د. نصر الدين لعياضي، أستاذ جامعي، وباحث في علوم الإعلام والاتصال. Dr. Nacer-Eddine Layadi University professor and researcher in information science and communication

الرئيسية » مقالات صحفية

مقالات صحفية


الصحفيون ضحايا الإرهاب وأنظمة الاستبداد

نشر بصحيفة الخليج يوم  16-11-2017

نزل آلاف الأشخاص يوم الأحد 22 أكتوبر/تشرين الأول إلى شوارع مدينة «فاليتا»، بمالطا، للتنديد باغتيال الصحفية والمدوّنة «دافنه كاروانا غاليزيا»، في انفجار سيارة مفخخة. وهتفوا بالشعارات التالية: «العدالة لدافنه» و«الفساد يقتل الديمقراطية»، و«لا يمكن إخراس الصحفيين».
لقد أصبحت هذه الصحفية، التي اختصت في التقصي عن مختلف أشكال الفساد، مشهورة جداً. إذ بدأت تهدد مصالح الكثيرين بعد أن شرعت في نشر ملفات ما أصبح يعرف ب «بنما بيبرز» (أوراق بنما) التي أماطت اللثام عن حالات من التهرب الضريبي والعمولات والرشاوى. فتزايد عدد قرائها ومتابعيها ليصل إلى 400 ألف متابع من مجمل سكان هذا البلد الأوروبي الصغير البالغ تعداده 430.000 شخص، حسب مجلة «الأكسبرس» الفرنسية الصادرة يوم 18 أكتوبر 2017.

لقد أعاد اغتيال «دافنه كاروانا غاليزيا» إلى الأذهان موجة اغتيالات الصحفيين التي قامت بها عصابات تهريب المخدرات والمافيا في بعض بلدان أمريكا اللاتينية في مطلع تسعينات القرن الماضي. وراح البعض يبحث عن صلة الوصل بها. فوجدوها لا تكمن في طريقة تنفيذ الجريمة فحسب، بل في أسبابها ورسائلها المشفرة. فإذا كان البعض يحبذ إسقاط الماضي على الحاضر، ويرى أن اغتيالات الصحفيين اليوم تشبه، إلى حد ما، ما كان يقدم عليه الملوك في غابر الأزمنة، إذ كانوا يحكمون بإعدام من يأتيهم بأنباء غير سارة. بيد أن صحفي اليوم لا يُقْتل على يد رجال المافيا والعصابات المسلحة وأباطرة الفساد لما ينشره من أخبار لا تسرّهم، بل من أجل الوقوف ضد سطوع الحقيقة، والحيلولة دون فضح أنشطتهم المشبوهة. وأيضا من أجل التخويف وإرهاب كل من يريد النبش في ملفاتهم المريبة وأنشطتهم غير الشرعية.
لقد قيل إن بعض بلدان أمريكا اللاتينية تفتقر إلى حرية التعبير، ويستشري فيها الفساد والعنف، ويعاني صحفيوها من انعدام الأمن ما جعل مهنتهم أخطر مهنة في العالم. لكن بِمَ يوحي مقتل الصحفية «دافنه كاروانا غاليزيا» في بلد عضو في الاتحاد الأوروبي؟
إن ما يتكبده الصحفيون اليوم يتناقض والقول المأثور: «إنّ المصيبة إذا عمّت خفّت». هذا ما أدركته المديرة العامة لمنظمة اليونيسكو، إيرينا بوكوفا، التي وجدت نفسها تدين مقتل ثلاثة صحفيين في ثلاث قارات خلال أسبوع واحد من شهر أكتوبر الماضي! كان أولهم الصحفية، إفجينا فاسكويز أستوديلو» العاملة بالمحطة الإذاعية «ريبورن كوكونوكو» بشمال كولومبيا، وتلاها مدير قناة تلفزيونية بأفغانستان، شير محمد جحيش، ثم الصحفية والمدوّنة دافنه كاروانا غاليزيا. لقد اعتبرت اغتيالهم جريمة لم ترتكب في حق شخص واحد فحسب، بل في حق حرية التعبير والإعلام التي تعدّ من الحقوق الأساسية في دول العالم.
الهاجس
لقد تحول مقتل الصحفيين إلى هاجس كوني، ومصدر انشغال المنظمات والهيئات الدولية إلى درجة أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قرّرت، في 2013، أن تجعل من 2 نوفمبر/تشرين الثاني يوما عالميا من أجل وضع حد لانفلات الجناة من العقاب على جرائمهم التي أودت بحياة الصحفيين. لقد تبنى مجلس الأمن الدولي، والجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عشر توصيات للحفاظ على أمن الصحفيين وسلامتهم، منذ 2012. ولم تكفّ هذه الهيئات عن دعوة الدول الأعضاء إلى المساهمة في اتخاذ الإجراءات اللازمة التي تضمن مثول مرتكبي الجرائم ضد الصحفيين أمام المحاكم لينالوا جزاءهم.
واضطرت الأمم المتحدة إلى عقد اجتماع متعدد الأطراف يجمع الدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية ما بين الحكومات، وهيئات المجتمع المدني، وناشطين في قطاع الإعلام والاتصال، وبعض الجامعات، في يونيو/حزيران من السنة الحالية بجنيف، وذلك من أجل صياغة استراتيجية واضحة وفاعلة لضمان سلامة الصحفيين.
واعتبر التقرير الذي أعدّته منظمة اليونيسكو بعنوان: «اتجاهات في مجال أمن الصحفيين»، أن هذه الاستراتيجية تعدّ أكثر من ضرورية لأن تجسيد برنامج التنمية المستدامة في أفق 2030 يستند إلى مصادر الإعلام والمعلومات والمعارف التي تنشرها وسائل الإعلام الحرة والمستقلة وذات الطابع التعدّدي. ويرتكز على حماية الصحفيين لتمكينهم من تقديم المعلومات والأخبار التي تحتاجها المجتمعات.
قد يشعر بعض الصحفيين ومنظماتهم المهنية ببعض الإحباط نتيجة تزايد عدد زملائهم الذين اغتيلوا خلال الفترة الممتدة من 2012 إلى 2016، إذ بلغ 530 صحفياً، أي ما يعادل مقتل صحفيّين في كل أسبوع تقريبا، حسب الإحصائيات الرسمية التي أعدتها منظمة اليونيسكو. وتعزو العديد من المصادر ارتفاع هذا العدد إلى الحروب في أكثر من منطقة في العالم. إن الصحفيين يستهدفون في النزاعات المسلحة من أجل صرف وسائل الإعلام عن تغطية ما يجري من مجازر وإبادة أو من أجل إظهار القوة وتخويف السكان العزل، مثلما تفعل الجماعات الإرهابية. وإن كان هذا التفسير لا يجانب الصواب فإن الإحصائيات تبيّن، أيضا، أن عدد الصحفيين الذين اغتيلوا في المكسيك، البلد الذي لا يعاني من ويلات الحرب، بلغ 13 صحفياً في السنة الماضية، وهو العدد ذاته من الصحفيين الذين قُتلوا في أفغانستان! لكن ما يلفت الانتباه أكثر في هذه الإحصائيات أن عدد الصحفيات اللواتي تمت تصفيتهن قد تضاعف خلال هذه الفترة، إذ قفز من خمس صحفيات في 2012 إلى عشر صحفيات في 2016. وأن المراسلين المحليين يشكلون أكبر نسبة من الصحفيين المغتالين، إذ قدرت ب 92% !
تحسن
يعتقد البعض أن اغتيال صحفي في أثناء أداء مهمته يعدّ من المخاطر التي تميّز مهنة الصحافة. وقد يتفهم الكثير من الصحفيين هذا الأمر ويحتاطون لتجنبه لكن ما يدعو إلى جزع الصحفيين وحتى سخطهم هو انفلات قتلة زملائهم من العقاب.
وعن هذه القضية بالذات تسجل منظمة اليونيسكو تطورا إيجابيا، إذ تذكر في تقريرها، الذي أشرنا إليه أعلاه، أن 46 بلداً استجاب لدعوتها، التي تطالبهم فيها بتسليط الأضواء كاملة على وفاة كل صحفي، من أصل 62 بلدا اغتيل فوق ترابه الصحفيون في السنة الحالية؛ أي أن نسبة 74% من البلدان قدمت تقارير عما آلت إليه التحقيقات القضائية في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين؛ وهي نسبة مشجعة جدا، لأنه لم يستجب في السنة الماضية سوى 68% من البلدان المعنية، ولم يرد على طلب اليونيسكو سوى 47% من البلدان المعنية في 2015، و لم تزد نسبة البلدان المستجيبة لهذا الطلب عن 27% في 2014.
واعتبرت منظمة اليونيسكو أن تطور هذه النسب يترجم استعداد الدول لاقتسام ما تملك من معلومات عن قتلة الصحفيين فوق ترابها مع المنظمات الدولية من أجل وضع حد لانفلات الجناة من العقاب. لكنها تعترف في الوقت ذاته بأن كل الجهود المبذولة لم تصل إلى تجسيد الأهداف التي سُطرت للاحتفال بيوم 2 نوفمبر في السنة الحالية.

                          برامج تلفزيون الواقع الجزائرية : ” إعادة إنتاج الخطاب المهيمن في المجتمع”

النص كامل على الرابط التالي:

http://urlz.fr/67aP

 

ماذا لو أَمَّمْنا الفيسبوك؟

نشر بمجلة الشروق الإماراتية- عدد 22-29 أكتوبر 2017

دعونا نؤمّم الفيسبوك. بهذا العنوان الصادم استهل الباحث الكندي وأستاذ الإعلام والاتصال بجامعة واشنطن، فيليب هووارد، المقال المشهور الذي نشره في مجلة “سليت” الإلكترونية الأمريكية يوم 16 أغسطس 2012. يتضمن هذا العنوان دعوة صريحة إلى تأميم موقع الفيسبوك لإنقاذه من الافلاس بعد دخوله المتعثّر في البورصة، وبالتالي تمكين البشريّة من الانتفاع بخدماته الجليلة والمتعدّدة دون تجاوزات.

 لعل القليل من القُرّاء الكرام من يتذكر أن قيمة السهم الذي دخل به الفيسبوك في البورصة حُدد بـ 38 دولار في مايو 2012 لكنه تراجع بشكل مذهل خلال الأشهر الأولى ليبلغ 18 دولار فقط في سبتمبر من السنة ذاتها!

لقد واجه البعض دعوة فيليب هووارد بالاستهجان آنذاك وسَخَّفوا حججها. وتقبلها البعض الآخر عن قناعة و دافع عنها بحماس. وها هو النقاش حول مضمون تلك الدعوة يستأنف اليوم من جديد وإن ظل محصورا في أروقة بعض الجامعات الغربيّة وفي بعض المنابر الصحفيّة.

المبرر

إن السياق الذي وجه فيه الباحث الكندي دعوته إلى تأميم الفيسبوك كان يتسم بتراجع قيمة أسهمه في السوق مما دفع بالبعض إلى الاعتقاد بأن مصيره سيكون الإفلاس لا محالة، خاصة وأن الجيل الأول من مواقع التواصل الاجتماعي أصبح اثرا بعد عين على غرار موقع “ما سبيس”. لكن مؤسسة الفيسبوك تنعم اليوم بصحة مالية ممتازة تحسدها عليها الكثير من الشركات العملاقة في قطاع الانترنت والمعلوماتية وخارجها. فمديرها المالي ، ديف وهنر، أكد أن موقع الفيسبوك حقق ربحا صافيا  يقدر بـ  3.568 مليار دولار في الثلاثي الأخير من السنة الماضية ، أي بزيادة تقدر بــ 128% مقارنة بالثلاثي الأخير من السنة 2015!

تطرح دعوة الباحث الكندي إلى تأميم شركة الفيسبوك السؤال التالي : هل يكمن دافعها في الخوف من إفلاسها وافتقاد البشرية خدماتها فقط؟ إن كانت الإجابة بنعم فإن الوضع المالي المريح لهذه الشريكة اليوم يلغي هذه الدعوة أصلا.

الحجج

في دعوته إلى تأميم شركة الفيسبوك استند الباحث المذكور إلى حُزْمَة من الحجج الاقتصادية والقانونية والسياسية والاجتماعية.

يعتقد “فيليب هووارد” أن موقع الفيسبوك أضحى بنية قاعدية عمومية ويجب التعامل معها كمرفق عام يشكل موردا اجتماعيا هام باعتباره من الممتلكات العمومية التي يجب على الدولة المحافظة عليها، والسهر على ديمومتها. فعلى الصعيد القانوني توصف الممتلكات بأنها عمومية عندما يكون باستطاعة أي فرد في المجتمع استهلاكها أو التمتع بها وبخدماتها. وبهذا تخضع لشرطين. الشرط الأول ويتمثل في عدم انحصرها على مجموعة معينة أو فئة دون غيرها، والشرط الثاني أن استهلاكها من طرف البعض لا يحرم الآخرين من استهلاكها بالطريقة ذاتها.

ويتهم الباحث المذكور موقع الفيسبوك بانتهاك الحياة الخاصة لمستخدميه ومشتركيه، وأن الاجابات التي تقدم بها في مجال حماية الخصوصية لم تكن مقنعة إلا في حدود معينة. لذا يرى أن تأميمه يضمن حماية أفضل للحياة الشخصية ، ويعيد الثقة لمستخدميه. خاصة وأن موقع الفيسبوك أصبح يتمتع بوضع احتكاري ليس لمكانته المهيمنة على بقية مواقع شبكات التواصل الاجتماعي بل لأنه يستولى على 80 %من سوق الإعلانات الموجهة لها. ولا حلية لكسر شوكة موقع الفيسبوك، في نظر الباحث الكندي، سوى أن تضع الدولة يدها عليه ولو لفترة مؤقتة، مما يمكنه من القيام بدوره الاجتماعي كاملا ويساعد الباحثين على إنجاز بحوث اجتماعية ، وتحديدا في مجال الصحة العامة على أوسع نطاق.

ويسترسل الصحافي “جيف سبروس” في شرح الحجج المطروحة أعلاه، إذ يذكر بأن الحكومات الأمريكية لجأت إلى تأميم الشركات في ظروف استثنائيّة، مثل الحروب أو في حالة الاحتكار القصوى حينما تكون كلفة دخول شركة ما إلى سوق معين مرتفعة جدا. وأن العائد المالي مما تجنيه  من هذا الدخول متواضع جدا أمام استحالة قيام منافسة بين الشركات أو صعوبتها، كما هو الأمر بالنسبة للمنشآت القاعدية، مثل الطرقات وخطوط الكهرباء، وشبكة أنابيب المياه، إذ لا يمكن أن نطلب من أي شركة تريد خوض غمار المنافسة في هذه القطاعات أن تنشئ طرق سريعة خاصة بها أو تقيم شبكة من الخطوط الكهربائية أو تمد أنابيب المياه مخصوصة. فالخدمة العمومية ليست غريبة في العديد من القطاعات في الولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد البلدي والمحلي.

احتكار

ويرى الصحافي “جيف سبروس”، المختص في اقتصاديات التكنولوجيا الحديثة، أن سيطرة موقع الفيسبوك على بقية مواقع التواصل الاجتماعي لا تحتاج إلى إثبات وهذا ليس لتفوقه على منافسه في عدد مشتركيه الذي بلغ مليار مشترك في يونيو الماضي فحسب، بل ايضا لأنه حّيَّد مواقع الشبكات المنافسة ، مثل فرندفيد FriendFedd ، وأنستغرام، وواتساب وغيرها، بعد ان اشتراها واشترى معها العديد من التطبيقات التقنيّة ، مثل “شيرغروف” ShareGrove لإجراء المناقشات الخاصة في المنتديات الإلكترونيّة، و “سنابتو” Snaptu الذي يعد برنامجا لتطوير التطبيقات الخاصة بالتواصل عبر الأجهزة المتحركة، وغيرها من التطبيقات التي جعلته يزاحم حتّى شركات الاتصالات، خاصة بعد أن أدخل خدمة الميسنجر التي تتيح التواصل والمحادثة والدردشة بين الأصدقاء والأهل.  ليس هذا فحسب بل أصبح موقع الفيسبوك منصة كبرى يظهر فيها ما يجري في شبكة الانترنت وتراقبه بفضل الخورزمات التي تعيّن من يشاهد؟ وماذا يشاهد؟ ومتى يشاهد؟ ونوع المعلومات التي يتم تداولها. هذا إضافة إلى أن موقع الفيسبوك أصبح الممر الإجباري والواجهة التي تُفَعّل نشاط المؤسسات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والسياسية، والرافد الأساس للاتصال وزيادة تأثير رجال السياسة والثقافة والفن والرياضة.

 وإن كان “جيف سبروس” يعتقد أن أثر الاحتكار الذي يمارسه الفيسبوك لم يأخذ بعدا كبيرا في الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الأوربية إلا أن وقعه كبير في الدول النامية، إذ أن احتكاره يكاد يكون مطلقا، حيث أضحى الأداة الوحيدة لولوج شبكة الانترنت في العديد من المناطق الفقيرة والنائية ، وبهذا أصبح ” المؤسس” للبنية القاعدية للانترنت في المناطق التي تشكو غيابها. بل أمسى بالإمكان استخدام موقع الفيسبوك دون الارتباط بشبكة الانترنت إذ يكفي مستخدمه ادخال رقم هاتفه الذكي فقط.

لكن كل هذه الخدمات الرائعة التي تبرر وصفه من قبل البعض بأنه مرفق اجتماعي وثقافي لا تخفي استسلامه للنزعة التجاريّة وجنوحه المفرط نحو الربح  الذي وضعه فوق كل اعتبار. واضحى يتنازل من أجله على الكثير من المبادئ وحتّى يتواطأ مع الأنظمة الاستبدادية في العالم، ويخرج عن حياده في النزاعات والحروب، وفي أثناء الانتخابات على وجه التحديد مثلما جرى في الانتخابات البرلمانية في بريطانيا في 2017 والانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية في 2016.

تسليع البشر

وإن كانت نزعته التجارية بحاجة إلى شرح فيمكن القول أن موقع الفيسبوك جعل البشر سلعة يبيعهم مرتين. يبيعهم للمعلنين شأنه في ذلك شأن مختلف وسائل الإعلام، ويبيع بياناتهم الشخصية وأخبارهم الخاصة لكل الراغبين في ذلك وعلى رأسهم شركات الإعلان والتسويق. وبهذا استطاع أن يسحب ثلثي القيمة المالية للسوق الإعلانية الموجهة لمواقع التواصل الاجتماعي، والتي بلغت ما يقارب 9.5 مليار دولار في 2013. وهذا نتيجة ” اجتهاده” في تطوير الممارسة الإعلانية في نظر المختصين ، إذ سمح للمعلنين باستهداف الأشخاص الفعليين ضمن أبعاد ملموسة، وهي السن، والنوع- ذكور أو إناث، ومركز اهتمامهم وميولاتهم، ومقر سكنهم، وليس انطلاقا من تصنيفهم إلى فئات حسب مواقع الانترنت التي زاروها ، أو بالنظر لعاداتهم الشرائية مثلما كان الأمر في بداية استخدام شبكة الانترنت.

إن كان البعض لازال يصدق ما كان يردّده مؤسس موقع الفيسبوك زاعما بأن الغاية من تأسيسه لم تكن إنشاء شركة بل تشبيك العالم تحقيقا لتواصله. فالكثير من الباحثين والصحافيين وممثلي المجتمع المدني لا يولون أي أهمية لهذا الزعم بعد تزايد عدد الدعاوى قضائية التي رُفِعت ضد موقع الفيسبوك واتهامه باختراق خصوصية مستخدمي شبكة الانترنت بصفة عامة وليس مستخدميه فقط.

 رغم كل الحجج التي ساقها إلا أن “جيف سبروس” لا يؤمن بأن تأميم موقع شبكة الفيسبوك يقدم كل الحلول الممكنة للمشاكل التي يطرحها في علاقته بمستخدميه أو بالمؤسسات المختلفة. لكنه مقتنع بأن التأميم يحرّره من النزعة التجاريّة التي هيمنت على نشاطه وتحكمت فيه،        ويجعل استخدامه أرخص ثمنا وذا جودة عالية. والأهم من كل ما سبق قوله أن المسؤولية عنه تصبح ديمقراطية.

الحجج المضادة

إن كان البعض يعتقد أن لا طائل من مناقشة دعوة الباحث  “فيليب هووارد” لصعوبة تأميم شركة الفيسبوك وحتى استحالته ، فهناك البعض، مثل الصحافي “جيف بركوفيسي”، رئيس مكتب مجلة ” أنسي” الأمريكية في سان فرانسيسكو ، و”آدم تيرير”، الباحث في مجال السياسة التكنولوجيا في جامعة جورج ماسن الأمريكيّة، تصدوا لها وراحوا يردون الحجة بالحجة.

يرى “بركوفيسي” أن الذين يعتقدون بأن مزايا التأميم أكبر من مخاطره لم يسألوا عن مآل رؤوس الأموال التي تجلبها للولايات المتحدة الأمريكية، ومصير الشركة التي تُعدّ مفخرة أمريكا التي وفرت منصة للعديد من المؤسسات الاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة إن وضعت الحكومة الفيدراليّة يدها عليها؟ ولم يسألوا عن حالة الابتكار والتجديد في واد السليكون بالولايات المتحدة الأمريكية بعد تأميم شركة الفيسبوك. فالقطاع العام يكون دائما حذرا في صرف الأموال الطائلة من أجل التجديد والابتكار نظرا للآليات الإدارية والمالية التي تديره ولطريقة اتخاذ القرار التي تميّزه.

يؤمن “بركوفيسي” بأن الناس يتداولون الأخبار الشخصية عبر موقع شبكة الانترنت أكثر مما يعتقدون ، والأدهى أن القليل منهم من يعرف جيّدا سياسة موقع شبكة الفيسبوك في مجال حماية المعلومات الشخصية، والكثير منهم لا يولي لها أي أهمية أو لا يملك الحساسية ذاتها التي يملكها الداعون إلى تأميم موقع الفيسبوك تجاه الحياة الشخصية. فإذا كان تسعة أمريكيين من بين عشرة لا يضعون حزام الأمن في أثناء قيادتهم السيارة سواء عن جهل بالإحصائيات التي تكشف عن دور هذا الحزام في الحفاظ على سلامتهم أو من باب عدم المبالاة ، فهل يعقل جعل هذا الأمر سببا لتأميم شركات صناعة السيارات؟ يتسأل بركوفيسي. ويستطرد قائلا: إن مقارنة الفيسبوك ببقية مواقع التواصل الاجتماعي المغايرة، مثل موقع تويتر، من أجل تأكيد سيطرته واحتكاره يشبه إلى حد بعيد مقارنة التفاح بالبرتقال.

سوق متحوّل

ويرى الباحث “آدم تيرير”، من جهته، أن تحديد سوق مواقع التواصل الاجتماعي الشاسع يعدّ تحديا كبيرا لأن موت بعض المواقع وميلاد آخرى وفق إيقاع سريع جدا يشهد على أن هذا السوق يعيش ديناميكية وتحوّلا متجدّدا. لذا القول بأن الفيسبوك يمارس الاحتكار في هذا السوق يجانب الصواب. فوجود العديد من مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر، وليكوندن، واليوتيوب واستمرارها في البقاء ينفي صفة الاحتكار عليه. كما أن مفهوم الاحتكار والخدمة العامة يختلفان في هذا السوق. ويعتقد هذا الباحث أنه من الخطأ أن ننظر إلى موقع الفيسبوك من زاوية تعامله مع خصوصيات الأشخاص فقط، ونتجاهل كل الخدمات التي يقدمها في مجال الاتصال والاقتصاد والثقافة والمعرفة. ويرى وضع شركة الفيسبوك في يد الحكومة الفيدرالية لا يعدّ حلا مقبولا لحماية البيانات الشخصية وذلك لأنه ينطلق من افتراض بأن حصيلة هيئات الحكومية الأمريكية في مجال حماية الحياة الخاصة ساطعة بينما الواقع يؤكد عكس ذلك. هذا إضافة إلى أن اللجوء إلى تأميم موقع الفيسبوك يعني أن كل السبل التشريعية لتأطير نشاطه وإجباره على اتخاذ المزيد من الإجراءات التقنية والقانونية لحماية حياة الأشخاص الخاصة قد استنفذت.  فالغاية في نظر هذا الباحث لا تبرر الوسيلة. فلا يوجد ما يمنع اللجنة الفيدرالية لحريات وصيانه المنافسة من تسليط أشد العقوبات على موقع الفيسبوك لاختراقه الحياة الخاصة سواء اليوم أو في المستقبل. وهذا على الرغم من أن النخبة الأمريكية تتسم بحساسيتها المفرطة تجاه تقييد الحريات وترفض أن تحذو الولايات المتحدة الأمريكية حذو الاتحاد الأوروبي الذي تحكم سلطة بيروقراطية مركزية أعضاءه وتصدر لهم ترسانة من القوانين والتعليمات التي تروم حماية خصوصية الأشخاص، والتي على أساسها رفعت دعاوي قضائية ضد موقع الفيسبوك.

ويخلص معارضو التأميم إلى القول بأنه من المحتمل أن يؤدي الحل المقترح من أجل القضاء على تجاوزات موقع الفيسبوك إلى محوه من الوجود.

أخيرا، يمكن القول أن هذا النقاش سيعمم ليشمل مختلف الفاعلين في المجتمع الأمريكي ويمتد إلى أوربا مع تزايد عدد الدعاوى التي ترفع ضد موقع الفيسبوك لدى المحاكم المحلية أو على المستوى الأوروبي. وسيؤثر هذا النقاش على مستقبل هذا الموقع، بهذا القدر أو ذاك، ليصل إلى المجتمعات الناميّة. لعله يحرّرها من الخطاب الوعظي والتشاكي من خطورة الفيسبوك وبقية مواقع شبكات التواصل الاجتماعي. ويجعل مستخدميه أكثر فهما ووعيا بالجوانب التي يثيرها هذا النقاش ولا يكتفون بتنبيه بعضهم، بين حين وآخر، إلى شرائط الفيديو أو الصور المنتشرة في موقع الفيسبوك المحمّلة بفيروسات خطيرة.

 

شبكات التواصل الاجتماعي: التنافس بالتناسخ

                                                            نصر الدين لعياضي

نشر في مجلة الشروق الإماراتية الصادرة في 18-25 جوان 2017

من يتذكر موقع شبكة التواصل الاجتماعي المسماة ” سكسديغراس دوت كم” الذي ظهر في  1997 ؟ ربما الكثير لم يسمع به أصلا خاصة أبناء الجيل الثاني من الواب بينما يتذكرون موقع شبكة التواصل الاجتماعي ” ماسبيس” MySpace الذي احتل الرتبة الرابعة في شبكة الأنترنت بعدد متصفحيه في العالم في السنة 2005 بعد مواقع الشركات العملاقة التالية: ياهو، وأي أو أل، وأم أس أن. لقد كان يحتل موقعا متقدما على موقع شبكة الفيسبوك مزهوا بالشعار الذي رُفع في السنة 2007،  والذي يقول عنه أنه البلد الخامس الأكبر في العالم بالنظر إلى  ما بلغه من مستخدمين الذين يأتي عددهم بعد عدد سكان أندونسيا والبرازيل” مباشرة. لم يعد لهذا الموقع أي ذكر في قائمة مواقع شبكات التواصل الاجتماعي. كيف لا وقد تنازل عنه روبرت مردوخ  في 2011 بـــ 35 مليون دولار فقط: أي بأقل 16 مرة من سعر الذي دفعه لشرائه في 2005! وبالمقابل من سمع بأخر مولود في عالم مواقع شبكات التواصل الاجتماعي الذي ظهر في مطلع شهر أبريل من السنة الحالية: إنه موقع  مستودون Mastodon الذي يعتبر فضاءً حرا ومفتوحا ولامركزيا بعيدا عن مضاربات البورصة. إنه موقع هجين يجمع خصائص موقعي الفيسبوك وتويتر في آن واحد لكنه غيّر مدونات الأنظمة المغلقة التي تتحكم فيهما.

سُنّة الوجود

قد يقول قائل إنها سُنّة الوجود التي تتجلى بكل بوضوح في عالم مواقع التواصل الاجتماعي.  فمقابر مواقع شبكة التواصل الاجتماعي، التي لفظت أنفسها، تتمدد لتفسح المجال لميلاد مواقع أخرى جديدة. لقد اختفى موقع شبكة التواصل المهني ” ريس دوت كوم” Ryse.com”  بعد ثلاث سنوات من ميلاده  في 2001  تارك المجال للموقع المشابه الذي ذاع صيته ولازال، إنه موقع شبكة ” لنكيدين” LinkedIn.

قد يصرف هذا الرأي البسيط والوجيه النظر عن التساؤل لماذا تم بيع موقع التواصل الاجتماعي المسمى “ديغ” Digg” بــ 500 ألف دولار فقط في 2012  بعد أن قدرت قيمته المالية في 2004 بـ 160 مليون دولارا؟

لعل هذا السؤال يكشف عن ضراوة المنافسة بين مواقع شبكات التواصل الاجتماعي التي دفعت هذا الموقع إلى التراجع، بل الاختفاء بعد أن تفوقا عليه موقعا شبكة الفيسبوك وتويتر.

مواقع تتناسخ:

لاحظ المغرمون بمواقع شبكات التواصل الاجتماعي أنها تتطور بسرعة مذهلة مستنسخة بعضها البعض. فبعد أن وضع موقع الفيسبوك أيقونة ” أحب” « like  التي تسجل إعجاب رواد هذا الموقع بما ينشر وتعمل على تلبية نرجسية البعض التي تزدهر بتزايد المعجبين وتجسد فلسفة رأسمال. أنشأ موقع شبكة تويتر أيقونة ” القلوب”. وقام موقع ” إنستاغرام” بإنشاء نظام التراسل على غرار موقع شبكة تويتر.  فموقع الفيسبوك لم يبتكر جديدا عندما اقترح على مستخدميه ”  تشخيص صورهم”. لقد سبقه موقع سنابشات   Snapchat إلى هذه الخدمة !  لكن تطبيقها في الفيسبوك تزايد بعد أن اتجه مستخدموه إلى تأطير صورة الفريق الرياضي الذي يناصرونه.  وضمن هذا المنطق أدخل موقع الشبكة المذكورة خدمة ” ساتديوم” Stadium   وذلك حتّى يتمكن 650 مليون عاشق الرياضة في العالم من متابعة المنافسات الرياضية عبره. حيث تقوم هذه الخدمة بتجميع تعليقات الأصدقاء عن حدث رياضي بعينه بإضافة تعليقات الخبراء والمختصين في الرياضة. هذا مع تقديم روزنامة المنافسات الرياضية مباشرة ونتائجها. فما هو موقع التواصل الاجتماعي الذي يسبق غيره من المواقع في استنساخ هذه الخدمة؟

لعل القارئ الكريم يتساءل : لماذا تتدافع مواقع شبكات التواصل الاجتماعي إلى استنساخ بعضها البعض؟ هل لأن الاستنساخ أصبح مباحا فلم نسمع بأن إدارة إحدى موقع التواصل الاجتماعي اشتكت أو رفعت دعوى قضائية ضد موقع أخر بحجة ” سرقة الخدمة التي ابتكرها أو اشتراها وشرع في تطبيقها؟

يرى الصحافي المختص في وسائل الإعلام الرقمية، يان غيغان، أن سبب تناسخ مواقع التواصل الاجتماعي يكمن في عزمها على أن تصبح عامة وشاملة قدر الإمكان. فتاريخ مواقع التواصل الاجتماعي يؤكد أن بدايتها في الولايات المتحدة كانت ذات طابع جماعاتي، أي موجه إلى جماعة عرقية وثقافية بعينها. فخلال الفترة الممتدة من 1997 إلى 2001 كانت أولى مواقع التواصل الاجتماعي، مثل موقع أسيانأفني Asianavenue موجها للأقليات الأسيوية، بلاك بلانت Black planet  موجها إلى الزنوج الأمريكان، واستهدف موقع ميجنت MiGente المنحدرين من أمريكا اللاتينية. بينما تسعى مواقع شبكات التواصل الاجتماعي الحالية إلى مزيد من الانفتاح على مختلف شرائح المجتمع ليس على الصعيد المحلي فقط، بل الكوني وهذا تجسيدا لفلسفة رأسمال. فموقع سنبشات  Snapchat ،على سبيل المثال، الذي اتسم بكونه موقعا موجها للشباب يملك واجهة معقدة نوعا ما، بدأ يعمل على تبسيطها والعمل على استنساخ بعض الخدمات التي تقدمها بقية مواقع التواصل الاجتماعي المشابهة بغية الوصول إلى المستخدمين من مختلف الشرائح الاجتماعية.

حرب شدّ الانتباه:

يرى الصحافي الفرنسي المذكور أعلاه أن مواقع التواصل الاجتماعي تخوض معركة الانتباه. أي انها تسعى إلى استئصال ظاهرة ” المشاهدة الواثبة ” التي رسخها التلفزيون في الجمهور. والتي تعني قيام المشاهد باللعب بأداة التحكم عن بعد في الشاشة بالقفز من مشاهدة برنامج في قناة تلفزيونية لبعض الدقائق أو الثواني والانتقال إلى مشاهدة برنامج أخر على قناة تلفزيونية أخرى للمدة ذاتها وهكذا دوالك. فكل موقع من مواقع الشبكات التواصل الاجتماعي يخوض صراعا من أجل ” القبض” على مستخدمه أطول فترة ممكنة حتى لا ينصرف إلى موقع منافس آخر. فالقبض على انتباه مستخدم شبكة الانترنت فرض على مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، مثل انستاغرام، وتيوتر، والفيسبوك، تجديد خدماتها أو توفير المزيد من الاختيارات. إذ يذكر الصحافي ذاته أن موقع شبكة الفيسبوك، على سبيل المثال، يعمل حاليا على تجريب خدمة جديدة من خلال الكبس على زر ” أَضِفْ موضوعا” والتي تسمح للمشترك بإضافة كلمة مفتاحية لمنشوراته. وبهذا تقترب هذه الخدمة من ” التوسيم” في موقع شبكة تويتر. لكن الاضافة التي يقدمها موقع الفيسبوك تكمن في اقتراح بعض المنشورات حول الموضوع المضاف انطلاقا من الكلمة المفتاحية. ولعل هذه الخدمة الجديدة تروق أكثر للشركة والمؤسسات التجارية التي تبحث عن منفذ لسلعها وخدماتها لتكون مرئية وعلى لسان رواد هذا الموقع.

ما شجع مواقع شبكة التواصل الاجتماعي على خوض معركة الانتباه أن مستخدميها لا يقيّمونها من منطلق تشابهها واختلافها ، بل من منظور ما تلبيه لهم من حاجات ورغبات بشكل متميز. لذا يعتقد الصحافي المختص في وسائل الإعلام الرقمية، ” يان غيغان”، بأن مستخدمي موقع انستاغرام يفضلونه لخصوصيته والمتمثلة في إرسال صور جميلة ومتقنة الصنع، بينما يُسْتَخدم  موقع شبكة سنابشات لإرسال صور مضحكة ومازحة بسرعة إلى صديق ويمنح موقع الفيسبوك إمكانية التأشير أو وسم الأشخاص وتعيين المكان أو الموقع الجغرافي الذي التقطت فيه الصور.

على هذا الأساس اتجهت المنافسة. فموقع شبكة تويتر بدأ ” يلعب” في أرضية موقع شبكة انستاغرام، وذلك بتوفير خدمة الفيديو الذي لا يتجاوز 15 ثانية، بل استحدث التطبيق المسمى ” فين” Vine الذي يبث شرائط الفيديو التي لا تزيد مدتها عن ستة ثواني ويمكن أن تظل تبث باستمرار مع اتاحة الفرصة للمستخدم للقيام بتركيب الفيديوهات المرسلة.

التنافس بأقل خسارة

إن تقليد مواقع شبكات التواصل الاجتماعي لبعضها يجرى دون مخاطرة . فما يتم تقليده قد جُرِب وأكد فاعليته. فعندما يقوم موقع الفيسبوك، على سبيل المثال، بتقليد موقع شبكة سنابشات ويدخل خدمة الصور الزائلة ، فإنه يدعو الشباب الراغب في هذه الخدمة إلى الانضمام إلى موقعه وهو متأكد بأنه لا يخسر الكثير جراء إضافتها إلى موقعه. للعلم أن الشباب أكثر حرصا على الخصوصية والحياة الشخصية خلافا لما يُعْتقد بدليل أنه يفضلون مشاهدة الصور ومحوها مباشرة بعد مشاهدتها  دون أن ترك أثر في الشبكة. بل أن كوادر بعض الشركات أصبحت تفضل إرسال معلومات سرية بحيث يمكن مسحها أنيا بعد الاطلاع عليها .

ويمكن القول أن إدخال تطبيق أو تطوير خدمة ما لا تؤثر كثيرا على اقتصاديات مواقع شبكات التواصل الاجتماعي لأنها تروم كسب مستخدمين جدد أو سحب جزء من مستخدمي المواقع المنافسة. وإن لم تفلح في ذلك فإن خدماتها الأخرى لا تفقد مكانتها.

تخوف:

أكد الموقع الإلكتروني ” غلوبال وابأندكس” GlobalWebIndex قبل أربع سنوات أن  موقع الفيسبوك حاضر في 44% من الهواتف النقالة في العالم بينما  يوجد ” غوغل مابس” في 54% منها. ومن أجل تعزيز وجوده في الحوامل المتنقلة طور موقع فيسبوك، على سبيل المثال، تطبيق ” فيسبوك مسنجر”، ومدير الصفحات. وقد عزز وجوده في الهواتف الذكية بعد قيام بشراء موقع شبكة ” أنستاغرام”.

 

حقيقة، إن موقع الفيسبوك من الفاعلين الأساسيين الذين اقتحموا الهواتف النقالة، لكنه ليس الوحيد في الميدان إذ بدأت تبرز الكثير من التطبيقات المستقلة في الهواتف النقالة ، مثل وابشات Webchat  وسنابشات Snapchat  ووات ساب Whatsapp التي يذكر الموقع الإلكتروني “غلوبال وابندس” أنها تشكل منافسا عنيدا لموقع شبكة الفيسبوك. هذا دون أن ننسى بقية التطبيقات الأخرى، مثل: ويشات Wechat  الصيني الذي يقدم خدمة المراسلات القصيرة الفورية والذي انتشر بشكل قوي في آسيا، و تطبيق لاين Line الياباني الذي استطاع أن يكسب 230 مليون مستخدما.

ما يقلق مواقع الشبكات الاجتماعية هي التطبيقات التقنية التي تكون أصلا عبارة عن نظام من المراسلات الفورية القصيرة ثم تضيف خدمة المكالمات الهاتفية والمصورة وتتحول تدريجيا إلى شبكة للتواصل الاجتماعي بسيطة جدا.

إن مصدر القلق تكشف عنه الإحصائيات التي يقدمها معهد الدراسات بيبر جافري والتي تؤكد أن 42 % من المراهقين الأمريكيين كانوا يفضلون موقع شبكة الفيسبوك في السنة 2012، و تراجعت هذه النسبة بعد سنة فقط من هذا التاريخ لتبلغ 23%  ! يمكن أن ندرك قيمة هذه الإحصائيات إذا علمنا أن الشباب دون 25 سنة من العمر هم الأكثر شراءً للهواتف الذكية في العالم، أي أنهم المستخدمين الأوائل للتطبيقات التقنية وما توفره من الخدمات المذكورة.

الاحتواء

من أجل الاحتفاظ بموقعه واستبعاد المنافسين العنيدين تبنى موقع شبكة الفيسبوك استراتيجية الاحتواء ، أي شراء التطبيقات والبرامج ومواقع الشبكات التي تشكل خطرا على تطوره. وهذا ما تفصح عنه قائمة البرامج ومواقع شبكات التواصل الاجتماعي التي اشتراها في السنوات القليلة الماضية. ففي 2011 اشترى تطبيق ” بوش بوب براس” المتخصص في النشر عبر الانترنت، وبرنامج ” فرند لي” الذي يقدم خدمة الأسئلة والأجوبة، و ” ستروب” الخاص بالتطبيقات المتنقلة بصيغة أش تي أم أل، واشترى في السنة الموالية موقع شبكة أنستاغرام المختصة في توزيع الصور والفيديوهات واقتسامها ، و برنامج “واتساب” المختص في المراسلات الآنية في 2014، والتطبيق المسمى ” ويت.أي ” Wit.ai” للتعرف على الأصوات في السنة التي تلتها.

لقد كشفت هذه الإستراتيجية عن حدودها. فلا يستطيع موقع الفيسبوك أن يشترى كل البرامج والتطبيقات ومواقع الشبكات المنافسة. والدليل أنه أخفق في شراء موقع شبكة ” سنبشات” رغم سخاء المبلغ الذي عرضه على أصحابه.

لب المنافسة

قد يتساءل بعض القراء الكرم قائلين لماذا يسعى موقع هذه الشبكة أو تلك إلى السيطرة على بقية مواقع الشبكات وتحييد منافسيه والقضاء عليهم؟ يقدم الاقتصاديون الإجابة بتأكيدهم على أن المنافسة في الاقتصاد الحر تؤدي بالضرورة إلى الاحتكار إن لم تتدخل الدولة بأجهزتها لتفاديه. ويكمن محرك المنافسة والدافع إلى الاحتكار في مجال المعلوماتية ومواقع شبكات التواصل الاجتماعي في المعلومات الشخصية التي يتم الحصول عليها من المشتركين. هذا ما تؤكده  “إيزابل فالك بيروتن”، رئيسة اللجنة الوطنية للمعلوماتية والحريات في فرنسا.

نعتقد أن الأمر لا يحتاج إلى تفسير أو تبرير. فالمعلومات الشخصية لا تستغل من أجل التجسس على الأفراد فقط، بل تحتاجها شركات الإعلان ومؤسسات التسويق الكبرى من أجل معرفة كل صغيرة وكبيرة عن مشتركي مواقع شبكات التواصل الاجتماعي؛ أي زبائنها الفعليين والمحتملين. ففي ظل انتشار الميديا الشخصي أو الفردي ازدهر الإعلان المُشَخص. أي أن الرسالة الإعلانية لم تعد تكتفي باستهداف كل مشتركي مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، بل تروم الوصول إلى هذا المشترك أو ذاك بعينه نظرا لما تم جمعه من معلومات تفصيلية  عن اهتماماته وميوله ورغباته وذوقه وسلوكه الاستهلاكي.

 

ما العمل إن هاجر الأطفال شاشة التلفزيون؟

نشر بمجلة إذاعة وتلفزيون الخليج- العدد 108 أبريل 2017

في أثناء المؤتمر  الذي نظمه مخبر استخدامات المنتجات الإعلامية وتلقيها بجامعة الجزائر بعنوان : سؤال العلاقة بين “الميديا والثقافة”،  وقفت أستاذة سائلة: ما بوسعي فعله، لقد أدار أطفالي ظهرهم للتلفزيون؟ و عندما لاحظت أن بعض الحضور استغرب سؤالها استطردت قائلة: لقد انصرف ابنائي إلى لوحاتهم الإلكترونية، وهواتفهم الذكية، وانزوى كل واحد منهم في ركنه. وتركوني مع والدهم أمام شاشة التلفزيون. لقد كنا نلتقي معا في قاعة المجلس فتعج بالحركة والضجيج. وكان التنافس على أشده على من يستولي على أداة التحكم عن بعد في جهاز التلفزيون ليشاهد ما يريد ويفرضه على بقية أفراد الأسرة. وتطول مدة المنافسة لأن رغبات المشاهدة مختلفة ومتنوعة: فالابن البكر يريد مشاهدة مباراة كرة القدم، ووالده يريد متابعة نشرة الأخبار، والإبن الصغير يريد مشاهدة أفلام الكارتون، والبنات ينتظرن مسلسلهن التلفزيوني المفضل، وكنت اترقب دوري لمشاهدة برنامج الطبخ وبعض البرامج الثقافية. واليوم اختفى هذا الجو ولم نعد نشعر بوجود الأطفال في البيت. فحتّى تناول وجبة العشاء أصبح يتم في صمت تام والعيون زائغة بين الشاشات الموضوعة بجانب الصحون!

قد يكون أحد القراء الكرام، قد عاش، بهذا القدر أو ذاك، هذا الجو التنافسي الذي شكل موضوع بحث الكثير من علماء الاجتماع، أمثال دافيد مورلي الذي راح يستجلي أشكال التفاوض بين أفراد الأسرة حول البرامج التي تجمعهم وتلك التي تفرقهم، ويستكشف العلاقات بينهم عبر من يملك سلطة تغيير القناة التلفزيونية، وأشكال استنباط المعنى مما يشاهد. والقليل من يشعر اليوم بحنين  إلى هذا الجو أمام شاشة التلفزيون.

لم يكن أحد ينتظر أن يغير السؤال مجرى النقاش في المؤتمر المذكور لينتقل من الحديث عن موقع الثقافة في وسائل الإعلام ” التقليدية” إلى مخاطر الميديا الجديدة على الثقافة.

لقد أثار هذا السؤال رغبتي في قياس التحوّل الذي طرأ على نظرتنا إلى وسائل الإعلام. لقد بخسنا الوسائل السمعية البصرية حقها قبل بضع سنوات. وحكمنا على أن ما تبثه أنه ثقافة سطحية، بل مبتذلة. وقدّسنا الثقافة المكتوبة: ثقافة مجرة غتنبرغ مخترع المطبعة. وكنا، وربما مازلنا، لم نفهم لماذا نميل إلى تثمين قراءة رواية مطبوعة في كتاب ونستصغر مشاهدتها عبر شاشة التلفزيون. وها نحن اليوم نتباكي على تراجع مكانة شاشة التلفزيون في حياتنا اليومية. ونخشى عواقب العزوف عن مشاهدة برامجها على مستقبل الترابط الأسري وتماسكه بتفكك ما كان يشكل المتن الثقافي المشترك الذي يجمع كل أفراد الأسرة.

هل يؤكد السؤال الذي طرحته السيدة أعلاه  أننا لا نعرف قيمة الشيء إلا إذا فقدناه. ربما، لكن الأرجح أنه يشير إلى التغيير الحاصل في طرائق “استهلاك” الثقافة والانتقال من المشاهدة الجماعية للتفلزيون إلى الاستخدام الفردي للميديا الجديدة، وإلى الصعوبات التي أصبحت الأسرة الحديثة تواجهها من أجل التحكم في تعدّدية الشاشات وما تفرضه من ” انعزال” الاطفال وغياب التبادل اللفظي مع ذويهم. لقد أدرك الآباء اليوم أن التلفزيون وألعاب الفيديو كانت تحظى بثقتهم لأنهم كانوا يملكون القدرة على مراقبتها. أما اليوم فالأمر تغير مع تعدد الشاشات الطافحة بالمحتويات الثقافية والإخبارية والعلمية واللهوية المختلفة فأزداد قلقهم على أبنائهم.

يؤكد علماء النفس أن خطر شاشة التلفزيون على الطفل لا يكمن فيما يشاهده بل في انفراده بالمشاهدة في غياب شخص راشد يتوسط بينه وبين ما يشاهده. الوسيط الذي يساعده على تأويل ما يعرض على الشاشة وفي امتصاص مشاهد العنف التي تبثها.

هل يمكن أن نساعد الأستاذة الكريمة بالاجابة عن سؤالها: ما العمل؟

قد يعتقد البعض أن الحل بسيط، ويمكن في حرمان الأطفال من الوسائط التي تمكنهم من تحقيق استقلالهم ” الثقافي والإعلامي” بعيدا عن سلطة الآباء. وهذا ما قام به بعضهم إلا أننا نعتقد أن أضرار هذا الحرمان أكثر من منافعه لأنه ببساطة يجرد الأطفال من وسائل إندماجهم في العالم المعاصر وتكيّفهم معه، ويجعلهم يعيشون غرباء عن أترابهم وبيئتهم. هذا إضافة إلى أن الميديا الجديدة والمنصات الرقمية أصبحت حاملا للمعرفة وأداة تعليمية معتمدة في العديد من المؤسسات التعليمية التي استغنت عن الكتاب والورقة والقلم.

لا يخفى على عاقل أن القنوات التلفزيونية أصبحت تبث الكثير من برامجها وموادها في مواقعها في شبكة الانترنت أو في بعض مواقع الشبكات الاجتماعية، مثل “يوتيوب” و”دلي موشن”، ومن الأجدى أن نشارك أطفالنا ما يفضلون مشاهدته من هذه المواد عبر المواقع المذكورة ليكون مادة لتجديد الحوار والنقاش معهم تعزز اللحمة الثقافية التي تشكل القاسم المشترك بين أفراد الأسرة.

أتذكر أن الصحافي الفرنسي “فرانسيس بزاني” المهتم بالتكنولوجيا الحديثة، الذي فتحت له صحيفة لوموند الفرنسية منبرها لنشر مدونته الإلكترونية،  حاول أن يجيب عن تساؤلات الآباء وحيرتهم من البروز الاستعراضي للميديا الجديدة في حياتنا اليومية وفي ممارسات أطفالنا الثقافية في شكل وصايا. وأعتقد أن الكثير منها مازال صالحا.

أول وصية أوصى بها أولياء الأطفال هو الجلوس مع الأطفال وتدريبهم على استخدام شبكة الانترنت ومختلف المنصات الرقمية. ويعتقد أن هذا التدريب لا يقل أهمية عن تعليمهم أبجديات القراءة والكتابة التي كانوا يقومون بها منذ أزيد من قرن ونصف. بالطبع إن تجسيد هذه الوصية يتطلب من الآباء بذل الجهد للتحكم التقني في العُدة التكنولوجية الحديثة.

ويجب تطوير قدرات الأطفال النقدية، ورفع منسوب الشك والحذر مما يطلعون عليه، فليس كل ما ينشر في مواقع شبكة الانترنت والمنصات الرقمية، وكل ما يتم تداوله في مواقع الشبكات الاجتماعية صادقا وصحيحا ونزيها.

إن الواب أرضية رائعة لإبداع والابتكار، وعلى الأولياء تشجيع الأطفال على التعبير على قدراتهم وتفجير مواهبهم في شبكة الانترنت والمنصات الرقمية، وإخراجهم من حالة المستهلكين السلبين إلى المنتجين المبتكرين.

إن تنبيه الأطفال إلى الخدع والحيل المستعملة في مواقع شبكة النت والمنصات الرقمية لأغراض تجارية أو أخرى تضاهي تعليمهم كيفية المرور في الطريق المكتظ بحركة السيارات على حد قول “فرانسيس بزاني”.

وأخيرا يمكن أن نضيف إلى هذه الوصايا محاولة التقرب أكثر من الأبناء من خلال الاشتراك معهم في المجموعات التي ينشئونها في مواقع التواصل الاجتماعي ليس بغض التجسس على اتصالاتهم ومعارفهم. لأن أفضل طريقة لحمايتهم من أضرار استخدام هذه المواقع هو تزويدهم بمقومات حماية أنفسهم وليس التجسس عليهم. إن أهمية هذا التقرب تكمن في اقتسام المعلومات والمواد الثقافية وتبادل الأجود من السرديات التي تساهم في صقل شخصية الطفل وتمكينه من خوض تجاربه.

 

الأخبار الكاذبة عملة مزيفة

نشر بمجلة الشروق الإماراتية -6-12 مارس 2017

نشرت صحيفة الحياة الجزائرية خبرا في عددها الصادر يوم 14 فبراير الماضي مفاده أن “ماري لو بان” ، زعيمة حزب اليمين المتطرف في فرنسا، صرحت في الحملة الانتخابية للرئاسية الفرنسية المقبلة أنها ستبني جدارا بين فرنسا والجزائر، وستلزم هذه الأخيرة بتمويل بنائه. وعززته  بصورتها. وقد نسبت خبرها هذا إلى صحيفة ” غورافي” الفرنسية.

أثار هذا الخبر لغطا كبيرا لدى الرأي العام الجزائري وسط وموجة من التعليقات الغاضبة في مواقع الشبكات الاجتماعية لم تهدأ رغم اعتذار الصحيفة عن الخطأ الذي ارتكبته. و ” غورافي”، لمن لا يعرفها، هي صحيفة ساخرة على غرار “نورد برس” البلجيكية، و” ذو أنيون” الأمريكية ، و” المنشار” الجزائرية، و” البرافدا” الكندية، وغيرها من الصحف التي تنشر الأخبار وكأنها حقيقية من باب المزاح والسخرية وليس لغرض سياسي. لكن من أين لقطاع واسع من الجمهور أصبح يتابع الأخبار عبر مواقع الانترنت ومحركاتها ومنصاتها الرقمية  التمييز بين الأخبار التي تنشر من أجل إعلامه وتلك التى ترمي إلى ممازحته في زمن استشرت فيه الأخبار المزيفة والكاذبة؟

لا يخفى على عاقل أن الأخبار الكاذبة والمزيفة ليست وليدة اليوم، لكنها أضحت تكتسي أبعادا غير منتظرة وخطيرة مع تزايد عدد مستخدمي مواقع الانترنت والشبكات الاجتماعية، خاصة أثناء الأزمات والحروب وفي ظل التنافس السياسي في الانتخابات البرلمانية والرئاسية ، مثلما حدث في الحملة الانتخابية للرئاسات الأمريكية مؤخرا.

لقد أكدت دراسة قام بها الموقع الإخباري الأمريكي في شبكة الانترنت “بوزفيد”  أن  المقالات التي تضمنت الأخبار المزيفة، و نشرت في موقع الفيسبوك  اثناء الحملة الانتخابية المذكورة، لقيت رواجا أكبر من المقالات التي تناولت المواضيع ذاتها واشتركت في نشرها 19 وسيلة إعلامية إخبارية أمريكية.

 

لعل هذه الدراسة تندرج ضمن العديد من الدراسات التي تُحمّل مواقع الشبكات الاجتماعية ومحركات البحث مسؤولية تزايد الإقبال على الأخبار المزيفة. والسبب في ذلك لا يعود إلى سرعة انتشارها فقط، بل لأن المرء يميل أكثر إلى الأخبار التي تساير قناعته وتلائم مزاجه فيتفاعل معها أكثر سواء بتعليقه عليها أو اقتسامها مع أصدقائه في موقع الفيسبوك، وتويتر، واليوتيوب. وغني عن القول أن الأخبار التي يتم اقتسامها أكثر تحقق عائدا ماليا أكبر من الإعلانات للمواقع الشبكات المذكورة التي تنشرها. فالخوارزميات التي تقود هذه المواقع صممت من أجل منح الأولية للمقالات التي تُقْتسم ، وتلك التي تحظى بتعليقات أكثر. وتستمد الأخبار الكاذبة قوة جذبها من كونها غير منتظرة، وحتّى صادمة وغريبة، وتحمل قدرا من المبالغة أكبر من الأخبار الصادقة.

لقد بدأ التخوّف من الأخبار المزيفة يخيم على الحملة الانتخابية في فرنسا وألمانيا، بعد أن سممت أجواء الانتخابات في إندونيسيا . وهذا ما أدى بالكاتب الفرنسي “هربرت غايو” إلى القول أننا نواجه فعلا عملية تفخيخ واسعة تستند إلى الكبس على الأيقونات الرقمية من أجل تصنيع الشائعات والتزييف والتضليل قصد الحصول على المال جراء الإعلان.

تذكرنا الأخبار المزيفة بالشائعات التي تنخر عالم الإعلام والصحافة خاصة عندما تتحول إلى فاعل سياسي نشيط. وهذا ما يقلق رجال السياسة وأصحاب القرار لأنها تنمي الشك  وتغرس الضغائن والأحقاد وتعسر كل حوار اجتماعي أو سياسي داخل المجتمع. ففي هذا الصدد يقول رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، باراك أوباما، في حديث أدلى به إلى مجلة “نيو يوركر” الأمريكية قُبَيْل مغادرته البيت الأبيض الأمريكي: ) إن القدرة على نشر الأخبار المضللة ، ونظريات المؤامرة التي يقودها الهذيان ، ووصف المعارضة بأبشع الأوصاف السلبية دون منحها إمكانية الرد والطعن ، كلها مظاهر تتسارع لتحدث استقطابا حادا في أوساط الناخبين مما يجعل كل حوار مشترك صعبا جدا).

تفســـــير

إن كان الكثير من المختصين لا يستبعدون العاملين التكنولوجي والمالي في استشراء ظاهرة  الأخبار المزيفة، فإن بعضهم يرى أنها تكشف عن أزمة ثقة. ثقة الجمهور في وسائل الإعلام التقليدية التي سيطر عليها رجال المال من خارج المهنة:  أرباب الصناعة ، والمصرفيون ، والمستثمرون في مجال العقار والبناء، وصناع الأسلحة. وهيمنت عليها جماعة الضغط واللوبيات السياسية فحرفوها عن وظيفتها الأساسية المتمثلة في الإعلام والتثقيف وتنوير الرأي العام بالحقائق. وهناك من يذهب إلى أبعد من هذا. فعالم الاجتماع الفرنسي “جيرار برونر ”  يرى أن الحجم الذي بلغته الأخبار المزيفة التي يتقاسمها مستخدمو شبكة الانترنت والمنصات الرقمية يعبر عن أزمة الديمقراطية في المجتمعات الغربية ومنظومتها السياسية والاتصالية. ويختزل هذه الأزمة في عبارة ” ديمقراطية المُصَدَّقين” التي يعني بها أن عدد الأشخاص الذين يصدقون الأخبار وما يتم تداوله عبر وسائل المنصات الرقمية ومواقع الشبكات الاجتماعية يتزايد باتساع هامش حرية التعبير. كما أن  انتشار الأخبار المزيفة وتصديقها يعبر عن خيبة أمل في كل الذين كانوا يسوقون الأفكار المثالية عن الانترنت؛ أي الذين كانوا يَعِدون البشرية بعصر الحياة المدنية الذهبي، والديمقراطية التشاركية في ظل انتشار شبكة الانترنت التي تجعل الشفافية وصحافة المواطن سيدة في مجال إنتاج الأخبار وتوزيعها. فالتكنولوجية التي تعد أداة التنوير تحولت إلى أداة مكيافيلية في نظر عالم الاجتماع المذكور.

 

صناع التزييف

تصنف عالمة الاجتماع الفرنسية، مليسا زيمدار، صناع الأخبار الكاذبة في مواقع الشبكات الاجتماعية والمنصات الرقمية، والتي قد تقتبسها بعض وسائل الإعلام التقليدية وحتى الرسمية، إلى الأصناف التالية : الراغبون في جمع المال من الإعلان الذي يحققه انتشارها ، والساعون إلى إبراز وجهات نظرهم ومواقفهم من الحياة العامة دفاعا عن القضية السياسية والأيديولوجية التي يؤمنون بها. وتندرج هذا الإطار الحركات السياسية الوطنية والقوى الأجنبية، والذين يقصدون التنكيت من وراء نشرها بغية المزاح والمداعبة، والذين ينشرونها دون أن يدرون أنها مزيفة؛ أي يعتبرونها حقيقية وصادقة. وهؤلاء هم الأخطر في نظر العاملين على مكافحة الأخبار المزيفة في الميديا الجديدة والتقليدية لأن البحث عن نواياهم السياسية والنضالية وأهدافهم الاقتصادية ورغبتهم في تصفية حساباتهم الشخصية صعب لأنهم ينشروها عن حسن نية أو دون وعي بتبعاتها.

يثار القلق من استشراء الأخبار المزيفة عبر مختلف وسائط الاتصال بتزايد الشك في إمكانية محاربتها ، خاصة من قبل مواقع الشبكات الاجتماعية ومحركات البحث التي تعد مَشاتِلها. والسبب في ذلك يعود في نظر بعض الأخصائيين إلى العامل التقني ، إذ يؤكدون أنه من الصعوبة بمكان أن ندرب نظام الذكاء الاصطناعي على القيام بفرز الأخبار المزيفة في سيل الأخبار المتدفق، بينما يمكن فقط توجيه الخوارزميات إلى ترتيب الأخبار في محركات البحث بمنح الأولية لتلك التي تستند إلى مصادر موثوقة. ولا يمكن أيضا إغفال العامل الاقتصادي في هذه المسألة. إن الأخبار المزيفة تشكل موردا ماليا لما تجذبه من إعلانات للمنصات الرقمية، و التصدي لها يتطلب تمويل جيش من الفنيين الأخصائيين ليسهروا على التدقيق في الأخبار المتداولة في شبكة الانترنت والمنصات الرقمية والتحرى في واقعيتها وصدقيتها. ومن الممكن أن تؤدي عملية الغربلة هذه إلى تقليص كمية المحتويات المتداولة ، وصد الكثير من مستخدمي الانترنت عنها.

ربما يخشى من رد فعل المجتمع المدني في البلدان الغربية على التدابير التي تتخذ  للحد من الأخبار المزورة أو القضاء عليها لأن هذا المجتمع شديد  التمسك بمبدأ الحريات العامة: حرية نشر الأخبار والحق في الإطلاع عليها. ومؤمن بأهمية الاقتسام الحر للمعلومات والمعارف، إذ يرى أن أي محاولة لحد من حرية التعبير تعتبر خطرا كبيرا يهدد النظام الاجتماعي والسياسي في هذه البلدان. ومن أجل طمأنة الناشطين في مجال حقوق الإنسان في المجتمعات المذكورة يؤكد آدم موسري، أحد نواب رئيس مؤسسة الفيسبوك بأن مؤسسته تعتقد أنها تسعى إلى منح صوت للشعب، ولا يمكن لها أن تصبح قاضيا يحكم على مدى صحة المحتويات المتداولة في موقعها وصدقيتها. لذا يرى أن على مؤسسته الالتزام بالحذر في معالجة هذه المسألة.

ضغوط

منذ الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة والولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية تمارس ضغوطا متصاعدة على محركات البحث الكبرى في شبكة الانترنت، مثل غوغل، وعلى المؤسسات المالكة لمواقع الشبكات الاجتماعية، مثل الفيسبوك، من أجل أن تمارس دورها الضابط  والمعدل لما تنشره وما تقوم بفهرسته. فلم تطلب منها حجب الأخبار التي يعتقد أنها مزورة أو مضللة خوفا من أن تتهم بأنها معادية لحرية التعبير وتصنف في خانة الدول التي تحرم مواطنيها من  استخدام شبكة الانترنت. ولا تطالب هذه الدول منها الحكم على الأخبار التي تنشرها بالصدق أو الزيف، بل تريد منها فقط أن تشير، بالطريقة المناسبة، إلى أن المواقع التي تنشر الأخبار المزيفة ليست وسائل إعلام. ويبدو أن هذا التوضيح ضروري ومفيد لأن مستخدم شبكة الانترنت يتعاطى مع ما تنشره من أخبار كأنها صادرة عن مؤسسة إعلامية! والكل يعلم أن الكثير من المؤسسات الإعلامية تتحري في صحة أخبارها للحفاظ على مصداقيتها لدى جمهورها أو زبائنها. وأن العاملين فيها يلتزمون ، بهذا القدر أو ذاك ، بمواثيق مهنية وأخلاقية. وهذا التوضيح كفيل بتنبيه مستخدمى شبكة الانترنت أن الكثير من المنصات تشبه إلى حد كبير المقاهي. وهذا يعني أن ليس كل ما تلوكه الألسن  في المقهى صادق .

 

تفاؤل

يبدو أن الضغوط التي  مارستها العديد من الدول على المؤسسات الكبرى المنتجة للمحتويات والموزعة لها عبر شبكة الانترنت بدأت تكلّل بالنجاح إذ برزت العديد من المبادرات الجادة لمحاربة الأخبار المزيفة . ففي الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت شركة الفيسبوك، التي تؤكد أنها ليست وسيلة إعلامية، يوم 15 ديسمبر الماضي، أنها شرعت في الاستعانة بمستخدميها في حربها على الأخبار المزيفة. وتمكنت يوم 6 فيفري الماضي من إبرام اتفاقية مع ثمان مؤسسة إعلامية فرنسية: وكالة الأنباء الفرنسية وكبريات الصحف الفرنسية وقنوات تلفزيونية. وتنص الاتفاقية على أنه إذ اشار أحد المشتركين في موقع الفيسبوك إلى أن هذا الخبر أو ذاك مزيف وأيدته في ذلك وسيلتان إعلاميتان فرنسيتان ممن شملتهما الاتفاقية ، يلتزم موقع الفيسبوك بوضع علامة تشير إلى أنه مزيف، ويرسل إشعارا أنيا إلى  كل من يكبس على رابطه الإلكتروني ليحذره من زيفه. وتأتي هذه التجربة بعد تلك التي قام بها هذا الموقع في الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع بعض المؤسسات الإعلامية. ومن المنتظر أن يعمم تجربته في ألمانيا بالتعاون مع وسائل الإعلام المحلية بمناسبة الانتخابات التشريعية.

وشرع محرك غوغل نيوز، من جهته، في استخدام تقنية ” التحري في الأحداث ) Fact Checking (” التي تساعد المستخدمين في الحصول على المحتويات التي خضعت للتدقيق والتحري. وأنشأ المحرك العملاق غوغل منصة “فرست دراف” بالتعاون مع مختلف وسائل الإعلام الأمريكية للكشف عن الأخبار المزيفة.

وبشكل مواز، بدأت المؤسسات الإعلامية الكبرى، في شحذ أدواتها الخاصة لمحاربة الأخبار المزيفة. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى تجربة صحيفة لوموند الفرنسية التي أنشأت مدونة ” ديكودكس” Décodex  في موقعها  في شبكة الانترنت.

 

هل يتحول الجمهور إلى شريك وسائل الإعلام؟
د. نصر الدين لعياضي

مجلة الشروق الإماراتية الصادرة في 28 ديسمبر 2015- 3 يناير 2016

هل يوجد من يشكك في ما صرح به بيز ستون، أحد مخترعي موقع شبكة “تويتر”، في 2010؟ لقد أكد على أن ” تويتر” ليست شبكة اجتماعية، بل شبكة إخبارية، وبفضلها لم يُعدّ الواب أنبوبا تتدفق عبره الأخبار فقط، بل تحول إلى مصدر إخباري. لا أحد يعتقد أن الفرنسيين هم الذين يشككون في صحة هذا التصريح لأنهم شاهدوا يوم 19 مايو 2011 مذيع نشرة أخبار قناة ” بي أف أم” التلفزيونية وهو يقرأ على شاشة الكمبيوتر نصوص “التغريدات” عبر موقع شبكة “تويتر” عن إحالة دومنيك ستروسكان، المدير العام السابق لصندوق النقد الدولي، إلى العدالة وهو يدلي بشهادته أمام القضاة في محكمة نيويورك، على إثر الدعوة القضائية التي رفعتها عليه ” نفيستو دليالو” عاملة التنظيف بفندق سوفيتال، واتهمته فيها بالتحرش. هذا في وقت لم تسمح فيه المحكمة للصحافيين من إدخال آلات التصوير إلى قاعة المحكمة.
تغريدات التغيير
لقد كشفت ” التغريدات” المذكورة عن شكل من تفاعل وسائل الإعلام المعاصرة مع الأحداث والتزامها الشديد، وغير مسبوق، بالآنية ، والسعي إلى إثراء مصادر أخبارها والاستعانة بالجمهور لتغطية بعض الأحداث. بالفعل، لقد أصبحت الكثير من وسائل الإعلام تتجه إلى جمهورها لتقديم شهادته المكتوبة أو المصورة أو المسموعة عن الأحداث التي عاشها أو كان شاهدا على وقوعها، وذلك عبر الوسائل المختلفة: الهاتف، ومواقع الشبكات الاجتماعية والمدونات الإلكترونية. لعل القارئ الكريم يتذكر الكثير من الكوارث الطبيعية والأحداث الجسام التي استعانت فيها وسائل الإعلام المختلفة بالصور والشهادات التي تزاحمت في مواقع الشبكات الاجتماعية: تويتر، وفيسبوك، ويوتيب. ولن تكون أخرها المظاهرات التي عاشتها مدينة ” فرغيسون” في ولاية ميسوري بالولايات المتحدة الأمريكية يوم 9 أغسطس 2014 على إثر قيام شرطي أبيض بإطلاق النار على شاب أمريكي أسود أعزل ومسالم فأرداه قتيل. لقد جعلت بعض الصحف من قرائها الأوفياء مراسلين محليين لما يجري من أحداث في حيهم السكني أو قريتهم أو مدينتهم يزودونها بالأخبار والصور. ليس هذا فحسب، بل أن بعض الصحف دعت قرائها إلى المساهمة في إنجاز تحقيقاتها الصحافية. إذ يمكن أن نذكر، على سبيل المثال، ما قامت به صحيفة “الجارديان” البريطانية في يونيو 2009، على إثر تسريب شائعات تتعلق بخروقات وتجاوزات في نفقات ممثلي مجلس العموم البريطاني. فسعت إلى امتلاك 458000 صفحة من فواتير مصاريفهم، وأدخلتها في موقعها في شبكة الانترنت، وطلبت من قرائها ومستخدمي شبكة الانترنت مراجعتها والتدقيق فيها. وقد ساهم في هذه العملية 28 ألف شخص! وقد تبنت صحيفة ” دوفيني ليبري”، وهي صحيفة محلية تصدر في مدينة غرونبول الفرنسية، الأسلوب ذاته في التحقيق الصحفي الذي نشرته عن انتقال البث التلفزيوني إلى النمط الرقمي الأرضي. لقد حددت السلطات الفرنسية نهاية 2009 كآخر أجل لهذه العملية لوضع حد لاستقبال برامج البث التلفزيوني التناظري لكنها تأخرت إلى غاية 2011 ورافقتها حركة احتجاج المواطنين على الاضطرابات التي حدثت في استقبال برامج القنوات التلفزيونية الفرنسية الرقمية. ولمتابعة هذه العملية وجهت الصحيفة المذكورة نداءً إلى قرائها في المنطقة التي توزع فيها ليقدموا شهادتهم عن معايشتهم هذا الانتقال في البث. فاستجاب لها 1200 قارئ خلال شهري نوفمبر وديسمبر2011. وهكذا استطاعت هذه الصحيفة أن تقدم مادة دسمة وموثقة استفادت منها السلطات في تجاوز بعض المشاكل وتصحيح بعض أوضاع البث.
من قال أن الجمهور سلبي؟
لقد أصبح مالكو القنوات التلفزيونية وصحافيوها يعوون أن قسما من جمهورها يعلق عبر شبكة تويتر أو الفيسبوك أو اليوتيوب على برامجها بشكل متزامن مع بثها. واقتنعوا بالفكرة التي مفادها أن جمهور وسائل الإعلام سلبي وساكن قد عفا عنها الزمن، وتوارت في الماضي البعيد مع التخيلات الناجمة عن نظريات التأثير المطلق التي ازدهرت في منتصف المنتصف الأول من القرن العشرين، واحتفت بها الأيديولوجية الشمولية أيّما احتفاء. فالكثير من الشواهد تثبت بشكل قاطع أن الجمهور لم يعد يبلع ما يقدم له من ” وجبات إعلامية” دون امتعاض أو معارضة أو عزوف، إنه جمهور متفاعل وفعال. وقد طورت وسائل الإعلام استراتيجيتها من أجل استثمار طاقته التفاعلية بمختلف الأساليب، لعل أقدمها هي المنتديات لإلكترونية التي فتحتها الصحف في مواقعها في شبكة الانترنت بدءا من 1995. يليها نشر التدوينات الإلكترونية لبعض المدونين، وفتح المجال للتعقيب والتعليق على المقالات الصحفية التي تنشرها، وعلى البرامج المسموعة والمرئية في مواقع القنوات التلفزيونية والإذاعية التي أنشأتها في شبكة الانترنت، بل أن وسائل الإعلام أصبحت ترصد ما يدور في منصات الدردشة الإلكترونية من مواضيع، وما يدرج من” توسيمات” في موقع تويتر لتطبخ منه وجبات إعلامية، وتغذي به مواقعها الإلكترونية.
حدود التفاعل:
اقتنعت وسائل الإعلام المعاصرة بضرورة تغيير نظرتها لذاتها. فالكثير منها لم يعد تعتقد أنها مدرسة موازية، وأن صحافييها معلمون يلقنون دروسا للجمهور الذي يعتبرون تلميذا. لقد أصبحت النظرة إلى الجمهور تتأرجح بين كونه زبونا أو مواطنا. ومهما كان موقع هذا الجمهور فهو عنصر فاعل. والسؤال المطروح يتمثل في حدود فاعليته في المستقبل؟ فهل يمكن التسليم بما أصبح يشاع بأنه تحول إلى منتج للإعلام، وأمسى كل شخص يملك أداة تكنولوجية بسيطة ” كاميرا رقمية” ووسيلة اتصال بشبكة الانترنت “وسيلة إعلامية”، على حد تعبير الصحافي الأمريكي ” دان غلمار”، في زمن ما انفك عدد الذين يطلعون على الأخبار في شاشة هاتفهم الذكي يتزايد باضطراد من سنة إلى أخرى؟
إن وسائل الإعلام المعاصرة تتجه بقوة إلى المزيد من الانفتاح على جمهورها بتوسيع مصادرها الإخبارية وتنويعها في إطار ما أصبح يعرف بمصادر الحشد أو المصادر الشعبية crowd sourcing. و تجتهد في تفعيل حضورها في مواقع الشبكات الاجتماعية. كل هذا لا يمكن أن يخفي الرغبة الجامعة في الوصول إلى أكبر عدد من الجمهور حيثما يوجد وفي مختلف المستويات. الرغبة التي تشحذها المنافسة الشرسة وتحركها دوافع تجارية لا تفرض على مختلف وسائل التقرب من الجمهور فحسب، بل تتطلب منها الالتصاق به، وإرهاف السمع إلى ما يرضيه، وما يريد أن يقرأ أو يستمع أو يشاهد، لكن ليس على حساب مشاريعها التجارية وأهدافها السياسية والإيديولوجية. وهذا ما يؤكده المستقبل القريب الذي بدأ يكشف عن حدود تفاعل الجمهور. فبعد وكالة رويترز للأنباء، ومجلة ” بوبيلر ساينس”، وصحيفة “شيكاغو سن تايمز”، جاء دور صحيفة الإلكترونية ” ذو ديلي دوت” التي أنشئت قبل خمس سنوات فقط، وصحيفة “تورنتو سن” لتعلق، يوم 24 سبتمبر الماضي، تعليقات القراء على المواد التي تنشرها، وتحرمهم من التعقيب عليها. وقد بررت هذه الصحف ما أقدمت عليه بأن بعض التعاليق التي تصلها مجهولة الهوية وسلبية وماكرة. وأن نظام التعليقات الذي تتبعه الآن لا يخدم كل القراء. لكن ما لم يقال عن هذه التجربة أن الصحف أصبحت توجد صعوبات كبرى في إحداث التناغم والانسجام بين خطابها وخطاب قرائها والمعلقين على ما تنشره في مواقعها في شبكة الانترنت. لذا لم تعد ترى جدوى من هذه التعليقات. هذا ما عبر عنه أحد الصحافيين في صحيفة ” النوفل أبسرفتور” الفرنسية، نقلا عن مدونة ” جيف جرفيس”، إذ أكد قائلا: عندما ننتهي من عملنا، نأذن للجمهور بالتعليق على ما نكتبه. إننا نرمي به إلى الجهة الأخرى من الجدار، ونترك الناس يعبرون عن ردود أفعالهم تجاهه. وننسحب إلى قصرنا حتى لا نسمعهم. إنهم يعرفون أنهم لا يتحدثون سوى إلى الطوب. وفجأة يبدأون بالصراخ، فيملؤون الجدار بالخربشات. إننا ببساطة نملك سلطة تنظيف الجدار من هذه الفوضى التي عمته. لقد هاجرنا الساحة فغطت الخربشات، بسرعة، جدران القصر.(
الخوف من الخضوع.
لن يكن حظ المنتديات الإلكترونية أفضل من التعليقات على ما تنشره وسائل الإعلام في مواقعها في شبكة الانترنت. فغاية هذه المنتديات التي أنشأتها الصحف تروم، بالأساس، إنشاء جماعات، وإقامة علاقات دائمة مع الجمهور. فتُعَين منشط النقاش بين المشتركين في هذه المنتديات لا دور له سوى ضبط النغمة وتأطير النقاش حول المحاور المحددة سلفا. ومن يتابع ما يجرى في هذه المنتديات يشعر بانفصالها عن الصحف الورقية أو الإلكترونية التي أنشأتها. والسبب في ذلك، كما يعتقد البعض، يعود إلى أن هيئات تحرير هذه الصحف تستصغر الانتقادات التي يعبر عنها مستخدمو الانترنت في هذه المنتديات بحجة عدم تمثيلهم لمجمل قراء الصحيفة أو لضعف تعليقاتهم. لكن الباحث الفرنسي “رمي ريفل” يوعز هذه القطيعة إلى أن هذه المنتديات التي تسمح لوسائل الإعلام بمعرفة أكثر لجمهورها تدري تبعات هذه المعرفة. إنها خطيرة ويمكن أن تنتهي بالخضوع المتزايد لهذا الجمهور!

تنويه:  سيكون “عرس بغل”- أنظر اسفله-  أخر عمود من  “عتبات الكلام” الذي كان من المفروض أن يصدر اليوم – السبت 12-09-2015 في صحيفة الخبر. لقد ارتأت هذه الأخيرة الكف عن نشر الكتابات الخارجية لأسباب تتعلق بظروفها . وإذ نشكر صحيفة الخبر على رحابة صدرها على تحمل “عتبات الكلام” دون أي عتاب أو تحفظ. ونثنى على جهود الساهرين عليها الذين سمحوا لنا  باللقاء بكم  والتفاعل مع بعضكم على مدار السنوات الثلاث من عمر هذا العمود على أمل تجديد اللقاء  في فضاء أخر. ولا تفوتني الفرصة لأوجه تحية تقدير للقراء الذين تابعوا ” عتبات الكلام”سواء عبر صحيفة الخبر أو في هذا المنبر.

د. نصر الدين لعياضي

عتبات الكلام: عرس بغل

نصر الدين لعياضي

لم اغتاظ من المقارنة التي قام بها السينمائي صلاح سرميني بين الدورة الأولى لمهرجان وهران السينمائي، الذي انعقد في2007، والدورة الثالثة والعشرين للمهرجان الدولي لأفلام الهواة، الذي انعقد في قليبية بتونس، في الفترة الزمنية ذاتها تقريبا. والسبب في ذلك لا يعود  لنضوب نخوتي الوطنيّة، بل لأن هذا السينمائي، سامحه الله، لا يعرف معنى “عرس بغل” في الثقافة الجزائريّة. حقيقة، لقد قرأ الكثيرون رواية المرحوم الطاهر وطار الموسومة بعرس بغل، لكن الكثير من الجزائريين لا يعرف المعنى الحقيقي لهذا العرس، ناهيك عن الأجانب، لأن المرحوم  لم يتوقف ليشرح دلالاته في الثقافة الجزائريّة بشقيها الشَّعْبِيّ والرسميّ. لذا أجد نفسي مضطرا إلى شرحها بالمختصر المفيد. إن البغل حيوان هجين ليس حمارا ولا حصنا، وعَاقِر. هذا ما يؤكده الأطباء البياطرة ويعرفه عامة الفلاحين. لكن القليل من الجزائريين من يعرف أن “عرس بغل” هو استعارة للدلالة على الحفل الكاذب. ويعتقد الأقدمون أنه إذا كان أحد الزوجين عاقرا أو كلاهما ولم يتبنيا طفلا، يصطنعان عرسا مزيّفا يسمى عرس بغل. ويدعوان إليه الأهل والأصدقاء والجيران لمشاركتهما الفرح واسترجاع ما قدموه من هدايا! هذا هو معنى “عرس بغل” في الثقافة الشّعبيّة. فماذا عنه في الثقافة الرسميّة؟ للإجابة عن هذا السؤال نعود إلى ما كتبه صلاح سرميني عن المهرجانين المذكورين. وألفت انتباه القارئ الكريم إلى أنني لا أعيد نص مقال المقارنة كاملا، بل اقتبس منه ما يدل على مراسم العرس فقط.

يتسأل صلاح سرميني قائلا: ) لماذا جاءت الدورة الأولى للمهرجان الدّوليّ للفيلم العربيّ في وهران مخيبة للآمال على عكس الدورة الـ23 للمهرجان الدّوليّ لأفلام الهواة في قليبية،علماً أن الأول مهرجان محترف، ينظمه محترفون، والثاني مهرجان هاو ينظمه هواة. الذّريعة المُعلنة والمتوقعة تكمن في القول أن مهرجان وهران يحتاج إلى دورات أخرى من الخطأ والصواب حتى يتفادى ارتباكاته البرمجيّة، والتنظيميّة، بينما يتمتع مهرجان قليبية الهاوى بعمر مديد (23 دورةً دوليّة، و23 دورة وطنيّة على مدى 46 عاما. ويضيف قائلا: ( مهرجان وهران مهرجان مناسباتيّ  واحتفاليّ نُظم وبُرمج على عجل، ربما قبل ثلاثة شهور وهي غير كافية لتنظيم مهرجان. طغت أشكال كرم الضيافة على نشاطاته السينمائيّة المأمولة، فأزاحت بعضها، وألغت أخرى، وبسببها اختفى أي نشاط سينمائي بعد الثامنة، وأحيانا السادسة مساءً، وحاول المهرجان تقليد احتفاليات مهرجانات عربية أخرى دون أن يمتلك خبراتها في التوفيق بين نشاطها السينمائيّ والاحتفاليّ. وكان الأحرى بمهرجان وهران التدقيق أكثر في قائمة ضيوفه. ويستطرد حديثه موضحا:”من الملاحظات المؤلمة لأي ضيف مخلص للسينما فراغ القاعات الثلاث المخصصة للعروض إلاّ من جمهور وهراني عابر قاده الفضول وحده للدخول إلى قاعات كئيبة ليحتمي من حر الصيف، أو على أكثر تقدير، ليشاهد ما لم يتوفر له خارج إطار هذه الاحتفاليّة (كانت قاعات السينما قبل المهرجان مغلقة منذ سنوات !)، بينما كانت الحفلات اللّيليّة- بحمد الله- أكثر دقة، وتنظيماً، وانضباطاً، ومكتظةً، ونشيطةً، وعامرة بما لذ وطاب من أطعمة تشتاقها الأفواه الجافة والعابسة في شوارع المدينة. أما مهرجان قليبية، وعلى الرغم من صغره، وتواضعه، وإمكانياته المحدودة فهو(دولي) بحق، على الأقل فيما يتعلق باختيارات مسابقتيه الدّوليّة والوطنيّة. ويؤكّد المتحدث ذاته قائلا: وصلت حصيلتي في مهرجان قليبية إلى 90% من أفلام لم أشاهدها من قبل، إضافة إلى مشاهدة أفضل أفلام السينمائيين الهواة في تونس، وهي فرصة لن تتحقق في أي مهرجان آخر. بينما كانت حصيلتي من مهرجان وهران 10% من أفلام لم أشاهدها سابقا، وهي من الأفلام الجزائريّة الجديدة تحديداً، بينما سبق لي أن شاهدت الكمّ الباقي (قصيرة، وطويلة) في مناسبات أخرى خلال السنوات الثلاث الماضيّة. وأخير يتسأل هذا السينمائي قائلا: )ماذا يضيف لي كاظم الساهر والشاب خالد أو لأي ضيف آخر؟ فلم تكن حفلتاهما إلا إعادة لأغانيهما القديمة التي نشاهدها ونسمعها ليلاً ونهاراً في معظم القنوات العربيّة والأجنبيّة) والسؤال المطروح ما هو الفرق بين الطبعة الأولى لمهرجان وهران السينمائيّ التي انعقدت في 2007 وطبعته في السنة الحالية؟ إذا اهتديت عزيزى القارئ إلى الإجابة الصحيحة ستدرك معنى “عرس بغل” في الثقافة الرسميّة الجزائريّة.  أما أنا سأكتفي بالفخر بقدرتنا على تنظيم مهرجان لموسيقى الجهجوكة في عنابة، وآخر لرقصة الصلصة Salsaفي بسكرة. أما أنت عزيزي القارئ، فعسى تشعر بالشفقة على الشعوب التي تفتقد معنى هذا العرس فتضطر إلى الاستعانة بخبرتنا في هذا المجال. وتفتخر مثلي بمساعدتنا لروسيا على تنظيم مهرجان البلح في سيبيريا وللسويد على تنظيم مهرجان التين الشوكيّ.

عتبات الكلام: من وحي الملاحظة

      نصر الدين لعياضي

شاركت كملاحظ في إحدى الندوات التي انعقدت لإعداد مشروع قانون الإعلام ) وما أكثر هذه المشاريع حين تعدها(. ولا أتذكر بالضبط الوزير الذي دعا إلى تنظيمها نظرا لكثرة المقبلين والمدبرين على هذه الوزارة التي تغير اسمها من الإعلام والثقافة، إلى الإعلام، إلى الاتصال، ثم كتابة الدولة للاتصال، وأخير وزارة الاتصال. هل تريدون أن تعرفوا ماذا لاحظت؟ طيب، سأعفيكم من كثرة الملاحظات وأكتفي بملاحظاتين فقط.

الملاحظة الأولى: دخلت القاعة المخصصة للجنة الإذاعة والتلفزيون التي ترأسها المرحوم عبدو بزيان، وكاد أحد الصحافيين الشباب، المختال بنفسه، يفقد صبره، إذ ظلت يده مرفوعة مطالبا السماح له بالحديث. وكان عبدو يناديه باسم أنيس راجيا منه الصبر قليلا حتى يمنح الفرصة لقائمة المسجلين لديه للتدخل. وأمام شدّة إلحاحه اعتذر رئيس الجلسة من الحضور وسمح له بأخذ الكلمة. فبادر بالقول أنه يريد أن يشير إلى نقطتين أساسيتين، الأولى أن اسمه الحقيقي ليس أنيس، فقد انتحل هذا الاسم المهني للشهرة فقط. ثم توقف قليلا عن الكلام، واستدرك الوضع قائلا: لقد نسيت النقطة الثانية التي كنت أريد طرحها. فضحك الحضور واعتقدوا أنه سيتوقف عن الحديث، ويترك الفرصة لغيره لكنه أصرّ على الاستمرار في الكلام. ولكم أن تتصورا ما قاله من كلام مفكك وزائغ. اتذكر أنيس هذا كلما قرأت بعض الأخبار والمقالات في الصحف الجزائرية. فاتخيّل أن كُتابها أصابهم ما أصابه فضاعت منهم الفكرة لكنهم واصلوا الكتابة!

الملاحظة الثانية: دخلت القاعة المخصصة للصحافة المكتوبة فاستمعت إلى أحد المتدخلين يقترح ادراج مادة خاصة بأحكام الضمير المهني قي قانون الإعلام. وإذا بالحضور، وهم من الشباب الذين التحقوا مؤخرا بمهنة الصحافة، يعترضون، بشدّة، على هذا الاقتراح.  فاندهشت من هذا الرفض، وأوعزته إلى الجهل. فهذه الأحكام انتزعها الصحافيون منذ 1935 بعد كفاح مرير خاضوه في العديد من بلدان العالم. وتنص على أن الصحافي الذي يقدم استقالته من مؤسسته الإعلامية، بعد أن يقدم ما يثبت أنها غيرت خطها التحريري، يجب أن يحصل على الحقوق المالية والأدبية ذاتها التي يحصل على أي صحافي تعرض للفصل التعسفي عن العمل. تذكرت هذه الملاحظة بعد أن أخبرني أحد الصحافيين الشباب أنه قدم استقالته من رئاسة تحرير قناة تلفزيونية جزائرية خاصة لأن زوجة صاحب القناة تعودت المجيء إلى قاعة التحرير لتطلب منه تغيير خارطة طريق نشرة الأخبار، وتأمره بتكليف أحد الصحافيين بإعداد تحقيق صحفي عن هذا القطاع أو ذاك حتى تصفي حساباتها مع المسؤول عنه الذي رفض استقبالها أو لم يقدم لها ما طلبته من خدمات! فمازحته سائلا: وهل استفدت من أحكام الضمير المهني. فابتسم قائلا: كيف تنال هذا الحق من الذين التحقوا بالعمل الصحفي دون ضمير، ناهيك عن المهني؟

قد يتسأل بعضكم لماذا لم أبدأ ملاحظاتي عن الجدوى من انعقاد الندوة المذكورة؟ أعتقد أن الحديث عن جدواها لا يحتاج إلى ملاحظة. فالقصة التالية تبيّنه: بعد أحداث 5 أكتوبر1988 الأليمة ارتبكت أركان الدولة، ولم تعد بعض مؤسساتها تهتم بما كانت تهتم به، كتسمية بعض الأحياء السكنية أو المستشفيات أو المدارس الجديدة. لذا راسل مدير مدرسة نائية مدير التعليم والتربية بولايته طالبا منه منح اسم لمدرسته التي ظلت ردحا من الزمن نكرة. فأُخبر بضرورة اشراك أساتذته في اختيار اسم لها وسيعتمده بشكل رسمي. فاجتمع بالأساتذة وطلب من كل أستاذ اقتراح اسم لتحمله المدرسة، ويرفقه بسيرة ذاتية مختصرة للشخصية المقترَحة. وفي اليوم الموعود جمع المدير المقترحات. فالبعض اقترح عبد الحميد بن باديس، والبعض اقترح مولود معمري، والبعض الأخر اقترح فرحات عباس، وغيرهم، كل حسب حساسيّته السياسيَة والثقافيَة. لكنه قرر في الأخير أن تُسمى المدرسة باسم صديقه، الذي زاول معه مهنة التعليم ووافته المنية في حادث سير!  فالندوة المذكورة تخضع لما خضعت له هذه القصة: العبقرية الجزائرية في تجسيد الديمقراطية التي تحمل الشعار التالي: استشرهم في الأمر وأعمل ما بدا لك

المشاهدة التلفزيونية والجيل الرقمي

د. نصر الدين لعياضي 

اتفقت شركة “فورد” لصناعة السيارات مع شركة “موتورولا” المختصة في الصناعات الإلكترونية    في بداية العشرينات من القرن الماضي على تزويد سياراتها بمذياع. ورفعتا بهذا الخصوص طلبا للهيئة المكلفة بتطبيق قانون الإذاعة  الأمريكي Radio Act of 1912. ولم توافق هذه الأخيرة على طلبهما بحجة أن سائق السيارة يفقد التركيز عندما يستمع إلى برامج الإذاعة. لاشك أن هذا الخبر يضحك اليوم، كثيرا، أصحاب الشركات الكبرى التي لا تصنع السيارات المزودة بالمذياع ومشغل الأقراص المدمجة للاستماع للموسيقى فحسب، بل بمنظومة اللاسلكي للمكالمات الهاتفية ” البلوتوت”. وربما تنتقل “نوبة “الضحك إلى أبناء الجيل الرقمي أو الذين يُطلق عليهم الجيل ذي المهام المتعددة. أي الذين يقومون بعدة مهام في الوقت ذاته.

لعل القارئ الكريم لاحظ ابنه أو ابن احد أقاربه من هذا الجيل يأكل “سندويتش” والسمعات تغطي أذنيه وهو يستمع إلى مقطع موسيقى من موقع ديزر كم.deezer.com و يتابع، في الوقت ذاته، صفحته على موقع الفيسبوك”. وينهر أخته لما تهم باستعمال آلة التحكم في جهاز التلفزيون عن بعد لتغير القناة التي تبث مباراة في كرة القدم! وإن احتجت بالقول أنه مشغول ولا يشاهد التلفزيون ينفى ذلك بشكل حاسم.

إن مصطلح ” تعدد المهام” Multitasking افرزته الهندسة المعلوماتية  للكشف عن بعد أساسي في التحول النوعي الذي تعيشه الصناعة الإلكترونية في انتقالها إلى العصر الرقمي. إنه البعد المتمثل في وجود نظام تشغيل يستطيع معالجة العديد من برامج الكمبيوتر في الوقت ذاته. وقد امتد هذا المصطلح إلى العالم الاجتماعي ليعبر عن قدرات الإنسان على إنجاز العديد من المهام بشكل متزامن بشرط ألا تكون متناقضة أو متعارضة.

يعتقد البعض أن هذه القدرات أصبحت متاحة بفضل تكنولوجية الاتصال المتطورة من جهة، وتواجدها في كل مكان، وتوفرها في كل زمن، بيد أن الباحثة الأمريكية في علم الانتروبولوجية “مونيكا سميث” نفت ذلك في كتابها الموسوم: “ما قبل تاريخ الناس العاديين” الصادر عن جامعة أريزونا الأمريكية في 2010. لقد أكدت أن أجدادنا سبقونا في القيام بعدة وظائف معا في آن واحد.” وتزعم أن القدرة على فعل ذلك تنبع من الطبيعة البشرية التي تميّزنا عن الحيوان. وترى أن تطور الحضارات والمبتكرات التقنية أضفت درجات من التعقد على التفاعل الاجتماعي.

إن التفكير السريع في هذا المصطلح يؤكد وجوده السابق عن وجود شبكة الانترنت ومختلف تطبيقاتها  وسالف عن تطور الاتصالات في العالم. وأن القيام بعدة مهام بشكل متزامن ليس حكرا على فئة الشباب. والحجة على ذلك نجدها في طقوس بعض النساء في المنزل. إنهن يجسدن هذا المصطلح في أرض الواقع بشكل روتيني، ودون وعي في كثير من الأحيان. إذ تتابع ربة البيت مسلسها التلفزيوني المفضل. وتسترق النظر، بين الحين والآخر إلى طبّيخها فوق الفرن تارة، وإلى ابنها الذي يلهو بألعابه بجانبها. لكن من المحتمل أن ينتهى القيام بالوظائف الثلاث برائحة الشِّيَاط المنبعثة من المطبخ أو بصراخ الولد لسقوطه.

حقيقة، لم تجعل تكنولوجية الاتصال المعاصرة هذه الظاهرة مرئية أكثر فحسب، بل طورتها. فبعض الأشخاص يوظفونها من أجل التسلية والمتعة أو بقصد استثمار أفضل للوقت فرضته الضرورة المهنية، لكنها أخذت في بعض الأحيان بعدا يعيق الاتصال. فيحدث أنك تحدث جليسك وعينه على حسابه في شبكة تويتر. وقد يشرد عنك لإدراج تعليق دون استئذانك ويطلب منك أن تواصل حديثك وهو مشغول عنك! ويعتقد البعض أنه يستحيل على المرء القيام بمهمتين أوأكثر معا وفي الوقت ذاته بنفس الكفاءة والإتقان. ويذهب ديّديّ بلو، عالم النفس العيادي الفرنسي، إلى الاعتقاد بأن القيام بتعدد المهام يعني غياب التركيز. وأن التكنولوجية الجديدة تحفز الأشخاص بشكل فائق، فيستجيبون لها بالقيام بأكثر من مهمة دون التركيز على تلك التي من المفروض أن تحظى بالأولوية.

ويؤكد الكاتب والناشر الصحفي “لونس هون” أنه نما وترعرع في ظل التكنولوجية. فيدردش في مواقع المنتديات الإلكترونية. ويقرأ، وفي الوقت ذاته، أخبار الرياضة أو يرسل خطابا عبر البريد الإلكتروني أو يلعب لعبة إلكترونية. ويقر بأن كل ما يقوم به يخلو من أي بعد نقدي، أي لا يتطلب تفكيرا معمقا. ويعترف أنه “يستهلك ” كما هائلا من المعلومات في نهاية يومه لكنه لا يحتفظ سوى بالنَّزْرَ القليل منها. ويؤكد أنه لا يتذكر سوى نتيجة مباراة كرة السلة التي قرأ خبرا عنها أو المحادثة التي أجراها مع صديقه ولا شيء غير هذا من كل المعلومات التي حصل عليها. ويستخلص في الأخير أن المهام المتعددة التي تحتاج قدرا كبيرا من التركيز والتفكير صعبة التحقيق وإن تحققت تكون نسبة التوفيق فيها ضعيفة جدا. هذا ما أثبتته التجارب التي قام بها الباحث “دافيد ماير”، مدير مخبر المخ الإدراكي والفعل في جامعة ميشيغان بالولايات المتحدة الأمريكية. بيد أنه يميز بين المهام الصغرى التي تتطلب قليلا من التركيز وبقية المهام. ويرى أن هناك علاقة ترابطية بين جودة الأداء والتحفيز. فحقنة صغيرة منهما تجعلنا أكثر إنتاجية، بينما الحقنة الكبرى تجعلنا متوترين وتضعف انتباهنا لأن المخ يتطلب وقتا للراحة من أجل الاختفاظ بالأفكار والذكريات. ويرى أن القيام بالمهام المتعددة لن تكون ممكنة وفاعلة إلا إذا كانت تتطلب القليل من التركيز والانتباه. ويصنف المهام إلى ثلاث: مرئية، ويديوية، ولسانية. ويرى أن المخ يعالج كل مهمة من هذه المهام بطريقة مختلفة، وكل طريقة لا تستطع أن تستوعب سوى كمية محدودة من المعلومات وتحللها مرة واحدة.

ولعل القارئ الكريم يعرف أن ربات البيوت كن يشغلن المذياع في السابق وينصرفن إلى أداء واجباتهن المنزلية اليومية. فالصوت المنبعث من جهاز الراديو يؤانس وحدتهن فقط. ولا يولين له أي تركيز إلا إذا بث معلومة أثارت فضولهن. واليوم يتعامل الكثير من الناس مع جهاز التلفزيون بالمنطق ذاته. فالشخص الذي يدخل بيته أو إلى غرفته في الفندق فأول ما يقوم به هو تشغيل هذا الجهاز، ثم ينصرف إلى ترتيب أموره أو إلى انشغالاته: تغيير ملابسه أو الاستحمام أو تحضير كوب شاي، وغيرها من طقوس الحياة اليومية. وبهذا فإن ” المهمة” المرئية تتحول إلى ” مهمة” لسانية وفق التصنيف الذي وضعه الباحث “دافيد ماير”. ومن الممكن ألا يندرج هذا المثال ضمن ” تعدد المهام” Multitasking  حتى وإن كان يكشف عن جانب من تحول علاقة المشاهدين بجهاز التلفزيون. بيد أن صورة هذا التحول تتجلى، بوضوح أكثر،في ممارسات أبناء الجيل الرقمي الذين تربطهم به علاقة تتسم بنوع من المفارقة. إذ أنهم يشاهدون بعض البرامج التلفزيونية بقليل من الاهتمام وهم مشغولون بترسانتهم التكنولوجية، إن لم يكونوا يتابعونها عبر الحوامل التكنولوجية المتاحة) الهاتف الذكي، اللوح الرقمي، الهاتف المحمول( التي يستعملونها بشكل متزامن لأغراض أخرى. هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد يتابعون بعض البرامج بتمعن ويعلقون، في الوقت ذاته، على ما يشاهدونه في مواقع الشبكات الاجتماعية أو يعقبون على تعليقات أصدقائهم على بعض اللقطات أو الكلمات أو الصور التي تظهر في البرنامج الذي يتابعونه وعبر المواقع ذاتها.

لقد أدركت بعض القنوات التلفزيونية هذا التغيير في فعل المشاهدة، بل شجعته عبر دعوة المشاهدين للإدلاء بأصواتهم لصالح أحد المتنافسين في برامج المسابقات أو برامج تلفزيون الواقع سواء عبر الرسائل النصية القصيرة أو الهاتف أو عبر صفحة البرامج المذكورة في شبكة الانترنت. إذا المطلوب الآن تشجيع البحوث العلمية للاقتراب أكثر من التحول في  المشاهدة التلفزيونية خاصة لدى الجيل الرقمي. والسعي إلى فهم تبعاتها على مستوى البرمجة التلفزيونية، وبنية البرامج التلفزيونية الموجهة لهذه الشريحة.

نعتقد أن البحوث العلمية في هذا المجال قليلة جدا ومتأخرة إذا قورنت بالبحوث العلمية التي انجزها علماء النفس في مجال تطور الإدراك البشري.

نشر بمجلة اتحاد إذاعات الخليج عدد 101 يونيو 2015

عتبات الكلام: ماذا حدث للجزائريين؟

نصر الدين لعياضي

كانت مصر تستعد لدخول الألفية الثالثة عندما فتحت مجلة الهلال المصرية ملفا بعنوان: ماذا حدث للمصريين؟ فدعت كُتابها إلى الإجابة عن هذا السؤال، كل واحد من الزاوية التي يريدها.  فلبى دعوتها الكثير من الكُتاب الذين التقوا في التنقيب والبحث عن مناحى التطور في المجتمع المصري خلال نصف قرن من الزمن: من 1945 إلى 1995. وقد ساهم في هذا الملف الكاتب والأستاذ الجامعي جلال أحمد أمين، الذي نشر مساهمته  بالعنوان ذاته. وقد أبديت تحفظى على عنوان الملف لبعض الزملاء المصريين، وذلك لأنه يوحي بأن المصريين لا يد لهم فيما حدث لهم. وأن ما جرى لهم تم بفعل فاعل لا يمت بصلة لمجتمعهم! ورغم هذا التحفظ إلا أنني أجد نفسي منجذبا إليه، فاستعرته للسؤال عمّ أصاب الجزائريين؟ وحتى لا أُتهم بالغرور والإدعاء أنني قادر على دراسة جوانب تطور المجتمع الجزائري، خاصة في هذه العجالة، أعلن الآن أنني أروم إظهار بعض الجوانب في سلوك الجزائريين الذي تغلغل في النسيج الاجتماعي تدريجيا وادغم في حياتنا اليومية لنسلم به ويصبح طبيعيا. ولو سمح لي القارئ الكريم أن أسعى إلى ما أروم إليه متكئا على الثقافة الشفهية أقول: حدثني أحد الأصدقاء الثقاة أن الجيش الإستعماري طرد أسرته من مزرعتها، وأُقتيد كبيرها إلى المعتقل بعد أن اكتشف أنها تحولت إلى مركز لجيش التحرير الوطني. ولم يكن في يد أسرته من حيلة سوى البحث عن سكن بالمدينة. فاختار عمه بيتا غير ملتصق بالجيران ويقع في زقاق مسدود لا يمر عليه غريب مراعاة لحرمة ساكنيه. وقد دفع مبلغا كبيرا لإيجاره لمدة ثلاث سنوات كاملة ودفعة واحدة. وكان هذا المبلغ يسمح له بشراء سكن في ذاك الوقت. لكنه رفض، بعناد، هذه الفكرة خوفا من أن تستقر أسرته في المدينة فتستولى على أبنائه اليافعين وإخوته وتجرهم إلى الإنحراف. هكذا كان أجدادنا وأباؤنا يفكرون ويتصرفون. فإسكان أسرتهم في طابق ” فيلا” يعلو فوق حانةً أو مقهى أو متجر يعد عيبا ما بعده عيب في ذاك الزمان. ويستطرد صديقى قوله متسائلا: لكن ماذا نلاحظ اليوم؟ أحياء سكنية في أسواق شعبية! فبعض مالكي الفلل أصبحوا يؤجرون جدرانها الخارجية، وحتى ممراتها الداخلية التي تقطعها عائلاتهم يوميا سواء للدخول أو الخروج منها، لتجار الأواني المنزلية وبائعي الملابس الداخلية للرجال والنساء.فتسمع  هذه العائلات، في بعض الأحيان، مضطرة صياح البائعين أو الزبائن وملاسناتهم التي تجرح بكلماتها النابية!

وحدثني صديق أخر قائلا أن جَدَّه فسخ خطوبة عَمَّته لأن خطيبها كان مهاجرا وعبر له عن نيّته في العيش مع زوجته المستقبلية في فرنسا! والغريب، كما يقول صديقي، أن إبنة حفيدة هذا الجدّ فسخت خطوبتها لأن خطيبها المهاجر في الخليج أصر على عدم اصطحابها معه  للعيش في مهجره بحجة أنه يشتغل لمدة خمسة وأربعين يوما في عرض البحر، ثم يعود إلى الجزائر لقضاء شهر مع زوجته!

وماذا جرى للجزائريين الذين قيّموا ذاك الشاب المتعلم الخلوق الذي دُفع للترشح في الانتخابات البلدية دفعا. ففاز وتبوّأ منصب رئيس المجلس البلدي. وأعطى المثال عن نظافة اليد والنزاهة واستقامة السلوك. فكان أول من يأتي إلى مقر عمله وأخر من ينصرف بسيارته الشخصية! لقد كان ناخبوه يتغامزون كلما مر أمامهم  ويسمونه “نِيّة الله” لأنه غبي في اعتقادهم لكونه لم ينهب ولم يستغل نفوذه وينتفع من منصبه. ولم يثر أي شخص بشكل غير قانوني. فانتخبوا غيره في الدورة الانتخابية التالية. فكان هذا الأخير الأنموذج في التزوير والرشوة والانتفاع من المنصب بطرق غير مشروعة. فلم ينج من الغمز هو الأخر، وأضحى اسمه على كل لسان يلوكه بالسوء. فماذا يريد الجزائريون بالضبط؟ إنهم غير راضين عن المسؤول النزيه ونظيف اليد وناقمين، في الوقت ذاته، على المزور والمرتشى!

وماذا جرى لبعض وسائل الإعلام الجزائرية حتى تنشغل، حد الهوس، بشخص أشهر إلحاده ليصبح مجرد رقم إضافي في قائمة الملحدين في العالم، ولم ترأف بوضع المسلمين، من جهة أخرى، فأذكت نار الفتنة الطائفية بينهم لتحصد المزيد من أرواحهم؟ فماذا جرى لهذه الوسائل حتى لا تسأل عمّ جرى للجزائريين؟ هل حدث لها ما حدث لهم فملأت الدنيا صخبا بسبب فتاة شمرت تنورتها. واستنكرت فعلتها بعنف، باسم العفِّة والأخلاق والدين. وبالمقابل تشجع ممارسة التحرش بالمرأة، بصرف النظر عن طول لباسها أو عرضه. لقد احتجت على العقاب الذي يسلطه القانون على من يتحرش بالمرأة وكأن المتحرش يقوم بذلك حماية للأخلاق ودفاعا عن الدين.

نشر بصحيفة الخبر يوم 13/06/2015

عتبات الكلام: ما يقلق في الترفيه

نصر الدين لعياضي

ما هو الترفيه؟ تختلف الإجابة عن هذا السؤال من شخص إلى أخر. فالتسوق لدى بعض النساء يُعد شكلا من أشكال الترفيه والتسلية، وضربا من العقاب بالنسبة لبعض الرجال إن لم يكن جُلّهم. وحَلّ معادلة في الرياضيات بالنسبة للبعض ترفيه، وشقاء بالنسبة للذين لا يملكون سوى ذكريات حزينة عن معانتهم في مادة الرياضيات أيام المدرسة أو الثانوية. ومشاركة الرَّبْع في لعبة “الدومينو” ترفيه يمتع الذين يمارسونها، ومضيعة وقت لمن يأنفها، وهكذا دولك. إذا من الصعب تحديد ما هو الترفيه؟ أبدا، يجيب المختصون بدليل أن كل محاولة لتعريف الترفيه في الثقافة الغربية تحيلنا إلى أصل الكلمة اللاتينية في القرن السابع عشر، والتي تعنى ” إدارة الظهر  أو الانصراف عن…” فالفيلسوف الفرنسي “بلاز بسكال”، الذي يُعد من الفلاسفة الأوائل الذين اهتموا بالترفيه، يعرفه بأنه ممارسة التهرب، وهي خاصية من خصائص وجود الإنسان. أي انصراف الإنسان عن التفكير فيما إبْتُلي به وإدارة ظهره للواقع الذي يكدره. ولعل الثقافة العربية تختلف في فهمها للترفيه عن الثقافة اللاتنينة. فكلمة الترفيه تحيلنا، في اللغة العربية، إلى فعل رَفَّهَ ومنه اشتقت صفة رَفاَهِيَة. فهل يمكن الاستعجال في الاستنتاج بأن الثقافة العربية ترى الترفيه سمة وضع اجتماعي يقترن بمستوى المعيشة الجيد، أي الرفاهية؟ وهذا يعني أن المرفهين هم الذين يتمتعون بالترفيه دون غيرهم، وذلك لأن الترفيه يقتضى وقتا يصرف خارج العمل. أما غير المرفهين فليس لهم سوى العمل، وبالتالي إنهم مقصون من الترفيه.

إن معاداة الترفيه أو تأثيمه ليست بنت أفكار اليوم. ولو بحثنا عن أسبابها لوجدناها متعددة ومختلفة. فالفيلسوف المذكور المتشبع بالروح المسيحية ندد بالطريقة التي تجعل الترفيه يأخذ ما هو لهوي مأخذ جد. والأكثر من هذا أنه رأى في كتابه الموسوم ” أفكار” أن الشيء الوحيد الذي يواسى بؤسنا هو الترفيه. لكن في الترفيه يكمن شقاؤنا لأنه يعيقنا عن التفكير في أنفسنا. وبدونه نعيش الملل. الملل الذي يدفعنا إلى البحث عن السبيل المفلح للخروج من وضعنا الصعب.

نعتقد أن رؤية هذا الفيلسوف للترفيه، والتي تعود للقرن السبع عشر، أصبحت متجاوزة. وما يؤكد تجاوزها هو زيادة عدد المقتنعين بصواب الشعار التالي: ” لنتعلم بالتسلية” الذي أعطى للعب بعده التعليمي والتربوي. وأعاد النظر في برامج المنظومة التعليمية  وأساليبها التربوية. فالترفيه عبر اللعب لم يعد يعنى الهروب من الواقع، بل أكتسب معاني أخرى تتمثل في الاستعداد لمواجهة الواقع والتصدي له. فإضافة لضرورته البيولوجية يطور اللعب ملكة التذكر، والانتباه، ويعزز شعور اللاعب بالمسؤولية، وينمي قدراته على سرعة اتخاذ القرار، و نقل الرموز والإشارات من لغة إلى أخرى. لذا نلاحظ تراجع نزعة العداء للترفيه في حياتنا المعاصرة بعد أن تطورت الألعاب المختلفة وزاد انتشارها وازدهرت أنواع الفنون واتسعت جماهيريتها بتمدد أوقات الراحة من العمل، وظهور المركبات الصناعية لإنتاج التسلية سواء على صعيد عُدّتها التكنولوجية أو مضامينها.

إن التراجع المذكور لا يعني بتاتا زوال التوجس بمخاطر الترفيه وتداعياته على الإعلام والثقافة والتربية، خاصة بعد أن ساهمت تكنولوجيات الاتصال الحديثة في محو الحدود بين القطاعات المذكورة واللعب. وهيمنت الصورة على الاتصال والثقافة والمعرفة. فأضفت الطابع الاستعراضي على الكثير من الأفعال والأنشطة الجادة، مثل المودة، والتجميل، والطبخ، والغناء، والسياحة وحتى النشاط السياسي. فالروائي البيروفي “ماريو فرغس ليوسا”، الحاصل على جائزة نوبل للأداب في 2010، يرى أنه حينما يتحول كل شيء إلى ترفيه يمكن للثقافة الحقّة أن تندثر. فالأدب يرغبك في أن تعيش حياة أخرى لم تُمنح لك، ويجعلك تدرك أن العالم ليس على ما يرام. بينما “ماكينة” الترفيه تثبت لك العكس. وتخبرك أن العالم على أحسن ما يرام، وأننا هنا من أجل أن نتسلى. ويستطرد هذا الروائي قائلا: إن التأثير التنويمي للترفيه على الوعي المنزوع من كل فكر نقدي أو تمردي يمكن أن يكون مأسويا على مستقبل البشرية.

هل يمكن مشاطرة هذا الروائي في نظرته الفلسفية المتشائمة للترفيه؟ الإجابة يقدمها الجزائريون. فلنلاحظهم في رحلتهم السياحية خارج وطنهم إن اعتبرنا السياحة ضربا من الترفيه. إنها تقرصهم لتذكرهم أن حياتهم ليست على ما يرام، ناهيك عن حالة بلدهم. أو لنستمع إلى الأهازيج التي يرددها الشباب الجزائري في مدرجات الملاعب في أثناء متابعاتهم لمباريات كرة القدم. أليست مشاهدة هذه المباريات شكلا من الترفيه؟ أهازيجهم تبيّن أن الترفيه لم ينسهم واقعهم. وربما هنا يكمن مصدر القلق من الترفيه.

   نشر في صحيفة الخبر – يوم 6/06/2015

عتبات الكلام: الثقافة الشفهية في العصر الرقمي

نصر الدين لعياضي

يتسأل الكثير من المثقفين والباحثين، بنوع من التشاؤم، عن وضع بلدان العالم الثالث وهي تنتقل إلى العصر الرقمي دون أن تقضي على الأمية المتفشية في صفوف مواطنيها، ناهيك عن الأمية الإلكترونية، أي القدرة على التعامل مع الكمبيوتر بمهارة وكفاءة. بل يذهب بعضهم إلى حد التأكيد على أن التكنولوجية الرقمية تعمق التفاوت في صفوف مواطني البلد الواحد بين الذين  يملكونها والمحرومين من اقتنائها، بل يعتقدون أنه يشمل، أيضا، التفاوت في القدرات على فهم الثقافة الرقمية، بما تفيض به من منتجات إعلامية وتعليمية وترفيهية، واستيعابها. ويعتقد أن حظ الأشخاص الذين عاشوا وترعرعوا في ظل الثقافة المكتوبة من استيعاب هذه الثقافة يكون أوفرا. لكن للأخصائي في الأمراض العقلية، والمحلل النفساني الفرنسي، سارج تسيرون، رأي أخر أقل تشاؤما. إذ يؤكد أنه على الرغم من عدم وجود الاتصال المكتوب في الثقافة الشفهية إلا أن ما تنتجه هذه الثقافة من الحَكِيِّ  يأخذ اتجاها خطيا، أي يسرد بتسلسل من البداية إلى النهاية. فالحاكي الذي يسرد الحكايات والأساطير يفعل ذلك بالاعتماد على الصور، إذ ينتقل من صورة إلى أخرى إلى غاية نهاية الحكاية. وإذا تطلب الأمر منه إعادة سردها فيحكيها بطريقة مختلفة تكاد تكون مغايرة، بهذا القدر أو ذاك، للحكاية الأولى. لذا يعتقد هذا الطبيب أنه بإمكان الثقافات الإفريقية الانتقال، بسرعة ويسر، من الثقافة الشفهية إلى الثقافة الرقمية، لأنه يؤمن بوجود شيء من الثقافة الشفهية في الثقافة الرقمية. ولو سايرنا “تيسرون” فيما ذهب إليه، فيمكن القول أن قراءتنا للرواية المطبوعة لا تتغير مهما عدنا إلى قراءتها أكثر من مرة. فستظل مقدمتها هي ذاتها، وتبقى خاتمتها على ما هي عليه. وهذا خلافا لمنتج الثقافة الرقمية الذي يتشكل محتواه في كل قراءة حيث يتبدل مضمونه ويتغير كلما أعاد ” القارئ” قراءته”. وذلك لأن كتابة النص وصياغته بلغة متعددة الوسائط لا يتم بالطريقة الخطية والنمطية التي تحدثنا عنها أعلاه. وقد أخذ الإنتاج السمعي-البصري هذا المنحى، حسب الطبيب ذاته، حيث شرع الساهرون على إنتاج المسلسلات التلفزيونية وإخراجها في الاستعانة باقتراحات المشاهدين لوضع تكملة لحلقات مسلسلاتهم. وبهذا يكون للمتلقي رأيا في صياغة تطورات المسلسلات وخواتمها. بل أن بعض كتابها أصبحوا يستلهمون تكملة حلقاتها بما يرسل لهم من تغريدات من موقع شبكة تويتر، ومن النقاش الذي تثيره الحلقات الأولى من مسلسلاتهم في بقية مواقع الشبكات الاجتماعية.

أعتقد أن ما تقدم به الطبيب “تسرون” بحاجة إلى مناقشة، وذلك لأن الباحث في علوم الإعلام والاتصال “لوسيان لوسيف” رأى أن ما أصبح يعرف بالعالم الافتراضي، الذي يختلف عن العالمين الواقعي والخيالي، ظهر في بدايته الأولى في الأدب بشقيه الشفهي والمكتوب. فأبطال الروايات ليسوا كلهم من وحي الخيال، وليسوا كلهم كائنات واقعية يمكن أن نلتقي بها بمجرد الانتهاء من قراءة رواية ما، إنهم كائنات إفتراضية.

لكن أعتقد أن المشكل العويص الذي يواجه أبناء الثقافة الشفهية في انتقالهم إلى الثقافة الرقمية لا يكمن في إدراك البعد الافتراضي بل في التعامل مع الصورة التي تملأ الشاشات المختلفة. فالكثير منهم، وربما حتى من الذين نالوا حظهم من الثقافة المكتوبة، مازالوا يعتقدون أن الصورة ليست سوى وثيقة إثبات وجود ما يظهر فيها، أي أنها دليل على وجوده. لذا نجدهم يتعاطون معها كواقع ملموس. ويقميونها وفق الثنائية التي شرحها الطبيب المذكور: صحيحة وخاطئة، أي أن ما تتضمنه حقيقي وله وجود فعلي في الواقع أو عكس ذلك. فالثقافة الرقمية قضت على هذه الثنائية، إذ أذابت الاختلاف بين الصورة ونسختها لتصبح شيئا واحدا. ولم تعد نسخة من الواقع بقدر ما هي وجهة نظر فيه قبل أن تتعرض لأي تعديل أوتغيير أوحذف وإضافة. لذا لم تعد تملك قيمة مرجعية أو إحالية للواقع. تأسيسا على هذا رأى الطبيب ذاته أن الصورة أصبحت تُقيّم بالنظر إلى مدى صوابها وليس واقعيتها. هكذا وجدت بعض المؤسسات الإعلامية صعوبة إضافية في التعامل مع الصورة. هل تصدق كل الصور التي تُرسل لها فتبثها أو تنشرها؟ وكيف تتأكد من مصداقيتها؟ أما أغلبية الجمهور فلازالت تتعامل مع الصورة الرقمية من منظور الثنائية المذكورة، وتعاني من صعوبة اكتشاف حجم التلاعب بها، خاصة إذا استخدمت دون وضعها في السياق الذي أنتجت فيه. فمعنى الصورة أو أي رسالة إعلامية يتضح أكثر من خلال سياقه.

لذا نحن لسنا بحاجة إلى محو الأمية الإلكترونية فقط، بل مطالبون، أيضا، بامتلاك أدوات معرفية للمساهمة في الثقافة الرقمية وتسخيرها لخدمة ثقافتنا.

نشر بصحيفة الخبر يوم 30 /05/2015

عتبات الكلام:  بين القانون والأخلاق والأخلاقيات

نصر الدين لعياضي

 

تتداخل الكثير من المفاهيم، مثل القانون والأخلاق والأخلاقيات، في الحديث عن تنظيم مهنة الصحافة. وتستعمل، في بعض الأحيان، كمرادفات لتحمل معنا واحدا، بينما الدرّس القانوني والممارسة المهنية تكشفان، بشكل واضح، الفرق بينهم. فأبسط تعريف للقانون متفق عليه هو مجمل القواعد الرسمية المنظمة للعلاقات بين البشر. وهي قواعد زجرية. فبدون أحكام ردعية لا يُعّد القانون قانونا. ويُفهم القانون، على مستوى أخر، أنه أكثر من صيغة إجرائية لتنظيم العلاقات المذكورة لأنه يشكل رهانا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا يطرح على الصعيد الوطني والدولي. لذا نلاحظ تدرج مسميات بعض المواد القانونية التي تدرس في الجامعات من “الحريات العامة” إلى “الحقوق الأساسية” إلى “حقوق الإنسان”. أما الأخلاق فهي مجمل المبادئ للحكم على سلوك ما، وقواعد تحدد الشر والخير والواجبات. وقد خاض الفلاسفة في هذا الموضوع طويلا وانقسموا إلى مذاهب مختلفة لا يسمح المقام بشرحها. والسؤال الذي يثار هو التالي: هل يمكن للقانون أن يتعارض مع الأخلاق؟ نعم، يجيب المختصون عن هذا السؤال. ويقدمون الكثير من الأمثلة في هذا المجال، مثل تعارض الأخلاق الكاثوليكية مع القانون المشرع للتغيير في مفهوم الزواج في المجتمعات الغربية أو مع القانون الذي يبيح الإجهاض. وماذا عن الأخلاقيات؟

إن الأخلاقيات مجموعة من التوصيات الأدبية والاعتبارية. ومدونة سلوكية يتبعها المحترفون، في مختلف المهن، ويستدلون بها في نشاطهم  لأنها توجههم نحو ما هو أفضل للتصرف في مواقف وأوضاع معينة. أي أنها اختيار طوعي لا يمكن أن يفرض بالقوة. لذا تترك للمهنيين المعنيين، مثل الصحافيين أنفسهم وليس غيرهم لصياغة المبادئ المحددة لسلوكهم المهني. فاللوائح والمدونات الأخلاقية لا تملك طابعا إلزاميا، وتتمتع بسلطة معنوية وأدبية، وترتبط بالتزام المهنيين تجاه الأفراد أو المجموعة البشرية التي ينتمون إليها باحترام جملة من القيم والأعراف التي ترسخ في أوساط المهنة بوعي مهنيّها ومشاركتهم الفاعلة. والأخلاقيات ليست تنزيلا آليا للأخلاق في الواقع العملي وإن كان البعض يسميها بالأخلاق الاجتماعية. وبصرف النظر عن هذا المسمى، الذي نراه يجانب الصواب، يطرح السؤال التالي: هل يمكن للأخلاقيات أن تتعارض مع الأخلاق؟ بالطبع، يقول المختصون مستشهدين بما أصبح يعرف بالموت الرحيم في مجال الطب. فالأخلاق تحرم قتل المريض بينما تبيحه الأخلاقيات التي أدخلها الأطباء في ممارسة الطب المعاصر، إذا استحال إنقاذه وتخليصه من عذابه، ومات سريريا. وكذلك الأمر بالنسبة لمهنة الصحافة. فأخلاقيات العمل تفرض على المصور الصحفي والتلفزيوني إنجاز مهمته على أكمل وجه، وفي بعض الأحيان، على حساب إنقاذ ضحايا حريق أو حوادث سير في الطرقات أو طوفان. والنقاش لازال مفتوحا بين الصحافيين حول التعارض بين الأخلاق والأخلاقيات إذا تعلق الأمر باستحالة حصول الصحافي على المعلومات المطلوبة دون أن ينتحل مهنة غير مهنته أو شخصية الغير.

يمكن الإشارة إلى أن مواثيق الأخلاقيات مثل القوانين تخضع للمراجعة والتعديل والإثراء باستمرار نتيجة التطورات الحاصلة في المهنة ولتعقد وتشابك العلاقات بين البشر والمؤسسات، وللتطور التكنولوجي.

ربما يتبادر إلى ذهن بعض القراء الكرام إلى أن تنظيم مهنة الصحافة لا يحتاج  إلى قوانين، خوفا من تقييد حرية الصحافة، بل يتطلب مدونات أخلاقية فقط. وهذا ما يعتقده الصحافيون في الدول اللاتينية، وفرنسا تحديدا، ويطالبون به كلما عرض مشروع قانون يتعلق بالإعلام والاتصال على البرلمان. ويمكن أن نساير هذا الاعتقاد لو تحقق الإجماع على أن الصحافة مهنة حساسة ولا يجب أن يستفرد بها أي طرف. فلا للسلطات التنفيذية، التي تتداول على الحكم في النظام الديمقراطي، حرية التصرف فيها لوحدها. ولا للصحافيين الحق في جعلها محميتهم دون غيرهم. إن الصحافة تهم المجتمع بكل مكوناته لذا يجب أن يكون لممثليه  الكلمة في نشاطها. وهذا ما عملت به الكثير من الدول التي أنشأت مجالس الصحافة وأشركت مختلف هيئات المجتمع المدني في عضويتها واصبحت تفصل في نزاعاتها. لذا يمكن التساؤل هل يمكن أن نجسد حق الأشخاص في التصويب والرد على ما تنشره وسائل الإعلام وأساء إليهم بالاعتماد على مواثيق أخلاقيات المهنة فقط؟ لقد أثبتت التجربة الجزائرية، بشكل قاطع، أن الكثير من هذه الوسائل لا تمنح الشاكي هذا الحق الذي أكدت عليه مختلف قوانين الإعلام منذ الاستقلال. والأدهى أن بعضها تشترط عليه أن يدفع مقابلا ماليا لنشره كإشهار! فيغتاظ من هذا السلوك، وينشر رده في وسيلة إعلامية منافسة بمقابل مالي أو دونه. فتشب الملاسنة بين الوسيلتين الإعلاميتين. لذا يصبح التساؤل مشروعا عن سبب اجترار الحديث عن الأخلاق والأخلاقيات في ظل الإصرار على تغيبب القانون أو عدم تطبيقه.

عتبات الكلام: حيرة الصحافة “الجالسة”

نصر الدين لعياضي

 التمست بعض القلق لدى الصحافيين الشباب على كيفية التعامل مع الأخبار والصور التي تتدفق عبر مواقع الشبكات الاجتماعية. وقد تشاطرهم في ذلك السلطات العمومية. وإن كان قلق هذه الأخيرة مفهوما إلى حد كبير لأنها فقدت الرقابة، بهذا القدر أو ذاك، على مضمون ما تتداوله هذه المواقع. واقتنعت أن أساليبها الكلاسيكية للتحكم فيما ينشر لم تعد نافعة في هذه المواقع . فقلق هؤلاء الصحافيين بحاجة إلى توضيح لأنه ناجم عن صعوبة العثور على إجابة مناسبة وموفقة عن الأسئلة التالية:  هل يمكن الاعتماد على مواقع الشبكات الاجتماعية كمصدر إخباري علما أنها تطفح بـ “الذاتيات”، وتتضمن الكثير من المزاعم والشائعات؟ هل تنعزل الصحف ووسائل الإعلام “التقليدية” عن بيئة الإعلام والاتصال المعاصرة، وتنأى عن جمهورها إن استبعدت الأخبار التي تتداولها هذه المواقع؟ فالكثير من المسؤولين على أعلى مستويات الدول الأجنبية أصبحوا يعلنون على القرارات الهامة التي يتخذونها، ويعبرون عن مواقفهم من القضايا الحساسة عبر هذه المواقع، خاصة موقعي شبكة تويتر والفيسبوك. وعدد الذين يطلعون على أخبار هذه المواقع  ما انفكّ يتزايد باستمرار. ويكتفي بعضهم بها دون الالتفات إلى وسائل الإعلام “التقليدية”. ويلجأ  بعضهم الأخر إلى هذه الوسائل سواء للتأكد من صحة ما اطلع عليه من أخبار لأنه يعتبرها مصدر الصدق والموضوعية، أو للبحث عن تفاصيل أكثر أو لإدراك السياق الذي جرت فيه الأحداث التي تناقلتها هذه المواقع.

قد يستنكر البعض هذا القلق بحجة أن بعضا مما تنشره  بعض وسائل الإعلام ” التقليدية”، وخاصة الصحف، لا يستند إلى مصدر. وبهذا فإنه يقترب كثيرا من بعض الأخبار التي تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي ومن الشائعة.

ويحاول البعض أن يتفهم مصدر القلق الذي ذكرناه آنفا بالنظر إلى ماضي الممارسة الصحفية. إذ يعتقد أن الكثير من وسائل الإعلام كانت لا تنشر من الأخبار سوى تلك التي تصدر عن مصدر رسمي، بل لا تتحرك ولا تنزل إلى الميدان، في كثير من الأحيان، من أجل البحث عن الأخبار واستقائها لأنها كانت تصل إلى قاعات تحرير الصحف في شكل بيانات رسمية أو ترسلها وكالات الأنباء جاهزة للنشر. ويمكن أن نذكر، من باب التوضيح وليس التنكيت، حدثين على الأقل في تاريخ الصحافة الجزائرية يتذكرهما جيل الصحافيين القدماء بنوع من المرارة. الحدث الأول يتعلق بانفجار قنبلة يدوية الصنع أمام مقر صحيفة المجاهد اليومي، في جانفي 1976. لقد نشرت الصحيفة المذكورة خبرا عن هذا الحادث في طبعتها التي صدرت في اليوم الموالي نقلا عن وكالة الأنباء الجزائرية دون أن تتجرأ وتذكر ما اصابها من أضرار مادية! والحادث الثاني يتعلق بالزلزال العنيف الذي ضرب الجزائر العاصمة في نوفمبر 1987 وأثار ذعرا في أوساط سكانها، بما فيهم صحافيي جريدة الشعب. بيد أن هذه الصحيفة نشرت خبرا عن هذا الزلزال استنادا إلى وكالة الأنباء الجزائرية التي من المحتمل أن تكون قد نقلته عن وكالة الأنباء الفرنسية!

تخوّفت بعض الكتابات الأجنبية عَلى الصحافة من أن تُحَوّلها شبكة الانترنت ومواقع الشبكات الاجتماعية إلى صحافة ” جالسة”؛ أي لا تتحرك وتنتقل للقاء الواقع لقاءً مباشرا، وتكتفي بالأخبار الطافحة من الشاشات المختلفة: شاشة الكمبيوتر، شاشة الهاتف الذكي، وشاشة اللوح الإلكتروني. ولا أرى  مبررا لهذا التخوف أصلا في مجتمعنا نظرا للتقاليد الصحفية التي ذكرناها أعلاه. إذا لا ضرر من إطالة جلوس صحافة ظلت “جالسة”.

إن الصحافيين الذين لا يملكون تقاليد التقصي عن مصادر الأخبار ومقارنتها ومحصها، ويفتقدون الأدوات التي تسمح لهم بالتأكد من صحتها وواقعيتها يتعبون كثيرا في التعامل مع الأخبار السارية في مواقع الشبكات الاجتماعية. فإذا تعاملوا معها بما يملكون من خبرة الإعلام المُوَجَّه وتقاليد الصحافة “الجالسة” فإنهم يتحاشونها أو ينشرونها كما وردت دون أي جهد في البحث عن مصداقية مصدرها.

إن الميديا المعاصرة تسعى، جاهدة، إلى إحداث انقلاب كبير في قواعد العمل الصحفي. إنها تعمل على بث الأخبار ونشرها أولا. ثم التأكد من صحتها وصدقها بعد النشر. وهذا يخالف قاعدة العمل التي رسخت في قاعات التحرير وسائل الإعلام التقليدية ، التي تمنع نشر أي خبر قبل التأكد من صحته. لذا نجد أن وسائل الإعلام “التقليدية” تجتهد في ابتكار أساليب ذكية للتحري في صحة ما تنشره من أخبار مستقاة من مواقع الشبكات الاجتماعية دون التّفْريط في آنية الأخبار وسرعة نشرها أو بثها.

نشر بصحيفة الخبر يوم 16/05/2015

عتبات الكلام: نهاية عصر الوساطة؟

نصر الدين لعياضي

تستمع إلى بعض المثقفين يتحدثون عن مجتمع المعلومات، ولا تفهم شيئا من كلامهم. فتطلب منهم شرح هذا المجتمع. فيجيبونك بالمختصر المفيد إنه المجتمع الذي تحل فيه الوثيقة الإلكترونية محل الورق، وتنتهي فيه الوساطة؛ أي أن الانسان يتواصل مباشرة مع الآلة دون وسيط بشري. بالطبع، لا يمكن لنا أن تتصور هذا المجتمع لأننا تعيش في بيئة تتطلب فيها أي معاملة إدارية رزمة من الأوراق، منها شهادة ميلاد جدك المتوفي لأن الشهادة التي سلمتها من قبل انتهت مدة صلاحية استعمالها الإداري!  وتضطر إلى مقابلة أكثر من وسيط؛ أي شخص، وربما تحتاج إلى خدمات أحد معارفك حتى تستطيع أن تقضي حاجتك.

وحتى يقنعون بذلك يجزمون أن عصرنا هذا هو عصر الإنسان الآلي، والآلات الذكية التي تعوض الإنسان. وعصر نهاية المعلم لأن التعليم أصبح إلكترونيا وذاتيا. ونهاية الصحافي لأن جمهور وسائل الإعلام يلجأ مباشرة إلى مصادر الأخبار في شبكة الانترنت لتلبية حاجاته للإعلام دون الاستعانة بالصحيفة أو الإذاعة. ونهاية المكتبيين لأن القارئ يحصل على كتبه عبر الشبكة. والزبون يجرى معاملته البنكية عبر الآلة.

هل هذه الأمثلة كافية لإثبات نهاية الوسيط في المجتمع المعاصر؟ بالفعل، لقد غاب وسطاء لكن ظهر آخرون، والوساطة لم تختف في المجتمعات. وما نشاهده ونقرأه اليوم  يؤكد تزايد الوسطاء في الحياة اليومية في العديد من البلدان. فالمحاكم مازالت تشكل لجان الصلح التي تمثل هيئة وساطة، والبنوك تكون لجان وساطة لحل النزاعات القائمة مع الدائنين والزبائن. وبعض الدول تعيّن وسطاء أطلق عليهم مسمى وسطاء الجمهورية لتلقي شكاوى المواطنين من إجحاف مؤسسات الدولة في حقهم أو التهاون في حل مشاكلهم. والوزارات تنشئ لجان الصلح  كلما شبّ خلاف أو صراع واحتد في المصانع والمعامل والإدارات. والدول تلجأ إلى التحكيم الدولي حول الأراضي المتنازع عليها. ووسائل الإعلام الحديثة تعيّن وسطاء لدراسة شكاوي جمهورها من تعسفها أو للفت الانتباه لانزياحها عن مهنيتها.

إذا جوهر الوساطة اجتماعي. فعالم الاجتماع الفرنسي ” بيار بورديو” لا يرى الوساطات نقلا إراديا للأفكار لكن كمسار من استنباط المعايير والسلوك الذي يقودنا إلى تبني بعض الممارسات واعتبرها طبيعية. فبدون وساطة لا يمكن أن نميز مجتمع بشري عن كتلة من الأشخاص أو ( غاشي باللهجة الجزائرية). فالحقل الثقافي يتسم بتعدد وسطائه الذين نراهم في الروائي، والشاعر،  وناشر الكتب، والمعلم، والمكتبي، والفنان، والمثقف، والصحافي، والدليل السياحي، والمعماري، والرسام، وغيرهم من منتجي المعنى وموزعيها.

أثارت الوساطة في مجال الإعلام والاتصال نقاشا واسعا في العقدين الأخيرين مما أدى إلى توسيع مفهوم ” الميديا”، ودحض الفهم البسيط لدور وسائل الإعلام في المجتمع، والذي أختصر في نقل الواقع. فالوساطة في مجال الإعلام تتنافى ومفهوم الشفافية والحياد.

فوسائل الإعلام التي تقف كوسيط بين الواقع والجمهور تخفي جملة من الحقائق، منها أن وراء  كل وسيلة إعلامية توجد سلسلة من الوسطاء الذين يعملون على غربلة الأحداث واختيار الأخبار، وترتيبها حسب أهميتها، و انتقاء  الكلمات والصور التي يعتقد أنها تعبر عنها أفضل من غيرها. وعبر هذا المسار من الوساطة، تنتهي وسائل الإعلام إلى ” إعادة إنتاج الواقع” ليشكل ذاكرتنا الجماعية في المستقبل، و” يؤسس” ساحة تتصارع فيها الأفكار والتيارات السياسية والفكرية والتصورات، أو يحتلها الفكر الواحد ويهيّمن. وتُمتّن وسائل الإعلام قواسمنا المشتركة التي تشكل مرجعيتنا في الحكم على الظواهر والأشياء والحياة. وتثري تجربتنا الجماعية بما تملكه من مقدرة على نقلنا إلى العوالم البعيدة عنا جغرافيا وزمنيا.

كان البعض يعتقد أن قوة وساطة وسائل الإعلام تعود لطبيعتها التكنولوجية فقط، لذا اتجهت الآمال إلى السينما حينما تم اختراعها. وراهنت على قدرتها على تقريب الشعوب وتعميق التفاهم بينها لكن الأيام أجهضت هذه الآمال. فتناوبت وسائل الاتصال المتتالية على نقل هذه الآمال وصولا إلى شبكة الانترنت دون أن تجسدها. وانتبه البعض إلى أن مصدر خيبة الآمال يكمن في تضخيم الخصائص التقنية للميديا على حساب المضمون الذي يناسب خصوصيتها. ففي هذا الصدد يؤكد البعض، بكل جد، أن هتلر ما كان له أن يوجد ويلحق المآسي بالعالم لو كان التلفزيون موجودا حينذاك. ويبررون قولهم أن الصورة التلفزيونية التي تظهر الشخص الهستيري تؤلب الرأي العام ضده. فالتلفزيون يحبذ السكينة والسلم والاسترخاء والمرح. فمن يصدق هذا الاعتقاد وهو يرى أن الحروب بكل وحشيتها وقبحها تحولت إلى فرجة واستعراض تلفزيوني نتابعه، بصمت وربما بلامبالاة، ونحن نتناول طعامنا؟   نشر في صحيفة الخبر يوم 9/5/2015

عتبات الكلام:  طول لسان الأبكم

نصر الدين لعياضي 

ذكر أحد الصحافيين العرب أنه وجد نفسه قابعا في إحدى زنزانات السجن، قبل سنوات خلت، بسبب كتاباته أو بالأحرى بسبب الآراء التي تضمنتها. ويروي أن سجينا لفت نظره أكثر من بقية النزلاء الذين اقتسموا معه الزنزانة. لقد كان أخرسا. وعندما ساءله عما قاده إلى السجن أخبره أنه متهم بطول اللسان! ضحكت بملء الشّدقين من غرابة هذا الاتهام رغم تحفّظي على راويها لأنه مشهور بخفة دمه وأسلوبه الساخر في الكتابة. نعم، لقد استغربت التهمة لاعتقادي أنه يستحيل اتهام شخص بطول شيء لا يملكه أصلا. لكن الفضل يعود إلى الكاتب المغربي عبد الله المتقى الذي غير رأيي دون عناء. لقد عنّون مجموعته القصصية التي صدرت مؤخرا بـــ” لسان الأخرس”. بالطبع  إن المجموعة لا تتضمن أي إشارة إلى “التهمة” المذكورة أعلاه لكنها تثبت أن للأخرس لسان. ساعتها بدأت ألاحظ سلوك الخرسان، وهم بالمناسبة يتمتعون بنسبة من الفطنة والذكاء تفوق الكثير من الناطقين! وفي غمرة متابعتي نسيت الأخرس الأكبر الذي يقف بجانبي في البيت ويبحلق فيّ: إنه التلفزيون! قد تندهشون من قولي أن التلفزيون أخرس أكثر من اندهاشي من تهمة ” طول لسان الأخرس” إن علمتم أن جهاز التلفزيون في بيتي لم يفقد صوته لعطب تقني. ولكم كل الحق في اندهاشكم إذ بعد طول الملاحظة اكتشفت أن بعض القنوات التلفزيونية بكماء وليست خرساء. والأبكم في اللغة العربية غير الأخرس لأنه لم يفقد القدرة على الكلام نهائيا مثل الأخرس، بل قد لا يفقدها دائما بشكل لا إرادي.

لقد لاحظت أن بعض القنوات التلفزيونية “تغطي” بعض الأحداث دون صوت. فإذا نقلت اجتماعا رسميا أو مؤتمرا، مثلا، فتظهر المجتمعين “مهذبين في صمتهم” لا تسمع لهم همهمة. فيحدث التناقض بين ما يقوله الصحافي عن حماس الاجتماع وما تقوله الصورة. وإن بثت ربورتاجا عن سوق شعبي فتمتص ضجيج السوق وتحوله إلى قطعة من الصمت تنافس صمت المقابر! وإذا كان البعض يستصيغ رفض نقل الصوت في ملاعب كرة القدم في أثناء التغطية التلفزيونية لمباريات رياضية لأن مناصري فرق كرة القدم أصبحوا يعبرون عن كبتهم وجزعهم، ويجاهرون بمزاجهم السياسي بكلمات بذيئة، فليست كل الأحداث الوطنية والدولية تجري أمام الجمهور ذاته! قد يعذر البعض التلفزيون عن صمته لأنه مجبر على بث الكثير من مواده مسجلة وليست مباشرة. لكن هذا ليس مبررا قط. فيروى أحد الصحافيين الثقاة أنه كان وزملاؤه في قاعة التحرير بمبنى التلفزيون، وإذا برئيس التحرير يدعوهم إلى الالتحاق  بخلية التركيب، ثم يطلب منهم أن يصرخوا بأعلى صوتهم “تحي الشاذلي” في هذه الخلية لأن المصور الذي انتقل مع الوفد الرئاسي لتغطية زيارة الشاذلي بن جديد، رحمة الله عليه، إلى ولاية داخلية نسى أن يشغل الميكروفون لنقل ما يثبت حرارة الاستقبال صوتيا!

وعندما ينتقل التلفزيون لنقل نشاط ما  فينتقي من خطاب منشطه ما يرضى عنه فقط للبث. وإذا لم يجد ما يرضيه فيخرص المنشط، ويكتفي بصورته فقط ويسخله عن سياقه، ثم يمزجها بصوت من خارج الشاشة قد يختلف كليا مع صرح به أو يحشو الصورة بكلام لا معنى له. فإخراس الغير وتقويلهم طريقة كلاسيكية في الرقابة التي يستخدمها التلفزيون لممارسة سلطته على الكلام.

قد يقول البعض نحمد الله أننا لم نعد بحاجة إلى هذا الأبكم. فلدينا عددا من القنوات التلفزيونية الخاصة التي تتركنا نتحدث بصوت مسموع يصم الأذان دون رقيب. قد يكون ذلك صحيحا لكن ماذا يحمل هذا الصوت؟ أليس جملة من الشكاوى و التباكي عن انقطاع التيار الكهربائي هنا، وعدم تعبيد الطريق الفلاني هناك، وغيرها من التفاصيل التي تعود مسؤولية الكثير منها إلى السلطات المحلية وتبرئ من هي أعلى منها؟ فرغم خطورة هذه المشاكل والصعوبات التي يعاني منها السكان جراء التقاعس عن حلها إلا أنها تغطي عن القضايا الكبرى والمصيرية التي تعاني منها الجزائر بعد أن تنزع منها طابعها السياسي. فبعض القنوات التلفزيونية الخاصة التي تفتح ميكروفوناتها في الشارع لتسجيل انطباعات الناس ومشاكلهم تقدم نموذجا “رديئا” من الديماغوجية والشعبوية لأنها لا تروم سوى إسماع المواطن صوته الذي يعلو في المقاهى الشعبية والمجالس الخاصة. قد يخالفني البعض في الرأي بالقول أن هذه القنوات تفسح المجال لمناقشة القضايا الكبرى. بالفعل إنها تسمح لممثلي حزب الإدارة بمعارضة المعارضة إلى حد الملل من الكلام. إذا، قد يكون الكلام من رصاص وليس من فضة، كما يقال، ويمكن للصمت، الناجم عن إصمات الغير، أن يدّل على طول اللسان.

عتبات الكلام: إنه ضَّرْبُ من التقلّيد

نصر الدين لعياضي

عندما يغيب النقاش الوطني الجاد حول الإعلام في المجتمع ومستقبل مؤسساته. ويُترك قطاعه للفوضى والتَّسيُّب يكاد المرء أن يصاب بالإحباط. فتزداد حاجته إلى معرفة كيف تصرفت الدول والأمم الأجنبية وتتصرف مع وسائل إعلامها، خاصة تلك التي خرجت منهكة من حرب مدمرة كادت تعصف بوجودها أو خضعت لحكم استبدادي ردحا من الزمن.
لقد بدأت الصحافة في أوربا والولايات المتحدة تعاني من أزمة قبل بداية انتشار الانترنت، وتفاقمت بعد أن اتسع استخدامها. ووجدت الكثير من الصحف نفسها مضطرة للحسم في أحد الاختيارين أحلاهما مر: البقاء مستسلمة لأمر الواقع ومراقبة التراجع الكبير في عدد قرائها لتعلن افلاسها أو تتبنى إستراتيجية مقدامة تقوم على الاستعانة بشبكة الانترنت. لكن تجسيد هذه الإستراتيجية يتطلب أموالا لاستثمارها في اقتناء التكنولوجية المتطورة. وهذا يجر الصحف إلى المزيد من الاستدانة لمواكبة التطور التكنولوجي.وقد تجبرها أزمتها على الـتأخير في تسديد ديونها فترتفع خدماتها، ساعتها يكون نصيب مسعاها الافلاس! لذا فكرت بعض الدول في العديد من الصيغ لمساعدة الصحف من أجل إنقاذها من الافلاس. فمنحتها إعانات في إطار بلوري من الشفافية، وتحت مراقبة الهيئات المنتخبة والمؤسسات المالية من أجل امتلاك التكنولوجية المتطورة وإنشاء منصات رقمية لنشر محتوياتها عبر مختلف الحوامل: الكمبيوترات، واللوحات الإلكترونية، والهواتف الذكية، وتأهيل صحافييها للكتابة الرقمية والسيطرة على تقنيات صحافة الانترنت أو تقديم قروض بدون فوائد أو بنسبة زهيدة.
لقد أضحت الصحف الورقية المنتج الوحيد غير المجاني في عالم الإعلام تقريبا. واطلاع المرء على الأحداث الوطنية والدولية لم يعد يشترط اقتناء الصحيفة. لذا تناقص عدد قرائها بسرعة إلى درجة أن القارئ الذي يتقدم به السن ويقضى نحبه لا يُستخلف، على حد قول صاحب كتاب نهاية الجرائد، برنار بوليه. وفي خضم سعي الصحف للتقليل من وتيرة هذا التناقص بعد أن تعذر عليها توقيفه أعادت بعض الدول النظر في منظومة توزيع الصحافة. وابتكرت أساليب متطورة لحث تلاميذ الثانويات على قراءتها.
إن تمسك الدول الأوربية، تحديدا، ببقاء الصحف والخوف عليها من الاندثار نابع من إيمانها أنها سلاح الديمقراطية الذي استخدمته البشرية منذ قرون، ومن اعتقادها أنها ضامنة حرية الفكر وتعدديته. لهذا الغرض وجهت الدول إعاناتها، بكل شفافية، للصحف مقابل التزام هذه الأخيرة بالسهر على ضمان حرية التعبير في المجتمع، وتطوير الصحافة المتخصصة في الفنون والآداب والعلوم، وتلك الموجهة للأطفال وللصحف المحلية. وسخرت عائدات الإعلان لتحقيق هذا الغرض.
إن المنافسة الشرسة بين القنوات التلفزيونية والإذاعية في ظل هيمنة اقتصاد السوق وتعسف الحكومات المتعاقبة، التي أفرزتها صناديق الانتخاب، في استخدام وسائل الإعلام، كلها عوامل دفعت الدول إلى تعزيز حصانة القنوات التلفزيونية التابعة لقطاع الدولة وتمكينها من القيام بالخدمة العامة، بدءًا بتحقيق استقلاليتها عن كل وصاية، وتقديم شبكة من البرامج التي تخدم التعددية الثقافية والسياسية واللسانية وتساهم في تطوير الثقافة الوطنية، ومساءلة مسؤوليها من قبل الهيئات المنتخبة عن مدى تنفيذ هذه الخدمة، وعن مآل الإمكانيات المادية التي منحت لها. ليس هذا فحسب، بل أن السلطات العمومية التزمت بمرافقة القنوات التلفزيونية في نقلتها الرقمية. وشجعتها على الانفتاح على المواطنين والناخبين، ولعل أسطع مثال على ذلك يكمن فيما تخوضه هيئة الاذاعة البريطانية من تجارب في مجال بث برامجها أو مقتطفات منها، بشكل مباشر أو استدراكي، عبر مختلف الحوامل الرقمية، وابتكار أشكال التّشارك مع ما أصبح يعرف بـــ “صحافة المواطن” عبر الاستعانة بمستخدمي الانترنت في تغذيتها بالأخبار والمواد السمعية-البصرية، وتشكيل فضاءات للنقاش والحوار.
إن وضع وسائل الإعلام لا يهم السلطات العمومية وحدها، ولا يخص الصحافيين فقط، بل يهم المجتمع أيضا. لذا تخلت الدولة عن الإشراف على وسائل الإعلام وتأطيرها سياسيا، وأوكلت المهمة للهيئات التي تمثل الناخبين والقضاء للفصل في حالات القذف والتشهير والامتناع عن نشر حق الرد دون مانع قانوني. وحثت على إنشاء مجالس الصحافة، التي تحولت إلى محكمة شرف للبتّ في خصومة وسائل الإعلام أو خلافها مع جمهورها. وأصبحت الصحف تتفاخر بحصولها على أقل عدد من شكاوى قرائها أو منافسيها من الصحف لدى هذه المجالس. والتفاخر لا يستمد من فراغ، بل يبنى على التزام كل مؤسسة إعلامية بميثاق شرف المهنة الذي صاغته هيئة تحريرها.
وإن كان وضع وسائل الإعلام في بلدنا يَسُرُّ البعض لأننا لم تقلّد غيرنا فيما ذكرنا أعلاه فإن الكاتب الألماني جورج ليشتنبرج يعلمهم أن القيام بعكس ما هو معمول به يسمى، أيضا، تقليد. إنه تقليد ما هو مضاد!

نشر في صحيفة الخبر الجزائرية يوم 23/04/2015

عتبات الكلام: ومن الدجل ما قتل
نصر الدين لعياضي

من منكم يعرف جرّاح الأعصاب عالم لويس بن عبيد ؟ ربما الكثير من القراء الكرام لم يسمعوا باسمه من قبل. فبالإضافة إلى تخصصه في جرّاحة الأعصاب حاضر في علم الفيزياء البيولوجية في جامعة جوزيف فوريي بفرنسا. لقد توصل هذا الجراح إلى زرع قطب كهربائي في منطقة معينة من المخ، يحددها بمنتهى الدقة لنقل التيار الكهربائي للمصابين بمرض الباكرسون في حالته المتقدمة. فتمكن من التغلب على أعراض هذا المرض بشكل جيّد دون أي علاج أخر. وقد عاد مرضاه إلى ممارسة حياتهم الاجتماعية بشكل طبيعي، وبعضم استأنف نشاطه المهني.
إن هذا العالم الذي نال الكثير من الجوائز وشهادات التقدير، وحظي بالتكريم من قبل العديد من الجمعيات الطبية، والهيئات الأكاديمية في العالم لم ينل، في الجزائر، مثقال ذرة من الشهرة التي نالها باللحمر الذي يصرّ البعض على تسميته بالشيخ!
هل نرثي أنفسنا على جهل من يعتقد أن باللحمر بلغ سِدرة المنتهى في الطب أو نغبط هذا الجرّاح الذي لا يقرأ، في الغالب، الصحافة الجزائرية ليطلع على ما فعله باللحمر بالمجتمع الجزائري، وإن قرأها سيترحّم على روح والده الطبيب الذي انضم إلى جيش التحرير الوطني ليعالج المصابين من المجاهدين ولا يتركهم ليعالجهم أمثال باللحمر.
لكن ماذا عسى هذا الجرّاح قوله إذا علم أن البنت التي لقت حتفها في “عيادة” باللحمر تقطن الولايات التي ولد فيها والده، وقضى فيها حياته لعلاج أبنائها من الأمراض البدنية والشعوذة؟
لقد تحول باللحمر وأمثاله إلى ظاهرة اجتماعية جديرة بالدراسة. وإن كان البعض يكابر بالقول أن أمثال باللحمر وجودوا في مجتمعنا ما قبل دخول الإسلام، وكل ما في الأمر أنهم كانوا يمارسون نشاطهم دون أن تروّجه وسائل الإعلام. وباللحمر لا يختلف عمن سبقه إلا في كونه “صناعة” وطنية لمواجهة غزو المشعوذين العرب في بعض الفضائيات المختصة في الدجل والضحك على ذقون السذج. إنه ليس سوى بائعا للوهم صنعته بعض وسائل الإعلام الجزائرية بعد أن فتحت له عيادة فضائية وفي صفحات جريدتها لتشغل الرأي العام الجزائري وتلهيه وللتجارة بأوجاعه ويأسه من الشفاء وللفرج عن كربه.
أعتقد أن هذه المكابرة تبرز نصف الحقيقة ونصفها الأخر يكمن في اتّساع رقعة الجهل والإيمان بالشعوذة في المجتمع الجزائري. لقد تزايد عدد المتصلين من الجزائريين والجزائريات بفضائيات الدجل، مثل قناة كنوز، والحقيقة، وشهرزاد على غيرهم من المتصلين من دول عربية أخرى قبل سنوات.
قد يبرر البعض هذا التزايد بالقول أن مستوى معيشة الجزائريين تحسن فأهلهم لصرف مبالغ مالية معتبرة للاتصال بهذه القنوات. ويرى البعض الأخر أن الجزائر التي تمكنت من القضاء على أمراض القرن القرن الماضي، لازالت تسعى جاهدة لمقاومة أمراض العصر التي استفحلت، مثل السرطان، والسكري، وارتفاع الضغط…ويوعزه البعض الأخر لاستشراء المشاكل الاجتماعية والنفسية في الجزائر ولما تتركه من مآس.
إن كل ما سبق طرحه لا ينفي ما هو أعمق: إننا شعب نتمسك أكثر بما نعرفه ) الماضي ,( ونخاف مما نجهله )المستقبل(. وفي تمسكنا هذا وجد المشعوذون ضالتهم، فأرادوا إيقاف الزمن والعودة بنا إلى ممارسة الحجامة دون وصفة طبية وقلّع الضُرُوس في الأسواق الشعبية المتربة بجانب المواشي!
لذا لا غرو إن وجد المئات، بل الآلاف من الجزائريين ينكرون أبسط شيء توصل إليه الطب الحديث، مثل القول أن الارتفاع الكبير في ضغط الدم قد يؤدى إلى شلل تختلف شدته وموقعه من شخص إلى أخر. فبعض المصابين يسترجع حركة أطرافه المشلولة بنسب مختلفة حسب موقع الإصابة في المخ والإسراع في إعادة التأهيل الطرف المشلول. والأدهى أنهم يجادلونك باجترار ما يروج له المشعوذون من قول أن هذا المشلول أصيب بمس شيطاني ولا علاج له سوى الضرب المبرح. فكم من مريض لفظ أنفاسه بعصا المشعوذين؟ لذا لا مجال للاندهاش إن أُخبرنا بتنظيم مظاهرات جماهيرية في هذه الولاية أو تلك من الجزائر للمطالبة بغلق كليات الطب لأن مجرد وجودها يعد تشكيكا في “معجزات” أمثال باللحمر الطبية!
لقد أحالت هيئات الإعلام في بعض الدول العربية بعض فضائيات “الدجل”، التي تبث في حدودها الإقليمية، إلى القضاء. فأوقف بثها بتهمة ممارسة الشعوذة والسحر ونشر الإعلانات التسويقية المضللة التي تتاجر بالدين. لقد أدركت هذه الهيئات أن من الدجل ما قتل، ليس فردا بل أمة.

نشر بصحيفة الخبر يوم 16-04-2015

عتبات الكلام: عوْد على بَدْءٍ

نصر الدين لعياضي

هل التلفزيون الجزائري عاصمي؟ هذا هو السؤال الذي طرحه أحد القراء الكرام معبرا عن قلقه من مساهمة التلفزيون في صناعة غد الجزائر. فتلقى عددا من الإجابات المختلفة بين مؤيدة ومعارضة، وحتى غاضبة. وكاد الاختلاف في الرأي أن يفسد للود قضية! وهذا دليل إضافي على غياب الحوار أو تغيّبه في وسائل الإعلام الجزائرية بصفة خاصة، والمجتمع الجزائري، بصفة عامة، والانجراره السريع نحو التشكيك في النوايا والاتهام. وأعتقد أن صاحب السؤال لم يحمّل سكان العاصمة أي ذنب على ما آل إليه التلفزيون. ولم يتحامل على الصحافيين والفنيين والفنانين العاملين في التلفزيون. ويمكن أن اشهد، بحكم موقعي، أنهم  من ولايات الجزائر المختلفة. كما أن صاحب الرسالة لم يشر إلى المسؤولين الذين تداولوا على إدارة التلفزيون، وهم بالمناسبة من مناطق مختلفة من الوطن. وإجابات القراء المختلفة عن السؤال تقرّ، ولو بشكل ضمني، بما طرحه صاحبه الذي ركز على التلفزيون كمؤسسة. وأثار ثلاث قضايا للنقاش، على الأقل.

1- اتسمت وسائل الإعلام، في العهد الاستعماري، بطابعها المحلي والجهوي. وقد سعت السلطات الجزائرية، منذ الاستقلال، إلى إنشاء مؤسسات إعلامية مركزية، أي وطنية، انطلاقا من اعتقادها بأن ما هو محلى وجهوي سيعرض الوحدة الوطنية للتفتيت والانقسام. وكان هذا الاعتقاد مبررا في السنوات الأولى للاستقلال لكن تجسيد مفهوم “الإعلام الوطني” لم يتحقق، مع الأسف، إذ كاد يختصر في البيانات الرسمية وتحركات المسؤوليين. فلا تظهر مناطق الجزائر المختلفة إلا بمناسبة زيارة أحدهم فقط. وطالما أن العاصمة شكلت وتشكل المجال الأول لتحركهم اليومي فتبدو مستحوذة على الأخبار. وهذا لا ينفي وجود من يعتقد، عن عدم دراية، أن العاصمة هي الجزائر بتنوعها الثقافي واللساني، كما أكد بعض المعلقين. وهكذا أفرغ الخبر الوطني من حمولاته الاجتماعية والثقافية والفنية واختزل في الأحداث البروتوكولية التي يقوم بها هذا المسؤول أو ذاك. والدليل على ذلك أن الخبر الوطني، وحتى الوطن، يكاد يختفي في أثناء العطلة الصيفية. فالجريدة المتلفزة تكتفي ببث أخبار المخيمات الصيفية، التي أشرف عليها فلان أو علان، لتنتقل إلى أخبار الخارج لأن النشاط الرسمي يقلّ أو يختفي. بالطبع، إن هذا الأمر لا يجب أن ينسينا بعض الحقائق، مثل كسل بعض الصحافيين الذين لا يكلفون أنفسهم مشقة الانتقال إلى أبعد من رياض الفتح أو الجامعة المركزية بالعاصمة لاستقصاء آراء المواطنين في خطاب المسؤول الفلاني أو القرار الذي اتخده. ولا يبث التلفزيون منها سوى ما يتطابق مع الخطاب الرسمي.

2- إن الاستهزاء باللباس الجزائري الأصيل ولهجة أبناء الجزائر بمخارج حروفها المختلفة وبعض مفرداتها ليس وليد اليوم. فقد ورثناه عن الحقبة الاستعمارية. فالمستعمر الفرنسي كان يسخر من الجزائري – ابن البلد – “لغرابة” لباسه وكلامه وأكله، و”تخلفه “بصفة عامة. فما أثار استنكار طارح السؤال أعلاه هو أن التلفزيون الجزائري ظل يعيد إنتاج الصور النمطية التي ورثناها عن المستعمر الفرنسي والرامية إلى بخس الذات والحط من قيمتها. إنه ليس الجزائري الوحيد الذي جزع من بعض ” اللقطات الإشهارية” و”السكشات” والأفلام والمسلسلات وحتى الأغاني التي جعلت من لباس أجدادنا، اللباس الجزائري التقليدي: الشاش، والقندورة، والسروال ذو العرضين، والقشابية، والبرنوس مسخرة. وهذا خلافا لجيراننا الذين ظلوا يرتدونه إلى يومنا هذا، في المناسبات الوطنية والدينية، جعلين منه رمزا وطنيا.

3- لا أعتقد أن التلفزيون الجزائري يتحمل مسؤولية الخليط اللغوي الذي اكتسح الشارع الجزائري. لكنه يُلام على تشجيعه له وتقاعسه المضر عن ترسيخ لغة إعلامية مبسطة تشكل القاسم المشترك بين كل الجزائريين. فلست أدرى ما المانع من تشكيل لجنة متعددة الاختصاصات  تساعد التلفزيون على تحقيق ذلك. فإذا كانت أغلبية الجزائريين تفهم كلمة ” قُدَّام” أفضل من أمام، وكلمة ” وراء” أفضل من ” خلف”، على سبيل المثال، فلماذا لا تستخدم نشرة الأخبار التلفزيونية ما يفضلونه من العبارات والمفردات المنحوتة من اللغة العربية. فالتلفزيون الوطني يجب أن يعكس هوية وطنية. فعندما وقعت بلدان الاتحاد الأوربي على معاهدة ” ماستريخت” في 1992 اختلف صحافيو قناة التلفزيون الفرنسي الثانية في نطق اسمها. فنطقها كل واحد منهم على هواه مما استدعى تدخل القناة التلفزيونية لتوحيد نطقهم لأنهم ينتمون إلى تلفزيون وطني.

لقد أراد طارح السؤال أعلاه معرفة هل أن انزياح التلفزيون الوطني إلى تلفزيون جهوي يجري بقصد أو دونه؟ ويمكن استحضار الكثير من الحجج التي تنفي أن هذا الانزياح يتم بوعي. إذا، متى يدرك الوعي منتهى لاوعيه بوضع التلفزيون؟

نشر بصحيفة الخبر يوم  9/4/2015

عتبات الكلام: لماذا أنتم قساة في نقدكم؟

نصر الدين لعياضي

 كان يستقبلني بالأحضان وبوجه لا تغادره الابتسامة كلما التقينا في إطار مهني. فيلحّ في السؤال عن حالي وأحوال أسرتي وكأنه يعرفني منذ نعومة أظافري. لقد غادر الكهولة منذ سنوات قلائل بعد أن هام على وجهه في العديد من عواصم العالم. فاشتغل في العديد من المؤسسات الصحفية في المهجر. وتقلد مسؤوليات في بعضها. فاتحني ذات مرة بسؤال مباغت: لماذا يقسو الصحافيون الجزائريون على بلدهم في نقدهم؟ وأوضح سؤاله بالقول أنه تعامل مع صحافيين جزائريين طيلة مشواره المهني، وكانوا يكتبون بشكل ممتاز لكن بقسوة على بلدهم ويستشيطون غضبا إذا نقدها غيرهم! مازحته بالقول إن الجزائريين ورثة المثل الاقطاعي البغيض الذي يُقًوِل المرأة ما يلي: ” أريد أن أُرْزَق رجل يضربني ويضرب الغير دفاعا عني”. بالطبع، يصعب تطبيق هذا المثل اليوم في الجزائر لأن القانون يعاقب من يجرؤ على ذلك لكن الجزائري استبدل المرأة ببلده  في هذا المثال وطبقه  مجال الصحافة.

لعل القارئ الكريم يدرك أن سائلي يقصد القسوة على النظام السياسي وإدارة الشأن العام وليس البلد. فملاحظته الدقيقة وعِشْرَة الصحافيين الجزائريين دفعاه إلى طرح السؤال المذكور. لذا تتطلب الإجابة عنه قدرا من حصافة الرأي.

لقد ظلت الصحافة لعقود تجتر الخطاب الرسمي وهي خانعة للأوامر التي تصلها إلى قاعة التحرير، فتنفذها  في إطار ” وحدة التصور والعمل”  التي فرضها الحزب الواحد. وانتقل الخنوع إلى مداهنة ثم تملق للمسؤولين في ذاك الزمان. فبات اتّهام صحافي بالتملق سَّبَّة حتى وإن ادّعى البعض زورا أنهم يتشرفون بممارسته. لذا ألحّت الحاجة للتخلص منه فساعدت الأوضاع التي خلفتها أحداث أكتوبر 1988 على ذلك. وقد تطرف البعض في تبرئة أنفسهم من هذه التهمة. فظلت ملامح القارئ الجزائري ومزاجه تلاحق الصحافي الجزائري حتى وهو يكتب لصحيفة أجنبية. وقد ادرك أن هذا القارئي يميل إلى من يرفع صوته، بل يفضل من يصرخ على اعتبار أن الحق يكون دائما بجانب كل من يعلو صوته أكثر. فالكتابة الهادئة والمتزنة لا تتناغم، في اعتقاده، مع مزاج القارئ الجزائري الذي يعتبرها ضعفا أو خوفا. وربما ما يزال الصحافي الجزائري يرى نفسه في صورة المناضل السياسي، التي أُلصقت به في الماضي، فيعكسها في كتاباته سواء عن قصد أو دونه. وقد يوعز نقده القاسي إلى شعوره بالخيبة التي تعود إلى إيمانه بقوة وسائل الإعلام وجبروتها في التأثير على الرأي العام وتوجيه اختياره في الانتخابات وحتى في تقرير مصير الحكومات ورؤوساء دول. لقد قرأ أو سمع بالرئيس الأمريكي ريشارد نيكسون الذي اضطرّته الصحف الأمريكية: الواشنطن بوست، والتايم، ونيويروك تايمز إلى تقديم استقالته من الرئاسة في 1974 بعد الفضيحة التي عرفت لاحقا باسم ” وترغيت”. لكن هذا الإيمان خبا بعد أن أدرك أن لا أحد يخشى وسائل الإعلام الجزائرية لتأثيرها المحدود جدا. حقيقة لا يعتقد عاقل أن هناك صحافيا جزائريا واحدا فقد عقله إلى درجة الاعتقاد أن صحيفته تملك من التأثير والسطوة ما تملكه الصحف الأمريكية المذكورة أعلاه. لكن هذا لم يمنعه من التطلع  إلى أن تصحح الأمور، بهذا القدر أو ذاك، على الأقل، بعد أن يميط اللثام عن بعض الفضائح المرتبطة بالفساد والرشوة والنهب والضرب بالقانون عرض الحائط. لكن لا شيء يحدث من هذا القبيل. ولم يلق هذا الصحافي سوى التجاهل وعدم الاكتراث بالقضايا الخطيرة التي يثيرها. وهذا يزيد في غيظه فيرفع صوته أكثر ويغالي في نقده. ولا أعتقد أن دعوته لحضور محاضرة حول أخلاقيات الإعلام ستخفف من قسوة نقده. فما يخففها فعلا هو جهاز العدالة المنصف سواء للفصل في القضايا التي يطرحها إن كان على حق أو محاكمته بتهمة القذف أو السَّبّ إن كان مغرضا     في طرحه.

رغم أهمية العناصر المقدمة أعلاه للإجابة عن السؤال المطروح آنفا إلا أنها لا تمنعني من الميل إلى عامل أخر وهو الحنين. وهل يعانى الصحافيون الجزائريون من الحنين؟ وما علاقة الحنين بنقدهم القاسي على بلدهم؟ ألا يشجع الحنين على اللّين؟

إن الحنين حسرة على زمن مضى أو مكان نأى أو حدث انقضى. ألم ير الكاتب الكندي، نيل بسونداث، أن الحنين يمتلكنا عندما يعجز الحاضر عن الوفاء بوعد الماضي؟ فقسوة النقد دلالة، أيضا، على شِدّة الحنين.

نشر بصحيفة الخبر يوم 2 /04/2015

عتبات الكلام :  هل التلفزيون ” الجزائري” عاصمي؟

نصر الدين لعياضي

 وجه لي أحد القراء الكرام، مشكورا، رسالة تطرح موضوعا عاما ظل يؤرقه كما يقول. ففضلت نشرها لأهميتها كما وردت دون إضافة أو بتر. وهذا نصها:

بداية اعذرني على أسلوبي الركيك في التعبير، ولكن عندي مشكلة تؤرقني كثيرا، وبما أنك سيدي مختص في علوم الإعلام وتكتب عن مواضيع الإعلام والتلفزيون، وأنا أقرأ بصفة منتظمة كل كتاباتك في جريدة الخبر مع أن مستواي التعليمي محدود. فدعني انبهك إلى مشكلة ليست خطيرة اليوم ولكنها ستكون في المستقبل عاملا مساعدا على الانفجار.
لاحظت منذ مدة طويلة، واستنتجت ان التلفزيون الجزائري أصبح تلفزيون العاصمة و ضواحيها،  بحيث أن كل البرامج والمسلسلات ومعظم الأفلام التي يبثها عاصمية أو على الأقل تخاطب العاصميين بلهجتهم. ففي البرامج الحوارية يتم استضافة متحاورين عاصميين يتلكؤون في الحديث بلغة هجينة لا هي فرنسية ولا عربية لإثبات الترفع والمستوى الثقافي العالي مع الوقوع في أخطاء لغوية بالفرنسية يندى لها الجبين علما أن هناك من يتابع قنواتنا التلفزيونية في العالم العربي. فعندما استعان التلفزيون الجزائري بمحطاته في قسنطينة ووهران وبشار وورقلة في الثمانينات من القرن الماضي، على ما أظن، كانت هناك منافسة في الإنتاج والإبداع. فكلنا يتذكر حصة ” أعصاب و أوتار” من محطة قسنطينة، وفرقة بلا حدود من وهران، ومصطفى بن دهينة من بشار وربورتاجاته الساحرة عن مناطق الجنوب ككل. اليوم نرى جهوية  في التلفزيون حيث بدأ الناس ينتبهون لها. فمثلا عند عمليات استطلاع الرأي حول قرارات أو قوانين جديدة أو حتى تغيير مدرب الفريق الوطني يلجأ التلفزيون الى شوارع العاصمة لإنجاز الربورتاج، ومحاورة الشباب الذي يستعمل كلمة ” عاصمية ” بجانب كلمتين فرنسيتين يصر على استعمالها حتى في غير محلهما. وأغلب المسلسلات التي تم إنتاجها في السنوات الأخيرة عبارة عن حلقات من النواح والبكاء والعويل أنتجت لتحكي عن واقع جزائري مع أنها لا تحكي سوى عن واقع عاصمي بحت. وما عليك إلا أن تتابع حلقة واحدة من أي مسلسل تلفزيوني لتتأكد من ذلك. والبث المباشر لمباريات البطولة في القنوات التلفزيونية لا يتم إلا عندما يكون أحد المتنافسين فريقا عاصميا ، عكس ذلك تبث المقابلات في القناة الامازيغية حيث تكون اللغة حاجزا  لمعرفة ما يحدث. وبعيدا عن المواد الدرامية نجد نشرة الأحوال الجوية التي تخبرنا أن درجة الحرارة بلغت 18 درجة في العاصمة و20 في عنابة و….. و24 درجة شمال الصحراء و30 أقصى الجنوب !!! دون تسمية المدن !!! أو تختصر في القول بلغت درجة الحرارة اليوم  30 درجة في باقي الوطن!!!  فأين يقع باقي الوطن هذا؟ ألا يتشكل من مدن؟ وهل تملك أسماء؟. وحتى الأذان يرفع حسب التوقيت المحلي للعاصمة وضواحيها. أما الومضات الإشهارية فإنها تصور عائلات عاصمية تستعمل ربات بيوتها مواد التنظيف في سكنات راقية. وومضات إشهارية أخرى تصور رجل من بادية الجزائر يشترى جرارا وتجتهد في إظهاره في صورة “بهلول” ترافقه موسيقى “القصبة والبندير”[1] وكأنها تعلمنا أن أبناء الريف الجزائري يمكن اختصارهم في ” القشابية”[2] و” ليبوط”[3]. ولا يجيدون حتى الحديث والتعبير.

لقد لاحظت في السنوات الأخيرة أن التلفزيون منح فرصة لشاب من الجنوب لتقديم نشرة الاخبار ليس حبا فيه أو في مظهره  بل لإسكات الألسن والقول أن التلفزيون يستغل جميع الكفاءات من كل مناطق الوطن. و لكن هذا الأمر لم يحدث إلا بعد أن منحت  القناة الفرنسية الأولى الفرصة أخيرا لشخص ملون البشرة لتقديم نشرة الثامنة. هناك جهوية خبيثة في مبنى التلفزيون وأملك الكثير من الحجج لتأكيدها لكن المقام لا يسعني لذكرها. فهل هي جهوية مقصودة لاحتقار باقي سكان الوطن أو تتم دون قصد؟ أظن أنك فهمت ما أقصده، فأرجو سيدى الكريم  تزويدي بإجابة عن سؤالي.

 تقبل مني فائق الاحترام والتقدير

فؤاد من سدراته- سوق أهراس.

ملاحظة: لقد وجهت إجابتي للسائل المحترم، وأعتذر للقراء الكرام على عدم نشرها اليوم لأن  حجمها لا يسمح بذلك. وأعدكم أنني  سأفعل لاحقا. في انتظار ذلك يسعدني أن أعرف رأيكم.

[1] – يقصد بها النأي والطبل

[2] – لباس جزائري تقليدي ينسج من وبر الجمال أو صوف الغنم  يرتدى في فصل الشتاء.

[3] – كلمة فرنسية  bottes- يقصد به الحذاء المطاطي ذي الساقين .

عتبات الكلام:  مزاح اللؤم

نصر الدين لعياضي

نشرت صحيفة جزائرية واسعة الانتشار في موقعها الإلكتروني الخبر الذي تضمن ما يلي: فنّدت جدّة النجم الكروي “كريم بن زيمة” ما روّجته الصحافة الفرنسية من كون نجل شقيقتها يمتلك خصلتي البخل وقطع صلة الرحم، مؤكدة تعاطفها مع مهاجم ريال مدريد، وأنها ليست بحاجة للمنحة المثيرة للجدل والمقدّرة بقيمة 1500 أورو شهريا.

وقد علق بعض القراء على ما ما تضمنه هذا الخبر بجمل مقتضبة مطالبين الصحافي أن يقنع نفسه أولا هل المعنية جدّة اللاعب الدولي كريم بن زينة أو خالته؟

لا يمكن أن نعتبر هذا الخلط خطأ مطبعيا بسيط أو سهوا في التعبير لأنه لا يعد أول سقطة لهذه الصحيفة فقد ارتكبت سقطا كثيرة قبلها. إذ نشر موقعها ذاته خبرا مفاده أن عائلة السجين الجزائري ن .ح المقيمة في بسكرة أفادت أن سلطات دبي بالإمارات العربية المتحدة قررت الإفراج عن ابنها ن .ح القابع في السجن منذ 15 عاما بتهمة قتل مواطنة أوروبية بدبي. وقال حفيده حمزة للصحيفة: إن جدّي اتصل بنا 3 مرات مؤخرا، وأكد اقتراب موعد مغادرته السجن والعودة إلى أرض الوطن بموجب قرار إفراج صادر عن سلطات دبي استنادا إلى النصوص القانونية المعمول بها التي تنص على أحقية السجين المحكوم عليه لأكثر من المدة المذكورة في الإفراج إذا أثبت سلوكا حسنا خلال إقامته في المؤسسة العقابية، وهو ما ينطبق على الجزائري ن. ح الذي حقق نتائج جيدة في دراسته داخل السجن حسب ما تكشف عنه كشوف نقاطه التي اطلعنا عليها حفيده حمزة. هذا الأخير الذي أكد أن الإفراج الفعلي عن خاله سيكون في غضون شهر ونصف على الأكثر، أي بعد إتمام 15 سنة كاملة. ولم يستبعد أن يتزامن الإفراج عنه مع شهر رمضان الكريم.

وتدخل متصفحو موقع الصحيفة المذكورة سائلين الصحافي: بالله عليك هل المصدر الذي استندت إليه في صياغة خبرك هو حفيد السجين أو ابن اخته؟ وكالعادة لم يعر موقع الصحيفة أي أهمية لتعليقات القراء. ولم يعتذر عن الخطأ ويصححه ويرفع اللبس عما نشره. إن إصرار موقع الصحيفة على التمسك بسقطته دفع صديقي إلى مداعبتي قائلا: يبدو أنكم ستكفون عن تدريس طلاب الصحافة أشكال الكتابة الصحفية، وتشريعات الإعلام وأخلاقياته، واقتصاديات الإعلام ونظمه ونظرياته، وتعكفون فقط على تعليمهم الفرق بين الجدّة والخالة، والجدّ وابن الاخت. وسنكف، نحن القراء بدورنا، عن مطالبة الصحافيين بالدقة والالتزام بالشروط المهنية، بل سنرضى عليهم إن قاموا بمراجعة ما يكتبونه قبل النشر فقط!

حديث صديقي الممازح لا يخلو من لُؤم لأنه يحمل قدرا كبيرا من التعميم وهو يدفعنا إلى التفكير فيما ألت إليه الكتابة الصحفية من تدهور في الجزائر. والسبب في ذلك لا يعود للصحافيين الذين يمتلك الكثير منهم ناصية الكتابة، بل يرجع للعبث في التوظيف داخل بعض المؤسسات الصحفية، فأضحى لا يخضع لأي معيار بل حتى للقدرة على التمييز بين الجدّة والخالة فقط! ويجرنا إلى طرح السؤال التالي: من أفسد الكتابة الصحفية وأنزلها إلى الحضيض؟ وهل خلت قاعات تحرير بعض الصحف ممن يملك السلطة المعرفية لتصحيح ما يُنشر أم أن شهية بعض الصحف لجمع المال بكل السبل  أفقدها الحاجة إلى ضرورة التدقيق فيما تنشره؟

أيعقل أن الهُزَال ادرك الكتابة الصحفية إلى درجة العجز عن نقل حدث بسيط في شكل خبر صحفي لا يتعدى بعض الأسطر القلائل فقط، ناهيك عن ذكر المصدر بطريقة صحيحة  والاستشهاد بمقتبس الأقوال والتصريحات بشكل دقيق؟ أيعقل أن اللهث وراء المال جعل بعض الصحف شماتة القراء؟ فأين ذهبت تقاليد السرد العربي؟ وبماذا أفادت تقاليد الحكي في ألف ليلة وليلة سردنا الصحفي ؟ لقد افتتن بها الكثير من الروائيين الأجانب لكونها تجمع مئات الأصوات في بنائها السردي دون أن يتيه القارئ ويختلط عليه الأمر فيضيع في معرفة من قال؟ وماذا قال؟ لقد استلهم الأديب الروسي تولستوى من ألف ليلة وليلة في كتابة روايته الملحمية الحرب والسلم، وحذا حذوه الروائي مارسل بروست في روايته الضخمة “البحث عن الزمن الضائع”. واعترف غارسيا ماركيز بتأثير ألف ليلة وليلة على روايته الموسومة بـ ” مائة سنة من العزلة”.

إن كانت الكتابة الصحافية الكلاسيكية تعاني من الهزال المذكور في ظل هيمنة النمط الخطي والمتواصل في السرد فكيف سيكون حالها في ظل الكتابة الرقمية التي تطلق هذا النمط وتصبح متشذرة ومشتة وفق منطق النص الفائض أو المتشعب؟

نشر بصحيفة الخبر يوم   19-03-2015

عتبات الكلام: توابع زماننا وزوابعه.

نصر الدين لعياضي

اعتذر إلى الأديب والشاعر ابن شهيد الأندلسي على استلاف عنوان كتابه الشهير ” التوابع والزوابع”. واستسمحه لأن توابعنا وزوابعنا غير توابعه ولا زوابعه. فتوابعه هي قبيلة الجن التي تتبع الإنسان وترافقه، وزوابعه هي الشياطين الماردة. لقد لجأ إلى قبائل الجن والشياطين كحيلة فنية لعرض أفكاره وآرائه الأدبية والنقدية في قالب قصصي لعب بها الخيال لعبته فحولها إلى نوادر في التراث العربي. وقد استساغ رواة زمانه وقراؤه هذه الحيلة لاعتقادهم أن شاعر زمان لا حيلة له فيما يقول من أشعار لأن شيطان الشعر هو الذي يوحي له بها. أما توابعنا وزوابعنا فلا علاقة لها بالجن بتاتا. فتوابعنا هي ما يرَدِفْنا من كمون الماضي. وزوابعنا هي دواهي حاضرنا.  لأن كل واحد منا يستطيع أن يستعرض فكره ورأيه بما أوتى من سبل دون الحاجة إلى امتطاء صهوة الخيال وحيل القول. هذا ما اقتنعت به وأنا أتابع بعض البرامج الحوارية في العديد من شاشات القنوات التلفزيونية العربية منذ مدة. لكن أين التوابع في هذه الحوارات؟ لعلك لاحظت عزيزي القارئ أن بعض الحوارات تنتهي بالمتحاورين إلى استعراض عضلاتهم أو استخدامها. ولك أن تتخيل لو أنهم دلفوا إلى الأستوديو حاملين مسدسدات؟ قد يعتقد البعض أن هذا السلوك ينم عن غياب الحوار في ثقافتنا ويومياتنا. وهذا الرأي لا يجانب الصواب قط بيد أنه يجنح نحو التبرير أكثر من التفسير. فمفهوم السياسة كما ورثناه هو الدهاء- هل له علاقة بالدواهي؟ والمجتمعات التي تشكلت في ظل العنف ألغت مفهوم الخصم أو الغريم من قاموسها اللغوي، كما يؤكد ذلك أستاذ علم الاجتماع السياسي الهواري عدي، واستبدلته بمفهوم أخر، وهو العدو. الأمر يتعدى البرامج التلفزيونية الحوارية في هذه المجتمعات، ويشمل الكثير من المؤسسات الإعلامية بما فيها تلك التي تدعو إلى الديمقراطية والتعددية وحرية الرأي والتسامح والحق في الاختلاف لكنها، عمليا، لا تضيق ذرعا بالرأي الآخر الذي يحاذيها ببعض السنتيمرات فحسب، بل لا تمنحه الفرصة ليعبر عن ذاته. وإن منحتها له فبنية الانقضاض والإجهاز عليه. والانتخابات التي تنظمها لا تعّد مجرد منافسة قد يفوز بها أحد المتنافسين في دورة وينهزم في أخرى ، بل تعتبر مواجهة ومعركة يجب أن تنتهي باقصاء المنافس وسحقه.. لكن بأي أداة؟  بكل الوسائل وحتى بالحوار!فلو نزعنا التشنج والتوتر والصراخ من الكثير من البرامج الحوارية في القنوات التلفزيونية العربية لوجدناها تعانى من وهن الحجة وهشاشة البرهان. ويفسر الأستاذ عبد القادر ملوك ما تعانيه بضعف البعد الحجاجي في الخطاب العربي، خاصة قديمه.  فقوة هذا الخطاب لا تكمن في متانة الحجة ورجاحتها، بل في البلاغة  التي تجلت أكثر في الشعر الذي يعد ديوان العرب. والكل يعلم أن قوة الشعر العربي تكمن في عذوبة كلماته، وجمالية صوره وايقاع موسيقاه، وبديع نسيجه. إذا، التوابع التي تحرك وسائل الإعلام في الكثير من الدول وتتحكم فيها تنطلق من هذه الخلفية السياسية والفكرية واللسانية “. لكن أين الزوابع؟ إنها مدفونة في تغيب الحوار عبر الحوار في البرامج الحوارية التلفزيونية، أي إفراغه من محتواه.  فتلك البرامج إن لم تفلت من المداهنة والمجاملة والتملق في الإشادة بالرأى الواحد والأوحد تتحول إلى صراخ وزعيق تتبادل عبره الاتهامات بالتخوين والعمالة للأجنبي والجبن. وتنتهى إلى بخس الإختلاف في الرأي والتصور لتعيد إنتاج ما أسماه أميل دوكايم ” بالامتثال المنطقي”. ومعناه إنتاج الاتلاف الكاذب للقضاء على الاختلاف البناء حفاظا على الوضع القائم. فهذه الطريقة ” المبتكرة” في محاربة الحوار بالحوار تجسد احدى تجليات الخوف من الإختلاف. فنتائج الحوار البيّنة تتجسد في تشخيص جوانب المغايرة. أما آثاره الجانبية فتكمن في سوء تفاهم الفكر مع نفسه، على حد تعبير الفيلسوف المغربي عبد السلام بنعبد العالي. فإذا سمح لنا هذا الأخير بإعادة صياغة فكرته حول الفلسفة والحوار نقول أن الحوار لا يملك قدرا من سوء النية والمكر بحيث يعمل على التفريق بين فرق المتحاورين، بل يقرب فيما بينهم بأن يجر كل متحاور لابتعاد عن ذاته والخروج من عزلته.

قد يندهش البعض  من مبالغتنا في الحديث عن بعض البرامج التلفزيونية الحوارية في القنوات العربية في حياتنا اليومية إلى درجة أننا صنعنا منها زوابع. ونتاسينا المصائب والأهوال والمآسي التي تعاني منها الشعوب في أكثر من بلد عربي. لست أدرى هل يقتنع المندهشون بأن هذه الزوابع من تلك التوابع التي ذكرناها آنفا، وليست توابع ابن شهيد الأندلسي أم أن الأمر يحتاج إلى حوار؟

نشر بصحيفة الخبر الجزائرية يوم 12/ 03/ 2015

عتبات الكلام:  نساء “الفوتو شوب”

نصر الدين لعياضي

 لم يكن توماس نول، طالب الدكتوراه بجامعة ميشغن في الولايات المتجدة الأمريكية، يدري ما يفعله برنامج فوتوشوب الذي اخرعه بحياتنا وبالمرأة في شاشة الكمبيوتر وفي الواقع العملي. لقد عرض محترعه على شركة ” أبل” في1987.  فأبرمت عقدا معه لاستغلاله تجاريا بعد سنتين من هذا التاريخ. فشق هذا البرنامج طريقه في العالم الرقمي في 1990 ليصبح الأشهر والأكثر تسويقا في مجال إنشاء الرسومات والصور وتعديلها أو ابتداعها إن لم نقل تزويرها. ومن “غرائب” الصدف أن صورة السويدية “لينا سودربرغ”، التي تربعت على صدر غلاف مجلة الإغراء الأمريكية “بلي بوي” في نوفمبر 1972، شكلت حقل تجارب لمعالجة الصورة الرقمية. فأصبحت تكنى بسيدة الانترنت الأولى. فصورة المرأة وليس الرجل هي التي دشنت البدايات الأولى لعملية التعديل الرقمي للصور وتحويرها وتجميلها. ولازالت المرأة تحظى بنصيب الأسد من نشاطات الفتوشوب. إذ يقوم بتعديل ما بين 80 و90 % من صور النساء في وكالات الإشهار والمودة وعرض الأزياء حسب تقديرات بعض المختصين في هذا المجال. ويشمل هذا التعديل ما بين 50 و75% من مساحة كل صورة! ويحدث أن تتضاعف متاعب برنامج الفتوشوب في تعامله مع صور نجمات السينما والغناء والأزياء والتزيّن، إذ يطلب منه التوفيق بين الصورة التي تريدها شركات الإشهار والصورة التي تريد النجمات الظهور بها لجمهورهن. وقد يتطلب الأمر عملا مكثفا لعدة أيام،  في بعض الأحيان، حتى تُمح كل الأثار الدالة عن تقدم سن بعضهن أو يُخفى انتفاخ بطونهن بعد حمل في أشهره الأولى. أما صور الرجال فلا تحتاج،غالبا، سوى إلى جهد بسيط لأن المطلوب هو الحفاظ على صورة الرجل في مادتها الخام، خاصة إن كان شكله يوفر مادة لتجسيد الرؤية الفلسفية التي تؤمن بوجود جمال البشاعة. هذا إضافة إلى أن الثقافة المكتسبة رسخت فكرة أن الرجل لا يُعاب على شكله.

قد يعتقد البعض أن تعديل الصور أضحى أمرا طبيعيا لأن عملية التصوير ليست نقلا حرفيا للواقع، بل تأويلا له. فالهيئة، ومساحيق التجميل، والإنارة، والتأطير، وزاوية التصوير، ونوع اللقطة التي نصور بها، كلها عناصر مكوّنة للتأويل. وقد ضخّمت التكنولوجية الرقمية هذه العناصر ورفعت درجة التحكم فيها. فحولت الصورة الافتراضية إلى مرجع بعد أن أزاحت الصورة الفعلية والواقعية عن مكانتها. ومن هذا المنطلق نفهم الاحتجاجات التي عبر عنها بعض مستخدمي مواقع الشبكات الاجتماعية من معجبي عارضة الأزياء الأمريكية ” كندي كروفورد” على  ظهورها في صورتها الطبيعية في النسخة المكسيكية لمجلة ” ماري كلير” في ديسمبر 2013؛ أي دون الاستعانة بخدمات الفتوشوب” لتجميلها! وهكذا أصبحت الصورة التي يجرى لها الفتوشوب عملية جراحية هي الطبيعية والحقيقية، أما تلك التي لا تعالجها التكنولوجية الرقمية فقد أضحت غير طبيعية وغير مقبولة! لكن أين الضرر في هذا؟ الإجابة عن هذا السؤال تقدمها النساء اللواتي قمن بعمليات جراحية تجميلية حتى يشبهن نساء الفتوشوب. فاللهث للتماهي مع الصور الرقمية أوحى لأحد الاستاذة بالاستعانة ببنتين في قسمه لشرح الفرق بين التكنولوجية التماثلية أو التناظرية والرقمية لطالباته. فقال عن البنت الأولى أنها تمثل التكنولوجية الرقمية لأنها تضع عدستين اصطناعيتين في عينيّها بألوان تتغير حسب لون لباسها. وقال عن البنت الأخرى أنها تمثل التكنولوجية التناظرية لأنها احتفظت بلون عينيّها الطبيعي.

بعيدا عن المزاح، لقد استكمل “الفتوشوب” ما أنجزته وسائل الإعلام من تغيير في معاييرنا للجمال وزادت في اتصالنا عسرا. فـ “أـلينا ماريا هريشكا” من جامعة برومانيا ترى أن شدّ الجلد، ونفخ الشافتين، وحشو الوجنتين بحقن البوتوكس أو السيليكون السائل، وغيرها من العمليات الجراحية التجميلية قد يضلل الاتصال إن لم يعقه. فالجسد يتحدث لغة صامتة من الصعب السيطرة عليها للتعبير عن المواقف والمشاعر الشخصية خلافا للّغة اللفظية. وتكون لغة الجسد، غالبا، مقروءة ثقافيا، وهي أصدق، في الكثير من الأحيان، من اللغة اللفظية. وتشرح ” ألينا” وجهة نظرها هذه بالقول ان الإيماءات والحركات قد تتوقف عن التعبير بسبب التدخلات على الجسد وفيه. فالعمليات الجراحية قد تفقد العضلات المسؤولة عن هذه الإيماءات وعلى بعض تعابير الوجه القدرة على الحركة وفق ما ما يقتضيه سياق الاتصال. إذا، إن الأفكار الاجتماعية الشائعة والجاهزة عن الجمال والدافعة إلى تعديل الجسد و”تصليحه” ليبهجا العين ويرضيان الذوق العام الذي ساهمت الصورة الرقمية في صياغته قد تخرب عملية الاتصال، خاصة في مجتمعنا الذي يتسم باتصاله الضمني، وتلعب فيه لغة الجسد دورا هاما قد يتجاوز الاتصال اللفظي.

نشر بصحيفة الخبر الجزائرية يوم 5/3/2015

عتبات الكلام: التّعامي

نصر الدين لعياضي

 رأى الروائي السوداني أمير تاج السر أن الكاتب الناجح يصنع أعداءه دون إرادته. لقد بحث عن السر في ذلك فوجد جذوره  في المدرسة الابتدائية. فيذكر أن التلاميذ في مدرسته كانوا  ينتظرون الإعلان عن نتائج الامتحانات السنوية، والكسالى المشاغبون منهم ينتظرونهم بالمرصاد بعصي مدفونة بالقرب من المدرسة. وبعد الإعلان عن النتائج يظهر المتفوقون فيطاردونهم في الشوارع ويضربونهم بالعصي، ويركلوهم بالأقدام في طقوس كانت عادية للغاية، يتفرج عليها التلاميذ جميعا. ولا يفصحون عن مرتكبيها حتى وإن وصل الأمر إلى المستشفى.

أعتقد أن هذه الظاهرة لا تخص السودان الشقيق وحده لو سحبنا منها العصا ودخول المستشفى. فبعض الطلبة القلائل جدا يسعون لعقد صداقات مع التلاميذ النجباء في المدارس الابتدائية ويتلاطفون معهم طمعا في الحصول على مساعدتهم أو الاستفادة من مستواهم التعليمي ومن طرقهم في التعلم والتفوق. أما البقية فتكن عداءً خفيا للتلاميذ المتفوقين، والبعض من هذه البقية لا يملك الصبر لينتظر ظهور نتائج الإمتحانات السنوية ليعتدى على التلاميذ المتفوقين بالضرب أو السب أو الاستفزاز. فلعل القارئ الكريم يستحضر العديد من صور بعض أولياء التلاميذ الذين يأتون إلى المدرسة ليشتكوا من الاعتداء على ابنهم لأنه نجيب ومتفوق في دراسته. وقد لا يكلف الأباء جشامة التنقل إلى المدرسة لتقديم الشكوى بل يكلفون أكبر أطفالهم بتأديب من اعتدى على أخيه الصغير. قد لا نولى الكثير من الاهتمام لمغزى هذا الاعتداء لاعتقادنا أنه سلوك صبياني سيزول بنضوج عقلهم لكنه يزداد، مع الأسف، كلما تقدم بهم السن. قد يبرر بعض الذين اطّلعوا على الكتب الأجنبية هذا السلوك بالقول أنه ينم عن رفض الاختلاف وعدم الاعتراف بالأخر المغاير. وقد يكون هذا الكلام مصيبا لكنه يخفى حقيقة مخيفة وهي أننا ” أعداء النجاح”.

قد نجد عذرا لهذا العداء في زمننا ومجتمعنا الذي أصبح النجاح فيه مشبوها. فكسب البعض للمال وتبؤ بعضهم لمناصب سامية وقيادية أضحى مقترنا باعتبارات أخرى قد نخجل من ذكرها، أخفها يجسد القول المأثور” حمارنا ولا حصانهم”، ويبيّن أننا الوريث الشرعي لما يمارسه الفلاحون ومربو الأنعام وهو ” خصي الفحل”. ومن يشك في هذا الأمر فليسأل البعض الذي اضطر إلى الهجرة  أو هومش في وطنه. وهكذا يتضح لنا أن ذاك السلوك الذي برز في المدرسة ووصفناه بأنه صبياني لم يزل، بل نما وترعرع فأصبح جزءا من الطقوس العادية في حياتنا اليومية. لذا اندهش من انصراف بعض مشاهدي التلفزيون ونقاده إلى استهجان بعض التفاصيل التي تعد مجرد سفائف تجارية في برامج تلفزيون الواقع ذات العدد المتزايد في القنوات التلفزيونية. أذكر أن بعض المشاهدين المغاربة امتعضوا من سلوك متنافسة مغربية شاركت في أول دورة من برنامج ” الأخ الأكبر” الذي بثته القناة الأولى في التلفزيون الفرنسي لاعتقادهم أنها تصرفت بنوع من الجرأة غير المعهودة لدى البنت العربية مع الشباب المشارك في هذا البرنامج. لكنهم تغاضوا عن ما هو جوهري وأساسي في هذه البرامج و يتمثل في معايير انتقاء متنافسيها والأسس التي يقوم عليها التصويت لاختيار الفائز منهم سواء كان المشاركون في البرنامج هم الذين يصوتون لإقصاء أحدهم أو صوت المشاهدون لصالح أحد المتنافسين في البرنامج لمواصلة مشواره. لقد اعترف الكثير من المشاركين في هذه البرامج أنهم أقصوا منافسهم لأنه أفضل منهم وأكفأهم وبقاؤه في المنافسة يشكل خطرا على وجودهم أو لأنه أجمل منهم أو لأنهم يريدون أن يكون ابن بلدهم هو الفائز علما أن ابن البلد هذا ليس الأحسن على الإطلاق، وغيرها من الذرائع التي لا مبرر لها سوى معاداة النجاح.

نعرف أن المال يشجع هذه الممارسات في اللعب ويزكيها، والكثير من برامج تلفزيون الواقع ترسخها. والقليل من النقاد من انتبه إلى أنها تشرع الفكر العنصرى القائم على الاقصاء الذي يستند إلى النزعة النازية التي طبقت مبدأ من لم يكن مثلي ويحمل مواصفاتي وأفكاري يجب أن يفنى. فأنا الأقوى والأفضل ولا وجود لمن هو أقوى أو أحسن مني. لقد التقط المخرج الياباني ” كينجي فوكسكي” هذه الفكرة التي تعامّينا عليها ونفخها في فيلمه الموسوم بـــ ” معركة ملكية”، والذي أخرجه في السنة 2000 . وصور فيه متنافسين في برنامج تلفزيوني مسجونين في جزيرة يتصارعون إلى حد القتل أمام شاشة التلفزيون! ولم يكتفوا بالضرب والسب مثلما كان يحدث في المدرسة. لقد أراد أن يقول لنا لا تستهينوا بهذه الفكرة لأنها ليست سلوكا عاديا كما اعتقدتم منذ أيام الطفولة.

تشر بصحيفة الخبر يوم 26/2/2015

 عتبات الكلام: الذاهبون دون نيّة في الوصول

نصر الدين لعياضي

 يذكر الكاتب الأرغورائي “إدواردو غاليانو” في كتابه الموسوم بـــ “أبناء الأيام” أن خوان كارلوس دافلوس كان أول ملاح لسيارة ” فورد” T  في شمال الأرجنتين في مطلع القرن العشرين. فكانت سيارته تأتى عبر الدروب مزمجرة مدخنة بطيئة إلى درجة أن السلحفاة تجلس في انتظارها! فاقترب منه أحد الجيران ذات مرة وحياه بقلق معلقا: لكن يا  دالفوس لن تصل بهذا البطء أبدا. فرد عليه دالوس قائلا: انا لست ذاهبا من أجل الوصول أنا ذاهب من أجل الذهاب! أي بالمختصر المفيد: من قال لك أنني أنوى الوصول؟

يشهد الله أنني حاولت أكثر من مرة أن أطرد هذه القصة المداعبة والمعبرة من ذهني دون جدوى. فتستولى على تفكيري كلما صادفت أوضاعا مشابهة أو تبدو لي كذلك. فإذا وجدت، مثلا، جماعة تتحدث عن تكوين الصحافيين وتأهيلهم في المنطقة العربية وتختصرهما في أخلاقيات المهنة، وتستدعى لهذا الغرض خبراء أجانب. فأنتظر متمنيا أن يصلوا إلى تكوين الصحافيين، ثم أتذكر أنهم لا يرومون الوصول مثلما فعل خوان كارلوس دافلوس بسيارته المذكورة. والفرق الوحيد أن قصة هذا الأخير تملك قدرا كبيرا من المزاح بينما تخلو قصة هؤلاء منه. والأسباب في ذلك متعددة متظافرة  وأخشى ألا يسع المقام لذكرها كلها. ولعل أول سبب يكمن في اعتقاد البعض أن ضعف أداء الصحافيين وارتكابهم تجاوزات مهنية خطيرة ينجم، أساسا، عن عدم معرفتهم بأخلاقيات المهنة. وبهذا فإنهم يفصلون الصحافي عن المؤسسة الإعلامية والبيئة الإعلامية التي يشتغل فيها. ولا ينفي هذا الفصل وجود البعض ممن التحق بمهنة الصحافة دون أن يمتلك خلفية عن العمل الصحفي ورهاناته المجتمعية والأخلاقية ويحتاج فعلا إلى تكوين في مهنة الصحافة بأبعادها المختلفة. والسبب الثاني يرجع إلى إيمان البعض أن أخلاقيات الصحافة هي مجرد وصفة للمواعيظ المهنية التي يمكن استيرادها من الخارج. والصحافي المجتهد والجيد هو من يحفظها عن ظهر قلب ويسترشد بها متى شاء في عمله بصرف النظر عن نوايا المؤسسة الإعلامية التي يشتغل فيها وإكراهات العمل. إن الممارسة الصحافية تؤكد يوميا أن أخلاقيات العمل الإعلامي مركب معقد يتشكل من عناصر مهنية وأخرى ثقافية وفلسفية. قإذا كان الإجماع على ما هو مهني واضح وجلي فالاختلاف والجدل يكمنان في الثقافي والفلسفي. فالنظرة للجسد، والمعتقدات الدينية والرؤى الإيديولوجية تتباين باختلاف الأنظمة الاجتماعية والمنظومات الفكرية. لذا نلاحظ أن الصحافيين الذين استفادوا من دورات تدريبية حول أخلاقيات مهنة الصحافة على يد بعض الخبراء الأجانب هم أول من طعن في أخلاقيات الصحافة كما مارستها بعض المؤسسات الإعلامية الغربية أو رمت بها عرض الحائط في تغطيتها لهجوم الجيش الإسرائيلي على غزة من هضبة المستوطنة الإسرائيلية “سيدروت”.

فإذا تُرك أمر وسائل الإعلام فَوْضىً بَيْنَهُا. ومارست بعضها نشاطها دون سند قانوني يثبت وجودها في ظل منافسة متوحشة تخلو من أي ضابط قانوني أو هيئة تحكيمية، وفي غياب أي  شفافية في تمويلها وإعلاناتها. واستغنت عن أي سياسة واضحة ومرئية في مجال التوظيف، وتجاهلت أبسط حقوق ” صحافييها”، فهل نحمل الصحافي مسؤولية وهن عملها وانزلاقاته وتجاوزاته؟ وهل يكفي القول أن صحافييها بحاجة إلى معرفة أخلاقيات مهنة الصحافة حتى نصحح مسارها؟ فإن فعلنا ذلك سنشبه ذاك الذي يطالب بإطلاع السائقين على أخلاقيات قيادة السيارات في ظل غياب قانون المرور. إن أخلاقيات العمل الصحفي لا تطرح على صعيد الفرد لأنها ليست وليدة قناعة شخصية، بل تجسد إرادة المهنيين الجماعية فيدونونها في وثيقة، ويسهرون على احترامها، ويضعون آليات خاصة للردع الأدبي لكل من يخترقها. لكن هذه الوثيقة تفقد مبرر وجودها إن غابت القوانين المنظمة للعمل الصحفي ومؤسساته أو في حالة عدم تطبيقها.

فإذا فتح المجال لمن هب ودب لامتلاك وسيلة إعلامية يفعل بها ما يشاء ومتى يشاء دون قيد أو شرط فهل يجدى لومه على عدم احترام أخلاقيات العمل الصحفي وهو لا يعرف أصلا ما هي طبيعة هذا العمل؟ أخيرا، يمكن الإشارة إلى أن من يدفع بجزار للالتحاق بدورة تدربيبة حول أخلاقيات جراحة التجميل معتقدا أنه سيجعل منه جراحا ماهرا لن يصل لأنه من الذاهبين دون نيّة في الوصول.

نشر بصحيفة الخبر يوم 19/2/2014

عتبات الكلام: إن أردت أن تكون صحفيا.

نصر الدين لعياضي

 سُئل الكاتب والصحافي الفرنسي جون دانيال بنسعيد، رئيس تحرير المجلة الفرنسية ” نوفال ابسرفتور”، عن النصيحة التي يمكن أن يوجهها للشاب أو الفتاة التي تريد ان تكون صحفية.  فكانت إجابته كالتالي: يجب عليه أن يتقن ثلاث لغات على الأقل. ويعرف موضوعا ما خير معرفة بحيث يكون الوحيد تقريبا الذي يدركه أفضل من غيره. ويختار، إن امتلك الحق في ذلك، شهر يوليو او أغسطس؛ أي فترة الصيف، للانطلاق في العمل الصحفي. ويواصل حديثه قائلا: منذ فترة فصيرة جاءتني فتاة تريد العمل بمجلتتنا. فتاة جميلة، وذكية، ودودة.تشع حيوية ونشاطا. اخبرتني أنها مسكونة برغبة الذهاب إلى الشيلي. ويستطرد  قائلا: فسألتها هل تعرفين بابلو نيرودا. فكان ردها بالنفي. ثم يردف: وغبريلا مسترال. ولا هذه أيضا. فيجيب عن سؤاله قائلا: إن قبريهما في الشيلي متقاربان وقد نالا جائزة نوبل للأدب. فيقول جون دانيال. لقد ردت الفتاة علي قائلة: وما الفائدة من معرفتهما؟ فرد عليها قائلا: إن الأمر بسيط جدا، فروح الشعوب التي تبحثين عنها في الشيلي لم يصفها سوى الأدباء. فالأدب هو ربورتاج صحفي يذهب إلى أبعد من الربورتاج. فإذا اردت ان تكوني صحفية فيجب عليك قراءة ما يكتبه الأدباء.                                                                           أعرف أن الكثير من الصحافيين لا يشاطرون هذا الرأي. ويشاركهم في ذلك عدد غير قليل من الذين يسعون، جاهدين، ليصبحوا صحافيين في المستقل.إنهم يعتقدون أن السياسة هي الوجه  الآخر للاعلام وليس الأدب. وعلى الصحافي أن يكون سياسيا قبل أن يكون صحافيا.

إنني اتفهم جيدا وجهة النظر هذه. فهي ثمرة عدة عقود من الزمن رسخها تكوين الصحافيين الذي اغتصبته العلوم السياسية وشرعته الحرب الباردة. فرسخت لدى الجميع الفكرة  التي مفادها أن وسائل الإعلام أبواق دعائية لا غير. وربما لم تتحرر من هذه الفكرة لحد الساعة. بل حتى أصحاب القرار السياسي تبنوا وجهة النظر هذه لأنهم لا ينظرون  إلى وسائل الإعلام إلا من ” خرم” السياسة. لذا لا يولون اي اهتمام سوى لنشرة الأخبار التي يبثها التلفزيون والتي يريدونها أن تكون مرآة لصورهم، وصدى لصوتهم. أما مدة البث التلفزيوني الباقية فلا تهمهم. ويتجاهلون أن جمهور المسلسلات والأفلام الوثائقية والربورتاجات الصحفية يتعدى جمهور نشرة الأخبار بالملايين. ويمكن الإشارة في هذا المقام إلى أن النقاد عللوا اخفاق رئيس الحكومة الفرنسية السابق “دنيال جوسبان” في الانتخابات الرئاسية الفرنسية أمام منافسه الرئيس جاك شيراك برفضه المشاركة في البرنامج التلفزيوني الذي يعده ويقدمه النجم التلفزيوني”ميشال دروكير” والذي يجمع بين السياسة والثقافة والتاريخ والموسيقى والإعلام. وحتى وإن وجدنا في هذا التعليل نوعا من المبالغة التي تضخم الدور السياسي للتلفزيون فإنها تؤكد، على الأقل، ما أصبح جليا: إن الجمهور لا يتصور أن التلفزيون حزب سياسي.

قد يحتج البعض بالقول ان الكتابة الصحفية  تختلف كليا عن الأدب في الشكل والمحتوى. والصحافي لا يملك الحرية التي يتمتع بها الأديب سواء في مضمون ما يكتبه أومدة انجازه و حجمه. وهذا أمر لا خلاف حوله لكن الأدب يزود الصحافيين بمعرفة أعمق للبشر وعلاقاتهم ببعضهم البعض، ويغوص بهم في أعماق المجتمعات، ويشحذ وعي الشخص بإنسانيته التي حرمته منها السياسة. وحولته إلى مجرد أداة تحركها ألة الانتخابات.

إن من أوصى الفتاة المذكورة أعلاه يبلغ الرابعة والتسعين من العمر. سلخ أكثر من ستين سنة منه في العمل الصحفي كاتبا للافتتاحيات التى يعتقد البعض أنها بعيدة كل البعد عن الأدب. إنه يبدد هذا الاعتقاد بالقول إنه لم يفصل أبدا الصحافة عن الادب ولا عن التاريخ والفلسفة. فكتابته تفيض بأفكار الفلاسفة وأقوال أبطال الروايات والصور الشاعرية التي تريد الارتقاء بفكر المجتمع، وبه تسمو الممارسة السياسية المفعمة بالحياة. فعندما حل هذا الصحافي بالبرتغال دعاه الكاتب البرتغالي الكبير انطونيو لوبو انتين، إلى بيته. وأدخله مكتبته. فأظهر له كل المقالات التي نشرها في مجلة ” لكسبرس” عن الثورة الجزائرية طيلة سنواتها السبعة مجلدة! وخاطبه قائلا: كنا ننتظر مقالك كل أسبوع وكأننا ننتظر فصلا جديدا من رواية. إنها رواية الحرية والكفاح ضد الاستعمار. الرواية التي الهمت ثورة القرنفل التي اندلعت في أفريل 1974 لتطيح بديكاتورية سالازار الذي حكم البرتغال منذ 1933.

نشرت في صحيفة الخبر : 12/2/2015

عتبات كلام : لا تصدّقهم يا عَمّ “بيل”

 ما عساني أقول وأنت تسألني عن الهاتف الذي اخترعته في 1876؟ هل أقول لك إنه لم يبق منه سوى كلمة “ألو” “Allo” بعد اختراع الهاتف الذكي؟ عفوا، لا أريد أن أبخس اختراعك، لأنك أنت الذكي وليس هاتفك. أما نحن فقد تحولنا إلى أغبياء، بعد أن أوكلنا ذاكرتنا إلى شريحة الهاتف الذكي الرقمية، فامتلكت الكثير من حياتنا. فلم نعد نتواصل عبر هذا الهاتف فقط، بل أصبحنا نتخاطب بالنص، ونلتقط الصور ونتبادلها، ونعرف الوقت، ونطلع على حالة الطقس. وبفضله غدونا نبحر في الطرقات، ونلج المكتبات، ونتصفح الصحف، ونستمع للإذاعة، وننتقي الموسيقى، ونشاهد مقاطع الفيديو، ونتسوق، ونحجز تذاكر السفر في شركات الطيران وغرفا في الفنادق، ونراقب حركة حسابنا البنكي، ونلهو بالألعاب الإلكترونية. إنه منبهنا من النوم، ومنظم أجندة نشاطنا! فهل تحسدنا على ما نحن عليه أم تشفق علينا؟
أعرف يا عمّ “بيل” أنك تَوَصَّلَت إلى اختراع الهاتف لحبك الشديد لوالدتك التي فقدت حاسة السمع في شبابها اليافع، ولزوجتك الصماء. فاتجهت إلى تدريس الصم البكم الذين فتحوا لك آفاقا لدراسة علم الصوتيات، والبحث عن كيفية انتقال الصوت بين البشر. وهكذا أدركت أن الشحنات الكهربائية يمكن أن تنقل صوتنا. فهاتفك كان عربون مودة للغير لتسمعهم وهم يتحدثون. أما هاتفنا الذكي فقد قبر هذا الحب. فأصبحنا نتبادل الرسائل النصية القصيرة في المناسبات والأعياد بدل الزيارات. بل أضحينا نؤلف الكتب بالرسائل النصية القصيرة! وإن لم تصدقني فاسأل الكاتب “فيل مارسو” الذي ألف أول كتاب بهذه الرسائل في 2004. إننا نخشى أن نصبح مثل الذين كنت تدرسهم بعد أن تحل السَبَّابَة محل الشفاه. هذا إن لم تتحول عن الكتابة إلى التصوير، كما حولها طلاب الجامعات الذين أرهقهم نقل الدروس فصوروها بهواتفهم. إنها الخشية التي حدت بالخبير في وسائط الاتصال والمبتكرات التكنولوجية، داميان دواني، إلى وصف الهاتف الذكي بأنه غير إنساني، لأنه سيستغني عن الكلام!
ولتوضيح ذلك يسوق المثال التالي: عندما أتيه في البحث عن عنوان ما في شوارع المدن الغربية الكبرى، أسأل أحد المارة عنه. فلا يكلف هذا الأخير نفسه أي عناء، سوى كتابة العنوان المطلوب في هاتفه الذكي، ويرفع الشاشة أمام نظري، حتى أرى خريطة الطريق المؤدية إليه. ولا يَنْبِس بِبِنتِ شَفَةٍ. هذا إن لم ينظر إلي باندهاش، متسائلا في سره عن الكوكب الذي نزلت منه وجُرد قاطنيه من الهاتف الذكي.
أعرف يا عمّ “بيل” أنك رفضت تَوْصِيل الهاتف بمختبرك، لذا أعتقد أنك ستضحك بملء شدقيك إن أخبرتك أننا أصبحنا نعاني من مرض، بل من رهاب وُسم بـ “نموفوبيا”. وهي كلمة مشتقة من اللغة الإنجليزية، ويقصد بها حالة الذعر التي تنتاب الإنسان في حالة وجوده دون هاتفه، سواء لفقدانه أو نسيانه أو لنقص تغطية شبكة الاتصالات، أو عدم وجود رصيد فيه. لكنني لا أعرف هل ستضحك منا أو علينا لأننا لا نعاني من هذا الرّهاب فقط.
لا تصدق ياعم “غرهام بيل” كل ما يقال عن الهاتف الذكي. فأحدهم، ويبدو أنه من أتباعك، ادعى أن هذا الهاتف قضى على أهم ما أتاحه هاتفك، وهو الفنتازيا. إذ يزعم أن التطبيقات التقنية التي يتضمنها الهاتف الذكي جعلت الحياة مرتبة بدقة، ورتيبة إلى حد الممل. إنه يطلب منك اتباع إرشادات خريطته حتى يقودك إلى المكان الذي تقصده، ويعلمك بأن الجو ممطر فتحتاط لذلك. ويذكرك بمواعيدك اليومية. لقد قضى، بالمختصر المفيد، على ما هو تلقائي وغير منتظر. لا تجزع إن أخبرتك أن هذا المدعي لا يقيم بين ظهرانينا، لأن حياتنا فاضت بالمفاجأت، حتى ونحن نعيش في كنف هذا الهاتف، بدءًا بالاكتظاظ في حركة السير وحوادثها المروعة، إلى الحفر التي تتمدد في شوارعنا وتتعمق، وصولا إلى الطوابير التي لا تكف عن الانتفاخ أمام المرافق العامة، دون ذكر مكر بعض التجار، ناهيك عما هو أعظم، حتى غدا هاتفنا لا يتحمل المفاجأت!
هل أسأنا استخدام الهاتف ياعمّ “بيل”؟ ربما، لكننا والحمد لله أصبحنا نعرف بعضنا أكثر بفضل الهاتف. وهذا ليس لأنه تحول إلى أداة نشيطة للتجسّس على تنقلاتنا ومحادثاتنا فحسب، بل لأننا أضحينا نتحدث عبر الهاتف عن حياتنا الخاصة في وسائل النقل والإدارات والمتاجر والأماكن العامة. فالهاتف جعل الكل يتكلم، وأرغم الكل على الاستماع إلى ما لا يعنيه!

نشر بصحيفة الخبر يوم 5/2/ 2015

عتبات الكلام: الماضى الذي يرفض أن يمضي

نصر الدين لعياضي

 

شهدت برنامجا في التلفزيون السويسري فأسرني لبعده الجمالي والتعليمي. فقررت أن أحكي لكم عنه حتى لا أحرمكم مما أمتعني.

 يبدأ هذا البرنامج بتصوير عائلة سويسرية من الفئات الوسطى تتكون من خمسة أشخاص: رب الأسرة والأم وولد وبنتين تتراوح أعمارهم ما بين 7 سنوات و11 سنة. ويملك كل ولد غرفة خاصة به رتبها على مزاجه. ويستمتع كل واحد منهم بالعُدّة التكنولوجية المعاصرة: هاتف نقال، ولوح إلكتروني، وكمبيوتر، وجهاز للألعاب الإلكترونية. فبعد أن يقدمهم البرنامج يصور جزءًا من حياتهم اليومية الراهنة بفاصيلها الدالة. ويتفق معدّه مع الأطفال على نقلهم من العقد الحالي إلى الستينيات من القرن الماضي ليطلعوا على الحياة الأسرية التي سادت في ذاك الزمان! ويستعين البرنامج، لهذا الغرض، بممثليّن محترفين ليقوما بدور الأم والأب. ويأخذ الأطفال إلى إدارة الإنتاج في التلفزيون السويسري لتُنْتقى لهم الملابس التي كانت تُرتدى في تلك السنوات. ويركز مخرج البرنامج عدساته على ملامح الأطفال وهم يرتدونها. ثم يسألهم الصحافي عن انطباعاتهم عنها، وهل يمكنهم ارتداءها للذهاب إلى المدرسة؟ فيدلي الأطفال بتعليقات في غاية الفطنة والدعابة تعبر عن اختلاف الأسلوب والذوق في اللباس. ثم ينقلهم إلى الشقة السكنية التي تعد أنموذجا للسكن في العمارات HLM في ذاك الزمان. وتتكون من مطبخ صغير وغرفتين وحمام،  بعد أن أجرى عليها مهندس الديكور التعديلات الضرورية لتتطابق مع أنموذج البيوت السويسرية في ذاك العهد. وقد خلت الشقة من العلامات البارزة التي تميز العصر الحالي: التلفزيون، والأدوات الكهرومنزلية: الغسالة، وغسالة الصحون، ومكواة الشعر، وخلاط كهربائي. ويلاحظ الأطفال، من أول وهلة وباندهاش، ضيق الشقة. فيتململون من اضطرارهم إلى النوم في غرفة واحدة!

وقد أُجبر الأطفال على أكل الوجبات التي كانت تطبخ في الخمسينات تحت تعليمات الأب الصارمة. واللعب بما كان متاحا من ألعاب في ذاك العقد. وفرضت عليهم مراجعة دروسهم جماعيا فوق طاولة الأكل في المطبخ تحت إشراف الأم، ودون الاستعانة بالكمبيوتر وشبكة الانترنت وموسوعة الوكيبيديا. وأجبروا على قضاء عطلة الصيف وفق الإجراءات والطقوس المعمول بها في ذاك العهد. وحتى يعطي المخرج مصداقية أكثر لما صوره قام بتسجيل شهادة امرأة عاشت طفولتها في الستينات في مثل هذه الشقق لتصادق على التفاصيل التي التقطها البرنامج وكانت موجودة في بيت أهلها وعاشتها: مثل الألعاب، ووجبات الأكل الإجبارية، وطقوس الأكل، وذهنية الوالدين وتصرفاتهم داخل البيت.

فبعد أن عاش الأطفال هذه التجربة يسألهم الصحافي أي حياة يفضلون: الحياة المعاصرة أو حياة الستينات؟ فجاءت إجابتهم مترددة ومتعارضة لكنها تفصح أنهم يفضلون الحياة المعاصرة لسهولتها ويسرها ولعدتها الترفيهية والتعليمية والتكنولوجيتة، ولموادها الغذائية. ويميلون، أيضا، إلى حياة الستينات لدفء الحياة الاجتماعية، وترابط أفراد الأسرة، وتعاونهم في إنجاز كل شيء. وينتهى البرنامج بشهادة أستاذ علم الاجتماع الذي يؤكد أن التطور في حياة السويسريين لم يقتصر على الجانب المادي فقط؛ أي العدة التكنولوجية، وتطور العمران، بل شمل، أيضا، نمط المعيشة والقيم والأفكار.

عدت إلى نفسي، بعد هذا البرنامج، ولمتها على انجرارها السريع وانبهارها بكل ما يأتي من الغرب. وتذكرت أن العودة إلى الماضى تلفزيونيا ليست من بنات أفكار هذا الغرب. بل إنها فكرتنا الأصيلة التي نعتز بها. فبعض القنوات التلفزيونية الجزائرية تتفوق على التلفزيون السويسري في هذا المجال دون أن تبذل أي جهد. فالعديد من المواد التلفزيونية التي تبثها تعود إلى الماضى. دع عنك الأسماء والوجوه التي تظهرها لأنها تغيرت، بكل تأكيد، فأصحابها ليسوا سوى ممثلين يقومون بالأدوار التي قام بها الممثلون في برنامج التلفزيون السويسري المذكور. أما الجوهر فقد ظل على حاله. فحتى “السكشات” والأفلام وبعض الأغاني التي تقدمها هذه القنوات التلفزيونية” بعثت من الأرشيف”. ربما الاختلاف الوحيد، يكمن في خطأ الإخراج، ويتجلى في الصور التلفزيونية الملتقطة لبعض الأشخاص وفي يدهم الهواتف النقالة أو تواريخ لوحات ترقيم سياراتهم التي تظهر في الشاشة في بعض الأحيان.

أعرف أن البعض لا يشاطرني الرأي لاعتقادهم أنه يتضمن الكثير من التحامل. فلنقارن إذا  الخطاب التلفزيوني الحالي عن تدهور سعر برميل النفط بالخطاب الذي سجله الأرشيف السمعي- البصري عن الموضوع ذاته.

نشر بصحيفة الخبر يوم 29/1/2015

عتبات الكلام: أبطال قصة الطاولة وضحاياها

نصر الدين لعياضي

 

ليسمح لي الشاعر والناقد التونسي، منصف الوهايبي، أن ألومه على مقاله الذي استعرض فيه أحداث القصة القصيرة الموسومة “الطاولة هي الطاولة”؟ لقد حفزني على قراءتها. ويا ليتني ما فعلت. فرغم أنها من نسيج الخيال الذي يتقاطع مع الواقع، بهذا القدر أو ذاك، إلا أنني اعتبرتها واقعية جدا رغم تتقاطعها مع الخيال. فزعزعت كياتي. والسبب في ذلك أنها دفعتني، أكثر من المرة، إلى التوقف للتفكير بالصوت المسموع وأتسأل: هل أصيب الناس بما أصاب الشيخ بطل القصة المذكورة. لكن ماذا أصابه بالضبط؟

” الطاولة هي الطاولة” قصة قصيرة من تأليف الكاتب السويسري “بيتر بيخسّل” صدرت ضمن مجموعة قصصية للأطفال. نقلها المترجمان كلود ميار ومارك شوير إلى الفرنسية عن اللغة الألمانية في 1971. وتحكي عن شيخ طاعن في السن لا يملك من متاع الدنيا سوى غرفة تحتوى على كرسيين وطاولة، وزَربيّة وسرير وخزانة، ومنبه، وألبوم صور، ومرآة و”وبورتري”. وكان الروتين يستهلك ما بقى له من أيام في دنياه. فحياته التي تعانى من قحط العلاقات الاجتماعية بدأت تتأكل بفعل الوحدة والرتابة والملل. فخاطب نفسه قائلا: إنها الطاولة ذاتها التي تعودت أن أراها، والكرسيان هم ذاتهما، والسرير هو نفسه، والمرآة هي عينها التي لا تتغير. فكر مليا في هذا الأمر الذي يبدو أنه اكتشفه لأول مرة واتّخذ قراره قائلا: لابد أن تتغير كل هذه الأشياء بدءا من اليوم حتى تغير حياتي. وهكذا قرر أن يسمى السرير “بورتري”، والطاولة زَربيّة،  والكرسي منبها، والجريدة سريرا، والمرآة كرسيا، والمنبه جريدة، والزَربيّة خزانة، والصورة طاولة، وألبوم الصور مرآة. وبهذا أصبح الشيخ يعبر عن بداية يومه بالقول، على سبيل المثال: ” نمت فوق “البورتري” إلى غاية الساعة التاسعة، فرنّ “ألبوم الصور”، فاستيقظت ووقفت فوق الخزانة حتى لا تبرد رجلاي.” لقد وجد الشيخ هذا الأمر مسليا فراح يضحك بصوت مرتفع إلى درجة إزعاج جيرانه. فنهروه بدقهم على جدار بيته.

واصل الشيخ تسليته. فاشترى كراسا وقلما وبدأ بتدوّين كلماته المستبدلة. فحفظ الأسماء الجديدة لكل الأشياء المحيطة به والتي تخطر على باله. ونسي في الوقت ذاته أسماءها الحقيقية. لقد امتلك لغته الجديدة.

انتهت هذه القصة دون أن يخبرنا كاتبها هل أن هذه اللعبة المسلية قد أفضت إلى صمت الشيخ الأبدى لأن اتصاله بالغير قد توقف بفعل تعطل الكلمات التي استبدل معانيها أو المعانى التي غير كلماتها. بيد أنه دعا القارئ إلى القيام بالتجربة ذاتها والسعي إلى تغيير معان بعض الأشياء بعد استبدال مسمياتها.

لست أدري عزيزي القارئ ما وقع هذه القصة عليك؟ وأصارحك القول أنها غيرتني كثيرا، ودفعتني إلى التزام الحذر من حديث الغير. حيث يتخيل لي أن بعضهم إما تقمصوا دور الشيخ المذكور أو لبوا دعوة الكاتب “بيتر بيخسّل” وخاضوا التجربة ذاتها التي قام بها بطل قصته. فعندما استمع إلى أحدهم يتحدث عن “الانتخابات” و”اليمقراطية” و”حرية التعبير” أو”الحزب السياسي” أو “البرلمان” أو التلفزيون” أوالصحيفة، و… أتسأل هل يقصد بها ما هو معروف ومتداول لدى العامة أو أنه خصها بمعان مختلفة لأنه استبدل مسمياتها.

أعتقد أن القصة المذكورة لا تطرح مسألة لسانية محضة، بل تثير قضية ثقافية وسياسية. فحظ هذا البطل أنه عاش في مجتمع قد يحكم عليه بالصمت الأبدي لأنه لن يجد من يفهم كلامه. لكنه لو عاش في مجتمعنا سيفهم، وربما يجد من يصفق له إعجبا ببلاغته! والسبب في ذلك ليس لأننا شعب نعيش في عالم الاستعارة وبه. وأن كل واحد منا يسعى إلى تحقيق ذاته في الكلام، بل لأن اتصالنا اليومي أو الرسمي ليس صريحا بل ضمنيا. أي أن المعنى في اتصالنا لا يكمن فيما نقوله، بل فيما لا نتلفظ به. إننا نلف وندور حتى يفهم المتصل القصد من حديثنا.

قد يقول قائل أن القصة المذكورة تنطبق على المجتمع الذي صدرت فيه لتبشر بهيمنة اللّغة المخدَّرة و”المصحَّحة” سياسياً. بيد أن من يؤمن بنظرة الكاتب أوجين يونسكو إلى اللّغة يعتقد أن هذه القصة تجسد خصائص اللسان الذي يقول عنه أنه لم يعد وسيطا أمينا لنقل أي شيء على الإطلاق، وإنما أصبح شاهدا من شواهد العبث على وجود قائم. فمنطق هذا العبث جعل بعضنا أبطال هذه القصة والبعض الأخر ضحاياها. والقليل من هؤلاء الضحايا يعي ذلك.

ألم تلاحظ عزيزي القارئ أنني لم أتمكن من الخروج عن منطق الاتصال الضمني الذي يتحكم في ثقافتنا؟

نشر في صحيفة الخبر يوم 22 /1/2015

عتبات الكلام:  السديم الإعلامي

نصر الدين لعياضي

حدثني صديقى، ذات مرة، أنه أُدْخِل إلى المستشفى عندما كان طالبا في الولايات المتحدة الأمريكية من أجل إجراء عملية جراحية لقلبه. وقد شاركه في غرفة التمريض أمريكي في الأربعينيات من العمر، جيء به للمستشفى من أجل استئصال ورم خبيث. لقد كان مصابا بسرطان الرئة، عفاكم الله منه. فنشأت بينهما آلفة فرضتها ظروف المرض، ومساعدة صديقى له في الغرفة على تدبير أمره في المستشفى. وبمقتضى هذه الآفة كان صديقي يتستر عليه أمام طبيبه الذي  يسأل عنه عندما لا يجده في سريره. لقد كان الأمريكي يتسلل من سريره خلسة عن أعين الممرضين ليختلي بنفسه من أجل تدخين سيجارة على عجل! فالتدخين كان محظورا عليه.

حدث هذا بعد أيام قليلة من قصف الطائرات الحربية الأمريكية  لليبيا في 15 أفريل 1986 كرد فعل على الانفجار الذي تعرض له ملهى ليلى في برلين الغربية كان الجنود الأمريكيون يترددون عليه كثيرا. وشنت الولايات المتحدة الأمريكية، على إثره، حربا إعلامية على ليبيا لم تنته إلا في 2008؛ أي بعد أن عوض معمر القذافي أهل ضحايا الحادث المذكور.

لقد كان هذا الأمريكي يسرد لصديقي بعض المقتطفات من حياته المهنية والاجتماعية بين الحين والآخر. وأسر له، ذات مرة، أن أشد ما يفزعه هو أن يصطدم بصورة معمر القذافي عند استفاقته من التخدير بعد إجراء العملية الجراحية! وقد أندهش صديقى مما أسر له به، ليس لكونه عربيا أو منافحا عن سياسة القذافي ومواقفه، بل لاعتقاد زميله الأمريكي الراسخ  أن معمر القذافي يشكل خطرا عليه شخصيا أكثر من مرض السرطان الذي ينهش جسده. لقد نسى همه، ولم ينتبه إلى خطورة العملية الجراحية التي ستجرى له، ولم يفكر في مسار حياته إن كتبت له الحياة بعدها. فكرهه لمعمر القذافي صرفه عن كل هذا.

لا اذكر هذه القصة من باب نكء الجرح الليبي أو تقييم مواقف معمر القذافي أو سياسة الرئيس الأمريكي: رولاند ريغان، فالرجلان الآن أمام خالقهما. وإنما للقول أن صديقي كان يستخدمها كحجة دامغة للتأكيد على جبروت وسائل الإعلام في قولبة التفكير، ودورها في غسيل مخ البشر.

لقد أخبرت صديقي أن هذه الحادثة شاذة. والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه. أي أن هذا الأمريكي يشكل حالة استثنائية أو منفردة. وبالتالي من الصعب التعامل معها كظاهرة اجتماعية أو حتى كحالة متواترة.  وإن اتفقنا مع ما ذهب إليه صديقى فهذا يعني أننا ننفي وجود أشخاص لا يصدقون ما تنشره وسائل. ولا نؤمن حتى بوجود من يشكك في روايتها للأحداث. وبهذا نطعن، بدون حجة علمية، في البحوث التي تؤكد تزايد عدد الأشخاص الذين يتحفظون على ما تنشره أو تبثه وسائل الإعلام إلى درجة أن بعضهم اتجه إلى المواقع الإخبارية والشبكات الاجتماعية الافتراضية للإطلاع على الأحداث. وهذا لا يعني بتاتا أن هذه المواقع الإلكترونية أكثر مصداقية من وسائل الإعلام الكلاسيكية، بل للتحرى حول صحة ما تنشره هذه الأخيرة في بعض الأحيان. وبعضهم لا يكف عن ذكر مثالب وسائل الإعلام التقليدية وما بها من زيغ.

من المحتمل أن يكون هذا الأمريكي مدمن أخبار عبر وسائل الإعلام أو مجرد متابع لها. ومن الممكن، أيضا، أن يكون من الأشخاص الذين لا يتابعونها بانتظام أبدا، بل يتعرض لها بشكل عرضي في أحيان كثيرة. لكن كيف نفسر ما اسر به لصديقي؟ ربما الاجابة يقدمها لنا ” مفهوم السديم الإعلامي ” الذي نحته بعض الباحثين، خاصة عالمة الاجتماع الأمريكية ” دانا بويند”، التي ترى أن الانسان الذي لا يتخذ موقفا سلبيا من وسائل  الإعلام ليس بالضرورة ذاك الشخص الذي يدمن على متابعتها، بل إنه ذاك الذي  يتعرض إلى إنزال من الأخبار والمعلومات من مصادر مختلفة. فالانفتاح على الإعلام المتدفق حولنا يعني التقاط الأخبار في الوقت المناسب إذا كانت هامة وثمينة، وتسلوية وأكثر ثراءً ، فنعيش معها وفيها وحولها. والكثير من الأحيان تقوم شبكة العلاقات الاجتماعية القائمة في حياتنا اليومية بلفت نظرنا إليها أو تعقب عن بعض التفاصيل التي أغفلناها أو توجه فهمنا لها.

نشرت بصحيفة الخبر يوم 15/1/2015  على الرابط:

http://www.elkhabar.com/ar/autres/mousahamat/443648.html

عتبات الكلام: تكنولوجية الاتصال بين الصدمة والذعر الأخلاقي.

نصر الدين لعياضي

هل لنا أن نشكر “مارغريت بال”، الباحثة الاسترالية في شركة “انتل” المختصة في الإعلام الآلي؟ لقد طمأنتنا ضمنيا بأننا لا نشكل استثناءً. فخففت من ذعر الكثير من اطلعوا على البحوث الميدانية التي قامت بها في أكثر من بيئة اجتماعية وثقافية لمعرفة كيف يتبنى البشر المبتكرات التكنولوجية ويدغمونها في حياتهم اليومية. لقد أوصلتها هذه البحوث إلى بناء نظرية اسمتها قواعد الذعر الأخلاقي التكنولوجي. فأكدت أن هذا الذعر يكاد يكون ظاهرة عامة تكتسح كل المجتمعات في العالم بموجب ظهور اختراع تكنولوجي جديد والشروع في استخدامه الواسع. عفوا، ليس كل الاختراعات، بل بعضها فقط. لكن ما هو هذا البعض بالضبط؟ ترى هذه الباحثة أن التكنولوجية التي تثير الذعر الأخلاقي تخضع، بشكل متزامن، لـلقواعد الثلاث التالية: يجب أن تغير علاقتنا بالزمن، ويجب أن تغير علاقتنا بالفضاء أو المكان، ويجب أن تغير علاقتنا بالأخرين. فلو امتثلت إلى قاعدة واحدة دون غيرها لأثارت، حتما، القلق وحتى الحيرة لكن لا تصل قط إلى بعث الذعر في النفوس. ولشرح هذه النظرية يؤكد الصحافي كليف تومسن، من مجلة  “وايرد” الأمريكية أن للتكنولوجية ” اعراض جانبية” قد يضخمها الذعر المذكور. فشبكة الفيسبوك تنمى النرجسية. وكتابة النصوص القصيرة تجعلنا أميين. لكن الطريف أن بعض التكنولوجيات، مثل بطاقة الإتمان البنكي، والتلكس، والفاكس، تغلغلت في شرايين المجتمع دون أن تحدث أي ذعر مقارنة بوسائط التواصل الاجتماعي. فهذه الأخيرة، التي تخضع للقواعد الثلاث، لم تثر قدرا من الخوف أو الذعر لدى عامة الناس فحسب، بل أحدثته حتى داخل صفوة المجتمع. فالفيلسوف اليوناني، سقراط، عبر عن مخاوفه من أن تنهك الكتابة الذاكرة والفنون، ورجال الكنسية لم يعبروا عن خشيتهم من الطباعة لاعتقادهم أنها تعيث فسادا في الدين المسيحي فحسب بل قاوموها. والكاتب الفرنسي المشهور بلزاك كان يرفض أن تؤخذ له صورة لاعتقاده أنها تسلب روحه! ويؤكد الصحافي المذكور أن الذعر قد واكب المخترعات التكنولوجية منذ أزيد من قرن. فما تثيره مواقع الشبكات الاجتماعية من لغو وخوف اليوم قد أثاره الهاتف الذي كان يعتقد أنه يقضى على الحديث وجها لوجه. فالكاتب الأمريكي مارك توين كان يسخر من ثرثرة النساء الجوفاء عبر الهاتف بالقدر ذاته الذي يسخر البعض اليوم مما يتداول في مواقع الشبكات الاجتماعية. والأطرف في الأمر، حسب الصحافي ذاته، أننا أصبحنا نعانى من وطأة الحنين إلى المبتكرات التي أثارت ذعرنا في السابق: اذاعات وتلفزيونات زمان. بل نكاد نضحك على الذعر الذي عبر عنه بعض الكتاب والصحافيين والباحثين من البث التلفزيوني المباشر في منتصف الثمانينات من القرن الماضي.

من المعروف أن مارغريت بال استعارت مفهوم ” الذعر الأخلاقي” من الفيلسوف الفرنسي “ريوان أوجين” الذي استعمله أول مرة في 2004 لوصف القوى السياسية التي تقاوم أي تغيير. وأثار نقاشا ثريا في المجتمع الفرنسي. فعالم الاجتماع الفرنسي ميشال مافيسولي، على سبيل المثال، رأى أن ربط ” الذعر بالأخلاق” هو دمج متضادين. فالذعر حالة من الخوف الجماعي، غير العقلاني والعاطفي، من خطر غير حقيقي لا يستمر طويلا. بينما الأخلاق مجموعة من القواعد العقلانية الراسخة والدائمة التي بخضع لها كل شخص بدراية.

نعتقد أن جذور الذعر التكنولوجي الأخلاقي في بيئتنا الاجتماعية أعمق لأنه يمتد إلى أسس التنظيم الاجتماعي. فهذا التنظيم ظل لعدة قرون قائما على الجماعة. فهذه الأخيرة شكلت القوة المرجعية للتفكير والسلوك والضبط الاجتماعي. ومع التحولات السريعة التي يعيشها المجتمع  تضعضت مكانتها وبدأ الفرد يسعى لفرض ذاته وتحقيق فردانيته. وقد تمكنه وسائط الاتصال الجديدة ذات الطابع الفردي: الهاتف المحمول، والكمبيوتر الشخصي، واللوح الإلكتروني من تحقيق ذلك، بهذا القدر أو ذاك. أي أن زمام الضبط والرقابة الاجتماعية وأدواتهما تكاد تفلت من يد المؤسسات الاجتماعية الكلاسيكية. وهذا الأمر ليس بالهين ولا يولد الصدمة فقط، بل يثير الذعر. كيف لا وهو يحدث انقلابا في أنماط التفكير، والتعليم والتربية وغيرها. ألم تلاحظوا مثلا أن صورة الوالدين قد اهتزت لدى أبناء التكنولوجية الرقمية. فالأباء لم يعودوا بالنسة لأبنائهم مصدرا للمعرفة التي ظلت أداة السلطة منذ قرون؟ ألم تشاهد عزيزي القارئ أن الكثير من الأباء والأمهات يلجأون إلى أطفالهم الصغار لتشغيل هواتفهم الذكية عندما يشترونها أو يفرطون في التودد إليهم من أجل تحمّيل برامج الكمبيوتر وتطبيقاتها في أجهزتهم الخاصة.

نشرت يوم 8 /1/2015  في صحيفة الخبر على الرابط:

http://www.elkhabar.com/ar/autres/makal/442614.html

عتبات الكلام: ماذا فعلت الديمقراطية بلإعلام وماذا فعل الإعلام بالديمقراطية؟

نصر الدين لعياضي

 إنها مفارقة حقا. ففي البلدان النامية والعربية تحديدا، يعتقد الكثير من المختصين في علوم الإعلام والاتصال أن ميلاد الديمقراطية سيعمل على تطوير وسائل الإعلام ويقضي على عجزها. وفي الدول التي رسخت فيها الديمقراطية منذ قرون يتزايد الخوف على هذه الديمقراطية من وسائل الإعلام! لقد كان وهن وسائل الإعلام وقصورها في العديد من البلدان العربية يُبرر في الغالب بنقص حرية التعبير وحتى بانعدامها. فصدّقنا أن هذه الوسائل ستتغلب على ضعفها وتتجاوز نقائصها، بل ستفي بحق المواطن في إعلام كامل ومتنوع عندما تتجسد حرية التعبير، التي كانت مشروطة بالقضاء على الاستبداد والطغيان. لكن ها نحن اليوم نشاهد سقوط وسائل الإعلام في الإسفاف والكذب والتضليل والتطبيل أمام انكماش رقعة الديكتاتورية في أكثر من بلد عربي، وتفكك آلياتها في بعض الأقطار العربية. فأصبح البعض يتحسّر على الماضي الذي كان رجال الإعلام يتحايلون فيه على الرقابة للكشف عن بعض الحقائق ونقد الأوضاع. ويتمنون عودة ذاك الزمان الذي كان النقاش في وسائل الإعلام عميقا فيه ومفيدا رغم محدوديته.

ما سبق قوله لا يعنى بتاتا أن الديكتاتورية خير خادم للإعلام، بل يكشف أن الفكر الذي يربط الإعلام الجيد بالعامل السياسي وحده فكر اختزالي يمارس إسقاطا إيديولوجيا على ظاهرة الإعلام المعقدة، إذ يجعل علاقتها بالسياسة أحادية وسببية؛ أي أن السياسة تملك العصا السحرية لتطوير الإعلام بمفردها. حقيقة لقد منحت الديمقراطية وسائل الإعلام الجرأة على النقد واختراق بعض “الطابوهات”. لكن وجود الديمقراطية في ظل غياب النّاصية المهنية ودون هيئات دستورية وقانونية منظمة لحرية التعبير وحامية لتعددية الرأي وصائنة للحياة الشخصية، تُحَوّل وسائل الإعلام إلى ساحة لنشر الأخبار المضللة المستقاة من مصادر مجهولة، وللمساس بكرامة الأشخاص دون دليل. لذا لا نتعجب إن اختصرت حرية التعبير في بعض القنوات التلفزيونية في “جلب” شخصين أو أكثر إلى الأستوديو وتسخينهم “ليتخانقوا” ويتعاركوا أمام المشاهدين، بينما تقف السلطة تتفرج على هذه “الدوشة” لا تعبأ بسبب خناقهم. ولا تُسْأل ولا تراقب.
وفي الدول التي عمرت فيها الديمقراطية طويلا ورسخت مؤسساتها الدستورية وتجذرت منظوماتها القانونية، غدت وسائل الإعلام قوة تهدد الديمقراطية. فجان ماري كوتيري، الباحث في مركز الأبحاث حول الاتصال والإعلام في السوربون، يعتقد أن البشرية احتفت باختراع التلفزيون، واعتقدت أنه سيخدم الديمقراطية ويعمل على تحقيق التقارب بين الرجل السياسي والمواطن العادي. لكن المسلك الذي سلكه تطور التلفزيون خيب آمالها لأنه أضعف الديمقراطية، وجعل الممارسة السياسية مجرد جمل خاطفة ومقتضبة تجنح نحو التبسيط كأي شعار إشهاري، وغيَّر قواعد العمل السياسي، فأصبحت قيمة السياسي تقاس بحضوره في الشاشة الصغيرة، عملا بمبدأ “إن لم تُر فأنت غير موجود”. وهذا ما حدا بالسياسي إلى التزلف لرجال الإعلام حتى يظهر في برامج الترفيه والتسلية، ليبدو كشخص عادي مثل بقية البشر! ليس هذا فحسب، لقد همش التلفزيون المؤسسات الدستورية المنتخبة، فالبرلمان الذي يمثل إرادة الناخبين لم يعد الهيئة الوحيدة التي تقيّم أداء السلطة التنفيذية، بل شاركته في ذلك كاميرات التلفزيون بشكل أسرع وأكثر قوة.
وبعتقد الباحث ذاته أن “الزمن السياسي” يتطلب وقتا حتى تتجلى نتائجه، بينما يشترط “الزمن التلفزيوني” السرعة الفورية والآنية. لذا لا يكون حكم التلفزيون في عجلته على العمل السياسي صائبا ودقيقا.
قد يدعو التلفزيون الرجل السياسي إلى الأستوديو ويستضيفه في برنامج ما، ويستعجله في الإجابة على أسئلة سريعة ذات علاقة بأحداث بعضها لازال في حالة غليان. فماذا عسى هذا السياسي أن يفعله في ظل غياب أدنى شروط التفكير المتبصر والناضج، والتي ندد عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو بغيابها؟ سيرد على أسئلة الصحافي بالطبع بسرعة، ويقدم إجابات جاهزة مقولبة ضمن التفكير السائد أو العام، ويجتر بالتالي الخطاب الأجوف الخالي من أي معنى. وهذا لا يدل أبدا أن الرجل السياسي مسكين يجب أن يرثى لحاله، لأنه لا يملك سوى أن يكون ضحية التلفزيون، بل بالعكس إنه يدرك ما هو التلفزيون وكيف تطور وماذا يريد من استضافته في الأستوديو. لذا يحاول أن يستثمر هذه الاستضافة ليزيد في رصيد شعبيته. فيندمج في الاستعراض والفرجة التلفزيونية طمعا في أن يصبح نجما، مثله مثل مشاهير الغناء والموسيقى والتمثيل والإخراج والرياضة والطبخ والموضة والأزياء. ألم يقل المخرج السينمائي جون جاك لنبكس إن التلفزيون هو المكان الذي يأتيه مشاهير القومليظهروا أمام الملأ أنهم عاديون، ويأتيه الأشخاص العاديون من أجل أن يصبحوا مشاهير

نشر بصحيفة الخبر يوم 25/12 /2014

الرابط: http://www.elkhabar.com/ar/autres/mousahamat/440499.html

عتبات الكلام: حتى لا نتحدث عن العنف بعنف.

نصر الدين لعياضي

 قرأت قبل سنوات عنوانا بارزا بالبنط العريض في الصفحة الأولى لصحيفة رياضية جزائرية، هذا نصه: اليوم في الحراش ما يفريهاش الكلاش”؛ أي إذا لم ينتصر فريق اتحاد الحراش لكرة القدم ، اليوم ، في أرضية ملعبه سيعجز الكلاشيكنوف عن حسم المقابلة ” الرياضية”! وكنت أعتقد، عن سذاجة طبعا، أن الصحيفة المذكورة ستعيش أحلك أيامها في المحاكم لأن الدعاوى القضائية سترفع عليها من كل فج عميق: من السلطات العمومية، ورؤوساء الأندية الرياضية، ولجان أنصار الفرق الرياضية، واتحاد الصحافيين، وغيرهم، بتهمة التحريض على استعمال العنف وتبريره. لكن لا شيء من هذا القبيل حدث.

واليوم لا يسعنا سوى أن نحمد الله على عودة الوعي للجميع بالخطر الذي يداهم الرياضة الجزائرية بعد مصرع اللاعب المحترف الكميروني “أبرت إيبوسي”، رحمة الله عليه، الذي كان يلعب في نادى شبيبة القبائل. فبعض وسائل الإعلام العمومية تحركت بمعية بعض جمعيات المجتمع المدني للتنديد بالعنف في الملاعب الرياضية، وبعض المواطنين شعروا بمسؤولياتهم فنظموا مسيرات للتنديد بالعنف الذي بدأ يثكل كرة القدم.

إن سذاجتى الأولى تمنعني من التصديق بأن العنف نبتة غريبة لا تنبت سوى في ملاعب الرياضة ومدرجاتها. وأن الرياضة توجد في جزيرة معزولة عن المجتمع. فالوقائع تبيّن، حتى لمن لا يريد أن يصدق، أن العنف تغلغل في حياتنا اليومية. فالمدرسة ليست في منأى عن العنف الذي يدفع الأطفال والمعلمون ثمنه. والمستشفيات لم تنج، هي الأخرى، من العنف. فالأطباء والممرضون أصبحوا عرضة للضرب والتعنيف من قبل أولياء بعض المرضى أو أصدقائهم أو حتى من قبل المعتدين الذين يريدون إنهاء حياة من اعتدوا عليهم لكن الأطباء والممرضين تدخلوا لمنع ذلك! وتزايدت حالات العنف داخل الأسرة ، كما تؤكده الإحصائيات التي تنشرها بعض الجمعيات ذات النفع العام، بين الحين والأخر. ويمارس، في الغالب، ضد النساء والأطفال القصر. وقد طال العنف الشارع والأحياء السكنية. فالملاسنة بين جارين أو قاطنين بالحي ذاته تتحول إلى معركة طاحنة تستخدم فيها الأسلحة البيضاء وكأن الناس كانوا على أهبة الاستعداد لخوضها، وفقدوا صبرهم في انتظار من يشعل فتيلها. وحتى السيارات أصبحت تساق بعنف تعجز نظرات السائقين العدوانية عن إخفائه.

ليس هذا فحسب، بل يجب الإعتراف بأن حياتنا السياسية أصبحت تحتكم إلى العنف. فالخلاف في وجهات النظر بين المناضلين في الحزب الواحد أصبح يحسم بالسلاح الأبيض! لقد غابت قوة الحجة وحلت حجة القوة في العمل السياسي. وحتى بعض المساجد التي كانت مدرسة ” جادلهم بالتي هي أحسن” تحولت إلى حلبة لاستعراض العضلات لحسم الاختلاف في الرأي أو المشورة. سنقف عند هذا الحد من استعراض مسارح العنف، لأن الاسترسال في عدها يظهر لنا أن وراء كل عنف عنف أعنف منه. وأنه أصبح الوسيلة الوحيدة للنضال، وإدارة الشأن العام، والحوار، بل أداة تعبير!

إننا لا نمارس جلد الذات في استعراض مظاهر العنف في حياتنا اليومية بل نرفع الغطاء عما يعتمل داخل المجتمع الجزائري، والذي تتحمل وسائل الإعلام جزءا من المسؤولية عنه. والعنوان الصحفي المذكور أعلاه خير دليل على ذلك. فمثل هذه العناوين والمقالات والصور النازفة دما التي تنشرها الصحف أو تبثها القنوات التلفزيونية الخاصة لا تروم إعلام الجمهور بما يجري، بل تسعى إلى الإثارة والتهويل من أجل رفع مبيعاتها أو زيادة عدد مشاهديها. ففي كثير من الأحيان يكون الميت فارا والمندَب كبير. فحتى النقاش في بعض القنوات التلفزيونية الخاصة حول شتى المواضيع ” يُسخن” ليغدو عنيفا من أجل جذب أكبر عدد من المشاهدين. هذا دون أن نعفى بعض وسائل الإعلام العمومية التي تحاول، بمختلف السبل، التستر عن هذا العنف وفاعليه حتى توحي أننا في بلد لا يأتيه العنف مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ. وإن عجزت عن إخفاء بعضه فتنسبه إلى شرذمة صغيرة من الشباب الطائش وترى أن القضاء عليه يسيرا لأنه أمني فقط.

حتى لا نصل إلى درجة الحديث عن العنف بعنف يجب فتح النقاش عنه مع أهل الاختصاص الذي سيلفتون نظر ذوي الألباب في وسائل الإعلام والسياسة إلى أن معالجته الأمنية غير كافية. والاكتفاء بها سيدفعه للتفاقم. فبناء مجتمع أصعب من بناء دولة. وعلماء الاجتماع يؤكدون أن المجتمع الذي يخلو من الوساطة Médiation الاجتماعية والثقافية والسياسية  والمحروم من فضاءاتها الحرة المختلفة والمتنوعة يصبح حشدا، أي ” غاشي” فقط.

نشر في صحيفة الخبر الجزائرية على الرابط:

http://www.elkhabar.com/ar1/autres/mousahamat/439389.html

عتبات الكلام: الأخطاء السبعة

نصر الدين لعياضي

اعتذر للقراء الشباب لأنه ليس لى ما أقدمه لهم اليوم. لقد أرتأيت أن أخذ بخاطر المسنين والكهول وأعرض عليهم ما عوّدتهم عليه صحف زمان. وأواسى حنينهم إلى السنوات الخوالى؛ أي الستينات والسبعينات، والمنتصف الأول من الثمانينات من القرن الماضي. لقد كانوا ينصرفون إلى صفحة المنوعات والتسلية عندما لا يجيدون ما يقرأونه في الصحف التي تشابهت إلى حد بعيد بحكم المناخ السياسي الذي ساد في تلك السنوات. وكانت صفحة المنوعات والتسلية تنشر، في ذاك الزمان، رسمين كاريكاتورين متطابقين مع بعض التفاصيل الطفيفة المختلفة. وعلى القارئ أن يكتشفها. وقد حملت هذه اللعبة تسمية ” الأخطاء السبعة” ويسميها الأخوة في المشرق العربي” الفارق في الوجوه”. وقد كان الكثير من كهول اليوم والشيوخ يجدون متعة في ممارسة هذه اللعبة. والسبب في ذلك لا يعود لكونها تمتص فائض وقتهم فقط، بل كانت تشحذ قدراتهم على الملاحظة أيضا. وحتى أساهم في تنشيط هذه القدرات، التي من المحتمل أن تكون في حالة إرتخاء بحكم تقدم السن، أدعوهم إلى ممارسة هذه اللعبة مع تعديلها قليلا لتواكب تطور المجتمع.

ربما ما لا يعرفه الكثير من القراء الكرام أنني لا أجيد رسم الكاريكاتور، بل لا أعرف أصلا كيف أرسم. لذا فضلت أن يكون اكتشاف ” الأخطاء السبعة” في نص قانوني صادر في بلدين إفريقين، أو بالأحرى في مادة قانونية واحدة تتعلق بتشكيلة سلطة ضبط السمعي البصري.

تنص المادة المذكورة في البلد الأول على ما يلي: تتشكل سلطة ضبط السمعي البصري من تسعة (9) أعضاء يعينون بمرسوم رئاسي. خمسة (5) منهم يختارهم رئيس الجمهورية وعضوين (2) غير برلمانيين يقترحهما رئيس مجلس الأمة، وعضوين (2) غير برلمانيين يقترحهما رئيس المجلس الشعبي الوطني.  وتشترط المادة 57 أن يتم اختيار أعضاء سلطة السمعي البصري بناء على كفاءتهم وخبرتهم واهتمامهم بالنشاط السمعي البصري يعينون لمدة 4 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، علما أن العضوية في هذه الهيئة تتنافى مع كل عهدة انتخابية وكل وظيفة عمومية، وكل نشاط مهني، أو كل انتماء لهيئة قيادية لحزب سياسي.  ويمنع على كل عضو فيها ممارسة نشاط ذي علاقة بالسمعي بصري خلال السنتين التاليتين لنهاية عهدته.

وتنص المادة ذاتها في قانون البلد الثاني على ما يلي:  يتشكل المجلس الوطني لضبط السمعي- البصري من تسعة (9) أعضاء يعينون بمرسوم رئاسي، منهم رئيس المجلس، وعضو من الحركة الجمعوية النسوية، وعضو من الممتهنين في قطاع الاتصال السمعي- البصري، وعضو من قطاع الفنون، وعضو من الوسط الأدبي، وعضو من الأساتذة الجامعيين، وعضو من حركة حقوق الإنسان، وعضو من المجلس الوطني للشباب، وعضو من جمعية المسنين.  ويشهد لهم كلهم بالكفاءة. ويتم تعيينهم لمدة ست سنوات غير قابلة للتجديد، ولا يمكن اقالتهم. ولا متابعتهم قضائيا ولا مقاضاتهم أو سجنهم لما قاموا به أو أدلوا به من آراء في أثناء أداء وظيفتهم.

إذا، المطلوب من كل مشارك أن يحاول اكتشاف الأخطاء السبعة في المادتين وذكر اسم البلدين. وتمنح الصحيفة لكل فائز جائزة تتمثل في عشر نسخ من  قانون السمعي- البصري في البلدين المعنين. وحتى لا تحمّل الصحيفة كل مشارك تعب سؤال صديق أو الاستعانة بشبكة الانترنت تحليه إلى النص المرجعي الذي اقتبس منه المشرع في البلدين المادة المذكورة.  قد يلاحظ القارئ الكريم أنني استعملت كلمة اقتباس لأن الكلمة مسؤولية. ولم أذكر كلمة ” النقل”، ولا مصطلح ” التناص” الذي يفضله نقاد الأدب، ولا حتى ” تداعي الخواطر” الذي يعد حالة لا شعورية. فسلطة الضبط هيئة معنوية ولا يمكن أن تقودها نزوات اللاشعور.

والنص الذي اقتبس منه المشرع المادة القانونية المذكورة يضبط تشكيلة المجلس كالتالي:  يتشكل المجلس الأعلى لسمعي- البصري من (9) تسعة  أعضاء يعينون بمرسوم رئاسي. يعين رئيس الجمهورية (3) ثلاثة منهم، ويعين رئيس الغرفة الأولى في البرلمان (3) ثلاثة  أعضاء، ويعين رئيس الغرفة الثانية (3) ثلاثة أعضاء. ويجدد ثلث الأعضاء كل سنتين باستثناء رئيس المجلس.

أخيرا، لا يسعنا سوى التمنى لكل متسابق الفوز. ولمن أراد أن يعرف اسم البلد الذي أصدر النص القانوني المرجعي واقتبست منه قوانين السمعي- البصري في العديد من الدول الإفريقية يمكن الإشارة إلى أنه البلد ذاته الذي شرع منذ 15 نوفمبر 2013  في تقليص عدد أعضاء هذا المجلس، تدريجيا، ليصبح سبعة بدل تسعة أعضاء. والسؤال الخارج عن اللعبة هو كالتالي: هل سيعيد المشرع في البلدين المذكورين النظر في عدد الأعضاء المنصوص عليهم في المادة  المذكورة؟

نشرت بصحيفة الخبر يوم 4/12/2014 على الرابط

http://www.elkhabar.com/ar/autres/mousahamat/437151.htm

عتبات الكلام: عن أي حياة شخصية يتحدثون؟

نصر الدين لعياضي

 

إن الفضل في إثارة موضوع خطر تكنولوجية الاتصال الحديثة على ” الحياة الخاصة” أو الخصوصية لا يعود لإدوارد سنودن، المتعاقد التقني وعميل وكالة المخابرات المركزية. فكل ما فعله هذا الأخير أنه طرح مسألتين أساسيتين على الملأ، الأولى تتعلق بشرخ الثقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين. والثانية ترتبط بالعلاقة بين الأمن والحرية. وهي قضية معقدة ذات طابع فلسفي تضع المرء أمام خيرين: التمتع بحريته على حساب أمنه أو التمسك بأمنه على حساب حريته. هذا رغم أن البعض يعتقد أن الخيارين يجحفان بهذه العلاقة التي لا تتضمن الإقصاء؛ بمعنى أن وجود الحرية لا ينفي الأمن أو العكس.

إن المساس بالحياة الشخصية مسألة قديمة ارتبطت بنشوء الصحافة وتطورها وتقنين نشاطها لكن النقاش حولها احتد بظهور شبكة الانترنت والجيل الثاني من “الواب” تحديدا. فالصحافي الفرنسي المختص في تكنولوجية الاتصال الحديثة، “جون مارك مناش”، صعد من حدة هذا النقاش في الكتاب الذي اصدره بعنوان “هل الحياة الخاصة أصبحت مشكل المسنِّين الأغبياء”؟ والكتاب عبارة عن عمل صحفي استقصائي عبر فيه الصحافي عن إنشغاله العميق بالأضرار التي تلحقها تكنولوجية الرقابة بحياتنا الخاصة وحريتنا. وقد انخرط في هذا النقاش العديد من المختصين والمستثمرين في مجال تكنولوجية الاتصال الحديثة. فمؤسس موقع شبكة الفيسبوك” مارك زوكربرغ أكد، قبل سنوات، أن مفهوم الحياة الخاصة  تجاوزه الزمن! وقد سانده في ذلك الكثيرون بحجة أن جيل الانترنت لا يتحفظ في الحديث عن حياته الخاصة مثل الأجيال السابقة. فالمحامي الفرنسي الشباب المختص في تكنولوجية الاتصال، هيغو روي، كتب في مدونته ما يلي: لقد تغير سلوكنا اليوم فأصبحنا نميل إلى تقاسم كل شيء، وإظهار كل شيء، ونشر كل شيء، إذ يبدو أن جيلي تجاوز عقدة  الحياة الخاصة والحميمية. وهذا يتجلى بوضوح في مواقع الشبكات الاجتماعية. ويرى أن موقع  شبكة ” اليوتوب”  مثلا يركز على توزيع شرائط الفيديو؛ أي على المضمون الذي يتداوله مستخدموه، بينما لا يركز موقع الفيسبوك على مضمون ما يُبث بل يهتم، أكثر، بالأشخاص الذين قاموا ببثه أوتفاعلوا معه. وهذا الأمر يدفع المرء إلى التخبط في نوع من المفارقة. فمن جهة يشتكى من قيام مواقع الشبكات الاجتماعية بانتهاك حياته الخاصة، ومن جهة أخرى يستعرض تفاصيل حياته هذه في هذه المواقع، ويبحث عن أدق التفاصيل في “بروفيلات” من يرضى بهم أصدقاءً افتراضيين! فالحديث عن حماية الحياة الشخصية في هذه الحالة ينتفي. فالذي يبوح بــ “أسراره” الشخصية في الفضاء الافتراضي أمام أشخاص لا يعرف عنهم سوى الاسم، وقد يكون منتحلا لا يحق له أن يشتكي من إنتهاك حياته الخاصة إلا إذا أراد أن يكون مثل تلك الفتاة التي ذهبت إلى مركز الشرطة تشتكى من سلوك جارها العازب زاعمة أنه يتحرش بها. فأستجوبت الشرطة الجار دون جدوى لأنه أنكر التهمة جملة وتفصيلا. فعطف رجال الشرطة على الشاكية  وانتقلوا إلى بيتها. وراحوا يراقبون الجار من النافذة وهو في المطبخ يُعد وجبة عشائه. فلم يروا أي مظهر من مظاهر التحرش. فطلبت منهم الشاكية الركوب فوق الكرسي ليروا ما يفعله. فشاهدوه مرتديا تُبّانا! فسألها أحدهم: إذا كان منظره بالتبان يزعجك فلماذا تصعدين فوق الكرسي لرؤيته؟

إن مفهوم الحياة الخاصة يختلف من ثقافة إلى أخرى. فوسائل الإعلام الأمريكية بثت صور الأشعة للرئيس الأمريكي السابق رولاند ريغن وهو في فراش المرض. ولم يحتج أحد على هذا البث باسم حماية الحياة الخاصة، بينما منعت العدالة الفرنسية توزيع كتاب ” السر الكبير” الذي ألفه طبيب الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران و كشف فيه عن معانته مع المرض ليس بسبب إفشاء السر الطبي فقط، بل بسبب المساس بالحياة الخاصة أيضا. وهذا  يعنى إن إدراك المجتمعات للحياة الشخصية مسألة ثقافية.  فمن المحتمل أن يكون جارك أو أحد سكان الحي الذي تقطنه يعرف عن حياتك الشخصية الكثير: إخوانك ونشاطهم المهني وحتى رواتبهم ونسباؤهم، والمبلغ الذي اقترضته من أجل شراء سيارتك، واسم  الشخص الذي ينوي طلب يد أختك وسنه ومهنته، وسبب خلافك مع فلان أو علان! والغريب في الأمر أن لا أحد يرى في كل هذا انتهاكا لخصوصيتك. أتوقف عند هذا الحد حتى لا يسألني أحد القراء الكرام قائلا: ما قيمة الحياة الخاصة في زمن استرخص البعض حياتهم فراحوا يبحثون عن الموت بغباء في الشوارع لعدم احترامهم قانون المرور؟ وما معنى الحفاظ على الحياة الخاصة للذين لا حول لهم ولا قوة في الحفاظ على حياتهم؟

نشر بصحيفة الخبر يوم 24/11/2014

عتبات الكلام: درس في محاربة “الشللية”.

نصر الدين لعياضي

في الوقت الذي تعيش فيه القنوات التلفزيونية قحطا ثقافيا بدرجات متفاوتة. وتلفظ فيه البرامج الثقافية الكبرى أنفاسها تباعا ينمو السؤال التالي: كيف ندفع بالثقافة لتستعيد مكانتها المفقودة في مملكة التلفزيون؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضى طرح سؤال أخر: كيف تمكنت الثقافة من كسب مكانتها المرموقة في التلفزيون في الماضي رغم اتهامها، عن حق أو دونه، بأنها نخبوية؟ بهذا السؤال اتجه بعض الفرنسيين الذي استبد بهم الحنين لماضى الثقافة ” التلفزيوني” إلى”برنار بيفو”. وهو أحد صناع مجد هذا الماضى، وصاحب البرنامج الموسوم بـــ “أبوستروف” الذي عمر عقدا ونصف من الزمن. وتحول إلى مؤسسة أدبية وثقافية مرموقة تمنح صكوك الاعتراف بالكتابة الأدبية لكل من شارك فيه. وتجعل الشكوك تحوم حول المكانة الأدبية لكل من لم ينل هذا الشرف. فالكاتب الفرنسي “فيليب دولرم” اعترف أن لا أحد من عائلته ومعارفه كان يعتبره كاتبا إلا بعد أن ظهر في برنامج “برنار بيفو”!

بذكر هذا الأخير أنه كان محظوظا بشكل عجيب لأنه ولج التلفزيون عندما كان وسيلة جماهيرية لا يخضع للقانون المرعب الذي سنه جهاز قياس المشاهدة. يحكم بالإعدام على البرامج التي لا تحظى بنسبة عالية من المشاهدة. ويؤكد أنه بدأ يشتغل في التلفزيون حينما كان عدد قنواته لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وقبل أن يداهمه التغيير. فاليوم من الصعب جدا أن يُترك كاتب يتحدث في برنامج تلفزيوني لمدة خمس دقائق متتالية دون أن  يقاطعه الصحافي، ويتدخل المخرج لتغيير لقطات التصوير. بينما كان ذلك ممكنا في البرنامج المذكور. وقد ظهر هذا البرنامج  وتطور في زمن كان الأديب والأدب يثيران اهتمام الجمهور وفضوله. لكن اليوم خف هذا الاهتمام أو رحل إلى نجوم الرياضية والطهي والفن والمودة.

ونعتقد  أن سر نجاح البرنامج المذكور، كمن، أيضا، في موقف “برنار بيفو” الذي ظل يتعامل مع الكتاب بصرف النظر عن كاتبه. وفي قدرته على طرح السؤال. فالسؤال الجيد، في نظره، هو ذاك الذي يجلب معلومات جيدة.  ويعترف أن السؤال طبع شخصيته إلى درجة اعتقد أنه مصاب بمرضه، إذ ظل يطارده حتى خارج الأستوديو فخشى منه على حياته وعلى الأشخاص الذين يحيطون به لما يسببه لهم من إزعاج. لكن سؤاله كان، في الغالب، منصفا. لا يجامل ولا يهاجم وإن كان قاسيا بعض الشيء. والقسوة لم تكن غبية بل كانت ثمرة اجتهاد، إذ كان يقرأ شخصيا كل الكتب التي يطرحها للنقاش في برنامجه، ويدون ملاحظاته دون الاستعانة بمساعديه. لذا لم يتردد في أن يسأل الدبلوماسي والكاتب الفرنسي: بيار جون ريمي قائلا: هل راجعت كتابك قبل الطبع لأنه يتضمن الكثير من التكرار؟ وسأل الكاتب الفرنسي جاك لنزمان : لماذا أدرجت فصلا كاملا من الرواية التي نشرها قبل عشرين سنة في روايته الجديدة المنشورة حديثا؟ لقد اعتقد هذا الكاتب أن لا أحد ينتبه إلى هذا الأمر! وقد ظل الكاتبان المذكوران يحمّلان برنار بيفو ضعف الإقبال على شراء كتابيهما لأن برنامجه كان يرفع أسهم بعض الكتب والروايات في بورصة القراءة أو ينزلها.

“برنار بيفو” الذي لا يجامل الكتاب ولا يهابهم انتهج سلوكا في حياته عنوانه الحذر، الذي رأه مقدمة لاستقالية الحكم والرأي. لقد كان يعتذر عن تلبية  دعوات ” الولائم” و الحفلات الخاصة خوفا من أن يلتقى”بالصدفة المبرمجة” كاتبا ما نشر روايته منذ أيام قلائل. وهذا يعني أنه لم يكن يصادق الكتاب والأدباء حتى لا يؤثروا في حكمه على إنتاجهم. وهذا في تقديرنا اختيار شاق بالنسبة لصحافي يعيش بالكتاب ومن الكتاب.

يمكن القول، بالمختصر المفيد، أن نجاح برنامج برنار بيفو يعد درسا في محاربة الشللية التي” تجمد” بعض البرامج التلفزيونية العربية وبعض المجلات والملاحق الثقافية. ويشتكى منها الكتاب العرب. فهذا أحدهم عرض خدماته على “شاعرة”، عضو في هيئة تحرير مجلة ذات شنَّة ورنَّة مالية أكثر منها ثقافية. واقترح عليها موضوعا للنشر فأعجبت به. وطلبت منه أن يكتبه في حدود 500 كلمة فقط. ففعل. ثم أخبرته أن مقاله قصير جدا يجب إطالته ليصل إلى حدود 1500 كلمة، فامتثل للطلب.ثم دعته إلى تزويدها بصور للكتاب الذين جرى ذكرهم في مقاله. فاستجاب. لكن الشاعرة رأت أن الصور صغيرة جدا، فطالبته بتكبيرها فلم يتردد. لكن المقال لم ينشر أبدا. وعندما سألته لماذا كلف نفسه كل هذا العناء، فاجأني بقوله لأتأكد، فقط، أن علماء الفيزياء يعجزون عن اخراق نواة الشللية في الإعلام العربي.

نشر في صحيفة الخبر يوم 17 -11-2014

عتبات الكلام: بين النرجسية و”الأناوية”

نصر الدين لعياضي

 استوقتني الجملة التالية: “إن لم تخن الأحداث ذاكرتي” !لقد تلفظ بها أحد المثقفين العرب في حوار صحفي نشر في موقع بشبكة الانترنت. فاعتقدت أنها زلة لسان لأن المرء تعود أن يقول ” أن لم تخني الذاكرة”. لكن بعد أن اتتمت قراء نص الحوار كاملا تأكدت أنه كان يقصد ما يقول.

قد يظن بعضكم أن هذا الشخص يئن من تورم الذات، عفاكم الله منه، لأنه لا يدعى، بل يثق كثيرا في أن ذاكرته. ويؤمن أنها لا يمكن أن تنسى أو حتى تغفو، بل الأحداث هي التي تفعل ذلك! وبعضكم الأخر الذي يتحاشى، عن أدب، أن ينعت الغير بالمرضى،  يرى أنه وقع ضحية   النرجسية التي تعنى ولع الشخص بذاته أو بصورته عن ذاته. ويعود أصل هذه الكلمة إلى الأسطورة اليونانية؛ أي إلى الفتى نرسيس المفتتن بجماله، والذي وقف على حافة بحيرة فخلبته صورته المنعكسة فوق سطح الماء. ولم يبرح النظر فيها حتى وافته المنية فنبتت بجواره أزهار النرجس! لكن أين وجه الغرابة في أن يكون المرء نرجسيا اليوم وتاريخنا الأدبي حافل بصور نرجسية لم يتصورها نرسيس ذاته؟  فهذا أبي العلاء المعري يقول:

إِنــي وَ إِن كـنـت الْأَخـيـر زِمـانـه                     لَآَت بـمـا لــم تَسْتـطـعـه الأوَائـــل.

وهذا أحد اعظم شعراء العرب، أبو الطيب المتني يقول بكل تواضع:

أنا الذي نظر العمى إلى أدبي                        و أسمعت كلماتي من به صمم

لقد وجد البعض عذرا لهؤلاء في قولهم إن الشاعر بطبعه نرجسي. ويمكن تعميم هذا القول على الفنانين. لكن هل أصبح كل الناس فنانين؟ إن وسائل الإعلام المختلفة، التي تحولت إلى منابر للشهرة، فتحت ابوابها للكثير من الناس للحديث عن ذاتهم ومدحها، والإفراط في تجميلها. وأضحت مواقع الشبكات الاجتماعية منفذا لمن يملك إليها سبيلا لإبراز ذاته والتعبير عنها سواء بالصورة أو الكلمة أو الاثنين معا. فتعاظمت ذوات البعض فيها بتزايد عدد المعجبين بما يقولون ويفعلون، وبعدد الذين يتابعونهم عبر موقع شبكة تويتر. ولا يهم إن تحايلوا على التكنولوجية الحديثة ورفعوا عددهم أو اشتروهم لرفع مكانتهم في المجتمع، ولتعزيز إعجاب الغير بذاتهم. وهذا حدا بالعديد من الباحثين إلى وصف مواقع الشبكات الاجتماعية بمملكة النرجسية!

ينبهنا الكاتب السوري “عماد فوزي شعيبي” إلى ضرورة التمييز بين الأناوية ) نسبة إلى أنا( والنرجسية. فالأنا هو معطى طبيعي يظهر مع الولادة ويصبح ذاتا بعد أن تتشكل اجتماعيا؛ أي باكتسابها قيم وعادات وسلوك ومثل. فالأناوية هي التمركز حول الذات؛ أي رؤية الشخص للعالم من خلال نفسه، وتتحول في حالتها المتطرفة إلى مرض. أما النرجسية فليست حب الذات فقط، لأن هذا الحب مطلوب، بل ضروري. فالذي لا يحب ذاته لا يستطيع أن يحب الغير، بل نحب الغير من أجل ذاتنا وليست ذاتهم. لذا فإن ما يذيعه الفنانون ونجوم الرياضة والمودة والطبخ عن ذاتهم لا يعد نرجسية. والأشخاص الذين يدمنون الحديث عن ذاتهم أو يغيرون، باستمرار، صورهم وبروفايلاتهم في مواقع الشبكات الاجتماعية أو يصورون أنفسهم بأنفسهم ويبثون ما يصورونه في مواقع الشبكات الاجتماعية ليسوا نرجسيين، بل يحبون ذاتهم فقط.

فعالم الأمراض العقلية سارج تسيرون يعتقد أن الناس كانوا يحتفظون بهويتهم الوحيدة في المنتصف الأول من القرن العشرين. فالعامل اليديوي يحتفظ بلباسه المميز ويظل عاملا  بزيه حتى وإن قضى سهرة في قاعة الأوبيرا. والبرجوازي يظل في لباسه البرجوازي حتى وإن كان يتنزه في الطبيعة. لكن بعد النصف الثاني من القرن العشرين تغيرت الأمور، وأضحى كل شخص يلبس حسب مزاجه. فقد يرتدى بذلة الرياضة دون أن يكون رياضيا، وبذلة راقية من أشهر الماركات العالمية دون أن يكون ثريا. والكل يعلم أن الأمر ليس سوى لعبة تتحكمها الرغبة في بناء صورة لنا حتى من خلال اللباس. فهويتنا لا تتغير باختيارنا الثوب الذي نرتديه. فعندما نرتدي لباسا ونقف أمام المرآة فنحن لا نريد أن نتنكر، بل نبحث عن سبيل لاكتشاف ذاتنا أكثر. لماذا؟ لأننا نحبها.

ويذهب البعض إلى الاعتقاد بأن حب الذات كان المحرك الأساسي للحضارة الغربية، لكن المشكل في بعض أبناء هذه الحضارة أنهم يحبون أن يكون من يحبونهم مثلهم تماما، وهذه قمة النرجسية، مثلما قال الكاتب البريطاني جورج نورمان دوغلاس إن لم يخن ذاكرتي، عفوا، إن لم تخنى الذاكرة! لقد صدق من قال كلنا نحمل شيئا من تواضع المتنبي.

نشر في صحيفة الخبر يوم 10/11/2014

عتبات الكلام: القفز على الواقع

نصر الدين لعياضي

 ألتقيت بمجموعة من مسؤولي بعض المؤسسات المختلفة المكلفين بالإعلام والاتصال وثُلّة من الصحافيين في دورة تدريبية حول الناطق الرسمي في دولة خليجية. تطرقنا خلالها إلى دور هذا الناطق ومهامه وأداوت عمله المتجددة في ظل تطور التكنولوجية الرقمية، وكيفية تسيير إدارته، وأساليب عمله.

وقبل أن نختم الدورة  ناولني أحدهم وريقة صغيرة  كتب عليها بخط اليد:الرجاء طرح موضوع  الرشوة  في مهنة الصحافة لأنها أصبحت عائقا أساسيا يواجه مهنة الناطق الرسمي. فاحترت كيف أطرح هذا الموضوع الحساس للنقاش دون أن أُشْعر أحدهم بالإحراج. فمجرد ذكر”الرشوة” في هذا المقام يُعد موقفا إن لم يكن اتهاما. فخاطبت المشاركين قائلا : إسمحوا لي ياجماعة، زميلكم في القاعة يريد أن يناقشكم في موضوع حساس أزعجه. واعتبره مشكلا يعيقه عن أداء المهام التي ذكرناها في هذه الدورة. وطلبت من الشخص المعنى التدخل لعرضه فحدثهم قائلا: يا جماعة الخير، إن الغاية من نشاطنا كمسؤولين على الإعلام أو صحافيين هو تحسين العلاقة بيننا وتفعيلها لفائدة الجميع. فالمؤسسة بحاجة إلى تنظيم علاقتها بالصحافة وتوحيد لغتها وتحسين صورتها. والصحافيون بحاجة إلى المساعدة للوصول إلى مصدر الأخبار والمعلومات بيسر، وسرعة الرد على استفساراتهم وأسئلتهم. لكنني لاحظت أن علاقتنا بالصحافيين تزداد تعقدا. فيكفى أنك ” تكرم” أحدهم حتى تفتح عليك أبوابا لا تستطيع سدها. فغيره يريد ” إكرامية” أكثر من الأول. بل أن الأمر وصل إلى حد الابتزاز. فلا يأتيك أي صحافي إلى الندوة الصحفية التي تعقدها دون أن تكون ” كريما” معه. ولا ينشر أي خبر عن مؤسستك دون “إكرامية”. تأفف أحد المشاركين في الدورة من حديث المتدخل، وقال: معذرة يا جماعة، كل ما سمعناه هو مجرد إدعاء فلا أحد يملك الدليل على ما يقول. فالنيل من الصحافة يبدأ، في الغالب، بتشويه سمعة الصحافيين. وهذا لا ينفى وجود بعض ذوي النفوس الضعيفة في أوساط الصحافيين. وأردف صحافي أخر قائلا: اعتقد أن في الأمر نوعا من المبالغة والتضخيم. فكل ما في الأمر أن مسؤولي الإعلام في بعض المؤسسات  يقدمون للصحافيين  محافظ جلدية تتضمن مطويات أو نشريات إعلامية أو إشهارية لمؤسستهم، تارة، وطورا أقلاما أو “فلاش ميموري” ” الذاكرة الخاطفة” و”أيباد” – لوح رقمي في أقصى الحالات. ويمكن اعتبار مثل هذه الأشياء البسيطة هدايا. والهدية لا ترد كما يقال، لكنها ليست، بكل تأكيد، حقا من حقوق الصحافي. والصحافي لا يلام إن اعتبرها حقا. فمن عوده عليها هو الذي يلام. فرد أحد المسؤولين عن الإعلام في مؤسسة  خاصة كبرى على المتدخل الأخير قائلا: أنا اتفهم جيدا وضع الصحافيين، فمعظمهم من ذوي الرواتب الضعيفة. ولا أرى مانعا من مساعدتهم في تحسين وضعهم المعيشى جراء الكتابة عن مؤسستي.  فلا شيء يمنح مجانا هذه الأيام!

توقف النقاش عند هذا الحد قبل ان يحتد ويتحول إلى تبادل الاتهامات. وبعد توزيع شهادات المشاركة في الدورة التدريبية  اقترب مني أحد مسؤولي الإعلام في شركة خاصة وهمس في إذني قائلا: لقد زاغ النقاش عن ما هو أساسي. فسألته عما يقصد بالأساسي، فسحبني من يدى إلى زاوية في القاعة حيث لا يسمعنا أحد، وقال: لقد كنت ضمن هيئة دبلوماسية تمثل بلدى في دولة أوروبية. وكنا نوجه، بين الحين والأخر، دعوات لبعض الصحافيين لزيارة بلدنا قصد الكتابة عنها بإنصاف، على الأقل. ونعلمهم أننا نتكفل بسفرهم واستضافتهم. وكان الرد يأتينا بالرفض، في الغالب، بأسلوب لبق. وقد يرد علينا أحدهم بالقول: أشكركم على الدعوة الكريمة لكن ميثاق شرف مهنتنا يمنعني من السفر والإقامة على حساب الغير. فإذا سمحتم سأتكفل بكل مصاريف الزيارة على أن تساعدونى في إنجاز البرنامج الذي أريده. وواصل محديثى قائلا: لقد كنت أزعل من هذا الرد لأنني قادم من مجتمع يملك عادات وتقاليد الكرم والضيافة. لكن مع احتكاكي بالصحافيين تفهمت رفضهم. واستطرد قائلا: ما ذكر في النقاش موجود في الدول الغربية، بدرجات مختلفة، لكن الصيغة الغالبة هي دعوة الصحافيين للعشاء. لكن بعض الصحافيين ومؤسساتهم في بعض بلداننا تمادوا، إذ يلمحون أو يصرحون لك بضرورة شراء “أمنك” الإعلامي  وإلا سيشوهون سمعتك وسمعة مؤسستك حتى بالزور والبهتان.

انتابني احساس بالشفقة على منظمات الصحافيين التي تقفز على هذا الواقع و”تستورد” مواثيق الشرف من الخارج لا تطبق، وعلى الباحثين الذين يعيشون غربة عن المجتمع. فجهلهم لهذا الواقع يدفعهم لوعظنا بما يجب أن تكون عليه أخلاقيات الإعلام.

نشر بصحيفة الخبر الجزائرية يوم 3/11/2014

عتبات الكلام: إنهم يتحدثون عن العلاقات العامة

نصر الدين لعياضي

كان يحدثنا والدهشة تكاد تشل لسانه. فقال: شاركت في مؤتمر دولي في جامعة عربية حول البيئة والتنمية. فسمعنا جلبة في ساحة الجامعة يعلوها صياح حينما كان أحد المتدخلين يرد على أسئلة الحضور. فبدأ القلق يرتسم على وجوه الحاضرين. وتدافعوا أمام الباب ليروا ماذا جرى. وإذا بطائرة مروحية تنزل من علوها وسط حشد من رجال شرطة مكافحة الشغب. لقد كانوا يرتدون بذلة ” المعركة” حاملين هِراواتهم، ولا تظهر من وجوههم إلا العيون عبر فتحة بلاستيكية. وتمترسوا وراء شاحنة محملة بصهريج لرش المتظاهرين بالماء الساخن، كانت تتقدمهم ببطء. وواصل حديثة قائلا: بدا لي المشهد غريبا لعدم وجود متظاهرين أومثيري الشغب. لقد احتشد بعض الطلبة والأساتذة تحت سقيفة الجامعة ليتفرجوا على العرض. واستطرد قائلا: سألت من يقف بجانبى عن معنى ما أرى. فأخبرني أن ما تشاهده هو مشروع تخرج طالب لنيل شهادة البكالوريوس في تخصص العلاقات العامة! كدت أعتقد أن الأمر لا يعدو أن يكون مزحة. وياليته كان كذلك حتى لا يغتاظ “ليفي لي” في قبره. فهذا الصحافي الأمريكي الذي أسس أول مكتب للعلاقات العامة في 1905 لم يكن يدرى أن تدريسها للطلبة سيختم بما حكى صديقنا. وأن بعض الجامعات العربية لا تقدم لطالب العلاقات العامة سوى ما يمكنه من توجيه دعوة لمؤسسة ما لتنظيم معرضها!

لعل الجميع يدرك أن العلاقات العامة بدأت تتطور بشكل ملفت للنظر في أثناء الأزمة الاقتصادية العالمية في 1929 في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كانت السلطة الحاكمة حينها منشغلة بإحداث نوع من التوافق بين مواقف المواطنين تجاه السياسات التي انتهجتها، خاصة بعد أن تردت صورة المؤسسات الإقتصادية لدى قطاع واسع من الأمريكيين نتيجة توجهها المفرط في زيادة الانتاجية، وتوسيع قاعدة الاستهلاك الجماهيري. فتدخلت العلاقات العامة من أجل تجميل صورتها والحفاظ على نصاعتها على مر الزمن. ولهذا الغرض وظفت مجموعة من الأساليب من أجل تمرير خطابها، وتغيير اهتمامات الجمهور، وبناء العلاقة معه بضمير ومسؤولية. فالعلاقات العامة هي ثمرة عمل دؤوب ومتواصل وديناميكي يدفع إلى تغيير أساليب التعامل مع الجمهور بما يفرضه تطور المجتمع،  وحركية منظومته الاتصالية وثرائها. لذا نلاحظ أن المؤسسات التي كانت منغلقة على ذاتها، مثل الجيش، والكنسية، مثلا، أنشئت أقساما للعلاقات العامة. وقد أضيفت للأقسام القائمة في المؤسسات الأخرى العديد من المهام، مثل رصد التغيرات في البيئة الإعلامية، والاستقصاء عن صورة المؤسسة لدى الجمهور، والسهر على رد الأفعال على التغيرات التي تحدث داخل المؤسسة، و إعداد استراتيجية اتصالية للمؤسسة، وإدارة موقع المؤسسة في شبكة الانترنت، وتأطير صفحاتها في مواقع الشبكات الاجتماعية، وغيرها. لذا نلاحظ أن برامج التعليم والتكوين في مجال العلاقات العامة تتطور بما تتطلبه هذه المهام من كفاءات تقنية وثقافية وفكرية لتتعدى الوعظ المهني والنشاطات اليديوية التي مازالت بعض كليات الإعلام متمسكة بها.

قد يقول قائل إن تدريس العلاقات العامة في بعض الجامعات العربية يعكس حالة ممارستها. فالقائم بالعلاقات العامة في بعض المؤسسات ليس سوى الرديف لقسم التشريفات يستقبل الضيوف والزوار والجمهور ويرافقهم إلى الجهة التي يقصدونها أو التي تملك المعلومات التي يطلبونها في المؤسسة. أو أنه ساعى البريد في المؤسسة يرسل البيانات الصحفية إلى وسائل الإعلام المختلفة، أو مندوب إداري تبعثه المؤسسة لإنجاز معاملاتها الإدارية.

إن كان هذا الفهم للعلاقات العامة في بعض المؤسسات قائما فعلا، فلا يمكن أن يبرر التشويه الذي يعانى منه تدريسها في بعض الجامعات العربية. فالعلاقات العامة كانت سلطة لينة تمارسها المؤسسة لتحسين صورتها لدى الجمهور، وتهندس علاقاتها معه، وستظل كذلك. وليست سلطة خشنة تستعرضها للترهيب، مثلما يبرزها المشهد الذي ذكرناه آنفا. وهذا لا يعني أن جهاز الشرطة يجب أن يستغنى عن خدمات العلاقات العامة، بل بالعكس إن أجهزة الشرطة في بعض الدول استفادت من خدمات العلاقات العامة في مجال إعلام الجمهور، وإقامة حوار دائم معه، وتنظيم حملات التوعية والتحسيس بحوادث المرور والمخدرات والجريمة الإلكترونية. بل حتى الجيش أصبح يستعين بالعلاقات العامة في بناء صورته في المجتمع. لعل القارئ الكريم يتذكر الهجوم الذي شنه الجيش الأمريكي بمساعدة تحالف الشمال على حركة  الطالبان، في شهري أكتوبر ونوفمبر 2001. وغطاه بحملة علاقات عامة واسعة ذات طابع إنساني تمثلت في إسقاط الأغذية والمأكولات من طائرات لإغاثة الأفغان. لقد قام أحد رسامي الكاريكتير بالتعبير عن هذه الحملة بطريقته، فرسم أفغانيا يمسك برِزمة المأكولات ويصرخ: أين “الكيتشب” ketchup أيها “الكفرة”؟

نشر في صحيفة الخبر يوم  27 -10-2014

عتبات الكلام: الاستعارة الجزائرية والذكاء الإصطناعي

نصر الدين لعياضي

“جورج ليكوف” شخصية علمية مرموقة. إنه أستاذ علم اللسانيات الإدراكي في جامعة بيركلي بكاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية. وقبل الحديث عنه وعن معنى اللسانيات الإدراكية ، يمكن تعريف اللسانيات، بشكل مقتضب، لمن لا يملك خلفية عنها بالقول إنها العلم الذي يهتم بدراسة اللغات الإنسانية ويكشف عن خصائصها وتراكيبها ودرجات التشابه والتباين فيما بينها. وتهتم اللسانيات الإدراكية بدراسة العلاقة بين عملية الإدراك واللسان، إذ ترى أن فهم اللسان واستخداماته يستعصى دون الرجوع إلى الإدراك البشري.

 اكتسب جورج ليكوف شهرته الواسعة على الصعيد العالمي بعد أن قضى عقودا من الزمن باحثا ومنقبا عن “الاستعارة “، وكيفية تشكلها وتداعياتها في الممارسة الاجتماعية. وقد ألف كتابا مرجعيا بعنوان “الاستعارة في الحياة اليومية”، بمعية زميله مارك جون. ويمكن التذكير بالتعريف الأكثر تداولا واختصارا  للاستعارة بالقول أنها تشبيه بليغ بحذف أحد طرفيه، توظف في الحديث من أجل الإيضاح والتجسيم والتشخيص. ويرى ليكروف أن الاستعارة ليست وليدة الخيال الجامع وفيض الأشعار، وتتجلى في ربوع الأدب فقط، بل إنها موجودة في يومياتنا تؤثر على فكرنا وأفعالنا. فالاستعارة ليست زينة ترتديها اللغة، بل إنها رافعة التفكير وأداة إدراك تساهم في صناعة الواقع. و مشروطة بجسمنا، و بحركة المخ تحديدا. فكل استعارة تنشط نقطة معينة في المخ دون غيرها، سواء كانت هذه الاستعارة ذات صلة بالمكان أو الزمان أو الحجم أو القوة أو اللين. فإذا كانت الاستعارة تتضمن الحركة، مثلا، فإن نقطة محددة في المخ تنبض.

إن التفكير في الإستعارة ليس جديدا، ولا يقتصر على علماء اللسانيات، بل شغل الفلاسفة وعلماء النفس والانتروبولوجيا منذ القدم. ونظرية ليكوف ليست جديدة هي الأخرى، كما يعتقد البعض. لقد شرع في تدريسها منذ 1980 وأثارت نقاشا حاد وواسعا لأنها تتعارض مع  مفهوم القدرة اللغوية الفطرية للإنسان أو ما يسمى بالنموذج الذهني والذي يختصر في الآليات والقدرات اللغوية الفطرية الغريزية التي تنمو من خلال التفاعل مع البيئة اللغوية في أثناء مرحلة الطفولة وتخزن في الذاكرة.

 ما دفع هذه النظرية إلى واجهة الاهتمام هو انشغال العلماء بالذكاء الإصطناعي والذي يسعى إلى البحث عن الوسائل الملائمة لمنح منظومة المعلوماتية أو الرجل الآلي قدرات فكرية تضاهي تلك التي يتمتع بها الإنسان. فالتفكير والكلام خاصيتان يتميز بهما الإنسان عن بقية المخلوقات. والاستعارات هي نتيجة فعل التفكير والكلام اللذان يعدان مررا أساسيا ليتطابق الذكاء الاصطناعي مع الذكاء البشري، وحتى لتيفوق عليه، لذا يتطلب من الرجل الآلى إدراك خصائص اللسان. ففي هذا الإطار قام عالم النفس الأمريكي “روتفوك ديسي” وفريق عمله بسلسة من التجارب لفحص المخ عبر تصويره بالرنين المغناطسي في أثناء تلقيه مجموعة من الاستعارات. وقد أكد هذا الفريق تجاوب المخ مع بعض الاستعارات بيد أنه لاحظ أن النقاط المعنية في المخ تكون بطيئة كلما كانت الاستعارة قديمة أو أعتبرت كذلك. وتكون حركته طفيفة إذا كانت الاستعارة اصطلاحية ومتعارف عليها ومستهلكة. وقد تحفّظ ليكوف ذاته على نتائج هذه التجربة لاعتقاده أن أغلب الذين قاموا بالتصوير بالرنين المغناطسي لهذه التجارب لا يملكون خلفية عن كيفية تشكل اللسان وفعل الكلام الذي يعّد الإنجاز الفعلي للسان في الواقع، أي أنّه الجانب التطبيقي أو العملي للسان .

لست أدرى كيف يكون موقف “ليكوف” لو أجريت التجارب المذكورة في الجزائر وعلى الجزائريين؟ فالاستعارات التي يتداولها الجزائريون ليست تصريحية إلا في بعض الحالات القليلة. إنها تمثيلية  يأخذ فيها المشبه به صورة مركبة سواء من الأشياء والأفعال،، مثل ” الحمار راكب صاحبه”  للدلالة على سيادة الفوضى وغياب المنطق. و”لا يملك مكانا يختلي فيه العصفور لقضاء قيلولته” لدلالة على عدم الصبر وتوتر الأعصاب ” “وطار قِرْمَيدُه”، أي توترت أعصابه وتعكر مزاجه.  ومن وسع باله ترك الغير يسكن فيه”، و” إنه يدفع حمارا ميتا” للدلالة على صعوبة مهمته أو عدم جدواها، و”يضرب الريح بهراوة” للدلالة على عبثية ما يقوم به المرء. وغيرها من الاستعارات التي من المحتمل أن تحبس مخ ” ليكوف”، كما يحلو للشباب الجزائري قول ذلك، بدل تحريكه!

 نشر في صحيفة الخبر الجزائرية يوم 20/10/2014

عتبة الكلام: ارحموها من حبكم

نصر الدين لعياضي

كان يمازحني كلما طرقنا موضوع اللغة العربية بالقول:” إن الخطر الأساسي الذي يهدد هذه اللغة الجميلة يأتي من مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت الذي سمح لأمثالك ليعيثوا فسادا فيها.” وكنت أرد عليه مازحا بالقول:” إن نصف المعرفة أخطر من الجهل”. ربما يغتاظ بعضكم من مجاراتي لمزاحه لأنهم يعتقدون أن الموضوع لا يتحمّل الهزل، ومجرد الشك في الكفاءة اللغوية لمحمد عابد الجابري، رحمه الله، على سبيل المثال، لأنه أغزر المغاربة نشرا في المركز المذكور، يشبه الإعتداء على شخصه.

صديقي المناكف لم يقل ما قاله للتعبير عن سخطه على الذين يسميهم أمثالي، بل للتأكيد على حبه الكبير للغة العربية التي يعتقد أنها مهددة اليوم أكثر من أي وقت مضى. ليت هذا الصديق قرأ النزر القليل مما كتبه الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري أو غيره  مما يعتقد بضرورة منعهم من الكتابة صونا للغة العربية. لو فعل ذلك لفتحت معه باب النقاش الجاد. ربما اعتقاده أنه يشكل مرجعية للغة العربية منعه من قراءة كتاب “عروة الزمن الباهي” للروائي عبد الرحمن منيف، الذي أثنى فيه على جهود الصحافي محمد الباهي في تطوير اللغة العربية وإثرائها. فهذا الصحافي الموريتاني المغربي الجزائري الذي كتب في الصحف المغاربية والمشرقية أثرى اللغة العربية بالمصطلحات والتعابير التي كان يترجمها من اللغة الفرنسية. وساهم في تحرير اللغة العربية الصحفية من الثرثرة والترهل والإنشاء دون أن يفرط في اللغة التراثية التي صقلها لتعبر بدقة عن أفكاره وتستوعب متغيرات العصر. ولعل مناكفته منعته من سماع قصة الروائي الموريتاني موسى ولد أبنو مع اللغة العربية. فبعد أن نشر هذا الأخير روايته ” الحب المستحيل” ذات البعد الفلسفي باللغة الفرنسية، وثمّنها النقاد خير تثمين، لامه ثُّلّة من أصدقائه المعربين على حرمانهم من قراءة إنتاجه. فوعدهم بترجمة روايته إلى اللغة العربية. واختار مترجما بارعا كان يراجع معه ما يترجمه بين الحين والأخر. فانغمس في أجواء اللغة العربية. ويذكر أنه أصيب، ذات ليلة، بأرق فذهب إلى مكتبته للبحث عما يبعد عنه السٌهاد فوجد كتاب “البخلاء” للجاحظ وشرع في قراءته. وأصيب بدهشة الاكتشاف. لقد كان الجاحظ يكتب باللهجة الحسانية! وهي لهجة بدوية كانت تتحدث بها قبائل بني حسان الذين سيطروا على أغلب صحاري موريتانيا وجنوب المغرب بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر.

فلو أخذنا ما قاله صديقي مأخذ جد لاستنتجنا، بسرعة، أن الجاحظ أعاث فسادا في اللغة العربية!

لست أدرى لماذا يقترن الخوف على اللغة العربية لدى البعض بالإرادة الراسخة لمقاومة كل اجتهاد لانفتاحها وتطورها وتطويعها للتعبير عن نشاطاتنا اليومية واستيعاب ما يستجد من الممارسات اللسانية في تصورها للواقع المتغير؟ وتأخذ المقاومة صيغة الرفض لتجديدها بالتصدي  لمبدأين أساسين يؤطران تطورها، وهما: القياس والاشتقاق.

إن التفكير فيما يفكر فيه صديقي عن اللغة العربية يجرنا إلى مشاطرة الباحث التونسي عبد المنعم المحجوب فيما ذهب إليه عندما قال: (عوضا أن تكون اللغة العربية حارسة لنا، لكياننا، لهويتنا صرنا حراسها. فغلفناها بالمقدس والغيبي. وصادرنا سمتها الإنسانية، وجعلنها وثنا نفكر بها دون أن نفكر فيها).

ومن باب التفكير في اللغة وليس باللغة يمكن الإشارة إلى أن عدم الإطلاع على كتاب المستشرق الألماني يوهان فك الموسوم بــــ «العربيّة: دراسات في اللّغة واللهّجات والأساليب»، والذي تعقّب فيه تاريخ العربيّة في عصور مختلفة وأزمنة متعاقبة، ابتداءً من العصر الأموي، ثم العّباسي، وانتهاءً بعصور السّلاجقة وزحف المغول، وعدم مواصلة جهده غيبا تاريخ للغة العربية قديما وحديثا، وغمط ابتداع مفرداتها، فأديا إلى غياب الوعي بتطورها لدى صديقي وربعه. لذا راحوا يتعاملون معها كمنجز نهائي وجامد لا يقبل أي إثراء أو تجديد، ولا يتطلب سواء حفظ وتكرار ما تركه الأولون. وهذا يذكرني بذلك الطالب الجامعي الذي يستوقف أستاذه متسائلا عن معنى كل كلمة جديدة يستعملها. فبعد أن يشرحها له يتأفف الطالب من استعمالها بحجة عدم معرفته لها. لقد التحق هذا الطالب بالتعليم الجامعي وهو لا يملك من اللغوية سوى عددا محدودا من الكلمات. فعقد العزم على أن يتخرج بشهادة جامعية بالعدد ذاته من الكلمات  دون أي إضافة! إن هذا الشكل الغريب من حب اللغة العربية يتطلب الشفقة.

لست أدرى ما الذي منع صديقى من النظر إلى الخطر الداهم الذي يترصد اللغة العربية من لدن بعض أساتذة الجامعة الذين لا يستعملون سوى اللهجة العامية- الدارجة- في التدريس. وبهذا ينزلون بلغة العلم والاختصاص إلى لغة الشارع والمقهى؟

نشر بصحيفة الخبر يوم 13-10-2014

عتبات الكلام: ارتياب الأدب، مكر الصحافة

نصر الدين لعياضي

 

يستعرض الناقد المغربي، عبد الفتاح كيليطو، في كتابه الموسوم “الأدب والارتياب” مكامن الحذر في النصوص الأدبية التي ألفها الأقدمون. ويرى أن شهرزاد،على سبيل المثال، لا تنسب إلى نفسها الحكايات التي تسردها في ألف ليلة وليلة، بل تنسبها إلى مؤلف غير معروف، وهذا ما يستشف من استهلال ما تسرده كل ليلة بالقول: “بلغني أيها الملك السعيد…” والشيء ذاته يقال عن كُتاب المقامات الذين لم يأخذوا على عاتقهم ما كتبوه، بل يحيلونه إلى كائن تخيلي. فبديع الزمان الهمذاني، على سبيل المثال، يستهل مقاماته، التي تنطوى على ضروب من الثقافة وتتضمن الكثير من أخبار الشعراء، بالقول حدثني عيسى بن هشام. أما الحريري فكتب مقامات كان بطلها الحارث بن همام البصري، ورواها على لسان ابي زيد السروجي.

ويستشف كيليطو مما سبق  أن الكتابة الأدبية تلتزم الحيطة والحذر والخوف من المضايقة والاضطهاد. وخير مثال على ذلك يجسده عبد الله بن المقفع الذي لجأ إلى الرمز،فاستعان بالحيوانات للتعبير عن أفكاره وأرائه في السلطة والحكم والصداقة والعدل غير أن حيطته هذه لم تنفعه. وكانت نهايته مأسوية. ويعتقد كيليطو أن ريبة الأدب أتت من إحساس الكُتاَب أن الكتابة مسؤولية وعرضة للمخاطر. ويورد في هذا الإطار ما خطه الجاحظ في كتابه الموسوم ) البيان والتبيّن(، والذي استهله بالتعوذ من فتنة القول سائلاً الله أن يجنبه من السلاطة ) سلاطة اللسان؛ أي طُولُ اللِّسَانِ بِالسُّوءِ(، والهذر) كثُرَة الكلام الذي يتضمن الخطأ والباطل(، ومن العي والحصر.

هذا الحذر هو الذي أجبر أبو حيان التوحيدي على ذكر مصادر ما سرده من أخبار عن الشعراء وأهل الأدب في ﻣﺴﺎﻣﺮﺍﺕ ﺳﺒﻊ وثلاثين  ﻟﻴﻠﺔ ﻗﻀﺎﻫﺎ في ﻣﻨﺎﺩﻣﺔ الوزير أبي عبد لله العارض. وتضمنها كتابه الموسوم بـ ” الإمتاع والمؤنسة”. إن هذا حال الأدباء، فما هو حال رجال الإعلام والصحافة? إنهم يخبروننا عن الأحداث بدون الاستناد إلى مصدر معلوم ومحدد في الكثير من الأحيان مستفيدين من قلة إطلاع الجمهور على أسرار صناعة الأخبار في الصحافة والإذاعة والتلفزيون. والسبب في ذلك لا يكمن، دائما، مع الأسف، في الحيطة والحذر والاحتراز. وقد يتساءل من يملك خلفية في هذا المجال قائلا: من أين لمؤسسة إعلامية أو لصحافي المعلومات التفصيلية والدقيقة عن أحداث لم يكن شاهدا على وقوعها، ولم يستند في نقلها إلى أي شاهد عيان؟ فالأخبار ليست وحيا ينّزل على الصحافي دون مساعدة البشر أو المؤسسات أو المنظمات أو بإيعاز منها؟ إنها نتيجة جهد وبحث واستقصاء وتحري وتدقيق. وهذه الحقيقة لا تغيب عن بال الصحافي ولا عن المؤسسة الإعلامية لكنها تلجأ إليها دون التعوذ من فتنة القول أو الخطأ في المعلومات. ودون الدعاء بتجنب الهذر وسلاطة اللسان، كما كان يفعل الجاحظ.

لكن انصافا للحق يمكن القول أن وسائل الإعلام تضطر اضطرارا، في بعض الحالات المحدودة، إلى التكتم على مصادر أخبارها، فتستعمل الصيغ المعروفة والمألوفة في الصحافة، مثل: مصادر مطلعة، ومصادر موثوقة، ومصادر مؤكدة، ومصادر مأذونة، ومصادر مقربة. ويقصد بها الحالات التي تكون فيها المعلومات سرية للغاية وخطيرة قد تقضي على المستقبل المهني لمن أدلى بها لوسائل الإعلام، أو تهدد حياته وحياة ذويه. والشخص الذي يدلي للصحافي بمعلومات حساسة ويكشف هذا الأخير عن هويته، بشكل صريح، يضطر إلى الكف عن التعامل مع الصحافيين. وهكذا تفقد وسائل الإعلام ثقة مصادر أخبارها. وقد جعل الصحافيون ومنظماتهم المهنية من الحق في عدم الكشف عن هوية مصادر الأخبار مطلبا نضاليا كلف الكثير من الصحافيين المضايقات والمتابعة القضائية وحتى السجن. بيد أن هذه “الشجرة” لا يجب أن تخفي “الغابة”، والغابة هي إفراط بعض المؤسسات في استخدام هذه الصيغ التعبيرية والمبالغ فيها لشيء في نفس يعقوب، بصرف النظر عن طبيعة الأحداث، إلى درجة أنها أصبحت موضع تندر. ويذكر في هذا المقام أن قناة تلفزيونية جزائرية خاصة بثت خبرا عن الزلزال الذي ضرب الجزائر في أول أوت 2014  بعد دقائق فقط من وقوعه. وعيّنت مركزه منسوبا إلى مصادرها الخاصة! علما أن الزلزال وقع فجرا، ولا ندري ماهي المصادر الخاصة التي أفادتها بهذا السر العظيم والخطير، وأين التقت بها في ذاك الوقت؟

إن اللجوء المبتذل لتعمية على مصادر الأخبار يدل على مكر وسائل الإعلام وتضليلها. أما حرية التصرف، إن لم يكن تلاعبا، في ما يدلي به مصدر الأخبار من أقوال وشهادات سواء بالاضافة أو الحذف أو بتحوير الكلام، فذاك موضوع أخر ذي صلة بشهادة الزور والتضليل.

نشر في صحيفة الخبر يوم 6/10/2014

عتبات الكلام:  نرجسية أو احتفاء بالحياة؟

نصر الدين لعياضي

قد تشاهد لأول مرة، ربما باندهاش، أشخاصا يتجولون في أروقة مطار إسطنبول أو دبي أو روما أو كوالا لمبور أو سدني، وهم ممسكون بمقبض حامل الكاميرا الرقمية أو الهاتف الذكي. يدفعونه نحو الأمام  من أجل التقاط صور لهم. إنهم يصورون ذاتهم في كل أوضاعها وحركاتها. ويتكرر أمامك المشهد ذاته في أي مكان أخر وفي مناسبة ما، وحتى دونها. تزول الدهشة وتسأل عن هذا السلوك. فتُخْبر بأنه “السيلفي” أو “الشخصورة”، كما عربها بعض الكتاب العرب المجتهدين، والتي أصبحت ظاهرة عامة. وتعني قيام شخص بتصوير ذاته دون مساعدة أحد، لنشر ما صوره عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فلعلى القارئ الكريم يتذكر “الصورة الذاتية” التي أخذها الثلاثي: رئيس الوزراء البريطاني، ورئيسة الوزراء الدانمركية، والرئيس الأمريكي لذاتهم في اثناء تشيع جنازة المناضل الأفريقي نيلسن منديلا، وأثارت حفيظة سيدة أمريكا الأولى! والصورة الذاتية للبابا فرنسوا رفقة مجموعة من الشباب الذين زاروا الفاتكان. ناهيك عن العديد من الصور التي يلتقطها الفنانون والرياضيون ومشاهير السياسة لذاتهم أو رفقة المعجبين بهم أو أتباعهم. البعض يعتقد أن هذه الممارسة تعبر عن نرجسية مفرطة كان المرحوم الشريف مساعدية، رئيس الجهاز التنفيذي لجبهة التحرير الوطني، قد نهانا عنها في وعظه السياسي عن نكران الذات!

بعيدا عن المزاح، تتضارب الآراء حول تفسير التهافت على “أخذ الصور الذاتية” ونشرها في مختلف مواقع الشبكات الاجتماعية. فيعتقد البعض أنه يجسد الإنسان الأخير الذي تحدث عنه الفيلسوف الألماني نتشه؛ أي المخلوق غير المبالي، ودون شغف والتزام، والمتعب من الحياة، ولا يبحث سوى عن الراحة والأمان والاحتفاء بذاته.الشخص الذي طحنته الحياة وشككته في كل شيء، ولم تبق له سوى ولعه بذاته. والبعض الأخر يرى أن هذا التهافت هو سمة العصر الذي غمره التسويق. فكل شيء غدا قابلا للتسويق وكأنه ماركة تجارية: السلع، والخدمات، والمبتكرات، والأشخاص وحتى العواطف الإنسانية. ألم نلاحظ كيف أن الفنانين والممثلين اصبحوا يُسَوِقُون أنفسهم عبر الركح التلفزيوني وأغلفة المجلات إلى درجة أن وكالة نكست Next المختصة في توظيف عارضات الأزياء أصبحت تطلب من المشاركات في مسابقاتها إرسال أفضل صورهن التي التقطناها ذاتيا!

شُرع في استخدام “التصوير الذاتي” في 2004. فاقتحم مواقع الشبكات الاجتماعية تدريجيا، بدءا بموقع فليكر، وماي سبيس، ثم موقع الفيسبوك وتمبلر، وانسترغرام. وتزايد الإقبال عليه، بشكل لافت للنظر، في 2010. وهو التاريخ الذي أنتشر فيه الهاتف الذكي ” أيفون 4″ بكاميراته الصغيرة الأمامية التي تلتقط الصور بشكل أجود وأنقى وأسهل. وساهم في ترسيخ الفكرة التي تنص على أن مكانة الإنسان المعاصر كفت عن تحديد وجوده، بل إن مظهره هو الذي يفعل ذلك. لذا يسعى الجميع إلى تجميل صورهم في عيون الغير في مجتمع بدأت أوصاله تتفكك ليعاد تشكيلها وفق أنموذج من  القبائل- جمع قبيلة- الجديدة التي تجسدها مواقع الشبكات الاجتماعية. فالتصوير الذاتي أو” الشخصورة” حجة إضافية في عالم وصفه الباحث “غي دوبور” بعالم الفرجة؛ أي العالم الذي تغيرت فيه كل الحياة الإنسانية لتصبح مظهرا.

الكثيرون لا يشاطرون هذا الرأي. ويزعمون أن الرابطة الأمريكية للطب النفسي اعتبرت ” التصوير الذاتي” حالة من الاضطراب النفسي الناجم عن الرغبة القهرية في تصوير الذات ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعي. وشكلا من الخواء أو التعويض عن نقص أو عدم الثقة في النفس أو فقدان للعلاقات الحميمية.

وتختلف طائفة ثالثة مع التفسيرين السابقين، وترى أن التصوير الذاتي هو ضرب من الاحتفاء باللحظة وتخليدها، وتكريم الآنية التي جسدتها التكنولوجية، وتمجيد لمبدأ التقاسم الذي وفرته تكنولوجية الاتصال الحديثة.

ولئن كان”التصوير الذاتي” امتدادا للأنا عبر المكان والزمان، فإنه يشكل، في نظر عالم الاجتماع، ميشال مفيسولي، رافعة منهجية لفهم العالم المعاصر. بل يمكن القول لفهم المجتمعات ككل. هذا ما يؤكده مركز الدراسات العليا بجامعة نيويورك الذي قام بدراسة  للكشف عن التعبير العاطفي للصور من خلال درجة انحناءة الرأس، وموقع الأنف، وتعابير الوجه في الصورة الملتقطة ذاتيا. لقد قام بتحليل 640 صورة منشورة في موقع شبكة أيستنرغام من المدن التالية: برلين، نيويورك، موسكو، ساوبولو، وبنكوك. واستنتج أن الصور الذاتية للأشخاص من موسكو تبدو أكبر سنا من صور بقية البلدان، وتتضمن الصور الأشخاص الذاتية القادمة من ساوبولو ابتسامات وقحة. وتنحنى رؤوس نساء نيويورك في صورهن الذاتية  انحناءة خفيفة نحو الكتف من باب التغنج. والنساء أكثر ميلا لتصوير ذاتهن من الرجال في موسكو. فماذا عن الصور التي يلتقطها أبناء جلدتنا لذاتهم؟

عتبات الكلام: السؤال عن السؤال؟
نصر الدين لعياضي

السؤال باب الاطلاع والمعرفة والصحافيون محترفوه. يستخدمونه لاستقاء الأخبار، ومنه ينطلقون في تحقيقاتهم الصحفية. وبفضله يدركون أن فهم الواقع يتطلب تعددية الرأي. وللسؤال تأثيره السحري على المتلقى، إذ بقدر ما يعلمه فن الاصغاء يحثه على التفكير. لكن بعض المقابلات الصحفية في وسائل الإعلام العربية المكتوبة والمرئية تنسف ما سبق قوله. وأبرز مثال على ذلك نختصره في ما يلي: التقت المغنية اللبنانية ماجدة الرومي ببعض الصحافيين في ندوة صحفية في ربيع 1997 بالجزائر. فخاطبها أحدهم قائلا: لقد غنيت قصائد نزار قباني دون أن تكون لك معرفة مسبقة به كشخص. والأذن تعشق قبل العين أحيانا، كما يقول الشاعر. وتوقف الصحافي ” السائل” عن الكلام. فانتظرت المغنية بقية الجملة. وبعد ان اتعبها الانتظار سألته: أين هو السؤال؟ فكان رده : إنه موجود في الجملة التي ذكرتها! فكم من مرة سمعت، عزيزي القارئ، منشط ندوة صحفية أو مُستَجوَب في برنامج تلفزيوني ينبه محاوره قائلا: أين السؤال؟
فالسؤال عن السؤال يدفعنا إلى الاستفسار عن الغاية من إجراء المقابلات التلفزيونية. ويجرنا إلى مراجعة كتاب الصحافية الأمريكية باربارا وولتز، التي ضمنته عصارة خبرة ستين سنة قضتها في إجراء المقابلات التلفزيونية، والموسوم بـ “كيف تتكلم مع أي شخص عن أي موضوع”؟ بالطبع،إنها لا تقصد مواضيع ” التوك شو” العربية من نوع برنامج ” الحكم”الذي سألت مقدمته ضيفها، الممثل المصري ” هنيدي”، قائلة: هل أنت من الرجال الذين يشخرون في نومهم؟ وعندما أجاب بالنفي، أبدت رغبة شديدة في أن تسمع شخيره على المباشر، فأثارت اندهاشه واندهشنا.
تقول الأديبة العراقية لامية عباس أن سحر العرب القدماء بالسؤال قادهم إلى إدراجه في فن البلاغة لتوكيد الذم أو المدح. وهذا ما نجده في بطون الشعر العربي القديم. لكنها لم تتصور قط ان السؤال في بعض وسائل الإعلام العربية بلغ دَّرْك السماجة الأسفل. وفقد الحد الأدنى من النباهة والخيال التي ميزت السؤال الذي شكل القصة القصيرة جدا، التي كتبها إدواردو غاليانو، بعنوان “النحات والأطفال”. والتي يذكر فيها أن نحاتا مشهورا يشتغل في مرسم شاسع محاطا بالأطفال. وفي أحد الأيام كلفته البلدية بنحت حصان كبير لوضعه في إحدى ساحات المدينة. وأحضرت شاحنة كتلة غرانيت ضخمة إلى المرسم. وشرع النحات في نحته بالمطرقة والأزميل، معتليا سلما. وكان الأطفال ينظرون إليه وهو يعمل. ثم ذهب الأطفال في عطلة، بعضهم إلى الجبال، وبعضهم إلى البحر. وعند عودتهم، أراهم النحات الحصان الذي انتهى من نحته. فسأله أحد الأطفال بعينين مفتوحتين على أشدهما: لكن.. كيف عرفت أن داخل تلك الصخرة يوجد حصان؟
إن استسهال السؤال قد بلغ مداه في وسائل الإعلام العربية إلى درجة أن البعض أصبح يجرى مقابلة صحفية مع أشخاص لم يسمع عنهم من قبل أبدا. ولا يكلف نفسه القراءة عنهم أو لهم. فيستهل حواره مع أحدهم بمقدمة يذكر فيها أن ضيفه شخصية غنية عن التعريف. وأشهر من نار على علم. ثم يفتتح الحوار معه بالسؤال التالي: هل لكم أن تعرفونا بشخصكم الكريم؟ ومن الطرائف التي يذكرها الروائي السوداني أمير تاج السر أنه حل ضيفا على برنامج تلفزيوني. واكتشف أن مقدمته لا تعرفه. فزودها بمقتطف مختصر عن سيرته الذاتية قبل انطلاقة البرنامج. لكنه فوجئ بها تقدمه للجمهور على أنه صاحب مائتي رواية. فعَلَّق على هذا العدد الهائل من الروايات بالقول أنها حمّلته كتابة كل روايات السودان ومثلها في مصر. فلا أحد يكتب مئتي رواية حتى لو كُتب له عمران أو ثلاثة أعمار. فهذه الحقيقة لا تغيب عن بال أي قارى مبتدئ للأدب.
غني عن القول أن وسائل الإعلام تزخر بالكفاءات، بما فيها المغمورة، التي تجيد فن السؤال. هذا الفن الذي يلد من رحم الفلسفة، ويترعرع في ظل التجربة الاجتماعية، وينمو بفضل التحضير والمطالعة، ويرتقى بسرعة البداهة والفطنة. فالروائي غارسيا ماركيز يذكر أن أفضل مقابلة صحفية عبرت خير تعبير عن تجربته بأكثر الأساليب وضوحا هي تلك التي نشرتها صحيفة مغمورة تصدر في كاركاس. فلم تلخص أشد منعطفات حياته تعقيدا في مجال الأدب فحسب، بل في مجال السياسة أيضا. وبرزت ذوقه الشخصي. وأفصحت عن أفراحه وأتراحه. وكانت تختلف عن كل مقابلاته فأفرحته. لقد كانت كاملة في نظره. ولا ينقصها، حسب قوله، سوى أن من مهرتها باسمها الكامل هي امرأة لا يعرفها ولم يلتق بها، بل لم يدل لها بأي حديث صحفي أصلا!
نشر في صحيفة الخبر الجزائرية يوم 22 سبتمبر 2014

عتبات الكلام: سوق البهاليل

نصر الدين لعياضي

 

تُعرف المعاجم العربية الحديثة البهلول بالأحمق والمعتوه بيد أن أصل الكلمة يدل على الشخص الضحاك الجامع لصفات المرح والخير. ويرى عمر عبد العزيز أن البهلول هو ذاك الذي يتحدث بـــ “كلام من كلامنا وليس من كلامنا”. وبهذا المعنى بكون البهلول سرائريا لا نرتقي لمستواه. وفي رواية أخرى يُقال أن البهلول هو الشخص الطيب الذي يصدق كل يقال له أو يسمعه. وسوق البهاليل يكتنز هذه المعانى المتباعدة. فالبائع يعتبر الزبون بهلولا بالمعنى الأخير الذي أشرنا إليه، بينما الزبون يعتبر البائع بهلولا بالمعنى الذي صاغه عمر عبد العزيز؛ أي الشخص الذي خصه الله تعالى بقدرات غير طبيعية.

سجل المناضل الجزائري المرحوم، قاده بوترن، في مذكراته الموسومة بــــــــ :” قدور : طفل جزائري شاهد على بدايات القرن العشرين” أن شيخا كان يجلس في مقهى مختلط يجمع الأوروبيين والجزائريين في مدينة البيض  قبل اندلاع ثورة التحرير. ويطلب من النادل أن يأتيه بجرعة من المشروب الكحولي ” باستيس” مع قارورة من الماء. فيضيف الماء إلى كأس ” الباستيس”. فيفتح المارة أفواههم دهشة وذهولا من قدرات الشيخ الساحرة وبركاته العجيبة التي تحول الماء إلى حليب! فشاع عنه أنه صاحب معجزات. وبهذا يكون المارة قد دخلوا سوق البهاليل دون قصد، وبعضهم تحول إلى عنصر نشيط فيها.

قد تبدو هذه القصة للبعض مسلية لكنهم لا يصدقونها. وهذا يعنى أنهم يشكون في ما دوّنه   كاتب السيرة الذاتية. ويسأل البعض الأخر كيف تنطلي هذه الحيلة البسيطة جدا على أشخاص يملكون عقلا يفكرون به؟

العبرة من القصة المذكورة أن سوق البهاليل كان موجودا منذ الأزل، وتطور أكثر في حياتنا اليومية مستفيدا من التكنولوجيا الحديثة: ألم تسمعوا بذلك الذي سلم أمواله إلى “تاجر كبير” في هذه السوق قصد توليدها لتصبح ملايير الدينارات أو الدولارات أو ذاك المريض الذي قاده اليأس من الشفاء إلى  أحد” التجار” الناشطين في هذه السوق، الذي يدعى علاج كل الأمراض عبر قناة تلفزيونية؟

الصحافي ” فادي عزام، قرر دخول هذه السوق من باب المهنة. فاتصل بأرقام الهواتف الثمانية المكتوبة في أسفل شريط شاشة قناة ” الحقيقة”. فأجبه صوت نسائي يزعم أنه الدكتورة ابتسام. فسألته عن مشكلته. فشكى لها سرطان الدم وهبوطا في الضغط. فجاء الجواب دون تردد : الجرعة الأولى تكلفك ما قيمته 158 يورو. والدواء يصلك بمجرد تحصيل المبلغ المطلوب. وسألها الصحافي: ألا يحتاج الأمر إلى مقابلة أو فحص. فأتى الرد جازما: لا داعى لذلك. فأعاد السؤال مرة أخرى: وما هو هذا الدواء؟ فجاء الرد: زيت زيتون وعسل وحبة البركة، وأشياء أخري، مع شريط مسجل بصوت الدكتور صاحب المعجزات فيه الرقية الشرعية. وهل الدواء صالح للداءين؟ فأجابت: نعم يعالج الاثنين. ويتوسل الصحافي قائلا: وماذا لو اكتفيت بالدواء دون الشريط، فهل ينخفض السعر؟ ويأتي الصوت عبر الهاتف مستنكرا: سيضعف مفعول الدواء، وأسعارنا ثابتة في كل الحالات!

يعيد الصحافي الكرة مرة أخرى، ويتصل برقم مختلف بالعيادة ذاتها، ويدعي اصابته بفشل كلوي. وتأتي الإجابة مطابقة للأولى تقريبا. لماذا تقريبا؟ لأن اسم الطبيبة تغير. واطلع على الأسعار المعتمدة للأدوية في”هذه العيادة”: مائة يورو للجرعة الأولى لمقاومة تساقط الشعر،  و158 يورو للجرعة الأولى لعلاج مرض السرطان- لا يهم نوعه، و المبلغ نفسه تقريبا لفقدان المناعة المكتسبة والفشل الكلوي.

لم يكتف الصحافي بهذا القدر من الأسئلة، بل راح يسأل جامعة “دنفر” الأمريكية التي يدعى صاحب المعجزات أنه تخرج فيها بشهادة دكتوراه في الطب البديل. ليكتشف أنها لا تدرّس الطب البديل، ولا الطب أصلا!

إن انتشار سوق البهاليل تم بفضل ” قناة الحقيقة” وشبيهاتها التي توظف مجموعة من الممثلين، يقوم كل واحد منهم بتمثيل دور المصاب بمرض معين، ويشيد بمعجزات الشيخ في شفائه منه.  إن انتشار هذه السوق صادر الأسئلة التالية: لماذا تزايد عدد القنوات التلفزيونية المشابهة لقناة “الحقيقة” في الفضاء السمعي- البصري العربي؟ ولماذا يسمح لمن هب ودب ببيع ما يضر الصحة العامة باسم الطب البديل؟ ولماذا يتدفق البشر على العيادة التي تروج لها القنوات التلفزيونية الشبيهة بقناة “الحقيقة؟ ولماذا يختفى النقاش التلفزيوني عن وجود مثل هذه القنوات؟ إن الاجابة عن هذه الأسئلة يقدم أعظم درّس في علمي الاجتماع والنفس يساعدنا على فهم المجتمع الذي نعيش فيه.

نشر في صحيفة الخبر يوم 15 /9/2014

عتبات الكلام: “خيانة الصور”

نصر الدين لعياضي

كان شارد الذهن يدخن بعصبية. لَمْ يَنْبِسْ بِبِنْتِ شَفَةٍ طيلة لقائنا. فحاولت الانصراف بعد أن عجزت عن استدراجه في الحديث لكنه ألح علي بالجلوس. فأخبرني أن زوجته تغير مزاجها وأصبحت عصبية، بل عدوانية تخيف أبناءها. وتخشى البقاء بمفردها في البيت. إنها مرعوبة من الفكرة التي لا تفارقها: المكروه القادم الذي لا تعرف كنهه. وأضحت ممسوسة بالنظافة إلى حد إجهادنا وإثارة أعصابنا. فحاولت أن أواسيه بالقول أنها حالة نفسية ستختفى بزوال العوامل التي أفرزتها، وأن الطب النفسي قادر على معالجتها. فقاطعني بالقول: لقد وُجهت إلى صاحب عيادة نفسية قدير ولم أفلح في الوصول إليه. فلجأت إلى أحد أقاربه فأخبرني أن جدول مواعده مكتظ، ولا مجال لاستقبال زوجتي في عيادته إلا على الساعة السابعة صباحا! وأردف قائلا: أنت تعلم أن هذا الوقت غير مناسب. إنه وقت تَوْصِيل الأبناء إلى المدرسة والالتحاق بالعمل في زحمة سير غريبة. والعلاج النفسي يتطلب فترة طويلة.

أيعقل أن تعاني عيادات الأمراض النفسية كل هذا الاكتظاظ، ناهيك عن نشاط أمثال باللحمر الذي لا يتوقف؟ وتزعم  بعض الصحف الجزائرية أن طالبي الشفاء على يدهم في تتزايد مستمر لتروج لقدراتهم على علاج الأمراض الروحية والبدنية. وربما يعود هذا التزايد إلى النظرة الخاطئة للمعالج النفسي. فالجزائر لا تختلف عن غزة. والطبيب النفسي أياد سراج يؤكد أنه كان يلتقى بمرضاه ليلا على شاطئها خوفا من أن يُتهموا بالإصابة بالجنون. وربما ساهم إخفاق الطب الحديث في علاج بعض الأمراض في التزايد المذكور. لعل الأطباء النفسانيون حاملو أسباب الناس؛ أي متاعبهم وقصصهم، يستطيعون الجزم أن العشرية، التي تُوصف بالحمراء، ليست وراءنا، كما نعتقد. فجروحها لم تندمل بعد. وكروبها النفسية تلاحق الجزائريين. وقد تتفاقم بالأمراض التي يصفها الخطاب الرسمي، من باب التورية، بـ”الآفات الاجتماعية. وللقلق الدائم، وضياع المرجعيات، وانطفاء الأمل، والإحساس بالغبن الاجتماعي، والعجز عن تغيير الواقع، دورا في ” تأهيل” الناس لمراجعة عيادات الطب النفسي.

أيعقل أن تشهد عيادة الطب النفسي اكتظاظا لدى أمة يملك تراثها اللغوي ستين لفظا للدلالة عن الحب، كما شخصها بن القيم الجوزية في كتابه ” روضة المحبين ونزهة المشتاقين”؟ حقيقة إن هذا العدد الكبير من الألفاظ ينم عن المبالغة في القول لدى العرب لكن عالمة الاجتماع المغربية، فاطمة المرنسي، ترى)أن هذا العدد الهائل من الألفاظ الدالة على الشيء لا يبشر بالخير. وأن في الأمر خطب”( !وهل يشكل العلاج في مصحة نفسية جزءا من هذا الخَطْب؟  

لعل الألفاظ التي تحدث عنها بن القيم لا تشكل سوى جزءا من متن الكتابة والـتأليف وعرضا من أعراض الأدب والفن، ولا تقترب من الواقع المعيش. فتحليل محتوى هذا المتن يكشف انحصار معنى الحب في بعض المترادفات التي رصدها بن القيم الجوزي دون غيرها؛ أي تلك المفعمة بالأذى، مثل الكمد؛ أي الحزن الشديد المكتوم، واللذع أي الألم. لذا يستقيم القول أن ما يعانيه المصابون بالأمراض النفسية ليس حبا، بل أذى وكرها وظلما وتجاهلا وصداما واعتداءً.

إن الأطباء النفسانيون ليسوا علماء اجتماع ليبحثوا في العوامل الاجتماعية والمادية الكامنة وراء الأمراض النفسية. إنهم يرصدون نقطة الانعطاف في سلوك المريض لوضع استراتيجية الدفاع تساعده في التغلب على ما ألم به. ويفسرون بعض حالات المرض باللوحة الشهيرة التي رسمها الفنان السوريالي البلجيكي، “رينه ماغريت”، في 1929، والموسومة بـــ ” خيانة الصور”. والتي يعالج فيها العلاقة بين مسميات الأشياء وما تمثله. ويعتقدون أن بعض الأمراض النفسية قد تنجم عن التعارض بين الصورة التي نحملها عن ذاتنا وعن الأخر، حتى القريب جدا من حياتنا، وتلك الخاصة بسلوكنا اليومي أو سلوك الأخر. وعدم تقبل انزياح هذه الصورة. وهنا وجد البعض مدخلا لتحمّيل التلفزيون آلام المجتمع وأوجاعه. فالفيلسوف “كريستوف لامور” يرى أن التلفزيون مصنع الأوهام. يبث  جملة من الصور أو السرديات فيتوهم الجمهور أنها حقائق معاشة. ويبدو هذا الأمر جليا، أكثر، لدى الشعوب ذات العلاقة المتوترة بالصورة أو التي لا تميّز بين الشيء وصورته. وقد دفع بعض الممثلين، ، مع الأسف، ثمن هذا الخلط. لقد تعرضوا للضرب والشتم لأنهم مثلوا أدوار الأشرار في بعض الأفلام والمسلسلات التلفزيونية. فاعتقد الجمهور أنهم كذلك في حياتهم اليومية. ويمتد التوهم إلى قيام الفرد بالمقارنة بين ما يشاهده وما يعيشه فيشعر بالإحباط الذي قد يتحول إلى كآبة. إذا هل يمكن القول أن التلفزيون أصبح عاملا في اضطراب أحوال المرء بعد أن كان يُعتقد أنه مصحة يوفر له فضاءً للتنفيس؟

نشر بصحيفة الخبر الجزائرية يوم  7/9/2014

  

 

 

 

عتبات الكلام: الصحافة على الطريقة الألمانية

نصر الدين لعياضي

 

كلما ذُكرت صحافة الاستقصاء يتردد اسم الصحافي الأمريكي ” بوب ودوارد” وزميله ” كارل برنستين” اللذان نشرا تحقيقا صحفيا عن ما أصبح يعرف بــ “فضيحة وترغيت” في صحيفة الواشنطن بوست. وقد أدت التفاعلات السياسية والأمنية والقضائية التي اثارها هذا التحقيق بريتشارد نيكسن إلى تقديم استقالته من البيت الأبيض الأمريكي. ورغم مرور 42 سنة على نشر هذا التحقيق إلا أنه رُسخ كأنموذج للصحافة الاستقصائية. وحول الصحافة الأمريكية قدوة في هذا المجال.وشكل”عقدة نقص” للصحافيين الأوروبيين تجاه زملائهم الأمريكيين. وظل الصحافيان المذكوران يختصران صورة مهنة الصحافة في مخيلة أكثر من جيل من الشباب. ولمن لا يملك خلفية عن الفضيحة المذكورة يمكن اختصارها بالقول أن الصحافيّين المذكورين قاما بالتحري حول عملية التنصّت على الحزب الديمقراطي. وكشفا تورط الرئيس الأمريكي نيكسون فيها.

والسؤال الذي لا يطرحه الصحافيون إلا نادرا يظل ماثلا: لماذا ظل هذا التحقيق الصحفي يغطى على كل التجارب المنجزة في مجال الصحافة الاستقصائية، بما فيها تلك التي كادت أن تكلف بعض الصحافيين حياتهم؟ إن السبب في ذلك ربما يعود إلى تقاطع هذا العمل الصحفي مع عالم الجاسوسية الذي يحاط بقدر كبير من الغموض والتشويق، خاصة وأن من اتهموا بالتنصت على مقر الحزب الديمقراطي لم تكن لهم علاقة بالبيت الأبيض الأمريكي فقط، بل كانوا أعوان وكالة المخابرات الأمريكية! والشخص الذي “وجه” الصحافيّين في تحقيقهما المذكور ليس سوى “مارك فيلت”، الشخصية الثانية في مكتب التحريات الفيدرالي!

وهكذا غُيبت بعض الأسماء في الحديث عن الصحافة الاستقصائية، مثل الصحافي الألماني “غنتر ولراف”، الذي ابتدع أسلوبا خاصا به في انجاز تحقيقاته الصحفية يقوم على التجربة الشخصية. ولعل كتابه الموسوم ـبـ: “في الدرك الأسفل”، والذي نقل إلى اللغة الفرنسية بعنوان”سحنة تركي”، خير مثال عن هذا الأسلوب. لقد كلفه تغيير ملامح وجهه، ولون عينيه وشعره، وطريقة نطقه للغة الألمانية ليتماهى مع شخصية التركي المهاجر في ألمانيا. ودفعه لممارسة العديد من المهن الشاقة: أجير بسيط في ورشات البناء ومصنع الفولاذ. ونادل في مطعم مكدونالد. وفأر تجارب في المختبرات الصيدالانية. وقادته مغامرته إلى تنظيف محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية دون أدنى شروط الوقاية!  لقد أخذت منه هذه التجربة سنتين كاملتين اكتشف خلالهما وضع العمال الأتراك المزري في ألمانيا. وسلط الضوء على نظرة المجتمع الألماني لهم. وقد تبنى بعض الصحافيين أسلوبه هذا في إعداد التحقيقات الصحفية. نذكر منهم، على سبيل المثال، الصحافية الفرنسية ” آن تريستان” التي التحقت بالعمل في حقول القطن في نيكاراغوا لتكتب سلسلة من التحقيقات عن ظروف عمل الفلاحين القاسية في هذا البلد. وانخرطت في 1987 في الجبهة الوطنية الفرنسية بنية انجاز تحقيق صحفي عن هذا الحزب من داخله. ونشرته في كتاب عنونته:”إلى الجبهة”. وألهم أسلوب ” غنتر ولراف” الصحافية الفرنسية “فلورنس أوبينا”، التي اختطفت في بغداد لمدة ستة أشهر. لقد خاضت تجربة شخصية لتكتب عن الفئات الاجتماعية التي طحنتها الأزمة الاقتصادية. فتنكرت في هيئة امرأة فقيرة تبحث عن لقمة العيش. فعملت منظفة في مؤسسة، ثم تداولت على العديد من الأعمال المؤقتة المختلفة. وكللت تجربتها بتحقيق صحفي أصدرته في كتاب بعنوان ” على مرفأ وسترهام” الذي يحكي عن معاناة الفئات الفرنسية المحرومة. وألهم، أيضا، الصحافي “جون بابتست مالي” الذي اشتغل في شركة ” أمازون دوت كم” ليؤلف كتابا عن ظروف عمله غير الانسانية في هذه الشركة.

إن سرد هذه الأمثلة لا يعنى بتاتا أن الصحافة الاستقصائية تشترط التجربة الذاتية، بل تبّين أنها ضرب من التوغل في المناطق المعتمة. هذا ما فهمه الصحافي الألماني ريتشار غيتجهر الذي استعان بصديقه القرصان في مجال المعلوماتية لمعرفة مصدر التعديلات التي تقدم بها النواب الأوربيون “لإثراء” المشروع المتعلق بحماية الحياة الخاصة. لقد لفت نظره عددها الذي بلغ 4 ألف تعديلا! وتناهت إلى سمعه الضغوط التي تمارسها الشركات العملاقة العاملة في قطاع المعلوماتية والانترنت من أجل إفراغ هذا المشروع من محتواه. الشركات التي تجنى أرباحا طائلة جراء التجارة بالمعلومات الشخصية،. فوفر له هذا الصديق نسخا رقمية من التعديلات “الجاهزة” التي أعدتها اللوبيات المرتبطة بالشركات المذكورة. وحصل على نسخ من الاقتراحات التي تقدم بها نواب البرلمان الأوربي. واخترع مع زميله المذكور محرك بحث، ومنحاه اسما مركبا: ” لوبي ) تصغير للوبيات( والانتحال ” بلاجيا” Lobbyplag”. فأدخل بعض الكلمات المفتاحية في محرك البحث التي قادته إلى مصدر الكثير من التعديلات المقترحة. وتأكد أنها من بنات أفكار اللوبيات المذكورة!

نشر بصحيفة الخبر يوم 1 سبتمبر 2014

عتبات الكلام: رسالة اعتذار إلى أَبي تَمَّـامَ 

نصر الدين لعياضي

معذرة أَبَـا تَمَّـامَ، كنا نعتقد أنك لم تسأل سوى شاعر اليمن، عبدالله البردوني، منذ نصف قرن تقريبا، عندما قال:

مَاذَا جَرَى.. يَـا أَبَـا  تَمَّـامَ  تَسْأَلُنِـي؟          عَفْوَاً سَـأَرْوِي .. وَلا تَسْأَلْ .. وَمَا  السَّبَبُ

لكنك اليوم تسألنا جميعا عما جرى لنا؟ وما السبب الذي أدى بنفر من قومك إلى تفجير تمثالك في شهر فبراير 2014 بالموصل، بعد أن أقدموا على الفعل ذاته بتمثالك في درعا بسوريا؟

لن يفيدك قولي أن  من فجر تمثالك هو ذاته الذي قطع عنق تمثال أبو العلاء المعري في معرة النعمان في محافظة أدلب السورية. وهو الذي نسف تمثال الشاعر محمد الفوراتي في دير الزور. وهدم تمثال الموسيقي العبقري ابراهيم الموصلي، ودنّس قبر ابن الأثير صاحب كتاب الكامل. ولن أواسيك لو قلت لك أن تمثال الخليفة “أبو جعفر المنصور”، مؤسس مدينة بغداد، لقى مصير تمثالك بعد احتلال العراق في 2003 .

هل تعتقد أن من نسف تمثالك يجهل أنك تخليت عن نصرانيتك التي ورثتها عن والدك لتعتنق الإسلام عن حب واقتناع. وأنك أحسن من خدم لغة القرآن؛ اللغة العربية- لغة العين- كما تسمى اقتداءً بالخليل بن أحمد؟ لكن من أين لناسف تمثالك أن يعرف هذا الخليل، وهو لم يتصفح دواوين شعرك ليتأكد من إبداعك وتجديدك للسان العربي. ربما هذا التجديد هو الذي جنى عليك لدى قوم هُجن لسانهم.

ربما لم يغيظك تفجير تمثالك بقدر ما أثار شفقتك على مرتكبيه الذين خصهم المستشرق “رو أوليفيه” بكتاب عنونه بـ ” الجهل المقدس: دين بلا ثقافة”، لأنك أدرى أن علماء المسلمين القدماء كانوا حجة في الدين والرياضيات والكيمياء والفلك والبصريات والطب، واللغة، والشعر، والموسيقى.

قد يبرر البعض تفجير تمثالك وتماثيل غيرك بالقول أنها تمثل شكلا من أشكال الشرك! فإذا كنت تعتقد أن زمن اللات ومناة والعزى قد ولى، فالبعض من قومك مازال يراها ماثلة أينما اتجهوا،  وفي كل مظاهر العمران والفن! ويعتقد أن التاريخ توقف ولم يبرح الجاهلية. أيعقل أن الذين نحتوا تمثالك، والذين تأملوه مليا منذ عقود، والذين حافظوا على الآثار الأشورية والبابلية، والرومانية، والإسلامية مشركون؟ لكن فهم الرمز وما يحيل إليه ليست في متناول كل البشر.

أعرف يا أَبَـا تَمَّـامَ أنك لم تبال بوسائل الإعلام التي تجاهلت مصير تمثالك لأنها إما غارقة في نشر النميمة بين الفنانين وتسعّير غيرتهم، أو منهمكة في إذكاء نار الفتنة بين المسلمين.

إذا، فلتغفر لهم جهلهم لأنك عشت في ظل التسامح الذي نفتقده اليوم. فأبو الطيب الكندي لم يصلب، ولم يستباح دمه عندما ادعى النُّبُوَّة. فجزالة شعره وبيانه أنست الناس اسمه، واحتفظوا بكنيته فقط: ” المتنبي”، التي لازالت تحملها شوارع بغداد، والرياض، والكويت….

ربما تعتقد أن هؤلاء القوم لا يشغلهم شاغل سوى تمثالك الذي يرمز إلى الماضي لأن لا مستقبل لهم. فعقدوا العزم على مسح الماضي من رموزه الفكرية والأدبية والثقافية والفنية. إنهم يناكفون بعض الفلاسفة الذين يزعمون أننا نستفيد من الفن أكثر من التاريخ، فأصدروا حكمهم بإعدام التاريخ والفن معا.

ماذا لو عشت يا أَبَـا تَمَّـامَ في جمهورية كمبوديا التي استولى فيها الخمير الحمر على السلطة، فقضوا على حوالى 20% من سكانها! ومسحوا ثقافتها من إرث الماضي بكل ما يحمله من رموز ومعالم؟ لكن بعد أن ذهبت ريحهم قامت الأميرة الحسناء “بوفا دوفي، “وزيرة الثقافة، باسترجاع الثقافة الكمبودية بكل مكوناتها دون أي إقصاء، بما فيها ثقافة الخمير الخمر. وكانت ترد على منتقديها بالقول إن ثقافة الخمير الحمر هي جزء من الثقافة الكمبودية. وتسأل كيف نستطيع أن نقنع الأجيال القادمة بما فعله هؤلاء الخمير بشعبنا وتاريخنا وثقافتنا إذا مسحنا أثار وجودهم في كمبوديا؟ لو عشت في كمبوديا لحمت الأميرة الحسناء ذكراك. وحولت تمثالك إلى مزار يقصده  أطفال المدارس وسياح العالم ليطلعوا على سيرتك ويقرؤوا عيون شعرك مترجما إلى كل لغات العالم.

قد يلومني البعض على جزعي من جزّ رأس مصنوع من مادة الغرانيت أو الحجر في وقت تجزّ فيه الرؤوس بسبب الاختلاف في اللباس أو الأكل أو الشرب أو اللغة أو الرأي أو المذهب أو العقيدة. لهؤلاء أقول أن الجزّ واحد سواء كان للفكر أو البشر. وأن الجزّ الأول يُشَرع الثاني.

هل لنا أن نواسى أنفسنا قبل أن نواسيك يا أَبَـا تَمَّـامَ، ونتفاءل رغم انتكاص الفكر؟ ألست القائل:

وما من شدة ٍ إلا سيأتي  ….. لها بعد شدتها رخاء؟

نشر في صحيفة الخبر الجزائرية يوم 25/08/2014

 

عتبات االكلام: زمن اللسان الهجين
نصر الدين لعياضي
كلما سمعت الحديث عن الازدواجية اللغوية ومنافعها العديدة في الجزائر تذكرت الكاتبة الفرنسية “آن بلنتجني” التي أخذت والدها، وهو ابن أحد المعمرين، في زيارة إلى مسقط رأسه. لقد ولد في وهران، وغادرها شابا يافعا قبل استقلال الجزائر. فدونت هذه الزيارة في كتاب مؤثر ومنصف ومتعاطف مع الجزائريين عنونته بـ” ثلاثة أيام في وهران”. تقول فيه: ولد أبي في بيت بشارع “كوندورسي” الذي أصبح يسمى نجاح محيو، كما يدل عليه اللوح المكتوب باللغتين العربية والفرنسية. لقد رُفع هذا اللوح فوق لوح قديم ذي اللون الأزرق المطلي بحروف فرنسية بيضاء نقية. وعلقت الكاتبة على اللوحين بالسؤال التالي: أليس من الغرابة الاحتفاظ باللوحين بعد كل هذه السنين؟ فمن لا يعرف تاريخ الجزائر المعاصرة يجد صعوبة في معرفة أيهما الأحدث. ويخطئ، بكل تأكيد، من يحاول فعل ذلك لأن اللوح الجديد يبدو باهتا ومتآكلا إلى درجة يصعب فرز حروفه من بعيد، بينما ظل اللوح القديم في حالة جيدة! ويساندها مرافقها الجزائري بالقول أن لا أحد في وهران يعرف هذا الشارع باسم محيو حتى نحن أبناء الاستقلال!
يعتقد البعض أن الربط بين الازدواجية اللغوية وهذا المثال لا يخلو من المبالغة والتجنى. وهو كذلك لمن يعتقد أن اللسان مجموعة صوتية أو أحرف مكتوبة تنتهى وظيفتها بالاتصال، وينمحي فيها كل بعد تاريخي واجتماعي وثقافي وعاطفي.
ربما يحيلنا ما سبق ذكره إلى القول أن الازدواجية لا توجد سوى على صعيد الخطاب. أمّا تأثيرها في الواقع اليومي فمحدود جدا. فبجانب أقلية الأقلية التي تتقن اللغتين العربية والفرنسية معا، توجد نخبة ناطقة إما بلسان عربي أو فرنسي وكلتهما تعيش في مجتمعها الخاص، على حد تعبير أستاذ علم الاجتماع المرحوم جمال غريد: مجتمع معرب والأخر مفرنس، ولكليهما مرجعيته اللسانية والثقافية وفهمه للمجتمع والعالم. وهذا الأمر ليس جديدا في الجزائر، بل أوجده الاستعمار الفرنسي واستقوى، مع الأسف، بعد الاستقلال. أما العامة فيتكلمون لغة هجينة ليست عربية ولا فرنسية ولا أمازيغية. بل خليط تتداخل فيه كل هذه اللغات. قد يقول قائل أن هذا التصنيف إيديولوجي يحاكى الإيديولوجيا التي”أضعفت” القاسم المشترك بين المجتمعين المذكورين بشكل أكثر من القاسم المشترك الذى يربط الناطقين باللغتين المذكورتين في المغرب وتونس، وبين الناطقين باللسان العربي والانجليزي في بلدان المشرق العربي. ويعتقد أن توصيف الوضع اللساني بشكل موضوعي يقتضى القول أن اللغات التي تتعايش في الجزائر هي أربع : اللغة الفرنسية، واللغة الأمازيغية، والعربية الفصحى، والعربية “الجزائرية”. والسؤال الذي يثار، أكثر، يدور حول اللغة الأخيرة، التي رآها أحد المغنيين الجزائريين في حواره مع التلفزيون الفرنسي متعددة، وتكاد تبلغ، بشيء من المبالغة، عدد ولايات الجزائر!
إن تاريخ اللغات يثبت لنا أنه منذ ظهور الكتابة في العالم أضحت اللغة تتضمن مستويين: المستوى الأدبي والمحكي. فلا أحد اليوم في الشارع البريطاني يتحدث لغة شكسبير. وهذا لا يعني أن ما ينطق به لا صلة له باللغة الانجليزية. والفرق بينهما أن اللغة المحكية تستوعب، أكثر، المفردات والمصطلحات الأجنبية وتتطور بسرعة أكثر لتحررها النسبي من قيود قواعد النحو والصرف الصارمة. وهذا ما حدا بالبعض إلى المطالبة بإعفاء اللغات المكتوبة من بعضها.
المشكل أن لغة العامة في الجزائر؛ أي المحكية؛ تحولت إلى لغة هجينة لأسباب متعددة أمام وهن النظام التعليمي في تحصيل اللغات، سواء العربية أو الأجنبية. والطامة الكبرى أن وسائل الإعلام المختلفة أصبحت تتنافس، لأسباب تجارية بحتة، على إعادة انتاج هذا الهجين وتعميمه ” سواء في الإشهار أو الأخبار أو برنامج المنوعات. والنتيجة أن اللغة الفرنسية ظلت محتفظة بمكانتها العملية والرمزية في الدوائر الرسمية، خاصة تلك المرتبطة بالقرار الاقتصادي والسياسي وفي وسائل الإعلام رغم ضعف كفاءة الكثير من المتحدثين بها. وانجرت وسائل الإعلام “المعربة” بما فيها المكتوبة إلى إعطاء شرعية لهذا الهجين اللغوي. قد يقول البعض أن وسائل الإعلام مضطرة لمخاطبة الشعب بلغته. وهذا كلام سليم، لكن المرحوم عبد القادر علولة كان يتجه بمسرحياته إلى هذا الشعب ذاته، ولم يقحم فيها أي كلمة أجنبية وكانت مفهومة من قبل الجميع. وهنا تكمن مسؤولية وسائل الإعلام الأخلاقية والاجتماعية والثقافية، فعليها الاستعانة بخدمات فريق متعدد التخصصات( لسانيات، علم الاجتماع، والاتصال) للتغلب على اللسان الهجين ضمن مدونة لسانية إعلامية دون أن تحرمها من تأثرها باللغات الأخرى، بل تنتقى الكلمات الأقرب إلى فهم العامة. كأن تستبدل كلمة أمام بقدام، وكلمة خلف بوراء، والطريق بدل النهج أو الشارع، ونحّى بدل خلع……

http://www.nlayadi.com

عتبات الكلام: الغناء والرقص على جثة الإعلان
نصر الدين لعياضي

يعاني التلفزيون في المنطقة العربية من وطأة التناقض في شهر رمضان أكثر من أي شهر أخر. فمن جهة، تتزايد ساعات بثه للبرامج الدينية التي تؤكد على عدم الإسراف في الأكل. فرمضان شهر التوبة والغفران والتقرب إلى الله بالصيام والقيام، وصالح الأعمال وليس بأصناف المأكولات. ويضاعف بثه لبرامج الطبخ التي توحى، بشكل مضمر، أن هذا الشهر هو مهرجان الأكل، من جهة أخرى. ويلعب الإعلان- الإشهار التلفزيوني دورا رائدا في تغليب البعد الاستهلاكي لهذا الشهر، من خلال تزايد عدد ومضاته، ومدتها الزمنية، إلى درجة يعتقد المشاهد أنه يتابع ومضات إشهارية متلفزة تتخللها لقطات من المسلسلات، وبرامج الكاميرا الخفية التي تعددت مسمياتها.
وما يلفت النظر في الإعلان- الإشهار التلفزيوني الجزائري، أكثر، هو تماهيه مع الفيديو كليب. فالعديد من الومضات الإشهارية في القنوات التلفزيونية الجزائرية تتوسل بالرقص والغناء! ولا أعتقد أن هذا التماهي جاء نتيجة وعي أن الثقافة في التلفزيونات العربية أصبحت، اليوم، تختصر في الفيديو كليب. وأغلب الظن أن هذا التماهي رسخته العادة المكتسبة منذ نهاية عقد الثمانيات من القرن الماضي؛ أي عندما شرع التلفزيون الجزائري في بث ومضات إعلانية توعوية لحماية الأطفال بحوادث السير والطرقات أو لتطعيمهم ضد الشلل. فالومضات الإعلامية كانت حينذاك تستهدف الأطفال، لذا رأى منتجوها ضرورة تحويلها إلى أنشودة يرددها الأطفال لتتناغم مع نمط التعليم السائد والقائم على التكرار والحفظ. وبهذا تم تغليب البعد السمعي في الإعلان-الإشهار التلفزيوني. ومنذ تلك الحقبة وقسط كبير من الإعلان- الإشهار التلفزيوني الجزائري يشق طريقه نحو المستقبل بالغناء. وقد أُضيف له الرقص حتى لا يظل سمعيا فقط.
يمكن القول، من باب الاختصار، أن الإشهار-الإعلان التلفزيوني في العالم مر بالعديد من المراحل، ففي مرحلته الأولى كان يسعى إلى تقديم المعادل البصري للسلعة أو الخدمة، أي تمثيلها بصريا. وبهذا كان يقوم بدور تعريفي لها، وإعلامي عنها. وبتطور المنافسة وتقنيات التعبير التلفزيوني بدأ النص الإعلاني- الاشهاري التلفزيوني يروم الإغراء مستندا إلى الاستعارات التي تخاطب وجدان المشاهد، وتستنطق رغباته المكبوتة وأحلامه، وتسرّح خياله، وتمتن انتماءه الاجتماعي. وبهذا سما الإشهار بالبعد الرمزي للسلع والخدمات ليحدد،عبرها، مكانة الفرد/ المشاهد/ الزبون في الهرم الاجتماعي.
وأمام انزياح وسائل الإعلام عن مهامها، وسقوطها ضحية التضليل والتلاعب والقفز على الحقائق بدأت الثقة في مصداقيتها تتراجع لدى قطاع واسع من الجمهور، الذي تعددت مصادر معلوماته. فلم يعد يصدق ما تنقله. وقد دفع الإشهار ثمن هذا التراجع لأن الجمهور أدرك غاياته المتسترة. لذا غير المعلنون استراتيجيتهم في صياغة نص الإعلان-الإشهار التلفزيوني. واتجهوا إلى المزاح والدعابة من أجل تمرير خطابه. يمزحون مع الأشخاص وبأساليبهم ومواقفهم ووضعياتهم. وذلك لاعتقادهم أن المزاح يليّن مقاومة المشاهد للإعلان- الإشهار، وقد يدجن ريبته منه، فيستسلم لرسالته بابتسامة. لقد حاولت بعض القنوات التلفزيونية العربية تقليد هذا النوع من الإعلان- الإشهار التلفزيوني الأجنبي. ويا ليتها ما فعلت، لأنها أصبحت تسخر من ابن البلد – البدوي والقروي بالضرورة- ومن لباسه وطريقة حديثه ولغته إلى حد ازدرائه!
يعكس الإعلان- الإشهار التلفزيوني في العالم التاريخ الثقافي للشعوب والأمم وأنماط اتصالها ومستوى تطورها الاقتصادي والاجتماعي. فروح المزاح تتجلى، أكثر، في إشهار التلفزيون البريطاني. والنزعة الفكرية والأدبية تتجلى، أكثر، في الإعلان- إشهار التلفزيون الفرنسي من خلال اللعب بالكلمات والمعانى. يحضرني في هذا المقام الومضة الإعلانية-الإشهارية التي بثها التلفزيون الفرنسي، والتي تبرز صورة رضيع استمر في أكل زبادي “دانون” عبر مراحل نموه المختلفة، يرفقها صوت يقول فيما معناه: ” شيء فشيء تكبر بعض الشيء”. فماهي استراتيجية – الإعلان-الإشهار التلفزيوني الجزائري؟ جله لا يملك أي استراتيجية لكونه مجرد حوار ” ثقيل الدم” يذكر اسم السلعة أو يغير كلمات بعض الأغانى أو يسطو على بعض الالحان ويرقص على السلعة أو الخدمة. وكأن مشاهده طفل صغير يرفض الأكل فتقوم والدته بالغناء على الأكل حتى يأكل! فلا خيال، ولا فكر، ولا اجتهاد في حبك قصة ذكية تدور حول محور إعلاني محدد. وكأن الجزائر تعانى من عقم مخيلتها اللفظية وصورها الشعرية، وأقوالها المأثورة وحكمها، وعبقرية شعبها في الاستعارة والمجاز.
أعرف أن البعض لا يشطرني الرأي، ويعتبره حكما قاسيا وعاما. لذا أرجو منهم أن يسألوا كيف ينتح الإعلان- الإشهار التلفزيوني في الجزائر؟ هل يستند إلى دراسة السوق، وموقع السلعة أو الخدمة فيه، ويحلل عادات الاستهلاك، ويبحث عن المحور الإعلاني الذي ترتكز عليه، ويدرس الفئة التي يستهدفها وخصائصها الاجتماعية والثقافية؟ وهل يقوم ببحوث معمقة عن عملية تلقى – الإعلان- الإشهار؟

نشر في صحيفة الخبر الجزائرية بتاريخ 11 أغسطس 2014

عتبات الكلام: القراءة في زمن التَرْحال.

نصر الدين لعياضي

تهيأ لي أنني قرأت ذات مرة  في احدى الصحف الجزائرية أن وزارة الثقافة الجزائرية كانت تنوى، قبل سنوات، إنشاء مكتبات متنقلة بجانب مشروع مكتبة عامة لكل بلدية. فإن كان ما قرأته صحيحا، فهل تجسدت هذه النية أم أنها ظلت حبرا على ورق؟

كنت أعتقد أن فكرة المكتبة المتنقلة استلهمت من وزير بلاد فارس الأكبر، عبد القاسم إسماعيل، في أواخر القرن العاشر. والذي يقول عنه صاحب كتاب ” أبناء الأيام” أنه كان رحالة لا يتعب من السفر. يتنقل بمكتبته التي تضم 117000 كتابا يحملها 400 جمل. وكانت الجمال تشكل فهرسا للكتب. فكل مجموعة منها تُحَمّل بالكتب التي تبدأ بحرف من حروف اللغة الفارسية الاثنين والثلاثين. وإن كان البعض يرى في هذه القصة شيئا من المبالغة،  فلينظر إلى غاية نقل الكتب التي ترمي إلى حمايتها من الحريق والتخريب في أثناء الحروب والغزوات، والتاريخ لا يَضِنّ بأمثلته في هذا الباب. ولم يكن الغرض من نقلها تطبيق شعار: ” إن لم تذهب للكتاب فإن الكتاب يأتي إليك.”

إن مراجعة بسيطة لتاريخ الكتاب تدل على أن المكتبة المتنقلة قد وجدت من أجل توصيل الكتاب إلى الفئات الاجتماعية المحرومة التي تقطن في المناطق النائية والبعيدة عن المدن، والتى لا حيلة لها للوصول إلى المكتبة العامة أو العمومية.  وتطور هذا النوع من المكتبات بعد الحرب العالمية الأولى لتحل محل المكتبات العامة التي شكلت جزءا من خراب الحرب. وبعد ان نالت شعوب العالم الثالث استقلالها رأت السلطات التي تولت مقاليد حكمها أن وضع الكتاب في متناول القارئ يعد خدمة عامة، شأنها في ذلك شأن التعليم والصحة. لذا دعمت سعر الكتاب وعملت على توفيره للقراء حيثما وجودوا. لقد أكد نائب الرئيس الكولمبي السابق ألفارو غرزون: إن محو الأمية التي لا يتبعها توفير الكتاب  تعد أكثر قسوة  من إثارة عطش البعض ثم حرمانهم من كأس ماء!

اطلقت بعض الدول العربية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي العديد من المكتبات المتنقلة، من باب الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية، مما أثار حفيظة البعض. أتذكر أن الكاتب المرحوم لويس عوض احتج على هذه المكتبة إبان حكم جمال عبد الناصر. واعتقد أن من فكر فيها تصور ان المصرين ليسوا سوى مجموعة من البدو الرحل! فليرتاح لويس عوض في قبره. لقد أصبح الكتاب وقراؤه رحالة.  فالفيلسوف الايطالي، انبرتو إيكو، الذي لا يقل حبه للكتب عن حب الأمير عبد القاسم إسماعيل لها، لم يضطر في العصر الحالى إلى الاستعانة  بقافلة جمال ولا بأسطول من الحافلات لنقل كتبه حيثما يحل. بل أصبح يتأبط لوحا إلكترونيا فقط. فكم كانت فرحته كبيرة عندما سافر إلى الولايات المتحدة خفيف الحمل لأول مرة. لقد ” شحن” في اللوح المذكور مخطوطاته، والموسوعة البريطانية التي تضم العديد من الأجزاء، ورزمة من الروايات تتصدرها رواية ” الحرب والسلم” التي لا يجهل وزنها كل من قرأها في طبعتها الورقية.

أعتقد أن وزارة الثقافة الجزائرية خاضت تجربة ” المكتبة المتنقلة” في زمن المرحومة : الشركة الوطنية للنشر والتوزيع”. وإن لم تقيمها في الماضي فلا حاجة لفعل ذلك اليوم. فاللوح الإلكتروني، والقرص المدمج ) CD(، والذاكرة الومضية ) مفتاح USB( اراحت الجمال والشاحنات والحافلات وعربات السكك الحديدية من عناء نقل الكتب. ودفعت بفكرة المكتبة المتنقلة إلى غياهب الماضي. بل أن المواقع الإلكترونية الموجودة في اللا مكان وكل مكان وفرت الكتاب لمن يريده بأقل التكاليف الممكنة. هذا الأمر لا يحتاج إلى إثبات ولا حتى توجيه السؤال إلى محمد أحمد خليفة السويدي الذي أنشأ بماله الخاص موقع ” الوراق” في شبكة الانترنت. وسمح لقراء اللغة العربي حيثما وجدوا بنهل المعارف من عيون التراث العربي أو العالمي و من المكتبته السمعية- البصرية في الموقع ذاته.

لذا يفضل أن تستثمر وزارة الثقافة في المكتبات العامة. وتزودها بالعدة التكنولوجية التي تمكن القراء من الاستفادة من الكتب الرقمية المتوفرة في شبكة الانترنت. وأن تعمل على إنشاء موقع إلكتروني للكتب يجمع، على الأقل، كل ما نشرته الجزائر فقط. مشروع طموح لا يتوقف على النية فقط، بل يتطلب العمل على تطوير البنية القاعدية للاتصالات الرقمية التي تجعل القراءة في زمن الترحال متاحة للجميع.

نشرت بصحيفة الخبر الجزائرية يوم 23/6/2014

عتبات الكلام: الطريق إلى الصحافة

نصر الدين لعياضي

 

وجه صديقي، الذي التحق بمهنة الصحافة منذ 26 سنة قبل أن نودع القرن الماضي، نصيحة إلى الصحافيين المبتدئين. لقد دعاهم فيها إلى قراءة  الروايات العربية الكلاسيكية، مثل النظرات والعبارات، وماجدولين للكاتب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي، وغيره من مجاليه. صديقي يعرف ماذا يعني بنصيحته لأنه يمتلك وجهة نظر فيما يكتب. ويتمتع بنظرة نقدية لمهنته. لقد لاحظ ركاكة الأسلوب ووهنا في التعبير لدى بعض الصحافيين. وإن كانت القراءة مفيدة في وقت قلّت فيه، فأولويات ما يجب أن نقرأ كصحافيين يحتاج إلى نقاش. وأعترف أنني سمعت بهذه النصيحة أكثر من مرة. ولو تجنبنا الحنين الذي تثيره فإنها تجرنا إلى طرح بعض الأسئلة. ألا توحي هذه النصيحة، بشكل مبطن، أن الكتاب المعاصرين لم يصلوا، بعد، ليشكلوا مرجعا للغة العربية، ومتكأً لصقل أسلوب الكتابة؟ فماذا عن كتابات محمود درويش النثرية، مثلا؟ ألا تساعد الصحافي والقارئ بصفة عامة على تهذيب أسلوبه وتطويره؟ قد يقول قائل أن لغة محمود درويش شعرية حتى وإن كانت نثرا. إذا، فليقرأ الصحافي المبتدئ روايات الكتاب العرب الذين وصلوا إلى الأدب عن طريق الصحافة. وحتى لا أتهم بالشوفينية لن أذكر أي كاتب- صحفي جزائري. وأكتفي بالقول أن الكثير من كتاب اللغة العربية كانوا صحافيين. وقد نالوا جوائز مرموقة. وقراءة إنتاجهم يمكن أن يساعد المبتدئين في مهنة الصحافة على امتلاك الأسلوب السلس في الكتابة. ثم ألا تتضمن هذه النصيحة اعترافا ضمنيا أن ” لغة الصحافة” المطلوبة اليوم هي لغة مطلع القرن الماضي، وكأن الزمن العربي ظل معلقا؟ إن اللسان كائن اجتماعي حيّ يتطور بالاستخدام ويتلاشى بتلاشيه أو يفنى على غرار اللغات القديمة: الآرامية والفينيقية، والأكادية، والسريانية.

إن لغة مصطفى لطفي المنفلوطي السلسة، التي تتسم بصدق العاطفة، لم تبك القراء المراهقين فقط، بل سلحتهم بنظرة مثالية للحياة والعلاقات الإنسانية. فأتعبت الكثير منهم في تعاملهم اليومي عندما بلغوا سن النضج. فاللغة تعكس البيئة التي تنمو فيها. لذا يمكن القول أن لغة  المنفلوطي لغة هادئة، وساكنة، ومتأنية. وجملها طويلة مسترسلة يرفدها الإطناب والاستطراد. الأمر لا ينطبق على المنفلوطي فقط، بل يشمل الكثير من مجايليه الذين حافظوا على نقاء اللغة العربية من اللهجات المحلية إلا أنهم لم يجددوها لأسباب مفهومة. وإن كانت لغتهم قد أفادت الأسلاف من الصحافيين فإن الكتابة الصحفية، اليوم، بحاجة إلى لغة عملية، رشيقة، ومتدفقة. تعتمد على الإيجاز والتكثيف. فإذا أضاف أهل الأدب للقصة القصيرة نوعا أخرا وهو القصة القصيرة جدا، التي يحلو للبعض تسميتها بالقصة التويترية – نسبة إلى موقع تويتر، فلا غرابة أن نطالب بلغة صحفية ” تقتصد” الكلام، وتعبر عن الأحداث والأفكار بدقة وإنصاف دون مبالغة. وسيكسب الصحافي المبتدئ الكثير ان اطلع على مؤلفات الكتاب العرب والأجانب من المعاصرين. فليقرأ للروائييّن إرنست همينغوي وغارسيا ماركيز، على سبيل المثال، اللذان مهدت لهما كتابة الربورتاج الصحفي الطريق إلى الكتابة الروائية. فمن يقرأ كتاب غارسيا ماركيز: “عشت لأروي” يجد فيه مادة تساعده على التفكير في الفرق بين الأدب والصحافة. وتكشف له عن تجربة ثرية في كتابة الربورتاج والبورتري الصحافييّن. وأعتقد أن الكاتب “إدواردو غاليانو” الأوروغوائي يظل أفضل معين للصحافيين في الكتابة. أليس هو القائل لنكتب الكلمات التي يجب أن تقال؟ لقد حاول أن يلج الأسرار الغامضة في الحياة والمجتمع حيث يمكن للحقيقة أن ترتدي قناعا، كما يقول. فكان كتابه الرائع: “أبناء الأيام”. لقد كتبه في شكل مقاطع مختصرة استلهم منها بعض الصحافيين العرب والأجانب الكثير في كتابة أعمدتهم الصحفية. فهل تريد عزيزي القارئ الإطلاع  على ما كتبه عن يوم من هذه الأيام؟ إليك المقطع التالي:

نابليون لم يكن فرنسياً، وستالين لم يكن روسياً، وهتلر لم يكن المانياً وإنما ولد في النمسا ومارغريتا سارافاتي المرأة التي أحبها موسوليني المعادي للسامية كانت يهودية.. والنحات اليخادينهو، الأكثر دعامة بين البرازيليين .. ولدت من بين يديه أعظم ملكات الجمال البرازيليات، والسود الأميركيون الشماليون، أكثر البشر تعرضاً للاضطهاد؛ أبدعوا الجاز” أكثر أنواع الموسيقى تحرراً”

نشر بصحيفة الخبر الجزائرية  يوم 16 /6/2014

http://www.elkhabar.com/ar/autres/makal/409053.html

      عتبات الكلام: مذاق الموز

                 نصر الدين لعياضي

الصحف الفرنسية التي توصف باليمنية المتطرفة لا تحب وزيرة العدل الفرنسية “كريستين توبيرا” ، بل تكرهها للّون بشرتها. وهذا أمر معروف. لكن أن تذهب إلى حد وصفها بالقردة فهذا لم يكن متوقعا قط. بالفعل، لقد افتتحت صحيفة ” مينيت” الفرنسية صفحتها الأولى، يوم 13 نوفمبر 2013، بالعنوان التالي: ماكرة مثل قرد، توبيرا تجد موزتها! وتمادت في استعارتها الشاتمة في صفحاتها الداخلية تحت عنوان: لا نُعَلّم القرد المسن التكشير”. وقد أثار هذا الشتم الجارح والعنصري جدلا واسعا في فرنسا، التي يؤكد دستورها أن الجمهورية لا تميّز بين مواطنيها على أساس اللّون والعِرق والأصل والدين. إن موجة العنصرية ضد العرب والأشخاص الملّونين، مثلما يقال، لم تقف عند هذه الدولة وحدها، بل اجتاحت العديد من الدول الأوروبية. ففي إسبانيا، مثلا، رُمِي اللاعب الإسباني بنادى برشلونا ذو الأصول البرازيلية، داني ألفيز، بموزة وهو فوق أرضية الملعب لتذّكره بلّونه الداكن، فأكلها. وقد أثار سلوكه هذا موجة واسعة من التعاطف معه، خاصة بعد أن غردت رئيسة البرازيل، ديلما روسيف، بأغرودة في موقع شبكة تويتر تنص على أن داني دلفيز رد بشجاعة وقوّة على العنصرية في الرياضية. وقد تحوّلت هذه الموجة إلى حركة واسعة مناهضة للعنصرية سميت بــــــ ” آكلي الموز”.

إن حادثة الموز التي انتقلت من فرنسا إلى إسبانيا استفزت صديقي الذي يسخر من كل شيء حتى من نفسه، فخاطبني سائلا: ألم أقل لك أن البشرية تنفض يدها من نظرية ” داروين” التي ترجع أصلنا إلى القردة؟ فالقوم الذين يقذفون غيرهم بالموز يقولون ضمنيا أنهم ليسوا ممن تشملهم نظرية داروين! بعيدا عن المزاح، يدعو مائيل لو غاريك ، أستاذ الفلسفة، إلى التعاطى بجدية مع حادثة قذف الموزة. فيقول: لا يمكن اعتبار هذه الموزة رمزا كالتحية النازية، على سبيل المثال. إنها نفاية سقطت في الأرض فالتقطها اللاعب داني ألفيز. فهذا اللاعب ألتقط شيئا ما كان له أن يسقط في ملعب كرة القدم. وهذه الموزة اقحمت العنصرية كمعطى ضمن المعطيات الأخرى التي ولجت لعبة كرة القدم. اللعبة التي أصبحت تتأثر، بشدة، بالتوترات التي تقع خارج الملعب. لكن هذا الفيلسوف لم  يشر إلى كيفية لتعامل مع الصحف التي تقذف الموز في الساحة السياسية. فهل يتم تجاهلها واعتبارها من تفاصيل الحياة اليومية التي يعاني منها الأجانب أو المنحدرين من أصول غير أوربية حتى لا تعيق اندماجهم في المجتمعات الأوروبية؟ وهل من الأفضل التعامل معها بمنطق ألكسندر المقدوني؟ لقد منع  هذا الأخير جنوده من استهلاك الموز عندما غزا الهند لاعتقده أنه ثقيل في الهضم ويضعف طاقتهم. وإن كانت حركة ” آكلي الموز” تشاطر إسكندر الرأي في أن الموز عسير على الهضم سواء في السياسة أو الرياضة، فعلماء التغذية يسمونه ملح الذكاء لامتلاكه قدرا كبيرا من مادة الفسفور. وهذا ينسف حجة العنصريين.

وترى العديد من الأساطير الأسيوية أن شجرة الموز شجرة الجنة لأن أوراقها تستطيع أن تغطي موطن الإثم، في جسد الإنسان، الذي ارتكبه في حياته. بيد أنها لم تخبرنا هل تستطيع قشور الموز أن تغطي إثم العنصرية في المجتمعات المعاصرة؟ لقد جعل “بودا” شجرة الموز رمزا للهشاشة. وهو محق في ذلك لأن الموز الذي تقذف به الصحف العنصرية قراءها يكشف عن حالة من الهشاشة والقلق والخوف من الأخر في بعض المجتمعات الغربية التي تعاني من ويلات الأزمة الاقتصادية. ألم تلد النازية من رحم الأزمة الاقتصادية العالمية؟

قد ننسى العنصرية وقصة الموز هذه، بعض الوقت، لأن الخطاب عن وسائل الاتصال الحديثة يُنَوّمنا بالقول المجتر: إننا نعيش في قرية عالمية قربت بعضها ببعض، وعرفتنا إلى بعضنا. لكن بعض الصحف، سامحها الله،  تذكرنا بها. بل تقصفنا، كل مرة، بما تملك من موز. لكن هذا القصف، الذي يقصد به الإساءة لأبناء المستعمرات وكل الشعوب التي يقال عنها أنها ملّونة،  يشتم كل الذين جمعوا الموز وأقاموا له جمهوريات. هذا ما يخبرنا به تاريخ شركة الفواكه المتحدة التي بدأت في احتكار إنتاج موز في دول أمريكا الجنوبية وتسويقه منذ نهاية القرن 19. ومن يقرأ كتاب “غارسيا ماركيز ” عشت لأروي” لا يسأل عن مذاق الموز. ” فمأساته في منطقة سنتا مرتا بكولومبيا، التي يسرد تفاصيلها، قد تصحح ما ترويه بعض الأساطير عن قاذفيه. وتؤكد أن الموز ظل رمز العار منذ القرن 19 إلى عصرنا الحالي.

نشر بصحيفة الخبر الجزائرية يوم 9/6/2014

عتبات الكلام: ساعدونا في أن نرى

يذكر الكاتب الأورغوائي “ادواردو غالانيانو” أن أحد أصدقائه اعترف له أنه لم ير البحر بأم عينه إلا برفقة والده وهو في سن السابعة. فذهل لروعته واتساعه ولونه وهدير أمواجه. فصاح من هول المفاجأة: يا أبتي، ساعدني على النظر. قد يتعجب القارئ الكريم من غرابة هذا الطلب. ويتساءل: كيف نساعد شخصا بصيراليرى؟ ربما يعتب على طالبه أو يجد في براءته ما يشفع له، لكنه يندهش عندما يدرك أن الكبار قد يعجزون عن النظر في أحيان كثيرة لأنهم ببساطة لا يعرفون كيف يرون الأشياء أمامهم! والدليل على ذلك يقدمه الكاتب ذاته في الجزء الثالث من كتابه الشهير ” ذاكرة النار” نقلا عن الكاتب الأمريكي ” جميس بالدوين”. إذ يذكر أن هذا الأخير كان يسير في شارع بنيويورك رفقة صديقه الرسام في 1944. فسأله الرسام عندما وقفا أمام إشارة المرور الحمراء: ماذا ترى، وهو يشير بيده إلى بقعة من المياه الآسنة بجانب الرصيف؟ ويؤكد ” بالدوين” أنه لم ير سوى الماء. لكن الرسام ألح على السؤال. و يعترف أن هذا الإلحاح سمح له برؤية بقعة من الزيت تطفو فوق الماء. وعندما دقق النظر أكثر، ومع الإلحاح، وبمزيد من التمعّن بدا له قوس قزح من الألوان في المياه الآسنة، ثم رأى انعكاس المارة بكل ألوانهم وفئاتهم في المياه الراكدة. وقد شكلت هذه القصة البسيطة درّسا عظيما للأديب الأمريكي الذي يقول عنها أنها علمته كيف يرى العالم. إن هذه القصة تختصر مهام الفنان الذي يعلمنا كيف ننظر إلى أدغال أنفسنا ومفارقات سلوكنا، وإلى غابة الحياة الاجتماعية التي تخفي التفاصيل التي تشكل إنسانيتنا. فهل يمكن أن يضطلع رجال الإعلام بجزء بسيط من هذه المهمة؟

يجيب بعض الصحافيين والقراء عن هذا السؤال بنعم. ويرون أن وسائل الإعلام أزالت الغشاوة عن أعين الناس. ويدينون لها بالفضل فيما يعرفونه. ويرى بعض المثقفين العكس لاعتقادهم أن وسائل الإعلام تعمل على قبر دهشتنا. فتظهر الغريب والشاذ والمَهُول على أنه طبيعي وعادي. وتستدرج القارئ إلى التعامل مع الأحداث على أساس أنها لا تملك أهمية في حد ذاتها، كما يؤكد ذلك الصحافي” إيناسيو رومني”. وأن محتوى الأخبار لم يعد يملك القيمة التي كان يملكها لأن الناس لا يحتفظون بما تمثله، بل يتشبثون بما تمثله هذه الأخبار لوسائل الإعلام! ليس هذا فحسب، بل أن وسائل الإعلام تلعب لعبة الساحر الذي يلهي جمهوره بإبراز شيء ما من أجل إخفاء ما يريد إخفاءه بخفة اليد. فالباحث الموريتاني السيد ولد أباه  يرى أن المغامرات العاطفية التي قام بها مدير صندوق النقد الدولي السابق، دومنيك ستروس كان، ” والتي تداولتها وسائل الإعلام ذات ليلية في شهر ماي 2011 خطفت الأضواء من تداعيات الأزمة المالية العالمية  وبداية الاحتجاج الشعبي على سياسة الصندوق المذكور. والإطاحة بتمثال صدام حسين الذي ” احتلت ” صوره  شاشات تلفزيونات العالم لم تخبرنا عن نهاية حكم مستبد في العراق فقط، بل تمت مَسْرَحتها وبثت لتغطى على أحداث النهب الذي تعرضت له المؤسسات الإدارية والثقافية ببغداد، بما فيها المتاحف. وصرفت النظر عن الدمار الذي لحق ببغداد. فوسائل الإعلام تصنع الأحداث، في نظر المفكر “بيار نورا، وتصبح جزءا منها، بل تغدو شرط وجودها. فتجردها من كل بعد تاريخي، وتستبدلها بالخبر العرضي والمثير، الذي أسماه ” الحدث الشبح” الذي يخطف الأضواء ويزيغ النظر، لبعض الوقت، على الكثير من الأحداث التي تشكل رهانات المستقبل. والمؤسف أن بعض وسائل الإعلام تعامل الأحداث بمنطق بعض الأفلام التي تبهر بديكورها لتغطي رداءة السيناريو!

قد يجد البعض ألف تبرير وتبرير لهذه الممارسة كالقول، مثلا، إن وسائل الإعلام تعاني من الإكراهات المالية والسياسية، و ضغط الوقت والسبق الصحفي. لكن كل هذه التبريرات لا تقلل من شأن القول أن وسائل الإعلام مددت في معنى كلمة الكذب، إذ أنها لم تعد تقتصر على تجنب قول الحقيقة، بل أصبحت تدل، أيضا، على إخفاء بعض الأحداث وحجبها عن النظر. فماذا ننتظر من وسائل الإعلام التي تسرف في سرد أخبار الشعوذة والجريمة وتمارس التضليل السياسي؟ فيمكن أن تتهم المدمن على أخبارها بالجهل، وضعف مستواه الثقافي، والعجز عن إدراك جوهر الأمور ذات العلاقة بالشأن العام! ألا ينطبق عليها، في هذه الحالة، ما قاله الشاعر الانجليزي “جون ميلتون” : إن الذين فقئوا عيون الشعب هم الذين يتهمونه بالعمى؟

عتبات الكلام: عندما يقبض الرمز السياسية

نصر االدين لعياضي

عندما شرعت دول العالم في الإعداد لمؤتمر الأرض الذي انعقد في مدينة كوبنهاغن في 2009، تحت عنوان ” الفرصة الأخيرة”، سارعت دولة جزر المالديف إلى عقد مجلس وزرائها في عمق البحر! وأدرك الكثيرون ساعتها أن غاية هذا الاجتماع هي لفت نظر العالم وقادته إلى مخاطر الاحتباس الحراري الذي يهدد الكوكب الأرضى وساكنيه. لقد بعث هذا البلد الأسيوي الصغير، المكون من مجموعة من الجزر الصغيرة التي تقع في أسفل منخفض أرضي في العالم، بإشارة قوية للمجتمعين في كوبنهاغن لأنه ادرى بالأمر. لقد فقد عشرين جزيرة في إعصار السونامي الذي ضرب بعض الدول في جنوب أسيا في 2004.

ونجح مجلس الوزراء ذاك في ترميز مصير الكوكب الأرضي إن لم تتغلب الدول الكبرى على أنانيتها وجشعها، واستمرت في ” تسخّينه”.  بينما لم تفلح المفاوضات حول المناخ التي جرت في “وارسو”، عاصمة بلغاريا، في ايصال الفكرة التي أرادتها مثلما فعلت دولة المالديف. لقد اجتمع ألف مفاوض قدموا من مختلف أصقاع العالم في بناء جاهز مزود بنظام تدفئة أُعد لهذا الغرض وسط ملعب رياضي مغطى بالعاصمة صوفيا! لقد علق الفيلسوف الفرنسي “ميشال سير” على تعثر هذا الرمز في إيصال المعنى بالقول أنه يسجل عجزا ديمقراطيا لأن الملعب كان خاليا من الناس، ونقصا في الذكاء لأن اللقاء كان خاصا بالعوامل التي ترفع منسوب الاحتباس الحراري في الفضاء، ومنها التدفئة الاصطناعية! لقد استلم منظموه، بسهولة، لإغراء خبراء الاتصال!

إن السياسة ممارسة طقوسية محملة برمزية عالية تؤسس للسلطة وتشرعنها. وتقترح المعانى التي تعطى لسلوك معين. وتتجلى عبر الأفعال، وفي اللقاءات المختارة، والزيارات المحددة بعناية، والكلمات المختصرة والمكثفة التي تكشف عن عمق الأفكار والمساعى. فالمجتمع ساحة كبرى يمارس فيها البشر أدوارهم وفق قواعد منتظمة تأخذ طابعا طقوسيا. وبعض الشعوب والأمم، مثل الصين واليابان والهند، التي تملك من الأساطير والطقوس الروحية والدنيوية ما يفيض عن حاجتها تنطبق عليها صفة المجتمعات الساخنة، وفق منظور الباحث ليفي ستروس. فالتاريخ بالنسبة لها لا يُعدّ مكونا أساسيا لفهم ذاتها فقط، بل لفهم محتوى الأشياء المقولة، أيضا. فهذه المجتمعات لا توظف رموزها في النشاط السياسي والحملات الانتخابية بالقدر الذي توظفه الولايات المتحدة الأمريكية التي تملك من الجغرافيا أكثر من التاريخ. فالمجتمع الأمريكي، الذي تنطبق عليه صفة المجتمع البارد يعانى من شحَّ الأساطير والملاحم. لذا يستثمر قدراته ومهاراته في مجال الفنون البصرية لتوظيف الأشياء البسيطة وتحويلها إلى أساطير ورموز من خلال تشخصيها ومسرحتها. فالممثل شورزنبرغ خاض حملته الانتخابية في ولاية كاليفورنيا رافعا مكنسة. وكان يدوي بصوته قائلا: أريد أن ” أنظف السياسة في كاليفورنيا”. ولم يَرْتَدِ لهذا الغرض بذلة جديدة من الماركات العالمية ورابطة عنق، بل اكتفى بقميص عاد مثل غالبية الذين حضروا في مهرجاناته الانتخابية. وحرص أن يكون القميص بالكمّين حتى يستطيع أن يرفعهما ليشمّر على ساعديه.  فبدا شخصا قويا ومُصرّا على تنفيذ ما وعد به. وفاز في الانتخابات بفضل توظيفه المكنسة كرمز. وقد حاولت “سيغولان روايل” أن  تستعمل الرمز ذاته لنيل ثقة مناضلي الحزب الاشتراكي ويرشحونها إلى الانتخابات الرئاسية التي جرت في السنة الماضية. فخاطبتم في التجمع الانتخابي قائلة: إن البيت الفرنسي بحاجة إلى عملية تنظيف واسعة. ولا ضرر أن تُنتخب امرأة لتتولى هذه المهمة. لكن هذا التشبيه لم يرق للجميع. ولا يعزز، في نظر نساء الحزب، نضالهن من أجل تحقيق المساواة بين الرجال والنساء، بل يطيل عمر الصورة النمطية التي ” تسجن” المرأة في الشؤون المنزلية. أما رجال الحزب الاشتراكي، وهم الأكثرية، فاعتقدوا أن التشبيه المذكور يظهر سيغولان رويال كامرأة مطيعة تقنع بالمهام المنزلية التي أوكلت لها، بينما جاءوا لانتخاب زعيم وقائد سياسي يقودهم نحو الفوز، ويُكَبّر فيهم طموحهم. إذا، لم تحقق “روايل” ما أرادت تبليغه. وهذا الشيء يبدو عاديا لأنه ارتبط بالمرأة. وقيل أمام جمهور متعاطف مع حقوقها.

إن الرمز الذي نحج في الولايات المتحدة الأمريكية هو ذاته الذي أخفق في فرنسا. والسبب في ذلك  يكشف، بعيدا عن مسألة الجنس أو النوع، عن نمطين مختلفين من الاتصال السياسي. فالنمط الأمريكي يرى أن فاعلية الخطاب السياسي تقوم على تشخيصه وتقريبه بصريا من مخيلة الناس. بينما يؤمن الفرنسيون أن الخطاب السياسي يرتكز على اللسان والبلاغة. فينتقى الكلمات والجمل ويُحشر بالشعارات الرنانة والحماسية دون التفكير في كيفية إخراجه بصريا في عصر يُقال فيه أن الصورة استحوذت على عملية الاتصال.

www.nlayadi.com

عتبات الكلام: لا واقعية سحرية في الإعلام.

نصر الدين لعياضي

لم أقرأ أي رواية من جنوب أمريكا قبل دخولي الجامعة ودراسة مادة ” الأدب والسياسة”، والتي بفضلها درسنا عيون الروايات العالمية، أذكر منها رواية ” مائة سنة من العزلة”. ففتحت عيوننا على “الواقعية السحرية “. واعتقدت حينها أن كاتبها، الروائي الكولومبي غارسيا ماركيز، استلهم بعضها من ألف ليلة وليلة. بيد أن الناقد “محمّد محمّد الخطّابي”  أكد لي أنني قارئ غير نبيه لأن الرواية المذكورة ليست صيغة أمريكية من قصص ألف ليلة وليلة التي تلخّص تاريخ أمريكا اللاتينية منذ استقلالها إلى الوقت الحاضر. وهذا دفعني إلى البحث عن العلاقة بين الطابع السحري في ألف ليلة وليلة والواقعية السحرية لدى  خوان رولفو، وغارسيا ماركيز، وكارلوس فونتز، وجيم سينز، وغيرهم. واكتشفت أن السحر في “ألف ليلة وليلة” فاض عن الضرورة الأدبية لينفصل كليا عن الواقع، ويسكن في الخيال. وهذا خلافا لموقع الواقع في الواقعية السحرية. وحتى أكون واضحا، أكثر، أزعم أن المشهد الذي يأتي فيه الغجر إلى قرية “ماكوندو” الأسطورية في الرواية المذكورة، بألعابهم النارية وكرتهم “الكريستالية”، ويسلبون سكانها ذاكرتهم ولا يستعيدونها إلا بعودتهم بعد سنة، يُعد ضربا من الواقع السحري. أما الحديث عن أمة فقدت ذاكرتها إلى الأبد وعجزت كل الحيل عن إعادتها لها لا تنتمي إلى الواقعية السحرية، لأنها تشكل واقعا حافيا. لذا، رفض غارسيا ماركيز تحويل روايته المذكورة إلى فيلم رغم كثرة الإغراءات المالية. وقد علّل ذلك بالقول أن المئات من الأشخاص من مختلف بلدان العالم راسلوه ليخبروه أن الجدة  “أورسولا”  في الرواية المذكورة تشبه جداتهم. و قد أبى أن تتقمص دورها ممثلة ما، ولتكن صوفيا لوران مثلا، حتى لا تصبح واقعا منزوع السحرية. وقصة هؤلاء الأشخاص مع الجدة ساعدتني على إدراك أن لكل مجتمع واقعه السحري الخاص. فالروائي السوداني “عبد العزيز بركة ساكن”، مثلا، يعتقد أن الواقعية السحرية تشكل نسغ الحياة الاجتماعية في السودان. ولإثبات ذلك يستشهد بالنص السردي الموسوم  ‘طبقات ود ضيف الله’ ،الذي ألفه الشيخ “الأمين الحاج محمد أحمد” قبل مئات السنين، ويسرد فيه وقائع يومية حدثت أو يظن أنها حدثت لشيوخه وأفراد مجتمعه: منهم من كان يطير، ومنهم من ينسخ من نفسه عشرات الأشخاص، ومنهم من يستطيع الحضور في أمكنة عديدة ومختلفة في الوقت ذاته، ومنهم من يمشي على الماء، وغيرها من العجائب. ويذكر الروائي ذاته أن أهله وسكان قريته مازالوا يؤمنون ‘بالبعاتي’، وهو شخص يستيقظ بعد الموت بثلاثة أيام من موته! ويستطيع رجل يُسمى ‘الكجوري’ في بعض قرى كردفان في جبال النوبة بالسودان أن يأتي بالمطر وقتما يشاء وأينما يشاء وكيفما يشاء، وان يرسل الصواعق للصوص والمجرمين. بإمكان أي من القراء أن يحمل عددا كبيرا من العقارب والثعابين السامة جدا في يديه إن حُصَّن بتميمة اسمها ‘ضامن عشرة’.  و’القمباري’، الرجل الذي لا يستحم إلا عندما ينزل المطر، شخصية موجودة في مئات القرى بالسودان، مهمته هي توجيه الجراد وإبعاده عن مزارع أهل القرية مقابل وعد ببعض الذرة بعد الحصاد، ومن لم يف بوعده يرسل له الجراد في العام القادم. و’القمباري’ يولد وفي معصمه نقش لجرادة. ويؤكد هذا الروائي صادقا أن والدته ظلت تعتقد أن ما يكتبه من روايات يميلها عليه الجن الذي كان يشاطرهم السكن.

إن غارسيا ماركيز، لم يتحدث عن الواقعية السحرية عندما اعتلى منبر الأكاديمية السويدية لنيل جائزة نوبل للآداب، يوم 8 ديسمبر 1982، لأنه نقلها إلى الورق، وبإمكان أي قارئ أن يعود إليها. لقد تحدث عن واقع أمريكا الجنوبية بكل مآسيها وعزلتها حتى بعد أن تحررت من ربقة الاستعمار، وكأنه كان يخشى أن يفهم قارؤه أن هذه المنطقة من العالم لا تملك من الواقع إلا سحره. أو شعر بقصور بعض وسائل الإعلام  التي تجتهد من أجل إضفاء طابع أسطوري على الواقع. فتقدم لنا الأشياء المألوفة وحتى الروتينية على أنها خارقة للعادة وأسطورية. فننسى أنها عادية، ونندهش لطابعها الغرائبي.

أخيرا، هل لاحظتم أنني لم أشر قط إلى الشيخ باللحمر الذي حولته بعض وسائل الإعلام الجزائرية إلى نجم، ونفخت فيه قدرة تضاهي قدرة الذين ذكرهم الروائي السوداني؟ إن الواقعية السحرية  تصبح شعوذة ودجلا إن رُحلت من نص أدبي إلى نص صحفي.

نشر بصحيفة الخبر الجزائرية يوم 19/5/2014

 

عتبات الكلام: أين الجمهور؟

نصر الدين لعياضي

 

بدأت مسرحية ” بودي غارد” المصرية عرضها متأخرة كالعادة. وضجت مدرجات مسرح الهواء الطلق بالمركز الثقافي العيدي فليسيبالشباب الذي أتىبعدّته المعهودة التي يصطحبها معه في كل تنقلاته إلى ملاعب كرة القدم. فتعالى صياحه وصفيره. وارتفعت الأهازيج التي يرددها مناصرو فرق كرة القدم طيلة مدة عرض المسرحية!  وقد شجعت رداءة صوت الممثلين المنبعث من مكبرات الصوت الشباب على المضي قدما في هرجهم ومرجهم. ففي هذه اللحظة تذكرت المرحوم عبد القادر علولة، وخلته يتقلب في قبره غاضبا، وهو يتمتم قائلا: (لا لا هذا ليس مسرح الحلقة الذي تحدثت عنه.)

انتهى العرض المسرحي مثلما بدأ، وخيل لي أنني  كنت في ملعب مصطفى تشاكر بالبليدةأشاهد مباراة في تنس الطاولة وليس كرة القدم! وتساءلت في سري: أيعقل أن تفقد الجزائر تقاليدها في تنظيم العروض المسرحية؟ ألم يعد الشباب الجزائري يفرق بين متابعة مباراة في كرة القدم في مدرجات الملاعب ومشاهدة عرض مسرحي؟ وكيف اضعنا الجهود المضنية التي بذلناها الجيل السالف من أجل تشكيل جمهور مسرحي؟

يروي الباحث حسن تليلاني أن أب المسرح الجزائري الراحل ” علالو” استطاع أن يجمع

ألفا وخمسمائة متفرج دفعوا التذاكر لمشاهدة أول عرض بعنوان ”جحا” في منتصف شهر أفريل من العام 1926 بقاعة ”الكورسال” بباب الوادى! ومهما خففنا من المبالغة في هذا العدد، فإنه يفصح عن عجز أي مخرج مسرحي في جذب العدد ذاته من الجمهور، مما يبيّن العمل الشاق الذي قامت به أجيال من الفنانين الجزائريين من أجل إرساء الفن الرابع في بلادنا، وترسيخ تقاليد العرض المسرحي في المجتمع الجزائري. ففي هذا الصدد يذكر الفنان طه العامري أن العرض المسرحي الجزائري كان يرفق دائما بحفل موسيقى في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي. فالناس يأتون لمشاهدة العرضين معا. فالموسيقى كانت تستغل لتشجيع الناس على دخول المسرح، وتعويدهم على ذلك. وقد استمر هذا التقليد إلى غاية 1955. ويواصل قائلا: من أجل الحفاظ على جمهور المسرح، وتمتّين علاقته بالعرض المسرحي كنا نحترم مواعيد الموسم المسرحي الذي يبدأ في شهر سبتمبر ويختتم في 15 ماي من كل سنة! و نضطر إلى تغيير المسرحيات كل مرة حتى نرضي الجمهور الذي يكف عن القدوم إلى المسرح إذا استمرت مسرحية واحدة في العرض لمدة زمنية طويلة. فالرهان كان في ذلك الوقت يتمثل في تطوير العرض المسرحي حتى لا يفقد المسرح جمهوره في ظل مضايقات السلطات الاستعمارية. وبالفعل، فقد تمكن المرحوم محي الدين بشطرزي من تشكيل جمهوره الذي كان يقدر في تلك السنوات ما بين 700 و800 متفرج دائم!

إن تزايد عدد سكان الجزائر اليوم، وتعدد مسارحها، وارتفاع مستوى معيشة أبنائها مقارنة بمواطنيهم في العهد الاستعماري، وارتفاع مستوى تعليمهم، وتزايد وسائل النقل وتنوعها، وتعدد وسائل الإعلام التي تروج للعروض المسرحية التي تقدم في كثير من الأحيان مجانا، كلها عوامل ترافع لصالح احتمال زيادة عدد رواد المسرح في بلادنا. لكن الواقع يؤكد عكس ذلك، فبعض المسرحيات تعرض في مسارح شبه خاوية أو أمام جمهور قليل العدد. فأين ذهب الجمهور؟

الأدهى أن هذا السؤال ينطبق، أيضا، على جمهور السينما. ففي 1962 كان عدد قاعات السينما يقدر بحوالي 432 قاعة. وكانت الجزائر تستورد ما بين 350 و 400 فيلما من كل بلدان العالم تقريبا. وتراجع عدد هذه القاعات في 2000 إلى 15 قاعة فقط في كامل التراب الوطني. وبالمقابل تزايد عدد الجزائريين، خاصة من الشباب، الذين لا يعرفون ما معنى مشاهدة فيلم سينمائي في قاعة مظلمة! فيمكن أن نستعيد القاعات التي ورثناها عن الاستعمار ونجهزها بأحدث تكنولوجية رقمية، لكن أين الجمهور؟ قد يقول البعض مستنكرا إن الجمهور سيأتي إذا كانت القاعة ملائمة والفيلم جيدا. لكن أي جمهور؟ هل الجمهور الذي لا يفرق بين مشاهدة فيلم  ومتابعة مقابلة في كرة القدم؟  فالجمهور لا يتشكل في لحظة ولا بالمهرجانات ” الفلكورية”،  بل نتيجة لممارسة ثقافية ترسخها التقاليد. فيمكن أن نمول الأفلام السينمائية ونشارك بها في المهرجانات العالمية لكن لا أحد يشاهدها في الجزائر! لا أعتقد أن هناك من يجرؤ على اتهام  المفكر “فرانز فانون” بالجنون لأنه كان يعرض أفلاما سينمائية في المصحات العقلية بالبليدة ووادي عيسي بتزي وزو في أثناء الثورة التحريرية؟ فبعد أكثر من ربع قرن أصبحنا نوظف كل الحجج لحرمان ” العقلاء” من مشاهدة فيلم سينمائي!

نشر بصحيفة الخبر يوم 12/5/2014

عتبات الكلام: عندما يتسابق السياسي مع الفنان

نصر الدين لعياضي

 

 

دفع تعامل أردوغان مع تويتر بالباحث الموريتاني، السيد ولد أباه، إلى التأكيد أن عصر الزعيم السياسي قد ولّى. وبهذا يلتقي مع الناقد السعودي عبد الله الغذامي في تأكيده على سقوط النخبة، الذي يربطه بظهور الصورة وانتشار ” الثقافة التلفزيونية”. وإن كان ولد أباه لم يقرن نهاية الزعماء السياسيين بمواقع الشبكات الاجتماعية إلا أنه أولى أهمية كبرى لاستخدامها. لقد رأى أن السردية الوطنية والقومية لم تعد حكرا على الزعيم السياسي، على غرار ديغول، وتشرشل، ونهرو، الناطقين باسم الأمة والشعب، بل تشتتت في عصر ثورة الاتصال. ولم يغدو بالإمكان التحكم فيها رغم أن حكام اليوم يخصصون جل وقتهم وجهدهم للتواصل والكلام. ليس هذا فحسب، بل يرى هذا الباحث أن بعض الحكام غادروا الحكم منهكين ضعفاء، وملاحقين قضائياً وسياسياً. لقد كانوا موضوع غيرة فأضحوا مثار شفقة.

يصعب الحديث، اليوم، عن الزعامة السياسة في عالم يزداد تعقدا وتتداخل فيه المصالح، وينفلت اتخاذ القرار الوطني أو الدولي من يد الشخص أو الدولة الواحدة. وتتوارى فيه الأحلام والمشاريع الكبرى. عالم تتبدد فيه كل الأوهام. لكن هذا لا يعني أبدا نكران مساهمة مواقع الشبكات الاجتماعية في صياغة هذا العالم. فما قاله المفكر الكندي “هارولد أنيس” في الستينيات من القرن الماضي على وسائل الاتصال الجماهيري ينطبق على هذه المواقع. لقد أكد أن ميلاد وسيلة إعلام جديدة يؤجج الصراع على مستويات عدة من أجل الحق في الوصول إلى المعرفة والمعنى.

يمتلك مستخدمو هذه الشبكات الكثير من الفضول، وأدوات التدخل السريع لنشر الأخبار والتعاليق والنقد مما يضفي المزيد من الشفافية على الحياة العامة. المزيد الذي يُهدد وجود السر في الممارسة السياسية ويعيق إدارة السلطة. وتتمتع مواقع الشبكات الاجتماعية بالسرعة والمرونة. وتمزج بين ما هو شخصي وما هو مرتبط بالشأن العام. فتجعل السياسي الراغب في أن يكون مرئيا أكثر عرضة للتجرد مما كان يشكل هيبته. فتتغير نظرة الناخبين له. وهذا الأمر يقلق السياسيين ورجال الحكم، وقد يربك بعضهم. فرئيس الحكومة التركية، مثلا، ضاق ذرعا بموقعي شبكة تويتر واليوتيوب فحظر استخدامهما. فالتف الأتراك، بسرعة، على هذا الحظر بالحيل التقنية التي يصعب على الدولة التحكم فيها. فأدى هذا المنع إلى نتائج عكسية، حيث قفز عدد مستخدمي موقع شبكة تويتر في تركيا من 4.5 مليون مستخدم  قبل الحظر إلى 6 ملايين مستخدم في اليوم الأول الذي تلاه! وبالمقابل حاول الكثير من السياسيين الاستفادة من هذه المواقع لتلميع صورهم، ومنهم الرئيس الأمريكي الذي استخدمها بذكاء لصالحه. لذا يُعتقد أنها خدمته وأبقته في سدة الرئاسة لعهدة ثانية. لقد أوكل إدارة علاقته عبر مواقع الشبكات الاجتماعية إلى فريق من المختصين بقيادة شريس هيوغ ، الشريك في تأسيس موقع الفيس بوك. فمكنه من الحضور في 15 موقع من مواقع الشبكات الاجتماعية، بما فيها تلك المواقع  الخاصة بالأقليات العرقية أو الموجهة إلى شرائح محدودة من مستخدمي شبكة الانترنت في الولايات المتحدة بغية التواصل مع مختلف مكونات المجتمع الأمريكي. فكسب 34 مليون صديقا في الولايات المتحدة الأمريكية عبر موقع شبكة “الفيس بوك”؛ أي أكثر من عدد الناخبين الأمريكيين، و أكثر من 22 مليون متابع في موقع شبكة تويتر، وحوالي مليوني مشترك في حسابه في شبكة أنسترغرام. لقد ركز الفريق المذكور جهده من أجل جعل باراك أوباما قريبا من الناس العاديين، وإبرازه كشخص عادي، مثل أي رب أسرة أمريكية. ولكن ضريبة هذا القرب مكلفة، إذ تنزع هالة التقديس التي تحيط، عادة، بالزعماء. وغايته هي الحصول على شعبية واسعة. وهذا ما يسعى إليه نجوم الفن والغناء والرياضة والمودة. فالغاية ذاتها دفعت المغنية الأمريكية “ليدي غاغا” المثيرة للجدل، إلى الاستثمار في مواقع الشبكات الاجتماعية. وتفوقت على الرئيس الأمريكي بعدد اصدقائها الافتراضيين. لقد كسبت، في السنة الماضية، 50 مليون صديق في موقع شبكة الفيس بوك، و18 مليون متابع على موقع شبكة تويتر. بمعنى أنها أضافت صديقين جديدين في كل ثانية لحسابها في موقع الفيس بوك؛ أي أن ما يعادل 7% من مستخدمي هذا الموقع هم من معجبيها! وربما يوجد غيرها من أهل الفن من يزاحمها في هذا المجال. هل أصبح رجال السياسة ينافسون “ليدي غاغا”، وغيرها من نجوم الفن في عدد الأصدقاء الافتراضيين؟ أتمنى ألا يحذو السياسيون حذو نجوم الفن الذين يبذلون قصارى جهدهم لتحقيق الشهرة. وحين يبلغونها يقضون بقية حياتهم مختفين وراء نظراتهم السوداء حتى لا يتعرف عليهم الناس في الأماكن العامة!

نشر بصحيفة الخبر الجزائرية يوم 5/5/2014

عتبات الكلام: ترميم الذاكرة

نصر الدين لعياضي

يجب أن نهنئ  المخرج الجزائري محمد الزاوي على فيلمه الموسوم “عائد إلى مونلوك”، ليس لأنه فاز بالخنجر الذهبي في مهرجان مسقط للأفلام الوثائقية في دورته الثامنة فحسب، بل لأنه يساهم بمعية بعض مخرجي الأفلام الوثائقية الجزائريين والأجانب في استعادة ذاكرتنا الوطنية أو ترميمها. لقد أنجز الزاوي فيلمه المذكور بإمكانياته المتواضعة، ولم يتلق أي مساعدة مالية من أي جهة. فالإنتاج السينمائي الجزائري يكاد يتوقف منذ أن تم حل المؤسسات السينمائية الجزائرية لأسباب لم يفصح عنها لحد الآن. وجل الأفلام الروائية التي أنتجت بعدها أنجزت بتعاون مشترك مع أطراف أجنبية أو بتمويل أجنبي. وفي الحالتين تملى شروط وتفرض تنازلات حول مواضيع الأفلام وأسلوب معالجتها. فأغلب المواضيع التي أنتجت في إطار هذا التعاون تناولت وضع المرأة، والشذوذ الجنسي، والتطرف الإسلامي، أو حالة أسرة يهودية ملاحقة في بلاد المغرب العربي أو لامست مثل هذه المواضيع. أما الأسلوب وطريقة المعالجة فيطابق ما يملكه الطرف الأجنبي من صور نمطية تشحن بطابع غرائيبي. والقليل من الأفلام ذات الانتاج المشترك استطاعت أن تفلت من هذه التنازلات.

قد يخالفني البعض الرأي، ويرون أن الجزائر أنتجت العديد من الأفلام ليس الروائية فقط، بل حتى الوثائقية خلال العقدين الأخيرين، مثل الفيلم الوثائقي عن هنري علاق لجون بيار ليدو، وقضية النساء للمخرج سيد علي مزيف، ومحمد راسيم للمخرج رابح لعراجي، وبن يوسف السنوسي التلمساني العشري للمخرج الأمين مرباح، والأمير عبد القادر للمخرج محمد حازورلي، وفيلم المخرجة أمينة شويخ الموسوم ب” أمس، واليوم، وغدا” والذي يعطي الكلمة للمجاهدات ليقدمن شهادتهن عن مسيرتهن ونضال الجزائر. وغيرها من الأفلام التي لا يسع المقام لذكرها جميعا.

بالفعل، لقد انتجت هذه الأفلام بفضل الميزانية الضخمة التي استفادت منها التظاهرات الثقافية التي نظمتها الجزائر، مثل الاحتفال بألفية مدينة الجزائر، وسنة الجزائر بفرنسا، والجزائر عاصمة الثقافة العربية، وتلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية. وبصرف النظر عن أهمية المواضيع التي تطرقت إليها هذه الأفلام الوثائقية وقيمتها الفنية إلا أنها أنتجت بطلب سياسي مما يترك إنتاج الأفلام الوثائقية رهينة المناسبات الرسمية، ولا يولد من رحم الحراك الثقافي الذي يعيشه المجتمع الجزائري. ويمكن أن نتفق مع القائلين أن العبرة في إنتاج الأفلام الوثائقية وليس في الدواعي والنوايا التي تحركه. لكن يبدو أن هذه العبرة لا تأخذ بعين الاعتبار قلة عدد الجزائريين الذين شاهدوا هذه الأفلام. فما تبقى من قاعات السينما في الجزائر كف، منذ عقود، عن عرض الأفلام. والقنوات التلفزيونية لا تبث الأفلام الوثائقية إلا لسد الفراغ في برمجتها. وتفضل بث الأفلام الوثائقية القديمة التي تشترى بالكيلوغرام أو تقدم كهبة، وتتحدث عن البحار والطبيعة والحيوانات. ناهيك عن عزوفها عن إنتاجها، علما أن كلفة إنتاج الفيلم الوثائقي لا تزيد عن 20 ألف دولار. وهو مبلغ زهيد لا ترضى به أي مغنية ” تشنّف” عيوننا بطلتها في استوديوهات بعض القنوات التلفزيونية لتحدثنا عن أكلاتها المفضلة وتغتب في سردها لخصوماتها الفنية !

أشعر بالحسرة على شباب جزائر اليوم الذي لم يسعفه الحظ لمشاهدة أفلام رواد مدارس الأفلام الوثائقية في العالم التي دأبت قاعة “السينماتيك” على عرضها في السبعينات ومطلع الثمانينات من القرن الماضي. الأفلام التي سمحت لجيل كامل بفهم العالم والكشف عن أسراره وصراعاته وتحولاته وتضحيات شعوبه ضد الظلم والغطرسة والجشع.

وأشعر بالشفقة على الذين يحاربون الأفلام الوثائقية لاعتقادهم أنها تقدم وثيقة إثبات عن عجزهم وتقاعسهم، و” تؤرشفه”. ويتناسون أن الفيلم الوثائقي وسيلة فعالة لحماية الذاكرة الوطنية من التآكل فيسترجعها أو يرممها.

استسمح “غارسيا ماركيز” إذ حورت مقولته، وأكدت أن الحياة ليست ما تعيشه الشعوب والأمم، وإنما ما تتذكره، وكيف تتذكره لترويه. وهنا تكمن قيمة الفيلم الوثائقي التي أدركتها مدينة امستردام الهولندية، التي يقول عنها الشاعر والسيناريست العراقي، علي البزاز، أنها ولعت بالفيلم الوثائقي إلى حد تخليده في مهرجان دولي ضخم يستقطب أفضل الأفلام في العالم. ويفسر هذا الولع بالقول أن هذه المدينة شيدت فوق الماء، فتحايلت على نزواته بإقامة العديد من السدود، ومئة ساقية، وحوالي ستمائة جسر، لكن الخوف من أن يبتلعها غضب البحر ظل ماثلا، فاهتمت بالفيلم الوثائقي والأرشيف حتى لا تمحى ذاكرتها. فهولندا تُعّد من الدول الاستعمارية القليلة التي تملك أضخم أرشيف عن تاريخ سيطرتها على البحار. لقد آمنت بما قاله الباحث جيمس كاري “: الواقع مورد نادر”. الواقع الذي يُحافظ عليه سينمائيا من الانمحاء بفعل الماء أو النسيان أو الغباء.

نشر بصحيفة الخبر الجزائرية يوم 28/4/2014

عتبات  الكلام:  خرائط الجغرافيا، خرائط الفكر

نصر الدين لعياضي

يذكر الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري، رحمه الله، عن رحلته إلى اليابان ما يلي: من الأمور التي أثارت انتباهي ودهشتي بمجرد دخولي فندق بطوكيو خريطة العالم المعلقة فوق جدار مكتب الاستقبال. فوضع العالم فيها يختلف عن وضعه في الخرائط التي ألفناها. ففي خرائطنا المعلقة على الجدران  يقع حوض البحر الأبيض المتوسط في الوسط، في مركز العالم. بينما تقع اليابان وجيرانها في الطرف الأقصى من  جهة  الشرق. أما خريطة الكرة الأرضية في اليابان فهي عكس ذلك. إذ يقع اليابان وجيرانه في الوسط، في مركز العالم . وقد وجدت صعوبة في تحديد مكان المغرب فيها. فالمغرب، الذي يقع على الخط الوهمي الذي يقاس به الزمن والمعروف بخط غرينتش في بريطانيا، احتل نهاية العالم من الغرب. بينما احتلت أمريكا بدايته من الشرق. ويواصل عابد الجابري حديثه قائلا: في هذه الأثناء تذكرت الخريطة التي وضعها الإدريسي، الجغرافي العربي القديم، والتي علقت في واجهة المدرج الذي يحمل اسمه في كلية الآداب بالجامعة في الرباط. فقد كان الجنوب بها يقع في الجهة العليا للخريطة بينما الشمال يقع في الجهة السفلى. فقلت لنفسي غريب لا يوجد مركز العالم. ففي زمن الإدريسي كنا نحن مركز العالم، وبعد ذلك ومنذ ثلاثة قرون أقصتنا أوروبا من المركز إلى الأطراف. وها هي اليابان ومعها الصين والشرق الأقصى تبنى مركزيتها انطلاقا من تصحيح وضع خريطة العالم  على جدران فنادقها وكأنها تريد أن تقدم لروادها من المسؤولين ورجال الأعمال والسياح من مختلف بقاع العالم صورة وضعها في المستقبل.

قد يختلف أتباع الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو مع الاستنتاج الذي توصل إلى الجابري، إذ أنهم يرون أن هذا المثال يكشف، بشكل لا يخلو من الوضوح، أن تَمَثُّل العالم قائم على ارتباط المعرفة بالسلطة. ويؤازرهم في ذلك أتباع المدرسة التي أصطلح على تسميتها بما بعد الاستعمار، الذين ويعززون موقفهم هذا بدراستهم للإنتاج الأدبي والفني الغربي. ويمكن أن نذكر، في هذا الصدد وعلى سبيل المثال، رواية ثمانية أيام حول العالم للكاتب الفرنسي جيل فيرن التي رسمت خريطة العالم، بشكل أدبي وترفيهي، وفق النظرة الاستعمارية السائدة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والتي رسخته المركزية الأوروبية. ولم تتحرر الخرائط الجغرافية من نتائج ارتباط المعرفة بالسلطة حتى في أفلام كارتون “والت ديزني” التي رسمت بطلتها البطة دولاند ديك خريطة دول جنوب أمريكا!

ويرى بعض الباحثين أن الأمر يتجاوز علاقة السلطة بالمعرفة. فالخريطة الجغرافية هي جزء من تمثلات الفكر للواقع. والاختلاف في التفكير بين البشر يعبر عن تباين في طرق الاستلال والتحليل والاستنتاج والتعبير التي تجسد تباين نظرتهم لذاتهم، ولغيرهم، وللعالم، والكون، أي أن حياتنا الثقافية تتدخل، بقوة، في تحديد طريقتنا في التفكير وفي فهم الظواهر الطبيعية والاجتماعية. وفي التعبير عن مشاعرنا وأحاسيسنا. ففي هذا الصدد يمكن أن نفهم لماذا يفتقر الأدب الصيني إلى المأساة والملحمة. فثنائية الخير والشر التي كانت ولا تزال محرك الأدب الغربي لا وجود لها في الأدب الصيني، ولا مفهوم المحاكاة. لكن التراث الاستعماري، والمركزية الأوربية نمطا القيم والمعايير الفنية والجمالية. ففي هذا الصدد يعتقد الكاتب الياباني جونيشيرو تانيزاكي أن اليابان تخلت عن مصدر مهم من مصادر القيم الجمالية في ثقافتها وهو الظل لتتبنى قيماً ثقافية غربية عنها تفضل الأضواء الساطعة.

وعالم النفس الأمريكي، ريتشاد أي بنيست،  بذل جهدا كبيرا لفهم الاختلاف في أساليب تفكير الشعوب الأسيوية والغربية  في كتابه الموسوم ” جغرافية الفكر: كيف يفكر الغربيون والأسيويون، ولماذا؟” الصادر في 2003. وقد قاده هذا السؤال إلى المطالبة بمراجعة أسس التفكير الإنساني التي أرستها فلسفة الأنوار، والتي تنص على أن أنماط الفكر البشري واحدة أينما كان البشر في الغرب أو الشرق. وأن طبيعة الفكر البشري كونية وكلية. فحسب الفلسفة المذكورة أن الناس يفكرون ويستقرأون الواقع وفق منطق واحد، حيثما كانوا ومهما كانت ثقافتهم. وأن رؤويتهم للعالم واحدة. وإذا كان الكثير من الناس يشاطرون عالم النفس الأمريكي فيما ذهب إليه، فالقليل منهم يرى أن الأحداث التي يعيشها عالم اليوم تدعونا إلى التفكير والبحث في السؤال التالي: لماذا كفت بعض الشعوب عن التفكير أصلا؟

نشر بصحيفة الخبر الجزائرية يوم 21/4/2014

عتبات الكلام: هل هي مسألة إسقاط؟

 اقترح علي صديقي أن اقطع معه مسافة 400 كلم تقريبا ذهابا وإيابا لمشاهدة الفيلم التونسي “ما نموتش” الذي عرض في مهرجان أبو ظبي السينمائي  في دورته السادسة (2012)، فاعتذرت له لأن الطريق سيحرمني من النوم، ومواضيع صاحب هذا الفيلم أعرفها جيّدا.

وجدت صديقي في اليوم الموالي مرهقا يكاد ينفجر غضبا. فبادرني بالحديث: “ندمت أشد الندم لأن الفيلم لا يستحق سهري وتعبي. لقد كنت أعتقد أنني ذاهب لأشاهد فيلما كبيرا.. فيلم ملحمي يجسد مسيرة الشعب التونسي نحو الحرية ويخلّد تضحياته لكني صدمت بما شاهدت: فيلم مهلهل خيط بالصور النمطية والكليشيهات التي تمتع عين المشاهد الأجنبي”. تظاهرت بأنني لم أفهم قصده، فاستطرد قائلا: “الفيلم يحكي عن صديقتين، الأولى تعاني من الضغوط التي يمارسها عليها خطيبها حتى ترتدي الحجاب. والثانية، صانعة الحلويات، تعاني من ضغوط رب عملها قصد إجبارها على نزع الحجاب”. فأوقفته قائلا: وما الذي يغضبك من كل هذا؟ فرد بعصبية عجز عن كظمها “أولا: إنني تونسي وأرى أن مسألة الحجاب ليست مطروحة أصلا في تونس، أو تبدو ميكروسكوبية أمام المشاكل الكبرى والاختيارات السياسية التي قد تجر التونسيين إلى الاقتتال فيما بينهم من أجل السلطة. ودليلي في ذلك أن المخرج ذاته يعترف بأن فكرة الفيلم راودته أثناء مشاركته في مهرجان السينما بالإسكندرية في مصر بعد أن لاحظ تزايد عدد المحجبات في الشارع المصري، فحاول أن ينسج منها فيلما لكن “ثورة الياسمين” داهمته فأقحمها في المجتمع التونسي، خاصة أن التجربة التونسية أصبحت تستقطب أنظار العالم بعد هروب الرئيس زين العابدين بن علي. ثانيا: إن الفيلم لا يتضمن قصة أو حكاية بالمعنى المألوف، ولا توجد حبكة تجمع خيوط الأحداث، بل توجد مجموعة من الصور فقط. وحتى تكون الصور جذابة رشها ببعض التوابل التي أصبحت طعما لاصطياد المشاهد الغربي. ونظرا لعدم إمكانية إقحام مشاهد عن النساء في حمام البخار المغربي استبدله المخرج بصورة المرأة وهي تستحم في الحمام العادي! وكلنا يعرف أن صورة المرأة “الشرقية” نصف عارية في ثوب شفاف تستحم في الحمام المغربي توقظ “فنتازم” الغرب وتحيي في لا وعيه  صورة “حريم الشرق” ليس بالمفهوم الذي أعطته الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي للحريم، بل بما تركته رواية ألف ليلة وليلة من رواسب”.

تركت صديقي يداري غضبه، واتجه تفكيري إلى ما قاله عن الفيلم المذكور، وصورة المرأة التي تستحم تحديدا. وتساءلت: هل هي المعادل التجاري لمشاهد الرقص الشرقي التي تُقحم عنوة في بعض الأفلام والمسلسلات المصرية؟ المشاهد التي لا محل لها في الإعراب بتاتا لكنها “تفتعل” لجذب المشاهد. وقادني تفكيري إلى فيلم “ فيفا لالجيري”، الذي ضلل عنوانه الكثير من الجزائريين لأنه يوحي بالاحتفاء بأمجاد كرة القدم الجزائرية أو يخلّد نضال شعب من أجل وحدة ترابه وكفاحه لتحقيق حلمه المنكسر، لكنهم صدموا بفيلم يسطّح ما أصبح يعرف في الجزائر بـ”المأساة الوطنية” التي راح ضحيتها آلاف الجزائريين وتركت جروحا وندوبا نفسية غائرة، لقد سطحها إلى درجة الابتذال. وحتى لا نلوي عنق الكلمات نقول إن الفيلم لم يتضمن مشاهد شبقية، بل بُنِي بمشاهد “برنوغرافية” أقحمت لإرضاء “فنتازم” مخرجه ولفها ببعض التفاصيل التي تحيل إلى المجتمع الجزائري: تشير إلى الإرهاب ومعاناة الشباب الجزائري من وحشيته بالكليشيهات التي يشتهيها المشاهد الغربي وجرب صبها في قالب بوليسي ساذج. وهنا يمكن أن نتساءل، لماذا لا يحتذي بعض المخرجين المغاربة بمخرجي السينما الأجانب الذين يبحثون عن النصوص الروائية ليحولوها إلى أفلام بدل لجوئهم إلى كتابة سيناريوهات تجسد “استحلامهم” أي “فنتازمهم” الذي ينام على صور نمطية جاهزة صاغها الغير عنا؟

أخيرا، يمكن القول إن الفيلمين المذكورين أنجزا لجمهور الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط. إنهما لا يقدمان، في الواقع، أي شيء جديد للجمهور “البلدي” ولا للجمهور الغربي، وإنما يعيدان لهذا الأخير الكليشيهات والصور النمطية التي أنتجها عنا، والتي شرّح بعضها المرحوم إدوارد سعيد.

أعتقد أن محبي هذه الأفلام لا يشاطرون وجهة نظري ولا وجهة نظر صديقي، وهذا حقهم. لكن ليس من حقهم التنديد بالتيارات الإسلامية المتطرفة التي لا تنظر إلى المرأة إلا كلعبة جنسية، وكمتاع ويقدمون ما يثبت ذلك بالصوت والصورة والنص، كالقول، على سبيل المثال، إن جل خطبهم تركز على المرأة: المرأة فتنة، والمرأة عورة، والمرأة غاوية، والمرأة “بقرة إبليس”، وذلك لأن الأفلام المذكورة تشكل الوجه الآخر للعملة ذاتها بلغة أخرى: المرأة جسد يُسوق، والمرأة متعة جنسية..؟ باختصار أليست المسألة في الحالتين مسألة إسقاط بلغة علم النفس إن لم تكن “ليبدو”Libido ؟

http://www.elkhabar.com/ar/autres/makal/397501.html#sthash.30o6ftVb.dpuf

عتبات الكلام:  السياسة والتلفزيون

نصر الدين لعياضي

 تغيرت علاقة المشاهدين بالأحداث والزمن بظهور القنوات التلفزيونية الإخبارية في الثمانينات من القرن الماضي. فلم يتزايد عدد الأخبار التي أصبحت تبث على مدار الساعة فحسب، بل تسارع ايقاع بثها بالاستخدام المكثف للبث المباشر أو الحي لما يجري من أحداث. والنتيجة أن ما يجري في هذه المنطقة من العالم أو تلك تدول ( أي أصبح حدثا دوليا) بفعل البث الفضائي المباشر. وأضحت كل الأخبار مستعجلة وتُحظى بأولوية البث. فهذه القنوات التلفزيونبة عجلت في الزمن، وكثفته، ففاض بالأحداث والمواقف المعلن عنها. وقد وصف الكاتب جيل فنشيلستن الوضع الذي آل إليه الزمن، في ظل تزايد القنوات التلفزيونية الإخبارية،  بـــــ ” ديكاتورية الاستعجال”. ورأى تبعاتها في عبادة الحاضر. عبادة تشجع نسيان الماضي، وعدم التفكير في المستقبل، والشغف بالآني فقط. والحاضر في ممارسة القنوات التلفزيونية الإخبارية يملك من الاستمرار ما يجعله “حاضرا دائم الامتداد”!  هكذا تحول التلفزيون إلى أول وسيلة إعلامية قادرة على تجسيد آنية الأخبار؛ أي نقل الأحداث في أثناء حدوثها وتحويلها إلى أخبار. فأضحى مصدرا إخباريا لبعض وسائل الإعلام الأخرى. وبهذا، ألغى القاعدة التي كانت تحدد أدوار وسائل الإعلام التقليدية، والتي تنص على أن الإذاعة تعلن وقوع الأحداث والوقائع، والتلفزيون يظهرها ويجعلها مرئية، والصحف تشرحها وتحللها. وبرز، عبر الشرح والتحليل، منطق تعامل القنوات التلفزيونية الإخبارية مع السياسة والذي يبدو أنه يتضمن مفارقة. لقد شرعت في بث خطاب السياسيين كاملا في أثناء عقد الندوات الصحفية أو التجمعات السلمية أو المسيرات أو المهرجانات. وذلك نظرا لامتداد مدة البث التلفزيوني الذي لا يتوقف أبدا. فجمهور التلفزيون أصبح أكثر إطلاعا على مواقف الأحزاب السياسية من هذه القضية أو تلك، خاصة بعد أن أصبحت تتبع ببرامج للتعليق على هذه المواقف أو نقدها من جهة، ومن جهة أخرى، بدأ هذا الجمهور يتململ من تكرار بث هذا الخطاب. التكرار الذي يعطي الانطباع بأنه لم يوجد سوى لملء الفراغ. لذا اتجه الجمهور إلى مشاهدة برامج تلفزيونية ” غير سياسية”، مما دفع القنوات التلفزيونية إلى الانتباه أكثر لخطاب السياسيين قصد اصطياد الجمل المكثفة والمعبرة وذات الإيقاع القوي أو التي تنتج صور بلاغية أو رموز دالة. وهذا ما أدى بالأحزاب السياسية وقادتها إلى الاستعانة بخبراء التسويق السياسي من أجل صقل خطابهم السياسي الموجه للناخبين وتكثيفه ليتحول إلى جمل مختصرة وشعارات تضاهي في ايقاعها واختزالها النص الإشهاري. واستثمرت في الإثارة  فاختزلت الفعل السياسي في استعراض ينشد الفرجة.

بعد أن احتل الموضوع السياسي مكانة الصدارة في برامج القنوات التلفزيونية الإخبارية إلى درجة أنها أضحت قنوات سياسية بامتياز، اهتمت بقية القنوات التلفزيونية بالشأن السياسي أكثر. وأعادت النظر في بنية برامجها السياسية وفي أهدافها. فحولت السياسة إلى علاقة فردية ومباشرة بين المرشح للانتخابات والجمهور، وحلت الصورة محل النقاش، والوعود بديلا للبرامج، واستطلاعات الرأي عوضا عن المواطنين، وجمع المشاهدين محل الرأي العام، حسب ما ذهب إليه الفيلسوف ”برنار ستيغلر” في كتابه الموسوم ”سلطة التلفزيون ضد الديمقراطية”.
وبعد أن تزايد نفور قطاع واسع من المواطنين في الدول الغربية من السياسة وتناقص عدد المصوتين في الانتخابات، بدأ التفكير في الأسباب وطُرح السؤال التالي: ماذا فعل التلفزيون بالسياسة؟ وقد استخلصت الكثير من القنوات التلفزيونية دروسا من الإجابة عن هذا السؤال. فأقحمت النقاش السياسي في البرامج الترفيهية سواء باستضافة رجال السياسة ودفعهم لإبداء الرأي في المواضيع التي يبدو أنها بعيدة عن السياسية، أو من خلال مناقشة ما نشروه من كتب بأسلوب أقرب إلى الهزل من الجد من قبل ضيوف البرامج وصحفيين ذوي توجهات سياسية متباينة. والنتيجة أن هذه البرامج أنضجت النقاش العام حول القضايا الحساسة، مثل: الموت الرحيم، وترخيص بيع المخدرات الخفيفة، والبطالة، والضمان الاجتماعي، والطاقة النووية، والتقاعد، والهجرة وفرضتها على جدول أعمال الهيئات المنتخبة، مثل البرلمان، ومجلس الشيوخ.
أعتقد أنه لا مبرر لطرح السؤال المذكور أعلاه على القنوات التلفزيونية في العديد من بلدان العالم الثالث، لأن السياسة في هذه البلدان لا تعني ممارسة السلطة أو فن إدارة الشأن العام أو تنظيم العلاقة بين المواطنين في ظل التعددية وفق مطلب الحرية، كما تبّين ذلك كتابات الفيلسوفة ”حنا آرنت”، بل تدل على الدهاء والمكر والخداع. ولأن القنوات التلفزيونية، بصرف النظر عن مواقفها، عرت خواء الخطاب السياسي وسطحيته وحتى سذاجته. لذا لابد من استبداله بسؤال آخر: ماذا فعلت السياسة بالتلفزيون أو بالأحرى ماذا بقي في التلفزيون بعد أن اغتصبته السياسة؟

صحيفة الخبر  7 أبريل 2014

عتبات الكلام:  أسلاك الفكر الشائكة

يتساءل الفيلسوف ”أوليفي رازاك ” في مؤلفه الموسوم  ”التاريخ السياسي للأسلاك الشائكة” الصادر في 1999  وأعيد طبعه أكثر من مرة، عن سر الاستمرار في استخدام الأسلاك الشائكة في مختلف بلدان العالم في ظل اللجوء الواسع للأقمار الصناعية لرصد كل ما يدبّ فوق سطح الأرض وما يكمن في باطنها من ثروات طبيعية، وانتشار الاستخدام الشامل لتعيين مواقع الأشخاص وكل شيء متحرك مربوط بمنظومة اتصالية Gps، والاستعانة المتزايدة بكاميرات المراقبة الموصولة بشبكة الاتصالات، وتزايد الاعتماد على البطاقة البيومترية  للتثبّت من هوية الأشخاص؟

يذكرنا هذا الفيلسوف بأن المزارع الأمريكي جوزيف غليدن هو أول من اخترع الأسلاك الشائكة  لتسييج أرضه الزراعية في 1874،  حيث لم يقم سوى بتزويد الأسلاك العادية المعروفة بعقد مشوكة. وقد استحوذ الجيش الأمريكي على هذا الاختراع فعمم استخدامه في العديد من البلدان. ففرنسا، على سبيل المثال، أنشأت خط ماجينو من الأسلاك الشائكة خلال الفترة الممتدة من 1828 إلى 1940 لتحصين حدودها مع دول الجوار: ألمانيا، بلجيكا، وسويسرا وايطاليا. وقامت المجر بإنجاز ستار مماثل للحد من أي تسلل من وإلى النمسا. فكان هذا فاتحة الحديث عن الستار الحديدي بين الدول الشرقية والدول الغربية. وكُثف استخدامه في الحرب العالمية الأولى لحماية المتاريس.  وقام الجيش الفرنسي بمدّ خط من الأسلاك الشائكة على طول شريط من الألغام، سمي خط شال، نسبة إلى أحد جنرالاته في 1959 لمنع إمداد الثورة الجزائرية بالسلاح من تونس.

يمكن للبعض أن يستنتج بسرعة بأن الأسلاك الشائكة تشكل امتدادا تاريخيا للجدران والأسوار التي كانت تفصل الشعوب منذ 4000 سنة خلت. فكلمة Murus ” ”، أي جدار في اللغة اللاتينية تعني الحاجز الذي يحمي سكان المدينة من الهجمات والفوضى الخارجية، ويفصل الطيبين عن الأشرار. وقد ارتبطت الأسوار بالسلطة المركزية. واندثارها يعني  انهيار الامبراطوريات، كما هو شأن الإمبراطورية الرومانية. لذا يمكن تفسير استمرار هذه الأسلاك  في الوجود طيلة 140 سنة بكلفتها الرخيصة، وسرعة تنصيبها على طول يزيد عن الآلاف كلم مقارنة ببناء جدران الحجر والاسمنت المسلح. هذا إضافة إلى مرونة استخدامها لتلبية مختلف الحاجيات، إذ نراها منتشرة  في المدن والقرى في جل بلدان العالم،  سواء  لترسيم حدود المراعى أو حماية الممتلكات الخاصة  أو إبعاد البشر والحيوانات عن حقول الألغام،  أو تحصين المصانع التي تنتج مواد خطيرة  ومحطات الطاقة النووية، أو تعزيز جدران السجون والمعتقلات والثكنات.

إن هذا الاستنتاج ينزاح عن الإجابة عن السؤال المطروح الذي يوحي بأنه من المفروض أن  تدخل الأسلاك الشائكة المتاحف لأن التكنولوجية الحديثة تجاوزتها، وأحسن مثال على ذلك هو انتشار رادارات  الإنذار المبكر، ولجوء رعاة البقر إلى متابعة قطعانهم عبر الأقمار الصناعية. ناهيك عن القول أن منطق هذه الأسلاك لا يتناغم مع خطاب العولمة الذي يروم الانفتاح وإلغاء الحدود أمام تدفق السلع وانتقال البشر. ليس هذا فحسب، بل إن الاستنتاج المذكور يتجنّب التطرق إلى البعد الرمزي للأسلاك الشائكة . فوظائف الحماية، والعزل والتَحَصُّنٌ والمنع التي تقوم بها هذه الأسلاك لا تستطيع إخفاء طابعها العدواني والعنيف خلافا للأعمدة الخشبية التي كانت تقوم بالوظائف ذاتها. وهذا ما حدا بالفيلسوف المذكور إلى التأكيد على أن ما ينطبق على الحيوان أصبح يُعمم على الإنسان! فهذه الأسلاك تختزن قيمة تستر التمييز والتراتيبية والإقصاء. فالتاريخ يعلمنا بأن قيام المستعمر الغربي بتسييج مراعي سكان أمريكا الأصليين أدى إلى هجرتهم وفناء ثقافتهم.

ليت المربين والمثقفين والساسة اهتموا أكثر بالصور النمطية  Sterotypes التي تمارس ما هو أخطر من الأسلاك الشائكة في الفكر.  فهذه الصور تعرف بأنها بُنَى ذهنية مستقرة ومتواترة في وسائل الإعلام والإشهار والثقافات الشعبية  تُمكّن الشخص أو الأشخاص من الحكم على الغير القادمين من ثقافة مختلفة ببعض الصفات والأحكام التي تنتهي إلى إنتاج نماذج فكرية ذات طابع عنصري وتمييزي. وحتى وإن كانت هذه الصور النمطية ترفع من شأن البعض، فإنها تحقق بعضا مما ترومه الأسلاك الشائكة من وظائف  حماية الذات وإراحتها وطمأنتها، وتسييج البعض وعزلهم وحتى جرحهم. وتَؤُول، في آخر المطاف، إلى اختزال التفكر وتبسيط الظواهر والسلوك والمواقف إلى درجة شل التفكير فيها.

يرى البعض أن الصور النمطية هي دلالة عن الجهل، ويراها البعض الآخر ضريبة التنوع الثقافي في العالم وفي بعض الدول. لكن مهما اختلفت النظرة إلى هذه الصورة،  فقد أدركت بعض الدول خطورتها وحاولت أن تعلم أطفالها كيف يرصدونها في وسائل الإعلام والإشهار ويتخلصون منها في عالم يزعم بمباهاة أن شبكة الانترنت جعلت البشر يلتقون ويتعارفون إلى بعضهم دون حواجز ولا أسلاك شائكة.

صحيفة الخبر:  17 مارس 2014

عتبات الكلام: مُخَيِّلة الخطاب

 في الاحتفال باليوم العالمي للمرأة تتقاطع الكثير من الخطابات التي تحتفي بالمرأة وتمجد تضحياتها، وتؤكد حقوقها، وتندد بكل مساس بها. وفي هذا اليوم يوجه البعض أصابع الاتهام إلى المؤسسات الإعلامية التي تهمش المرأة وتبعدها عن دائرة صنع القرار داخل الوسيلة الإعلامية. وتقدم، لهذا الغرض، الإحصاءات التي تثبت قلة عدد النساء اللواتي يتقلدن مناصب المسؤوليات في مختلف المؤسسات الإعلامية. وقد ترى بعض الجمعيات النسائية أن تحقيق شعار المساواة بين المرأة والرجل في الحياة العامة والعمل والحقل السياسي، يبدأ في المؤسسة الإعلامية التي تعطي المثل. وقد تتعاطف بعض المؤسسات الإعلامية مع هذه الرؤية فيتنازل رجالها عن مسؤولياتهم في 8 مارس، ليتركوا مؤسساتهم الإعلامية للنساء لإدارتها. ثم ماذا بعد؟ ينتهي هذا اليوم وتعود دار لقمان إلى حالها. وحتى وإن امتد هذا اليوم، وأصبح أشهرا وسنوات فهل تتغير وضعية النساء داخل المؤسسة الإعلامية؟ إن الإجابة على هذا السؤال تأتي من التجربة التي خيضت، هنا وهناك، في مجال المناصفة بين الرجال والنساء في المجال السياسي والتي لم تؤد، بالضرورة، إلى تحسين صورة المرأة في المجتمع ولا إلى الدفاع عن حقوقها ومكتسباتها وذلك لأن وضع المرأة يتعدى وسائل الإعلام! قد يعترض البعض على تبرئة هذه الوسائل من وضع المرأة في المجتمع، ويُحمّلونها مسؤولية تشويه صورتها والحط من قيمتها. وهذا الاعتراض ليس جديدا لأنه بدأ يتبلور منذ الخمسينيات من القرن الماضي على يد ثلة من رواد ”مدرسة الدراسات الثقافية” التي اهتمت بتحليل مضامين الصحف والمجلات والأفلام السينمائية والبرامج الإذاعية والتلفزيونية: الأخبار والمسلسلات، والإشهار واستخدمت عدة بحثية أنضجتها النظريات الماركسية والبنيوية والسيميائية والتحليل النفسي لتعرية الخطاب الإيديولوجي المتلبد في ثنايا الكلمات والصور، والذي يستعبد المرأة، ويعيد إنتاج ”كليشيهات” وصور نمطية تحول المرأة إلى مجرد سلعة ومتعة فقط. وقد ساهمت الحركات النسائية، في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، في تعميق نقد وسائل الإعلام وسلكت النهج ذاته الذي انتهجته المدرسة ذاتها ووظفت الأدوات البحثية عينها التي وظفتها من أجل الكشف عن مكمن الفكر الذكوري  في ما تقدمه وسائل الإعلام المختلفة. وأعتقد أن هذا النقد قد استنفد، وبلغ أفقه المعرفي، ولم يتجدد حتى وإن اتجه مؤخرا إلى الانشغال بمفهوم الهوية الجناسية أو ”الجندر”     في منتجات وسائل الإعلام.

أعتقد أن ”تشويه صورة المرأة واستعبادها” أكبر من أن يُختصر في وسائل الإعلام، رغم خطورتها، لأنه ينطلق من تصور جاهز لتأثير هذه الوسائل، حيث يعتبره آليا ومتطابقا مع التعرض لمضامينها، ويغفل آليات تأويل الجمهور: القارئ- المستمع- المشاهد لما يستهلكه في وسائل الإعلام. وهي الآليات المرتبطة بالمُخَيِّلة أو التخيل والتي كان ضحيتها الفيلسوف الألماني امنويل كانط، قائد الفكر التنوري والعقلاني، الذي لم ير في المرأة سوى جمال جسدها. وظل يرفض أن تناقشه في مؤلفاته لأنه يعتبرها غير أهل لذلك. وقد وقع ضحيتها الكثير من الأدباء فأعادوا إنتاجها! ألم يلجأ الشاعر والأديب الأمريكي ألن بو إلى قتل ”شهرزاده” في حكايته عن ”شهرزاد الثانية بعد الألف”؟ إن إظهار ذكاء المرأة حتى عبر قصة خيالية يُعد جريمة في المخيلة التي ورثها عن عصر ما قبل الأنوار، كما رأت عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي، في كتبها الموسوم: ”العابرة المكسورة الجناح، شهرزاد ترحل إلى الغرب”. هل هذا يعني أن بعض الكتاب الغربيين الذين تشبعوا بالعقلانية والحرية والمساواة هم وحدهم الذين سقطوا ضحايا النزعة الذكورية؟ كلا، فالشاعر نزار قباني الذي يوصف بأنه شاعر المرأة لأن نظرته لها لم تزغ عن مفاتنها الجسدية، غيّب والدته، الأنثى، في مذكراته. ولم يتحدث إلا عن والده الذي فتن بشخصيته، كمال يثبت ذلك الناقد التونسي محمد لطفي اليوسفي. وتوفيق الحكيم، فقد تجاهل، هو الآخر، أمه في كتابة يومياته، ليفسح المجال للحديث عن أبيه وتعلقه به، ولم يشر لها سوى بالتي ولدتني استنكافا. ولم يجد ما يذكره بها سوى عمال البناء الذين أقاموا لمدة طويلة من أجل ترميم بيتهم، عندما أشادوا بطبخها! فهل يمكن القول إن هؤلاء وأمثالهم يعانون من ازدواجية الشخصية في الفضاءين العام والخاص؟ أم نعتبرهما أنموذجا لانفصال القول عن الفعل، والذي تحول، في نظر الناقد السعودي عبد الله الغذامي، إلى قيم ذهنية وسلوكية في ثقافتنا كلها حتى صرنا كائنات مجازية؟ إذا كان هؤلاء ضحية المخيلة، فكيف نتعجب من السمسار الذي أبكى المرحومة فاطمة شبشوب عندما طلب منها إحضار ولي أمرها حتى يوقع عقد إيجار شقتها؟ فهل كانت هذه المغربية المناضلة من أجل حقوق المرأة والمثقفة والأستاذة الجامعية التي وهبت حياتها لدراسة الثقافة الشعبية تدرك قوة هذه المخيلة؟

الخبر 10 مارس 2014

أبو حيان التوحيدي والفايسبوك

 “مارك زوكربيرغ”  يحتفل بأبي حيان التوحيدي، ويثني على كتابه الموسوم رأيت كمن يرى في عالم التجليات “الصداقة والأصدقاء”، في حفل مهيب، نظمه بمناسبة مرورعشر سنوات على إنشاء موقع شبكته الاجتماعية الفايسبوك. وبدا لي أن أبا حيان لم يكن مسرورا بهذا الحفل قط، بل أكاد أجزم أنه كان جَزِعا ليس لأن التكريم لم يأت من أبناء جلدته الذين تركوه في حياته لحيف الزمان. فأحرق كتبه يأسا من قومه وانتقاما من مجتمعه. وتناسوه في مماته وجحدوا فضله، بل لأن ما  سمعه  في هذا الحفل لم يعجبه. فهذا أحد المتحدثين يقول أن مارك زوكربيرغ طوّر مفهوم الصداقة، من خلال موقع شبكة الفايسبوك الذي تحدّث عنه بكلام غامض يحيد عن الصواب، إذ قال يستطيع الشباب من مختلف الأمصار والأقطار أن يلتقوا،  بفضله، متى طاب لهم اللقاء. ويقيمون صداقات فيما بينهم. كيف لا يجزع وهو لم يتذكر قط أنه خطّ  شيئا من هذا القبيل في كل كتبه حتى تلك التي أحرقها، بل لم يتصور هذا اللقاء أصلا؟ فما رسب في ذهنه أن أحد أدباء عصره خاطب صاحبه قائلا: أشتهى أن أشتري دارا في جوارك حتى ألقاك كل وقت. فرد عليه قائلا: إن المودة التي يفسدها تراخى اللقاء مدخولة – أي ضعيفة وناقصة. لكن جزعه لم يمنعه من السؤال: كيف يستقيم القول بعدم لزوم الجوار لإقامة صداقة مع الغير؟ وكيف يمكن أن نبرم هذه الصداقة دون لقاء فعلي والتحدث العين في العين؟
وقد رأيت فيما رأيت أحد المدعوين للحفل، أظنه عالم الاجتماع، أنطونيو كسيلي، يحاول أن يشرح الأمر لأبي حيان قائلا: كان الناس في عصركم  يقيمون الصداقات عبر السفر للتجارة والحج وفي الأسواق والمراعي ومضرب الخيام والمساجد والكُتّاب ومواقع الصيد والحرف أو بين أفراد الأسرة والقبيلة. فهذه المؤسسات الاجتماعية التقليدية وغيرها لا تزال مربط الصداقة في عصرنا. وقد أضفنا لها مواقع للشبكات الاجتماعية في الانترنت مثل الفايسبوك،  فمنحتنا القدرة على تحدى القوانين المألوفة في اللقاء بالغير، ومكّنتنا من إقامة صداقات مع أشخاص من قارات مختلفة لم نكن على علم  بوجودهم من قبل. وواصل حديثه قائلا: يمكن لأحد شباب اليوم أن يلتقي بشاب آخر، لأول مرة في مناسبة ما، مثل هذا الحفل، فيبادره بالقول “لقد سبق لنا أن التقينا في موقع الفايسبوك! أو إننا أصدقاء في الفايسبوك!
استنكر أبو حيان، أديب فلاسفة العرب وفيلسوف أدبائهم،  الذي خاض في غوامض القضايا ودقائقها، هذا القول وكاد يعدّه من بنات خفة العقل، لأنه تحدّث في كتابه المذكور عن معنى الصداقة وأصنافها لدى الملوك والتجار والكتّاب وأهل العلم والرعاع، ولم يجد مثيلا لصداقة الفايسبوك التي يتحدثون عنها.

لم أستطع أن أقاوم الرغبة الجامحة في الاستماع إلى رده فاقتربت منهما بحذر، فوجدت أبا حيان التوحيدي يقول: إذا فهمت ما ذكرته، فإنك تقصد العلاقة وليست الصداقة. وطرف الصداقة أملح من العلاقة، على قول الحسن بن وهب. وأردف قائلا:  في عصرنا كان يُقال إذا مات صديق لك سقط منك عضوا من أعضاء جسمك! فالصداقة هي عشرة ووفاء وثقة  ونزاهة وحميمية تبنى عبر الزمن. وليست مجرد كلام أدوّنه وأرسله. والصديق هو ذاك الذي إن قَرُبَ مَنَح، وإن بَعُدَ مَدَح، وإن ظُلِمَ صفح، وإن ضويق فسح. فهل يمكن أن نعثر على هذا الصديق في موقع شبكة الفايسبوك التي تتحدث عنها؟

لم يرد عالم الاجتماع على أبي حيان التوحيدي، بل أعتقد أن المحلل النفسي وعالم الأمراض العقلية، سارج تيسرو، هو الذي قام بذلك. فأكد بأن ملايين الناس يعيشون اليوم “على قرب افتراضي” يتبادلون الرسائل والصور والمشاعر ويديرونها عن بعد فتنشئ بينهم صداقة متينة، ويمكن أن تمتد إلى أرض الواقع دون أن تقضي على الصداقات السابقة والفعلية. فالشاب المراهق اليوم يعيش مع ربعه في كمبيوتره بشكل مواز لعائلته. وما يتبادله معهم لا يعاني قط من السطحية، بل يملك من كثافة العاطفة والوجدان ما لا يميزه عن الصداقة التي نجدها في حياتنا الفعلية. وأصبح الشباب، اليوم، يتزايدون بعدد أصدقائهم الفايسبوكيين الذي يبلغ المئات، بل الآلاف. فتح أبو حيان فاه مندهشا وقال: إن أبناء عصري قد سايروا فيلسوف اليونان، أفلاطون، فيما ذهب إليه عندما قال: إن كثرة الأصدقاء تُضيع الصداقة..
اختفت صور الحفل، فجأة، أمام نظري وانقطع حبل هذا الحوار وتمنيت معرفة نهايته. فقررت، بعد بضعة أيام، التوجه إلى موقع الفايسبوك، معللا النفس بالقول لعل المتحاورين أصبحوا أصدقاء افتراضيين وواصلوا حوارهم عن بعد. لكن  تثاقل حركة شبكة الانترنت وانقطاعاتها المتكررة لم يتركوا لي سوى التمني وتعكُّر المزاج.

 

الخبر  17 فيفري 2014

 

 

 

 

 

عتبات الكلام:  مَكْرُ اللغة

من يتابع وسائل الإعلام الأجنبية يجد الكثير من العبارات والجمل المنحوتة التي تحاول أن تصرف الناس عن تسمية الأشياء بأسمائها أو تحثهم على استبدالها بمسميات أخرى. فالمتشرد أصبح، على لسان السياسيين والصحفيين وممثلي السلطات العمومية، شخصا لا يملك سكنا قارا! وأحفاد الأحفاد الذين هاجروا من القارة الإفريقية أو الآسيوية أو جنوب أمريكا إلى القارة الأوروبية أصبحوا يحملون مسمى “الأقليات المرئية”، والأمريكي ذو البشرة السوداء في الولايات المتحدة الأمريكية أضحى يسمى الأمريكي من أصل إفريقي (لاحظوا أن الرجل الأبيض في أمريكا لا يسمى أبدا الأمريكي من أصل أوروبي)، والأشخاص ذوو البشرة غير البيضاء غدوا يعرفون بالملوّنين، وخادمة البيت تحولت إلى مساعدة عائلية، والمعاقون أصبحوا يسمون ذوي الحاجات الخاصة، والكَنَّاسُ أطلق عليه مسمى تقني المساحات، والبطال أو المعطل عن العمل تحول إلى “باحث عن عمل”، والقصف الجوي تحول إلى عمليات جراحية، والإبادة أضحت تسمى تطهيرا عرقيا، و«الأضرار الجانبية” حلّت، في حديث وسائل الإعلام، محل قتلى الحرب، وغيرها من الكلمات التي تُسعد الروائية “هيرتا مولر”، الحائزة على جائزة نوبل للآداب، التي تقول إنها لا تستطيع فعل شيء آخر عند القراءة سوى البحث عن الكلمات، فإن وجدت مثل الكلمات والجمل المذكورة ستقف عندها مليًا لأنها أصبحت تشكّل متن ما اصطلح عليه “المستساغ سياسيا”، وهو ترجمة حرفية لـ(politically correct) المتداول في اللغة الإنجليزية. لقد ظهر هذا المستساغ في الولايات المتحدة الأمريكية، وانتقل إلى اللّغة الفرنسية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، فوظفه الصحفيون والسياسيون وممثلو السلطات العمومية والمثقفون ومحترفو الإشهار بشكل مكثّف. ويُقصد به طريقة في التعبير للتخفيف من وطأة تضمينات بعض الكلمات الحادة التي قد تصدم البعض وتجرح حساسية البعض الآخر أو توحي بميز عنصري تجاه مجموعة بشرية أو فئة معينة لجنسها أو سنها أو لون بشرتها أو شكلها أو أصلها أو مهنتها.  لقد عرف العرب القدماء هذه الصيغ التعبيرية، والدليل على ذلك أنهم وصفوا الأعمى بالبصير، والأسود بذي البياض.. وهذا الأسلوب في التعبير لا علاقة له بالتورية التي تعد فنا من فنون البديع في اللغة العربية، والتي تحمل ازدواجية المعنى. المعنى الأول مألوف وهو المستبعد، والمعنى الثاني البعيد وهو المقصود.  إن القول “المستساغ سياسيا” لا يحظى بالإجماع في أي مجتمع. فالبعض يراه تعبيرا عن حسن الذوق وتهذيب الكلام الذي يوحي باحترام الغير وتقديرهم، و«تطهير” الخطاب من كل إشارة تحمل أفكارا مسبقة أو ذات بعد عنصري أو تحقيري. بيد أن البعض الآخر يعتقد أن النبش في هذا القول المستساغ، يكشف أنه غير مقبول أصلا، لأنه يعمل من أجل تدجين اللّسان وتنمطيه بشكل معياري، وملئه بالكلمات التي يُعتقد أنها محايدة من أجل ترضية الضمير على الصعيد اللفظي وليس العملي. ليس هذا فحسب، فالمفكر الفرنسي جاك دريدا نعته، بمعية إليزابث رودنسكو، في كتابهما الموسوم “ماذا عن الغد؟”، بأنه شعار مسلح اخترعته الجماعات الأمريكية المحافظة النافذة للتحكم في اللّغة، بحجة محاربة تجاوزات بعض الأوساط اليسارية، وانتهى إلى استهداف كل فكر نقدي.  أعتقد أن المسألة تتعدى هذا المستساغ من القول، بل ترتبط بمكر اللغة وتطويع كلماتها ولوي عنقها. فالرّوائي أمين معلوف يرى أن الكلمات غير بريئة تعمل على تغيير المجتمع، إذ يذكر أن كلمة “عدواني” كانت ذات دلالة سلبية قبل ثلاثين عاما، لكنها أصبحت اليوم إيجابية وتدل على الإقدام والجرأة، بفعل التسويق والإشهار والإعلام. وهذا المثال يثبت، مرة أخرى، أن معاني الكلمات غير ثابتة. إنها تتحرك وتتلون وتتبدل حسب السياقات والعصور. وهذا الرأي لا يعارض ما أكده الروائي ستندال في روايته الموسومة: الأحمر والأسود، والتي يقول فيها إن اللسان مُنح للإنسان من أجل إخفاء أفكاره. فترديد السلطات العمومية والصحفيين الجزائريين شعار فتح المجال السمعي – البصري “يخفي أفكارا مضَّمْرُةً لأن هذا المجال كان مفتوحا على مصارعيه منذ النصف الثاني من الثمانينيات من القرن الماضي، أي بعد أن أصبح بإمكان المشاهد الجزائري التقاط برامج الفضائيات الأجنبية. وكلمة إعادة هيكلة المؤسسات التي شُرع فيها خلال الفترة المذكورة أعلاه كانت، هي الأخرى، تستر أفكارا لم تتضح إلا في مطلع الألفية الحالية. حتى الخصصة التي شاع تداولها في وسائل الإعلام الجزائرية، في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، كانت تخفي عكس ما تفصح عنه؛ أي النية في غلق أبواب الشركات الوطنية في قطاع النسيج والجلود والخشب والورق والبناء، وتسريح عمالها، وإهمال تركَتها دون استخلافها بمستثمرين خواص أو أجانب أقوياء وفاعلين! أخيرا، ألم يقل أفلاطون إن فساد المدينة يبدأ بتزوير الكلمات؟

صحيفة الخبر: الاثنين 10 فيفري 2014

 

 

 

 

عتبات الكلام: ماتت الأخلاق، تحيا الأخلاقيات

هل يمكن أن نتصور مدينة خالية من إشارات المرور، لا يتحكم في إدارة تدفق السيارات والمارة في شوارعها سوى الوازع الأخلاقي؟ إن قانون المرور والضمير الأخلاقي، إن وجد لدى البعض، لم يحولا دون وقوع حوادث السير. فالتشريعات القانونية شرط أساسي لتنظيم العلاقات بين الناس والمؤسسات وإن وجد الضمير الأخلاقي الحي فيعزز سلطتها. لكن الأخلاق تراجعت في المجتمعات المعاصرة، بل غابت، ما حذا بعالم الاجتماع “ميشال مفيسولي” إلى عنونة أحد مقالاته التي نشرتها صحيفة “لوموند” الفرنسية في 1 ديسمبر 2011، بالعنوان الذي استعرناه لهذا العمود الصحفي.

أجل، إن الأخلاقيات التي لا توجد إلا في صيغة الجمع، ما يؤكد تعددها وتنوعها، تحولت إلى انشغال كوني. فكل المهن والأنشطة والمجتمعات أصبحت تطالب بسلطة الأخلاقيات وليس الأخلاق. قد يسأل سائل: وهل يوجد فرق بينهما؟ أليست الأخلاقيات مشتقة من الأخلاق؟ بالفعل يوجد فرق كبير بين الأخلاق والأخلاقيات. وقد بيّنه عالم الاجتماع المذكور بالقول إن الأخلاقيات تقوم على منطق “ما يجب” أن تكون عليه الأمور. وتفضل القيم الكونية المجردة التي تتجاوز المكان والزمان، فهي ذات طابع معياري. بينما تستند “الأخلاقيات إلى منطق” ما يمكن أن تكون عليه الأمور” أو ما يُراد لها أن تكون عليه. لذا، فإنها تتسم بالخصوصية وتملك طابعا محليا أو فئويا، وتروم تجسيد ما هو لائق أو مناسب وصائب في سياق محدد. فالأخلاق التزام طوعي فردي، بينما الأخلاقيات التزام طوعي جماعي ذو طابع عملي ينمّ عن شعور ملموس بالمسؤولية الاجتماعية. لذا، نلاحظ أن الأخلاقيات تلهم القواعد القانونية وتسبقها في الوجود. لكن، لماذا تزايد الطلب الاجتماعي على إصدار مدونات الأخلاقيات في العديد من قطاعات النشاط والمهن، وفي العديد من المجتمعات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست بالهينة وذلك لوجود العديد من الأسباب المختلفة والمتشابكة التي تفرض الحاجة إليها في حياتنا المعاصرة، سنقتصر على ذكر أبرزها فقط. فدور العديد من دول العالم انحصر، وتقلصت معه صلاحياتها أمام توسع نشاط القطاع الخاص و«تغول” الشركات متعددة الجنسيات التي تعمل على المبدأ الذي يكاد يكون وحيدا: تحقيق المزيد من الربح المادي في ظل ضمور التشريعات والقوانين الوطنية التي تسعى لحماية المستهلك والدفاع عن حقوقه، مثل الحق في التعبير والإعلام والعمل والصحة والكرامة. فالكثير من هذه الشركات أصبحت طرفا مؤثرا، بل حاسما في بعض الأحيان، في صياغة التشريعات القانونية للعديد من الدول حفاظا على مصالحها. هذا إضافة إلى أن تطور العلوم والتقنية فتح الآفاق لمعالجة الكثير من الأمراض الوراثية بتعديل بعض الجينات، لكنه سمح، أيضا، بالتلاعب بالجينات البشرية والنباتية لرفع كمية المحاصيل الزراعية وإطالة عمر بعضها أو زيادة وزنها أو تغيير لونها، ما يهدد صحة الإنسان وسلامته. وتزايد الخوف على مصير الكائنات الحية في الكون، نتيجة التلوث السريع في البيئة وارتفاع درجة الاحتباس الحراري، ما ينذر البشرية بكوارث طبيعية جسام. هذا بجانب الهوس بالتفوق في مختلف المجالات، مثل امتلاك الأسلحة المتطورة المدمرة أو تحقيق الفوز بشتى السبل، كما هو الأمر في الرياضة. وقد انجر عن هذا الهوس العديد من الانحرافات، مثل تعاطي المنشطات والرشوة. والأخطر من كل هذا، أن السياسية تحولت إلى مقبرة للأخلاق. قد يقول قائل إن هذه الممارسات وجدت بهذا الشكل أو ذاك، في الماضي، ولم يصاحبها الإلحاح في المطالبة بإصدار مواثيق الأخلاقيات. لذا يمكن القول إن الإلحاح، اليوم، يفصح عن تطور في ممارسة الحريات، ويبيّن أن المواطن في المجتمعات المتقدمة أصبح يتمتع بقدر كبير من الثقافة والإعلام وبوعي بمسؤولياته تجاه القضايا التي ذكرناها آنفا.

ولا يخفى عنا أن تطور تكنولوجية الاتصال قد استغل من أجل اختراق الحياة الشخصية والتلاعب بصور الأشخاص والتجارة بالبيانات الخاصة بهم وبأسرارهم، ما أدى بمؤسسات المجتمع المدني ورجال الفكر والقانون إلى المطالبة بأخلاقيات التعامل مع مثل هذه المعلومات. بل إن حضور الإعلام في كل مكان وزمان، وتنامي سلطته وقوته سواء في المجال السمعي-البصري أو الصحافة المكتوبة أو الإذاعة، يتطلب، كأي سلطة، سلطة مضادة تضمنها القوانين والأخلاقيات. ويفسر الفيلسوف “جيل ليبوفيتسكي” الإلحاح في المطالبة بالأخلاقيات بالقول إنه طُرح في المجتمعات الليبرالية كرد على الخوف الذي يثيره النمو المفرط للسلطات الجديدة، سواء أكانت تقنية أو علمية أو مالية أو إعلامية أو سياسية. لكن، ما مصير هذه الأخلاقيات التي من المفروض أن تحظى بإجماع المعنيين بها إذا سنّت من أجل الضبط الذاتي لمهنة ما، مثل الطب أو الصحافة والسياسة، إن كان الطبيب يتعامل مع مرضاه كتاجر أكثر من كونه طبيبا، والصحفي يتصرف كسمسار، والسياسي يقتل الفضيلة ويمشي باكيا في جنازتها؟

الخبر 27  جانفي 2014

 

مواقع التواصل . . إيجابياتها وسلبياتها *

يفسر “تيدي غوف”، مسؤول الحملة الانتخابية الرقمية لباراك أوباما في ،2012 نجاح هذا الأخير في استمراره رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية لولاية ثانية بثقل وزن مواقع الشبكات الاجتماعية في الحياة السياسية الأمريكية المعاصرة . وحجته في ذلك أنه مكن، بمعية فريقه المكون من 240 شخصاً، الرئيس المذكور من الحصول على 34 مليون صديق في الولايات المتحدة الأمريكية عبر موقع شبكة “الفيس بوك”؛ أي أكثر من عدد الناخبين!

لم تتحول هذه الحجة إلى نموذج ناجح للتسويق السياسي في إدارة الحملات الانتخابية في الدول الديمقراطية فحسب، بل عززت الاستخدام السياسي لمواقع الشبكات الاجتماعية في العديد من الدول، خاصة الديمقراطية منها .
يجمع الكثير من الباحثين على تراجع ثقة ناخبي الدول الغربية في المؤسسات السياسية وممثليهم في مختلف الهيئات المختلفة . وهذا ما تثبته نسبة المشاركة الضعيفة في مختلف الانتخابات، خاصة في أوساط الشباب الذين أصبحوا لا يترددون في التعبير عن نفورهم من الفعل السياسي، والفئات الفقيرة التي تعيش على هامش التطور، والتي تعتقد أنها لم تجن من الانتخابات إلا الخيبات وفقدان الأمل في تحسين أوضاعها المعيشية

.
فأمام تكلس الأحزاب السياسية التقليدية وترهلها، وبروز فئة من محترفي النشاط السياسي التي تضع مصالحها الذاتية على رأس قائمة اهتماماتها، تحول الناخب إلى ملاحظ سلبي لا يتلفت إليه إلا في أثناء الحملات الانتخابية . وهذا ما حدا الكثير من الباحثين إلى التحذير من موت الديمقراطية بعد أن أفرغ الفعل السياسي من محتواه .

بين التواصل والتسويق السياسي

رغم الفجوة الرقمية التي يمكن ملاحظتها على مستوى البلدان أو حتى داخل البلد الواحد إلا أن عدد مستخدمي مواقع الشبكات الاجتماعية في تزايد مرتفع، بل أنهم تحولوا إلى ناشطين في الفضاء الرقمي . وهذا ما أدى إلى التفاؤل بمستقبل النشاط السياسي في الدول الغربية، وأحيا الأمل في أن يأخذ مسلكاً غير ذاك الذي حذر منه الباحثون . وذلك لأن هذه المواقع غيرت مكانة الناخب في الفعل السياسي؛ إذ أنها لا تستجدي صوته في المواعيد الانتخابية فقط، لأنها تمكنه من التعبير عن رأيه، ونشر أفكاره، ومشاركة غيره في آرائهم سواء عبر مناقشتها أو تبنيها . ليس هذا فحسب، فمواقع الشبكات الاجتماعية تشكل حلقة وصل بين الاتصال الشخصي، الذي يملك من القرب والحرارة ما يجعله أكثر تماسكاً وقوة، والاتصال الجماهيري الذي يدفع مضمون ما ينشره إلى المزيد من الانتشار . لذا اضطرت الأحزاب السياسية في الدول الغربية إلى إدراج مواقع الشبكات الاجتماعية ضمن استراتيجيتها في مجال “التسويق السياسي” من أجل تلميع صورة المرشحين وأصحاب القرار السياسي، وتغيير نظرة الناس إليهم: إظهارهم متواضعين مثل أغلبية الناس، وقريبين من الناخبين، وإنسانيين أكثر . لعل القارئ الكريم يتذكر شريط الفيديو للرئيس أوباما والدمعة تتدحرج على خده فور الإعلان عن فوزه في الانتخابات الرئاسية، واحتضانه لأفراد أسرته الصغيرة، والذي شاهده الملايين من مشتركي مواقع الشبكات الاجتماعية .

البحث عن الفاعلية

وأدرجت الأحزاب السياسية مواقع الشبكات الاجتماعية في استراتيجيتها الاتصالية، أيضاً؛ أي من أجل “لحم” علاقتها بالناخبين . وهذا باستثمار ما تتيحه هذه المواقع من إمكانات التجنيد والتعبئة، والدعوة إلى التبرعات، والحوار والمناقشة، والاستماع إلى رأي الناخبين . وهي الإمكانات التي لا تتيحها وسائل الإعلام التقليدية . والتجارب في العالم تقدم لنا أكثر من مثال سنكتفي بواحد فقط . لقد أنشأ البيت الأبيض الأمريكي منصة تشاركية في شبكة الانترنت بعنوان: “تنظيم لأمريكا” وخصص صفحة للأسئلة التي يطرحها مستخدموها في شكل شريط فيديو قصير أو نص مكتوب . ثم تطرح كل الأسئلة للتصويت . والسؤال الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات يحال إلى الرئيس الأمريكي ليجيب عنه . وتبث الإجابة المسجلة في شريط فيديو في المنصة ذاتها . وقد شارك في انطلاقة هذه الصفحة أكثر من 90 ألف شخص طرحوا أكثر من مئة ألف سؤال وقد صوت عليها حوالي مليوني شخص.

وقد حذا حذو البيت الأبيض الأمريكي الكثير من الحكومات والوزارات والمنظمات الغربية . وأصبح الرجل السياسي الذي لا يملك حساباً في الشبكات الاجتماعية شخصاً غريب الأطوار أو قادماً من كوكب آخر . وقد استطاع من يملك حسابا أن يكون على اتصال دائم بالناخبين، يحاورهم ويستشيرهم في بعض الأمور المتعلقة بالشأن العام، ويستمع إليهم . ويرى البعض هذا الشكل من الاتصال السياسي أنجع من تنظيم الاجتماعات الرسمية التي لا تنجح في جمع عدد كبير من الناس . والتي تقل فاعليتها، في بعض الأحيان، لسقوطها في الروتين والمجاملات . بينما يشكك البعض الآخر في جدوى ما يسمونه “النضال الرقمي” . ورغم هذا التشكيك لا يمكن أن ننكر أن شبكة الانترنت ومواقع الشبكات الاجتماعية غيرت وجه الاتصال السياسي وأعطته أبعادا أكثر حيوية .

حدود التغيير

لقد تم الربط، لأول مرة بين التكنولوجيا الحديثة للاتصال وتعبئة الناس في 2001 عندما احتشد الفليبينيون في العاصمة مانيلا لإطاحة الرئيس جوزيف استرادا . ساعتها بدأ الحديث عن “ثورة الهواتف المحمولة” . وبعد ثلاث سنوات من هذا التاريخ عاد الحديث، مرة أخرى، عن هذه الثورة إثر الأحداث التي عاشتها أوكرانيا، والتي وصفت ب”الثورة البرتقالية” التي امتد صداها عبر المدونات الإلكترونية . ويعد هذا التاريخ فاتحة استخدام الحركات الاحتجاجية لعدة تكنولوجية جديدة تجسدت في مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، “تويتر” و”الفيس بوك”، “اليوتيوب” التي نشطت في مجال إعلام المتظاهرين وتنظيمهم . وهذا ما تجلى في “مولدوفيا” وإيران التي عاشت حالة من الغليان الشعبي الرافض لإعادة انتخاب الرئيس أحمدي نجاد في 2009 . ساعتها زعم الكثير من المحللين ووسائل الإعلام أن مواقع الشبكات الاجتماعية تملك من القوة ما يمكنها من إحداث التغيير السياسي وحتى ثورات في كل مكان! لكن الأحداث التي جرت بعد هذا التاريخ فندت هذا الزعم وأثبتت أن عملية التغيير السياسي في جل دول العالم ليست وليدة عدة تكنولوجية مهما كانت متطورة وسريعة الانتشار . فالتغيير وليد مسار معقد، ونتيجة منطقية لتضافر مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتعبير عن مستوى من التنظيم والوعي.

لقد بيّن الباحث البلهاروسي “إيفجن موروزوف” في كتابه المعنون “خدعة الإنترنت: الجانب المظلم لحرية الإنترنت” أن العدة التكنولوجية الحديثة يمكن أن تقف في وجه التغيير السياسي! وقد استند في ذلك إلى التجربة الإيرانية ذاتها . حيث ذكر أن أحداث 2009 التي استعانت بموقع شبكة تويتر لم تفض إلا لمزيد من تقييد الحريات . فحكومة الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد اتخذت مجموعة من الإجراءات من أجل التحكم بشكل أفضل في “الميديا” الجديدة، إذ تم تخصيص العديد من وحدات الأمن لهذا الغرض، فكشفت الناشطين السياسيين في مواقع التواصل الاجتماعي . وتغلغلت في مختلف مواقع الشبكات الاجتماعية . وكونت مدونين من رجالها، ومختصين في شن هجمات إلكترونية على مواقع المعارضة السياسية في شبكة الانترنت . بل ذهب موروزوف إلى أبعد من هذا في كتابه المذكور، إذ أكد أن شبكة الإنترنت قد تساهم، على عكس ما يُعتقد، في إبعاد الناس عن السياسة .

الإشاعة مرض الاتصال السياسي

رغم أن الاشاعة وجدت قبل شبكة الانترنت، إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي وفرت لها التربة المناسبة لأسباب متعددة، نذكر منها: أن هذه المواقع تنتشر بفضل شبكة ممتدة من العلاقات الشخصية التي تعزز ما يسمى بالانتشار “المعدي” . والإشاعة تنتقل في النسيج الاجتماعي مثل العدوى . لذا يقدر الكثير من الباحثين أن الإشاعات هي المرض العضال الذي يعيق الاستخدام السياسي لمواقع الشبكات الاجتماعية . فهذه الأخيرة تعد مملكة النرجسية وحب الظهور، والإشاعات تسمح لمروجيها بالبروز من دون تحمل أي مسؤولية اجتماعية أو أخلاقية . كما أن الاشاعة تسري في ظل تزايد القلق وعدم اليقين . فالاستخدام المكثف لمواقع الشبكات الاجتماعية في ظروف الأزمات يعزز هذا القلق في عالم أصبحت فيه السرعة وسيلة فعالة لنقل الأخبار وقتلها في آن واحد . فالأخبار تظهر لتختفي تاركة المجال لغيرها من الأخبار المتدافعة مما لا يترك الوقت للناس للتأكد من صحتها.

حقيقة لقد أصبح الكثير من مستخدمي مواقع الشبكات الاجتماعية أكثر انتباها، وحتى حذراً مما يتداول فيها من أخبار لتفادي الإشاعات . لكن التنافس الشديد بين وسائل الإعلام التقليدية لتحقيق السبق الصحفي جعلها تتهافت على نقل الأخبار من دون التريث للتحرى حول واقعيتها في ظل تأخرها عن تطويع الآليات التي تساعدها على التثبت من صدق ما تنشره من أخبار تنقلها “الميديا” الجديدة . ففي ثنايا هذه الأخبار تنمو الإشاعة التي قد تتحول بسرعة إلى تضليل الناس .

* العنوان الأصلي لهذا المقال هو : حدود الاستخدام السياسي لمواقع الشبكات الاجتماعية. وقد ارتأت صحيفة الخليج الإماراتية تغييره بالعنوان المذكور أعلاه.  ويعتقد الكاتب أن العنوان البديل استخدم إلى حد الابتذال،   ولا يعبر عما يعتمل في أوصال مواقع الشبكات الاجتماعية  والذي ينفلت من التصنيف في خانتي الإيجابي أو السلبيي – صدر هذا المقال ملحق في الأسبوع السياسي – صحيفة الخليج- بتاريخ  03/04/2014

http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/5e30eb6a-f7d7-496d-bf26-816435700f15#sthash.PsMvsC1B.dpuf

 

عتبات الكلام: ابتذال القول

يقول الروائي اللبناني أمين معلوف في كتابه الموسوم “اختلال العالم: حضارتنا المتهافتة “، الصادر في 2009 عن دار غراسي الفرنسية: “كنت في سنوات الصبى في لبنان أطالع مجموع الصحف المحلية كل صباح. وكان والدي يدير جريدة يومية ويرسل نسخة منها، من باب المجاملة، إلى زملائه، وكانوا يبادلونه بالمثل. وذات مرة ساءلته، أي صحيفة يجب أن نصدق، وأنا أشير إلى رزمة الصحف التي وضعها بجانبه؟ فأجابني دون أن يتوقف عن القراءة: جميعها ولا واحدة. وأضاف قائلا: لا تأتيك أي واحدة منها بكل الحقيقة، فكل صحيفة تعطيك حقيقتها. فإذا قرأت كل الصحف وكنت تتمتع بقوة البصيرة تفهم ما هو جوهري”.
إن هذا القول لا يتضمن إشهارا مجانيا لقراءة كل الصحف حتى نفهم جوهر ما يجري حولنا وإنما ينبهنا إلى أن العنصر الأهم في عالم الإعلام هو الجمهور، لذا يجب أن نراهن على بصيرته وقدرته على فرز السمين عن الغث فيما يقرأ. بيد أن هذا القول يحث على التفكير للبحث عن دلالاته ويبرر، ضمنيا، الشك في صحة ما تنشره الصحف، وهذا ما جعلنا نرهف السمع إلى محطات الإذاعة وننتقل بين القنوات التلفزيونية ونسبح في شبكة الأنترنت للقف الخبر الذي يكذب سابقه. الشك الذي  يراه الفيلسوف والمحلل النفساني، ميغال بنسياغ، ناجما عن فقدان الكلمة لهيبتها وقداستها. فالكلام أصبح يتساوى بصرف النظر عن المتحدث. فلا فرق بين ما يقوله المتعلم والأمي، ولا وزن لحديث العالم أمام قول الجاهل طالما أن كل قول تحول إلى رأي. ولا فرق بين صحيفة تتحقق من صحة المعلومات التي تقدمها وتلك التي تضلل. فمالكو سلطة القول، بصرف النظر عن موقعهم في المجالات التالية: السياسة والحكم والإعلام والدين والعلم، ابتذلوا الكلمة وجردوها من جوهرها فأسقطت سلطتهم. ومن هذا المنظور، فإن الفيلسوف المذكور يرى الصحافة لم تتغير بل أهمية الكلمة هي التي تغيرت بعد أن فقدت وزنها وسحرها في حياتنا. ربما يعتقد البعض أن ابتذال الكلمة يعود إلى تكنولوجيا الاتصال الحديثة التي سمحت لكل شخص بأن يتكلم ويدلي بدلوه ويخوض مع الخائضين في أعقد الأمور، معتقدا أن ما يقوله ليس أضعف وأسخف مما يقوله غيره!

معاذ الله أن أكون ضد حرية التفكير وأقف ضد حق كل شخص في التعبير، كما يفهم البعض مما سبق ذكره. فما أريد أن أقوله إن هذه التكنولوجيا أثبتت، من جديد، أن لكل شخص حقيقته، ولكل صحيفة حقيقتها التي تدافع عنها. والتسليم بهذا الأمر يعني أنه لا وجود لحقيقة واحدة. إذا؛ فلنقل لأفلاطون مع الفيلسوف رفائيل انفتفون إن الفلسفة لم تعد تعني البحث عن الحقيقة، بل إنها حداد على ضياع الحقيقة. ونؤمن بما قاله الفيلسوف سبينوزا: إن الفلسفة ليست البحث عن الحقيقة، بل إنها شكل من إدراك الواقع. وما أحوجنا إلى ذلك اليوم في عالم يزداد تعقدا وتتكاثر مفارقاته. إذا، الحقيقة ليست هي الواقع، ولا تعّد مؤشرا على وجوده، كما يؤكد ذلك أتباع أرسطو. وإن اقتنعنا بوجهة النظر هذه فهل يمكن القول، من باب الاختصار، إن وسائل الإعلام لا تعبّر عن الحقيقة، بل تعكس الواقع؟

لقد طلّق الكثير من الدارسين الفكرة التي مفادها بأن وسائل الإعلام تعكس الواقع، واعتنقوا النظرية التي ترى بأنها تعيد بناءه، أي أن كل وسيلة تتحدث عن الواقع كما تراه. وحتى لا أتهم بأنني أتستر على تجاوزات بعض وسائل الإعلام، وعلى ما تمارسه من تضليل بحجة أنها تعبّر عن حقيقتها أو تبني الواقع من وجهة نظرها، وحتى أبيّن المغالطة في فهم وسائل الإعلام دون الطعن في النظرية المذكورة التي أكدتها الكثير من البحوث في بيئات ثقافية مختلفة، منذ نصف قرن، يمكن القول إن هذه النظرية تنص، بشكل ضمني، على ضرورة أن تشترك وسائل الإعلام المختلفة في بعض مواد البناء، على الأقل، التي تستخدم في بناء الواقع الذي تراه. لكن ماذا إذا كانت ما تستخدمه من مواد بناء مغشوشا؟ أي أنها تحرف أقوال الغير وتزوّرها عن وعي، وتركّب الصور من أجل التضليل مع سابق الإصرار والترصد، وتتلاعب بالأرقام  والإحصاءات وتعبث بها و« تستحمر” الجمهور أو لا تعبأ به أصلا. ففي هذه الحالة تتحول إلى مصنع لإنتاج خطاب إخباري لإعلام جمهور متخيل عن واقع افتراضي تعبّر عنه المحكيات التي اُبتذلت من كثرة تكرارها. لكن ابتذالها تحول، مع الأسف، إلى قوة تدهس الخطاب العلمي والتحليلي. سأقف عند هذا الحد حتى لا اتهم باجترار القول والمساهمة في ابتذاله

الخبر الجزائرية  : 31 مارس 2014

http://www.elkhabar.com/ar/autres/makal/394869.html#sthash.Q6D4oahX.dpuf

 

 

عتبات الكلام : هل تختفي الأخلاق في العصر الرقمي؟ 

طرح الصحفي الفرنسي “إكزافي دو لا بورت” يوم 9 ديسمبر من السنة الماضية، على مستمعي برنامج إذاعة فرنسا الثقافية السؤال التالي: هل للتقنية أخلاق؟ ولم تكن في نيته قدح التكنولوجيا ولا تذكيرنا بفاجعة هيروشيما وناغازاكي، ولا تقييم قضية “وكيليكس” أخلاقيا، ولا البحث عن الأبعاد غير الأخلاقية في تجسس الوكالة الوطنية للأمن الأمريكي على حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في أوربا وبقية دول العالم. ولا يريد للإجابة عن سؤاله أن تجلب الماء إلى طاحونة “بريس شنير”، خبير الأمن المعلوماتي، الذي أكد أن التقنية الحديثة زادت من منسوب ريبة الدول وشكوكها. فالهجوم الإلكتروني لم يعد حكرا على الصينيين. فالكل يتجسس على الكل عبر الشبكات. وهكذا غدت الولايات المتحدة قلقة من العتاد الإلكتروني الصيني، وأوروا مرتابة من الترسانة التكنولوجية الأمريكية. والكل غير مطمئن من العتاد الإلكتروني الإسرائيلي. وشرعت روسيا والصين في تطوير كفاءاتهما في البرمجيات ونظم استغلال المعلوماتية لدرء شر التجسس الإلكتروني على منشأتهما الاستراتيجية، والحد من أضرار التبعية للتكنولوجيا الغربية. لقد أراد طارح السؤال أعلاه أن يحثنا على التفكير في البعد الأخلاقي لتعاطينا اليومي مع تكنولوجية التواصل، مثل القذف والشتم وتداول الصور الخليعة والإباحية وانتحال شخصية الغير، واستخدام صوره دون علمه لأغراض متعددة، منها المشبوهة مع الأسف. قد يقول قائل إن هذه الممارسات غير الأخلاقية ليست وليدة التكنولوجية الحديثة. وكل ما فعلته هذه الأخيرة أنها جعلتها مرئية أكثر، بيد أن “إكزافي دو لا بورت” يرى أن الأمر يتعدى هذا الحد لأن التكنولوجية الحديثة وضعتنا أمام مسؤوليات أخلاقية جديدة.
ففي السابق كان الشخص الذي لا يرد على رسائل البريد الذي يصله من المعارف والأصدقاء، يتحجج بالقول أنها ضاعت في الطريق ولم تصله. ولهذا الغرض اخترع نظام “رسائل البريد المسجل”. لكن ماذا بوسعه أن يقول اليوم إذا تلقى رسالة عبر الفايسبوك؟ هل من الأخلاق أن يقول أنه لم يستلمها بينما الكل يعلم أن موقع الفايسبوك لا يشعر المرسل باستلام المعني رسالته فحسب، بل يخبره، أيضا، عن الوقت بالساعة والدقيقة التي اطلع عليها! والشخص الذي كان يتعلل بغيابه عن البيت عندما يرفض الرد على مكالمة صديقه أو زميله على هاتفه الثابت، ما عساه أن يقول اليوم لتبرير رفضه عن الرد على مكالمة الشخص ذاته على الهاتف المتحرك إذا ألح في طلبه أكثر من مرة، وفي أوقات مختلفة؟
وهل من الأخلاق أن نحمّل الأفلام والموسيقى والغناء والكتب بطرق غير مشروعة من شبكة الانترنت بحجة الحق في المعرفة والثقافة؟ وهل من الأخلاق أن نبتز الغير عبر شبكة الانترنت بالصور؟ وهل من الأخلاق أن يتاجر البعض بالمعلومات المتعلقة بشخصك دون علمك؟
لعل الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي دفعت عالم الاجتماع “نيكولا أوري” للقول أن التكنولوجية الرقمية لم تحدث تغيرات على الصعيد السياسي فحسب، بل على الصعيد الأخلاقي أيضا.
إن مفهوم الشبكات الرقمية أعاد النظر في بعض القيم الاجتماعية والأخلاقية، فمحى التراتيبية التي كانت تنظم العلاقات بين الناس والقائمة على السن والنسب والمكانة الاجتماعية. وشجع التخفي، فأصبح البعض يحدّثونك عبر الهاتف بأرقام مخفية أو يراسلونك عبر الانترنت بأسماء مستعارة. لقد أرست الشبكات أسس استبداد ثقافة الشفافية التي منحت شرعية لعملية التلصص. بل تكاد تلغي فعل “تلصص” من القاموس. ليس هذا فحسب، بل إن التكنولوجية الرقمية طرحت مفارقة كبرى يمكن أن نلخصها في الأسئلة التالية: كيف يمكن حماية الحياة الشخصية للأفراد ونلح، في الوقت ذاته، على تشديد القوانين لمحاربة الجريمة المنظمة أو استغلال الأطفال جنسيا؟ كيف يمكن أن نضمن الحماية لخصوصية الأشخاص ونمارس في الوقت ذاته، التجسس الإلكتروني عليهم؟ ألا يعيدنا هذا السؤال إلى الموضوع الذي يغيظ، ألا وهو موضوع التجسس الذي أراد الصحافي المذكور تجنبه. لكن ماذا لو اكتشفنا أن التكنولوجية أداة، ومسؤوليتها محدودة في العبث بالأخلاق مقارنة بمن يستخدمها، أي البشر؟ الكل يعلم أن العالم يعيش جوا من المنافسة المحمومة. والتكنولوجيا تعد موضوعها وأداتها في ذات الوقت. لذا يجب أن نتذكر أن المنافسة تقدم أفضل السلع والخدمات لكنها تكشف ما هو أسوأ في الإنسان.                         الخبر 13 – 01 – 2014

 

 

 

 

 

عتبات الكلام:  سامح الله رحيمي

عندما تستمع إلى بعض الأشخاص يتحدثون عن وسائل الإعلام وتأثيرها على الجمهور، يذهب بك الظّنّ إلى الاعتقاد أنهم تأثروا بأفكار عتيق رحيمي. هذا الروائي والسينمائي الأفغاني الذي نال جائزة غونكور الشهيرة، في ماي 2008، عن روايته “حجر الصبر”. والتي قال عنها إنه كتبها باللغة الفرنسية لأنه كان عليه أن يختار لغة أخرى للحديث عن طابوهات مجتمعه.
إن تأثر هذا البعض بالروائي المذكور لا يكمن في اللغة بل فيما عاشه ويعيشه في فرنسا التي منحته حق اللجوء السياسي في 1984، والذي لخصه في هذه القصة القصيرة الأفغانية التي تحولت إلى عبرة، وملخصها أن أحد الأشخاص أضاع مفتاح بيته فراح يبحث عنه في الليل تحت ضوء مصباح عمود كهربائي في الشارع العام، فأراد أحد المارة مساعدته بعد أن استفسر عن ما يبحث عنه، فأخبره بذلك. وبعد أن تعب المار من البحث دون جدوى سأله قائلا: هل أنت متأكد أنك فقدت مفتاحك في هذا المكان الذي نبحث فيه عنه؟ فرد صاحبنا قائلا: لا، لقد أضعته في ذاك المكان، وأشار بيده إلى نهاية الشارع المعتمة، لكني لم أشأ أن أبحث عنه هناك لأن المكان مظلم ولا أرى شيئا!

لكن ما علاقة الحديث عن تأثير الميديا على الجمهور بهذه القصة؟ أعتقد أن العلاقة تكمن في أن البعض مازال يبحث عن تأثير وسائل الإعلام تحت ضوء مصباح العمود الكهربائي بدل التوجه إلى العتمة لإنارتها قصد إيجاد ما يبحث عنه.

لقد ثبّت الرعيل الأول من الباحثين عمودا لإنارة الحديث عن تأثير وسائل الإعلام في مطلع القرن العشرين، وتشكل من أتباع المدرسة السلوكية الذين آمنوا بأن وسائل الإعلام تمارس تأثيرها الشديد والموحد على جميع الناس بالقوة ذاتها، وقد شبهوا هذا التأثير بحقنة الدواء الذي تغرزه الإبرة تحت الجلد فيسري مفعولها في كامل الجسد. أي أن وسائل الإعلام تحقن المجتمع بالمعلومات والأفكار والقيم والأنماط السلوكية، فتسري على كامل أفراده الذين يتقبلونها لاعتقادهم أنهم “متناثرون” وضعاف أمام قوتها وجبروتها وخاملون وساكنون وسلبيون. وقد انتشرت هذه النظرية بصعود الأنظمة الفاشية التي شغلت آلة دعايتها السياسية، إيمانا بقوة وسائل الإعلام السحرية وتأثيرها الفتاك. هذا ما يؤكده عالم النفس الاجتماعي الألماني “تشكوتين” في كتابه الموسوم: اغتصاب الحشود بالدعاية السياسية”، الذي أصدره في 1939.
قد نندهش من أن بعض المتحدثين عن وسائل الإعلام، ومنهم من يوصفون بالمختصين، مازالوا يؤمنون بالأفكار التي دافع عنها “تشكوتين”. هذا على الرغم من أن الكثير من الباحثين نفوا صحتها بناءً على ما أنجزوه من بحوث ميدانية، بدءًا بالباحث “بول لازرسفيلد” الذي أصدر كتابه الموسوم “اختيار الشعب” بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في 1944 بين المرشحين “وندل ولكي” و«تيدور روزسفلت”، والتي أفرزت نتائج تعارض ما دعت إليه المحطات الإذاعية التي كان يعتقد أنها تصنع الرأي العام الأمريكي في ذلك الزمن. وقد دفعته للقول إن الجمهور لا يوافق على ما تروّجه وسائل الإعلام إن لم يتماش وقناعته، مرورا بنظرية “إلياهوكيتز” التي صاغها في 1959، والتي تؤكد أن الجمهور يستخدم وسائل الإعلام وفق حاجاته لتحقيق إشباعاته، وصولا إلى نظريات الاتصال الحديثة التي أصبحت تتندر على أتباع نظرية تأثير وسائل الإعلام المطلق. ولو ابتعدنا عن عالم الكتب وعدنا إلى واقع وسائل الإعلام خارج المنطقة العربية، لأن منسوب عدم الثقة في وسائل الإعلام العربية مرتفع جدا ويسد النظر إلى تأثيرها، نجد أن نتائج استفتاء الفرنسيين على معاهدة دستور الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، لم توجه صفعة لوسائل الإعلام الفرنسية التي اتفقت جميعها، تقريبا، على تعبئة الرأي العام لصالحها فحسب، بل وجهتها، أيضا، إلى كل المؤمنين بنظرية تأثير وسائل الإعلام القوي على الناخبين.

وأعتقد أن أتباع نظرية تأثير وسائل الإعلام القوي على الجمهور، هم الذين نصحوا نظام حسني مبارك وزين العابدين بن علي بفتح مجال السمعي بصري بإنشاء قنوات تلفزيونية خاصة مع حرمانها من حق بث نشرات الأخبار، ومنعها من التطرق إلى المواضيع السياسية خوفا من تأثيرها على الجمهور وتوجيهه ضد نظام الحكم. لكن الجميع يعرف، اليوم، أن هذه النصيحة لم تشفع للنظامين اللذين تهاويا تباعا، ولم تنفعهما.

فسامح الله عتيق رحيمي الذي غرر ببعض المتحدثين عن وسائل الإعلام، وضلل بعض الأنظمة، ودفعهم جميعا إلى البحث عن الأجوبة عن الأسئلة التي تطرحها الميديا، في وقتنا الحاضر، على ضوء مصباح ذاك العمود الكهربائي الذي أشعلته المدرسة السلوكية في مطلع القرن الماضي.

الخبر 09 – 12 – 2013

 

 

 

 

 

 

 

عتبات الكلام القصة التي تتكرر

خرجنا من الندوة التي انعقدت على هامش المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون بتونس، والتي كان موضوعها “حظ الثقافة في القنوات التلفزيونية العربية”. وكان النقاش محتدما حول مفهوم الثقافة، والثقافة التلفزيونية تحديدا. فاقترب مني أحد الصحفيين طالبا مني نسخة من مداخلتي. ولم يفوّت الفرصة ليلكزني بما تعوّدت على سماعه منذ عقود في دول المشرق العربي: الجزائريون لا يعرفون اللغة العربية. أجبته مازحا: إن مداخلتي لا تنفعك لأنني كتبتها باللغة الأوردية، وأنت، كما يبدو لي، لا تتقنها. لم يبتسم لأنه أدرك معنى المزحة الذي تطعن في صحة ما قاله. فتمنى مني أن أتريث قليلا ليروي لي القصة التالية: تلقيت كغيري من الصحفيين دعوة للمشاركة في ندوة صحفية عقدها معالي سفير الجزائر في 1999 في بلدي. وكان ممثلا للجزائر لدى جامعة الدول العربية. فبعد أن رحّب بالحضور بدأ في هجاء الكلمات التي يبدو أنها كتبت له. فشعرنا بالملل لأننا كنا نسمع جملا صوتية متقطعة لم نفهم معناها من كثرة الأخطاء في نطق الكلمات، وإجادته للعبث بالنحو والصرف. وكنا ننتظر بفارغ الصبر أن ينتهي من إلقاء كلمته لنسأله عن أوضاع الجزائر التي كانت تعاني، في تلك الأثناء، عزلة دبلوماسية قاسية وتتعرض لحملة إعلامية مغرضة، وتعيش سنواتها الدامية. فهطلت عليه الأسئلة من كل فج عميق. وكان يرد دائما بالجملة التالية: إن الإرهاب مفروض من طرف الشعب. وكلما كررها ازدادت حيرة الصحفيين الذين لم يجنوا من هذا اللقاء سوى المزيد من الغموض عما يجري فيالجزائر. لقد كانوا يتطلعون إلى أن تزوّدهم هذه الندوة بمعلومات جديدة، ورؤية أكثر دقة لكيفية خروج الجزائر من أزمتها. واستطرد محدثي قائلا: اقتربت من معالي السفير في حفل الشاي الذي أقيم عقب هذه الندوة الصحفية لأسأله: لعلك كنت تقصد أن الإرهاب مرفوض من قبل الشعب وليس مفروضا. فصافحني بحرارة قائلا: هذه هي الكلمة التي كنت أبحث عنها منذ أيام!
أبت غيرتي الوطنية أن أجاري الصحفي فيما أراد الوصول إليه، وودّعته بالقول: إن هذا السفير لا يعكس علاقة الشعب الجزائري باللغة العربية. لكن وسواس الأسئلة ظل يطاردني. فظننت أن هذا السفير لم ينل من الحظوة ما يمكنه من تمثيل الجزائر في فرنسا أو بلجيكا أو سويسرا، فلماذا لم يعيّن في السينغال مثلا أو مالي أو بوركينافاسو أو مدغشقر أو أي دولة أخرى ناطقة باللّغة الفرنسية؟ ولماذا يُبعث إلى دولة تحتضن مقر جامعة الدول العربية، وكل الدول الكبرى في العالم تحرص على أن يكون ممثلوها فيها من الناطقين باللغة العربية من أبنائها؟ بل إن بعضها تحرص على تعيين مستشرقيّها الذين يستطيعون أن يميزوا بسهولة أبيات شعر البحتري عن شعر أبي تمام.
تذكرت هذه القصة وأنا أتصفح مشروع القانون السمعي- البصري الذي يمكن القول أنه وليد عملية قص ولصق من القوانين الفرنسية بتصرف، أي بتكيّفه مع نوايا المشرّع الجزائري وليس مع ظروفالجزائر. فجهود المشرعّ تجلت في الترجمة فقط. وأي ترجمة. فمترجم هذا المشروع ومراجعه لا يفرقان بين: Avertir – أنذر، و Excuser – أعذر. فعوض أن يقول تقوم سلطة الضبط بإنذار- أو لفت نظر- كل المخّلين بقوانين إنشاء قنوات تلفزيونية ومحطات إذاعية خاصة، قال تقوم سلطة الضبط بإعذار – وهذا المصدر لا وجود له في اللغة العربية. ونتيجة لهذا الخطأ في الترجمة أصبحت المواد التالية: 92 و93 و94 و95 من مشروع القانون المذكور تتضمن معان مخالفة لما كان يريد المشرعّ سنّه وبلوغه.

لعل أحد جهابذة اللغة العربية يعترض على اعتراضي على الترجمة. ويذكّرني بقول العرب العاربة: “أعذر من أنذر وأنصف من حذر”. وهو من الكلام البليغ الذي يقصد به أن من أنذر وحذّر لا يترك عذرا لمن أنذره. لكنني أصر على أن معنى أعذر لا يتطابق مع معنى أنذر. ومن يشكك في ذلك، فإنه ينتسب إلى الجماعة التي لا تفرق بين رفض وفرض.

الخبر  25 – 11 – 2013

عتبات الكلام : الكتاب بين أورويل وألوكسي

أرادت المؤسسة الوطنية للكتاب أن تصفي “تركة” الشركة الوطنية للنشر والتوزيع التي ورثتها على إثر عملية إعادة هيكلة الشركات الوطنية في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي. فنظمت معرضا لبيع كتبها القديمة التي ظلت حبيسة رفوف مكتباتها المنتشرة في العديد من ولايات الوطن أو “نُسِيَت” في أقبية مخازنها، فباعتها بأسعار رمزية أو لنقل تخلصت منها. أتذكر أن الكتاب الخاص بمسرحية “ بادن بادن” للكاتب الألماني برتولت بريشت، على سبيل المثال، والذي ترجمه الأديب أبو العيد دودو، رحمه الله، إلى اللغة العربية، عرض للبيع بسعر 0.80 دينار فقط! ومن اشتراه دفع دينارا إضافيا لاقتناء كيسا بلاستيكيا لحمله. فالحامل كان أرفع سعرا من المحمول! ورغم هذا بقيت العديد من نسخه مكدسة تنتظر الزبون!
الكل يعرف أن برتولت بريشت الكاتب والشاعر والمسرحي وناقد المسرح الأرسطي، ومنظر المسرح الملحمي، لا يتحمل مسؤولية عدم التوزيع الواسع لمسرحيته المطبوعة في الجزائر، ولا أبو العيد دودو، القاص والناقد الأدبي، لأن لا أحد يشك في باعه الطويل في الترجمة عن اللغة الألمانية.
إذا، فلنبحث عن سبب يفسر لنا العزوف عن شراء هذه المسرحية. ربما يجده البعض في نقائص نظام توزيع الكتاب في الجزائر أو في تقاعس وسائل الإعلام عن التعريف بالكتاب والكاتب والدعاية للقراءة. ولعل بعضهم يحمّل القارئ المسؤولية نظرا لأنه أدار ظهره للكتاب. وأعتقد أن بعض الآباء الذين يحسون بأصابع الاتهام توجّه إليهم ينفعلون، ويوجهون، بدورهم، التهمة إلى النظام التعليمي في بلادنا الذي نجح في إبعاد التلميذ عن القراءة. سنكف عن سرد الأسباب والتهم التي أدت إلى العزوف عن شراء مسرحية “بادن بادن” رغم سعرها الرمزي. ونقول أن صعوبات تسويق المسرحية المذكورة في السوق في ذلك الوقت تلخص، مع الأسف، ما يعيشه الكتاب اليوم، إلى حد ما. لذا يجب طرح السؤال التالي: كيف نُخرج الكتاب من هذا الوضع في بلادنا؟
إن باب الاجتهاد في الإجابة عن هذا السؤال مفتوح. لذا لا نندهش إذا وجدنا من يرى أن وضع مسرحية “بادن بادن” في سوق الكتاب الجزائري نجم عن عدم وجود هيئة تسيطر على إنتاج الكتاب وتوزيعه وتسويقه. ومن الممكن جدا أن يقترح إنشاؤها لتقوم بدراسة مسحية للمتمسكين بعادة القراء تستفتيهم في نوع الكتب التي يريدون قراءتها أو شرائها ضمن قائمة الكتب التي تنوي ديار النشر طبعها. فتمنح الأذن بطبع الكتب التي تزكيها نتائج الاستفتاء فقط. فبهذه الطريقة نقتصد الورق في إطار ترشيد النفقات العمومية. وتكرر العملية ذاتها مع الكتب التي ينوي الموردون استيرادها من الخارج. وهكذا نستطيع أن نعرف من يقرأ؟ وماذا يقرأ؟ وإذا ساورت الهيئة المذكورة الشكوك في مضمون هذا الكتاب أو ذاك فتسحبه من السوق.

ويمكن للهيئة ذاتها أن تطلب من بعض الأسر الكريمة مساعدتها في مهمتها النبيلة، فترفع لها شهريا تقريرا عن الكتب التي قرأها أبناؤها أو يرغبون في قراءتها حتى تضبط عدد نسخها في المطبعة أو عند استيرادها. وإذا أراد التلفزيون أو الإذاعة إعداد برنامج ثقافي حول كتاب فليوجه طلبه إلى الهيئة المذكورة لأنها أدرى بالكتب التي من الممكن أن يرتفع عدد مبيعاتها بعد بث البرنامج، وتلك التي تعجز البرامج التلفزيونية عن زيادة عدد قرائها. وحتى تخفف الأعباء على الناشرين تُطلب من كل راغب في طبع كتاب على حسابه الخاص أن يتولى بنفسه عملية الحصول على الترقيم الدولي، والذي لا يمنح إلا إذا تم التأكد عمليا بأن عملية الاستفتاء المذكورة وتقارير الأسر قد عبرت عن رغبتها في قراءته. ولا صلة له بالكتب التي تفسد العقل.
إن صاحب هذا الاقتراح، الذي يريد تربيع الدائرة، يرغب في التعبير عن إعجابه بكتاب “ 1984” لجورج أورويل، وبقدرة الأخ الأكبر في تحويل الثقافة إلى سجن. أو يريد إضافة فصل لكتاب الناقد عبد الفتاح كيلطو، الموسوم “ الأدب والارتياب”. لذا أنصحه بقراءة كتاب “ألدوس ألوكسي، الذي ألفه في 1932 وترجم إلى اللغة الفرنسية” ب«أفضل العوالم”. فهذا الكتاب الفلسفي قدّم إجابة سابقة عن السؤال الذي طرحناه آنفا. وبيّن لماذا لا يهتم سوى النزر القليل بآلاف الكتب التي تعرضها شبكة الانترنت للتحمّيل مجانا. هذه الشبكة التي حولت النص إلى مكتبة ضخمة. إنه الترفيه الذي أصبح يقوم بدور أخطر من الأخ الأكبر في مجال الرقابة. فالترفيه غمر حياتنا المعاصرة. والتسلية ابتلعت التعليم والإعلام والرياضة والثقافة والإعلان والتسويق وتحولت إلى غاية الغايات. فالمهم أن نتسلى ونضحك. لكن الضرر، كما يؤكد “ألوكسي”، لا يكمن في استبدال الضحك بالتفكير، بل في عدم معرفتنا لماذا نضحك؟ ولماذا توقفنا عن التفكير؟

الخبر 18 – 11 – 2013

عتبات الكلام: المعنى غير العادي لكلمة “عادي

 ”شعرت بالشفقة على مراسلة التلفزيون المبتدئة التي وقفت أمام الكاميرا لتسجل انطباعات الأطفال الذين قدموا للمخيم الصيفي من مختلف مناطق الجزائر. بعضهم لم يسبق له أن شاهد البحر من قبل. فطرحت عليهم، تباعا،  الأسئلة ذاتها: هل أعجبك المخيم؟ هل سبحت في البحر؟ هل لعبت مع أصدقائك؟ وكان جوابهم ذاته باللغة الفرنسية لا يتغير: ) (Normal، فبدا التوتر على محياها، ولسان حالها يقول كيف لي أن أستكمل الثواني المتبقية للمراسلة ولا أحد منهم تبرع بإضافة كلمة؟ في هذه اللحظة بالذات تذكرت الكاتب البرتغالي، ذا الأصول البربرية،  خوزيه سارامغو، الحائز على جائزة نوبل للآداب، الذي قال: تكاد اللغة أن تموت كل يوم، وتموت الثقافة كل يوم.

بالطبع، يحق للمراسلة المذكورة أن تتوتر لأنها لم تذهب إلى المخيم الصيفي لاكتشاف العادي، كما فعل الشاعر الجزائري، عمر مرياش، في ديوانه الذي يحمل العنوان ذاته. والذي يقول عنه: إن اكتشاف العادي هو تعرية لما هو مزوّر، مغشوش، مشوّه، مسكوت عنه، محرف. لكن ما دهى أطفالنا حتى أصبحوا يرون أن كل شيء عادي؟ وفقدوا الاندهاش الذي يستولي على الأطفال في الغالب؟ الاندهاش مما يسمعون ويشاهدون  ويشمون ويتذوقون. هل كبر أطفالنا قبل الأوان، فطبق عليهم ما قاله الشاعر عمر بن أبي ربيعة  زورا : إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ … تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا.

ما أقلق المراسلة المذكورة في إجابة الصغار أقلق غيرها مع الكبار الذين يبدو أنهم أضربوا عن الاندهاش وأضحوا لا يتعجبون من هول ما يسمعون، ومن فظاعة ما يجري في العالم، وكأنهم يحتجون بإضرابهم هذا على الفيلسوف اليوناني سقراط الذي أكد أن الدهشة هي بداية الفلسفة.

أين ذهبت دهشة الجزائري؟ أو بالأحرى لماذا فقد الجزائري القدرة على التعجب والاستغراب؟ هل أن الأمر يتعلق بعلاقته المتوترة مع اللسان؟ أي أنه يعاني من عجز لغوي أفقده القدرة على التعبير عن ما يدهشه أو البرهنة عليه؟ ربما الأمر يتعدى اللسان ليطرح على مستوى آخر يتعلق باقتناعه بعدم الجدوى من الاندهاش.

يرى الفيلسوف الفرنسي “جيرار غيوو” أن الاندهاش يعبر عن رغبة في المعرفة التي تولد عندما نرى أو نسمع ما يثير دهشتنا أو يفتننا دون أن نعرف السبب، أو أن استيعاب السبب يتجاوز قدراتنا الفكرية. فالاندهاش لا ينم عن جهل، بل يُعّد مدخلا للمعرفة. فمن يندهش يتعلم شيئا جديدا لم يتخيله، وبهذا تثير الدهشة فينا الفرح والمتعة.

لم تفقد كلمة “عادي” وحدها معناها الأصلي لدى الجزائريين، بل لحقتها كلمة “غير عادي” التي ضاعت دلالتها بفعل قلة العزيمة، وحتى الكسل: ألا يقول بعض الجزائريين “مخك يحبس”؟

إن تغييب “غير العادي” في أحاديث الجزائريين، بصرف النظر عن سنهم أو جنسهم، نجم عن حالة من التعود والألفة مع اليومي والانسجام مع الروتين والاستكانة إليه.  ربما يفسر بعضكم هذا الواقع بالعامل السياسي ليخلص إلى القول إن الجزائري الذي يئن تحت ثقل متاعبه اليومية، يستعمل كلمة عادي للتعبير عن فقدانه الأمل في التغيير، وأنه لا ينتظر شيئا وأن لا شيء أصبح يهمه أو يعنيه. فكلمة “عادي” لدى الجزائري لا تعني الطبيعي فقط، بل تدل، أيضا، على نوع من الاستقالة بفعل التشاؤم الذي أصبح أمله الوحيد! أو تفصح عن شكل من الرفض السلبي الذي يقف عند عتبة الغضب. والتشاؤم مثل الغضب كلاهما يصادر الاندهاش.

لقد انشغل الكثير من الفلاسفة والمفكرين بالأسطورة وتساءلوا عن الأسباب التي أدت لظهورها، فالبعض رأى أن وجودها اقترن بعجز الإنسان عن تقديم التفسير العلمي للعالم، والقليل منهم تساءل عن سر بقائها حية في وجدان الشعوب وطقوسها رغم تطور العلوم التي قدمت إجابات عديدة لألغاز العالم والطبيعة. والإجابة عن هذا السؤال تكمن في مقدرة الأسطورة على الإدهاش وإثارة الإعجاب. فهل تملك وسائل الإعلام المعاصرة، باعتبارها منتجة الأساطير الحديثة، هذه المقدرة؟ فعندما تقوم هذه الوسائل بتتفيه الأحداث الجسام وغير المعقولة وتجترها، فالجمهور يتعود عليها بفعل التكرار، فيتعامل معها كشيء عادي ومألوف. وعندما تتجاهل القضايا الأساسية والظواهر الخطيرة فمعنى هذا أنها تعتبرها ظواهر عادية لا تلفت الانتباه. وعندما يتربى الجمهور في كنف وسائل الإعلام التي تخاطبه دائما بالقول “تمام أفندم”، على قول المصرين؛ أي أن الأمور عادية، وليس بالإمكان أبدع مما كان، فيصاب بالعدوى، ويصبح كل شيء عاديا في نظره. لذا يجب الاندهاش من فقدان الجزائريين القدرة على الاندهاش. فالإدمان على عدم الاندهاش لا يبلد الإحساس فقط، بل يفقدنا القدرة على الملاحظة. وأخشى أن ننتهي إلى ما قاله الروائي البرتغالي خوزيه سارامغو، في رواية “العمى”: “لا نرى بعضنا ولا نرى أنفسنا”. 

الخبر : 14 أكتوبر2013

 

 

 

 

مطبخ التلفزيون

هل كفّت النساء الجزائريات عن متابعة برنامج ”شهيوات” لشميسة الشافعي الذي تبثه القناة الثانية بالتلفزيون المغربي؟ ربما اكتفت بعضهن بمشاهدة برنامج السيدة بوحامد في التلفزيون الجزائري، و«مطبخ منال العالم” على قناة ”أبو ظبي” أو برنامج ”الشيف ”أسامة السيد” في قناة ”دبي”، أو برنامج ” مستر شيف” في القناة الأولى بالتلفزيون الفرنسي، أو ”توب شيف” بالقناة السادسة من التلفزيون ذاته أو برنامج ” Un Diner Presque Parfait” على القناة السادسة من التلفزيون المذكور، وغيرها. لكن هل تقتصر مشاهدة برامج الطبخ في التلفزيون على المرأة دون الرجل؟

يتعجب المرء من تزايد عدد برامج الطبخ في التلفزيون المعاصر، ومن ظهور قنوات تلفزيونية خاصة بالطبخ، مثل قناة ” فتافيت”، و”كويزين بليس” اللتان تحظيان بنسبة مشاهدة عالية. ويتساءل عن الأسباب الكامنة وراء تزايد عدد مشاهدي هذه البرامج بشكل غير مسبوق. ففي الستينيات من القرن الماضي لم يكن التلفزيون يولي أهمية كبرى للطبخ. لكن العالم تغيّر وظهرت عوامل تدفع بالطبخ ليكون مركز اهتمام التلفزيون ومشاهديه، لعل أبرزها الاعتقاد بقدرة هذه البرامج على إحداث تصالح المرأة الغربية مع المطبخ. هذه المرأة التي اعتقدت، في السبعينيات من القرن الماضي، أن المطبخ يحد من حريتها وينفي مساواتها مع الرجل. وأن برامج الطبخ في التلفزيون تثير رغبة نساء الغرب ورجاله في الطبخ أحيانا بعد أن ملوا من الأكل الجاهز أو نصف الجاهز الذي يشترونه من السوق لاعتبارات اقتصادية واجتماعية متعددة، مثل ضغط العمل والانشغالات المهنية وضيق الوقت.
ويعتقد البعض أن الرفاهية التي ينعم بها قطاع واسع من الناس في العالم زادت في الإقبال على هذه البرامج التي تستثمر مهارات أشهر الطباخين في العالم في طهي أحسن الأكلات بأفضل الطرق وتقديمها للاستهلاك بأشكال فنية رائعة، عملا بالقاعدة التي تنص على أن العين تأكل قبل الفم أحيانا. فالطريقة السيئة في تقديم الطعام تسدّ الشهية. شهية الذين لا يعانون من الجوع طبعا.
ربما التلاعب الجيني بالخضروات واللحوم وإشباعها بالمواد المكملة الحافظة والملونة والمسكرة والمملحة دفعت الكثير من المستهلكين إلى العناية بصحتهم. فأصبحوا حذرين في أكلهم، وميالين أكثر إلى الطبخ الصحي الذي يجدون طرق إعداده في هذه البرامج.
وربما يعتقد البعض أن السر في الاهتمام ببرامج الطبخ يعود أصلا إلى تفكك الأطر الكلاسيكية التي توارثت عبرها الأجيال تقاليد الطبخ، فحلت هذه البرامج محل الجدة والأم والعمة والخالة التي تلقّن البنات فنون الطبخ في البيت. أو ربما الحياة المعاصرة وتطور نمط معيشتها هي التي أبعدت بعض الوجبات التقليدية عن موائدنا، فشدّنا الحنين إلى تقاليد الأجداد الغذائية. لذا تزايد عدد المهتمين بالزيارات التي تقوم بها شميسة الشافعي إلى القرى في المملكة المغربية من أجل إحياء تقاليد الطبخ المغربي الأصيل على يد النساء المتقدمات في السن. بالمناسبة يمكن الإشارة إلى أن اهتمام المرأة العربية ببرامج الطبخ في التلفزيون يعود لاقتناعها بأن كسب ود الرجل يمر عبر بطنه! وبعض الرجال يعترفون، بدون خجل، أن اهتمامهم ببرامج الطبخ في التلفزيون، التي تنشطها نساء ممشوقات القوام في مطبخ كبير ونظيف يشع ببريقه، ينسيهم، ولو مؤقتا، الصورة النمطية لأم العيال المترهلة التي تتحرك في مطبخ ضيق وقليل الإنارة وسط أوان أكل عليها الدهر وشرب.

يعتقد بعض المثقفين أن اهتمام القنوات التلفزيونية في الدول الغربية بالطبخ يعود أصلا لسعيها إلى تشجيع السياحة، بدليل أن بعض برامج الطبخ في التلفزيون الفرنسي ترحل من مدينة إلى أخرى. ويتم تصويرها في الهواء الطلق لتشكّل المناظر الطبيعية الخلابة خلفيتها! ويكون الطبخ مدخلا للحديث عن الخصوصية الثقافية والاجتماعية والسياحية لهذه المدينة أو تلك.
بعد ذكر كل هذه الأسباب يظل السبب الاقتصادي مغيبا، ونادرا ما يشار إلى علاقته بتزايد عدد برامج الطبخ المتلفزة. فهذه البرامج تنجز برعاية مالية كريمة من الفنادق والمطاعم وشركات إنتاج أواني الطبخ. ناهيك عما تجنيه من اللقطات الإشهارية ذات الصلة بالسلع والمواد الغذائية وأواني طبخها المتجددة. وقد ساهم التنافس بين القنوات التلفزيونية في عولمة الطبخ ففقد خصوصيته الثقافية.
ليس لهذا السبب وحده يحذر الباحثون من أضرار الإفراط في تلفزة الطبخ. فبعض برامج الطهي في التلفزيون شكلت امتدادا لتلفزيون الواقع، وشُحذ طهاتها بروح المنافسة التي تهيمن على الرياضة. ففي هذا المقام يقول الفيلسوف الفرنسي روبير وردكر: ”لقد أصبحت هذه البرامج تثمَّن الاستعراض والمنافسة أكثر من الطبخ”. فقيم الطبخ تكمن في خلوه من كل رهان ما عدا لذة المطهِيّ. لكن عندما يتحول مطبخ التلفزيون إلى فضاء لممارسة اللعب والاستعراض والمنافسة، فإنه يعجز عن استرجاع ما ضاع من فن الطَّهي وما يرمز إليه: الشخصية الوطنية والود والسخاء ولمّ شمل الأسرة والأصدقاء.

الخبر  22 – 09 – 2013

 

  •    إذاعة المستقبل  في أفق أطروحات ثلاث: مجلة اتحاد  الإذاعات العربية – العدد 4-2012

http://www.asbu.net/medias/NewMedia2012/text/rev_asbu_4_2012.pdf

  •       عوالم رقمية: الآفاق الثقافية والاجتماعية لتطور التلفزيـون تقنياً،  مجلة الرافد عدد 12-2011

http://www.arrafid.ae/arrafid/p9_12-2011.html

  •       الأنواع الصحفية  في الصحافة الإلكترونية : نشأة مستأنفة أم قطيعة؟

http://ar.scribd.com/doc/132092193/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9-1

  •       عوالم رقمية: الآفاق الثقافية والاجتماعية لتطور التلفزيـون تقنياً،  مجلة الرافد عدد 12-2011

http://www.arrafid.ae/arrafid/p9_12-2011.html

·      اشكاليات الاعلام في عصر العولمة

samirseg.blogspot.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: