ماذا لو أَمَّمْنا الفيسبوك؟


نشر بمجلة الشروق الإماراتية- عدد 22-29 أكتوبر 2017

دعونا نؤمّم الفيسبوك. بهذا العنوان الصادم استهل الباحث الكندي وأستاذ الإعلام والاتصال بجامعة واشنطن، فيليب هووارد، المقال المشهور الذي نشره في مجلة “سليت” الإلكترونية الأمريكية يوم 16 أغسطس 2012. يتضمن هذا العنوان دعوة صريحة إلى تأميم موقع الفيسبوك لإنقاذه من الافلاس بعد دخوله المتعثّر في البورصة، وبالتالي تمكين البشريّة من الانتفاع بخدماته الجليلة والمتعدّدة دون تجاوزات.

لعل القليل من القُرّاء الكرام من يتذكر أن قيمة السهم الذي دخل به الفيسبوك في البورصة حُدد بـ 38 دولار في مايو 2012 لكنه تراجع بشكل مذهل خلال الأشهر الأولى ليبلغ 18 دولار فقط في سبتمبر من السنة ذاتها!

لقد واجه البعض دعوة فيليب هووارد بالاستهجان آنذاك وسَخَّفوا حججها. وتقبلها البعض الآخر عن قناعة و دافع عنها بحماس. وها هو النقاش حول مضمون تلك الدعوة يستأنف اليوم من جديد وإن ظل محصورا في أروقة بعض الجامعات الغربيّة وفي بعض المنابر الصحفيّة.

المبرر

إن السياق الذي وجه فيه الباحث الكندي دعوته إلى تأميم الفيسبوك كان يتسم بتراجع قيمة أسهمه في السوق مما دفع بالبعض إلى الاعتقاد بأن مصيره سيكون الإفلاس لا محالة، خاصة وأن الجيل الأول من مواقع التواصل الاجتماعي أصبح اثرا بعد عين على غرار موقع “ما سبيس”. لكن مؤسسة الفيسبوك تنعم اليوم بصحة مالية ممتازة تحسدها عليها الكثير من الشركات العملاقة في قطاع الانترنت والمعلوماتية وخارجها. فمديرها المالي ، ديف وهنر، أكد أن موقع الفيسبوك حقق ربحا صافيا  يقدر بـ  3.568 مليار دولار في الثلاثي الأخير من السنة الماضية ، أي بزيادة تقدر بــ 128% مقارنة بالثلاثي الأخير من السنة 2015!

تطرح دعوة الباحث الكندي إلى تأميم شركة الفيسبوك السؤال التالي : هل يكمن دافعها في الخوف من إفلاسها وافتقاد البشرية خدماتها فقط؟ إن كانت الإجابة بنعم فإن الوضع المالي المريح لهذه الشريكة اليوم يلغي هذه الدعوة أصلا.

الحجج

في دعوته إلى تأميم شركة الفيسبوك استند الباحث المذكور إلى حُزْمَة من الحجج الاقتصادية والقانونية والسياسية والاجتماعية.

يعتقد “فيليب هووارد” أن موقع الفيسبوك أضحى بنية قاعدية عمومية ويجب التعامل معها كمرفق عام يشكل موردا اجتماعيا هام باعتباره من الممتلكات العمومية التي يجب على الدولة المحافظة عليها، والسهر على ديمومتها. فعلى الصعيد القانوني توصف الممتلكات بأنها عمومية عندما يكون باستطاعة أي فرد في المجتمع استهلاكها أو التمتع بها وبخدماتها. وبهذا تخضع لشرطين. الشرط الأول ويتمثل في عدم انحصرها على مجموعة معينة أو فئة دون غيرها، والشرط الثاني أن استهلاكها من طرف البعض لا يحرم الآخرين من استهلاكها بالطريقة ذاتها.

ويتهم الباحث المذكور موقع الفيسبوك بانتهاك الحياة الخاصة لمستخدميه ومشتركيه، وأن الاجابات التي تقدم بها في مجال حماية الخصوصية لم تكن مقنعة إلا في حدود معينة. لذا يرى أن تأميمه يضمن حماية أفضل للحياة الشخصية ، ويعيد الثقة لمستخدميه. خاصة وأن موقع الفيسبوك أصبح يتمتع بوضع احتكاري ليس لمكانته المهيمنة على بقية مواقع شبكات التواصل الاجتماعي بل لأنه يستولى على 80 %من سوق الإعلانات الموجهة لها. ولا حلية لكسر شوكة موقع الفيسبوك، في نظر الباحث الكندي، سوى أن تضع الدولة يدها عليه ولو لفترة مؤقتة، مما يمكنه من القيام بدوره الاجتماعي كاملا ويساعد الباحثين على إنجاز بحوث اجتماعية ، وتحديدا في مجال الصحة العامة على أوسع نطاق.

ويسترسل الصحافي “جيف سبروس” في شرح الحجج المطروحة أعلاه، إذ يذكر بأن الحكومات الأمريكية لجأت إلى تأميم الشركات في ظروف استثنائيّة، مثل الحروب أو في حالة الاحتكار القصوى حينما تكون كلفة دخول شركة ما إلى سوق معين مرتفعة جدا. وأن العائد المالي مما تجنيه  من هذا الدخول متواضع جدا أمام استحالة قيام منافسة بين الشركات أو صعوبتها، كما هو الأمر بالنسبة للمنشآت القاعدية، مثل الطرقات وخطوط الكهرباء، وشبكة أنابيب المياه، إذ لا يمكن أن نطلب من أي شركة تريد خوض غمار المنافسة في هذه القطاعات أن تنشئ طرق سريعة خاصة بها أو تقيم شبكة من الخطوط الكهربائية أو تمد أنابيب المياه مخصوصة. فالخدمة العمومية ليست غريبة في العديد من القطاعات في الولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد البلدي والمحلي.

احتكار

ويرى الصحافي “جيف سبروس”، المختص في اقتصاديات التكنولوجيا الحديثة، أن سيطرة موقع الفيسبوك على بقية مواقع التواصل الاجتماعي لا تحتاج إلى إثبات وهذا ليس لتفوقه على منافسه في عدد مشتركيه الذي بلغ مليار مشترك في يونيو الماضي فحسب، بل ايضا لأنه حّيَّد مواقع الشبكات المنافسة ، مثل فرندفيد FriendFedd ، وأنستغرام، وواتساب وغيرها، بعد ان اشتراها واشترى معها العديد من التطبيقات التقنيّة ، مثل “شيرغروف” ShareGrove لإجراء المناقشات الخاصة في المنتديات الإلكترونيّة، و “سنابتو” Snaptu الذي يعد برنامجا لتطوير التطبيقات الخاصة بالتواصل عبر الأجهزة المتحركة، وغيرها من التطبيقات التي جعلته يزاحم حتّى شركات الاتصالات، خاصة بعد أن أدخل خدمة الميسنجر التي تتيح التواصل والمحادثة والدردشة بين الأصدقاء والأهل.  ليس هذا فحسب بل أصبح موقع الفيسبوك منصة كبرى يظهر فيها ما يجري في شبكة الانترنت وتراقبه بفضل الخورزمات التي تعيّن من يشاهد؟ وماذا يشاهد؟ ومتى يشاهد؟ ونوع المعلومات التي يتم تداولها. هذا إضافة إلى أن موقع الفيسبوك أصبح الممر الإجباري والواجهة التي تُفَعّل نشاط المؤسسات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والسياسية، والرافد الأساس للاتصال وزيادة تأثير رجال السياسة والثقافة والفن والرياضة.

وإن كان “جيف سبروس” يعتقد أن أثر الاحتكار الذي يمارسه الفيسبوك لم يأخذ بعدا كبيرا في الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الأوربية إلا أن وقعه كبير في الدول النامية، إذ أن احتكاره يكاد يكون مطلقا، حيث أضحى الأداة الوحيدة لولوج شبكة الانترنت في العديد من المناطق الفقيرة والنائية ، وبهذا أصبح ” المؤسس” للبنية القاعدية للانترنت في المناطق التي تشكو غيابها. بل أمسى بالإمكان استخدام موقع الفيسبوك دون الارتباط بشبكة الانترنت إذ يكفي مستخدمه ادخال رقم هاتفه الذكي فقط.

لكن كل هذه الخدمات الرائعة التي تبرر وصفه من قبل البعض بأنه مرفق اجتماعي وثقافي لا تخفي استسلامه للنزعة التجاريّة وجنوحه المفرط نحو الربح  الذي وضعه فوق كل اعتبار. واضحى يتنازل من أجله على الكثير من المبادئ وحتّى يتواطأ مع الأنظمة الاستبدادية في العالم، ويخرج عن حياده في النزاعات والحروب، وفي أثناء الانتخابات على وجه التحديد مثلما جرى في الانتخابات البرلمانية في بريطانيا في 2017 والانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية في 2016.

تسليع البشر

وإن كانت نزعته التجارية بحاجة إلى شرح فيمكن القول أن موقع الفيسبوك جعل البشر سلعة يبيعهم مرتين. يبيعهم للمعلنين شأنه في ذلك شأن مختلف وسائل الإعلام، ويبيع بياناتهم الشخصية وأخبارهم الخاصة لكل الراغبين في ذلك وعلى رأسهم شركات الإعلان والتسويق. وبهذا استطاع أن يسحب ثلثي القيمة المالية للسوق الإعلانية الموجهة لمواقع التواصل الاجتماعي، والتي بلغت ما يقارب 9.5 مليار دولار في 2013. وهذا نتيجة ” اجتهاده” في تطوير الممارسة الإعلانية في نظر المختصين ، إذ سمح للمعلنين باستهداف الأشخاص الفعليين ضمن أبعاد ملموسة، وهي السن، والنوع- ذكور أو إناث، ومركز اهتمامهم وميولاتهم، ومقر سكنهم، وليس انطلاقا من تصنيفهم إلى فئات حسب مواقع الانترنت التي زاروها ، أو بالنظر لعاداتهم الشرائية مثلما كان الأمر في بداية استخدام شبكة الانترنت.

إن كان البعض لازال يصدق ما كان يردّده مؤسس موقع الفيسبوك زاعما بأن الغاية من تأسيسه لم تكن إنشاء شركة بل تشبيك العالم تحقيقا لتواصله. فالكثير من الباحثين والصحافيين وممثلي المجتمع المدني لا يولون أي أهمية لهذا الزعم بعد تزايد عدد الدعاوى قضائية التي رُفِعت ضد موقع الفيسبوك واتهامه باختراق خصوصية مستخدمي شبكة الانترنت بصفة عامة وليس مستخدميه فقط.

رغم كل الحجج التي ساقها إلا أن “جيف سبروس” لا يؤمن بأن تأميم موقع شبكة الفيسبوك يقدم كل الحلول الممكنة للمشاكل التي يطرحها في علاقته بمستخدميه أو بالمؤسسات المختلفة. لكنه مقتنع بأن التأميم يحرّره من النزعة التجاريّة التي هيمنت على نشاطه وتحكمت فيه،        ويجعل استخدامه أرخص ثمنا وذا جودة عالية. والأهم من كل ما سبق قوله أن المسؤولية عنه تصبح ديمقراطية.

الحجج المضادة

إن كان البعض يعتقد أن لا طائل من مناقشة دعوة الباحث  “فيليب هووارد” لصعوبة تأميم شركة الفيسبوك وحتى استحالته ، فهناك البعض، مثل الصحافي “جيف بركوفيسي”، رئيس مكتب مجلة ” أنسي” الأمريكية في سان فرانسيسكو ، و”آدم تيرير”، الباحث في مجال السياسة التكنولوجيا في جامعة جورج ماسن الأمريكيّة، تصدوا لها وراحوا يردون الحجة بالحجة.

يرى “بركوفيسي” أن الذين يعتقدون بأن مزايا التأميم أكبر من مخاطره لم يسألوا عن مآل رؤوس الأموال التي تجلبها للولايات المتحدة الأمريكية، ومصير الشركة التي تُعدّ مفخرة أمريكا التي وفرت منصة للعديد من المؤسسات الاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة إن وضعت الحكومة الفيدراليّة يدها عليها؟ ولم يسألوا عن حالة الابتكار والتجديد في واد السليكون بالولايات المتحدة الأمريكية بعد تأميم شركة الفيسبوك. فالقطاع العام يكون دائما حذرا في صرف الأموال الطائلة من أجل التجديد والابتكار نظرا للآليات الإدارية والمالية التي تديره ولطريقة اتخاذ القرار التي تميّزه.

يؤمن “بركوفيسي” بأن الناس يتداولون الأخبار الشخصية عبر موقع شبكة الانترنت أكثر مما يعتقدون ، والأدهى أن القليل منهم من يعرف جيّدا سياسة موقع شبكة الفيسبوك في مجال حماية المعلومات الشخصية، والكثير منهم لا يولي لها أي أهمية أو لا يملك الحساسية ذاتها التي يملكها الداعون إلى تأميم موقع الفيسبوك تجاه الحياة الشخصية. فإذا كان تسعة أمريكيين من بين عشرة لا يضعون حزام الأمن في أثناء قيادتهم السيارة سواء عن جهل بالإحصائيات التي تكشف عن دور هذا الحزام في الحفاظ على سلامتهم أو من باب عدم المبالاة ، فهل يعقل جعل هذا الأمر سببا لتأميم شركات صناعة السيارات؟ يتسأل بركوفيسي. ويستطرد قائلا: إن مقارنة الفيسبوك ببقية مواقع التواصل الاجتماعي المغايرة، مثل موقع تويتر، من أجل تأكيد سيطرته واحتكاره يشبه إلى حد بعيد مقارنة التفاح بالبرتقال.

سوق متحوّل

ويرى الباحث “آدم تيرير”، من جهته، أن تحديد سوق مواقع التواصل الاجتماعي الشاسع يعدّ تحديا كبيرا لأن موت بعض المواقع وميلاد آخرى وفق إيقاع سريع جدا يشهد على أن هذا السوق يعيش ديناميكية وتحوّلا متجدّدا. لذا القول بأن الفيسبوك يمارس الاحتكار في هذا السوق يجانب الصواب. فوجود العديد من مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر، وليكوندن، واليوتيوب واستمرارها في البقاء ينفي صفة الاحتكار عليه. كما أن مفهوم الاحتكار والخدمة العامة يختلفان في هذا السوق. ويعتقد هذا الباحث أنه من الخطأ أن ننظر إلى موقع الفيسبوك من زاوية تعامله مع خصوصيات الأشخاص فقط، ونتجاهل كل الخدمات التي يقدمها في مجال الاتصال والاقتصاد والثقافة والمعرفة. ويرى وضع شركة الفيسبوك في يد الحكومة الفيدرالية لا يعدّ حلا مقبولا لحماية البيانات الشخصية وذلك لأنه ينطلق من افتراض بأن حصيلة هيئات الحكومية الأمريكية في مجال حماية الحياة الخاصة ساطعة بينما الواقع يؤكد عكس ذلك. هذا إضافة إلى أن اللجوء إلى تأميم موقع الفيسبوك يعني أن كل السبل التشريعية لتأطير نشاطه وإجباره على اتخاذ المزيد من الإجراءات التقنية والقانونية لحماية حياة الأشخاص الخاصة قد استنفذت.  فالغاية في نظر هذا الباحث لا تبرر الوسيلة. فلا يوجد ما يمنع اللجنة الفيدرالية لحريات وصيانه المنافسة من تسليط أشد العقوبات على موقع الفيسبوك لاختراقه الحياة الخاصة سواء اليوم أو في المستقبل. وهذا على الرغم من أن النخبة الأمريكية تتسم بحساسيتها المفرطة تجاه تقييد الحريات وترفض أن تحذو الولايات المتحدة الأمريكية حذو الاتحاد الأوروبي الذي تحكم سلطة بيروقراطية مركزية أعضاءه وتصدر لهم ترسانة من القوانين والتعليمات التي تروم حماية خصوصية الأشخاص، والتي على أساسها رفعت دعاوي قضائية ضد موقع الفيسبوك.

ويخلص معارضو التأميم إلى القول بأنه من المحتمل أن يؤدي الحل المقترح من أجل القضاء على تجاوزات موقع الفيسبوك إلى محوه من الوجود.

أخيرا، يمكن القول أن هذا النقاش سيعمم ليشمل مختلف الفاعلين في المجتمع الأمريكي ويمتد إلى أوربا مع تزايد عدد الدعاوى التي ترفع ضد موقع الفيسبوك لدى المحاكم المحلية أو على المستوى الأوروبي. وسيؤثر هذا النقاش على مستقبل هذا الموقع، بهذا القدر أو ذاك، ليصل إلى المجتمعات الناميّة. لعله يحرّرها من الخطاب الوعظي والتشاكي من خطورة الفيسبوك وبقية مواقع شبكات التواصل الاجتماعي. ويجعل مستخدميه أكثر فهما ووعيا بالجوانب التي يثيرها هذا النقاش ولا يكتفون بتنبيه بعضهم، بين حين وآخر، إلى شرائط الفيديو أو الصور المنتشرة في موقع الفيسبوك المحمّلة بفيروسات خطيرة.

نُشر بواسطة د. نصرالدين

- د. نصر الدين لعياضي، كلية علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر - 11الجمهورية الجزائرية شارع مختار دود بن عكنون الجزائر العاصمة العنوان الإلكتروني: alayadi2014@outlook.com

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: