماعي، ولحكم القراء السلبي على أبطال الرواية الزنوج والخفة التي تناولت بها الكاتبة مسألة العبودية.

ابتكار التسويق

بالطبع لم تحقق كل ديار النشر الأهداف المذكورة أعلاه، والسبب في ذلك لا يعود لوضعها المالي فقط، ولا لتراجع مكانة الكتاب في ثقافتنا المعاصرة كما يُعْتقد، بل لعدم القدرة على تبن طرق التسويق الجديدة التي فرضتها البيئة الرقميّة. فالمشترك في صفحة دار النشر في موقع الفيبسوك أو انستغرام لا ينتظر منها أن تزفّ له خبر صدور هذه الرواية أو هذا الديوان الشعري بطريقة تقليديّة. إنه يحبذ جره ليعيش أجواء دار النشر هذه، والإطلاع على كواليسها، ومتابعة القصص الحصرية عن كتابها وشعرائها والسياق الذي أبدعوا فيه أعمالهم، أي عالم الكتاب.  هذا ما أدركته دار “ساربكان” الفرنسية المختصة في ” شريط الكارتون” أو الرسوم الكارتونية” الموجهة للشباب، والتي تملك اشتراكا في الموقعين : الفيسبوك وانستغرام. إنّها لم تكتف بالإعلان عن منشوراتها، بل عملت على إبراز الجانب الإنساني في نشاطها. وفضلت التَعرُف إلى من يصنع كتبها ، ورفع الستار عن كواليس عملها ونقل الأحداث التي تحتفي بها، وغيرها من التفاصيل التي تروم إرساء وشائج القرابة مع القارئ.

لقد أكدت “ستيفاني فيكشيون” الخبيرة في إستراتيجيا الواب أن الترويج لأي سلعة سواء كانت زبادي أو عطور في مواقع التواصل الاجتماعي يشكل تحديًّا حقيقيًّا. إذ يتطلب من المُرَوج أن يختلق الحكايات ويشكل عالما مرئيًّا لا يوجد في الأصل. لكن الأمر بسيط بالنسبة لعالم الكتب لأنها تتضمن الحكايات يجب سردها وتصويرها. لكن يبدو أن ابتكار طرق تسويق الكتاب والترويج له عبر مواقع التواصل الاجتماعي غير كاف لبلوغ الأهداف المذكورة ما لم يرافقه الوعي بخصائص كل موقع من مواقع التواصل الاجتماعي. حقيقة يمكن للناشرين وأصحاب المكتبات والكُتّاب استغلال أي موقع من مواقع الاتصال لتطوير صناعة الكتاب وتوسيع دائرة قرائه، لكن لابد من الأخذ بعين الاعتبار طبيعة كل موقع.  فموقع اليوتيوب على سبيل المثال يسمح للقارئ بالتعبير بنزعة عاطفية أكثر عن الكتاب والكشف عن نقاط التماس بين العالم الذي يسرده الكاتب وعالمه الخاص. بينما يظل موقع الفيسبوك الأكثر قدرة على الوصول إلى أكبر عدد من القراء نظرا لكثرة عدد مشتركيه، ويوفر للقاري العديد من الاختيارات التي تعبر عن رأيه في الكتاب بأدوات مختلفة: شريط فيديو، صور، استطلاع الآراء. ويتسم موقع تويتر، من جهته، بقدرته الفائقة على مواكبة جديد ديار النشر والكُتّاب، ومتابعة آراء النقاد بشكل مكثف. ويُستغل موقع “سنابشات”، الذي جمع بين كونه موقعا للتواصل الاجتماعي ومنصة لخدمة الرسائل القصيرة، من أجل الوصول إلى شريحة القراء الشباب. ويُمَكّن موقع ” لكندن” ديار النشر والكُتّاب من الالتقاء بمحترفي صناعة الكتاب وتوزيعه. ويكون تأثير هذه المواقع على تسويق الكتاب وانتشاره أكثر إن لجأت إلى ما أصبح يعرف بالمؤثرين. هذا ما قامت المنصة الرقمية ” غلوز” العاملة على تشجيع القراءة التي وظفت “مارغو القارئة،” وهو اسم مستعار لمدوّنة ومسؤولة مكتبة، تملك عددا كبيرا من المعجبين والمتابعين، لتقديم قراءات نقدية في الأدب عبر شرائط الفيديو في موقع اليوتيوب.

مواقع مختصة

بجانب مواقع التواصل الاجتماعي العامة المعروفة التي سبق ذكرها، توجد مواقع أخرى مخصوصة للكتب، وهي تلك التي يكون الكتاب محور العلاقات التي تنشأ بين منتسبيها. وتُقام فيها الصداقات على أساس نوعية الكتب المتوفرة في مكتبة كل منتسب أو بالنظر إلى مساهمته في النقاش عن الأدب أو مدى إفادته المشتركين بالأخبار عن عناوين الكتب الجديدة التي صدرت، ومؤلفيها ومترجميها وناشريها وأسعارها، و مساهمته بالملخصات عن الكتب الجديدة التي يعرضها على بقية المشاركين ، أو بالمقتطفات التي يقتبسها من النقاد. من بين المواقع المتخصصة في الكتاب ويمكن أن نذكر على سبيل المثال وليس الحصر ماي بوكس، لكتر. كوم، بابليو، بوكنود، وليفراديك” و قودريدز Goodreads .

لعل القارئ الكريم لا يعرف من هذه المواقع سوى الموقع الأخير المملوك من طرف شركة أمازون منذ 2013، والذي يعدّ أكبر موقع خاص بالكتب ينشر بالعديد من اللغات، منها اللغة العربية. ويستطيع مستخدمه أن يتابع ما ينشر فيه عبر هاتفه الذكي. ويملك هذا الموقع العديد من الاختيارات، لعل أبرزها سلم تقييم الكتب من 1 إلى 5  التي تفيد الناشرين والقراء على حد سواء. ويفتح  هذا السلم المجال للمستخدمين الذين اشتركوا في منح التقييم ذاته لكتب معينة من توطيد علاقاتهم.

وتوفر المواقع الشبيه اختيارات أخرى أكثر تنوعا، إذ تسمح لقارئها بتشكيل مكتبته الرقمية، وتصنيفها حسب المواضيع، وترتيبها حسب التقديرات التي يمنحها لها: كتب أحبها، وكتب لم تثر اهتمامه، وكتب لم يحبها مطلقا. وتبرمج قراءاته حسب الزمن مبرزة الكتب التي يقرأها في المستقبل القريب والبعيد. وتساعد أصدقاءه في العثور على الكتب التي يشيد بأهميتها من خلال تعيين موقع المكتبة في الخريطة التي اشترى منها الكتاب أو عنوانها الموقع الإلكتروني.

إن السؤال الذي يثير المختصين هو التالي: هل استطاعت مواقع التواصل الاجتماعي أن تعيد للكتاب موقعه المفقود في الثقافة المعاصرة وترفع عدد قرائه ؟ للإجابة عن هذا السؤال يمكن القول إننا نلاحظ تزايد الاقبال على شراء الكتب عن طريق الانترنت من المتاجر الإلكترونية  مثل امازون دوت كوم، لكن لا توجد احصائيات مؤكدة تثبت أن ارتفاع عدد مبيعات الكتب تم بفضل مواقع التواصل الاجتماعي. يؤكد أصحاب ديار النشر أنهم لاحظوا أن الكثير من زوار معارض الكتاب يقصدونهم بحثا عن جديد هذا الكاتب أو ذاك أو عن هذه الرواية أو تلك المجموعة القصصية لأنهم سمعوا عنها كلاما طيبا في مواقع التواصل الاجتماعي. ربما ستتوفر الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال بعد انتشار استخدام بعض البرنامج الرقمية على غرار برنامج ” ليتسي” الذي يُكنى بـــ ” انستغرام الكتب” حيث يسمح  للقراء بتبادل الآراء والحوار عن الكتب من خلال المقالات النقدية، والاقتباسات ، والصور. ويتيح للناشرين قياس مدى انتشار إصداراتهم.

جيل جديد

ففي الوقت الذي يتزايد فيه الحديث عن الصعوبات التي يواجهها موزعو الكتب والمكتبات في تسويق الكتب مما يهددهم بالإفلاس وذلك لاعتقاد راسخ بتراجع القراءة في عالم يغمره الترفيه والتسلية عبر العديد من الحوامل الرقمية، نلاحظ أن قواميس اللغات الأجنبية أثريت بمصطلحات جديدة، مثل: ” بوكتبر”، وهي كلمة أجنبية مركبة من كتاب باللغة الإنجليزية، و مستخدم اليوتيوب”،  و”بوكستغرامر” ، وهي أيضا كلمة إنجليزية نجمت عن ادغام الكتاب ومستخدم موقع استغرام. وهذه المصطلحات وغيرها تدل على ميلاد جيل جديد من القراء وتشير إلى تطور فعل القراءة في المجتمعات المعاصرة. وتكشف عن المكانة التي أضحى يتمتع بها الكتاب ومؤلفه لدى مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي.

ما يؤكده المختصون أن مواقع التواصل الاجتماعي جعلت علاقة القارئ بالكتاب أكثر حميمية. وقربته أكثر من الناشرين، والموزعين ، والمكتبيين ، والأدباء والنقاد. وفتحت له المجال للتواصل مباشرة مع الروائيين والشعراء. فأثرت تجربته في مجال القراءة وصقلت ذوقه وحولته إلى مرشد ديار النشر.  لكن القليل منهم من يلتفت إلى التغييرات التي أحدثتها في مجال الإبداع الأدبي.

لعل الكثير من القراء لاحظ  تداول مصطلح ” الأدب الرقمي” في أوساط الدارسين والنقاد بيد أن مواقع التواصل الاجتماعي أعطت عمقا أكثر لهذا المفهوم لأنها تقدم تجربة مختلفة عن تقاليد الكتابة الأدبية التي يضطلع بها مؤلف واحد ينجز نصا أدبيا مغلقا. وتستند هذه التجربة إلى الكتابة المقتضبة والتي أخذت مسمى “الأدب التويتري” الذي يتسم بتشذّره وتركيزه الشديد على منوال القصة القصيرة جدا، واللافتات الشعرية التي تماهي مع تجربة خاصة في الشعر الياباني تسمى” الهايكو”.

الكتابة التشاركية.

حقيقة لم تنتج الرواية المشتركة على يد مواقع التواصل الاجتماعي، بل ظهرت قبل ميلاد هذه الأخيرة ووصلت إلى المنطقة العربية قبل أكثر من عقدين من الزمن، ومثلتها رواية ” عالم بلا خرائط” التي أشترك في تأليفها المرحومان : عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا. لكن مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت بفاعلية في تطوير هذا الشكل من الكتابة. هذا ما تثبته ” رواية أرنو” التي تداول على كتابتها ثلاثة مؤلفين، وهم: غوين كاتلا وكريستوف سنشي، وألكسندر جفن  الذين عكفوا ليلا ونهارا على كتابتها في صفحة على موقع الفيسبوك وفي حساب موقع تويتر طيلة أربعين يوم متواصلة فكانوا ينشرون ما بين 6 و8 مرات في اليوم الواحد مع فاصل زمني محدّد. لقد مُنح لكل كاتب الفرصة لكتابة 420 علامة فقط لمواصلة السرد. ويستطيع كل مشترك في هذه المواقع أن يقرأ كل مقطع على انفراد أو ينتظر ليقرأ كل ما نشر في اليوم الواحد. و يستطيع أن ينشر تعليقاته على ما قرأه، وحتى المساهمة في بلورة مساره السردي.

ومن المتوقع أن يتطور هذا الضرب من الكتابة بشكل سريع كما يعدنا به موقع التواصل الكَنَدِيّ” واتباد”، الذي يعتبر منتدى للقراءة والتأليف موجه للمراهقين الأمريكيين. لقد افرز رواية ” افتر” ( بعد) ذائعة الصيت التي كتبتها الشابة الأمريكية “آنا تود” على شاشة هاتفها الذكي بمساعدة المشتركين في هذا الموقع.

يعتقد بعض المختصين أن مواقع التواصل يفيد أكثر الكتاب الإلكتروني وناشريه على حساب الكتاب الورقي. لذا أصبحت تهدد وسطائه ، وموزعيه ، وباعته وحتى المكتبات التقليدية، وذلك لأنها جَسَّرت العلاقة مباشرة مع الناشرين. وبهذا أعادت النظر في اقتصاديات الكتاب وحتّى في الكتابة الأدبيّة ذاتها. فأضحت هذه الأخيرة تتجه للتكيّف مع استخدامات مواقع التواصل الاجتماعي، لتتسم بطابعها الحركي واللهوي والتشاركي المستلهم من الذكاء الجماعي.

تخوف

رغم أن مواقع التواصل الاجتماعي أضفت الطابع الجماهيري وحتّى الديمقراطي على الأدب، ومنحت الفرصة لأي شخص  ليصبح روائيا أو قصاصا أو شاعرا إلا إلى أن التخوف من مآل الأدب على يدها يظل قائما، إذ يعتقد بأنها تدفع به إلى النزول إلى عَامَّة النَّاسِ عملا بالقول المصري الشائع ” الجمهور عايز كذا”. ولا تعمل على الارتفاع بعَامَّة النَّاسِ إلى مستوى الأدب. هذا ما يستشف من بعض التجارب مثل تجربة دار “نشر هيغو أند سي”، التي فازت بحق نشر رواية ” أفتر” المذكورة أعلاه. لقد أنشأت ”  فيكتيا”، وهي أرضية رقمية خاصة بالقراءة والتأليف الأدبي. وبلغ عدد مشتركيها 120 ألف مشتركا عشرهم كُتّابا! في السنة 2017. تسمح هذه الأرضية للراغبين بالمشاركة في المسابقات التي تنظمها، حيث تطلب من كل كاتب نشر الفصل الأول من روايته في حدود ما بين ألف وخمسة ألاف علامة. ومن يحظى بأكبر عدد من علامات الإعجاب likes” ” يبقى في المسابقة. وتستمر المسابقة إلى غاية تفوق الكاتب الذي يحظى بشعبية أكبر.

تأسيسا على هذه التجربة، هل من المحتمل أن تلجأ مؤسسة نوبل في المستقبل إلى مواقع التواصل الاجتماعي لتفرز لها الفائز بجائزتها في الأدب؟

                                                المؤتمرات الاستعجالية وعابروها

 

وصلت إلى مكان انعقاد المؤتمر العلمي الدولي الثاني عشر الذي عقدته الجمعية العربية- الأمريكية لأساتذة علوم الإعلام  في أكتوبر 2007 بدبي قبل موعد افتتاحه. فانتظرت في البهو وصول الباحثين والمشاركين متصفحا الصحف. وتدريجيا اكتظ المكان بالحضور. قرأت بتمعن جدول أشغال المؤتمر وشعرت أن تعدّد الجلسات الموازية يحرم المشاركين من الاستفادة من المداخلات. لكن منظمو المؤتمر برّروا ذلك بكثرة عدد المشاركين

أخبرني رئيس الجلسة التي أشارك فيها أنه لا يمنح لكل متدخل سوى خمسة دقائق، بحجة ضرورة إخلاء القاعة لجلسة أخرى! وبعد أن أخذ كل واحد منا مكانه في المنصة، دخل القاعة فريق تلفزيوني، فشرع في تنصيب الكاميرات وتجريب الصوت لقد جاء خصيصا لتغطية مداخلة الأستاذة التي جلست على يساري في المنصة وكانت ترتدي حجابا دكن اللون، والتي اختارت الحديث عن  وسائل الإعلام والجنس! إنه موضوع مستفز ومغر.  يغري وسائل الإعلام التجارية المهتمة بالإثارة. وبعد أن هدأت حركة الفريق التلفزيوني في القاعة افتتحت الجلسة وذكّرنا رئيسها أن الوقت الممنوح لكل متدخل نقلص إلى ثلاثة دقائق لأن بعض الوقت ضاع في انتظار ترتيب عُدّة التلفزيون!

بعد أن بسملت وحييت الحضور الذي قل عدده عن فنيي التلفزيون والجالسين في المنصة، وقرأت عنوان مداخلتي، دُفعت وريقة أمام نظري لتخبرني أن الوقت المخصص لي قد انتهى! وهكذا نجح رئيس الجلسة ، مرغما، في رفعها بعد عشرين دقيقة من افتتاحها. تدخل خلالها أربعة متدخلين، و شخصان من الحاضرين في القاعة. الأول أشاد بالموضوع الذي اثأر القناة التلفزيونية المذكورة. والثاني تساءل عن دواعي اختياره  باختصار، انتهت الجلسة وكان ورئيسها سعيدا لأنه التزم بالوقت. فدعانا إلى الكفيتاريا التي ضاقت بالحضور!

بالطبع، هذه الصورة لا تنطبق على كل المؤتمرات العلمية التي تعقد هنا وهناك، لأنني لست في موقع يسمح بالحكم عليها. وتجربتي في هذا الشأن محدودة ومتواضعة جدا. لكن بعض المؤتمرات التي شاركت فيها، وليس كلّها من حسن الحظ، يدعو إلى التساؤل عن جدواها، ليس بالنظر إلى جوانبها التنظيمية والوقت المخصص للمداخلات فحسب، بل بالنظر إلى محتوى المداخلات، ونوعية البحوث ومستوى النقاش.

لقد أجبرت على الاستماع إلى أحد المتدخلين في ” مؤتمر علمي دولي”  شنّف أذاننا بتعريف الانترنت وتاريخها! هل أخطأ هذا المتدخل، الذي قطع آلاف الكيلومترات للوصول إلينا، جمهوره ؟ ربما، فحتّى الطلبة الذين حضروا أشغال هذا المؤتمر أدركوا أن المتدخل اكتفى بقراءة ما دوّنته موسوعة ” وكيبيديا” عن شبكة الانترنت! العقوبة ذاتها تعرضت لها، بمعية بعض الزملاء في مؤتمر أخر عن الإعلام ونحن نستمع إلى إحدى المتدخلات عن التجارة الإلكترونية ! لقد عرضت معلومات أدهشت الحاضرين استقتها من الاستبانة  التي وزعتها في عجالة على طلبتها في الجامعة، نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر، ما يلي: إنّ التجارة الإلكترونية لا تتم بدون بطاقة ائتمان بنكية ( فيزا كارد)! وأن المتاجر الإلكترونية تظل مفتوحة ولا تغلق أبوابها! أما نتائج البحث، فلا تقل روعة ولا إبداعا، مثل: يوجد من يشترى بعض ما يحتاجه عن طريق شبكة الانترنت. وهناك من لا يشترى لأنه لا يملك بطاقة ائتمان أو لكونه لا يثق في أطراف عملية التسوق الإلكتروني، إذ يتوجس التجسس على رقم بطاقته الائتمانية، أو يتخوف من نوعية السلعة المقدمة، أو من عدم الحصول على السلعة أصلا بعد دفع قيمتها المالية!

تخلو الكثير من البحوث التي تقدم للمؤتمرات من إشكالية، ولا تحمل أي هاجس معرفي، ولا تقترح زاوية جديدة للنظر للموضوع المطروح. ولا تقدم جديدا، ولا تسهم في إحداث القطيعة مع الحس المشترك عن موضوع  المؤتمر. ولا يفرق أصحابها بين مقال صحفي، ومحاضرة تعليمية للطلبة، وورقة بحثية، فيستعرضون معلومات بعضها مغلوط أو أكل عليه الدهر وشرب معتقدين أن ركام المعلومات هو البحث.  وتنتهي بعض المؤتمرات دون أن تطبع المداخلات، بل يذهب غثها وسمينها إلى غياهب النسيان.

قد يسأل البعض عن اللجان العلميّة التي من المفروض أن تنخل المداخلات والبحوث. وهو سؤال وجيه حقا. إنّ عدد المؤتمرات التي تُفَعّل لجانها العلمية بغية رفع مستوى التفكير في الموضوع المطروح قليل جدّا. وبعضها الأخر يُزّين لجانه العلمية ببعض الاسماء اللامعة دون أن يخبرها بذلك ناهيك عن استشارتها لأن المشاركة في المؤتمر تخضع لمنطق الشللية. لذا نلاحظ محترفي المؤتمرات ينتقلون من بلد إلى أخر متأبطين البحث اليتيم الذي لا يغيرون فيه سوى العنوان. فيصبح جاهزا لعبور المؤتمرات. ويصلح، على وجه الخصوص، للمؤتمرات التي تطرح موضوعا فضفضا لا يحدّه حدّ ولا طائل من ورائه سواء جلب أكبر عدد من المشاركين لرفع محصول إتاوات المشاركة.

أتابع في بعض الأحيان الإعلان عن انعقاد بعض المؤتمرات فلا أعثر على أي تفصيل عنها سوى عناوينها  التي تفقد توازنها، وتاريخ انعقادها ورسوم الاشتراك فيها! يبدو أنها مهتمة فقط بما تجمعه من مُكُوس من الطلبة والباحثين المرغمين على المشاركة فيها طلبا للترقية أو التوظيف.

حتىّ لا نُتهم بالتعالي أو تثبيط العزائم، أو بخس جهود الشباب العامل على تقديم الأفضل،  يمكن التنويه ببعض المنظمين للمؤتمرات والمشاركين فيها الذي ضحوا بوقتهم ومالهم وجهدهم سعيا إلى تأسيس منابر للتفكير العلمي. هؤلاء الأشخاص يعانون من متاعب أصحاب ” المداخلات” العابرة للمؤتمرات ومحترفي جمع المكوس منها.

التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول لـ  Pierre Bourdieu

تنويه : نشرت هذه القراءة لكتاب بيار بورديو عن التلفزيون في مجلة اتحاد الاذاعات العربية، العدد الأول -2019. ولم يتم تنزّيلها في موقع هذه المجلة في شبكة الانترنت ، لذا ارتأينا وضعها بين يدي القارئ الكريم.

يمكن للقارئ المختص أن يعود إلى كتاب جون ماري بيام الموسوم: “التلفزيون كما نتحدث عنه” ليقرأ كتاب بيار بورديو عن التلفزيون؛ أي التلفزيون كما نمارسه. ليتأكد من التواصل والترابط بين التمثل والممارسة في الفكر النقدي لوسائل الإعلام.

يعدّ المؤلف الذي أصدره بيار بورديو في 1996 من الكتب القليلة جدّا التي تناولت موضوع التلفزيون وحققت نجاحا باهرا . لقد ترجم إلى 26 لغة، منها اللّغة العربية التي قام بها درويش الحلّوجي ، وأصدرتها دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الإعلامية بسوريا في 2004. وقد اختار المترجم العنوان الموسوم أعلاه بدل عنوانه الأصلي الصادر باللّغة الفرنسيّة : عن التلفزيون ، وقبضة الصحافة.

لقد أصبح الكتاب المذكور مرجعا أساسيّا في علم الاجتماع الإعلامي لأنه لم يعكف على نقد التلفزيون الفرنسي ، بل سعى إلى التنظير إلى إكراهات العمل التلفزيوني وتبيعاته ورهاناته في الصحافة بصفة خاصة، والحقل الثقافي والفني والسياسي بصفة عامة.

يتكوّن الكتاب من الفصول التالية : المسرح والكواليس، و البنية الخفية وتأثيراتها. إضافة إلى ملحقين، الأول خاص بهيمنة التلفزيون على الصحافة المكتوبة وعلى سائر الإنتاج الثقافي والفني والعلمي. والثاني خاص بتأثيره على الحقل السياسيّ.

وتلتقي هذه الفصول كلّها في محورين أساسيين شكلا لب المحاضرتين التي ألقاهما بيار بورديو واستنسخا منهما هذا الكتاب. المحور الأول يتعلق بآليات الرقابة والتلاعب غير المرئية التي تمارس في التلفزيون التي فضحها المؤلف كاشفا عن أسرار صناعة الخطابات التلفزيونية. والمحور الثاني يتناول بالتفسير كيف أفسد التلفزيون إدارة مجالات مختلفة ومتنوعة، مثل الفن والآداب، والسياسة، والقضاء، والعلوم.

يتضمن المحور الأول العديد من الأبعاد.

البعد الأول يتعلق بأسباب الرقابة والتلاعب ويوعزها بيار بورديو إلى جملة من الأسباب السياسية والاقتصادية بدءًا بسياسة تعيين المسؤولين على رأس المؤسسات التلفزيونيّة، والرقابة الذاتية التي يمارسها الصحافيون والمذيعون نظرا لهشاشة وضعهم المهني وصولا إلى الإكراهات الاقتصادية التي تُخْضع التلفزيون إلى منطق السوق فتصيبه بحُمَى قياس مشاهدة برامجه ليؤكّد لشركات الإشهار والتسويق على مدى شعبيته. وهذا هو السبب في نظر الكاتب الذي يجعل القنوات التلفزيونيّة تميل إلى بثّ الأخبار الخفيفة والطريفة والخارجة عن المألوف التي لا تطرح أيّ رهان وتستطيع أن تجمع أكبر عدد من المشاهدين. ويرى بيار بورديو أنّ بثّ هذه الأخبار يستقطع من وقت التلفزيون ، أي أنها تملأ هذا الوقت الثمين بالفراغ. فالفراغ الذي يخصص له وقتا ثمينا يصبح نفيسا بدوره. وتبث هذه الأخبار على حساب الأخبار الجادة والهامة التي تساعد المشاهدين على فهم مشاكلهم المعقدة واستبصار واقعهم.  وبهذا يعمّق التلفزيون الهوة الفاصلة بين الفئات التي تملك الإمكانيات والكفاءة لتشكيل ثقافتها السيّاسيّة من الكتب والصحف والمجلات والفئات الشعبيّة التي لا تتغذى سوى بأخبار التلفزيون.

بعد استعراض أسباب الرقابة والتلاعب، ينتقل صاحب هذا الكتاب إلى الكشف عن أشكال هذا التلاعب وأسلوبه. فيؤكّد في هذا الباب أن التلفزيون يقوم بما يقوم به الساحر، يلفت نظر الجمهور إلى شيء ما من أجل إخفاء شيء آخر أهمّ. وقد وسم هذه الطريقة بــ ” الإخفاء عبر الإظهار”  ويقصد به إظهار حدث قليل الأهمية وإبرازه وإلهاء المشاهدين به من أجل إخفاء حدث آخر أهمّ وربما أخطر. وتأريخ التلفزيون المعاصر يقدّم لنا الكثير من الأمثلة التي تؤكّد هذا الأمر.

لا يستطيع التلفزيون الذي يسعى بكلّ جهده من أجل الحصول على أكبر حصة من سوق الإشهار، أو الحفاظ على بقائه، أن يظلّ بمنأى عن المنافسة. وشدّة المنافسة تؤدّي في نظر صاحب هذا الكتاب إلى الاستنساخ والتشابه. فالتلفزيون الذي يريد أن يفرض ذاته في المشهد السمعي-البصري يجب أن يقتدي بالتلفزيون الناجح، أي يحذو حذوه . وبهذا تصبح المنافسة قائمة على الاستنساخ والتشابه. ويتجسّد هذا النوع من المنافسة في قيام الصحافيين بانتقاء الأحداث ذاتها تقريبا، والتعبير عنها بأسلوب متقارب إن لم يكن ذاته. والنتيجة أن الأخبار ذاتها تتداول بين القنوات التلفزيونية في النشرات الإخبارية المختلفة. وقد أطلق بيار برديو على هذه الظاهرة المتنامية في القنوات التلفزيونية مسمى ” التدفّق الدائري” للأخبار.

يرى بيار بورديو في كتابه هذا أنّ التلفزيون المعاصر وقع ضحية السرعة والاستعجال. فالتنافس بين القنوات والسباق للحصول على أكبر عدد من المشاهدين، فرض عليه السعي لتحقيق السبق الصحفي فيجعل الصحافيين يعملون تحت ضغط رهيب، ممّا يقلّل فرصهم في للتحرّي في صحّة أخبارهم وواقعيتها، والتروّي في نقلها والتفكير فيها. وقد يدرك المشاهدون أنّ البيانات والمعطيات التي يقدّمها الصحافيون تكون غالبا غير دقيقة ( أسماء خاطئة، أرقام وإحصائيات تجانب الصواب، وتأويل سيء للأحداث المنقولة…(

قد ندرك أنه من الصعب على المرء أن يتحدّث عما لم يراه بنفسه. لكن الصحافيين يتحدثون عن وقائع لم يشاهدوها فيبثّون على أوسع نطاق بيانات وآراء تقريبية. ولعلّ هذا الأمر شجّع البعض على الاعتقاد أنه في متناوله إصدار أحكام على هذا الموضوع أو ذاك، وعلى هذا الشخص أو ذاك وهم في الواقع لا يجترون سوى الأفكار الجاهزة ويعبرون عن الحس المشترك.

لم تفرض السرعة إيقاعها ومنطقها على نشرات الأخبار في التلفزيون، بل امتدّ إلى مختلف البرامج الحوارية أيضا. ففي هذا الإطار يقول: ” إنّ التلفزيون لا يشجّع التعبير عن الفكر. فهناك علاقة بين الفكر والوقت. إنها العلاقة السلبية بين الاستعجال والتفكير. لذا لا يقدّم ضيوف التلفزيون سوى الأفكار الشائعة والمستهلكة والمقبولة من طرف الجميع. وعلى هذا الأساس يفضّل التلفزيون استضافة الأشخاص ذاتهم في برامجه. ” ويسمّيهم بيار بورديو” بالمفكّرون العجولون”  fast-thinkers “، أي مثقّفو التلفزيون الذين لا يقدّمون سوى وجبات ثقافية سريعة ” fast-food culturel”. ويستدرك صاحب هذا الكتاب بالقول إنّ الاستعجال ليس وحده المسؤول عن بروز هؤلاء المفكّرين، بل أن الإكراهات التقنية وأساليب الرقابة الخفية تسهم في ذلك بقوّة. فالصحافي أو المذيع هو الذي يحدّد قواعد البرنامج الحواري، وهو الذي يفرض الموضوع على ضيوفه، ويعيّن مكان جلوس كلّ واحد منهم، ويتدخّل في زوايا تصويرهم، و يرتّب المتدخلين ويوزّع  عليهم الكلمة ، ويوجّه الحديث ويقاطع المتدخلين بشكل غير عادل مما يتنافى و مبادئ ديمقراطية الحوار. والنتيجة أنّ الأساليب المذكورة هي التي تحدّد ما يجب قوله في البرنامج الحواري ما لا ينبغي قوله.

وعن نفوذ التلفزيون وتأثيره على المجال الصحفي يؤكّد صاحب هذا الكتاب أنّ ميلاده أحدث أزمة في الصحافة بمعنى أنه نزع عن الصحافة احتكار الأخبار وأعاد تشكيل الفضاء الإعلامي. فنشرة الأخبار في التلفزيون الفرنسي التي تبثّ على الساعة الثامنة مساءً، على سبيل المثال، تجمع عددا من المشاهدين يفوق عدد كلّ قرّاء الصحف مجتمعين. فكلّ صحيفة تطمح في الحصول على عدد يساوي عدد مشاهدي هذه النشرة أو يزيد  يجب عليها أن تكون ” لطيفة”، في نظر هذا المؤلّف، أي لا تصدم أحدا، وتتطرّق إلى المواضيع العامة التي لا تثير أيّ مشكل. وهكذا تصبح عملية إحداث التجانس،  وإنتاج التفاهة، وعدم التسييس من الوظائف التي تناسب الصحافة.

يؤكّد بيار بورديو في هذا الكتاب أنّ علماء الاجتماع  رأوا أن التلفزيون عمل منذ ميلاده على تسطيح ثقافة المشاهدين وإحداث التجانس في صفوفهم، لكننا نلاحظ اليوم أنّ للتلفزيون تأثيرا كبيرا على الإنتاج الثقافي والفنيّ والعلمي. فهذا الانتاج لم يعد يخضع للاستقلال الذاتي الذي يعدّ ضروريا وحيويّا، بل أصبح مرهونا بالظروف الاجتماعية التي يتطلّبها بثّه وتوزيعه وتوصيله إلى جميع الناس. وهي الظروف الخاضعة لضغوطات التجارة وقياس الجمهور. وللتأكّد من التحوّل الذي احدثه التلفزيون في الحقل الثقافي يمكن الإشارة إلى أنّ النقاد في المنتصف الأول من القرن الماضي كانوا ينظرون إلى الرّواية التي تحظى بعدد هائل من القراء قد يصل إلى الملايين ، مثل الروايات البوليسيّة، نظرة الريبة ويذمونها. أمّا اليوم فيحتفل بالروايات التي يقترب عدد قرّائها من المليون  لأنها توصف بالناجحة. الشيء ذاته ينطبق على الفيلم السينمائي والأغنية. فمعيار النجاح تصنعه التجارة حتى وإن لم يقدّم أيّ قيمة مضافة ثقافيًّا وجماليًّا.

إنّ الخطورة من كلّ ما سبق ذكره أن الإنتاج في الحقل الفني والثقافي يفقد استقلاليته لارتباطه بهذا القدر أو ذاك بالتلفزيون الخاضع بدوره إلى المطلب التجاري.

وإن كان هذا الكتاب لم يصل إلى حدّ القول بأن كاميرا التلفزيون هي التي تصنع الرؤساء، وتصوّت على المنتَخَبين في تحليله لتأثيره التلفزيون على الحقل السياسي إلا أنه أقرّ بأنّ هذا الأخير أصبح فاعلا قويا في مجال الوساطة بين الناخبين ورجال السياسة. وأنّ الحقل السياسي فقد، هو الأخر، استقلاله وأصبح  في قبضة استطلاعات الرأي التي تعدّ الوجه الثاني لعملة واحدة، وهي قياس الجمهور. لذا أضحى الخطاب السياسي يتماهي مع الخطاب الإشهاري.

أخيرا، يمكن القول أنّ هذا الكتاب لم يحظ بالمدح والإطراء فقط، فقد نال حقّه من النقد والاعتراض إذ أعتبره البعض نموذجا لرؤية المثقفين الفرنسيين النخبويّة التي تستصغر التلفزيون ومن ورائه الثقافة الشعبيّة، ولا يدرجونه في خانة الثقافة المكرسة والسامية.

حكاية  من البرّ الجزائري

بعد أن انتهى من تقديم محاضرته على الساعة التاسعة ونصف صباحا تسأل في سره : أين يقضى وقته قبل أين يحين موعد تقديم المحاضرة الثانية المبرمجة على الساعة الثانية ونصف زوالا؟ إن الكلية التي يدرس بها تكتظ بالبشر وقاعة الأساتذة تحولت إلى سوق، ليس عكاظ بالطبع، بعد أن ضاقت بعدد الأساتذة المتزايد. فأصبحت تسبح في ضجيج السائلين عن الأساتذة ومن ينتظرهم والمتفرغين للثرثرة. فغادرها بعدما لم يتحمل الانتظار للظفر بكرسي. مر بسرعة على مكتبة الكلية التي تخلت عن تسميتها وأصبحت تسمى قاعة المطالعة  بدل محشر الطلاب.

تذكر أن المبنى الضخم  لا يأوي الكلية فقط ، بل توجد به مدرستان. فقصد إحداهما لعله يعثر على مكان هادئ ينصرف فيه إلى قراءاته إلى حين موعد محاضرته الثانية. دخل مكتبتها منشرح الصدر لأنها تخلو من البشر عدا طالبين انزويا في ركن من أركانها يتحدثان همسا.  فتح جهاز كمبيوتره المحمول وشرع في مراجعة البحث الذي أنتهى من إعداده البارحة.  ولم تمض سوى  دقائق معدودات حتىّ انتصب أمامه الحاجب سائلا دون مقدمات: هل أنت أستاذ جديد في المدرسة؟ فكان الجواب بالنفي. فأمره المغادرة فورا. حاول أن يقنع الحاجب بهدوء أن المكتبة خالية على عروشها وأنه لم يزعج أحدا ولم يطلب أي مرجع من موظف المكتبة. وأنه سيمضى بعض الوقت مع كمبيوتره المحمول وينصرف.  لكن الحاجب اعتبر أن هذا الأسلوب في الحديث استفزازا ليس لأنه تعود على الحديث الخشن، بل لاعتقاده أنه لا يوجد من يعطيه درسا في مجال عمله سوى مديره. فثارت أعصابه ولم تهدأ إلا بعد أن اخرجه من المكتبة. ويودعه بالجملة التالية: إن أردت العودة ثانية إلى هذا المكان فما عليك سوى الحصول على إذن من مدير المدرسة.

تخيل نفسه ينتظر المدير، الذي يعرفه شخصيا عندما كان هذا الأخير طالبا. في ديوانه وسكرتيرته تلح في السؤال عن سبب طلب مقابلته . وعندما تستوعب الشرح  المستفيض عن مبرر اللقاء تبتسم بمكر وتخبره أن المدير في اجتماع هام، أو غادر مكتبه متجها إلى الوزارة أو ان اليوم ليس يوم استقبال.

لم يبق أمامه من ملاذ سوى سيارته بعد أن تزود بعبوة ماء. لكنه لم يستطع فتح كمبيوتره لأن الذكريات سرحت به. وأعادته إلى ذاك اليوم الذي زار فيه مكتبة الجامعة الأمريكية. فتراءت له صورة ذاك الشاب البشوش الذي يبدو أنه مسؤول المكتبة عندما استقبله بالسؤال : مرحبا، هل من خدمة؟  إنه يتذكر جيدا كيف اندهش من هذا الاستقبال وهو الذي لا يدرس في الجامعة الأمريكية، بل في جامعة مجاورة لها. لقد خاطبه ذاك الشاب قائلا لسنا بحاجة إلى الـتأكد من هويتك المهنية. تفضل وأجلس في أي مكان يناسبك في الجناح المخصص للأساتذة. وأمامك الكمبيوتر للبحث عن المراجع و الكتب كل موظفي المكتبة في خدمتك. يحضرون لك ما تطلبه.  وعنما همّ بالخروج من المكتبة الجامعية لحق به ذاك الشاب ليودعه بلطف قائلا: بإمكاننا أن نصدر لك بطاقة اشتراك في المكتبة إن كنت تملك صورة شمسية. يسعدنا أن تكون من رواد مكتبتنا….

كاد أن ينسى هذه الحكاية من البرّ الجزائري لو لم يسأله مدير المدرسة المذكورة ذات مرة. ألست أنت الذي طردك الحاجب من مكتبتنا قبل أشهر؟ لم ينتظر الجواب بل استطرد قائلا. انا الذي طلبت منه ذلك. لو فتحت المجال لجاءنا أساتذة من خارج المدرسة!  بالطبع لم يعتذر له ولم يدعوه إلى زيارة المكتبة مرة أخرى. وكيف يفعل ذلك وهو مقتنع أن أفضل المكتبات هي التي يقل عدد زوارها وحتى ينعدم. وأحسنهم على الإطلاق تلك التي تظل أوراق كتبها ملتصقة ببعضها غير مقصوصة لم تصلها يد أي قارئ؟ لقد منعه أدبه من أن يخبر سعادة المدير بأنّه من فصيلة ذاك الشخص الذي سمع بفائدة الطاقة الشمسية اقتصاديا وبيئيا. فسعى إليها. فعندما انتهى من تثبيت الألواح الشمسية فوق سطح فيلته غطاها بصفيحة التنك خوفا من أن تؤذيها أشعة الشمس!

منافع الصحافي- الآلي وأضراره

نصر الدين لعياضي

يتردّد على ألسنة الكثيرين من شاهدوا المذيعة  الآلية- روبوت- وهي تقدم الأخبار التلفزيونية باللغة الروسيّة، في سانت بطرسبرغ  يوم الجمعة 7 يونيو 2019، السؤال التالي: هل سيدفع الذكاء الاصطناعي إلى الاستغناء عن البشر في تقديم نشرات الأخبار التلفزيونيّة؟ سؤال يبرّره اقتدار المذيعة المذكورة على محاكاة إحدى صحافيات وكالة تاس الروسيّة. لقد قلّدت صوتها، وحركة شفتيها وهي تتلفظ مخارج الحروف،  وتعابير وجهها وهي تحاول التفاعل مع طبيعة الأخبار!

تعدّ هذه المذيعة الآلية ثمرة تعاون بين وكالتي الأنباء: تاس الروسيّة، و” شينخوا” الصينيّة اللتين احتفلتا بطريقتهما الخاصة بمرور 70 عام من العلاقات الدبلوماسية بين الصين وروسيا.

و لا تعتبر هذه المذيعة الآلية أول “روبوت” يقدم الأخبار التلفزيونية في العالم. فقد سبقتها  “شين  كسيومنغ”  في وكالة ” شينخوا” الصينيّة التي عرّفت بنفسها للجمهور الصيني،  في شهر مارس/ آذار الماضي عبر شريط فيديو، قائلة:  سأبدأ مشواري المهني معكم كمذيعة أخبار متلفزة.

لقد أدهش حضورها في الشاشة المشاهدين لكونها تشبه مذيعة صينية حقيقية، من لحم ودم، تسمى ” كيو منغ” إلى حد كبير: ملامح الوجه وتقاسمه ذاتها، وتسريحة الشعر عينها، غير أنها لا توحي بإمكانية التحدث بلغة غير اللغة الصينيّة .

لقد شرعت الصين في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في قراءة نشرة الأخبار التلفزيونية في نوفمبر/ تشرين الثاني من السنة الماضيّة حيث كان يتناوب عليها رجلان آليان قدما حوالي 3500 خبرا تلفزيونيًّا! لقد كانت تجربة الرجلين الآليين واعدة لكنها محدودة لأنهما قدما الأخبار واقفين، ويقومان بحركات نمطية مكرّرة. ومنذ ذاك الشهر تطورت صناعة القراء الآليين لنشرة الأخبار التلفزيونيّة لتشبه المذيعين الآدميين.

لم ينتظر الكثير من الصحافيين الأجانب ظهور المذيعة الآلية وهي تقرأ نشرة الأخبار التلفزيونية باللغة الروسيّة ليطرحوا السؤال المذكور أعلاه، لأنّهم عاشروا الرجل الآلي في قاعات التحرير. واقتنعوا بأنه سيأتي اليوم الذي سيغادر “العمل في الخفاء ” ليتصدر الواجهة، ويقدم الأخبار التلفزيونيّة.

بصرف النظر عن شكلها المجسم، فإنّ مذيعة الأخبار الآليّة باللغة الروسيّة هي نتاج الذكاء الاصطناعي الذي عرّفه العالم الأمريكي “مارفن لي مينيسكي” في 1950 بالقول: إنّه بناء من برامج المعلوماتيّة يقوم بالمهام التي كانت حكرا على الإنسان، والتي تتطلب مسارا ذهنيا معقدا بدءًا بالتدرب على الإدراك ، وتنظيم الذاكرة، والربط بين المعطيات. وينفذها على أكمل وجه.

تزايد استخدام الذكاء الاصطناعيّ في إنتاج المعلومات والأخبار، بدءًا بإنشاء قاعدة البيانات والبحث الآلى في محتوياتها، مرورًا  بالبحث عن مصادر الأخبار، ووصولا إلى تحرير المقالات الصحفيّة، وتوزيع الأخبار والمواد الصحفية بطريقة مشخصة : أي إرسال نوع معين من الأخبار وفق طلبات كل زبون وميوله.

كانت الصحف الأمريكية سبّاقة إلى إدخال الرجل الآلي إلى قاعة تحريرها. فصحيفة الواشنطن بوست الأمريكية، على سبيل المثال، داومت على استخدام الرجل الآلي في تحرير أخبارها، إذ يذكر أنها استعانت بخدمات ” الروبوت ” ” هيليوغراف” لتغطيّة الألعاب الأولمبيّة التي جرت في ريو دي جانيرو في 2016.

واقترحت المجلة الاقتصاديّة المشهورة ” فوربس” على قرائها توقعاتها للأسهم في البورصة ونتائج الشركات الاقتصادية بالاعتماد على برنامج ” نراتيف سينس” الذي اخترعته شركة أمريكية صغرى في شمال مدينة شيكاغو. لقد اهتمت هذه الشركة بالبيانات والأخبار المتعلقة بالمال والعقارات والرياضة معتمدة في ذلك على ما تجمعه من احصائيات وتحاليل من مصادر مختلفة.  واستعانت القناة التلفزيونيّة الأمريكيّة المختصة في الرياضة ” ذو بيغ تن نتورك” بالبرنامج المذكور لتغطية المنافسات الرياضيّة المحليّة. إنها ليست القناة التلفزيونيّة الوحيدة التي فعلت ذلك فالعديد من المؤسسات الإعلامية تستخدم البرنامج ذاته في كتابة الأخبار لكنها لا تعلن عن ذلك، حسب مسؤول الشركة المذكورة.

 تزايد اعتماد قاعات تحرير على ” الروبوتات” في تحرير الأخبار في العديد من الصحف إلى درجة أنّ صحافيًّا في جريدة  “لوموند” الفرنسيّة نشرا مقالا عن هذه الظاهرة ووقعه باسمه الكامل مؤكدا أنه ليس رجلا آليا!

ويتوقع كريستيان هاسوند، مدير التكنولوجيا بالشركة ذاتها أن ترتفع نسبة الأخبار التي تنشرها وسائل الإعلام على يد ” الروبوتات” لتبلغ 90 % في السنوات العشر القادمة. وهذه النسبة تثير مخاوف الصحافيين وحتّى غضبهم. لقد رأوا في هذا المخلوق الآلي منافسا خطيرا لهم في قوتهم. وذلك لأنه يتكيّف مع أوضاع الصحف المعاصرة والسياق الراهن الذي تتطور فيه وسائل الإعلام. فـــ “الروبوت” ينتج عددا أكبر من الأخبار يفوق طاقة أمهر الصحافيين على إنتاجه. فوكالة أسوشييتد بريس التي تستخدم برنامج ” أوتماتد أنسايتس” في تحرير التقارير عن المؤسسات الاقتصادية ” منذ 21 يونيو 2014 ضاعفت عدد أخبارها بعشر مرات في الشهر!

وكتابة الروبوت لا تختلف كثيرا في صياغتها عن أي برقية من برقيات أكبر وكالة أنباء عالمية.  وكلفة الخبر الذي يكتبه في حدود 500 كلمة لا تتعدى سعر “سندويتش” ” شطيرة” “شاورما”!   وهذا عامل أساسي يغري وسائل الإعلام على الاستعانة بخدمات الروبوت إن استفحلت أزمتها الاقتصادية.

ويعمل الروبوت على تنفيذ الأوامر بسرعة فائقة، إذ بإمكانه كتابة قصة إخبارية في دقيقتين على أقصى تقدير. وهذا عامل أساسي يؤهل الصحف لخوض غمار المنافسة في ظل سرعة بثّ الأخبار.

وتجلت فاعلية الروبوت أكثر في قدرته على محاربة الأخبار المزيفة التي غدت تشبه مرض السرطان الذي يهدّد نشاط المؤسسات الإعلاميّة.

ما يخفف من مخاوف الصحافيين أن ذكاء “الروبوت” وسرعة عمله لا يؤهلانه لكتابة الأنواع الصحفية الفكرية التي تتطلب قدرا كبيرا من التحليل والتفكير والاستنتاج ، مثل التحاليل الإخبارية ، والافتتاحيات والمقالات والأعمدة الصحفيّة التي تتسم بذاتية الأسلوب.

ففي منافع الذكاء الاصطناعي في البيئة الإعلاميّة تكمن حدوده وحتى أضراره. فبالإضافة إلى مساهمته في افقار الأخبار نتيجة تنميطها المعمّم، يعزّز انغلاق الفرد على ذاته مكتفيا بما يقدم له من أخبار مشخصنة؛ أي تلك التي يحبذ متبعتها لكونها تساير أهواءه وقناعته وتريحه وتعطى الانطباع بأنه دائم على حق. ويبعد عنه الأخبار والمواد الإعلامية التي تعارض آراه وتفند قناعته. وبهذا يسهم الذكاء الاصطناعي في سد أفق تفكير جمهور وسائل الإعلام، و في تفتيت اللحمة التي تشكل قاعدة للنقاش وتبادل الآراء المختلفة والمتعارضة لجمهور غير متجانس.

وغني عن القول أن الذكاء الاصطناعي غير معصوم من الأخطاء. ولعل القليل من القراء من يتذكر الذعر الذي أصاب الأمريكيين جراء قراءة الخبر الذي نشرته صحيفة لوس أنجلس تايمز في 27 يونيو 2017، وحرّره الصحافي الآلي المسمى ” كويكبوت” والذي أشار فيه إلى وقوع زلزال عنيف بقوة  6.8 على سلم ريشتر في مدينة لوس أنجلس. واتضح بعد نشره أن الزلزال المذكور وقع قبل 92 سنة! لقد اعتمد ” كويكيوت” في كتابة هذا الخبر على مركز الدراسات الجيولوجية في الولايات المتحدة الذي كان يعيد تنظيم أرشيفه القديم، فتعامل معه على أساس أنه خبر طازج!

أعتقد أن الجزائر محصنة من أضرار الصحافي الآلي لسببين أساسيين على الأقل. أولهما، أن الكثير من الصحافيين، ومن ورائهم المؤسسات الإعلامية، متقوقعين على أفكارهم وقناعتهم ولا ينقلون للجمهور سوى الأخبار التي تتناغم مع آرائهم. وإن كانت الأخبار غير ذلك فيلوونها عنهم. وهكذا ينغلق جمهورهم على أفكارهم وقناعتهم، ولم يعد حتّى يطيق الاستماع إلى الأخبار التي تختلف مع ما يؤمن به.  ثانيهما،  بيّنت تجارب الذكاء الاصطناعي في عالم الميديا  أن الجهد انصب على خلق رجل آلي يحاكي الصحافي الحقيقي من لحم ودم. بينما  يبدو في الجزائر  أن هناك توجها لدفع الصحافيين الأدميين إلى محاكاة الرجل الآلي- الربوت- لذا تراهم يشتمون ويقفذون الغير بالعبارات ذاتها بشكل آلي.

كيف نفهم  مسلسلا تلفزيونيّا؟

                                                         نصر الدين لعياضي

منذ خمسينات القرن الماضي، والمسلسلات التلفزيونيّة تستحوذ على قسط وافر من ليالي سهر مشاهدي القنوات التلفزيونيّة. ومع التوجه رؤوس الأموال الخاصة إلى الاستثمار في قطاع التلفزيون  في العديد من الدول الأوربية بدءا من ثمانيات القرن الماضي، أزداد الطلب على المسلسلات التلفزيونية. لقد أدرك مصممو  الشبكات البرامجية في القنوات التلفزيونية التابعة للقطاعين العام والخاص أن المسلسلات تشكل ” العربة ” التي تجر قطار مختلف البرامج التلفزيونية. وتمتّن علاقاتها بالجمهور.

يمكن استخلاص مجموعة من المؤشرات عن التحولات التي شهدتها المسلسلات التلفزيونية خلال العقود الأخيرة، نذكر منها: عدم احتكار القنوات التلفزيونية الكلاسيكية لبث المسلسلات، إذ أصبح الجمهور يتابعها عبر حوامل جديدة ومتعدَدة، منها على وجه التحديد المنصات الرقميّة، و المواقع المتخصصة في بث المسلسلات في شبكة الانترنت، وخدمة الفيديو وفق الطلب.  وهذا ما أدى إلى تحررها من القيود التي كبلتها بها القنوات التلفزيونية الكلاسيكية. أنها القيود المتعلقة  بشكل هذه المسلسلات ومحتوياتها وزمن بثها. ويعود الفضل في ذلك أولا  إلى بروز البث التلفزيوني عبر الكابل ، وتكاثر القنوات المتخصصة غير المجانية – التي تتطلب اشتراكا لمشاهدة برامجها بمقابل مالي.  وهذا يعني تحررها من التبعية للإشهار ونواهي المشهّرين.

                                                                    التحوّل

ما سبق قوله لا ينفي بتاتا بأن المسلسلات نشأت وترعرت في كنف التلفزيون الكلاسيكي. وبلغت درجة أنها أزاحت الأفلام السينمائية من عرشها في الشاشات الصغيرة.  وعملت على تشكيل جمهورها المتنوع طيلة سنوات متواصلة. لقد تنافس المشهّرون على إدراج موادهم الإشهارية في المسلسلات التلفزيونيّة التي امتلكت القدرة على تعويد المشاهدين على متابعتها في أوقات محددة وعبر امتداد حلقاتها التي تدوم أشهر وحتى سنوات! فلا مجال للتعجب إن علمنا أن المسلسلات البرازيلية التي تسمى ” تلي نوفا” التي تبثها القنوات التلفزيونية الناطقة باللغة الإسبانية في الولايات المتحدة الأمريكية تحظى بأكبر نسبة مشاهدة، خاصة في أوساط الأمريكيين المنحدرين من أمريكا اللاتينية. لذا بلغ الإشهار الذي تبثه هذه القنوات 5.3 مليار دولار في 2010، أي 9% من مجمل نفقات الإشهار في الولايات المتحدة الأمريكية بأسرها. هذا ما يؤكده ” أدم جاكوبسن”، مستشار وسائل الإعلام الناطقة باللغة الفرنسية في مدينة ميامي.

 لقد استهدف المعلنون عبر إعلاناتهم في المسلسلات التلفزيونية ربات الأسر الماكثات في بيوتهن واللواتي لم يتجاوزن سن الخمسين؛ أي اللواتي أدمن على مشاهدة حلقات المسلسلات ويتمتعن بالقدرة على اتخاذ قرار شراء ما يستلزم البيت والأسرة من مواد استهلاكية. لكننا اليوم نشاهد أصناف من المسلسلات التلفزيونية التي تستهدف شرائح اجتماعية أخرى، منها الشباب والأطفال والكهول.

 وفي ظل المنافسة المحمومة بين القنوات التلفزيونية، وأمام تزايد الطلب الشعبي على المسلسلات التلفزيونية تبارى كتاب السيناريو والمخرجون في تطويرها وإتقان صناعتها سواء على صعيد الموضوع أو أسلوب المعالجة. فكتابة سيناريو المسلسلات وصياغة حواره أضحت فنا قائما بذاته يتسم بالجودة والجاذبية. ويصنف كتابه بالمؤلفين والمبدعين. وحظى تصوير المسلسلات التلفزيونية بعناية فائقة تضاهي تصوير الأفلام السينمائية. وشهدت مواضيعها في الولايات المتحدة الأمريكية، البلد الذي يحتل صدارة إنتاج المسلسلات في العالم، منعطفا بارزا، إذ غامرت بالنأي عن الرومانسية العاطفية التي تستند إلى الثنائية التي شكلت اللحمة الدرامية في الثقافة الغربية. الثنائية القائمة على الصراع بين الخير والشر، وانتصار الأول على الثاني مهما كانت الصعوبات والتضحيات . إنها المسلسلات المعاصرة التي هيمن عليها ما يسميهم الناقد الفرنسي “فرانسوا جوست ” بالأشرار الجدد” ، مثل مسلسل بريكينج باد ” Breaking Bad ” اختلال ضال ” “، ودكستر” ” Dexter” و  ” جيم اوف ثرونز ” Game of Thrones” ” صراع العروش”. والتي يرى الباحث الجزائري ذي الصول الفرنسية، فانسن كولونا، المختص في الانتاج التلفزيوني، أنها تقوم بدور صحي في المجتمع، دور الرواية في مجال الأدب. وذلك لأنها تنقد بشدّة المؤسسات والسلوك، وتكشف عن الفجوة القائمة بين ما يتطلبه المجتمع وما يفعله أبناؤه عمليّا. ويعتقد أن هذه المسلسلات، وتلك التي تصاغ على شاكلتها ، تجعل المرء أقل سذاجة ولا يغترّ بالمظاهر الخداعة في الحياة لكونها تميط اللثام على الكثير من عيوب العصر في المجتمع الأمريكي  وتبيّن للمشاهدين  ما هو الواقع  وما هي السلطة، وما بلغه رأسمال من نفوذ.

خلافا للولايات المتحدة الأمريكية، لقد أدار البحث الجامعي في أوربا ظهره للمسلسلات التلفزيونية ردحا من الزمن ولم يهتم بها لأنه انصرف إلى دراسة ما يعتبره إنتاجا ثقافيا راسخا، وليد الثقافة العالمة، مثل الكتاب والرواية والشعر، والسينما، والمسرح. بينما اعتبر المسلسلات التلفزيونية منتجا استهلاكية شعبيا تفتقد دراستها أي قيمة علمية.  فتركت للمتابعات الصحفية في الجرائد والمجلات المتخصصة التي حاولت رصد شعبية بعضها وتفسير سر نجاحها.

لقد أدرجت المسلسلات التلفزيونية في الدرس الجامعي في جل الدول الأوربية في مطلع ثمانيات القرن الماضي. فتعامل معها في البداية مثل الفيلم السينمائي من خلال التركيز على نوعية الإخراج الفني، ودرجة تعقد السيناريو، وسلاسة الحوار وقدرته التعبيرية، والواقعية السيكولوجية، وتنوع الحكاية ، والمنطق السردي، والتوترات السياسية التي تطبع العلاقة بين أبطالها،  وغيرها من الجوانب التي تسمح بالتمييز بين مختلف المسلسلات التلفزيونية.

                                                   استنطاق المسكوت عنه

وضمن هذا المسعى تم التطرق إلى المسلسلات التلفزيونية بأدوات التحليل السيميائي والتى تروم استنطاق الرموز التي تحملها، والدلالات المبطنة وراء علاقات أبطال المسلسلات وعلاقتها بالمرجعية الواقعية: الحياة اليومية. ففي هذا الإطار نفهم مقولة” إن المسلسلات التلفزيونية هي انعكاس للمجتمع، ومرآة طموحاته”. لقد حاول مخرج الأفلام التلفزيونية الأمريكي  ” ليود كرايمر”، صاحب فيلم الأشخاص الخمسة الذين تلقاهم في الجنة”، تحليل المسلسلات التلفزيونية الأمريكية على ضوء تطور عادات المجتمع الأمريكي وطقوسه. إذ يؤكد أن صورة الأب في المسلسل التلفزيوني ” أبي على حق” الذي بث في خمسينيات القرن الماضي قدمت نموذجيا لرب الأسرة المحترم. بينما تتراجع السلطة الأبوية في المسلسل الموسوم بـ ” الكل داخل العائلة” في سبعينات القرن ذاته. لقد ظهر الأب في هذا المسلسل ضعيف الشخصية سمج نتيجة وقوعه تحت تأثير الثقافة المضادة أمام بروز الحركة النسوية والحقوق المدنية. واستعاد الأب سلطته على أبنائه في المسلسلات التلفزيونية، مثل ” ذا كوسبي شو ” في ثمانينات القرن الماضي التي صادفت   وصول ريغان إلى البيت الأبيض، وسعيه لفرض نزعة التفوق الأمريكي.  وفي تسعينات القرن ذاته يظهر الأب في المسلسل الكرتوني” عائلة سيمبسون”  غير مبال بدوره كرب أسرة ، ولا يتحكم في أفرادها. وتتضح هذه صورة أكثر في المسلسل: ” آل سوبرانو”  الذي تتجلى فيها ملمح الأب وهو يرزح تحت ثقل الأحداث التي تتجاوزه دائما بعد أن فقد السيطرة على أسرته.

هذه القراءة السيميائية للمسلسلات مفيدة جدا للكشف عن البعد الأيديولوجي المتستر في المسلسلات التلفزيونية  واستنطاق المسكوت عنه فيها، لكنها غير كافية لفهمها. وذلك لأنها لا تتحدث باسم الغائب، أي الجمهور فقط، بل تصادر رأيه أيضا. والأكثر من هذا أنها تنقل الجمهور من حالته الملموسة بخصائصه الثقافية والاجتماعية إلى مجرد تصور أو خطاب ينتجه المهنيون والدارسون.

لقد أوخذ على هذه الطريقة في التحليل أنها تتعامل مع المسلسلات التلفزيونية كأنها نص من بين النصوص السردية الأخرى، وبمعزل عن طريقة تلقيه من قبل المشاهدين.

تكاد دراسة المسلسلات التلفزيونية تغيب في الجامعات العربية إن استثنينا البحوث التي تحاول أن تستطلع آراء الجمهور في هذا المسلسل التلفزيوني أو ذاك، وتحاول أن تكشف عن جمهوره. لكنها لا تغامر بالإجابة عن السؤال التالي: ما المعنى الذي استخلصه المشاهدون من متابعتهم لهذا المسلسل التلفزيوني أو ذاك وكيف أولوا أحداثه؟  يندرج هذا السؤال في قلب نظرية التلقي التي تلفت الانتباه إلى الفكرة التي تكاد تصبح بديهية أو تحصيل حاصل مفادها أن الرسالة التي تستخلصها المتلقي- المشاهد- من مشاهدته لمسلسل تلفزيوني قد لا تتطابق تطابقا تاما مع تلك التي أراد مخرج المسلسل أو منتجه توصيلها له.

                                                                    سلطة التأويل

تعيد نظرية التلقّي الاعتبار إلى المشاهد وتبوأه مكانة مركزية لأنها لا تؤمن بتأثير المسلسلات بدون الأخذ بعين الاعتبار كيف فهمها المشاهدون وأولوها في حياتهم اليومية. وعلى هذا الأساس توصل ستورت هول، الباحث الأمريكي إلى وجود ثلاثة أصناف من المشاهدين: المشاهد المستسلم، أي الذي يتقبل البعض مما ورد في المسلسلات التلفزيونية وفق المعنى الذي قصده المنتج أو المخرج، والجمهور المفاوض الذي يعدل ما ورد في المسلسلات ويخضعها لتصوره وحاجاته، والجمهور الرافض، أي مقاوم للمضامين التي تنقلها المسلسلات.

يقدم الباحث البريطاني المختص في التلفزيون، جون فيسك، نموذجا للجمهور المفاوض الذي يستخلص من المادة الدرامية ما يمتعه  ويعزّز هويّته. فيذكر فيلم  رامبو   Ramboالأول ( للمخرج سلفيستر ستالون Sylvester Stallone ( الذي ندّد بالاضطهاد الذي عاني منه أحد قدماء المقاتلين في فيتنام عندما عاد من الحرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ويستعرض رده الحربي على العنف الذي تعرض له. يقول الباحث ذاته أن  هذا الفيلم كان من الأفلام التي يفضلها الرئيس الأمريكي السابق رولاد ريغان ساعة عرضه في قاعات السينما لتضميناته الرجوليّة ونزعته الوطنية. وأحبه ، أيضا، سكان أستراليا الأصليون غير المبالين بالشأن الأمريكي لكنهم وجدوا ذاتهم في بطل هذا الفيلم. هذا الشخص الأخرق، والناطق باللغة الإسبانية، أي غير المؤهل للتعبير بمصطلحات البروتستانتيين الأنجلوساكسونيين البيض المهيمنة، والمطارد من قبل الشرطة، والعائد إلى وضعه الطبيعي باللجوء إلى العيش في الغابة.  لقد أدرك السكان الأصليون باستراليا السرد الفيلمي المذكور كاستعارة لظروف حياتهم الخَاصَّة: لقد كان على هؤلاء السكان تبني التقاليد اللّسانية البريطانية. لقد شكلوا مجموعة اجتماعيّة تعاني من أعلى نسبة انحراف في أستراليا وتواجه بأقسى عقاب، فكانت علاقتهم قويّة بالطبيعة والأحراش  تحديدا.

توظف نظريات التلقي جملة من المفاهيم التي ترشدها إلى آلية تأويل المشاهدين لما يشاهدونه في المسلسلات التلفزيونية، منها: أفق التلقي واندماج الأفقين.

يستند أفق التلقي إلى التجربة السابقة التي اكتسبها الجمهور عن النوع الذي ينتمي إليه النص الدرامي: فيلم ، مسلسل تلفزيوني، وغيره، وشكل الأعمال السابقة، وموضوعاتها التي من المفترض معرفتها. وأبرز مثال يجسد هذا المفهوم هو توقع/ تكهن المشاهد بخاتمة الفيلم أو المسلسل دون أن يشاهد أخر حلقة منه.

ويعبر مفهوم اندماج الأفقين ، عن لقاء الأفق الذي يرسمه المسلسل التلفزيوني وأفق المشاهد. وأفضل مثال على ذلك تقدمه المسلسلات التلفزيونية التاريخية والتي يقرأها المشاهد بناء على واقعه. فيسقط الكثير من تفاصيل الماضي على حاضره.

                                   عندما يُدار قطاع الإعلام بالحيلة في الجزائر

                                                             نصر الدين لعياضي

في قراءته لكتاب كليلة ودمنة يقول الناقد المغربي، عبد الفتاح كيلوطو، أن الحيلة تعمل حين تعوُز القوّة. فلا حاجة للأسد إلى الحيلة فقوّته ترفعه عنها”. وهذا خلافا للثعلب الذي يلجأ إلى الحيلة لأنه يفتقد قوّة الأسد.

تنطبق هذه القراءة على السلطات الجزائرية في تعاملها مع قطاع الإعلام. لكن هل خانتها القوة حتّى لجأت إلى الحيلة؟  بَلَى، لقد افتقدت قوّة الحُجّة وليس حُجّة القوّة.

عندما اقبلت السلطات على فتح المجال لإنشاء صحف خاصة، في مطلع تسعينات القرن الماضي، كانت تطمح، من جملة ما تطمح، إلى منح “واجهة ديمقراطية” للنظام السياسي. فساعدت المهنيين على إنشاء صحفهم الخاصة. ثم التحق بهم رجال المال عديمي الصلة بالمهنة. واستخدمت أسلوب ” الجزرة والعصا” لترويض الصحف الخاصة الناشئة. فمَوَّلت الكثير منها بريع الإشهار الذي لازالت تحتكر سوقه. ومسحت ديون العديد من الصحف لدى مطابع الدولة وغضت البصر عن تراكم ديون بعضها الأخر. وعندما ترى ضعف ولاء هذه الصحيفة لها أو تلك تلجأ إلى العصا، فتهددّها بالغلق إن لم تدفع ديونها للمطابع، وتخيفها بإدارة الضرائب! وبالملاحقة القضائية، والإيعاز بتقليص سحب نسخها! وأخر الأمثلة على ذلك صحيفة “الفجر” و”الجزائر نيوز”. لقد فهم مالكا هاتين الصحيفتين ان حرمانهما من الطبع لا علاقة له بعدم تسديد ثمن طباعتهما. واعتبراه عقابا سياسيّا سلط عليهما لموقفهما المعارض لترشح بوتفليقة لعهدة رئاسيّة رابعة!

توقفت 60 صحفية عن الصدور في الجزائر منذ 2014 بسبب تراجع سوق الإعلان، كما تزعم السلطة. لكن هذا التراجع لم يمنعها من رفع حصة بعض الصحف من الإشهار حتىّ تلك التي لا يقرأها أحد ، بينما حرمت منه صحفا أخرى أكثر مقروئية!

كلّلت سياسة العصا والجزر بتكوين فئة من “الصحافيين” و”أشباه الصحافيين” اغتنوا من الصحافة، فامتلكوا عقارات وشريكات تجارية دون أن يسدّدوا ديونهم لدى مطابع الدولة! هكذا تقاطعت مصالح “أثرياء الصحافة” ومصالح الكثير من السياسيين ورجال المال. فحوّلوا صحفهم إلى ساحة للصراع بين عُصَب السلطة وأداته. هذا ما يقوله الهجوم الشرس الذي شنّته بعض الصحف على مستشار الرئيس زروال في صيف 1998 لإجباره على الاستقالة من رئاسة الجمهوريّة  وتحقق لهم ذلك. والهجوم الذي تعرض له وزير الداخلية السابق نور الدين زرهوني للضغط على الرئيس بوتفليقة، الذي انتهى بالاستغناء عن خدمات هذا الوزير. و قبلها التهجم على الشخصيات الخمس الذين انسحبوا من الترشح للانتخابات الرئاسية في  أبريل 1999 لاعتقادهم بأن نتائج الانتخابات محسومة مسبقا لصالح بوتفليقة. ووظف هذا الصراع التصور التاريخي لما هو الصحافي. فلازال الاعتقاد سائدا في قاعات التحرير  بأن الصحافي مناضل وأن الوسيلة الإعلامية أداة نضالية.

هذا لا ينفي الاعتراف بوجود صحافيين أكفاء أمنوا بالصحافة الحرة ، ومنهم من دفع حياته ثمنا لها. ولا يبخس قيمة بعض الكتابات الصحفيّة الجريئة والناقدة في الصحف الجزائريّة. لكن نقد الصحف وتعليقاتها لا يزعج السلطات كثيرا في حالة خُلوُّها من الأخبار المُوَثَّقة التي تدين النظام السياسي.

يذكر أنبرتو إيكو أن الوظيفة الحقيقية الصحافة الايطالية في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، لم تكن إخبار الناس، بل بعث رسائل مسننة إلى لوبيات السلطة، ولم يكن قراؤها سوى وسيلة. المصيبة أن الرسائل التي كانت تبعثها الصحف الجزائرية، وربما لازالت، ليست مسننة بل صريحة ومجاهرة بنواياها.

والحيلة في إدارة قطاع السمعي البصري في الجزائر لم تكن أقل في إدارة الصحف. فأمام الخوف من امتداد حراك الربيع العربي إلى الجزائر، ورغبة بوتفليقة في الترشح لعهدة رئاسية رابعة، فتحت السلطات الجزائريّة المجال للاستثمار الخاص في قطاع التلفزيون في 2012. واشترطت أن يكون بَثّه من خارج التراب الجزائري! فأزداد عدد هذه القنوات ذات الوضع القانوني الهجين عن 40 قناة تلفزيونية في ظرف قصير جدا. ولكن لم يُرَخّص سوى لخمس قنوات تلفزيونية بصفتها مكاتب لقنوات تلفزيونيّة أجنبيّة لمدة سنة قابلة للتجديد! بالطبع إن المحظوظين الذين استفادوا من الترخّيص هم رجال الأعمال المقربين من دائرة الرئاسة، والذين جعلتهم رجال مال بين عشية وضحاها. واختيارهم لا يَنُمّ عن عبقرية جزائرية بقدر ما يفصح عن تقليد ممسوخ لما قام به نظام بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر.

ينص القانون الجزائري الخاص بالسمعي- البصري، الصادر في 2014،  على أن حرية إنشاء قنوات تلفزيونية يقتصر على القنوات المتخصصة، وعلى ضرورة أن يكون مالكوها من الصحافيين المحترفين وأشخاص مهنيين، ولا يجوز لأي شخص المساهمة في إنشاء أكثر من قناة تلفزيونية. لكن النظام السياسي لم يُفَعِّل هذا القانون، وتركه للاستعمال كسيف دموقليس على رقاب القنوات التلفزيونية. لقد شُمّع مقر القناتين التلفزيونيتين: الأطلس والوطن بقرار إداري بحجة عدم حصولهما على ترخّيص لممارسة نشاطهما!

كانت نِيّة السلطات الجزائرية عفوا حيلتها، من هذا ” الانفتاح” في مجال البث التلفزيوني تحوّيل المشاهدين الجزائريين عن متابعة القنوات التلفزيونيّة الأجنبيّة: الجزيرة والعربيّة، وفرانس 24، و تي أف 1 الفرنسية، وغيرها من خلال الترخيص لقنوات تلفزيونيّة خاصة بالنشاط. وتلهيتهم بلغو الصور والكلام عن استحضار الجن والشعوذة والزنا، عملا بمقولة “”إنّ السياسة فنُّ منع البشر من الاهتمام بما يَعْنيهم”. وتوجيهها إلى تصفيّة الحساب بين عصب السلطة. وهكذا تحوّلت  بعض القنوات التلفزيونية إلى لسان ناطق باسم “القوى غير الدستورية” التي استأثرت بالحكم. ففضلتها عن وكالة الأنباء الجزائرية والتلفزيون الحكومي في مجال الأخبار. ليس هذا فحسب بل كبلت نشاط وسائل الإعلام العمومي بعد أن جعلتها مجرد نشرات داخلية لنشاط السلطة التنفيذية أو بالأحرى صدى لصوتها. فأدارت ظهرها للمجتمع، بل غيبّته في منتجاتها. وأبرز دليل على ذلك هو افتتاح نشرة الأخبار في الإذاعة الوطنية بالانتخابات الرئاسية في نيجيريا يوم 22 فيفري الفائت الذي شهد بداية المسيرات الشعبية الرافضة لترشح بوتفليقة لعهدة خامسة! والأدهى أن   القوى التي أممت الدولة لصالحها اتخذت من بعض القنوات التلفزيونية الخاصة سوطا لجلد كل معارضيها. والتندّيد بالذين اختلفوا مع سياسة بوتفليقة وحتّى مع مزاجه. فلم ينجو من تشهيرها وقذفها والنهش في الأعراض رؤساء أحزاب معارضة، ومستثمرين، ومثقفين وفنانين، وشخصيات تاريخيّة، وحتّى وزراء وهم على رأس وزاراتهم أمام صمت مؤسسات الدولة وربما تواطؤها! هذا لا ينفي قيام بعض القنوات التلفزيونية ببثّ برامج متميزة. لكن طائر السنونو الوحيد لا يصنع الربيع! كما يُقول المثل الفرنسي.

هل يدرك النظام السياسي معنى المثل العربي الذي يقول “على أهلها جنت براقش” بعد أن أوصل  وسائل الإعلام الجزائرية إلى الانفلات المهني والأخلاقي الذي تعيشه الجزائر اليوم إلى درجة لم يعد المرء يصدق أي خبر، ويشكك في نوايا ناشره؟  انفلات لم يترك لرئيس هيئة ضبط السمعي البصري ما يقوله سوى التأسف على ما ألت إليه الممارسة الإعلامية والتأكيد على :”إن سلطة المال تُضبّب الرؤية للحقل الإعلامي، وأن هناك إرادة لإنشاء مؤسسات، ثم تكبيلها”! هذا قول غريب حقا، ألم يقرأ صاحبه النص القانوني لإنشاء الهيئة التي يترأسها؟ ألم يدرك بأنها ليست سوى امتدادا لديوان وزارة الاتصال؟

قد يتّهمني البعض بالسذاجة لأنني أتوهم وجود إعلام في العالم دون صراع المصالح ولا حيل. فالقانون هو إجماع على تشريع الحيل. بينما نص القانون المتضمن إنشاء الهيئة المذكورة أعلاه ليس سوى اقتباسا بدون روح للقانون الفرنسي الذي أسس المجلس الأعلى للسمعي البصري! ويبدو أن هذا الاقتباس أصبح عاجزا عن تحقيق غايات “القوى غير الدستورية” المذكورة آنفا فداست عليه!

الأمر ليس سذاجة، بل إشارة إلى محاولة فهم ما يجري في قطاع الإعلام، ودعوة إلى عدم الاندهاش من  واقعه، أو النظرة إليه نظرة تغريبية:

فــ ( التغريب هو فقدان الحادثة  أو الشخصية لكل ما هو بديهي ومألوف وواضح، وإثارة الدهشة والفضول تعويضا عن ذلك… أي أن اثر التغريب للشيء المراد فهمه أو لفت النظر إليه يتحقّق حين يتحوّل من أمر عادي جد ماثل مباشرة إلى أمر مدهش غير متوقع. ففي معنى من المعاني يصير الوضوح في حد ذاته غير مفهوم، على حين أن هذا لم يحدث إلا لكي يجعله مفهوما كل الفهم.) (1)

ما اخشاه هو أن ينطبق ما جاء في الفيلم المصري “الكيف” على وضع الإعلام التلفزيوني في الجزائر. يقول الممثل في هذا الفيلم: ( كنت أبيع الشّاي مغشوشا بنشارة الخشب في أكواب جميلة مدموغة بجملة “شاي أبو الأصول”. فكسبت مالا وفيرا. ثم استغنيت عن النشارة عندما ارتفع سعرها، فانصرف عني الزبائن قائلين: إني أبيع شايا مغشوشًا. إنهم مُغفّلون. فيرد عليه ممثل أخر: لا ، الزبائن ليسوا مُغفّلين، بل أمثالكم أفسدوا ذوقهم. هل يدير الجمهور الجزائري ظهره للإعلام عندما تتوفر الإرادة السياسية لدى النظام السياسي القادم ويُخْضِع النشاط الإعلامي إلى معايير مهنيّة وأخلاقيّة، لأنه تعوّد على إعلام مغشوش، فأفسد ذوقه؟

1- محمد غنيم هلال : في النقد المسرحي ، دار العودة بيروت 1975، ص 68

الحراك الجزائري والفيسبوك:

 بين مكلوهان ومروزوف

نصر الدين لعياضي

يطرح الحراك الشعبي الجزائري ضرورة استئناف النقاش حول العلاقة بين الحركات الاجتماعية الواسعة ومواقع التواصل الاجتماعي ومساءلتها. النقاش الذي بدأ مع أحداث ” الربيع العربي”. وافرز اتجاهين أساسيين : الاتجاه الأول راح يبحث عن  الجذور “الرقمية” لهذه الأحداث مستأنسا  بأطروحات الفيلسوف الكندي، مارشال مكلوهان، التي تؤمن بالدور الحتمي للتكنولوجيا،  باعتبارها امتدادا لحواس الإنسان، في تَشكُّل الدولة المركزيّة، وإحياء القوميات، واندلاع الحروب. ومنها انطلق هذا الاتجاه في تضخيم قدرة شبكة الانترنت على تحرير الأشخاص من الأنظمة الاستبداديّة. وحجته في ذلك أن إزاحة الرئيسين: زين العابدين بن علي وحسني مبارك عن سدة الحكم ما كانت أن تتحقق لولا موقعي التواصل الاجتماعي: الفيسبوك وتويتر.

والاتجاه الثاني، استند إلى تصور يفغيني مروزوف، الكاتب الأمريكي من أصول بيلاروسية، وأستاذ بجامعة ستانفورد، الذي قلّل من دور مواقع التواصل الاجتماعي في النضال الديمقراطي والثوري إلى حدّ تهميشه. وراح يبحث عن حججه في ” الانتفاضات ” الشعبيّة” التي جرت في أكثر من بلد، بدءًا بــ “مولدوفا، مرورا بأوكرانيا، ووصولا إلى إيران في يونيو/ جوان 2009. فتعجب كيف نسمي ” الأحداث التي شهدتها هذه البلدان بثورة تويتر أو الفيسبوك، ونؤكد في الوقت ذاته أن حكامها حرموا مواطنيهم من الاتصال بشبكة الانترنت في أحيان كثيرة، وراقبوا المحتويات المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي، ولاحقوا نشطاءها! ويذكر أن طلب تأجيل صيانة موقع شبكة تويتر الذي تقدمت به حكومة أوباما إلى مديره يوم 15 يونيو/ جوان 2009 من أجل اتاحة الفرصة للإيرانيين لاستخدامه في حراكهم الشعبي، لم يؤد سوى إلى زيادة عدد التغريدات التي أُرْسِل أغلبها باللغة الإنجليزية من خارج إيران!

يمكن ايجاز رؤية مروزوف للعلاقة القائمة بين “الانتفاضات” الشعبيّة ومواقع التواصل الاجتماعي في القول أنه من الصعوبة بمكان أن تترجم العلاقات الاجتماعية التي تُبْنَى عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى أفعال ونشاطات جماعيّة في أرض الواقع.

قد يتساءل البعض: كيف خرج آلاف الجزائريين في مسيرات في شوارع كل المدن الجزائرية، تقريبا، في يوم واحد، والتوقيت ذاته استجابة لنداء “مجهول” في موقع الفيسبوك؟  بصرف النظر عن خلفيات هذا السؤال، فإنه يقودنا إلى طرح سؤال أخر : لماذا لم يخرج الجزائريون بالآلاف للتظاهر في الشوارع يوم 12 جانفي/ يناير 2011، أي في عز “الربيع التونسي” عندما وُجِه لهم نداء مماثل عبر الفيسبوك ؟

يصعب الفصل بين الواقعي والافتراضي في الحراك الجزائري. فخروج ملايين الجزائريين إلى الشارع  منذ 22 شباط/ فيفري الماضي هو وليد تراكمات من النضال والإحباط والغضب التي تجسدت في سلسلة من الاضرابات والاحتجاجات ذات الطابع الثقافي: مثل أحداث ” الربيع الأمازيغي” التي كانت تطالب بالاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية ووطنية، و ذات الطابع المهني: إضراب الأطباء المقيمين الذي استمر لعدة شهور، وذات الطابع الاجتماعي: مسيرات متقاعدي الجيش الوطني الشعبي، وحركة البطالين في الجنوب الجزائري، ومسيرة المعلمين المستخلفين، وغيرها من الحركات الرافضة لارتفاع أسعار المواد الأساسيّة والمطالبة بالحق في السكن، وإصلاح الطرقات، وتوصيل الغاز الطبيعي إلى سكان القرى. ورغم حرص هذه الحركات على طابعها غير السياسي إلا أنها جوبهت بالحصار الإعلامي والعنف اللفظي والجسدي. وبتزايد عددها بات الاعتقاد راسخا أن لجوءها إلى الاعتصام واحتلال الشوارع والساحات العامة أضحى أسلوب اتصال سياسي بامتياز أمام انسداد قنوات الاتصال المعروفة !

أمام اتساع عملية إقصاء قطاع واسع من الجزائريين، من مختلف القناعات السياسيّة والأيديولوجية ، من مختلف الهيئات المنْتَخَبة ، وأمام احتكار الفضاء العمومي وإفراغ النشاط السياسي من محتواه لم يبق أمام الشباب الجزائري سوى ملاعب كرة القدم للتعبير عما يعانون من ظلم وضنك العيش، وتعسف في استخدام السلطة وتلاعب بالقوانين عبر الأهازيج . والتوجه الجماهيري إلى الفضاء الافتراضي للإفصاح عن سخطهم على الوضع عبر أغنيات الراب، ونشر الصور التي تُكذّب الخطاب الرسمي، والوثائق التي تثبت حالات الفساد والرشاوى. فقادت ناشريها إلى السجن. والسخرية من رغبة الرئيس السابق، العاجز عن الحركة والكلام، في أن يستمر في السلطة بعد عشرين سنة من الحكم. السخرية بالرسم الكاريكاتوري والنكت والأشعار. لكن نعتقد أن ترشُّح بوتفليقة لعهدة خامسة كانت القطرة التي ملأت كأس الغضب فانهمر في الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي.

أمام انصراف وسائل الإعلام الرسمية إلى التعتيم الإعلامي على المسيرات الشعبية الأولى، وارتباك وسائل الإعلام الخاصة في تغطيتها. قامت “وسائل الإعلام الفردية الجماهيرية” Self Mass media  بدور أساسي في إعلام الجزائريين عن مسيرات يوم الجمعة من خلال نقلها مباشرة بالصوت والصورة عبر موقع الفيسبوك. وبهذا ربطت الحراك الشعبي بالفضاء الافتراضي.  وقامت بتوجيهه للحفاظ على طابعه السلمي.

لقد  عزّزت مواقع التواصل الاجتماعي شعور الجزائريين بالانتماء إلى الوطن. وجعلتهم يكتشفون ذاتهم بعد سنوات من الرعب والخوف واليأس. فأدركوا أنهم يشكلون وحدة في التنوع. هذا ما يعبر عنه التحليل السيميائي للصور، وصور ” السيلفي” Selfie، الملتقطة من قلب الحراك، والمتداولة عبر مواقع الفيسبوك واليوتيوب والواتسات، وفيبر. إن هذه المواقع ليست أرضيات شخصية فقط، بل جماعية أيضا، لأن الجزائريين لا يترددن في عرض ما يصلهم من صور وشعارات ونكت وأغان وأشعار عبر حسابهم الخاص في هذه المواقع على أفراد أسرهم غير المتصلين بشبكة الانترنت أو أنهم غير مشتركين في هذا الموقع. علما أن نصف الجزائريين تقريبا لا يملك اشتراكا فيه.

غني عن القول أن مواقع التواصل الاجتماعي توسع مجال المرئي وتجعل ما هو مرئي مقروءا، على حد قول الباحث “فرنسوا جوست”. وتُمَكّن المهمشين اجتماعيا والمقصيين سياسيا من انتزاع الحق في الاعتراف. فالسياسة في هذه المواقع تضاعف وجودها وتعدّد أشكال تمثيلها. لقد جعلت هذه المواقع مسيرات الجمعة استعراضا وفُرْجَةَ. والفرجة ليست “مشاهدةُ ما يُتَسلَّى به” فحسب، بل إنها أيضا ” انكشاف الهم” وانفلات عن معايير وأشكال التعبير والاتصال، وتملُّك حق القول بصوت مرفوع، والخروج عما هو امتثالي ومفروض من قبل النظام السياسي.

تتسم مواقع التواصل الاجتماعي بسعتها غير المحدودة فيتملّكها من يجنح إلى المزايدة على الحراك الشعبي، ويمارس التضليل والتشهير ، ويُشكّك في نوايا الكل. وهناك من يسلط هذه المواقع لهذه الغايات ولو بدس الأخبار المزورة. وخطر هذا التملُّك تكمن في تناغم ذهنيّة الجزائري ، وربما العربي،  مع  خصائص بعض مواقع التواصل الاجتماعي التي تتيح، بل تسعى، إلى الإحماض الذي يعني الافاضة فيما يؤنس الفرد من الحديث والكلام.  والإحماض الرقمي يشكل حلقة أخرى في العلاقة الجدليّة بين الحراك الشعبي والفضاء الافتراضي.

إن تجليات الحراك الشعبي الجزائري في الفضاء الافتراضي يدعو إلى مراجعة  مفهوم ” الفضاء العمومي المعارض” الذي صاغه الفيلسوف ” أوسكار نغت” على ضوء أطر النقاش والتمثيل التي شكلتها الحركات الاجتماعية في الشارع أو أنها في طور تشكيلها. فالشعارات والمطالب التي يرفعها الجزائريون في مسيراتهم ، تسري في مواقع التواصل الاجتماعي ليصل مداها إلى من لم ينزل إلى المعترك في الشارع. والشعارات والأغاني التي تولد في الفضاء الافتراضي تجد صداها العملي والتجنيدي في الشارع. ففي ظل هذه العلاقة الجدلية بين الشارع والفضاء الافتراضي انزاح ” الفضاء العمومي المعارض”، فضاء المهمشين، ليحتل المركز ولو إلى حين، وتراجع الفضاء العمومي الرسمي إلى الهامش. لكنه لم يستسلم بعد، وربما لم يستسلم على المدى القريب، بل يحاول استعادة مكانته في المركز من خلال تملك خطاب الشارع وتعبئة وسائل الإعلام الموالية له. في ظل هذا التدافع بين الهامش والمركز تبدو أن حركية الفضاء العمومي لم تعد تستند إلى المداولات والاستعمال العلني للحجة ، بل أضحت ترتكز على قوة المرئي والاستعراضي واستغلال ما هو وجداني وإلى سرد المرويات ” الجديدة”.

عِلّة الأخبار في الحراك الشعبي الجزائري

نصر الدين لعياضي

من يتابع عن كثب التطورات التي تعيشها الجزائر منذ أسابيع يصاب بالذّهول من حجم الأخبار المزيّفة، وسرعة انتشارها وسط مختلف الشرائح الاجتماعيّة. بل يعجز في أحيان كثيرة عن تمييزها عن الأخبار الصادقة. وهذا الأمر أصبح يثير الكثير من القلق الذي يربك الحراك الشعبي ويرهن مستقبله القريب. ومن جملة ما تم تداوله من أخبار مزيّفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بدءًا من 1 مارس/ 2019، نذكر على سبيل المثال، قائمة الأشخاص الممنوعين من مغادرة التراب الوطني، والتي أُضيفت لها اسماء وأسقطت منها أخرى حسب أهواء من وضعوها. ونتيجة لما أحدثه هذا الخبر من قلق في المجتمع لجأت أجهزة الأمن المختصة إلى نفي وجود مثل هذه القائمة . وشاع خبر إقالة نائب وزير الدفاع، ورئيس أركان الجيش الجزائري، ساعات قليلة قبيل استقالة الرئيس بوتقليقة. وعُزّز بصورة لنص مرسوم الإقالة مستندا إلى المادة 72 من الدستور الجزائري لإثبات صحّته. وعند العودة إلى الدستور نجد أن المادة المذكورة تنص حرفيا على ما يلي: ” تحظى الأسرة بحماية الدّولة واﻟﻤﺠتمع”!. وبعد استقالة الرئيس بوتفليقة مباشرة انتشرت أخبار في المنصات الرقميّة عن هروب وزراء حكومة أحمد أويحي المقالة، و القاء القبض على وزير العدل السابق فارا على الحدود المغربية! مما أضطره إلى الظهور أمام الملأ لتفنيد الخبر. هذا إضافة إلى الأخبار التي طالت أعضاء الحكومة الحالية المغضوب عليها و ” قادة” الحراك الشعبي، والتي استعانت بصور تم التلاعب بها بـ ” الفتوشوب”، قصد النيل من شرفهم وسمعتهم.

بصرف النظر عن السياق الذي انتشرت فيه الأخبار المزيّفة، لا تعدّ الجزائر البلد الوحيد الذي أصبح يعاني من وطأتها. لقد وصفها البعض بالحريق الذي يشبّ في الغابة  الرقميّة. فالكثير من البلدان لم تقم بعد بتقييم تكلفة الخسائر التي سببتها لها الأخبار المزيّفة، بدءًا بتلك التي أطرت حملة الانتخابات البريطانيَة للانسحاب من الاتحاد الأوربي، وصولا إلى حملة الانتخابات الأمريكيَة التي أوصلت “دونالد ترامب” إلى البيت الأبيض. ولازال يوظف بعضها ضد خصومه الديمقراطيين لتبرير سياسته ومواقفه، مثل الانسحاب من اتفاق باريس حول المناخ. حقيقة لقد تجندت مؤسسات الدولة، ووسائل الإعلام لمحاربة الأخبار المزيّفة في البلدان التي تضرّرت منها. ولازالت تحاربها. بينما انصرفت بعض الصحف والقنوات التلفزيونيَة الخاصة في الجزائر والعديد من المواقع الإخبارية في شبكة الانترنت ، ناهيك عن الحسابات المشبوهة في موقع الفيسبوك و اليوتيوب، إلى ترويج هذه الأخبار التي أصبحت تثير النّعرات الجهويّة، وتنال من الحياة الخاصة للأشخاص. وتخوّن من تشاء وتحاكمه من أجل التّفرقة بين الشعب وزرع الأحقاد والضغائن وإثارة البلبلة في المجتمع. وهكذا اختلطت الأخبار الحقيقة والصادقة مع الكاذبة والمغشوشة مما يتطلب إعادة تعريف هذه الأخيرة.

يعتقد البعض أن الأخبار المزيّفة، التي زاد الاهتمام بها بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، تعدّ ترجمة عملية للشائعات. والكل يعلم أن الشائعات ظاهرة موغلة في التاريخ وليست حديثة. ويحتمل أن تتضمن أحداث حقيقية أو مغلوطة. وهذا خلافا للأخبار المزيّفة التي تروج أحداث كاذبة. وهذا ما ذهب إليه الفيلسوف الألماني، ” أكسل جلفيرت”، الذي أكد أن الأخبار المزيّفة هي إدعاء خاطئ أو مخادع ومقصود بوقوع أحداث يزعم أنها حقيقية. أو نقل لأخبار مُحَرَّفة أو مُشًوَّهة وحتّى مُلَفَّقة لغرض التَسلية أو التضليل.

لقد كان للفلاسفة الحظ الأوفر في تعريف ” الأخبار المزيّفة” ، فبعضهم أطلق عليها مسمى ” أخبار ما بعد الحقيقة”. وهي التسمية التي تندرج في منظور ما بعد الحداثة الذي يرى أن الواقع تغير وأضحى يتطلب فكرا مركبا لإدراكه. الفكر الذي يُطَلّق الثنائيات التي كانت تؤطره.  فثنائية الواقعي والخيالي، على سبيل المثال، لم تعد كافية للتعبير عن التطور الذي فرضته التكنولوجيا الراهنة. فأُدْخِل عليها مفهوم ثالث، وهو الافتراضي. كذلك الأمر بالنسبة للحقيقة والكذب اللذين أُدْخِل عليهما مفهوم جديد وهو ” ما بعد الحقيقة”، الذي يتجسد عبر أشكال عديدة، منها ” الواقع الفائق”.

لعل القارئ الكريم لا يريد أن يذهب إلى ما ذهب إليه الفلاسفة ليسأل معهم هل أن ” ما بعد الحقيقة” هى مجرد كلمة عابرة  أو  تعكس” واقعا جديدا، اعتقادا منه أن النقاش الفلسفي يبعده عن الإجابة عن الأسئلة العملية التالية: لماذا وجدت الأخبار المزيّفة؟ ولماذا تلقى رواجا واسعا؟ ولماذا يصدقها جمهور واسع ؟

يؤكد خبير الإعلام، أرنو مرسي، أن سياق تحوّل المجتمعات الراهنة جعل الأحداث الموضوعية أقل تأثيرا على الرأي العام من استثارة العاطفة والأفكار الشخصية.  وهنا تكمن خطورة الأخبار المزيّفة على الأحداث الجارية والتي تجري في الجزائر، وذلك لأن الشارع في حالة تعبئة، ويتقبل بسرعة الكثير من الأخبار وينشرها ، خاصة تلك التي تتماشى مع رغبته التي جاهر بها و الدفينة أو تلك التي تزيد في اندفاعه. ولو جاز لنا تعريف الخبر المزيف  بأنه ” الْإِخْبَارُ عَنْ شَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ فيه”، أي الكذب، فإننا نجد في تراثنا ما يجيز  وصِف الكثير من الأخبار المتداولة في الشارع الجزائري بالكذب الأبيض الذي يقصد به التَّوْرية والمناورة والاحتواء.

قد يتساءل البعض كيف أن الأخبار المزيَفة، التي اجتاحت الجزائر منذ بداية الحراك الشعبي تعدت المنصات الرقميّة لتبلغ  بعض القنوات التلفزيونية الخاصة الجزائرية والصحف والمواقع الإخبارية في شبكة الانترنت؟ للإجابة عن هذا السؤال يمكن القول أن هذه الوسائل الإعلامية أنشئت بإيعاز وتدعيم من المقربين من الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة تحضيرا لعهدته الرابعة ولتحصين الجزائر من تداعيات ” الربيع العربي”. ووُجِّهت  إلى تصفية الحسابات السّياسيّة، والتخويف والابتزاز بمختلف الأشكال: الوشاية والنميمة والتّشهير في ظل صمت، وربما تواطؤ، المؤسسات المكلفة بمحاربة هذه الممارسات في وسائل الإعلام. قد وجدت هذه الوسائل من الجزائريين من يتابعها وحتى يناصرها لأنها شكلت متنفسا لهم بعد أن سحبوا ثقتهم من وسائل الإعلام الرسميّة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يمكن القول أن الصحافة الجزائرية  كانت صحافة ” جالسة”، قبل ظهور شبكة الانترنت وانتشارها. بمعنى أنها كانت تنتظر ما يصلها من بيانات رسميّة من وكالة الأنباء الجزائرية و مؤسسات الدولة لنشرها. وتهاونت في رفع قدراتها على البحث عن الأخبار واستقصاء مصادرها لتتأكد من صحتها. فهذه الصحافة الموروثة عن الصحافة التجنيدية ظلت مولعة بالرأي أكثر من اهتمامها بالأخبار. وهنا يكمن الخطر الفعلي. فعندما تعمّ الأخبار المزيّفة تصبح الوقائع والحقائق الموضوعيّة مجرد وجهة نظر! وبهذا تتساوى مختلف مصادر الأخبار : المؤسسات الرسميّة، ووسائل الإعلام، والشخص الذي لا يفرق بين الحدث والرأي. فيضع مواقع التواصل الاجتماعي على قدم المساواة مع  وسائل إعلام التي تحرص على فحص ومحص ما تنشره. قد يجد الشخص البسيط، الذي يصدق كل ما يصله  من أخبار ، ما يشفع له عندما نعلم أن وسائل الإعلام الكبرى في العالم أصبحت تعاني الكثير من الصعاب في سعيها للتأكد من مصداقيّة الأحداث في عالم أصبح يفيض بالأخبار. وتغيرت فيه مرجعية الحكم على صحّتها. فسرعة تداول الأخبار وانتشارها الواسع أضحيا من المؤشرات الأساسية على صحّتها والوثوق فيها. وفي ظل بيئة إعلامية تبدلّت فيها قواعد العمل الصحفي نتيجة الضغط الذي تعاني منه المؤسسات الإعلاميّة لتحقيق السبق الصحفي. الضغط الذي يتطلب منها، في الكثير من المواقف، نشر الأخبار قبل التأكد من صحّتها ، والتّملّص من مسؤولية التحرّي عن مصدرها ووضعها على كاهل جمهورها.

بوتفليقة.. الحُبْسَةُ التي ذهبت بحكمه

نصر الدين لعياضي

لخّص أحد شباب الحراك الشعبي الجزائري أزمة الاتصال السياسي الرسمي في الجزائر بشكل يدعو إلى التفكير. لقد خاطب وزير الخارجية السابق، الأخضر الإبراهيمي، في برنامج في قناة تلفزيونية جزائرية خاصة، قائلاً: اعتقلت لمشاركتي في المسيرات الشعبية المناهضة لترشح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لعهدة رابعة. فنشرت رسالة شكر للرئيس على حسابي في “فيسبوك”، لأنه سيمنح مستقبلاً الفرصة كاملة للشعب ليتوحد ضده، وساعتها لن يجد من يخطب فيه. وأضاف الشاب: عندما أخرج الشعب الجزائري غضبه إلى الشارع يوم 5 أكتوبر/ تشرين الأول 1988، وصبّه على رموز نظام الحزب الواحد، تمكّن الرئيس الراحل، الشاذلي بن جديد، من أن يستوعب الشعب بكلماته العاطفية في خطابه الموجه إلى الأمة، فكسب ثقة الشعب من جديد. ولم يرض بخريطة الطريق التي قدّمها له فحسب، بل قَبِل أيضاً أن يتولّى قيادة مرحلة انتقال الجزائر من الأحادية الحزبية إلى “التعدّدية السياسية”. لكن من يخطب اليوم في الشعب الجزائري بعد أن أصيب بوتفليقة بالحُبْسة؟ هذا الشعب الذي خرج عن بكرة أبيه إلى الشوارع في المدن الجزائرية، ففاضت به، ليطالب بوتفليقة ونظامه بالرحيل.

لم يكن الجيل الجزائري الجديد يعرف عبدالعزيز بوتفليقة، عندما عاد إلى سدة الحكم محمولاً على أكتاف جنرالات الجيش في ربيع 1999. أما جيل السبعينيات ومن سبقه فلم يحتفظ من بوتفليقة سوى بصورة ذاك الشاب المختال بنفسه، والمُدلّل لدى الرئيس الراحل هواري بومدين الذي سلم له وزارة الخارجية، لعل كثيرين من أبناء ذاك الجيل تذكّر إلقاءه المؤثر كلمة تأبين الرئيس الراحل، هواري بومدين، في مقبرة “العالية”، ويقال إن السفير سعد الدين نويوة هو الذي خطها، فأنساهم قضية مرتجعات مالية ذاع أن بوتفليقة وضعها في حساب له في سويسرا. ودفع الجيش الجزائريين إلى أن يأملوا خيراً في هذا القادم من الماضي، لأنهم اعتقدوا أنه سيرث كثيراً من خصال بومدين، خصوصاً وأنه جاء بشعار “العزة والكرامة”، بعد ما أنزل من حيف وهوان على الشعب الجزائري المصدوم في عشرية الدم والدمار. ويرفع سمعة الجزائر في المحافل الدولية، ويفكّ الحصار الذي ضُرب عليها طوال “العشرية الحمراء”. ألم يكن على رأس وزارة الخارجية الجزائرية 17 سنة متتالية؟
استطاع بوتفليقة أن يستميل الجزائريين بخطاباته المطولة عهدتين رئاسيتين. يلهب بها حماسهم ويبهرهم، مؤمناً بأن للكلمة بعداً عاطفياً تمارس به سحرها الخاص في الوجدان الجزائري. وهكذا تحول بوتفليقة من رئيس دولة يُسأل ويُحاسب عن أعماله من الهيئات الشرعية إلى قائد ملهم الجماهير. قد يُقال: وهل له أن يفعل غير ذلك، ومخياله يفيض بصورة الزعيم، لأنه عاش في كنف هواري بومدين الذي تصرّف كزعيم وقائد ثوري أكثر منه رئيس دولة، بدليل أنه لم يبادر بتزويد الجزائر بدستور وهيئة تشريعية، إلا في السنتين الأخيرتين من حياته.
صنع بوتفليقة من خطاباته زعامة. ألم يصرّح لقناة تلفزيونية فرنسية في منتدى دافوس في سويسرا، بعد أشهر قلائل من انتخابه، بأنه يجسّد الجزائر ويمثل روح شعبها؟ وكان يشعر
بنشوة تغمره، وهو يخطب، والناس تصفّق له، فيزداد حماسُه بحماسهم. يعنّفهم ويحمّلهم مسؤولية ما جرى لهم وللبلد. ألم يؤنب الجزائريين لأنهم انتخبوا بن جديد، الذي وصفه “بالرئيس المتدرب”، ثلاث عُهْدات رئاسية متتالية؟ ألم يهدّد الجزائريين، في خطاباته، بأن يتركهم لرداءتهم إن لم ينتخبوه رئيساً. لم يسلم من سهام خطاباته أحد: أساتذة الجامعة وطلبتها، والأطباء الذي قال إنه لا يثق بهم. وكان الحضور يضحك ويصفق له! كان يحتقر الشعب، لأنه حرمه من أحقيته التاريخيّة في السلطة، لكونه وريث الرئاسة الشرعي بعد وفاة الرئيس بومدين.
لا يؤمن عبد العزيز بوتفليقة بأن السياسة إدارة التضارب بين المصالح والتعارض بين المواقف والتوجهات الإيديولوجية في إطار استراتيجيا التوافق الذي تصنعه المؤسسات، في سعيها إلى تحقيق وحدة الأمة، وانسجام المجتمع في ظل سيادة القانون الذي يسمو فوق الجميع، ويصون حقوق كل مواطن. لقد اعتقد أن السياسة مكر ودهاء بكل ما يحملانه من شراء الذمم، وانتقام وابتزاز وتخويف وتحالف مؤقتٌ وتآمر. اعتقاده نابع من رواسب ماضيه، ومن المرويات التي وصلت إليه. وربما جاءته من النزر القليل من النصوص التي قرأها، إن كان يقرأ بالطبع. وهنا لا يختلف بوتفليقة عن رؤساء دول عربية تخلو مكتباتهم الخاصة، إن وجدت، من كتب الاقتصاد وإدارة المال والأعمال، والقانون، وعلم الاجتماع والنفس، والفلسفة، والعلاقات الدولية. وتضم فقط دواوين شعرية ونصوصاً روائية وكتب سير لعظماء التاريخ التي لا يفتحون صفحاتها إلا لاستلهام أساليب المكر والخداع والتآمر. لقد اقتنع بوتفليقة، وهو يحاول تقليد معلمه بومدين، بأن السياسة بين فَكّيْهِ، أي في الخطاب.

كان جلّ الجزائريين يترقبون خطابات الرئيس الراحل هواري بومدين، لأنها تعدّ بمثابة برنامج عمل: تحدّد مواقف الدولة الجزائرية وتوجهاتها التي افتقدت الدستور الذي يحدد دور مؤسسات الدولة وصلاحياتها، وهيئة منتخبة تتولّى مهمة التشريع. لكن خطابات الرئيس بوتفليقة لا تملك الوظيفة التي كانت تقوم بها خطابات بومدين، لأن الجزائر تغيّرت. ونظرة هواري بومدين إلى اللغة غير نظرة عبد العزيز بوتفليقة إليها، فاللغة لدى هذا الأخير ليست وسيلة اتصال فحسب، بل ملجأ لتحقيق ذاته ورعاية نرجسيته. وبها اخْتُزل الخطاب السياسي الرسمي في شخصه.
ماذا حدث بعد أن أصيب الرئيس بالحُبسة، شفاه الله منها؟ لقد واصلت الصورة تعظيمَه، بل بالغت في ذلك، من أجل التغطية على غيابه المتكرر، وعجزه المستدام. ولصرف النظر عن استفحال الفساد في دواليب الدولة، واستشراء التعسّف في استخدام السلطة. لقد انتقل الخطاب الشفهي من تعزيز نرجسية القائد/ الزعيم إلى وضعه في مصاف الرسل. وعمّت صوره وبورتريهاته الشوارع والساحات العامة في المدن الجزائرية، وناب “الإطار الخشبي والمذهّب” عنه في كل المناسبات والاحتفالات والمهرجات. قد يقول بعضهم إن ظاهرة الزعامة لم يزرعها بوتفليقة في الحقل السياسي الجزائري، بل ورثها عن رموز الحركة الوطنية، بدءًا بمؤسس حزب الشعب الجزائري، الحاج مصالي، وصولاً إلى بومدين، ومروراً بأول رئيس للدولة الجزائرية المستقلة: أحمد بن بله. هذا الرأي لا يجانب الصواب، لكن المبالغة في هذا الإرث أدت إلى إنشاء منظومة مادية ورمزية متكاملة لتقديس بوتفليقة. لقد ذهب المتملقون، والمتبركون بـ “إطاره الخشبي” إلى اعتباره باعث الأمة الجزائرية في 1999!

ماذا لو لم يصب بوتفليقة بالحُبسة، هل كان في وسعه أن يستميل الشارع بخطاباته المعهودة، ويعيد الشعب إلى طاعته؟ الجواب نجده في الحراك الشعبي، ولدى الجيل الجديد من الشباب  الذي نحت لغته الخاصة، وابتكر ثقافته السياسية التي لا صلة لها بثقافة من احتكروا الحكم منذ استقلال الجزائر. الجيل الذي يقول عنه عالم الأنثروبولوجيا الجزائري، عبد الرحمن موساوي، إنه أعاد مراجعة السرديات الكبرى التي شيدت على أساسها الدولة الوطنية، فقام بتأويلها على ضوء الحقائق التاريخية الخاصة به.

ربما الأمر لا يتعلق بالحبسة التي أصابت بوتفليقة، بل بحبسة النظام الجزائري أو بالأحرى بمرض التوحد الذي أصابه على يد هذا الأخير، فأفرغ الديمقراطية من جوهرها الأساسي، وهو التناوب على السلطة، واختزل السياسية في مساندته ومناشدته على الاستمرارية في الحكم. وهكذا فعل مع مفاهيم ومصطلحات كثيرة، بعد أن صادرها وتملَّكها.

إذا كان الباحث الفرنسي، فليب برتون، يعتقد أن أزمة الديمقراطية في فرنسا تعود إلى العجز الكبير في كفاءة الكلام، فإن أزمة الاتصال الرسمي في الجزائر تعود، في اعتقادنا، إلى تضييق الفضاء العمومي، وتجفيف منابعه بإقصاء كل الآراء المعارضة لرأي الزعيم، وحتّى المخالفة لنزواته، فجمّده بعد أن صادر النقاش. وانجرفت مختلف الشرائح الاجتماعية في “الفضاءات العمومية” الهامشية والمهمشة، فتراكمت وتقاطعت، وتدفقت في الحراك الذي غمر الشوارع والساحات. وأصبح يهدّد بحصار الفضاء العمومي، الذي كان مهيمناً قبل 22 فبراير/ شباط 2019، وبعزله.

 

الصحفيون ضحايا الإرهاب وأنظمة الاستبداد

نشر بصحيفة الخليج يوم  16-11-2017

نزل آلاف الأشخاص يوم الأحد 22 أكتوبر/تشرين الأول إلى شوارع مدينة «فاليتا»، بمالطا، للتنديد باغتيال الصحفية والمدوّنة «دافنه كاروانا غاليزيا»، في انفجار سيارة مفخخة. وهتفوا بالشعارات التالية: «العدالة لدافنه» و«الفساد يقتل الديمقراطية»، و«لا يمكن إخراس الصحفيين».
لقد أصبحت هذه الصحفية، التي اختصت في التقصي عن مختلف أشكال الفساد، مشهورة جداً. إذ بدأت تهدد مصالح الكثيرين بعد أن شرعت في نشر ملفات ما أصبح يعرف ب «بنما بيبرز» (أوراق بنما) التي أماطت اللثام عن حالات من التهرب الضريبي والعمولات والرشاوى. فتزايد عدد قرائها ومتابعيها ليصل إلى 400 ألف متابع من مجمل سكان هذا البلد الأوروبي الصغير البالغ تعداده 430.000 شخص، حسب مجلة «الأكسبرس» الفرنسية الصادرة يوم 18 أكتوبر 2017.

لقد أعاد اغتيال «دافنه كاروانا غاليزيا» إلى الأذهان موجة اغتيالات الصحفيين التي قامت بها عصابات تهريب المخدرات والمافيا في بعض بلدان أمريكا اللاتينية في مطلع تسعينات القرن الماضي. وراح البعض يبحث عن صلة الوصل بها. فوجدوها لا تكمن في طريقة تنفيذ الجريمة فحسب، بل في أسبابها ورسائلها المشفرة. فإذا كان البعض يحبذ إسقاط الماضي على الحاضر، ويرى أن اغتيالات الصحفيين اليوم تشبه، إلى حد ما، ما كان يقدم عليه الملوك في غابر الأزمنة، إذ كانوا يحكمون بإعدام من يأتيهم بأنباء غير سارة. بيد أن صحفي اليوم لا يُقْتل على يد رجال المافيا والعصابات المسلحة وأباطرة الفساد لما ينشره من أخبار لا تسرّهم، بل من أجل الوقوف ضد سطوع الحقيقة، والحيلولة دون فضح أنشطتهم المشبوهة. وأيضا من أجل التخويف وإرهاب كل من يريد النبش في ملفاتهم المريبة وأنشطتهم غير الشرعية.
لقد قيل إن بعض بلدان أمريكا اللاتينية تفتقر إلى حرية التعبير، ويستشري فيها الفساد والعنف، ويعاني صحفيوها من انعدام الأمن ما جعل مهنتهم أخطر مهنة في العالم. لكن بِمَ يوحي مقتل الصحفية «دافنه كاروانا غاليزيا» في بلد عضو في الاتحاد الأوروبي؟
إن ما يتكبده الصحفيون اليوم يتناقض والقول المأثور: «إنّ المصيبة إذا عمّت خفّت». هذا ما أدركته المديرة العامة لمنظمة اليونيسكو، إيرينا بوكوفا، التي وجدت نفسها تدين مقتل ثلاثة صحفيين في ثلاث قارات خلال أسبوع واحد من شهر أكتوبر الماضي! كان أولهم الصحفية، إفجينا فاسكويز أستوديلو» العاملة بالمحطة الإذاعية «ريبورن كوكونوكو» بشمال كولومبيا، وتلاها مدير قناة تلفزيونية بأفغانستان، شير محمد جحيش، ثم الصحفية والمدوّنة دافنه كاروانا غاليزيا. لقد اعتبرت اغتيالهم جريمة لم ترتكب في حق شخص واحد فحسب، بل في حق حرية التعبير والإعلام التي تعدّ من الحقوق الأساسية في دول العالم.
الهاجس
لقد تحول مقتل الصحفيين إلى هاجس كوني، ومصدر انشغال المنظمات والهيئات الدولية إلى درجة أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قرّرت، في 2013، أن تجعل من 2 نوفمبر/تشرين الثاني يوما عالميا من أجل وضع حد لانفلات الجناة من العقاب على جرائمهم التي أودت بحياة الصحفيين. لقد تبنى مجلس الأمن الدولي، والجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عشر توصيات للحفاظ على أمن الصحفيين وسلامتهم، منذ 2012. ولم تكفّ هذه الهيئات عن دعوة الدول الأعضاء إلى المساهمة في اتخاذ الإجراءات اللازمة التي تضمن مثول مرتكبي الجرائم ضد الصحفيين أمام المحاكم لينالوا جزاءهم.
واضطرت الأمم المتحدة إلى عقد اجتماع متعدد الأطراف يجمع الدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية ما بين الحكومات، وهيئات المجتمع المدني، وناشطين في قطاع الإعلام والاتصال، وبعض الجامعات، في يونيو/حزيران من السنة الحالية بجنيف، وذلك من أجل صياغة استراتيجية واضحة وفاعلة لضمان سلامة الصحفيين.
واعتبر التقرير الذي أعدّته منظمة اليونيسكو بعنوان: «اتجاهات في مجال أمن الصحفيين»، أن هذه الاستراتيجية تعدّ أكثر من ضرورية لأن تجسيد برنامج التنمية المستدامة في أفق 2030 يستند إلى مصادر الإعلام والمعلومات والمعارف التي تنشرها وسائل الإعلام الحرة والمستقلة وذات الطابع التعدّدي. ويرتكز على حماية الصحفيين لتمكينهم من تقديم المعلومات والأخبار التي تحتاجها المجتمعات.
قد يشعر بعض الصحفيين ومنظماتهم المهنية ببعض الإحباط نتيجة تزايد عدد زملائهم الذين اغتيلوا خلال الفترة الممتدة من 2012 إلى 2016، إذ بلغ 530 صحفياً، أي ما يعادل مقتل صحفيّين في كل أسبوع تقريبا، حسب الإحصائيات الرسمية التي أعدتها منظمة اليونيسكو. وتعزو العديد من المصادر ارتفاع هذا العدد إلى الحروب في أكثر من منطقة في العالم. إن الصحفيين يستهدفون في النزاعات المسلحة من أجل صرف وسائل الإعلام عن تغطية ما يجري من مجازر وإبادة أو من أجل إظهار القوة وتخويف السكان العزل، مثلما تفعل الجماعات الإرهابية. وإن كان هذا التفسير لا يجانب الصواب فإن الإحصائيات تبيّن، أيضا، أن عدد الصحفيين الذين اغتيلوا في المكسيك، البلد الذي لا يعاني من ويلات الحرب، بلغ 13 صحفياً في السنة الماضية، وهو العدد ذاته من الصحفيين الذين قُتلوا في أفغانستان! لكن ما يلفت الانتباه أكثر في هذه الإحصائيات أن عدد الصحفيات اللواتي تمت تصفيتهن قد تضاعف خلال هذه الفترة، إذ قفز من خمس صحفيات في 2012 إلى عشر صحفيات في 2016. وأن المراسلين المحليين يشكلون أكبر نسبة من الصحفيين المغتالين، إذ قدرت ب 92% !
تحسن
يعتقد البعض أن اغتيال صحفي في أثناء أداء مهمته يعدّ من المخاطر التي تميّز مهنة الصحافة. وقد يتفهم الكثير من الصحفيين هذا الأمر ويحتاطون لتجنبه لكن ما يدعو إلى جزع الصحفيين وحتى سخطهم هو انفلات قتلة زملائهم من العقاب.
وعن هذه القضية بالذات تسجل منظمة اليونيسكو تطورا إيجابيا، إذ تذكر في تقريرها، الذي أشرنا إليه أعلاه، أن 46 بلداً استجاب لدعوتها، التي تطالبهم فيها بتسليط الأضواء كاملة على وفاة كل صحفي، من أصل 62 بلدا اغتيل فوق ترابه الصحفيون في السنة الحالية؛ أي أن نسبة 74% من البلدان قدمت تقارير عما آلت إليه التحقيقات القضائية في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين؛ وهي نسبة مشجعة جدا، لأنه لم يستجب في السنة الماضية سوى 68% من البلدان المعنية، ولم يرد على طلب اليونيسكو سوى 47% من البلدان المعنية في 2015، و لم تزد نسبة البلدان المستجيبة لهذا الطلب عن 27% في 2014.
واعتبرت منظمة اليونيسكو أن تطور هذه النسب يترجم استعداد الدول لاقتسام ما تملك من معلومات عن قتلة الصحفيين فوق ترابها مع المنظمات الدولية من أجل وضع حد لانفلات الجناة من العقاب. لكنها تعترف في الوقت ذاته بأن كل الجهود المبذولة لم تصل إلى تجسيد الأهداف التي سُطرت للاحتفال بيوم 2 نوفمبر في السنة الحالية.

                          برامج تلفزيون الواقع الجزائرية : ” إعادة إنتاج الخطاب المهيمن في المجتمع”

النص كامل على الرابط التالي:

http://urlz.fr/67aP

مواقع التواصل . . إيجابياتها وسلبياتها *

يفسر “تيدي غوف”، مسؤول الحملة الانتخابية الرقمية لباراك أوباما في ،2012 نجاح هذا الأخير في استمراره رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية لولاية ثانية بثقل وزن مواقع الشبكات الاجتماعية في الحياة السياسية الأمريكية المعاصرة . وحجته في ذلك أنه مكن، بمعية فريقه المكون من 240 شخصاً، الرئيس المذكور من الحصول على 34 مليون صديق في الولايات المتحدة الأمريكية عبر موقع شبكة “الفيس بوك”؛ أي أكثر من عدد الناخبين!

لم تتحول هذه الحجة إلى نموذج ناجح للتسويق السياسي في إدارة الحملات الانتخابية في الدول الديمقراطية فحسب، بل عززت الاستخدام السياسي لمواقع الشبكات الاجتماعية في العديد من الدول، خاصة الديمقراطية منها .
يجمع الكثير من الباحثين على تراجع ثقة ناخبي الدول الغربية في المؤسسات السياسية وممثليهم في مختلف الهيئات المختلفة . وهذا ما تثبته نسبة المشاركة الضعيفة في مختلف الانتخابات، خاصة في أوساط الشباب الذين أصبحوا لا يترددون في التعبير عن نفورهم من الفعل السياسي، والفئات الفقيرة التي تعيش على هامش التطور، والتي تعتقد أنها لم تجن من الانتخابات إلا الخيبات وفقدان الأمل في تحسين أوضاعها المعيشية

.
فأمام تكلس الأحزاب السياسية التقليدية وترهلها، وبروز فئة من محترفي النشاط السياسي التي تضع مصالحها الذاتية على رأس قائمة اهتماماتها، تحول الناخب إلى ملاحظ سلبي لا يتلفت إليه إلا في أثناء الحملات الانتخابية . وهذا ما حدا الكثير من الباحثين إلى التحذير من موت الديمقراطية بعد أن أفرغ الفعل السياسي من محتواه .

بين التواصل والتسويق السياسي

رغم الفجوة الرقمية التي يمكن ملاحظتها على مستوى البلدان أو حتى داخل البلد الواحد إلا أن عدد مستخدمي مواقع الشبكات الاجتماعية في تزايد مرتفع، بل أنهم تحولوا إلى ناشطين في الفضاء الرقمي . وهذا ما أدى إلى التفاؤل بمستقبل النشاط السياسي في الدول الغربية، وأحيا الأمل في أن يأخذ مسلكاً غير ذاك الذي حذر منه الباحثون . وذلك لأن هذه المواقع غيرت مكانة الناخب في الفعل السياسي؛ إذ أنها لا تستجدي صوته في المواعيد الانتخابية فقط، لأنها تمكنه من التعبير عن رأيه، ونشر أفكاره، ومشاركة غيره في آرائهم سواء عبر مناقشتها أو تبنيها . ليس هذا فحسب، فمواقع الشبكات الاجتماعية تشكل حلقة وصل بين الاتصال الشخصي، الذي يملك من القرب والحرارة ما يجعله أكثر تماسكاً وقوة، والاتصال الجماهيري الذي يدفع مضمون ما ينشره إلى المزيد من الانتشار . لذا اضطرت الأحزاب السياسية في الدول الغربية إلى إدراج مواقع الشبكات الاجتماعية ضمن استراتيجيتها في مجال “التسويق السياسي” من أجل تلميع صورة المرشحين وأصحاب القرار السياسي، وتغيير نظرة الناس إليهم: إظهارهم متواضعين مثل أغلبية الناس، وقريبين من الناخبين، وإنسانيين أكثر . لعل القارئ الكريم يتذكر شريط الفيديو للرئيس أوباما والدمعة تتدحرج على خده فور الإعلان عن فوزه في الانتخابات الرئاسية، واحتضانه لأفراد أسرته الصغيرة، والذي شاهده الملايين من مشتركي مواقع الشبكات الاجتماعية .

البحث عن الفاعلية

وأدرجت الأحزاب السياسية مواقع الشبكات الاجتماعية في استراتيجيتها الاتصالية، أيضاً؛ أي من أجل “لحم” علاقتها بالناخبين . وهذا باستثمار ما تتيحه هذه المواقع من إمكانات التجنيد والتعبئة، والدعوة إلى التبرعات، والحوار والمناقشة، والاستماع إلى رأي الناخبين . وهي الإمكانات التي لا تتيحها وسائل الإعلام التقليدية . والتجارب في العالم تقدم لنا أكثر من مثال سنكتفي بواحد فقط . لقد أنشأ البيت الأبيض الأمريكي منصة تشاركية في شبكة الانترنت بعنوان: “تنظيم لأمريكا” وخصص صفحة للأسئلة التي يطرحها مستخدموها في شكل شريط فيديو قصير أو نص مكتوب . ثم تطرح كل الأسئلة للتصويت . والسؤال الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات يحال إلى الرئيس الأمريكي ليجيب عنه . وتبث الإجابة المسجلة في شريط فيديو في المنصة ذاتها . وقد شارك في انطلاقة هذه الصفحة أكثر من 90 ألف شخص طرحوا أكثر من مئة ألف سؤال وقد صوت عليها حوالي مليوني شخص.

وقد حذا حذو البيت الأبيض الأمريكي الكثير من الحكومات والوزارات والمنظمات الغربية . وأصبح الرجل السياسي الذي لا يملك حساباً في الشبكات الاجتماعية شخصاً غريب الأطوار أو قادماً من كوكب آخر . وقد استطاع من يملك حسابا أن يكون على اتصال دائم بالناخبين، يحاورهم ويستشيرهم في بعض الأمور المتعلقة بالشأن العام، ويستمع إليهم . ويرى البعض هذا الشكل من الاتصال السياسي أنجع من تنظيم الاجتماعات الرسمية التي لا تنجح في جمع عدد كبير من الناس . والتي تقل فاعليتها، في بعض الأحيان، لسقوطها في الروتين والمجاملات . بينما يشكك البعض الآخر في جدوى ما يسمونه “النضال الرقمي” . ورغم هذا التشكيك لا يمكن أن ننكر أن شبكة الانترنت ومواقع الشبكات الاجتماعية غيرت وجه الاتصال السياسي وأعطته أبعادا أكثر حيوية .

حدود التغيير

لقد تم الربط، لأول مرة بين التكنولوجيا الحديثة للاتصال وتعبئة الناس في 2001 عندما احتشد الفليبينيون في العاصمة مانيلا لإطاحة الرئيس جوزيف استرادا . ساعتها بدأ الحديث عن “ثورة الهواتف المحمولة” . وبعد ثلاث سنوات من هذا التاريخ عاد الحديث، مرة أخرى، عن هذه الثورة إثر الأحداث التي عاشتها أوكرانيا، والتي وصفت ب”الثورة البرتقالية” التي امتد صداها عبر المدونات الإلكترونية . ويعد هذا التاريخ فاتحة استخدام الحركات الاحتجاجية لعدة تكنولوجية جديدة تجسدت في مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، “تويتر” و”الفيس بوك”، “اليوتيوب” التي نشطت في مجال إعلام المتظاهرين وتنظيمهم . وهذا ما تجلى في “مولدوفيا” وإيران التي عاشت حالة من الغليان الشعبي الرافض لإعادة انتخاب الرئيس أحمدي نجاد في 2009 . ساعتها زعم الكثير من المحللين ووسائل الإعلام أن مواقع الشبكات الاجتماعية تملك من القوة ما يمكنها من إحداث التغيير السياسي وحتى ثورات في كل مكان! لكن الأحداث التي جرت بعد هذا التاريخ فندت هذا الزعم وأثبتت أن عملية التغيير السياسي في جل دول العالم ليست وليدة عدة تكنولوجية مهما كانت متطورة وسريعة الانتشار . فالتغيير وليد مسار معقد، ونتيجة منطقية لتضافر مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتعبير عن مستوى من التنظيم والوعي.

لقد بيّن الباحث البلهاروسي “إيفجن موروزوف” في كتابه المعنون “خدعة الإنترنت: الجانب المظلم لحرية الإنترنت” أن العدة التكنولوجية الحديثة يمكن أن تقف في وجه التغيير السياسي! وقد استند في ذلك إلى التجربة الإيرانية ذاتها . حيث ذكر أن أحداث 2009 التي استعانت بموقع شبكة تويتر لم تفض إلا لمزيد من تقييد الحريات . فحكومة الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد اتخذت مجموعة من الإجراءات من أجل التحكم بشكل أفضل في “الميديا” الجديدة، إذ تم تخصيص العديد من وحدات الأمن لهذا الغرض، فكشفت الناشطين السياسيين في مواقع التواصل الاجتماعي . وتغلغلت في مختلف مواقع الشبكات الاجتماعية . وكونت مدونين من رجالها، ومختصين في شن هجمات إلكترونية على مواقع المعارضة السياسية في شبكة الانترنت . بل ذهب موروزوف إلى أبعد من هذا في كتابه المذكور، إذ أكد أن شبكة الإنترنت قد تساهم، على عكس ما يُعتقد، في إبعاد الناس عن السياسة .

الإشاعة مرض الاتصال السياسي

رغم أن الاشاعة وجدت قبل شبكة الانترنت، إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي وفرت لها التربة المناسبة لأسباب متعددة، نذكر منها: أن هذه المواقع تنتشر بفضل شبكة ممتدة من العلاقات الشخصية التي تعزز ما يسمى بالانتشار “المعدي” . والإشاعة تنتقل في النسيج الاجتماعي مثل العدوى . لذا يقدر الكثير من الباحثين أن الإشاعات هي المرض العضال الذي يعيق الاستخدام السياسي لمواقع الشبكات الاجتماعية . فهذه الأخيرة تعد مملكة النرجسية وحب الظهور، والإشاعات تسمح لمروجيها بالبروز من دون تحمل أي مسؤولية اجتماعية أو أخلاقية . كما أن الاشاعة تسري في ظل تزايد القلق وعدم اليقين . فالاستخدام المكثف لمواقع الشبكات الاجتماعية في ظروف الأزمات يعزز هذا القلق في عالم أصبحت فيه السرعة وسيلة فعالة لنقل الأخبار وقتلها في آن واحد . فالأخبار تظهر لتختفي تاركة المجال لغيرها من الأخبار المتدافعة مما لا يترك الوقت للناس للتأكد من صحتها.

حقيقة لقد أصبح الكثير من مستخدمي مواقع الشبكات الاجتماعية أكثر انتباها، وحتى حذراً مما يتداول فيها من أخبار لتفادي الإشاعات . لكن التنافس الشديد بين وسائل الإعلام التقليدية لتحقيق السبق الصحفي جعلها تتهافت على نقل الأخبار من دون التريث للتحرى حول واقعيتها في ظل تأخرها عن تطويع الآليات التي تساعدها على التثبت من صدق ما تنشره من أخبار تنقلها “الميديا” الجديدة . ففي ثنايا هذه الأخبار تنمو الإشاعة التي قد تتحول بسرعة إلى تضليل الناس .

* العنوان الأصلي لهذا المقال هو : حدود الاستخدام السياسي لمواقع الشبكات الاجتماعية. وقد ارتأت صحيفة الخليج الإماراتية تغييره بالعنوان المذكور أعلاه.  ويعتقد الكاتب أن العنوان البديل استخدم إلى حد الابتذال،   ولا يعبر عما يعتمل في أوصال مواقع الشبكات الاجتماعية  والذي ينفلت من التصنيف في خانتي الإيجابي أو السلبيي – صدر هذا المقال ملحق في الأسبوع السياسي – صحيفة الخليج- بتاريخ  03/04/2014

http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/5e30eb6a-f7d7-496d-bf26-816435700f15#sthash.PsMvsC1B.dpuf

 

 

 

 

 

 

  •    إذاعة المستقبل  في أفق أطروحات ثلاث: مجلة اتحاد  الإذاعات العربية – العدد 4-2012

http://www.asbu.net/medias/NewMedia2012/text/rev_asbu_4_2012.pdf

  •       عوالم رقمية: الآفاق الثقافية والاجتماعية لتطور التلفزيـون تقنياً،  مجلة الرافد عدد 12-2011

http://www.arrafid.ae/arrafid/p9_12-2011.html

  •       الأنواع الصحفية  في الصحافة الإلكترونية : نشأة مستأنفة أم قطيعة؟

http://ar.scribd.com/doc/132092193/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9-1

  •       عوالم رقمية: الآفاق الثقافية والاجتماعية لتطور التلفزيـون تقنياً،  مجلة الرافد عدد 12-2011

http://www.arrafid.ae/arrafid/p9_12-2011.html

·      اشكاليات الاعلام في عصر العولمة

samirseg.blogspot.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليق