بوتفليقة.. الحُبْسَةُ التي ذهبت بحكمه


نصر الدين لعياضي

لخّص أحد شباب الحراك الشعبي الجزائري أزمة الاتصال السياسي الرسمي في الجزائر بشكل يدعو إلى التفكير. لقد خاطب وزير الخارجية السابق، الأخضر الإبراهيمي، في برنامج في قناة تلفزيونية جزائرية خاصة، قائلاً: اعتقلت لمشاركتي في المسيرات الشعبية المناهضة لترشح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لعهدة رابعة. فنشرت رسالة شكر للرئيس على حسابي في “فيسبوك”، لأنه سيمنح مستقبلاً الفرصة كاملة للشعب ليتوحد ضده، وساعتها لن يجد من يخطب فيه. وأضاف الشاب: عندما أخرج الشعب الجزائري غضبه إلى الشارع يوم 5 أكتوبر/ تشرين الأول 1988، وصبّه على رموز نظام الحزب الواحد، تمكّن الرئيس الراحل، الشاذلي بن جديد، من أن يستوعب الشعب بكلماته العاطفية في خطابه الموجه إلى الأمة، فكسب ثقة الشعب من جديد. ولم يرض بخريطة الطريق التي قدّمها له فحسب، بل قَبِل أيضاً أن يتولّى قيادة مرحلة انتقال الجزائر من الأحادية الحزبية إلى “التعدّدية السياسية”. لكن من يخطب اليوم في الشعب الجزائري بعد أن أصيب بوتفليقة بالحُبْسة؟ هذا الشعب الذي خرج عن بكرة أبيه إلى الشوارع في المدن الجزائرية، ففاضت به، ليطالب بوتفليقة ونظامه بالرحيل.
لم يكن الجيل الجزائري الجديد يعرف عبدالعزيز بوتفليقة، عندما عاد إلى سدة الحكم محمولاً على أكتاف جنرالات الجيش في ربيع 1999. أما جيل السبعينيات ومن سبقه فلم يحتفظ من بوتفليقة سوى بصورة ذاك الشاب المختال بنفسه، والمُدلّل لدى الرئيس الراحل هواري بومدين الذي سلم له وزارة الخارجية، لعل كثيرين من أبناء ذاك الجيل تذكّر إلقاءه المؤثر كلمة تأبين الرئيس الراحل، هواري بومدين، في مقبرة “العالية”، ويقال إن السفير سعد الدين نويوة هو الذي خطها، فأنساهم قضية مرتجعات مالية ذاع أن بوتفليقة وضعها في حساب له في سويسرا. ودفع الجيش الجزائريين إلى أن يأملوا خيراً في هذا القادم من الماضي، لأنهم اعتقدوا أنه سيرث كثيراً من خصال بومدين، خصوصاً وأنه جاء بشعار “العزة والكرامة”، بعد ما أنزل من حيف وهوان على الشعب الجزائري المصدوم في عشرية الدم والدمار. ويرفع سمعة الجزائر في المحافل الدولية، ويفكّ الحصار الذي ضُرب عليها طوال “العشرية الحمراء”. ألم يكن على رأس وزارة الخارجية الجزائرية 17 سنة متتالية؟
استطاع بوتفليقة أن يستميل الجزائريين بخطاباته المطولة عهدتين رئاسيتين. يلهب بها حماسهم ويبهرهم، مؤمناً بأن للكلمة بعداً عاطفياً تمارس به سحرها الخاص في الوجدان الجزائري. وهكذا تحول بوتفليقة من رئيس دولة يُسأل ويُحاسب عن أعماله من الهيئات الشرعية إلى قائد ملهم الجماهير. قد يُقال: وهل له أن يفعل غير ذلك، ومخياله يفيض بصورة الزعيم، لأنه عاش في كنف هواري بومدين الذي تصرّف كزعيم وقائد ثوري أكثر منه رئيس دولة، بدليل أنه لم يبادر بتزويد الجزائر بدستور وهيئة تشريعية، إلا في السنتين الأخيرتين من حياته.
صنع بوتفليقة من خطاباته زعامة. ألم يصرّح لقناة تلفزيونية فرنسية في منتدى دافوس في سويسرا، بعد أشهر قلائل من انتخابه، بأنه يجسّد الجزائر ويمثل روح شعبها؟ وكان يشعر
بنشوة تغمره، وهو يخطب، والناس تصفّق له، فيزداد حماسُه بحماسهم. يعنّفهم ويحمّلهم مسؤولية ما جرى لهم وللبلد. ألم يؤنب الجزائريين لأنهم انتخبوا بن جديد، الذي وصفه “بالرئيس المتدرب”، ثلاث عُهْدات رئاسية متتالية؟ ألم يهدّد الجزائريين، في خطاباته، بأن يتركهم لرداءتهم إن لم ينتخبوه رئيساً. لم يسلم من سهام خطاباته أحد: أساتذة الجامعة وطلبتها، والأطباء الذي قال إنه لا يثق بهم. وكان الحضور يضحك ويصفق له! كان يحتقر الشعب، لأنه حرمه من أحقيته التاريخيّة في السلطة، لكونه وريث الرئاسة الشرعي بعد وفاة الرئيس بومدين.
لا يؤمن عبد العزيز بوتفليقة بأن السياسة إدارة التضارب بين المصالح والتعارض بين المواقف والتوجهات الإيديولوجية في إطار استراتيجيا التوافق الذي تصنعه المؤسسات، في سعيها إلى تحقيق وحدة الأمة، وانسجام المجتمع في ظل سيادة القانون الذي يسمو فوق الجميع، ويصون حقوق كل مواطن. لقد اعتقد أن السياسة مكر ودهاء بكل ما يحملانه من شراء الذمم، وانتقام وابتزاز وتخويف وتحالف مؤقتٌ وتآمر. اعتقاده نابع من رواسب ماضيه، ومن المرويات التي وصلت إليه. وربما جاءته من النزر القليل من النصوص التي قرأها، إن كان يقرأ بالطبع. وهنا لا يختلف بوتفليقة عن رؤساء دول عربية تخلو مكتباتهم الخاصة، إن وجدت، من كتب الاقتصاد وإدارة المال والأعمال، والقانون، وعلم الاجتماع والنفس، والفلسفة، والعلاقات الدولية. وتضم فقط دواوين شعرية ونصوصاً روائية وكتب سير لعظماء التاريخ التي لا يفتحون صفحاتها إلا لاستلهام أساليب المكر والخداع والتآمر. لقد اقتنع بوتفليقة، وهو يحاول تقليد معلمه بومدين، بأن السياسة بين فَكّيْهِ، أي في الخطاب.
كان جلّ الجزائريين يترقبون خطابات الرئيس الراحل هواري بومدين، لأنها تعدّ بمثابة برنامج عمل: تحدّد مواقف الدولة الجزائرية وتوجهاتها التي افتقدت الدستور الذي يحدد دور مؤسسات الدولة وصلاحياتها، وهيئة منتخبة تتولّى مهمة التشريع. لكن خطابات الرئيس بوتفليقة لا تملك الوظيفة التي كانت تقوم بها خطابات بومدين، لأن الجزائر تغيّرت. ونظرة هواري بومدين إلى اللغة غير نظرة عبد العزيز بوتفليقة إليها، فاللغة لدى هذا الأخير ليست وسيلة اتصال فحسب، بل ملجأ لتحقيق ذاته ورعاية نرجسيته. وبها اخْتُزل الخطاب السياسي الرسمي في شخصه.
ماذا حدث بعد أن أصيب الرئيس بالحُبسة، شفاه الله منها؟ لقد واصلت الصورة تعظيمَه، بل بالغت في ذلك، من أجل التغطية على غيابه المتكرر، وعجزه المستدام. ولصرف النظر عن استفحال الفساد في دواليب الدولة، واستشراء التعسّف في استخدام السلطة. لقد انتقل الخطاب الشفهي من تعزيز نرجسية القائد/ الزعيم إلى وضعه في مصاف الرسل. وعمّت صوره وبورتريهاته الشوارع والساحات العامة في المدن الجزائرية، وناب “الإطار الخشبي والمذهّب” عنه في كل المناسبات والاحتفالات والمهرجات. قد يقول بعضهم إن ظاهرة الزعامة لم يزرعها بوتفليقة في الحقل السياسي الجزائري، بل ورثها عن رموز الحركة الوطنية، بدءًا بمؤسس حزب الشعب الجزائري، الحاج مصالي، وصولاً إلى بومدين، ومروراً بأول رئيس للدولة الجزائرية المستقلة: أحمد بن بله. هذا الرأي لا يجانب الصواب، لكن المبالغة في هذا الإرث أدت إلى إنشاء منظومة مادية ورمزية متكاملة لتقديس بوتفليقة. لقد ذهب المتملقون، والمتبركون بـ “إطاره الخشبي” إلى اعتباره باعث الأمة الجزائرية في 1999!
ماذا لو لم يصب بوتفليقة بالحُبسة، هل كان في وسعه أن يستميل الشارع بخطاباته المعهودة، ويعيد الشعب إلى طاعته؟ الجواب نجده في الحراك الشعبي، ولدى الجيل الجديد من الشباب  الذي نحت لغته الخاصة، وابتكر ثقافته السياسية التي لا صلة لها بثقافة من احتكروا الحكم منذ استقلال الجزائر. الجيل الذي يقول عنه عالم الأنثروبولوجيا الجزائري، عبد الرحمن موساوي، إنه أعاد مراجعة السرديات الكبرى التي شيدت على أساسها الدولة الوطنية، فقام بتأويلها على ضوء الحقائق التاريخية الخاصة به.
ربما الأمر لا يتعلق بالحبسة التي أصابت بوتفليقة، بل بحبسة النظام الجزائري أو بالأحرى بمرض التوحد الذي أصابه على يد هذا الأخير، فأفرغ الديمقراطية من جوهرها الأساسي، وهو التناوب على السلطة، واختزل السياسية في مساندته ومناشدته على الاستمرارية في الحكم. وهكذا فعل مع مفاهيم ومصطلحات كثيرة، بعد أن صادرها وتملَّكها.
إذا كان الباحث الفرنسي، فليب برتون، يعتقد أن أزمة الديمقراطية في فرنسا تعود إلى العجز الكبير في كفاءة الكلام، فإن أزمة الاتصال الرسمي في الجزائر تعود، في اعتقادنا، إلى تضييق الفضاء العمومي، وتجفيف منابعه بإقصاء كل الآراء المعارضة لرأي الزعيم، وحتّى المخالفة لنزواته، فجمّده بعد أن صادر النقاش. وانجرفت مختلف الشرائح الاجتماعية في “الفضاءات العمومية” الهامشية والمهمشة، فتراكمت وتقاطعت، وتدفقت في الحراك الذي غمر الشوارع والساحات. وأصبح يهدّد بحصار الفضاء العمومي، الذي كان مهيمناً قبل 22 فبراير/ شباط 2019، وبعزله.

نُشر بواسطة د. نصرالدين

- د. نصر الدين لعياضي، كلية علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر - 11الجمهورية الجزائرية شارع مختار دود بن عكنون الجزائر العاصمة العنوان الإلكتروني: alayadi2014@outlook.com

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: