شبكات التواصل الاجتماعي: التنافس بالتناسخ


 

نصر الدين لعياضي

نشر في مجلة الشروق الإماراتية الصادرة في 18-25 جوان 2017

من يتذكر موقع شبكة التواصل الاجتماعي المسماة ” سكسديغراس دوت كم” الذي ظهر في  1997 ؟ ربما الكثير لم يسمع به أصلا خاصة أبناء الجيل الثاني من الواب بينما يتذكرون موقع شبكة التواصل الاجتماعي ” ماسبيس” MySpace الذي احتل الرتبة الرابعة في شبكة الأنترنت بعدد متصفحيه في العالم في السنة 2005 بعد مواقع الشركات العملاقة التالية: ياهو، وأي أو أل، وأم أس أن. لقد كان يحتل موقعا متقدما على موقع شبكة الفيسبوك مزهوا بالشعار الذي رُفع في السنة 2007،  والذي يقول عنه أنه البلد الخامس الأكبر في العالم بالنظر إلى  ما بلغه من مستخدمين الذين يأتي عددهم بعد عدد سكان أندونسيا والبرازيل” مباشرة. لم يعد لهذا الموقع أي ذكر في قائمة مواقع شبكات التواصل الاجتماعي. كيف لا وقد تنازل عنه روبرت مردوخ  في 2011 بـــ 35 مليون دولار فقط: أي بأقل 16 مرة من سعر الذي دفعه لشرائه في 2005! وبالمقابل من سمع بأخر مولود في عالم مواقع شبكات التواصل الاجتماعي الذي ظهر في مطلع شهر أبريل من السنة الحالية: إنه موقع  مستودون Mastodon الذي يعتبر فضاءً حرا ومفتوحا ولامركزيا بعيدا عن مضاربات البورصة. إنه موقع هجين يجمع خصائص موقعي الفيسبوك وتويتر في آن واحد لكنه غيّر مدونات الأنظمة المغلقة التي تتحكم فيهما.

سُنّة الوجود

قد يقول قائل إنها سُنّة الوجود التي تتجلى بكل بوضوح في عالم مواقع التواصل الاجتماعي.  فمقابر مواقع شبكة التواصل الاجتماعي، التي لفظت أنفسها، تتمدد لتفسح المجال لميلاد مواقع أخرى جديدة. لقد اختفى موقع شبكة التواصل المهني ” ريس دوت كوم” Ryse.com”  بعد ثلاث سنوات من ميلاده  في 2001  تارك المجال للموقع المشابه الذي ذاع صيته ولازال، إنه موقع شبكة ” لنكيدين” LinkedIn.

قد يصرف هذا الرأي البسيط والوجيه النظر عن التساؤل لماذا تم بيع موقع التواصل الاجتماعي المسمى “ديغ” Digg” بــ 500 ألف دولار فقط في 2012  بعد أن قدرت قيمته المالية في 2004 بـ 160 مليون دولارا؟

لعل هذا السؤال يكشف عن ضراوة المنافسة بين مواقع شبكات التواصل الاجتماعي التي دفعت هذا الموقع إلى التراجع، بل الاختفاء بعد أن تفوقا عليه موقعا شبكة الفيسبوك وتويتر.

مواقع تتناسخ:

لاحظ المغرمون بمواقع شبكات التواصل الاجتماعي أنها تتطور بسرعة مذهلة مستنسخة بعضها البعض. فبعد أن وضع موقع الفيسبوك أيقونة ” أحب” « like  التي تسجل إعجاب رواد هذا الموقع بما ينشر وتعمل على تلبية نرجسية البعض التي تزدهر بتزايد المعجبين وتجسد فلسفة رأسمال. أنشأ موقع شبكة تويتر أيقونة ” القلوب”. وقام موقع ” إنستاغرام” بإنشاء نظام التراسل على غرار موقع شبكة تويتر.  فموقع الفيسبوك لم يبتكر جديدا عندما اقترح على مستخدميه ”  تشخيص صورهم”. لقد سبقه موقع سنابشات   Snapchat إلى هذه الخدمة !  لكن تطبيقها في الفيسبوك تزايد بعد أن اتجه مستخدموه إلى تأطير صورة الفريق الرياضي الذي يناصرونه.  وضمن هذا المنطق أدخل موقع الشبكة المذكورة خدمة ” ساتديوم” Stadium   وذلك حتّى يتمكن 650 مليون عاشق الرياضة في العالم من متابعة المنافسات الرياضية عبره. حيث تقوم هذه الخدمة بتجميع تعليقات الأصدقاء عن حدث رياضي بعينه بإضافة تعليقات الخبراء والمختصين في الرياضة. هذا مع تقديم روزنامة المنافسات الرياضية مباشرة ونتائجها. فما هو موقع التواصل الاجتماعي الذي يسبق غيره من المواقع في استنساخ هذه الخدمة؟

لعل القارئ الكريم يتساءل : لماذا تتدافع مواقع شبكات التواصل الاجتماعي إلى استنساخ بعضها البعض؟ هل لأن الاستنساخ أصبح مباحا فلم نسمع بأن إدارة إحدى موقع التواصل الاجتماعي اشتكت أو رفعت دعوى قضائية ضد موقع أخر بحجة ” سرقة الخدمة التي ابتكرها أو اشتراها وشرع في تطبيقها؟

يرى الصحافي المختص في وسائل الإعلام الرقمية، يان غيغان، أن سبب تناسخ مواقع التواصل الاجتماعي يكمن في عزمها على أن تصبح عامة وشاملة قدر الإمكان. فتاريخ مواقع التواصل الاجتماعي يؤكد أن بدايتها في الولايات المتحدة كانت ذات طابع جماعاتي، أي موجه إلى جماعة عرقية وثقافية بعينها. فخلال الفترة الممتدة من 1997 إلى 2001 كانت أولى مواقع التواصل الاجتماعي، مثل موقع أسيانأفني Asianavenue موجها للأقليات الأسيوية، بلاك بلانت Black planet  موجها إلى الزنوج الأمريكان، واستهدف موقع ميجنت MiGente المنحدرين من أمريكا اللاتينية. بينما تسعى مواقع شبكات التواصل الاجتماعي الحالية إلى مزيد من الانفتاح على مختلف شرائح المجتمع ليس على الصعيد المحلي فقط، بل الكوني وهذا تجسيدا لفلسفة رأسمال. فموقع سنبشات  Snapchat ،على سبيل المثال، الذي اتسم بكونه موقعا موجها للشباب يملك واجهة معقدة نوعا ما، بدأ يعمل على تبسيطها والعمل على استنساخ بعض الخدمات التي تقدمها بقية مواقع التواصل الاجتماعي المشابهة بغية الوصول إلى المستخدمين من مختلف الشرائح الاجتماعية.

حرب شدّ الانتباه:

يرى الصحافي الفرنسي المذكور أعلاه أن مواقع التواصل الاجتماعي تخوض معركة الانتباه. أي انها تسعى إلى استئصال ظاهرة ” المشاهدة الواثبة ” التي رسخها التلفزيون في الجمهور. والتي تعني قيام المشاهد باللعب بأداة التحكم عن بعد في الشاشة بالقفز من مشاهدة برنامج في قناة تلفزيونية لبعض الدقائق أو الثواني والانتقال إلى مشاهدة برنامج أخر على قناة تلفزيونية أخرى للمدة ذاتها وهكذا دوالك. فكل موقع من مواقع الشبكات التواصل الاجتماعي يخوض صراعا من أجل ” القبض” على مستخدمه أطول فترة ممكنة حتى لا ينصرف إلى موقع منافس آخر. فالقبض على انتباه مستخدم شبكة الانترنت فرض على مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، مثل انستاغرام، وتيوتر، والفيسبوك، تجديد خدماتها أو توفير المزيد من الاختيارات. إذ يذكر الصحافي ذاته أن موقع شبكة الفيسبوك، على سبيل المثال، يعمل حاليا على تجريب خدمة جديدة من خلال الكبس على زر ” أَضِفْ موضوعا” والتي تسمح للمشترك بإضافة كلمة مفتاحية لمنشوراته. وبهذا تقترب هذه الخدمة من ” التوسيم” في موقع شبكة تويتر. لكن الاضافة التي يقدمها موقع الفيسبوك تكمن في اقتراح بعض المنشورات حول الموضوع المضاف انطلاقا من الكلمة المفتاحية. ولعل هذه الخدمة الجديدة تروق أكثر للشركة والمؤسسات التجارية التي تبحث عن منفذ لسلعها وخدماتها لتكون مرئية وعلى لسان رواد هذا الموقع.

ما شجع مواقع شبكة التواصل الاجتماعي على خوض معركة الانتباه أن مستخدميها لا يقيّمونها من منطلق تشابهها واختلافها ، بل من منظور ما تلبيه لهم من حاجات ورغبات بشكل متميز. لذا يعتقد الصحافي المختص في وسائل الإعلام الرقمية، ” يان غيغان”، بأن مستخدمي موقع انستاغرام يفضلونه لخصوصيته والمتمثلة في إرسال صور جميلة ومتقنة الصنع، بينما يُسْتَخدم  موقع شبكة سنابشات لإرسال صور مضحكة ومازحة بسرعة إلى صديق ويمنح موقع الفيسبوك إمكانية التأشير أو وسم الأشخاص وتعيين المكان أو الموقع الجغرافي الذي التقطت فيه الصور.

على هذا الأساس اتجهت المنافسة. فموقع شبكة تويتر بدأ ” يلعب” في أرضية موقع شبكة انستاغرام، وذلك بتوفير خدمة الفيديو الذي لا يتجاوز 15 ثانية، بل استحدث التطبيق المسمى ” فين” Vine الذي يبث شرائط الفيديو التي لا تزيد مدتها عن ستة ثواني ويمكن أن تظل تبث باستمرار مع اتاحة الفرصة للمستخدم للقيام بتركيب الفيديوهات المرسلة.

التنافس بأقل خسارة

إن تقليد مواقع شبكات التواصل الاجتماعي لبعضها يجرى دون مخاطرة . فما يتم تقليده قد جُرِب وأكد فاعليته. فعندما يقوم موقع الفيسبوك، على سبيل المثال، بتقليد موقع شبكة سنابشات ويدخل خدمة الصور الزائلة ، فإنه يدعو الشباب الراغب في هذه الخدمة إلى الانضمام إلى موقعه وهو متأكد بأنه لا يخسر الكثير جراء إضافتها إلى موقعه. للعلم أن الشباب أكثر حرصا على الخصوصية والحياة الشخصية خلافا لما يُعْتقد بدليل أنه يفضلون مشاهدة الصور ومحوها مباشرة بعد مشاهدتها  دون أن ترك أثر في الشبكة. بل أن كوادر بعض الشركات أصبحت تفضل إرسال معلومات سرية بحيث يمكن مسحها أنيا بعد الاطلاع عليها .

ويمكن القول أن إدخال تطبيق أو تطوير خدمة ما لا تؤثر كثيرا على اقتصاديات مواقع شبكات التواصل الاجتماعي لأنها تروم كسب مستخدمين جدد أو سحب جزء من مستخدمي المواقع المنافسة. وإن لم تفلح في ذلك فإن خدماتها الأخرى لا تفقد مكانتها.

تخوف:

أكد الموقع الإلكتروني ” غلوبال وابأندكس” GlobalWebIndex قبل أربع سنوات أن  موقع الفيسبوك حاضر في 44% من الهواتف النقالة في العالم بينما  يوجد ” غوغل مابس” في 54% منها. ومن أجل تعزيز وجوده في الحوامل المتنقلة طور موقع فيسبوك، على سبيل المثال، تطبيق ” فيسبوك مسنجر”، ومدير الصفحات. وقد عزز وجوده في الهواتف الذكية بعد قيام بشراء موقع شبكة ” أنستاغرام”.

 

حقيقة، إن موقع الفيسبوك من الفاعلين الأساسيين الذين اقتحموا الهواتف النقالة، لكنه ليس الوحيد في الميدان إذ بدأت تبرز الكثير من التطبيقات المستقلة في الهواتف النقالة ، مثل وابشات Webchat  وسنابشات Snapchat  ووات ساب Whatsapp التي يذكر الموقع الإلكتروني “غلوبال وابندس” أنها تشكل منافسا عنيدا لموقع شبكة الفيسبوك. هذا دون أن ننسى بقية التطبيقات الأخرى، مثل: ويشات Wechat  الصيني الذي يقدم خدمة المراسلات القصيرة الفورية والذي انتشر بشكل قوي في آسيا، و تطبيق لاين Line الياباني الذي استطاع أن يكسب 230 مليون مستخدما.

ما يقلق مواقع الشبكات الاجتماعية هي التطبيقات التقنية التي تكون أصلا عبارة عن نظام من المراسلات الفورية القصيرة ثم تضيف خدمة المكالمات الهاتفية والمصورة وتتحول تدريجيا إلى شبكة للتواصل الاجتماعي بسيطة جدا.

إن مصدر القلق تكشف عنه الإحصائيات التي يقدمها معهد الدراسات بيبر جافري والتي تؤكد أن 42 % من المراهقين الأمريكيين كانوا يفضلون موقع شبكة الفيسبوك في السنة 2012، و تراجعت هذه النسبة بعد سنة فقط من هذا التاريخ لتبلغ 23%  ! يمكن أن ندرك قيمة هذه الإحصائيات إذا علمنا أن الشباب دون 25 سنة من العمر هم الأكثر شراءً للهواتف الذكية في العالم، أي أنهم المستخدمين الأوائل للتطبيقات التقنية وما توفره من الخدمات المذكورة.

الاحتواء

من أجل الاحتفاظ بموقعه واستبعاد المنافسين العنيدين تبنى موقع شبكة الفيسبوك استراتيجية الاحتواء ، أي شراء التطبيقات والبرامج ومواقع الشبكات التي تشكل خطرا على تطوره. وهذا ما تفصح عنه قائمة البرامج ومواقع شبكات التواصل الاجتماعي التي اشتراها في السنوات القليلة الماضية. ففي 2011 اشترى تطبيق ” بوش بوب براس” المتخصص في النشر عبر الانترنت، وبرنامج ” فرند لي” الذي يقدم خدمة الأسئلة والأجوبة، و ” ستروب” الخاص بالتطبيقات المتنقلة بصيغة أش تي أم أل، واشترى في السنة الموالية موقع شبكة أنستاغرام المختصة في توزيع الصور والفيديوهات واقتسامها ، و برنامج “واتساب” المختص في المراسلات الآنية في 2014، والتطبيق المسمى ” ويت.أي ” Wit.ai” للتعرف على الأصوات في السنة التي تلتها.

لقد كشفت هذه الإستراتيجية عن حدودها. فلا يستطيع موقع الفيسبوك أن يشترى كل البرامج والتطبيقات ومواقع الشبكات المنافسة. والدليل أنه أخفق في شراء موقع شبكة ” سنبشات” رغم سخاء المبلغ الذي عرضه على أصحابه.

لب المنافسة

قد يتساءل بعض القراء الكرم قائلين لماذا يسعى موقع هذه الشبكة أو تلك إلى السيطرة على بقية مواقع الشبكات وتحييد منافسيه والقضاء عليهم؟ يقدم الاقتصاديون الإجابة بتأكيدهم على أن المنافسة في الاقتصاد الحر تؤدي بالضرورة إلى الاحتكار إن لم تتدخل الدولة بأجهزتها لتفاديه. ويكمن محرك المنافسة والدافع إلى الاحتكار في مجال المعلوماتية ومواقع شبكات التواصل الاجتماعي في المعلومات الشخصية التي يتم الحصول عليها من المشتركين. هذا ما تؤكده  “إيزابل فالك بيروتن”، رئيسة اللجنة الوطنية للمعلوماتية والحريات في فرنسا.

نعتقد أن الأمر لا يحتاج إلى تفسير أو تبرير. فالمعلومات الشخصية لا تستغل من أجل التجسس على الأفراد فقط، بل تحتاجها شركات الإعلان ومؤسسات التسويق الكبرى من أجل معرفة كل صغيرة وكبيرة عن مشتركي مواقع شبكات التواصل الاجتماعي؛ أي زبائنها الفعليين والمحتملين. ففي ظل انتشار الميديا الشخصي أو الفردي ازدهر الإعلان المُشَخص. أي أن الرسالة الإعلانية لم تعد تكتفي باستهداف كل مشتركي مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، بل تروم الوصول إلى هذا المشترك أو ذاك بعينه نظرا لما تم جمعه من معلومات تفصيلية  عن اهتماماته وميوله ورغباته وذوقه وسلوكه الاستهلاكي.

 

نُشر بواسطة د. نصرالدين

- د. نصر الدين لعياضي، كلية علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر - 11الجمهورية الجزائرية شارع مختار دود بن عكنون الجزائر العاصمة العنوان الإلكتروني: alayadi2014@outlook.com

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: