مواقع التواصل . . إيجابياتها وسلبياتها


يفسر “تيدي غوف”، مسؤول الحملة الانتخابية الرقمية لباراك أوباما في ،2012 نجاح هذا الأخير في استمراره رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية لولاية ثانية بثقل وزن مواقع الشبكات الاجتماعية في الحياة السياسية الأمريكية المعاصرة . وحجته في ذلك أنه مكن، بمعية فريقه المكون من 240 شخصاً، الرئيس المذكور من الحصول على 34 مليون صديق في الولايات المتحدة الأمريكية عبر موقع شبكة “الفيس بوك”؛ أي أكثر من عدد الناخبين!

لم تتحول هذه الحجة إلى نموذج ناجح للتسويق السياسي في إدارة الحملات الانتخابية في الدول الديمقراطية فحسب، بل عززت الاستخدام السياسي لمواقع الشبكات الاجتماعية في العديد من الدول، خاصة الديمقراطية منها .
يجمع الكثير من الباحثين على تراجع ثقة ناخبي الدول الغربية في المؤسسات السياسية وممثليهم في مختلف الهيئات المختلفة . وهذا ما تثبته نسبة المشاركة الضعيفة في مختلف الانتخابات، خاصة في أوساط الشباب الذين أصبحوا لا يترددون في التعبير عن نفورهم من الفعل السياسي، والفئات الفقيرة التي تعيش على هامش التطور، والتي تعتقد أنها لم تجن من الانتخابات إلا الخيبات وفقدان الأمل في تحسين أوضاعها المعيشية

.
فأمام تكلس الأحزاب السياسية التقليدية وترهلها، وبروز فئة من محترفي النشاط السياسي التي تضع مصالحها الذاتية على رأس قائمة اهتماماتها، تحول الناخب إلى ملاحظ سلبي لا يتلفت إليه إلا في أثناء الحملات الانتخابية . وهذا ما حدا الكثير من الباحثين إلى التحذير من موت الديمقراطية بعد أن أفرغ الفعل السياسي من محتواه .

بين التواصل والتسويق السياسي

رغم الفجوة الرقمية التي يمكن ملاحظتها على مستوى البلدان أو حتى داخل البلد الواحد إلا أن عدد مستخدمي مواقع الشبكات الاجتماعية في تزايد مرتفع، بل أنهم تحولوا إلى ناشطين في الفضاء الرقمي . وهذا ما أدى إلى التفاؤل بمستقبل النشاط السياسي في الدول الغربية، وأحيا الأمل في أن يأخذ مسلكاً غير ذاك الذي حذر منه الباحثون . وذلك لأن هذه المواقع غيرت مكانة الناخب في الفعل السياسي؛ إذ أنها لا تستجدي صوته في المواعيد الانتخابية فقط، لأنها تمكنه من التعبير عن رأيه، ونشر أفكاره، ومشاركة غيره في آرائهم سواء عبر مناقشتها أو تبنيها . ليس هذا فحسب، فمواقع الشبكات الاجتماعية تشكل حلقة وصل بين الاتصال الشخصي، الذي يملك من القرب والحرارة ما يجعله أكثر تماسكاً وقوة، والاتصال الجماهيري الذي يدفع مضمون ما ينشره إلى المزيد من الانتشار . لذا اضطرت الأحزاب السياسية في الدول الغربية إلى إدراج مواقع الشبكات الاجتماعية ضمن استراتيجيتها في مجال “التسويق السياسي” من أجل تلميع صورة المرشحين وأصحاب القرار السياسي، وتغيير نظرة الناس إليهم: إظهارهم متواضعين مثل أغلبية الناس، وقريبين من الناخبين، وإنسانيين أكثر . لعل القارئ الكريم يتذكر شريط الفيديو للرئيس أوباما والدمعة تتدحرج على خده فور الإعلان عن فوزه في الانتخابات الرئاسية، واحتضانه لأفراد أسرته الصغيرة، والذي شاهده الملايين من مشتركي مواقع الشبكات الاجتماعية .

البحث عن الفاعلية

وأدرجت الأحزاب السياسية مواقع الشبكات الاجتماعية في استراتيجيتها الاتصالية، أيضاً؛ أي من أجل “لحم” علاقتها بالناخبين . وهذا باستثمار ما تتيحه هذه المواقع من إمكانات التجنيد والتعبئة، والدعوة إلى التبرعات، والحوار والمناقشة، والاستماع إلى رأي الناخبين . وهي الإمكانات التي لا تتيحها وسائل الإعلام التقليدية . والتجارب في العالم تقدم لنا أكثر من مثال سنكتفي بواحد فقط . لقد أنشأ البيت الأبيض الأمريكي منصة تشاركية في شبكة الانترنت بعنوان: “تنظيم لأمريكا” وخصص صفحة للأسئلة التي يطرحها مستخدموها في شكل شريط فيديو قصير أو نص مكتوب . ثم تطرح كل الأسئلة للتصويت . والسؤال الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات يحال إلى الرئيس الأمريكي ليجيب عنه . وتبث الإجابة المسجلة في شريط فيديو في المنصة ذاتها . وقد شارك في انطلاقة هذه الصفحة أكثر من 90 ألف شخص طرحوا أكثر من مئة ألف سؤال وقد صوت عليها حوالي مليوني شخص.

وقد حذا حذو البيت الأبيض الأمريكي الكثير من الحكومات والوزارات والمنظمات الغربية . وأصبح الرجل السياسي الذي لا يملك حساباً في الشبكات الاجتماعية شخصاً غريب الأطوار أو قادماً من كوكب آخر . وقد استطاع من يملك حسابا أن يكون على اتصال دائم بالناخبين، يحاورهم ويستشيرهم في بعض الأمور المتعلقة بالشأن العام، ويستمع إليهم . ويرى البعض هذا الشكل من الاتصال السياسي أنجع من تنظيم الاجتماعات الرسمية التي لا تنجح في جمع عدد كبير من الناس . والتي تقل فاعليتها، في بعض الأحيان، لسقوطها في الروتين والمجاملات . بينما يشكك البعض الآخر في جدوى ما يسمونه “النضال الرقمي” . ورغم هذا التشكيك لا يمكن أن ننكر أن شبكة الانترنت ومواقع الشبكات الاجتماعية غيرت وجه الاتصال السياسي وأعطته أبعادا أكثر حيوية .

حدود التغيير

لقد تم الربط، لأول مرة بين التكنولوجيا الحديثة للاتصال وتعبئة الناس في 2001 عندما احتشد الفليبينيون في العاصمة مانيلا لإطاحة الرئيس جوزيف استرادا . ساعتها بدأ الحديث عن “ثورة الهواتف المحمولة” . وبعد ثلاث سنوات من هذا التاريخ عاد الحديث، مرة أخرى، عن هذه الثورة إثر الأحداث التي عاشتها أوكرانيا، والتي وصفت ب”الثورة البرتقالية” التي امتد صداها عبر المدونات الإلكترونية . ويعد هذا التاريخ فاتحة استخدام الحركات الاحتجاجية لعدة تكنولوجية جديدة تجسدت في مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، “تويتر” و”الفيس بوك”، “اليوتيوب” التي نشطت في مجال إعلام المتظاهرين وتنظيمهم . وهذا ما تجلى في “مولدوفيا” وإيران التي عاشت حالة من الغليان الشعبي الرافض لإعادة انتخاب الرئيس أحمدي نجاد في 2009 . ساعتها زعم الكثير من المحللين ووسائل الإعلام أن مواقع الشبكات الاجتماعية تملك من القوة ما يمكنها من إحداث التغيير السياسي وحتى ثورات في كل مكان! لكن الأحداث التي جرت بعد هذا التاريخ فندت هذا الزعم وأثبتت أن عملية التغيير السياسي في جل دول العالم ليست وليدة عدة تكنولوجية مهما كانت متطورة وسريعة الانتشار . فالتغيير وليد مسار معقد، ونتيجة منطقية لتضافر مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتعبير عن مستوى من التنظيم والوعي.

لقد بيّن الباحث البلهاروسي “إيفجن موروزوف” في كتابه المعنون “خدعة الإنترنت: الجانب المظلم لحرية الإنترنت” أن العدة التكنولوجية الحديثة يمكن أن تقف في وجه التغيير السياسي! وقد استند في ذلك إلى التجربة الإيرانية ذاتها . حيث ذكر أن أحداث 2009 التي استعانت بموقع شبكة تويتر لم تفض إلا لمزيد من تقييد الحريات . فحكومة الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد اتخذت مجموعة من الإجراءات من أجل التحكم بشكل أفضل في “الميديا” الجديدة، إذ تم تخصيص العديد من وحدات الأمن لهذا الغرض، فكشفت الناشطين السياسيين في مواقع التواصل الاجتماعي . وتغلغلت في مختلف مواقع الشبكات الاجتماعية . وكونت مدونين من رجالها، ومختصين في شن هجمات إلكترونية على مواقع المعارضة السياسية في شبكة الانترنت . بل ذهب موروزوف إلى أبعد من هذا في كتابه المذكور، إذ أكد أن شبكة الإنترنت قد تساهم، على عكس ما يُعتقد، في إبعاد الناس عن السياسة .

المشاهدة التلفزيونية والجيل الرقمي


د. نصر الدين لعياضي

اتفقت شركة “فورد” لصناعة السيارات مع شركة “موتورولا” المختصة في الصناعات الإلكترونية    في بداية العشرينات من القرن الماضي على تزويد سياراتها بمذياع. ورفعتا بهذا الخصوص طلبا للهيئة المكلفة بتطبيق قانون الإذاعة  الأمريكي Radio Act of 1912. ولم توافق هذه الأخيرة على طلبهما بحجة أن سائق السيارة يفقد التركيز عندما يستمع إلى برامج الإذاعة. لاشك أن هذا الخبر يضحك اليوم، كثيرا، أصحاب الشركات الكبرى التي لا تصنع السيارات المزودة بالمذياع ومشغل الأقراص المدمجة للاستماع للموسيقى فحسب، بل بمنظومة اللاسلكي للمكالمات الهاتفية ” البلوتوت”. وربما تنتقل “نوبة “الضحك إلى أبناء الجيل الرقمي أو الذين يُطلق عليهم الجيل ذي المهام المتعددة. أي الذين يقومون بعدة مهام في الوقت ذاته.
لعل القارئ الكريم لاحظ ابنه أو ابن احد أقاربه من هذا الجيل يأكل “سندويتش” والسمعات تغطي أذنيه وهو يستمع إلى مقطع موسيقى من موقع ديزر كم.deezer.com و يتابع، في الوقت ذاته، صفحته على موقع الفيسبوك”. وينهر أخته لما تهم باستعمال آلة التحكم في جهاز التلفزيون عن بعد لتغير القناة التي تبث مباراة في كرة القدم! وإن احتجت بالقول أنه مشغول ولا يشاهد التلفزيون ينفى ذلك بشكل حاسم.
إن مصطلح ” تعدد المهام” Multitasking افرزته الهندسة المعلوماتية  للكشف عن بعد أساسي في التحول النوعي الذي تعيشه الصناعة الإلكترونية في انتقالها إلى العصر الرقمي. إنه البعد المتمثل في وجود نظام تشغيل يستطيع معالجة العديد من برامج الكمبيوتر في الوقت ذاته. وقد امتد هذا المصطلح إلى العالم الاجتماعي ليعبر عن قدرات الإنسان على إنجاز العديد من المهام بشكل متزامن بشرط ألا تكون متناقضة أو متعارضة.
يعتقد البعض أن هذه القدرات أصبحت متاحة بفضل تكنولوجية الاتصال المتطورة من جهة، وتواجدها في كل مكان، وتوفرها في كل زمن، بيد أن الباحثة الأمريكية في علم الانتروبولوجية “مونيكا سميث” نفت ذلك في كتابها الموسوم: “ما قبل تاريخ الناس العاديين” الصادر عن جامعة أريزونا الأمريكية في 2010. لقد أكدت أن أجدادنا سبقونا في القيام بعدة وظائف معا في آن واحد.” وتزعم أن القدرة على فعل ذلك تنبع من الطبيعة البشرية التي تميّزنا عن الحيوان. وترى أن تطور الحضارات والمبتكرات التقنية أضفت درجات من التعقد على التفاعل الاجتماعي.
إن التفكير السريع في هذا المصطلح يؤكد وجوده السابق عن وجود شبكة الانترنت ومختلف تطبيقاتها  وسالف عن تطور الاتصالات في العالم. وأن القيام بعدة مهام بشكل متزامن ليس حكرا على فئة الشباب. والحجة على ذلك نجدها في طقوس بعض النساء في المنزل. إنهن يجسدن هذا المصطلح في أرض الواقع بشكل روتيني، ودون وعي في كثير من الأحيان. إذ تتابع ربة البيت مسلسها التلفزيوني المفضل. وتسترق النظر، بين الحين والآخر إلى طبّيخها فوق الفرن تارة، وإلى ابنها الذي يلهو بألعابه بجانبها. لكن من المحتمل أن ينتهى القيام بالوظائف الثلاث برائحة الشِّيَاط المنبعثة من المطبخ أو بصراخ الولد لسقوطه.
حقيقة، لم تجعل تكنولوجية الاتصال المعاصرة هذه الظاهرة مرئية أكثر فحسب، بل طورتها. فبعض الأشخاص يوظفونها من أجل التسلية والمتعة أو بقصد استثمار أفضل للوقت فرضته الضرورة المهنية، لكنها أخذت في بعض الأحيان بعدا يعيق الاتصال. فيحدث أنك تحدث جليسك وعينه على حسابه في شبكة تويتر. وقد يشرد عنك لإدراج تعليق دون استئذانك ويطلب منك أن تواصل حديثك وهو مشغول عنك! ويعتقد البعض أنه يستحيل على المرء القيام بمهمتين أوأكثر معا وفي الوقت ذاته بنفس الكفاءة والإتقان. ويذهب ديّديّ بلو، عالم النفس العيادي الفرنسي، إلى الاعتقاد بأن القيام بتعدد المهام يعني غياب التركيز. وأن التكنولوجية الجديدة تحفز الأشخاص بشكل فائق، فيستجيبون لها بالقيام بأكثر من مهمة دون التركيز على تلك التي من المفروض أن تحظى بالأولوية.
ويؤكد الكاتب والناشر الصحفي “لونس هون” أنه نما وترعرع في ظل التكنولوجية. فيدردش في مواقع المنتديات الإلكترونية. ويقرأ، وفي الوقت ذاته، أخبار الرياضة أو يرسل خطابا عبر البريد الإلكتروني أو يلعب لعبة إلكترونية. ويقر بأن كل ما يقوم به يخلو من أي بعد نقدي، أي لا يتطلب تفكيرا معمقا. ويعترف أنه “يستهلك ” كما هائلا من المعلومات في نهاية يومه لكنه لا يحتفظ سوى بالنَّزْرَ القليل منها. ويؤكد أنه لا يتذكر سوى نتيجة مباراة كرة السلة التي قرأ خبرا عنها أو المحادثة التي أجراها مع صديقه ولا شيء غير هذا من كل المعلومات التي حصل عليها. ويستخلص في الأخير أن المهام المتعددة التي تحتاج قدرا كبيرا من التركيز والتفكير صعبة التحقيق وإن تحققت تكون نسبة التوفيق فيها ضعيفة جدا. هذا ما أثبتته التجارب التي قام بها الباحث “دافيد ماير”، مدير مخبر المخ الإدراكي والفعل في جامعة ميشيغان بالولايات المتحدة الأمريكية. بيد أنه يميز بين المهام الصغرى التي تتطلب قليلا من التركيز وبقية المهام. ويرى أن هناك علاقة ترابطية بين جودة الأداء والتحفيز. فحقنة صغيرة منهما تجعلنا أكثر إنتاجية، بينما الحقنة الكبرى تجعلنا متوترين وتضعف انتباهنا لأن المخ يتطلب وقتا للراحة من أجل الاختفاظ بالأفكار والذكريات. ويرى أن القيام بالمهام المتعددة لن تكون ممكنة وفاعلة إلا إذا كانت تتطلب القليل من التركيز والانتباه. ويصنف المهام إلى ثلاث: مرئية، ويديوية، ولسانية. ويرى أن المخ يعالج كل مهمة من هذه المهام بطريقة مختلفة، وكل طريقة لا تستطع أن تستوعب سوى كمية محدودة من المعلومات وتحللها مرة واحدة.
ولعل القارئ الكريم يعرف أن ربات البيوت كن يشغلن المذياع في السابق وينصرفن إلى أداء واجباتهن المنزلية اليومية. فالصوت المنبعث من جهاز الراديو يؤانس وحدتهن فقط. ولا يولين له أي تركيز إلا إذا بث معلومة أثارت فضولهن. واليوم يتعامل الكثير من الناس مع جهاز التلفزيون بالمنطق ذاته. فالشخص الذي يدخل بيته أو إلى غرفته في الفندق فأول ما يقوم به هو تشغيل هذا الجهاز، ثم ينصرف إلى ترتيب أموره أو إلى انشغالاته: تغيير ملابسه أو الاستحمام أو تحضير كوب شاي، وغيرها من طقوس الحياة اليومية. وبهذا فإن ” المهمة” المرئية تتحول إلى ” مهمة” لسانية وفق التصنيف الذي وضعه الباحث “دافيد ماير”. ومن الممكن ألا يندرج هذا المثال ضمن ” تعدد المهام” Multitasking  حتى وإن كان يكشف عن جانب من تحول علاقة المشاهدين بجهاز التلفزيون. بيد أن صورة هذا التحول تتجلى، بوضوح أكثر،في ممارسات أبناء الجيل الرقمي الذين تربطهم به علاقة تتسم بنوع من المفارقة. إذ أنهم يشاهدون بعض البرامج التلفزيونية بقليل من الاهتمام وهم مشغولون بترسانتهم التكنولوجية، إن لم يكونوا يتابعونها عبر الحوامل التكنولوجية المتاحة) الهاتف الذكي، اللوح الرقمي، الهاتف المحمول( التي يستعملونها بشكل متزامن لأغراض أخرى. هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد يتابعون بعض البرامج بتمعن ويعلقون، في الوقت ذاته، على ما يشاهدونه في مواقع الشبكات الاجتماعية أو يعقبون على تعليقات أصدقائهم على بعض اللقطات أو الكلمات أو الصور التي تظهر في البرنامج الذي يتابعونه وعبر المواقع ذاتها.
لقد أدركت بعض القنوات التلفزيونية هذا التغيير في فعل المشاهدة، بل شجعته عبر دعوة المشاهدين للإدلاء بأصواتهم لصالح أحد المتنافسين في برامج المسابقات أو برامج تلفزيون الواقع سواء عبر الرسائل النصية القصيرة أو الهاتف أو عبر صفحة البرامج المذكورة في شبكة الانترنت. إذا المطلوب الآن تشجيع البحوث العلمية للاقتراب أكثر من التحول في  المشاهدة التلفزيونية خاصة لدى الجيل الرقمي. والسعي إلى فهم تبعاتها على مستوى البرمجة التلفزيونية، وبنية البرامج التلفزيونية الموجهة لهذه الشريحة.
نعتقد أن البحوث العلمية في هذا المجال قليلة جدا ومتأخرة إذا قورنت بالبحوث العلمية التي انجزها علماء النفس في مجال تطور الإدراك البشري.
نشر بمجلة اتحاد إذاعات الخليج عدد 101 يونيو 2015

هل يتحول الجمهور إلى شريك وسائل الإعلام؟


د. نصر الدين لعياضي
مجلة الشروق الإماراتية الصادرة في 28 ديسمبر 2015- 3 يناير 2016

هل يوجد من يشكك في ما صرح به بيز ستون، أحد مخترعي موقع شبكة “تويتر”، في 2010؟ لقد أكد على أن ” تويتر” ليست شبكة اجتماعية، بل شبكة إخبارية، وبفضلها لم يُعدّ الواب أنبوبا تتدفق عبره الأخبار فقط، بل تحول إلى مصدر إخباري. لا أحد يعتقد أن الفرنسيين هم الذين يشككون في صحة هذا التصريح لأنهم شاهدوا يوم 19 مايو 2011 مذيع نشرة أخبار قناة ” بي أف أم” التلفزيونية وهو يقرأ على شاشة الكمبيوتر نصوص “التغريدات” عبر موقع شبكة “تويتر” عن إحالة دومنيك ستروسكان، المدير العام السابق لصندوق النقد الدولي، إلى العدالة وهو يدلي بشهادته أمام القضاة في محكمة نيويورك، على إثر الدعوة القضائية التي رفعتها عليه ” نفيستو دليالو” عاملة التنظيف بفندق سوفيتال، واتهمته فيها بالتحرش. هذا في وقت لم تسمح فيه المحكمة للصحافيين من إدخال آلات التصوير إلى قاعة المحكمة.

 

تغريدات التغيير

لقد كشفت ” التغريدات” المذكورة عن شكل من تفاعل وسائل الإعلام المعاصرة مع الأحداث والتزامها الشديد، وغير مسبوق، بالآنية ، والسعي إلى إثراء مصادر أخبارها والاستعانة بالجمهور لتغطية بعض الأحداث. بالفعل، لقد أصبحت الكثير من وسائل الإعلام تتجه إلى جمهورها لتقديم شهادته المكتوبة أو المصورة أو المسموعة عن الأحداث التي عاشها أو كان شاهدا على وقوعها، وذلك عبر الوسائل المختلفة: الهاتف، ومواقع الشبكات الاجتماعية والمدونات الإلكترونية. لعل القارئ الكريم يتذكر الكثير من الكوارث الطبيعية والأحداث الجسام التي استعانت فيها وسائل الإعلام المختلفة بالصور والشهادات التي تزاحمت في مواقع الشبكات الاجتماعية: تويتر، وفيسبوك، ويوتيب. ولن تكون أخرها المظاهرات التي عاشتها مدينة ” فرغيسون” في ولاية ميسوري بالولايات المتحدة الأمريكية يوم 9 أغسطس 2014 على إثر قيام شرطي أبيض بإطلاق النار على شاب أمريكي أسود أعزل ومسالم فأرداه قتيل. لقد جعلت بعض الصحف من قرائها الأوفياء مراسلين محليين لما يجري من أحداث في حيهم السكني أو قريتهم أو مدينتهم يزودونها بالأخبار والصور. ليس هذا فحسب، بل أن بعض الصحف دعت قرائها إلى المساهمة في إنجاز تحقيقاتها الصحافية. إذ يمكن أن نذكر، على سبيل المثال، ما قامت به صحيفة “الجارديان” البريطانية في يونيو 2009، على إثر تسريب شائعات تتعلق بخروقات وتجاوزات في نفقات ممثلي مجلس العموم البريطاني. فسعت إلى امتلاك 458000 صفحة من فواتير مصاريفهم، وأدخلتها في موقعها في شبكة الانترنت، وطلبت من قرائها ومستخدمي شبكة الانترنت مراجعتها والتدقيق فيها. وقد ساهم في هذه العملية 28 ألف شخص! وقد تبنت صحيفة ” دوفيني ليبري”، وهي صحيفة محلية تصدر في مدينة غرونبول الفرنسية، الأسلوب ذاته في التحقيق الصحفي الذي نشرته عن انتقال البث التلفزيوني إلى النمط الرقمي الأرضي. لقد حددت السلطات الفرنسية نهاية 2009 كآخر أجل لهذه العملية لوضع حد لاستقبال برامج البث التلفزيوني التناظري لكنها تأخرت إلى غاية 2011 ورافقتها حركة احتجاج المواطنين على الاضطرابات التي حدثت في استقبال برامج القنوات التلفزيونية الفرنسية الرقمية. ولمتابعة هذه العملية وجهت الصحيفة المذكورة نداءً إلى قرائها في المنطقة التي توزع فيها ليقدموا شهادتهم عن معايشتهم هذا الانتقال في البث. فاستجاب لها 1200 قارئ خلال شهري نوفمبر وديسمبر2011. وهكذا استطاعت هذه الصحيفة أن تقدم مادة دسمة وموثقة استفادت منها السلطات في تجاوز بعض المشاكل وتصحيح بعض أوضاع البث.

من قال أن الجمهور سلبي؟
لقد أصبح مالكو القنوات التلفزيونية وصحافيوها يعوون أن قسما من جمهورها يعلق عبر شبكة تويتر أو الفيسبوك أو اليوتيوب على برامجها بشكل متزامن مع بثها. واقتنعوا بالفكرة التي مفادها أن جمهور وسائل الإعلام سلبي وساكن قد عفا عنها الزمن، وتوارت في الماضي البعيد مع التخيلات الناجمة عن نظريات التأثير المطلق التي ازدهرت في منتصف المنتصف الأول من القرن العشرين، واحتفت بها الأيديولوجية الشمولية أيّما احتفاء. فالكثير من الشواهد تثبت بشكل قاطع أن الجمهور لم يعد يبلع ما يقدم له من ” وجبات إعلامية” دون امتعاض أو معارضة أو عزوف، إنه جمهور متفاعل وفعال. وقد طورت وسائل الإعلام استراتيجيتها من أجل استثمار طاقته التفاعلية بمختلف الأساليب، لعل أقدمها هي المنتديات لإلكترونية التي فتحتها الصحف في مواقعها في شبكة الانترنت بدءا من 1995. يليها نشر التدوينات الإلكترونية لبعض المدونين، وفتح المجال للتعقيب والتعليق على المقالات الصحفية التي تنشرها، وعلى البرامج المسموعة والمرئية في مواقع القنوات التلفزيونية والإذاعية التي أنشأتها في شبكة الانترنت، بل أن وسائل الإعلام أصبحت ترصد ما يدور في منصات الدردشة الإلكترونية من مواضيع، وما يدرج من” توسيمات” في موقع تويتر لتطبخ منه وجبات إعلامية، وتغذي به مواقعها الإلكترونية.

حدود التفاعل:
اقتنعت وسائل الإعلام المعاصرة بضرورة تغيير نظرتها لذاتها. فالكثير منها لم يعد تعتقد أنها مدرسة موازية، وأن صحافييها معلمون يلقنون دروسا للجمهور الذي يعتبرون تلميذا. لقد أصبحت النظرة إلى الجمهور تتأرجح بين كونه زبونا أو مواطنا. ومهما كان موقع هذا الجمهور فهو عنصر فاعل. والسؤال المطروح يتمثل في حدود فاعليته في المستقبل؟ فهل يمكن التسليم بما أصبح يشاع بأنه تحول إلى منتج للإعلام، وأمسى كل شخص يملك أداة تكنولوجية بسيطة ” كاميرا رقمية” ووسيلة اتصال بشبكة الانترنت “وسيلة إعلامية”، على حد تعبير الصحافي الأمريكي ” دان غلمار”، في زمن ما انفك عدد الذين يطلعون على الأخبار في شاشة هاتفهم الذكي يتزايد باضطراد من سنة إلى أخرى؟
إن وسائل الإعلام المعاصرة تتجه بقوة إلى المزيد من الانفتاح على جمهورها بتوسيع مصادرها الإخبارية وتنويعها في إطار ما أصبح يعرف بمصادر الحشد أو المصادر الشعبية crowd sourcing. و تجتهد في تفعيل حضورها في مواقع الشبكات الاجتماعية. كل هذا لا يمكن أن يخفي الرغبة الجامعة في الوصول إلى أكبر عدد من الجمهور حيثما يوجد وفي مختلف المستويات. الرغبة التي تشحذها المنافسة الشرسة وتحركها دوافع تجارية لا تفرض على مختلف وسائل التقرب من الجمهور فحسب، بل تتطلب منها الالتصاق به، وإرهاف السمع إلى ما يرضيه، وما يريد أن يقرأ أو يستمع أو يشاهد، لكن ليس على حساب مشاريعها التجارية وأهدافها السياسية والإيديولوجية. وهذا ما يؤكده المستقبل القريب الذي بدأ يكشف عن حدود تفاعل الجمهور. فبعد وكالة رويترز للأنباء، ومجلة ” بوبيلر ساينس”، وصحيفة “شيكاغو سن تايمز”، جاء دور صحيفة الإلكترونية ” ذو ديلي دوت” التي أنشئت قبل خمس سنوات فقط، وصحيفة “تورنتو سن” لتعلق، يوم 24 سبتمبر الماضي، تعليقات القراء على المواد التي تنشرها، وتحرمهم من التعقيب عليها. وقد بررت هذه الصحف ما أقدمت عليه بأن بعض التعاليق التي تصلها مجهولة الهوية وسلبية وماكرة. وأن نظام التعليقات الذي تتبعه الآن لا يخدم كل القراء. لكن ما لم يقال عن هذه التجربة أن الصحف أصبحت توجد صعوبات كبرى في إحداث التناغم والانسجام بين خطابها وخطاب قرائها والمعلقين على ما تنشره في مواقعها في شبكة الانترنت. لذا لم تعد ترى جدوى من هذه التعليقات. هذا ما عبر عنه أحد الصحافيين في صحيفة ” النوفل أبسرفتور” الفرنسية، نقلا عن مدونة ” جيف جرفيس”، إذ أكد قائلا: عندما ننتهي من عملنا، نأذن للجمهور بالتعليق على ما نكتبه. إننا نرمي به إلى الجهة الأخرى من الجدار، ونترك الناس يعبرون عن ردود أفعالهم تجاهه. وننسحب إلى قصرنا حتى لا نسمعهم. إنهم يعرفون أنهم لا يتحدثون سوى إلى الطوب. وفجأة يبدأون بالصراخ، فيملؤون الجدار بالخربشات. إننا ببساطة نملك سلطة تنظيف الجدار من هذه الفوضى التي عمته. لقد هاجرنا الساحة فغطت الخربشات، بسرعة، جدران القصر.(
الخوف من الخضوع.
لن يكن حظ المنتديات الإلكترونية أفضل من التعليقات على ما تنشره وسائل الإعلام في مواقعها في شبكة الانترنت. فغاية هذه المنتديات التي أنشأتها الصحف تروم، بالأساس، إنشاء جماعات، وإقامة علاقات دائمة مع الجمهور. فتُعَين منشط النقاش بين المشتركين في هذه المنتديات لا دور له سوى ضبط النغمة وتأطير النقاش حول المحاور المحددة سلفا. ومن يتابع ما يجرى في هذه المنتديات يشعر بانفصالها عن الصحف الورقية أو الإلكترونية التي أنشأتها. والسبب في ذلك، كما يعتقد البعض، يعود إلى أن هيئات تحرير هذه الصحف تستصغر الانتقادات التي يعبر عنها مستخدمو الانترنت في هذه المنتديات بحجة عدم تمثيلهم لمجمل قراء الصحيفة أو لضعف تعليقاتهم. لكن الباحث الفرنسي “رمي ريفل” يوعز هذه القطيعة إلى أن هذه المنتديات التي تسمح لوسائل الإعلام بمعرفة أكثر لجمهورها تدري تبعات هذه المعرفة. إنها خطيرة ويمكن أن تنتهي بالخضوع المتزايد لهذا الجمهور!
تنويه:  سيكون “عرس بغل”- أنظر اسفله-  أخر عمود من  “عتبات الكلام” الذي كان من المفروض أن يصدر اليوم – السبت 12-09-2015 في صحيفة الخبر. لقد ارتأت هذه الأخيرة الكف عن نشر الكتابات الخارجية لأسباب تتعلق بظروفها . وإذ نشكر صحيفة الخبر على رحابة صدرها على تحمل “عتبات الكلام” دون أي عتاب أو تحفظ. ونثنى على جهود الساهرين عليها الذين سمحوا لنا  باللقاء بكم  والتفاعل مع بعضكم على مدار السنوات الثلاث من عمر هذا العمود على أمل تجديد اللقاء  في فضاء أخر. ولا تفوتني الفرصة لأوجه تحية تقدير للقراء الذين تابعوا ” عتبات الكلام”سواء عبر صحيفة الخبر أو في هذا المنبر.

الأخبار الكاذبة عملة مزيفة


نشر بمجلة الشروق الإماراتية -6-12 مارس 2017

نشرت صحيفة الحياة الجزائرية خبرا في عددها الصادر يوم 14 فبراير الماضي مفاده أن “ماري لو بان” ، زعيمة حزب اليمين المتطرف في فرنسا، صرحت في الحملة الانتخابية للرئاسية الفرنسية المقبلة أنها ستبني جدارا بين فرنسا والجزائر، وستلزم هذه الأخيرة بتمويل بنائه. وعززته  بصورتها. وقد نسبت خبرها هذا إلى صحيفة ” غورافي” الفرنسية.

أثار هذا الخبر لغطا كبيرا لدى الرأي العام الجزائري وسط وموجة من التعليقات الغاضبة في مواقع الشبكات الاجتماعية لم تهدأ رغم اعتذار الصحيفة عن الخطأ الذي ارتكبته. و ” غورافي”، لمن لا يعرفها، هي صحيفة ساخرة على غرار “نورد برس” البلجيكية، و” ذو أنيون” الأمريكية ، و” المنشار” الجزائرية، و” البرافدا” الكندية، وغيرها من الصحف التي تنشر الأخبار وكأنها حقيقية من باب المزاح والسخرية وليس لغرض سياسي. لكن من أين لقطاع واسع من الجمهور أصبح يتابع الأخبار عبر مواقع الانترنت ومحركاتها ومنصاتها الرقمية  التمييز بين الأخبار التي تنشر من أجل إعلامه وتلك التى ترمي إلى ممازحته في زمن استشرت فيه الأخبار المزيفة والكاذبة؟

لا يخفى على عاقل أن الأخبار الكاذبة والمزيفة ليست وليدة اليوم، لكنها أضحت تكتسي أبعادا غير منتظرة وخطيرة مع تزايد عدد مستخدمي مواقع الانترنت والشبكات الاجتماعية، خاصة أثناء الأزمات والحروب وفي ظل التنافس السياسي في الانتخابات البرلمانية والرئاسية ، مثلما حدث في الحملة الانتخابية للرئاسات الأمريكية مؤخرا.

لقد أكدت دراسة قام بها الموقع الإخباري الأمريكي في شبكة الانترنت “بوزفيد”  أن  المقالات التي تضمنت الأخبار المزيفة، و نشرت في موقع الفيسبوك  اثناء الحملة الانتخابية المذكورة، لقيت رواجا أكبر من المقالات التي تناولت المواضيع ذاتها واشتركت في نشرها 19 وسيلة إعلامية إخبارية أمريكية.

 

لعل هذه الدراسة تندرج ضمن العديد من الدراسات التي تُحمّل مواقع الشبكات الاجتماعية ومحركات البحث مسؤولية تزايد الإقبال على الأخبار المزيفة. والسبب في ذلك لا يعود إلى سرعة انتشارها فقط، بل لأن المرء يميل أكثر إلى الأخبار التي تساير قناعته وتلائم مزاجه فيتفاعل معها أكثر سواء بتعليقه عليها أو اقتسامها مع أصدقائه في موقع الفيسبوك، وتويتر، واليوتيوب. وغني عن القول أن الأخبار التي يتم اقتسامها أكثر تحقق عائدا ماليا أكبر من الإعلانات للمواقع الشبكات المذكورة التي تنشرها. فالخوارزميات التي تقود هذه المواقع صممت من أجل منح الأولية للمقالات التي تُقْتسم ، وتلك التي تحظى بتعليقات أكثر. وتستمد الأخبار الكاذبة قوة جذبها من كونها غير منتظرة، وحتّى صادمة وغريبة، وتحمل قدرا من المبالغة أكبر من الأخبار الصادقة.

لقد بدأ التخوّف من الأخبار المزيفة يخيم على الحملة الانتخابية في فرنسا وألمانيا، بعد أن سممت أجواء الانتخابات في إندونيسيا . وهذا ما أدى بالكاتب الفرنسي “هربرت غايو” إلى القول أننا نواجه فعلا عملية تفخيخ واسعة تستند إلى الكبس على الأيقونات الرقمية من أجل تصنيع الشائعات والتزييف والتضليل قصد الحصول على المال جراء الإعلان.

تذكرنا الأخبار المزيفة بالشائعات التي تنخر عالم الإعلام والصحافة خاصة عندما تتحول إلى فاعل سياسي نشيط. وهذا ما يقلق رجال السياسة وأصحاب القرار لأنها تنمي الشك  وتغرس الضغائن والأحقاد وتعسر كل حوار اجتماعي أو سياسي داخل المجتمع. ففي هذا الصدد يقول رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، باراك أوباما، في حديث أدلى به إلى مجلة “نيو يوركر” الأمريكية قُبَيْل مغادرته البيت الأبيض الأمريكي: ) إن القدرة على نشر الأخبار المضللة ، ونظريات المؤامرة التي يقودها الهذيان ، ووصف المعارضة بأبشع الأوصاف السلبية دون منحها إمكانية الرد والطعن ، كلها مظاهر تتسارع لتحدث استقطابا حادا في أوساط الناخبين مما يجعل كل حوار مشترك صعبا جدا).

تفســـــير

إن كان الكثير من المختصين لا يستبعدون العاملين التكنولوجي والمالي في استشراء ظاهرة  الأخبار المزيفة، فإن بعضهم يرى أنها تكشف عن أزمة ثقة. ثقة الجمهور في وسائل الإعلام التقليدية التي سيطر عليها رجال المال من خارج المهنة:  أرباب الصناعة ، والمصرفيون ، والمستثمرون في مجال العقار والبناء، وصناع الأسلحة. وهيمنت عليها جماعة الضغط واللوبيات السياسية فحرفوها عن وظيفتها الأساسية المتمثلة في الإعلام والتثقيف وتنوير الرأي العام بالحقائق. وهناك من يذهب إلى أبعد من هذا. فعالم الاجتماع الفرنسي “جيرار برونر ”  يرى أن الحجم الذي بلغته الأخبار المزيفة التي يتقاسمها مستخدمو شبكة الانترنت والمنصات الرقمية يعبر عن أزمة الديمقراطية في المجتمعات الغربية ومنظومتها السياسية والاتصالية. ويختزل هذه الأزمة في عبارة ” ديمقراطية المُصَدَّقين” التي يعني بها أن عدد الأشخاص الذين يصدقون الأخبار وما يتم تداوله عبر وسائل المنصات الرقمية ومواقع الشبكات الاجتماعية يتزايد باتساع هامش حرية التعبير. كما أن  انتشار الأخبار المزيفة وتصديقها يعبر عن خيبة أمل في كل الذين كانوا يسوقون الأفكار المثالية عن الانترنت؛ أي الذين كانوا يَعِدون البشرية بعصر الحياة المدنية الذهبي، والديمقراطية التشاركية في ظل انتشار شبكة الانترنت التي تجعل الشفافية وصحافة المواطن سيدة في مجال إنتاج الأخبار وتوزيعها. فالتكنولوجية التي تعد أداة التنوير تحولت إلى أداة مكيافيلية في نظر عالم الاجتماع المذكور.

 

صناع التزييف

تصنف عالمة الاجتماع الفرنسية، مليسا زيمدار، صناع الأخبار الكاذبة في مواقع الشبكات الاجتماعية والمنصات الرقمية، والتي قد تقتبسها بعض وسائل الإعلام التقليدية وحتى الرسمية، إلى الأصناف التالية : الراغبون في جمع المال من الإعلان الذي يحققه انتشارها ، والساعون إلى إبراز وجهات نظرهم ومواقفهم من الحياة العامة دفاعا عن القضية السياسية والأيديولوجية التي يؤمنون بها. وتندرج هذا الإطار الحركات السياسية الوطنية والقوى الأجنبية، والذين يقصدون التنكيت من وراء نشرها بغية المزاح والمداعبة، والذين ينشرونها دون أن يدرون أنها مزيفة؛ أي يعتبرونها حقيقية وصادقة. وهؤلاء هم الأخطر في نظر العاملين على مكافحة الأخبار المزيفة في الميديا الجديدة والتقليدية لأن البحث عن نواياهم السياسية والنضالية وأهدافهم الاقتصادية ورغبتهم في تصفية حساباتهم الشخصية صعب لأنهم ينشروها عن حسن نية أو دون وعي بتبعاتها.

يثار القلق من استشراء الأخبار المزيفة عبر مختلف وسائط الاتصال بتزايد الشك في إمكانية محاربتها ، خاصة من قبل مواقع الشبكات الاجتماعية ومحركات البحث التي تعد مَشاتِلها. والسبب في ذلك يعود في نظر بعض الأخصائيين إلى العامل التقني ، إذ يؤكدون أنه من الصعوبة بمكان أن ندرب نظام الذكاء الاصطناعي على القيام بفرز الأخبار المزيفة في سيل الأخبار المتدفق، بينما يمكن فقط توجيه الخوارزميات إلى ترتيب الأخبار في محركات البحث بمنح الأولية لتلك التي تستند إلى مصادر موثوقة. ولا يمكن أيضا إغفال العامل الاقتصادي في هذه المسألة. إن الأخبار المزيفة تشكل موردا ماليا لما تجذبه من إعلانات للمنصات الرقمية، و التصدي لها يتطلب تمويل جيش من الفنيين الأخصائيين ليسهروا على التدقيق في الأخبار المتداولة في شبكة الانترنت والمنصات الرقمية والتحرى في واقعيتها وصدقيتها. ومن الممكن أن تؤدي عملية الغربلة هذه إلى تقليص كمية المحتويات المتداولة ، وصد الكثير من مستخدمي الانترنت عنها.

ربما يخشى من رد فعل المجتمع المدني في البلدان الغربية على التدابير التي تتخذ  للحد من الأخبار المزورة أو القضاء عليها لأن هذا المجتمع شديد  التمسك بمبدأ الحريات العامة: حرية نشر الأخبار والحق في الإطلاع عليها. ومؤمن بأهمية الاقتسام الحر للمعلومات والمعارف، إذ يرى أن أي محاولة لحد من حرية التعبير تعتبر خطرا كبيرا يهدد النظام الاجتماعي والسياسي في هذه البلدان. ومن أجل طمأنة الناشطين في مجال حقوق الإنسان في المجتمعات المذكورة يؤكد آدم موسري، أحد نواب رئيس مؤسسة الفيسبوك بأن مؤسسته تعتقد أنها تسعى إلى منح صوت للشعب، ولا يمكن لها أن تصبح قاضيا يحكم على مدى صحة المحتويات المتداولة في موقعها وصدقيتها. لذا يرى أن على مؤسسته الالتزام بالحذر في معالجة هذه المسألة.

ضغوط

منذ الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة والولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية تمارس ضغوطا متصاعدة على محركات البحث الكبرى في شبكة الانترنت، مثل غوغل، وعلى المؤسسات المالكة لمواقع الشبكات الاجتماعية، مثل الفيسبوك، من أجل أن تمارس دورها الضابط  والمعدل لما تنشره وما تقوم بفهرسته. فلم تطلب منها حجب الأخبار التي يعتقد أنها مزورة أو مضللة خوفا من أن تتهم بأنها معادية لحرية التعبير وتصنف في خانة الدول التي تحرم مواطنيها من  استخدام شبكة الانترنت. ولا تطالب هذه الدول منها الحكم على الأخبار التي تنشرها بالصدق أو الزيف، بل تريد منها فقط أن تشير، بالطريقة المناسبة، إلى أن المواقع التي تنشر الأخبار المزيفة ليست وسائل إعلام. ويبدو أن هذا التوضيح ضروري ومفيد لأن مستخدم شبكة الانترنت يتعاطى مع ما تنشره من أخبار كأنها صادرة عن مؤسسة إعلامية! والكل يعلم أن الكثير من المؤسسات الإعلامية تتحري في صحة أخبارها للحفاظ على مصداقيتها لدى جمهورها أو زبائنها. وأن العاملين فيها يلتزمون ، بهذا القدر أو ذاك ، بمواثيق مهنية وأخلاقية. وهذا التوضيح كفيل بتنبيه مستخدمى شبكة الانترنت أن الكثير من المنصات تشبه إلى حد كبير المقاهي. وهذا يعني أن ليس كل ما تلوكه الألسن  في المقهى صادق .

 

تفاؤل

يبدو أن الضغوط التي  مارستها العديد من الدول على المؤسسات الكبرى المنتجة للمحتويات والموزعة لها عبر شبكة الانترنت بدأت تكلّل بالنجاح إذ برزت العديد من المبادرات الجادة لمحاربة الأخبار المزيفة . ففي الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت شركة الفيسبوك، التي تؤكد أنها ليست وسيلة إعلامية، يوم 15 ديسمبر الماضي، أنها شرعت في الاستعانة بمستخدميها في حربها على الأخبار المزيفة. وتمكنت يوم 6 فيفري الماضي من إبرام اتفاقية مع ثمان مؤسسة إعلامية فرنسية: وكالة الأنباء الفرنسية وكبريات الصحف الفرنسية وقنوات تلفزيونية. وتنص الاتفاقية على أنه إذ اشار أحد المشتركين في موقع الفيسبوك إلى أن هذا الخبر أو ذاك مزيف وأيدته في ذلك وسيلتان إعلاميتان فرنسيتان ممن شملتهما الاتفاقية ، يلتزم موقع الفيسبوك بوضع علامة تشير إلى أنه مزيف، ويرسل إشعارا أنيا إلى  كل من يكبس على رابطه الإلكتروني ليحذره من زيفه. وتأتي هذه التجربة بعد تلك التي قام بها هذا الموقع في الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع بعض المؤسسات الإعلامية. ومن المنتظر أن يعمم تجربته في ألمانيا بالتعاون مع وسائل الإعلام المحلية بمناسبة الانتخابات التشريعية.

وشرع محرك غوغل نيوز، من جهته، في استخدام تقنية ” التحري في الأحداث ) Fact Checking (” التي تساعد المستخدمين في الحصول على المحتويات التي خضعت للتدقيق والتحري. وأنشأ المحرك العملاق غوغل منصة “فرست دراف” بالتعاون مع مختلف وسائل الإعلام الأمريكية للكشف عن الأخبار المزيفة.

وبشكل مواز، بدأت المؤسسات الإعلامية الكبرى، في شحذ أدواتها الخاصة لمحاربة الأخبار المزيفة. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى تجربة صحيفة لوموند الفرنسية التي أنشأت مدونة ” ديكودكس” Décodex  في موقعها  في شبكة الانترنت.

ما العمل إن هاجر الأطفال شاشة التلفزيون؟


نشر بمجلة إذاعة وتلفزيون الخليج- العدد 108 أبريل 2017

في أثناء المؤتمر  الذي نظمه مخبر استخدامات المنتجات الإعلامية وتلقيها بجامعة الجزائر بعنوان : سؤال العلاقة بين “الميديا والثقافة”،  وقفت أستاذة سائلة: ما بوسعي فعله، لقد أدار أطفالي ظهرهم للتلفزيون؟ و عندما لاحظت أن بعض الحضور استغرب سؤالها استطردت قائلة: لقد انصرف ابنائي إلى لوحاتهم الإلكترونية، وهواتفهم الذكية، وانزوى كل واحد منهم في ركنه. وتركوني مع والدهم أمام شاشة التلفزيون. لقد كنا نلتقي معا في قاعة المجلس فتعج بالحركة والضجيج. وكان التنافس على أشده على من يستولي على أداة التحكم عن بعد في جهاز التلفزيون ليشاهد ما يريد ويفرضه على بقية أفراد الأسرة. وتطول مدة المنافسة لأن رغبات المشاهدة مختلفة ومتنوعة: فالابن البكر يريد مشاهدة مباراة كرة القدم، ووالده يريد متابعة نشرة الأخبار، والإبن الصغير يريد مشاهدة أفلام الكارتون، والبنات ينتظرن مسلسلهن التلفزيوني المفضل، وكنت اترقب دوري لمشاهدة برنامج الطبخ وبعض البرامج الثقافية. واليوم اختفى هذا الجو ولم نعد نشعر بوجود الأطفال في البيت. فحتّى تناول وجبة العشاء أصبح يتم في صمت تام والعيون زائغة بين الشاشات الموضوعة بجانب الصحون!

قد يكون أحد القراء الكرام، قد عاش، بهذا القدر أو ذاك، هذا الجو التنافسي الذي شكل موضوع بحث الكثير من علماء الاجتماع، أمثال دافيد مورلي الذي راح يستجلي أشكال التفاوض بين أفراد الأسرة حول البرامج التي تجمعهم وتلك التي تفرقهم، ويستكشف العلاقات بينهم عبر من يملك سلطة تغيير القناة التلفزيونية، وأشكال استنباط المعنى مما يشاهد. والقليل من يشعر اليوم بحنين  إلى هذا الجو أمام شاشة التلفزيون.

لم يكن أحد ينتظر أن يغير السؤال مجرى النقاش في المؤتمر المذكور لينتقل من الحديث عن موقع الثقافة في وسائل الإعلام ” التقليدية” إلى مخاطر الميديا الجديدة على الثقافة.

لقد أثار هذا السؤال رغبتي في قياس التحوّل الذي طرأ على نظرتنا إلى وسائل الإعلام. لقد بخسنا الوسائل السمعية البصرية حقها قبل بضع سنوات. وحكمنا على أن ما تبثه أنه ثقافة سطحية، بل مبتذلة. وقدّسنا الثقافة المكتوبة: ثقافة مجرة غتنبرغ مخترع المطبعة. وكنا، وربما مازلنا، لم نفهم لماذا نميل إلى تثمين قراءة رواية مطبوعة في كتاب ونستصغر مشاهدتها عبر شاشة التلفزيون. وها نحن اليوم نتباكي على تراجع مكانة شاشة التلفزيون في حياتنا اليومية. ونخشى عواقب العزوف عن مشاهدة برامجها على مستقبل الترابط الأسري وتماسكه بتفكك ما كان يشكل المتن الثقافي المشترك الذي يجمع كل أفراد الأسرة.

هل يؤكد السؤال الذي طرحته السيدة أعلاه  أننا لا نعرف قيمة الشيء إلا إذا فقدناه. ربما، لكن الأرجح أنه يشير إلى التغيير الحاصل في طرائق “استهلاك” الثقافة والانتقال من المشاهدة الجماعية للتفلزيون إلى الاستخدام الفردي للميديا الجديدة، وإلى الصعوبات التي أصبحت الأسرة الحديثة تواجهها من أجل التحكم في تعدّدية الشاشات وما تفرضه من ” انعزال” الاطفال وغياب التبادل اللفظي مع ذويهم. لقد أدرك الآباء اليوم أن التلفزيون وألعاب الفيديو كانت تحظى بثقتهم لأنهم كانوا يملكون القدرة على مراقبتها. أما اليوم فالأمر تغير مع تعدد الشاشات الطافحة بالمحتويات الثقافية والإخبارية والعلمية واللهوية المختلفة فأزداد قلقهم على أبنائهم.

يؤكد علماء النفس أن خطر شاشة التلفزيون على الطفل لا يكمن فيما يشاهده بل في انفراده بالمشاهدة في غياب شخص راشد يتوسط بينه وبين ما يشاهده. الوسيط الذي يساعده على تأويل ما يعرض على الشاشة وفي امتصاص مشاهد العنف التي تبثها.

هل يمكن أن نساعد الأستاذة الكريمة بالاجابة عن سؤالها: ما العمل؟

قد يعتقد البعض أن الحل بسيط، ويمكن في حرمان الأطفال من الوسائط التي تمكنهم من تحقيق استقلالهم ” الثقافي والإعلامي” بعيدا عن سلطة الآباء. وهذا ما قام به بعضهم إلا أننا نعتقد أن أضرار هذا الحرمان أكثر من منافعه لأنه ببساطة يجرد الأطفال من وسائل إندماجهم في العالم المعاصر وتكيّفهم معه، ويجعلهم يعيشون غرباء عن أترابهم وبيئتهم. هذا إضافة إلى أن الميديا الجديدة والمنصات الرقمية أصبحت حاملا للمعرفة وأداة تعليمية معتمدة في العديد من المؤسسات التعليمية التي استغنت عن الكتاب والورقة والقلم.

لا يخفى على عاقل أن القنوات التلفزيونية أصبحت تبث الكثير من برامجها وموادها في مواقعها في شبكة الانترنت أو في بعض مواقع الشبكات الاجتماعية، مثل “يوتيوب” و”دلي موشن”، ومن الأجدى أن نشارك أطفالنا ما يفضلون مشاهدته من هذه المواد عبر المواقع المذكورة ليكون مادة لتجديد الحوار والنقاش معهم تعزز اللحمة الثقافية التي تشكل القاسم المشترك بين أفراد الأسرة.

أتذكر أن الصحافي الفرنسي “فرانسيس بزاني” المهتم بالتكنولوجيا الحديثة، الذي فتحت له صحيفة لوموند الفرنسية منبرها لنشر مدونته الإلكترونية،  حاول أن يجيب عن تساؤلات الآباء وحيرتهم من البروز الاستعراضي للميديا الجديدة في حياتنا اليومية وفي ممارسات أطفالنا الثقافية في شكل وصايا. وأعتقد أن الكثير منها مازال صالحا.

أول وصية أوصى بها أولياء الأطفال هو الجلوس مع الأطفال وتدريبهم على استخدام شبكة الانترنت ومختلف المنصات الرقمية. ويعتقد أن هذا التدريب لا يقل أهمية عن تعليمهم أبجديات القراءة والكتابة التي كانوا يقومون بها منذ أزيد من قرن ونصف. بالطبع إن تجسيد هذه الوصية يتطلب من الآباء بذل الجهد للتحكم التقني في العُدة التكنولوجية الحديثة.

ويجب تطوير قدرات الأطفال النقدية، ورفع منسوب الشك والحذر مما يطلعون عليه، فليس كل ما ينشر في مواقع شبكة الانترنت والمنصات الرقمية، وكل ما يتم تداوله في مواقع الشبكات الاجتماعية صادقا وصحيحا ونزيها.

إن الواب أرضية رائعة لإبداع والابتكار، وعلى الأولياء تشجيع الأطفال على التعبير على قدراتهم وتفجير مواهبهم في شبكة الانترنت والمنصات الرقمية، وإخراجهم من حالة المستهلكين السلبين إلى المنتجين المبتكرين.

إن تنبيه الأطفال إلى الخدع والحيل المستعملة في مواقع شبكة النت والمنصات الرقمية لأغراض تجارية أو أخرى تضاهي تعليمهم كيفية المرور في الطريق المكتظ بحركة السيارات على حد قول “فرانسيس بزاني”.

وأخيرا يمكن أن نضيف إلى هذه الوصايا محاولة التقرب أكثر من الأبناء من خلال الاشتراك معهم في المجموعات التي ينشئونها في مواقع التواصل الاجتماعي ليس بغض التجسس على اتصالاتهم ومعارفهم. لأن أفضل طريقة لحمايتهم من أضرار استخدام هذه المواقع هو تزويدهم بمقومات حماية أنفسهم وليس التجسس عليهم. إن أهمية هذا التقرب تكمن في اقتسام المعلومات والمواد الثقافية وتبادل الأجود من السرديات التي تساهم في صقل شخصية الطفل وتمكينه من خوض تجاربه.

شبكات التواصل الاجتماعي: التنافس بالتناسخ


 

نصر الدين لعياضي

نشر في مجلة الشروق الإماراتية الصادرة في 18-25 جوان 2017

من يتذكر موقع شبكة التواصل الاجتماعي المسماة ” سكسديغراس دوت كم” الذي ظهر في  1997 ؟ ربما الكثير لم يسمع به أصلا خاصة أبناء الجيل الثاني من الواب بينما يتذكرون موقع شبكة التواصل الاجتماعي ” ماسبيس” MySpace الذي احتل الرتبة الرابعة في شبكة الأنترنت بعدد متصفحيه في العالم في السنة 2005 بعد مواقع الشركات العملاقة التالية: ياهو، وأي أو أل، وأم أس أن. لقد كان يحتل موقعا متقدما على موقع شبكة الفيسبوك مزهوا بالشعار الذي رُفع في السنة 2007،  والذي يقول عنه أنه البلد الخامس الأكبر في العالم بالنظر إلى  ما بلغه من مستخدمين الذين يأتي عددهم بعد عدد سكان أندونسيا والبرازيل” مباشرة. لم يعد لهذا الموقع أي ذكر في قائمة مواقع شبكات التواصل الاجتماعي. كيف لا وقد تنازل عنه روبرت مردوخ  في 2011 بـــ 35 مليون دولار فقط: أي بأقل 16 مرة من سعر الذي دفعه لشرائه في 2005! وبالمقابل من سمع بأخر مولود في عالم مواقع شبكات التواصل الاجتماعي الذي ظهر في مطلع شهر أبريل من السنة الحالية: إنه موقع  مستودون Mastodon الذي يعتبر فضاءً حرا ومفتوحا ولامركزيا بعيدا عن مضاربات البورصة. إنه موقع هجين يجمع خصائص موقعي الفيسبوك وتويتر في آن واحد لكنه غيّر مدونات الأنظمة المغلقة التي تتحكم فيهما.

سُنّة الوجود

قد يقول قائل إنها سُنّة الوجود التي تتجلى بكل بوضوح في عالم مواقع التواصل الاجتماعي.  فمقابر مواقع شبكة التواصل الاجتماعي، التي لفظت أنفسها، تتمدد لتفسح المجال لميلاد مواقع أخرى جديدة. لقد اختفى موقع شبكة التواصل المهني ” ريس دوت كوم” Ryse.com”  بعد ثلاث سنوات من ميلاده  في 2001  تارك المجال للموقع المشابه الذي ذاع صيته ولازال، إنه موقع شبكة ” لنكيدين” LinkedIn.

قد يصرف هذا الرأي البسيط والوجيه النظر عن التساؤل لماذا تم بيع موقع التواصل الاجتماعي المسمى “ديغ” Digg” بــ 500 ألف دولار فقط في 2012  بعد أن قدرت قيمته المالية في 2004 بـ 160 مليون دولارا؟

لعل هذا السؤال يكشف عن ضراوة المنافسة بين مواقع شبكات التواصل الاجتماعي التي دفعت هذا الموقع إلى التراجع، بل الاختفاء بعد أن تفوقا عليه موقعا شبكة الفيسبوك وتويتر.

مواقع تتناسخ:

لاحظ المغرمون بمواقع شبكات التواصل الاجتماعي أنها تتطور بسرعة مذهلة مستنسخة بعضها البعض. فبعد أن وضع موقع الفيسبوك أيقونة ” أحب” « like  التي تسجل إعجاب رواد هذا الموقع بما ينشر وتعمل على تلبية نرجسية البعض التي تزدهر بتزايد المعجبين وتجسد فلسفة رأسمال. أنشأ موقع شبكة تويتر أيقونة ” القلوب”. وقام موقع ” إنستاغرام” بإنشاء نظام التراسل على غرار موقع شبكة تويتر.  فموقع الفيسبوك لم يبتكر جديدا عندما اقترح على مستخدميه ”  تشخيص صورهم”. لقد سبقه موقع سنابشات   Snapchat إلى هذه الخدمة !  لكن تطبيقها في الفيسبوك تزايد بعد أن اتجه مستخدموه إلى تأطير صورة الفريق الرياضي الذي يناصرونه.  وضمن هذا المنطق أدخل موقع الشبكة المذكورة خدمة ” ساتديوم” Stadium   وذلك حتّى يتمكن 650 مليون عاشق الرياضة في العالم من متابعة المنافسات الرياضية عبره. حيث تقوم هذه الخدمة بتجميع تعليقات الأصدقاء عن حدث رياضي بعينه بإضافة تعليقات الخبراء والمختصين في الرياضة. هذا مع تقديم روزنامة المنافسات الرياضية مباشرة ونتائجها. فما هو موقع التواصل الاجتماعي الذي يسبق غيره من المواقع في استنساخ هذه الخدمة؟

لعل القارئ الكريم يتساءل : لماذا تتدافع مواقع شبكات التواصل الاجتماعي إلى استنساخ بعضها البعض؟ هل لأن الاستنساخ أصبح مباحا فلم نسمع بأن إدارة إحدى موقع التواصل الاجتماعي اشتكت أو رفعت دعوى قضائية ضد موقع أخر بحجة ” سرقة الخدمة التي ابتكرها أو اشتراها وشرع في تطبيقها؟

يرى الصحافي المختص في وسائل الإعلام الرقمية، يان غيغان، أن سبب تناسخ مواقع التواصل الاجتماعي يكمن في عزمها على أن تصبح عامة وشاملة قدر الإمكان. فتاريخ مواقع التواصل الاجتماعي يؤكد أن بدايتها في الولايات المتحدة كانت ذات طابع جماعاتي، أي موجه إلى جماعة عرقية وثقافية بعينها. فخلال الفترة الممتدة من 1997 إلى 2001 كانت أولى مواقع التواصل الاجتماعي، مثل موقع أسيانأفني Asianavenue موجها للأقليات الأسيوية، بلاك بلانت Black planet  موجها إلى الزنوج الأمريكان، واستهدف موقع ميجنت MiGente المنحدرين من أمريكا اللاتينية. بينما تسعى مواقع شبكات التواصل الاجتماعي الحالية إلى مزيد من الانفتاح على مختلف شرائح المجتمع ليس على الصعيد المحلي فقط، بل الكوني وهذا تجسيدا لفلسفة رأسمال. فموقع سنبشات  Snapchat ،على سبيل المثال، الذي اتسم بكونه موقعا موجها للشباب يملك واجهة معقدة نوعا ما، بدأ يعمل على تبسيطها والعمل على استنساخ بعض الخدمات التي تقدمها بقية مواقع التواصل الاجتماعي المشابهة بغية الوصول إلى المستخدمين من مختلف الشرائح الاجتماعية.

حرب شدّ الانتباه:

يرى الصحافي الفرنسي المذكور أعلاه أن مواقع التواصل الاجتماعي تخوض معركة الانتباه. أي انها تسعى إلى استئصال ظاهرة ” المشاهدة الواثبة ” التي رسخها التلفزيون في الجمهور. والتي تعني قيام المشاهد باللعب بأداة التحكم عن بعد في الشاشة بالقفز من مشاهدة برنامج في قناة تلفزيونية لبعض الدقائق أو الثواني والانتقال إلى مشاهدة برنامج أخر على قناة تلفزيونية أخرى للمدة ذاتها وهكذا دوالك. فكل موقع من مواقع الشبكات التواصل الاجتماعي يخوض صراعا من أجل ” القبض” على مستخدمه أطول فترة ممكنة حتى لا ينصرف إلى موقع منافس آخر. فالقبض على انتباه مستخدم شبكة الانترنت فرض على مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، مثل انستاغرام، وتيوتر، والفيسبوك، تجديد خدماتها أو توفير المزيد من الاختيارات. إذ يذكر الصحافي ذاته أن موقع شبكة الفيسبوك، على سبيل المثال، يعمل حاليا على تجريب خدمة جديدة من خلال الكبس على زر ” أَضِفْ موضوعا” والتي تسمح للمشترك بإضافة كلمة مفتاحية لمنشوراته. وبهذا تقترب هذه الخدمة من ” التوسيم” في موقع شبكة تويتر. لكن الاضافة التي يقدمها موقع الفيسبوك تكمن في اقتراح بعض المنشورات حول الموضوع المضاف انطلاقا من الكلمة المفتاحية. ولعل هذه الخدمة الجديدة تروق أكثر للشركة والمؤسسات التجارية التي تبحث عن منفذ لسلعها وخدماتها لتكون مرئية وعلى لسان رواد هذا الموقع.

ما شجع مواقع شبكة التواصل الاجتماعي على خوض معركة الانتباه أن مستخدميها لا يقيّمونها من منطلق تشابهها واختلافها ، بل من منظور ما تلبيه لهم من حاجات ورغبات بشكل متميز. لذا يعتقد الصحافي المختص في وسائل الإعلام الرقمية، ” يان غيغان”، بأن مستخدمي موقع انستاغرام يفضلونه لخصوصيته والمتمثلة في إرسال صور جميلة ومتقنة الصنع، بينما يُسْتَخدم  موقع شبكة سنابشات لإرسال صور مضحكة ومازحة بسرعة إلى صديق ويمنح موقع الفيسبوك إمكانية التأشير أو وسم الأشخاص وتعيين المكان أو الموقع الجغرافي الذي التقطت فيه الصور.

على هذا الأساس اتجهت المنافسة. فموقع شبكة تويتر بدأ ” يلعب” في أرضية موقع شبكة انستاغرام، وذلك بتوفير خدمة الفيديو الذي لا يتجاوز 15 ثانية، بل استحدث التطبيق المسمى ” فين” Vine الذي يبث شرائط الفيديو التي لا تزيد مدتها عن ستة ثواني ويمكن أن تظل تبث باستمرار مع اتاحة الفرصة للمستخدم للقيام بتركيب الفيديوهات المرسلة.

التنافس بأقل خسارة

إن تقليد مواقع شبكات التواصل الاجتماعي لبعضها يجرى دون مخاطرة . فما يتم تقليده قد جُرِب وأكد فاعليته. فعندما يقوم موقع الفيسبوك، على سبيل المثال، بتقليد موقع شبكة سنابشات ويدخل خدمة الصور الزائلة ، فإنه يدعو الشباب الراغب في هذه الخدمة إلى الانضمام إلى موقعه وهو متأكد بأنه لا يخسر الكثير جراء إضافتها إلى موقعه. للعلم أن الشباب أكثر حرصا على الخصوصية والحياة الشخصية خلافا لما يُعْتقد بدليل أنه يفضلون مشاهدة الصور ومحوها مباشرة بعد مشاهدتها  دون أن ترك أثر في الشبكة. بل أن كوادر بعض الشركات أصبحت تفضل إرسال معلومات سرية بحيث يمكن مسحها أنيا بعد الاطلاع عليها .

ويمكن القول أن إدخال تطبيق أو تطوير خدمة ما لا تؤثر كثيرا على اقتصاديات مواقع شبكات التواصل الاجتماعي لأنها تروم كسب مستخدمين جدد أو سحب جزء من مستخدمي المواقع المنافسة. وإن لم تفلح في ذلك فإن خدماتها الأخرى لا تفقد مكانتها.

تخوف:

أكد الموقع الإلكتروني ” غلوبال وابأندكس” GlobalWebIndex قبل أربع سنوات أن  موقع الفيسبوك حاضر في 44% من الهواتف النقالة في العالم بينما  يوجد ” غوغل مابس” في 54% منها. ومن أجل تعزيز وجوده في الحوامل المتنقلة طور موقع فيسبوك، على سبيل المثال، تطبيق ” فيسبوك مسنجر”، ومدير الصفحات. وقد عزز وجوده في الهواتف الذكية بعد قيام بشراء موقع شبكة ” أنستاغرام”.

 

حقيقة، إن موقع الفيسبوك من الفاعلين الأساسيين الذين اقتحموا الهواتف النقالة، لكنه ليس الوحيد في الميدان إذ بدأت تبرز الكثير من التطبيقات المستقلة في الهواتف النقالة ، مثل وابشات Webchat  وسنابشات Snapchat  ووات ساب Whatsapp التي يذكر الموقع الإلكتروني “غلوبال وابندس” أنها تشكل منافسا عنيدا لموقع شبكة الفيسبوك. هذا دون أن ننسى بقية التطبيقات الأخرى، مثل: ويشات Wechat  الصيني الذي يقدم خدمة المراسلات القصيرة الفورية والذي انتشر بشكل قوي في آسيا، و تطبيق لاين Line الياباني الذي استطاع أن يكسب 230 مليون مستخدما.

ما يقلق مواقع الشبكات الاجتماعية هي التطبيقات التقنية التي تكون أصلا عبارة عن نظام من المراسلات الفورية القصيرة ثم تضيف خدمة المكالمات الهاتفية والمصورة وتتحول تدريجيا إلى شبكة للتواصل الاجتماعي بسيطة جدا.

إن مصدر القلق تكشف عنه الإحصائيات التي يقدمها معهد الدراسات بيبر جافري والتي تؤكد أن 42 % من المراهقين الأمريكيين كانوا يفضلون موقع شبكة الفيسبوك في السنة 2012، و تراجعت هذه النسبة بعد سنة فقط من هذا التاريخ لتبلغ 23%  ! يمكن أن ندرك قيمة هذه الإحصائيات إذا علمنا أن الشباب دون 25 سنة من العمر هم الأكثر شراءً للهواتف الذكية في العالم، أي أنهم المستخدمين الأوائل للتطبيقات التقنية وما توفره من الخدمات المذكورة.

الاحتواء

من أجل الاحتفاظ بموقعه واستبعاد المنافسين العنيدين تبنى موقع شبكة الفيسبوك استراتيجية الاحتواء ، أي شراء التطبيقات والبرامج ومواقع الشبكات التي تشكل خطرا على تطوره. وهذا ما تفصح عنه قائمة البرامج ومواقع شبكات التواصل الاجتماعي التي اشتراها في السنوات القليلة الماضية. ففي 2011 اشترى تطبيق ” بوش بوب براس” المتخصص في النشر عبر الانترنت، وبرنامج ” فرند لي” الذي يقدم خدمة الأسئلة والأجوبة، و ” ستروب” الخاص بالتطبيقات المتنقلة بصيغة أش تي أم أل، واشترى في السنة الموالية موقع شبكة أنستاغرام المختصة في توزيع الصور والفيديوهات واقتسامها ، و برنامج “واتساب” المختص في المراسلات الآنية في 2014، والتطبيق المسمى ” ويت.أي ” Wit.ai” للتعرف على الأصوات في السنة التي تلتها.

لقد كشفت هذه الإستراتيجية عن حدودها. فلا يستطيع موقع الفيسبوك أن يشترى كل البرامج والتطبيقات ومواقع الشبكات المنافسة. والدليل أنه أخفق في شراء موقع شبكة ” سنبشات” رغم سخاء المبلغ الذي عرضه على أصحابه.

لب المنافسة

قد يتساءل بعض القراء الكرم قائلين لماذا يسعى موقع هذه الشبكة أو تلك إلى السيطرة على بقية مواقع الشبكات وتحييد منافسيه والقضاء عليهم؟ يقدم الاقتصاديون الإجابة بتأكيدهم على أن المنافسة في الاقتصاد الحر تؤدي بالضرورة إلى الاحتكار إن لم تتدخل الدولة بأجهزتها لتفاديه. ويكمن محرك المنافسة والدافع إلى الاحتكار في مجال المعلوماتية ومواقع شبكات التواصل الاجتماعي في المعلومات الشخصية التي يتم الحصول عليها من المشتركين. هذا ما تؤكده  “إيزابل فالك بيروتن”، رئيسة اللجنة الوطنية للمعلوماتية والحريات في فرنسا.

نعتقد أن الأمر لا يحتاج إلى تفسير أو تبرير. فالمعلومات الشخصية لا تستغل من أجل التجسس على الأفراد فقط، بل تحتاجها شركات الإعلان ومؤسسات التسويق الكبرى من أجل معرفة كل صغيرة وكبيرة عن مشتركي مواقع شبكات التواصل الاجتماعي؛ أي زبائنها الفعليين والمحتملين. ففي ظل انتشار الميديا الشخصي أو الفردي ازدهر الإعلان المُشَخص. أي أن الرسالة الإعلانية لم تعد تكتفي باستهداف كل مشتركي مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، بل تروم الوصول إلى هذا المشترك أو ذاك بعينه نظرا لما تم جمعه من معلومات تفصيلية  عن اهتماماته وميوله ورغباته وذوقه وسلوكه الاستهلاكي.

 

ماذا لو أَمَّمْنا الفيسبوك؟


نشر بمجلة الشروق الإماراتية- عدد 22-29 أكتوبر 2017

دعونا نؤمّم الفيسبوك. بهذا العنوان الصادم استهل الباحث الكندي وأستاذ الإعلام والاتصال بجامعة واشنطن، فيليب هووارد، المقال المشهور الذي نشره في مجلة “سليت” الإلكترونية الأمريكية يوم 16 أغسطس 2012. يتضمن هذا العنوان دعوة صريحة إلى تأميم موقع الفيسبوك لإنقاذه من الافلاس بعد دخوله المتعثّر في البورصة، وبالتالي تمكين البشريّة من الانتفاع بخدماته الجليلة والمتعدّدة دون تجاوزات.

لعل القليل من القُرّاء الكرام من يتذكر أن قيمة السهم الذي دخل به الفيسبوك في البورصة حُدد بـ 38 دولار في مايو 2012 لكنه تراجع بشكل مذهل خلال الأشهر الأولى ليبلغ 18 دولار فقط في سبتمبر من السنة ذاتها!

لقد واجه البعض دعوة فيليب هووارد بالاستهجان آنذاك وسَخَّفوا حججها. وتقبلها البعض الآخر عن قناعة و دافع عنها بحماس. وها هو النقاش حول مضمون تلك الدعوة يستأنف اليوم من جديد وإن ظل محصورا في أروقة بعض الجامعات الغربيّة وفي بعض المنابر الصحفيّة.

المبرر

إن السياق الذي وجه فيه الباحث الكندي دعوته إلى تأميم الفيسبوك كان يتسم بتراجع قيمة أسهمه في السوق مما دفع بالبعض إلى الاعتقاد بأن مصيره سيكون الإفلاس لا محالة، خاصة وأن الجيل الأول من مواقع التواصل الاجتماعي أصبح اثرا بعد عين على غرار موقع “ما سبيس”. لكن مؤسسة الفيسبوك تنعم اليوم بصحة مالية ممتازة تحسدها عليها الكثير من الشركات العملاقة في قطاع الانترنت والمعلوماتية وخارجها. فمديرها المالي ، ديف وهنر، أكد أن موقع الفيسبوك حقق ربحا صافيا  يقدر بـ  3.568 مليار دولار في الثلاثي الأخير من السنة الماضية ، أي بزيادة تقدر بــ 128% مقارنة بالثلاثي الأخير من السنة 2015!

تطرح دعوة الباحث الكندي إلى تأميم شركة الفيسبوك السؤال التالي : هل يكمن دافعها في الخوف من إفلاسها وافتقاد البشرية خدماتها فقط؟ إن كانت الإجابة بنعم فإن الوضع المالي المريح لهذه الشريكة اليوم يلغي هذه الدعوة أصلا.

الحجج

في دعوته إلى تأميم شركة الفيسبوك استند الباحث المذكور إلى حُزْمَة من الحجج الاقتصادية والقانونية والسياسية والاجتماعية.

يعتقد “فيليب هووارد” أن موقع الفيسبوك أضحى بنية قاعدية عمومية ويجب التعامل معها كمرفق عام يشكل موردا اجتماعيا هام باعتباره من الممتلكات العمومية التي يجب على الدولة المحافظة عليها، والسهر على ديمومتها. فعلى الصعيد القانوني توصف الممتلكات بأنها عمومية عندما يكون باستطاعة أي فرد في المجتمع استهلاكها أو التمتع بها وبخدماتها. وبهذا تخضع لشرطين. الشرط الأول ويتمثل في عدم انحصرها على مجموعة معينة أو فئة دون غيرها، والشرط الثاني أن استهلاكها من طرف البعض لا يحرم الآخرين من استهلاكها بالطريقة ذاتها.

ويتهم الباحث المذكور موقع الفيسبوك بانتهاك الحياة الخاصة لمستخدميه ومشتركيه، وأن الاجابات التي تقدم بها في مجال حماية الخصوصية لم تكن مقنعة إلا في حدود معينة. لذا يرى أن تأميمه يضمن حماية أفضل للحياة الشخصية ، ويعيد الثقة لمستخدميه. خاصة وأن موقع الفيسبوك أصبح يتمتع بوضع احتكاري ليس لمكانته المهيمنة على بقية مواقع شبكات التواصل الاجتماعي بل لأنه يستولى على 80 %من سوق الإعلانات الموجهة لها. ولا حلية لكسر شوكة موقع الفيسبوك، في نظر الباحث الكندي، سوى أن تضع الدولة يدها عليه ولو لفترة مؤقتة، مما يمكنه من القيام بدوره الاجتماعي كاملا ويساعد الباحثين على إنجاز بحوث اجتماعية ، وتحديدا في مجال الصحة العامة على أوسع نطاق.

ويسترسل الصحافي “جيف سبروس” في شرح الحجج المطروحة أعلاه، إذ يذكر بأن الحكومات الأمريكية لجأت إلى تأميم الشركات في ظروف استثنائيّة، مثل الحروب أو في حالة الاحتكار القصوى حينما تكون كلفة دخول شركة ما إلى سوق معين مرتفعة جدا. وأن العائد المالي مما تجنيه  من هذا الدخول متواضع جدا أمام استحالة قيام منافسة بين الشركات أو صعوبتها، كما هو الأمر بالنسبة للمنشآت القاعدية، مثل الطرقات وخطوط الكهرباء، وشبكة أنابيب المياه، إذ لا يمكن أن نطلب من أي شركة تريد خوض غمار المنافسة في هذه القطاعات أن تنشئ طرق سريعة خاصة بها أو تقيم شبكة من الخطوط الكهربائية أو تمد أنابيب المياه مخصوصة. فالخدمة العمومية ليست غريبة في العديد من القطاعات في الولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد البلدي والمحلي.

احتكار

ويرى الصحافي “جيف سبروس”، المختص في اقتصاديات التكنولوجيا الحديثة، أن سيطرة موقع الفيسبوك على بقية مواقع التواصل الاجتماعي لا تحتاج إلى إثبات وهذا ليس لتفوقه على منافسه في عدد مشتركيه الذي بلغ مليار مشترك في يونيو الماضي فحسب، بل ايضا لأنه حّيَّد مواقع الشبكات المنافسة ، مثل فرندفيد FriendFedd ، وأنستغرام، وواتساب وغيرها، بعد ان اشتراها واشترى معها العديد من التطبيقات التقنيّة ، مثل “شيرغروف” ShareGrove لإجراء المناقشات الخاصة في المنتديات الإلكترونيّة، و “سنابتو” Snaptu الذي يعد برنامجا لتطوير التطبيقات الخاصة بالتواصل عبر الأجهزة المتحركة، وغيرها من التطبيقات التي جعلته يزاحم حتّى شركات الاتصالات، خاصة بعد أن أدخل خدمة الميسنجر التي تتيح التواصل والمحادثة والدردشة بين الأصدقاء والأهل.  ليس هذا فحسب بل أصبح موقع الفيسبوك منصة كبرى يظهر فيها ما يجري في شبكة الانترنت وتراقبه بفضل الخورزمات التي تعيّن من يشاهد؟ وماذا يشاهد؟ ومتى يشاهد؟ ونوع المعلومات التي يتم تداولها. هذا إضافة إلى أن موقع الفيسبوك أصبح الممر الإجباري والواجهة التي تُفَعّل نشاط المؤسسات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والسياسية، والرافد الأساس للاتصال وزيادة تأثير رجال السياسة والثقافة والفن والرياضة.

وإن كان “جيف سبروس” يعتقد أن أثر الاحتكار الذي يمارسه الفيسبوك لم يأخذ بعدا كبيرا في الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الأوربية إلا أن وقعه كبير في الدول النامية، إذ أن احتكاره يكاد يكون مطلقا، حيث أضحى الأداة الوحيدة لولوج شبكة الانترنت في العديد من المناطق الفقيرة والنائية ، وبهذا أصبح ” المؤسس” للبنية القاعدية للانترنت في المناطق التي تشكو غيابها. بل أمسى بالإمكان استخدام موقع الفيسبوك دون الارتباط بشبكة الانترنت إذ يكفي مستخدمه ادخال رقم هاتفه الذكي فقط.

لكن كل هذه الخدمات الرائعة التي تبرر وصفه من قبل البعض بأنه مرفق اجتماعي وثقافي لا تخفي استسلامه للنزعة التجاريّة وجنوحه المفرط نحو الربح  الذي وضعه فوق كل اعتبار. واضحى يتنازل من أجله على الكثير من المبادئ وحتّى يتواطأ مع الأنظمة الاستبدادية في العالم، ويخرج عن حياده في النزاعات والحروب، وفي أثناء الانتخابات على وجه التحديد مثلما جرى في الانتخابات البرلمانية في بريطانيا في 2017 والانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية في 2016.

تسليع البشر

وإن كانت نزعته التجارية بحاجة إلى شرح فيمكن القول أن موقع الفيسبوك جعل البشر سلعة يبيعهم مرتين. يبيعهم للمعلنين شأنه في ذلك شأن مختلف وسائل الإعلام، ويبيع بياناتهم الشخصية وأخبارهم الخاصة لكل الراغبين في ذلك وعلى رأسهم شركات الإعلان والتسويق. وبهذا استطاع أن يسحب ثلثي القيمة المالية للسوق الإعلانية الموجهة لمواقع التواصل الاجتماعي، والتي بلغت ما يقارب 9.5 مليار دولار في 2013. وهذا نتيجة ” اجتهاده” في تطوير الممارسة الإعلانية في نظر المختصين ، إذ سمح للمعلنين باستهداف الأشخاص الفعليين ضمن أبعاد ملموسة، وهي السن، والنوع- ذكور أو إناث، ومركز اهتمامهم وميولاتهم، ومقر سكنهم، وليس انطلاقا من تصنيفهم إلى فئات حسب مواقع الانترنت التي زاروها ، أو بالنظر لعاداتهم الشرائية مثلما كان الأمر في بداية استخدام شبكة الانترنت.

إن كان البعض لازال يصدق ما كان يردّده مؤسس موقع الفيسبوك زاعما بأن الغاية من تأسيسه لم تكن إنشاء شركة بل تشبيك العالم تحقيقا لتواصله. فالكثير من الباحثين والصحافيين وممثلي المجتمع المدني لا يولون أي أهمية لهذا الزعم بعد تزايد عدد الدعاوى قضائية التي رُفِعت ضد موقع الفيسبوك واتهامه باختراق خصوصية مستخدمي شبكة الانترنت بصفة عامة وليس مستخدميه فقط.

رغم كل الحجج التي ساقها إلا أن “جيف سبروس” لا يؤمن بأن تأميم موقع شبكة الفيسبوك يقدم كل الحلول الممكنة للمشاكل التي يطرحها في علاقته بمستخدميه أو بالمؤسسات المختلفة. لكنه مقتنع بأن التأميم يحرّره من النزعة التجاريّة التي هيمنت على نشاطه وتحكمت فيه،        ويجعل استخدامه أرخص ثمنا وذا جودة عالية. والأهم من كل ما سبق قوله أن المسؤولية عنه تصبح ديمقراطية.

الحجج المضادة

إن كان البعض يعتقد أن لا طائل من مناقشة دعوة الباحث  “فيليب هووارد” لصعوبة تأميم شركة الفيسبوك وحتى استحالته ، فهناك البعض، مثل الصحافي “جيف بركوفيسي”، رئيس مكتب مجلة ” أنسي” الأمريكية في سان فرانسيسكو ، و”آدم تيرير”، الباحث في مجال السياسة التكنولوجيا في جامعة جورج ماسن الأمريكيّة، تصدوا لها وراحوا يردون الحجة بالحجة.

يرى “بركوفيسي” أن الذين يعتقدون بأن مزايا التأميم أكبر من مخاطره لم يسألوا عن مآل رؤوس الأموال التي تجلبها للولايات المتحدة الأمريكية، ومصير الشركة التي تُعدّ مفخرة أمريكا التي وفرت منصة للعديد من المؤسسات الاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة إن وضعت الحكومة الفيدراليّة يدها عليها؟ ولم يسألوا عن حالة الابتكار والتجديد في واد السليكون بالولايات المتحدة الأمريكية بعد تأميم شركة الفيسبوك. فالقطاع العام يكون دائما حذرا في صرف الأموال الطائلة من أجل التجديد والابتكار نظرا للآليات الإدارية والمالية التي تديره ولطريقة اتخاذ القرار التي تميّزه.

يؤمن “بركوفيسي” بأن الناس يتداولون الأخبار الشخصية عبر موقع شبكة الانترنت أكثر مما يعتقدون ، والأدهى أن القليل منهم من يعرف جيّدا سياسة موقع شبكة الفيسبوك في مجال حماية المعلومات الشخصية، والكثير منهم لا يولي لها أي أهمية أو لا يملك الحساسية ذاتها التي يملكها الداعون إلى تأميم موقع الفيسبوك تجاه الحياة الشخصية. فإذا كان تسعة أمريكيين من بين عشرة لا يضعون حزام الأمن في أثناء قيادتهم السيارة سواء عن جهل بالإحصائيات التي تكشف عن دور هذا الحزام في الحفاظ على سلامتهم أو من باب عدم المبالاة ، فهل يعقل جعل هذا الأمر سببا لتأميم شركات صناعة السيارات؟ يتسأل بركوفيسي. ويستطرد قائلا: إن مقارنة الفيسبوك ببقية مواقع التواصل الاجتماعي المغايرة، مثل موقع تويتر، من أجل تأكيد سيطرته واحتكاره يشبه إلى حد بعيد مقارنة التفاح بالبرتقال.

سوق متحوّل

ويرى الباحث “آدم تيرير”، من جهته، أن تحديد سوق مواقع التواصل الاجتماعي الشاسع يعدّ تحديا كبيرا لأن موت بعض المواقع وميلاد آخرى وفق إيقاع سريع جدا يشهد على أن هذا السوق يعيش ديناميكية وتحوّلا متجدّدا. لذا القول بأن الفيسبوك يمارس الاحتكار في هذا السوق يجانب الصواب. فوجود العديد من مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر، وليكوندن، واليوتيوب واستمرارها في البقاء ينفي صفة الاحتكار عليه. كما أن مفهوم الاحتكار والخدمة العامة يختلفان في هذا السوق. ويعتقد هذا الباحث أنه من الخطأ أن ننظر إلى موقع الفيسبوك من زاوية تعامله مع خصوصيات الأشخاص فقط، ونتجاهل كل الخدمات التي يقدمها في مجال الاتصال والاقتصاد والثقافة والمعرفة. ويرى وضع شركة الفيسبوك في يد الحكومة الفيدرالية لا يعدّ حلا مقبولا لحماية البيانات الشخصية وذلك لأنه ينطلق من افتراض بأن حصيلة هيئات الحكومية الأمريكية في مجال حماية الحياة الخاصة ساطعة بينما الواقع يؤكد عكس ذلك. هذا إضافة إلى أن اللجوء إلى تأميم موقع الفيسبوك يعني أن كل السبل التشريعية لتأطير نشاطه وإجباره على اتخاذ المزيد من الإجراءات التقنية والقانونية لحماية حياة الأشخاص الخاصة قد استنفذت.  فالغاية في نظر هذا الباحث لا تبرر الوسيلة. فلا يوجد ما يمنع اللجنة الفيدرالية لحريات وصيانه المنافسة من تسليط أشد العقوبات على موقع الفيسبوك لاختراقه الحياة الخاصة سواء اليوم أو في المستقبل. وهذا على الرغم من أن النخبة الأمريكية تتسم بحساسيتها المفرطة تجاه تقييد الحريات وترفض أن تحذو الولايات المتحدة الأمريكية حذو الاتحاد الأوروبي الذي تحكم سلطة بيروقراطية مركزية أعضاءه وتصدر لهم ترسانة من القوانين والتعليمات التي تروم حماية خصوصية الأشخاص، والتي على أساسها رفعت دعاوي قضائية ضد موقع الفيسبوك.

ويخلص معارضو التأميم إلى القول بأنه من المحتمل أن يؤدي الحل المقترح من أجل القضاء على تجاوزات موقع الفيسبوك إلى محوه من الوجود.

أخيرا، يمكن القول أن هذا النقاش سيعمم ليشمل مختلف الفاعلين في المجتمع الأمريكي ويمتد إلى أوربا مع تزايد عدد الدعاوى التي ترفع ضد موقع الفيسبوك لدى المحاكم المحلية أو على المستوى الأوروبي. وسيؤثر هذا النقاش على مستقبل هذا الموقع، بهذا القدر أو ذاك، ليصل إلى المجتمعات الناميّة. لعله يحرّرها من الخطاب الوعظي والتشاكي من خطورة الفيسبوك وبقية مواقع شبكات التواصل الاجتماعي. ويجعل مستخدميه أكثر فهما ووعيا بالجوانب التي يثيرها هذا النقاش ولا يكتفون بتنبيه بعضهم، بين حين وآخر، إلى شرائط الفيديو أو الصور المنتشرة في موقع الفيسبوك المحمّلة بفيروسات خطيرة.