كيف نفهم مسلسلا تلفزيونيا ؟


نصر الدين لعياضي

 

منذ خمسينات القرن الماضي، والمسلسلات التلفزيونيّة تستحوذ على قسط وافر من ليالي سهر مشاهدي القنوات التلفزيونيّة. ومع التوجه رؤوس الأموال الخاصة إلى الاستثمار في قطاع التلفزيون  في العديد من الدول الأوربية بدءا من ثمانيات القرن الماضي، أزداد الطلب على المسلسلات التلفزيونية. لقد أدرك مصممو  الشبكات البرامجية في القنوات التلفزيونية التابعة للقطاعين العام والخاص أن المسلسلات تشكل ” العربة ” التي تجر قطار مختلف البرامج التلفزيونية. وتمتّن علاقاتها بالجمهور.

يمكن استخلاص مجموعة من المؤشرات عن التحولات التي شهدتها المسلسلات التلفزيونية خلال العقود الأخيرة، نذكر منها: عدم احتكار القنوات التلفزيونية الكلاسيكية لبث المسلسلات، إذ أصبح الجمهور يتابعها عبر حوامل جديدة ومتعدَدة، منها على وجه التحديد المنصات الرقميّة، و المواقع المتخصصة في بث المسلسلات في شبكة الانترنت، وخدمة الفيديو وفق الطلب.  وهذا ما أدى إلى تحررها من القيود التي كبلتها بها القنوات التلفزيونية الكلاسيكية. أنها القيود المتعلقة  بشكل هذه المسلسلات ومحتوياتها وزمن بثها. ويعود الفضل في ذلك أولا  إلى بروز البث التلفزيوني عبر الكابل ، وتكاثر القنوات المتخصصة غير المجانية – التي تتطلب اشتراكا لمشاهدة برامجها بمقابل مالي.  وهذا يعني تحررها من التبعية للإشهار ونواهي المشهّرين.

 

التحوّل

ما سبق قوله لا ينفي بتاتا بأن المسلسلات نشأت وترعرت في كنف التلفزيون الكلاسيكي. وبلغت درجة أنها أزاحت الأفلام السينمائية من عرشها في الشاشات الصغيرة.  وعملت على تشكيل جمهورها المتنوع طيلة سنوات متواصلة. لقد تنافس المشهّرون على إدراج موادهم الإشهارية في المسلسلات التلفزيونيّة التي امتلكت القدرة على تعويد المشاهدين على متابعتها في أوقات محددة وعبر امتداد حلقاتها التي تدوم أشهر وحتى سنوات! فلا مجال للتعجب إن علمنا أن المسلسلات البرازيلية التي تسمى ” تلي نوفا” التي تبثها القنوات التلفزيونية الناطقة باللغة الإسبانية في الولايات المتحدة الأمريكية تحظى بأكبر نسبة مشاهدة، خاصة في أوساط الأمريكيين المنحدرين من أمريكا اللاتينية. لذا بلغ الإشهار الذي تبثه هذه القنوات 5.3 مليار دولار في 2010، أي 9% من مجمل نفقات الإشهار في الولايات المتحدة الأمريكية بأسرها. هذا ما يؤكده ” أدم جاكوبسن”، مستشار وسائل الإعلام الناطقة باللغة الفرنسية في مدينة ميامي.

لقد استهدف المعلنون عبر إعلاناتهم في المسلسلات التلفزيونية ربات الأسر الماكثات في بيوتهن واللواتي لم يتجاوزن سن الخمسين؛ أي اللواتي أدمن على مشاهدة حلقات المسلسلات ويتمتعن بالقدرة على اتخاذ قرار شراء ما يستلزم البيت والأسرة من مواد استهلاكية. لكننا اليوم نشاهد أصناف من المسلسلات التلفزيونية التي تستهدف شرائح اجتماعية أخرى، منها الشباب والأطفال والكهول.

وفي ظل المنافسة المحمومة بين القنوات التلفزيونية، وأمام تزايد الطلب الشعبي على المسلسلات التلفزيونية تبارى كتاب السيناريو والمخرجون في تطويرها وإتقان صناعتها سواء على صعيد الموضوع أو أسلوب المعالجة. فكتابة سيناريو المسلسلات وصياغة حواره أضحت فنا قائما بذاته يتسم بالجودة والجاذبية. ويصنف كتابه بالمؤلفين والمبدعين. وحظى تصوير المسلسلات التلفزيونية بعناية فائقة تضاهي تصوير الأفلام السينمائية. وشهدت مواضيعها في الولايات المتحدة الأمريكية، البلد الذي يحتل صدارة إنتاج المسلسلات في العالم، منعطفا بارزا، إذ غامرت بالنأي عن الرومانسية العاطفية التي تستند إلى الثنائية التي شكلت اللحمة الدرامية في الثقافة الغربية. الثنائية القائمة على الصراع بين الخير والشر، وانتصار الأول على الثاني مهما كانت الصعوبات والتضحيات . إنها المسلسلات المعاصرة التي هيمن عليها ما يسميهم الناقد الفرنسي “فرانسوا جوست ” بالأشرار الجدد” ، مثل مسلسل بريكينج باد ” Breaking Bad ” اختلال ضال ” “، ودكستر” ” Dexter” و  ” جيم اوف ثرونز ” Game of Thrones” ” صراع العروش”. والتي يرى الباحث الجزائري ذي الصول الفرنسية، فانسن كولونا، المختص في الانتاج التلفزيوني، أنها تقوم بدور صحي في المجتمع، دور الرواية في مجال الأدب. وذلك لأنها تنقد بشدّة المؤسسات والسلوك، وتكشف عن الفجوة القائمة بين ما يتطلبه المجتمع وما يفعله أبناؤه عمليّا. ويعتقد أن هذه المسلسلات، وتلك التي تصاغ على شاكلتها ، تجعل المرء أقل سذاجة ولا يغترّ بالمظاهر الخداعة في الحياة لكونها تميط اللثام على الكثير من عيوب العصر في المجتمع الأمريكي  وتبيّن للمشاهدين  ما هو الواقع  وما هي السلطة، وما بلغه رأسمال من نفوذ.

خلافا للولايات المتحدة الأمريكية، لقد أدار البحث الجامعي في أوربا ظهره للمسلسلات التلفزيونية ردحا من الزمن ولم يهتم بها لأنه انصرف إلى دراسة ما يعتبره إنتاجا ثقافيا راسخا، وليد الثقافة العالمة، مثل الكتاب والرواية والشعر، والسينما، والمسرح. بينما اعتبر المسلسلات التلفزيونية منتجا استهلاكية شعبيا تفتقد دراستها أي قيمة علمية.  فتركت للمتابعات الصحفية في الجرائد والمجلات المتخصصة التي حاولت رصد شعبية بعضها وتفسير سر نجاحها.

لقد أدرجت المسلسلات التلفزيونية في الدرس الجامعي في جل الدول الأوربية في مطلع ثمانيات القرن الماضي. فتعامل معها في البداية مثل الفيلم السينمائي من خلال التركيز على نوعية الإخراج الفني، ودرجة تعقد السيناريو، وسلاسة الحوار وقدرته التعبيرية، والواقعية السيكولوجية، وتنوع الحكاية ، والمنطق السردي، والتوترات السياسية التي تطبع العلاقة بين أبطالها،  وغيرها من الجوانب التي تسمح بالتمييز بين مختلف المسلسلات التلفزيونية.

 

استنطاق المسكوت عنه

وضمن هذا المسعى تم التطرق إلى المسلسلات التلفزيونية بأدوات التحليل السيميائي والتى تروم استنطاق الرموز التي تحملها، والدلالات المبطنة وراء علاقات أبطال المسلسلات وعلاقتها بالمرجعية الواقعية: الحياة اليومية. ففي هذا الإطار نفهم مقولة” إن المسلسلات التلفزيونية هي انعكاس للمجتمع، ومرآة طموحاته”. لقد حاول مخرج الأفلام التلفزيونية الأمريكي  ” ليود كرايمر”، صاحب فيلم الأشخاص الخمسة الذين تلقاهم في الجنة”، تحليل المسلسلات التلفزيونية الأمريكية على ضوء تطور عادات المجتمع الأمريكي وطقوسه. إذ يؤكد أن صورة الأب في المسلسل التلفزيوني ” أبي على حق” الذي بث في خمسينيات القرن الماضي قدمت نموذجيا لرب الأسرة المحترم. بينما تتراجع السلطة الأبوية في المسلسل الموسوم بـ ” الكل داخل العائلة” في سبعينات القرن ذاته. لقد ظهر الأب في هذا المسلسل ضعيف الشخصية سمج نتيجة وقوعه تحت تأثير الثقافة المضادة أمام بروز الحركة النسوية والحقوق المدنية. واستعاد الأب سلطته على أبنائه في المسلسلات التلفزيونية، مثل ” ذا كوسبي شو ” في ثمانينات القرن الماضي التي صادفت   وصول ريغان إلى البيت الأبيض، وسعيه لفرض نزعة التفوق الأمريكي.  وفي تسعينات القرن ذاته يظهر الأب في المسلسل الكرتوني” عائلة سيمبسون”  غير مبال بدوره كرب أسرة ، ولا يتحكم في أفرادها. وتتضح هذه صورة أكثر في المسلسل: ” آل سوبرانو”  الذي تتجلى فيها ملمح الأب وهو يرزح تحت ثقل الأحداث التي تتجاوزه دائما بعد أن فقد السيطرة على أسرته.

هذه القراءة السيميائية للمسلسلات مفيدة جدا للكشف عن البعد الأيديولوجي المتستر في المسلسلات التلفزيونية  واستنطاق المسكوت عنه فيها، لكنها غير كافية لفهمها. وذلك لأنها لا تتحدث باسم الغائب، أي الجمهور فقط، بل تصادر رأيه أيضا. والأكثر من هذا أنها تنقل الجمهور من حالته الملموسة بخصائصه الثقافية والاجتماعية إلى مجرد تصور أو خطاب ينتجه المهنيون والدارسون.

لقد أوخذ على هذه الطريقة في التحليل أنها تتعامل مع المسلسلات التلفزيونية كأنها نص من بين النصوص السردية الأخرى، وبمعزل عن طريقة تلقيه من قبل المشاهدين.

تكاد دراسة المسلسلات التلفزيونية تغيب في الجامعات العربية إن استثنينا البحوث التي تحاول أن تستطلع آراء الجمهور في هذا المسلسل التلفزيوني أو ذاك، وتحاول أن تكشف عن جمهوره. لكنها لا تغامر بالإجابة عن السؤال التالي: ما المعنى الذي استخلصه المشاهدون من متابعتهم لهذا المسلسل التلفزيوني أو ذاك وكيف أولوا أحداثه؟  يندرج هذا السؤال في قلب نظرية التلقي التي تلفت الانتباه إلى الفكرة التي تكاد تصبح بديهية أو تحصيل حاصل مفادها أن الرسالة التي تستخلصها المتلقي- المشاهد- من مشاهدته لمسلسل تلفزيوني قد لا تتطابق تطابقا تاما مع تلك التي أراد مخرج المسلسل أو منتجه توصيلها له.

 

سلطة التأويل

تعيد نظرية التلقّي الاعتبار إلى المشاهد وتبوأه مكانة مركزية لأنها لا تؤمن بتأثير المسلسلات بدون الأخذ بعين الاعتبار كيف فهمها المشاهدون وأولوها في حياتهم اليومية. وعلى هذا الأساس توصل ستورت هول، الباحث الأمريكي إلى وجود ثلاثة أصناف من المشاهدين: المشاهد المستسلم، أي الذي يتقبل البعض مما ورد في المسلسلات التلفزيونية وفق المعنى الذي قصده المنتج أو المخرج، والجمهور المفاوض الذي يعدل ما ورد في المسلسلات ويخضعها لتصوره وحاجاته، والجمهور الرافض، أي مقاوم للمضامين التي تنقلها المسلسلات.

يقدم الباحث البريطاني المختص في التلفزيون، جون فيسك، نموذجا للجمهور المفاوض الذي يستخلص من المادة الدرامية ما يمتعه  ويعزّز هويّته. فيذكر فيلم  رامبو   Ramboالأول ( للمخرج سلفيستر ستالون Sylvester Stallone ( الذي ندّد بالاضطهاد الذي عاني منه أحد قدماء المقاتلين في فيتنام عندما عاد من الحرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ويستعرض رده الحربي على العنف الذي تعرض له. يقول الباحث ذاته أن  هذا الفيلم كان من الأفلام التي يفضلها الرئيس الأمريكي السابق رولاد ريغان ساعة عرضه في قاعات السينما لتضميناته الرجوليّة ونزعته الوطنية. وأحبه ، أيضا، سكان أستراليا الأصليون غير المبالين بالشأن الأمريكي لكنهم وجدوا ذاتهم في بطل هذا الفيلم. هذا الشخص الأخرق، والناطق باللغة الإسبانية، أي غير المؤهل للتعبير بمصطلحات البروتستانتيين الأنجلوساكسونيين البيض المهيمنة، والمطارد من قبل الشرطة، والعائد إلى وضعه الطبيعي باللجوء إلى العيش في الغابة.  لقد أدرك السكان الأصليون باستراليا السرد الفيلمي المذكور كاستعارة لظروف حياتهم الخَاصَّة: لقد كان على هؤلاء السكان تبني التقاليد اللّسانية البريطانية. لقد شكلوا مجموعة اجتماعيّة تعاني من أعلى نسبة انحراف في أستراليا وتواجه بأقسى عقاب، فكانت علاقتهم قويّة بالطبيعة والأحراش  تحديدا.

توظف نظريات التلقي جملة من المفاهيم التي ترشدها إلى آلية تأويل المشاهدين لما يشاهدونه في المسلسلات التلفزيونية، منها: أفق التلقي واندماج الأفقين.

يستند أفق التلقي إلى التجربة السابقة التي اكتسبها الجمهور عن النوع الذي ينتمي إليه النص الدرامي: فيلم ، مسلسل تلفزيوني، وغيره، وشكل الأعمال السابقة، وموضوعاتها التي من المفترض معرفتها. وأبرز مثال يجسد هذا المفهوم هو توقع/ تكهن المشاهد بخاتمة الفيلم أو المسلسل دون أن يشاهد أخر حلقة منه.

ويعبر مفهوم اندماج الأفقين ، عن لقاء الأفق الذي يرسمه المسلسل التلفزيوني وأفق المشاهد. وأفضل مثال على ذلك تقدمه المسلسلات التلفزيونية التاريخية والتي يقرأها المشاهد بناء على واقعه. فيسقط الكثير من تفاصيل الماضي على حاضره.

هل يذوب التلفزيون في مواقع التواصل الاجتماعي ؟


نصر الدين لعياضي

اضطرت القنوات التلفزيونية بعد تردّد إلى فتح مواقع لها في شبكة الانترنت في مطلع الألفية الحالية. فنوعت عروضها، من البث المباشر لبعض برامجها إلى المشاهدة الاستدراكيّة لبعضها الأخر مرورا بتقديم شرائط الفيديو وفق الطلب. فارتفعت، في ذاك العقد، أصوات بعض الملاحظين والمختصين في مجال الإعلام والاتصال لتنبهنا إلى نهاية التلفزيون. وتلفت نظرنا إلى أننا مقبلون على العيش في عصر إعلامي وثقافي جديد أطلقوا عليها مسمى عصر ” ما بعد التلفزيون”.

واليوم، ما عسى أن يقول هؤلاء الملاحظين والمختصين بعدما أصبح أي كان ينقل ما يجري أمامه مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي؟ وأضحت هذه المواقع طرفا نشيطا في إنتاج شرائط الفيديو وبث المادة التلفزيونية المختلفة والمتنوعة؟

الكل يشهد اليوم على تحرّر المشاهد التلفزيوني من إكراهات المكان، فبإمكانه متابعة البرامج التلفزيونية في المكان الذي يريد عبر الحوامل المختلفة: الهاتف الذكي واللوح الإلكتروني والكمبيوتر المحمول. وتحرّر أيضا من إكراهات الزمن، حيث أصبحت مشاهدة ما يرغب في متناوله في الوقت الذي يريد؛ أي مشاهدة ما يرغب من برامج تلفزيونية في وقت مغاير لزمن بثها المباشر.

بالطبع إن هذا التحرّر من إكراهات الزمن والمكان طرح الكثير من الأسئلة بعضها يتعلق بالتحوّل الذي طرأ على البرامج التلفزيونيّة نتيجة خضوعها لحوامل بثها المتعددة، خاصة عبر المنصات الرقميّة ، وبعضها الآخر يتعلق بطبيعة جمهورها الذي انتقل من مشاهد تلفزيوني إلى مستخدم برامج التلفزيوني عبر هذه المنصات. وتسعى هذه الأسئلة إلى القبض على التغيرات التي طرأت ، ولازالت تطرأ ، على طبيعة التلفزيون ذاته الذي اضفى الطابع الشخصي على المادة التلفزيونيّة وعلى  مستخدمها الذي أصبح يتمتع بقدر من الحرية في “استهلاك” الإعلام والثقافة، وإنتاجها وتوزيعها. إنها الحرية التي منحت الشرعية للبحث عن مآل التلفزيون الذي يختزله السؤال التالي: هل تذوب شاشة التلفزيون في مواقع التواصل الاجتماعي؟

 

البداية

بدأت علاقة القنوات التلفزيونية بمواقع التواصل الاجتماعي بمبادرة قامت بها بعض البرامج التلفزيونية  بنشر إعلانات عن تاريخ بثها في المنصات الرقميّة، والتذكير بالموعد قبل دقائق من بداية البث. وكان الغرض من هذا الإعلان توسيع قاعدة مستمعيها وطرح اسم القناة للتداول في أوساط قطاع من الشباب الذي أدار ظهره للتلفزيون. ثم انتقلت القنوات التلفزيونيّة إلى بث مقاطع من برامجها  عبر الصفحات التي أنشأتها في مواقع التواصل الاجتماعي، مثل موقع الفيسبوك.

لقد سمح هذا النمط من البث عبر مواقع التواصل للقنوات التلفزيونيّة بالتفاعل مباشرة مع مشاهديها بشكل آني ، والإجابة عن تساؤلاتهم ومتابعة ردود أفعالهم واستجلاء ما يفكرون فيه والاستفادة منه في تقييم ما تبثه. بالطبع المقصود في هذا المقام ردود أفعال الأشخاص المشتركين في صفحة البرنامج في موقع شبكة الفيسبوك التي تستثمر لتمتّين العلاقة مع المشاهدين حتى يتعودوا على مواعيد بث هذه البرامج ويدمنون على متابعتها وانتظار الرد على تساؤلاتهم.

ففي هذا الإطار تندرج استعانة الكثير من برامج المسابقات والألعاب التلفزيونيّة، مثل “تلفزيون الواقع” بمواقع التواصل الاجتماعي، حيث وظفتها لنقل تصويت المشاهدين على المشاركين فيها. وقد حذت حذوها بقية البرامج التلفزيونية ، مثل البرامج الحوارية والسياسيّة التي تبنت ما أصبح يعرف بــ ” التغريد المباشر” live-tweet  والذي يعني متابعة المشاهدين للبرنامج أثناء بثه، وإرسال التغريدات بشكل متزامن مع البث التي تتضمن انطباعاتهم وملاحظاتهم على ما يشاهدون ويسمعون. وقد استغل منتجو هذه البرنامج ومخرجوها بعض هذه التغريدات وأدرجوها في فقرات البرنامج، فتحولت تدريجيا إلى جزء من بنيته.

 

تجارب

يستضيف البرنامج السياسي الشهري : ” الكلام والأفعال”، على سبيل المثال، الذي كانت تبثه قناة التلفزيون الفرنسي الثانية، كبار الشخصيات في السلطة أو المعارضة  ليحاورهم صحافيون من مختلف وسائل الإعلام الفرنسيّة من ذوي الاختصاصات المختلفة: اقتصاد، سياسة خارجية، شؤون داخلية. ويتولى أحد الصحافيين التقاط صور من الحوار ليبثها على صفحة البرنامج المذكور في موقع الفيسبوك. إنها صور أحد الأشخاص الذين وردت اسماؤهم على لسان أحد المتحاورين وترفق بمقولات ذات علاقة بموضوع الحوار أو بتعليقات وحتّى أسئلة. لقد ارتأى هذا البرنامج من هذا البث إثارة المزيد من التعليقات بين مستخدمي موقع الفيسبوك من أجل الترويج له لزيادة شعبيته. ولا يتدخل الصحافيون في النقاش الذي يدور بين مستخدمي هذا الموقع إلا في الحالات الاستثنائيّة.

لقد استنتجت الباحثة الفرنسية، فرجيني سبي، من هذه التجربة أن البرنامج المذكور كان يسعى لجعل موقع الفيسبوك واجهة له.

أما البرنامج السياسي:” كلمات متقاطعة”، الذي ببثته القناة التلفزيونية ذاتها، الذي كان يستضيف مجموعة من الشخصيات من مشارب مختلفة لمناقشة قضايا الساعة في الساحة السّياسيّة  فقد أختار موقع شبكة تويتر للتفاعل مع مستخدمي المنصات الرقميّة. و خصص لهذا الغرض صحفيا يقوم بجمع التغريدات وتحليلها والكشف عن توجهاتها. ويختتم هذا الصحافي البرنامج المذكور بقراءة بعض التغريدات وعرض بعض الملامح العامة عن أصحابها: سنهم، مهنتهم، انتماؤهم السياسي، ومساهمتهم في تنشيط هيئات المجتمع المدني. ويستغل الفرصة  لتوجيه سؤال من أسئلة المغردين لأحد ضيوف البرنامج.

 

التّحوّل

إن تعامل القنوات التلفزيونيّة مع مواقع التواصل الاجتماعي وفق الصيغ المذكورة  أعلاه يجري في ظل تزايد نشاط المؤسسات العملاقة المختصة في  تقديم ” شرائط الفيديو وفق الطلب” مثل “نتفلكس” أو “امازون” اللتان أدخلتا نمطا جديدا من مشاهدة المسلسلات التلفزيونية في أوساط الشباب. فالكل يعلم أن التلفزيون ” التقليدي” كان يعرض المسلسلات التلفزيونية عبر حلقات. يبث حلقة واحدة كل أسبوع. وعلى المشاهد أن ينتظر أسبوعا كاملا حتى يشاهد الحلقة التالية.  لقد كسرت المؤسسات المذكورة هذه القاعدة ومكنت مستخدم المنصات الرقميّة من مشاهدة كل الحلقات دفعة واحدة، مع إمكانية إعادة مشاهدتها مرة ثانية. وبهذا أفرزت مصطلح ” المشاهدة الاحتفائية” الذي أصبح رائجا في الدراسات المعاصرة عن التلفزيون. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يعد الشباب يؤجل التعليق على ما يشاهده في التلفزيون مع أصدقائه إلى حين الالتقاء بهم. بل أصبح يعلق ويعبر عن رأيه في كل ما يدور في البرنامج التلفزيوني أو ما يثيره من ملاحظات عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل آني ومتزامن مع فعل المشاهدة التلفزيونيّة. هذا ما أثبتته  البحوث الميدانيّة، مثل البحث الذي أنجزته ” مجموعة ديجتال كلارتي”، قبل خمس سنوات، والذي بيّن أن 80% من الشباب البريطاني الذي يقل سنهم عن 25 عام  أصبحوا يتابعون ما يعرض على شاشة التلفزيون و أَيْدهم ممسكة بشاشة ثانية: شاشة الكمبيوتر المحمول أو شاشة لوح إلكتروني أو شاشة الهاتف الذكي في الغالب. وقد ترجمت مجلة ” تلي لوازير” الفرنسية الجدوى من الشاشة الثانية  إلى أرقام، إذ ذكرت أن 78%  من تغريدات تويتر على ما يبثه التلفزيون الفرنسي تتضمن التعليقات على البرامج الإخبارية والتصويت على برامج تلفزيون الواقع والمنافسات الرياضية والألعاب. وأن 75%  من التعليقات على المسلسلات والأفلام التلفزيونية ينشرها الشباب في موقع شبكة الفيسبوك.

لقد حاولت  بريجيت بن كمون، رئيسة تحرير برنامج ” كلمات متقاطعة” الذي تحدثنا عنه أعلاه، شرح  معنى هذه النسب والكشف عن تأثيرها على التلفزيون بالقول : ” من المحتمل  أن تثير التعليقات والتغريدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي على هذا البرنامج التلفزيوني أو ذاك النقاش وحتّى الجدل، وتحدث طنينا في مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها لا تدل أبدا على أنه حُظي بأكبر عدد من المشاهدين عبر شاشة التلفزيون. إذا، لماذا تستعين القنوات التلفزيونيّة بمواقع التواصل الاجتماعي وهي تدري أن هذه الأخيرة لا تساعدها على رفع عدد مشاهديها؟

إن الإجابة عن هذا السؤال بسيطة جدا، وتكمن في رغبتها الملحة في إيصال برامجها إلى مختلف شرائح المشاهدين عبر العديد من الحوامل الرقميّة. وتشجيعهم على تقاسم ما يشاهدونه ومناقشته والتعليق عليه. وهذا من أجل غاية واحدة: خلق جماعات المعجبين بهذا البرنامج التلفزيوني أو ذاك والمتفاعلين معه. تتقاسم المشاعر ذاتها والانطباعات عينها وربما تشترك في التجربة العاطفية والاجتماعيّة؛ أي بعبارة مختصرة الانتقال من التلفزيوني الجماهيري إلى التلفزيون الاجتماعي. وسلاح هذا الانتقال هو التفاعلية التي أكدت عليها رئيسة التحرير المذكورة والتي تأسفت لكونها أخفقت في الوصول بها إلى أبعد نقطة في برنامجها والسبب في ذلك يعود إلى عدم التناغم، وربما التعارض بين خطاب البرنامج التلفزيوني وخطاب الجماعات التي تعلق عليه عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

 

استراتيجيا

إن تحقيق هذا الانتقال لا يقع على كاهل برنامج تلفزيوني بمفرده، بل يندرج ضمن استراتيجيا واضحة تتبناها هذه القناة التلفزيونيّة أو تلك. ففي هذا الإطار يمكن أن نشير إلى أن وسائل الإعلام السمعية البصرية ( إذاعة وتلفزيون) الفرنسيّة التابعة للقطاع الحكومي افتتحت بوابة رقمية لها في شبكة الانترنت تبث عبرها مَوَاجِز الأنباء مباشرة ، والأخبار العاجلة التي ترسل إلى مشتركيها عبر رسائل قصيرة أو في صناديق بريدهم الإلكتروني.  وزودتها بحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة موقعي تويتر والفيسبوك بغية تحقيق التفاعل المطلوب مع ما تبثه من برامج. وأنشأت صفحة خاصة للتحري عن صحة الأخبار بعد أن ارتفع عدد الأخبار المزيفة التي تنتشر بسرعة مذهلة في مواقع التواصل الاجتماعي. وعيّنت على رأسها صحافيين يقومون بمعاينة الأخبار والتنقيب عن مصادرها ومحص صورها وفيديوهاتها وذلك  للإجابة عن تساؤلات القراء. وقد يتولى بعض مستخدمي هذه المواقع، ممن كانوا شهود عيان على وقوع الأحداث التي تنقلها مواقع التواصل الاجتماعي، نفي بعض تفاصيلها أو تأكيده أو تصويب تفسير بعض الأحداث وتأويلها.

وخوفا من أن تتجاوزها مواقع التواصل الاجتماعي سارعت قناة ” أي بي سي” الأمريكية إلى إبرام اتفاق تعاون مع مؤسسة الفيسبوك استطاعت بموجبه أن تبث مباشرة، عبر منصتها، المناظرات الثلاث التي جمعت كل من دونالد ترامب وهيلاري كلينتون أثناء الحملة الانتخابية للرئاسيات الأمريكية في 2016 خالية من القطات الإشهارية. ويعتقد بعض المختصين أن غاية هذه القناة من إبرام الاتفاق المذكور هو ” محاولة الوصول إلى الشباب والترويج لصورتها في أوساط المشاهدين  للظهور بمظهر القناة التلفزيونيّة العصرية التي تلبي رغبات مشاهديها.”

 

منصات البث

نعقد أن التحدى الذي يواجهه التلفزيون لا يتمثل في تطوير قدراته التفاعلية فقط، بل في التفكير في ذاته وفي هويته أمام تزايد عدد المنصات الرقمية التي مكّنت مستخدمي الانترنت من البث المباشر لتفاصيل حياتهم اليومية وما يعيشونه من أحداث تهم قطاع واسع من الجمهور، وتتنافس وسائل الإعلام المختلفة على نقلها. ويمكن أن نذكر منها: بلوغ فيديو تيفي، وأوسترم،  ولايفسترم، وجستن. تيفي، وغيرها من المنصات التي تمنح الأدوات التقنيّة مجانا لكل راغب في إنشاء قناته التلفزيونية في شبكة الانترنت.  ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى أن ” جستن كان ” يعد من رواد هذه التجربة. إذ أطلق ” قناته التلفزيونية” بفضل هوايته. لقد كان يبث مباشرة الفيديوهات التي يسجلها بالكاميرا الرقمية المثبتة في قبعاته، والتى لا تفارقه قط!

قد تؤجج هذه المنصات المنافسة بين مواقع التواصل الاجتماعي في مجال الانتاج التلفزيوني وبثه. فمن أجل اللحاق بموقعي ” نتفليكس” واليوتيوب” بادر موقع الفيسبوك إلى تنويع خدماته التلفزيونية، منها إطلاق خدمة ” فيسبوك وتش” في شهر أغسطس 2017-  والتي تستهدف جذب المبدعين لبث انتاجهم مباشرة. وقد كلّلت هذه المبادرة ببث قالبين من البرامج: برامج قصيرة تتراوح مدتها ما بين 10 و15 دقيقة، وتتناول الأحداث الآنية ، وبرامج طويلة تتطلب الكثير من الوقت حتى تتم معالجتها من ناحية كتابة السيناريو وإخراجه. وبهذا تشبه إلى حد بعيد ما يبثه التلفزيون الكلاسيكي. وميزة هذه الخدمة أنها تسمح للمستفيدين منها بمشاهدتها والتفاعل  مع أصدقائهم ، بشكل متزامن ومباشر في أثناء بثها. وأبرم أيضا اتفاقية مع قناة ” أم تي في” التلفزيونية من أجل إعادة إحياء برنامج ” ذو ريال وولد” ، الذي يعد من برامج تلفزيون الواقع الرائدة والذي داومت القناة المذكورة على بثه طيلة عشرين سنة.  وقد علق ” كريس مكارثي”، مديرها على هذه الاتفاقية بالقول ” يجب أن نبدع وننسى ما تعلمناه  من أجل بعث قناة تلفزيونية جديدة كليا تتحدث للجيل الجديد ومعه”.

ومن جهته اقتحم موقع شبكة ” سنابشات” المنافسة في مجال الإنتاج والبث التلفزيونين.  فأقام شراكة مع قناة ” أن بي سي”  التلفزيونية الأمريكية  من أجل بث نشرة أخبار تلفزيونيّة تتناول مختلف الأحداث اليومية المحلية والأجنبيّة. هذا إضافة إلى شروعه في تقديم خدمة يراها مكملة للقنوات التلفزيونيّة التقليديّة وتمثلت في إطلاق قناته التلفزيونيّة : ” سنابشات تلفيجن” التي تعكف على بث البرامج المسجلة التي بثتها القنوات التلفزيونيّة. ومن أجل ضمان حاجة قناته  للمواد التلفزيونيّة أبرم سلسلة من الاتفاقيات مع كبريات القنوات التلفزيونيّة الأمريكيّة، مثل ” أن بي سي يونفيرسالس” ، ودسكوفري”، و” أي بي سي”، و “سي بي أس” و”فوكس نيوز”.

واتجه موقع شبكة تويتر، من جهته، إلى إقامة شراكة مع مجموعة ” بلوبرغ” التلفزيونيّة الأمريكيّة المختصة في المال والأعمال والموجهة للنخبة المتعلمة والمهتمة بالشأن الاقتصادي. فسمحت له ببث بعض البرامج التلفزيونيّة التي انجزتها المجموعة المذكورة، إضافة إلى بث الأخبار المحليّة والدوليّة المختلفة. وقد استفاد هذا الموقع من خصوصيته التقنيّة والتواصليّة ليتحوّل إلى مرجع أساسي في مجال نشر الأخبار المصورة عبر الفيديو بشكل مباشر على مدار اليوم وبدون انقطاع.

ويمنح موقع شبكة ” انستاغرام” الفرصة لكل مشترك لإنشاء قناته ” التلفزيونية” الخاصة، حيث يطلب منه تحمّيل التطبيقات المناسبة في جهازه لبث شرائط الفيديو التي ينجزها لمدة ساعة. وهذا خلافا لما تقيد به هذا الموقع قبل شهر مارس – أذار-  2016 . إذ كان يجيز بث شرائط الفيديو التي لا تزيد مدة عرضها عن دقيقة فقط.

لو أردنا أن نقيم كل التجارب التي تفصح عن إرادة القنوات التلفزيونيّة في استثمار مواقع التواصل الاجتماعي وتوظيفها لمواكبة التغيرات التي طرأت على عادات المشاهدة التلفزيونية، والتي تلتقي مع إرادة مواقع التواصل الاجتماعي في استغلال قدرات القنوات التلفزيونية في الإنتاج وتجاربها المتنوعة خدمة لإستراتيجيتها التواصلية والتسويقية، نجد أن التلفزيون المعاصر أصبح تفاعليا وتشاركيا ومتعدد الشاشات، أي تلفزيون يبحث عن هويته الجديدة.

منافع الصحافي- الآلي وأضراره


نصر الدين لعياضي

يتردّد على ألسنة الكثيرين من شاهدوا المذيعة  الآلية- روبوت- وهي تقدم الأخبار التلفزيونية باللغة الروسيّة، في سانت بطرسبرغ  يوم الجمعة 7 يونيو 2019، السؤال التالي: هل سيدفع الذكاء الاصطناعي إلى الاستغناء عن البشر في تقديم نشرات الأخبار التلفزيونيّة؟ سؤال يبرّره اقتدار المذيعة المذكورة على محاكاة إحدى صحافيات وكالة تاس الروسيّة. لقد قلّدت صوتها، وحركة شفتيها وهي تتلفظ مخارج الحروف،  وتعابير وجهها وهي تحاول التفاعل مع طبيعة الأخبار!

تعدّ هذه المذيعة الآلية ثمرة تعاون بين وكالتي الأنباء: تاس الروسيّة، و” شينخوا” الصينيّة اللتين احتفلتا بطريقتهما الخاصة بمرور 70 عام من العلاقات الدبلوماسية بين الصين وروسيا.

و لا تعتبر هذه المذيعة الآلية أول “روبوت” يقدم الأخبار التلفزيونية في العالم. فقد سبقتها  “شين  كسيومنغ”  في وكالة ” شينخوا” الصينيّة التي عرّفت بنفسها للجمهور الصيني،  في شهر مارس/ آذار الماضي عبر شريط فيديو، قائلة:  سأبدأ مشواري المهني معكم كمذيعة أخبار متلفزة.

لقد أدهش حضورها في الشاشة المشاهدين لكونها تشبه مذيعة صينية حقيقية، من لحم ودم، تسمى ” كيو منغ” إلى حد كبير: ملامح الوجه وتقاسمه ذاتها، وتسريحة الشعر عينها، غير أنها لا توحي بإمكانية التحدث بلغة غير اللغة الصينيّة .

لقد شرعت الصين في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في قراءة نشرة الأخبار التلفزيونية في نوفمبر/ تشرين الثاني من السنة الماضيّة حيث كان يتناوب عليها رجلان آليان قدما حوالي 3500 خبرا تلفزيونيًّا! لقد كانت تجربة الرجلين الآليين واعدة لكنها محدودة لأنهما قدما الأخبار واقفين، ويقومان بحركات نمطية مكرّرة. ومنذ ذاك الشهر تطورت صناعة القراء الآليين لنشرة الأخبار التلفزيونيّة لتشبه المذيعين الآدميين.

لم ينتظر الكثير من الصحافيين الأجانب ظهور المذيعة الآلية وهي تقرأ نشرة الأخبار التلفزيونية باللغة الروسيّة ليطرحوا السؤال المذكور أعلاه، لأنّهم عاشروا الرجل الآلي في قاعات التحرير. واقتنعوا بأنه سيأتي اليوم الذي سيغادر “العمل في الخفاء ” ليتصدر الواجهة، ويقدم الأخبار التلفزيونيّة.

بصرف النظر عن شكلها المجسم، فإنّ مذيعة الأخبار الآليّة باللغة الروسيّة هي نتاج الذكاء الاصطناعي الذي عرّفه العالم الأمريكي “مارفن لي مينيسكي” في 1950 بالقول: إنّه بناء من برامج المعلوماتيّة يقوم بالمهام التي كانت حكرا على الإنسان، والتي تتطلب مسارا ذهنيا معقدا بدءًا بالتدرب على الإدراك ، وتنظيم الذاكرة، والربط بين المعطيات. وينفذها على أكمل وجه.

تزايد استخدام الذكاء الاصطناعيّ في إنتاج المعلومات والأخبار، بدءًا بإنشاء قاعدة البيانات والبحث الآلى في محتوياتها، مرورًا  بالبحث عن مصادر الأخبار، ووصولا إلى تحرير المقالات الصحفيّة، وتوزيع الأخبار والمواد الصحفية بطريقة مشخصة : أي إرسال نوع معين من الأخبار وفق طلبات كل زبون وميوله.

كانت الصحف الأمريكية سبّاقة إلى إدخال الرجل الآلي إلى قاعة تحريرها. فصحيفة الواشنطن بوست الأمريكية، على سبيل المثال، داومت على استخدام الرجل الآلي في تحرير أخبارها، إذ يذكر أنها استعانت بخدمات ” الروبوت ” ” هيليوغراف” لتغطيّة الألعاب الأولمبيّة التي جرت في ريو دي جانيرو في 2016.

واقترحت المجلة الاقتصاديّة المشهورة ” فوربس” على قرائها توقعاتها للأسهم في البورصة ونتائج الشركات الاقتصادية بالاعتماد على برنامج ” نراتيف سينس” الذي اخترعته شركة أمريكية صغرى في شمال مدينة شيكاغو. لقد اهتمت هذه الشركة بالبيانات والأخبار المتعلقة بالمال والعقارات والرياضة معتمدة في ذلك على ما تجمعه من احصائيات وتحاليل من مصادر مختلفة.  واستعانت القناة التلفزيونيّة الأمريكيّة المختصة في الرياضة ” ذو بيغ تن نتورك” بالبرنامج المذكور لتغطية المنافسات الرياضيّة المحليّة. إنها ليست القناة التلفزيونيّة الوحيدة التي فعلت ذلك فالعديد من المؤسسات الإعلامية تستخدم البرنامج ذاته في كتابة الأخبار لكنها لا تعلن عن ذلك، حسب مسؤول الشركة المذكورة.

تزايد اعتماد قاعات تحرير على ” الروبوتات” في تحرير الأخبار في العديد من الصحف إلى درجة أنّ صحافيًّا في جريدة  “لوموند” الفرنسيّة نشرا مقالا عن هذه الظاهرة ووقعه باسمه الكامل مؤكدا أنه ليس رجلا آليا!

ويتوقع كريستيان هاسوند، مدير التكنولوجيا بالشركة ذاتها أن ترتفع نسبة الأخبار التي تنشرها وسائل الإعلام على يد ” الروبوتات” لتبلغ 90 % في السنوات العشر القادمة. وهذه النسبة تثير مخاوف الصحافيين وحتّى غضبهم. لقد رأوا في هذا المخلوق الآلي منافسا خطيرا لهم في قوتهم. وذلك لأنه يتكيّف مع أوضاع الصحف المعاصرة والسياق الراهن الذي تتطور فيه وسائل الإعلام. فـــ “الروبوت” ينتج عددا أكبر من الأخبار يفوق طاقة أمهر الصحافيين على إنتاجه. فوكالة أسوشييتد بريس التي تستخدم برنامج ” أوتماتد أنسايتس” في تحرير التقارير عن المؤسسات الاقتصادية ” منذ 21 يونيو 2014 ضاعفت عدد أخبارها بعشر مرات في الشهر!

وكتابة الروبوت لا تختلف كثيرا في صياغتها عن أي برقية من برقيات أكبر وكالة أنباء عالمية.  وكلفة الخبر الذي يكتبه في حدود 500 كلمة لا تتعدى سعر “سندويتش” ” شطيرة” “شاورما”!   وهذا عامل أساسي يغري وسائل الإعلام على الاستعانة بخدمات الروبوت إن استفحلت أزمتها الاقتصادية.

ويعمل الروبوت على تنفيذ الأوامر بسرعة فائقة، إذ بإمكانه كتابة قصة إخبارية في دقيقتين على أقصى تقدير. وهذا عامل أساسي يؤهل الصحف لخوض غمار المنافسة في ظل سرعة بثّ الأخبار.

وتجلت فاعلية الروبوت أكثر في قدرته على محاربة الأخبار المزيفة التي غدت تشبه مرض السرطان الذي يهدّد نشاط المؤسسات الإعلاميّة.

ما يخفف من مخاوف الصحافيين أن ذكاء “الروبوت” وسرعة عمله لا يؤهلانه لكتابة الأنواع الصحفية الفكرية التي تتطلب قدرا كبيرا من التحليل والتفكير والاستنتاج ، مثل التحاليل الإخبارية ، والافتتاحيات والمقالات والأعمدة الصحفيّة التي تتسم بذاتية الأسلوب.

ففي منافع الذكاء الاصطناعي في البيئة الإعلاميّة تكمن حدوده وحتى أضراره. فبالإضافة إلى مساهمته في افقار الأخبار نتيجة تنميطها المعمّم، يعزّز انغلاق الفرد على ذاته مكتفيا بما يقدم له من أخبار مشخصنة؛ أي تلك التي يحبذ متبعتها لكونها تساير أهواءه وقناعته وتريحه وتعطى الانطباع بأنه دائم على حق. ويبعد عنه الأخبار والمواد الإعلامية التي تعارض آراه وتفند قناعته. وبهذا يسهم الذكاء الاصطناعي في سد أفق تفكير جمهور وسائل الإعلام، و في تفتيت اللحمة التي تشكل قاعدة للنقاش وتبادل الآراء المختلفة والمتعارضة لجمهور غير متجانس.

وغني عن القول أن الذكاء الاصطناعي غير معصوم من الأخطاء. ولعل القليل من القراء من يتذكر الذعر الذي أصاب الأمريكيين جراء قراءة الخبر الذي نشرته صحيفة لوس أنجلس تايمز في 27 يونيو 2017، وحرّره الصحافي الآلي المسمى ” كويكبوت” والذي أشار فيه إلى وقوع زلزال عنيف بقوة  6.8 على سلم ريشتر في مدينة لوس أنجلس. واتضح بعد نشره أن الزلزال المذكور وقع قبل 92 سنة! لقد اعتمد ” كويكيوت” في كتابة هذا الخبر على مركز الدراسات الجيولوجية في الولايات المتحدة الذي كان يعيد تنظيم أرشيفه القديم، فتعامل معه على أساس أنه خبر طازج!

أعتقد أن الجزائر محصنة من أضرار الصحافي الآلي لسببين أساسيين على الأقل. أولهما، أن الكثير من الصحافيين، ومن ورائهم المؤسسات الإعلامية، متقوقعين على أفكارهم وقناعتهم ولا ينقلون للجمهور سوى الأخبار التي تتناغم مع آرائهم. وإن كانت الأخبار غير ذلك فيلوونها عنهم. وهكذا ينغلق جمهورهم على أفكارهم وقناعتهم، ولم يعد حتّى يطيق الاستماع إلى الأخبار التي تختلف مع ما يؤمن به.  ثانيهما،  بيّنت تجارب الذكاء الاصطناعي في عالم الميديا  أن الجهد انصب على خلق رجل آلي يحاكي الصحافي الحقيقي من لحم ودم. بينما  يبدو في الجزائر  أن هناك توجها لدفع الصحافيين الأدميين إلى محاكاة الرجل الآلي- الربوت- لذا تراهم يشتمون ويقفذون الغير بالعبارات ذاتها بشكل آلي.

ولادة التلفزيون المستأنفة: من الذّكيّ إلى الاجتماعيّ


نصر الدين لعياضي

لم تنته توقعات المتنبئين بنهاية التلفزيون. فبعد صدور كتاب “جون لويس ميسيكا” بعنوان: (نهاية التلفزيون) في عام في 2006م، تزايد عدد الذين اقتنعوا بأن نهاية القنوات التلفزيونية ستكون على يد شبكة الإنترنت. لكن المبتكرات التكنولوجية والجهد الاجتماعي المبذول لتكييفها مع البيئة الاتصالية التي أفرزتها شبكة الإنترنت كذّب توقعاتهم. فقد شرعت العديد من القنوات التلفزيونية في بث برامجها عبر هذه الشبكة وفق أنماط مختلفة: “البث المباشر لبرامجها”؛ أي متابعة البرامج التلفزيونية ساعة بثها عبر حوامل مختلفة: “الكمبيوتر المحمول، واللوح الرقميّ، والهاتف الذّكيّ”، والبث الاستدراكيّ؛ أي تمكّين المرء من مشاهدة ما فاته من برامج تلفزيونيّة في الوقت الذي يفضله وحيثما يوجد، ومشاهدة الأفلام والمسلسلات والبرامج الوثائقيّة ضمن خدمة “الفيديو حسب الطلب” VOD (vidéo à la demande  ) وفق نظام اشتراك معلوم.

 

التلفزيون الذّكيّ

تعززت هذه المرحلة الجديدة من ولادة التلفزيون باختراع جهاز التلفزيون الموصول بشبكة الإنترنت أو ما أصبح يُعرف بالتلفزيون الذّكيّ، والذي يجمع ما بين جودة الصورة في الشّاشة المسطحة، والمبادئ الوظيفية لجهاز الكمبيوتر، حيث يستطيع المرء أن يتابع برامج تلفزيون قناته المفضلة ساعة بثها، ويحصل على فيديو وفق الطلب، ويبحر في شبكة الإنترنت، ويستمع إلى الأغاني المسجلة، ويقوم بتحميل الملفات (السمعية/البصرية). فهذا التطور الذي شهده التلفزيون لم يؤد إلى موته، بل بالعكس ضاعف عدد قنواته، ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ارتفع عددها  ليبلغ (200) قناة تلفزيونية بعد أن كان لا يتجاوز (50) قناة في عام 1999م.

على ضوء هذه التطورات التي عرفها التلفزيون راجع المتوقعون بنهايته تصورهم لمستقبله، فأكدوا أن المقصود من نهاية التلفزيون ليس موته، بل نهاية نموذج التلفزيون الذي ساد قبل نهاية القرن الماضي، والذي يفرض على المشاهدين متابعة ما يعرضه في المواعيد التي يختارها، ولا سبيل لمشاهدة ما فاته إلا انتظار موعد إعادة بثه، والجهاز الذي لا يمكن مشاهدة برامج التلفزيون بدونه.

بعبارة أخرى، إن القصد من نهاية التلفزيون هو نهاية مسار نموذج من التلفزيون وليس التلفزيون ذاته؛ أي التلفزيون العمودي الذي يفرض على مشاهديه برامج معينة وميقات بثها، ليحلّ محله نموذج آخر “التلفزيون الأفقي”، الذي يجسد رغبات مشاهديه؛ أي مشاهدة ما نريد أن نشاهده في الوقت الذي نرغب وعبر الوسيلة التي نفضلها وحيثما نكون (تلفزيون يتجه إلى الفرد)، وهذا خلافًا للتلفزيون التقليدي الموجه للحشد الغفير، والخاضع لمنظومة المؤسسة أكثر من تكيفه مع متطلبات الفرد ومزاجه.

 

عودة التوقعات

عادت التوقعات بنهاية التلفزيون من جديد، بخاصة بعد أن اقتحمت مواقع التواصل الاجتماعي مجال التلفزيون إنتاجًا وبثــًا، وهي تملك ما يرشحها للتفوق على القنوات التلفزيونية لكونها تعرف جيّدًا مستخدميها، ففي كتابه المعنون:  “التلفزيون” يؤكد “برينو بتينو”، المدير السابق للبرامج والقسم الرقمي في التلفزيون الرسمي الفرنسي، أن موقع شبكة “تويتر” اشترى حقوق البث الحصري لعشر مقابلات في كرة القدم الأمريكية، وقامت الرابطة الأمريكية لكرة السلة، من جهتها، ببث المقابلات التحضيرية للفريق الوطني الأمريكي لكرة السلة مباشرة على “الفيسبوك” ويضيف قائلاً: ” ستكون مواقع التواصل الاجتماعي المنافس القوي للقنوات التلفزيونية في شراء حقوق بث المقابلات الرياضية التي ترتفع أسعارها من سنة لأخرى نظرًا لإمكانياتها المالية الضخمة”.

فبعد خدمة “يوتيوب أوريجنالز”، Originals. YouTube و”إي. ج، تي في” IGTV في موقع” انستاغرام” Instagram، و”الفيسبوك ووتش” Facebook Watch  التي تتنافس بها مواقع التواصل الاجتماعي على تقديم فيديوهات ومحتويات سمعية بصرية أصيلة، فتح موقع “سناب شات” بوابة مخصصة للبرامج التلفزيونية المتنوعة بما فيها الأصيلة، وبهذا انتقلت مواقع التواصل الاجتماعي من مرحلة  بث البرامج التلفزيونية وشرائط الفيديو وعرضها إلى إنتاجها، والدليل الأكبر على ذلك أن موقعي “تويتر” و”فيسبوك” شاركا في السوق الدولي لبرامج التلفزيون والترفيه  (MIPCOM)  والذي يُعدُّ أكبر سوق للمنتجات التلفزيونية يجمع كل سنة (12) ألف مهني مختص في الصناعات التلفزيونية ومواد الترفيه الذي انعقد في أكتوبر 2018 بمدينة كان الفرنسية.

لقد عبر “ماتيو هنيك” المسؤول عن إستراتيجية المحتوى في الشركة المالكة لـ”فيسبوك” عن هذا التوجه بالقول: “لقد اخترنا إنتاج المحتويات لنقدم أفضل مثال عن ما نستطيع فعله بأدواتنا”، بالطبع لم يقل هذا المسؤول أن هذا الاختيار فرضه التحوّل الحاصل في عادات مشاهدة المواد (السمعية/البصرية)، بخاصة لدى النشء الصاعد، فالوقت المخصص لمشاهدة شرائط الفيديو والمحتويات التلفزيونية عبر الهاتف الذكي وداخل البيت قد ازداد بنسبة (85%) لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين (16  ‒ 19) عامًا خلال الفترة الممتدة من (2011 ‒ 2015م)  في العديد من دول العالم المتقدم، بينما تناقص عدد الساعات التي يقضونها أمام شاشة التلفزيون بـ (50%).

هذا التّحوّل في عادات المشاهدة والذي بنت على أساسه مواقع التواصل الاجتماعي إستراتيجيتها الاتصاليّة دفعت المختصين للتساؤل : هل سنضطر إلى التوجه إلى موقع “فيسبوك وتويتر” من أجل مشاهدة برامج التلفزيون في المستقبل؟.

 

شاشتان

ظلّت قراءة مستقبل التلفزيون أحادية الجانب، بمعنى أنها اقتصرت على  الكشف عن استفادة مواقع التواصل الاجتماعيّة وبقية المنصات الرقميّة من التلفزيون، ولم تر الجانب الآخر؛ أي  رؤية مدى استفادة التلفزيون من هذه المواقع.

لقد قَدَّر أرباب الشركات العملاقة المالكة للقنوات التلفزيونيّة الخدمة الجليلة التي يمكن أن تقدمها لهم مواقع التواصل الاجتماعي خير تقدير، كانوا يدركون أن البرامج الإخباريّة والحواريّة والمسلسلات التلفزيونية والأفلام والمقابلات الرياضيّة التي تبثها القنوات التلفزيونيّة تستحوذ على حصة الأسد في المناقشات التي تجري في أماكن العمل والدراسة وفي المقاهي والأنديّة، لكنهم لاحظوا اليوم أن هذه المناقشات أصبحت تجري بشكل متزامن مع بث المادة التي تثير النقاش، وهذا بفضل مواقع التواصل الاجتماعي، فمن يشاهد البرامج التلفزيونيّة عبر الشّاشة الصغيرة أصبح يمسك بيده شاشةً أصغر: شاشة الكمبيوتر المحمول أو اللوح الإلكتروني أو الهاتف الذكي، ليعلق على ما يشاهد أو للرد على تعليقات أصدقائه على ما يشاهدون، أو للتصويت على برنامج المسابقات التلفزيونيّة، أو طرح سؤال على ضيوف البرامج الحوارية، وغيرها من الأنشطة التفاعليّة.

هذا التفاعل الظاهر هو ثمرة التعاون الذي أصبح قائمًا بين القنوات التلفزيونيّة ومواقع التواصل الاجتماعي، ففي هذا الإطار بادرت العديد من القنوات التلفزيونيّة ببثّ برامجها عبر هذه المواقع، إذ يذكر أن القناة الأولى في التلفزيون الفرنسي تبث بعض برامجها الإخباريّة القديمة والألعاب والمسابقات التلفزيونيّة عبر موقع “يوتيوب”، وأبرمت قناة “إم تي في” MTV الأمريكية عقد تعاون مع موقع شبكة “فيسبوك” لإطلاق برنامجها التلفزيوني الشهير “ذو رييلر وورلد” The Real World (العالم الحقيقي)، وهو من أوائل برامج تلفزيون الواقع التي دأبت هذه القناة على بثه منذ أزيد من عقدين، وقد برّر “كريست كارتي”، مدير هذه القناة التلفزيونيّة، هذا الشكل من التعاون بالقول: “يجب أن نغير ذاتنا ونبدع، وننسى كل ما تعلمناه في السابق من أجل إنشاء قناة “إم تي في”  MTV جديدة كليًّا تخاطب الجيل الجديد”.

اشترى موقع شبكة “تويتر” شركة “سنابي تي في” SnappyTV الأمريكيّة والمختصة في إنتاج وتقاسم محتويات البرامج التي تبثها القنوات التلفزيونيّة، لقد مكّنت هذه الشركة الموقع المذكور من إدماج أفضل محتويات الفيديو في شريط الأحداث والمناقشات الآنية التي تدور بين مشتركيه على ما يشاهدونه عبر شاشة التلفزيون مباشرة وتوزيعها على الحوامل المتنقلة، ليس هذا فحسب، لقد قام الموقع ذاته بشراء الشركات المختصة بقياس نسبة مشاهدة القنوات التلفزيونية والومضات الإشهاريّة وتأثيرها في مواقع التواصل الاجتماعي، مثل شركة “جينب” Gnip الأمريكيّة، و”ميسغراف”  Mesagraph الفرنسية  ، و”سكندسنك” SecondSync البريطانيّة.

ويمكن لأي متابع أن يلاحظ الإعلانات التي تظهر باستمرار على شاشات بعض القنوات التلفزيونية الأجنبية في اللحظات الحاسمة من بث برامجها والغرض منها هو زيادة نسبة انتشارها لدى مستخدمي موقع “تويتر”، ففي قناة التلفزيون الفرنسي الأولى تظهر هذه الإعلانات في برامج المسابقات وتلفزيون الواقع، مثل: “ذو فايس” The Voice )الصوت( و”سكرت ستوري” (قصة سرية) التي تحظى بشعبية واسعة لدى مستخدمي شبكة الإنترنت، بينما ترفع (قناة +) Canal+ الفرنسية الإعلانات في برامجها الرياضية مستهدفة الجمهور الرياضي، وقامت قناة “كوميدي سنترال” الأمريكية، من جهتها، ببث “كبسولات” هزلية متلفزة يعلق فيها الممثلون على التغريدات التي حظيت بأكبر قدر من “التعليقات”.

ونظرًا للمكانة التي أضحت تحتلها البرامج التلفزيونية في موقع شبكة “تويتر” لم يتردد البعض في  نعت هذا الموقع  بالحجرة التي ترجع للتلفزيون صداه الاجتماعي!

كل هذه الأمثلة تؤكد بأن علاقتنا بالتلفزيون تغيرت على ضوء تطور استخدامنا لمواقع التواصل الاجتماعي وبقية المنصات الرقميّة، وفي ظل هذا التغيير برز “المشاهد المتعدد المهام”، أي الذي يشاهد شاشة التلفزيون ويده على هاتفه الذكي أو لوحه الإلكتروني يعلق مباشرة على ما يشاهده، أو يكبس على زر “التشارك” أو يهتف للتصويت على المتسابقين في البرنامج التلفزيوني الذي يشاهده أو يقرأ الرسائل القصيرة التي وصلته على “الماسنجر”.

 

التلفزيون الاجتماعي Social TV

تُعدُّ هذه الممارسات التي أثرت خبرتنا التلفزيونية الأرضية التي أسست لما يسمى بــ “التلفزيون الاجتماعي”، الذي يعرفه المجلس الأعلى (السمعي/البصري) الفرنسي بأنه: “مجمل التكنولوجيات التي تثري المحتويات التلفزيونية، وتعزز تفاعل المشاهد مع المحتوى الذي يشاهده أو يرغب في مشاهدته، والتفاعل بين المشاهدين حول المحتوى ذاته”، فالمشاهد انتقل إلى قلب العملية الاتصالية التي تصقل تجربته التلفزيونية عبر العديد من الوسائط التي يمكن أن نسميها تجاوزًا “الميديا السائلة”، لو سايرنا ما ذهب إليه عالم الاجتماع “زيجمونت بومان”، والتي تشكل البيئة الإعلامية الجديدة.

يعتقد البعض أن “التلفزيون الاجتماعي” يعمل على جلب المشاهدين للقنوات التلفزيونية الكلاسيكية بفضل مواقع الشبكات الاجتماعية، وهذا أمر لا يجانبه الصواب، وينفي القول بأن مواقع الشبكات الاجتماعية تنافس التلفزيون، لكن غاية التلفزيون الاجتماعي كما تجلت في الممارسة في المجتمعات المتقدمة هو الرفع من شأن الدور الاجتماعي للتلفزيون، ومنح قيمة مضافة لعملية المشاهدة التلفزيونية للبرامج ساعة بثها مباشرة والتي تكمن في إثرائها بالتعليقات عليها ومناقشتها وتأويلها.

إن فاعلية التلفزيون الاجتماعي لا تقاس بالكم، مثلما تعبر عنه عملية قياس مشاهدة برامج قنوات التلفزيون الكلاسيكي، بل تقاس بمدى تغلغله في النسيج الاجتماعي ووصوله إلى الفئات التي كفت عن مشاهدة القنوات التلفزيونية لأسباب مختلفة، وبلوغه الجيل الذي يُعرف بـ”أبناء الويب”، فهذا الجيل المرتبط بمواقع التواصل الاجتماعي لا يختصر في الأفراد المتناثرين جغرافيًّا؛ لأنه جماعات اجتماعية تربطها وشائج مختلفة، يتقاسم أفرادها الهواية ذاتها، وتجمعهم الدراسة أو المهنة أو ممارسة الرياضة، هكذا تستطيع القنوات التلفزيونية أن تعدل برامجها مع جمهورها وبه نتيجة ما تمدها به مواقع التواصل الاجتماعي من معلومات دقيقة عنه، التعديل الذي يخلق علاقات مع جمهورها الجديد ويمتن علاقاتها بالجمهور المكتسب.

أخيرا، ألا يمكن القول: “إن التلفزيون الاجتماعي يعتبر ولادة ثالثة للتلفزيون”؟

حكاية من البرّ الجزائري


بعد أن انتهى من تقديم محاضرته على الساعة التاسعة ونصف صباحا تسأل في سره : أين يقضى وقته قبل أين يحين موعد تقديم المحاضرة الثانية المبرمجة على الساعة الثانية ونصف زوالا؟ إن الكلية التي يدرس بها تكتظ بالبشر وقاعة الأساتذة تحولت إلى سوق، ليس عكاظ بالطبع، بعد أن ضاقت بعدد الأساتذة المتزايد. فأصبحت تسبح في ضجيج السائلين عن الأساتذة ومن ينتظرهم والمتفرغين للثرثرة. فغادرها بعدما لم يتحمل الانتظار للظفر بكرسي. مر بسرعة على مكتبة الكلية التي تخلت عن تسميتها وأصبحت تسمى قاعة المطالعة  بدل محشر الطلاب.

تذكر أن المبنى الضخم  لا يأوي الكلية فقط ، بل توجد به مدرستان. فقصد إحداهما لعله يعثر على مكان هادئ ينصرف فيه إلى قراءاته إلى حين موعد محاضرته الثانية. دخل مكتبتها منشرح الصدر لأنها تخلو من البشر عدا طالبين انزويا في ركن من أركانها يتحدثان همسا.  فتح جهاز كمبيوتره المحمول وشرع في مراجعة البحث الذي أنتهى من إعداده البارحة.  ولم تمض سوى  دقائق معدودات حتىّ انتصب أمامه الحاجب سائلا دون مقدمات: هل أنت أستاذ جديد في المدرسة؟ فكان الجواب بالنفي. فأمره المغادرة فورا. حاول أن يقنع الحاجب بهدوء أن المكتبة خالية على عروشها وأنه لم يزعج أحدا ولم يطلب أي مرجع من موظف المكتبة. وأنه سيمضى بعض الوقت مع كمبيوتره المحمول وينصرف.  لكن الحاجب اعتبر أن هذا الأسلوب في الحديث استفزازا ليس لأنه تعود على الحديث الخشن، بل لاعتقاده أنه لا يوجد من يعطيه درسا في مجال عمله سوى مديره. فثارت أعصابه ولم تهدأ إلا بعد أن اخرجه من المكتبة. ويودعه بالجملة التالية: إن أردت العودة ثانية إلى هذا المكان فما عليك سوى الحصول على إذن من مدير المدرسة.

تخيل نفسه ينتظر المدير، الذي يعرفه شخصيا عندما كان هذا الأخير طالبا. في ديوانه وسكرتيرته تلح في السؤال عن سبب طلب مقابلته . وعندما تستوعب الشرح  المستفيض عن مبرر اللقاء تبتسم بمكر وتخبره أن المدير في اجتماع هام، أو غادر مكتبه متجها إلى الوزارة أو ان اليوم ليس يوم استقبال.

لم يبق أمامه من ملاذ سوى سيارته بعد أن تزود بعبوة ماء. لكنه لم يستطع فتح كمبيوتره لأن الذكريات سرحت به. وأعادته إلى ذاك اليوم الذي زار فيه مكتبة الجامعة الأمريكية. فتراءت له صورة ذاك الشاب البشوش الذي يبدو أنه مسؤول المكتبة عندما استقبله بالسؤال : مرحبا، هل من خدمة؟  إنه يتذكر جيدا كيف اندهش من هذا الاستقبال وهو الذي لا يدرس في الجامعة الأمريكية، بل في جامعة مجاورة لها. لقد خاطبه ذاك الشاب قائلا لسنا بحاجة إلى الـتأكد من هويتك المهنية. تفضل وأجلس في أي مكان يناسبك في الجناح المخصص للأساتذة. وأمامك الكمبيوتر للبحث عن المراجع و الكتب كل موظفي المكتبة في خدمتك. يحضرون لك ما تطلبه.  وعنما همّ بالخروج من المكتبة الجامعية لحق به ذاك الشاب ليودعه بلطف قائلا: بإمكاننا أن نصدر لك بطاقة اشتراك في المكتبة إن كنت تملك صورة شمسية. يسعدنا أن تكون من رواد مكتبتنا….

كاد أن ينسى هذه الحكاية من البرّ الجزائري لو لم يسأله مدير المدرسة المذكورة ذات مرة. ألست أنت الذي طردك الحاجب من مكتبتنا قبل أشهر؟ لم ينتظر الجواب بل استطرد قائلا. انا الذي طلبت منه ذلك. لو فتحت المجال لجاءنا أساتذة من خارج المدرسة!  بالطبع لم يعتذر له ولم يدعوه إلى زيارة المكتبة مرة أخرى. وكيف يفعل ذلك وهو مقتنع أن أفضل المكتبات هي التي يقل عدد زوارها وحتى ينعدم. وأحسنهم على الإطلاق تلك التي تظل أوراق كتبها ملتصقة ببعضها غير مقصوصة لم تصلها يد أي قارئ؟ لقد منعه أدبه من أن يخبر سعادة المدير بأنّه من فصيلة ذاك الشخص الذي سمع بفائدة الطاقة الشمسية اقتصاديا وبيئيا. فسعى إليها. فعندما انتهى من تثبيت الألواح الشمسية فوق سطح فيلته غطاها بصفيحة التنك خوفا من أن تؤذيها أشعة الشمس!

 

التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول لـ Pierre Bourdieu


تنويه : نشرت هذه القراءة لكتاب بيار بورديو عن التلفزيون في مجلة اتحاد الاذاعات العربية، العدد الأول -2019. ولم يتم تنزّيلها في موقع هذه المجلة في شبكة الانترنت ، لذا ارتأينا وضعها بين يدي القارئ الكريم.

يمكن للقارئ المختص أن يعود إلى كتاب جون ماري بيام الموسوم: “التلفزيون كما نتحدث عنه” ليقرأ كتاب بيار بورديو عن التلفزيون؛ أي التلفزيون كما نمارسه. ليتأكد من التواصل والترابط بين التمثل والممارسة في الفكر النقدي لوسائل الإعلام.

يعدّ المؤلف الذي أصدره بيار بورديو في 1996 من الكتب القليلة جدّا التي تناولت موضوع التلفزيون وحققت نجاحا باهرا . لقد ترجم إلى 26 لغة، منها اللّغة العربية التي قام بها درويش الحلّوجي ، وأصدرتها دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الإعلامية بسوريا في 2004. وقد اختار المترجم العنوان الموسوم أعلاه بدل عنوانه الأصلي الصادر باللّغة الفرنسيّة : عن التلفزيون ، وقبضة الصحافة.

لقد أصبح الكتاب المذكور مرجعا أساسيّا في علم الاجتماع الإعلامي لأنه لم يعكف على نقد التلفزيون الفرنسي ، بل سعى إلى التنظير إلى إكراهات العمل التلفزيوني وتبيعاته ورهاناته في الصحافة بصفة خاصة، والحقل الثقافي والفني والسياسي بصفة عامة.

يتكوّن الكتاب من الفصول التالية : المسرح والكواليس، و البنية الخفية وتأثيراتها. إضافة إلى ملحقين، الأول خاص بهيمنة التلفزيون على الصحافة المكتوبة وعلى سائر الإنتاج الثقافي والفني والعلمي. والثاني خاص بتأثيره على الحقل السياسيّ.

وتلتقي هذه الفصول كلّها في محورين أساسيين شكلا لب المحاضرتين التي ألقاهما بيار بورديو واستنسخا منهما هذا الكتاب. المحور الأول يتعلق بآليات الرقابة والتلاعب غير المرئية التي تمارس في التلفزيون التي فضحها المؤلف كاشفا عن أسرار صناعة الخطابات التلفزيونية. والمحور الثاني يتناول بالتفسير كيف أفسد التلفزيون إدارة مجالات مختلفة ومتنوعة، مثل الفن والآداب، والسياسة، والقضاء، والعلوم.

يتضمن المحور الأول العديد من الأبعاد.

البعد الأول يتعلق بأسباب الرقابة والتلاعب ويوعزها بيار بورديو إلى جملة من الأسباب السياسية والاقتصادية بدءًا بسياسة تعيين المسؤولين على رأس المؤسسات التلفزيونيّة، والرقابة الذاتية التي يمارسها الصحافيون والمذيعون نظرا لهشاشة وضعهم المهني وصولا إلى الإكراهات الاقتصادية التي تُخْضع التلفزيون إلى منطق السوق فتصيبه بحُمَى قياس مشاهدة برامجه ليؤكّد لشركات الإشهار والتسويق على مدى شعبيته. وهذا هو السبب في نظر الكاتب الذي يجعل القنوات التلفزيونيّة تميل إلى بثّ الأخبار الخفيفة والطريفة والخارجة عن المألوف التي لا تطرح أيّ رهان وتستطيع أن تجمع أكبر عدد من المشاهدين. ويرى بيار بورديو أنّ بثّ هذه الأخبار يستقطع من وقت التلفزيون ، أي أنها تملأ هذا الوقت الثمين بالفراغ. فالفراغ الذي يخصص له وقتا ثمينا يصبح نفيسا بدوره. وتبث هذه الأخبار على حساب الأخبار الجادة والهامة التي تساعد المشاهدين على فهم مشاكلهم المعقدة واستبصار واقعهم.  وبهذا يعمّق التلفزيون الهوة الفاصلة بين الفئات التي تملك الإمكانيات والكفاءة لتشكيل ثقافتها السيّاسيّة من الكتب والصحف والمجلات والفئات الشعبيّة التي لا تتغذى سوى بأخبار التلفزيون.

بعد استعراض أسباب الرقابة والتلاعب، ينتقل صاحب هذا الكتاب إلى الكشف عن أشكال هذا التلاعب وأسلوبه. فيؤكّد في هذا الباب أن التلفزيون يقوم بما يقوم به الساحر، يلفت نظر الجمهور إلى شيء ما من أجل إخفاء شيء آخر أهمّ. وقد وسم هذه الطريقة بــ ” الإخفاء عبر الإظهار”  ويقصد به إظهار حدث قليل الأهمية وإبرازه وإلهاء المشاهدين به من أجل إخفاء حدث آخر أهمّ وربما أخطر. وتأريخ التلفزيون المعاصر يقدّم لنا الكثير من الأمثلة التي تؤكّد هذا الأمر.

لا يستطيع التلفزيون الذي يسعى بكلّ جهده من أجل الحصول على أكبر حصة من سوق الإشهار، أو الحفاظ على بقائه، أن يظلّ بمنأى عن المنافسة. وشدّة المنافسة تؤدّي في نظر صاحب هذا الكتاب إلى الاستنساخ والتشابه. فالتلفزيون الذي يريد أن يفرض ذاته في المشهد السمعي-البصري يجب أن يقتدي بالتلفزيون الناجح، أي يحذو حذوه . وبهذا تصبح المنافسة قائمة على الاستنساخ والتشابه. ويتجسّد هذا النوع من المنافسة في قيام الصحافيين بانتقاء الأحداث ذاتها تقريبا، والتعبير عنها بأسلوب متقارب إن لم يكن ذاته. والنتيجة أن الأخبار ذاتها تتداول بين القنوات التلفزيونية في النشرات الإخبارية المختلفة. وقد أطلق بيار برديو على هذه الظاهرة المتنامية في القنوات التلفزيونية مسمى ” التدفّق الدائري” للأخبار.

يرى بيار بورديو في كتابه هذا أنّ التلفزيون المعاصر وقع ضحية السرعة والاستعجال. فالتنافس بين القنوات والسباق للحصول على أكبر عدد من المشاهدين، فرض عليه السعي لتحقيق السبق الصحفي فيجعل الصحافيين يعملون تحت ضغط رهيب، ممّا يقلّل فرصهم في للتحرّي في صحّة أخبارهم وواقعيتها، والتروّي في نقلها والتفكير فيها. وقد يدرك المشاهدون أنّ البيانات والمعطيات التي يقدّمها الصحافيون تكون غالبا غير دقيقة ( أسماء خاطئة، أرقام وإحصائيات تجانب الصواب، وتأويل سيء للأحداث المنقولة…(

قد ندرك أنه من الصعب على المرء أن يتحدّث عما لم يراه بنفسه. لكن الصحافيين يتحدثون عن وقائع لم يشاهدوها فيبثّون على أوسع نطاق بيانات وآراء تقريبية. ولعلّ هذا الأمر شجّع البعض على الاعتقاد أنه في متناوله إصدار أحكام على هذا الموضوع أو ذاك، وعلى هذا الشخص أو ذاك وهم في الواقع لا يجترون سوى الأفكار الجاهزة ويعبرون عن الحس المشترك.

لم تفرض السرعة إيقاعها ومنطقها على نشرات الأخبار في التلفزيون، بل امتدّ إلى مختلف البرامج الحوارية أيضا. ففي هذا الإطار يقول: ” إنّ التلفزيون لا يشجّع التعبير عن الفكر. فهناك علاقة بين الفكر والوقت. إنها العلاقة السلبية بين الاستعجال والتفكير. لذا لا يقدّم ضيوف التلفزيون سوى الأفكار الشائعة والمستهلكة والمقبولة من طرف الجميع. وعلى هذا الأساس يفضّل التلفزيون استضافة الأشخاص ذاتهم في برامجه. ” ويسمّيهم بيار بورديو” بالمفكّرون العجولون”  fast-thinkers “، أي مثقّفو التلفزيون الذين لا يقدّمون سوى وجبات ثقافية سريعة ” fast-food culturel”. ويستدرك صاحب هذا الكتاب بالقول إنّ الاستعجال ليس وحده المسؤول عن بروز هؤلاء المفكّرين، بل أن الإكراهات التقنية وأساليب الرقابة الخفية تسهم في ذلك بقوّة. فالصحافي أو المذيع هو الذي يحدّد قواعد البرنامج الحواري، وهو الذي يفرض الموضوع على ضيوفه، ويعيّن مكان جلوس كلّ واحد منهم، ويتدخّل في زوايا تصويرهم، و يرتّب المتدخلين ويوزّع  عليهم الكلمة ، ويوجّه الحديث ويقاطع المتدخلين بشكل غير عادل مما يتنافى و مبادئ ديمقراطية الحوار. والنتيجة أنّ الأساليب المذكورة هي التي تحدّد ما يجب قوله في البرنامج الحواري ما لا ينبغي قوله.

وعن نفوذ التلفزيون وتأثيره على المجال الصحفي يؤكّد صاحب هذا الكتاب أنّ ميلاده أحدث أزمة في الصحافة بمعنى أنه نزع عن الصحافة احتكار الأخبار وأعاد تشكيل الفضاء الإعلامي. فنشرة الأخبار في التلفزيون الفرنسي التي تبثّ على الساعة الثامنة مساءً، على سبيل المثال، تجمع عددا من المشاهدين يفوق عدد كلّ قرّاء الصحف مجتمعين. فكلّ صحيفة تطمح في الحصول على عدد يساوي عدد مشاهدي هذه النشرة أو يزيد  يجب عليها أن تكون ” لطيفة”، في نظر هذا المؤلّف، أي لا تصدم أحدا، وتتطرّق إلى المواضيع العامة التي لا تثير أيّ مشكل. وهكذا تصبح عملية إحداث التجانس،  وإنتاج التفاهة، وعدم التسييس من الوظائف التي تناسب الصحافة.

يؤكّد بيار بورديو في هذا الكتاب أنّ علماء الاجتماع  رأوا أن التلفزيون عمل منذ ميلاده على تسطيح ثقافة المشاهدين وإحداث التجانس في صفوفهم، لكننا نلاحظ اليوم أنّ للتلفزيون تأثيرا كبيرا على الإنتاج الثقافي والفنيّ والعلمي. فهذا الانتاج لم يعد يخضع للاستقلال الذاتي الذي يعدّ ضروريا وحيويّا، بل أصبح مرهونا بالظروف الاجتماعية التي يتطلّبها بثّه وتوزيعه وتوصيله إلى جميع الناس. وهي الظروف الخاضعة لضغوطات التجارة وقياس الجمهور. وللتأكّد من التحوّل الذي احدثه التلفزيون في الحقل الثقافي يمكن الإشارة إلى أنّ النقاد في المنتصف الأول من القرن الماضي كانوا ينظرون إلى الرّواية التي تحظى بعدد هائل من القراء قد يصل إلى الملايين ، مثل الروايات البوليسيّة، نظرة الريبة ويذمونها. أمّا اليوم فيحتفل بالروايات التي يقترب عدد قرّائها من المليون  لأنها توصف بالناجحة. الشيء ذاته ينطبق على الفيلم السينمائي والأغنية. فمعيار النجاح تصنعه التجارة حتى وإن لم يقدّم أيّ قيمة مضافة ثقافيًّا وجماليًّا.

إنّ الخطورة من كلّ ما سبق ذكره أن الإنتاج في الحقل الفني والثقافي يفقد استقلاليته لارتباطه بهذا القدر أو ذاك بالتلفزيون الخاضع بدوره إلى المطلب التجاري.

وإن كان هذا الكتاب لم يصل إلى حدّ القول بأن كاميرا التلفزيون هي التي تصنع الرؤساء، وتصوّت على المنتَخَبين في تحليله لتأثيره التلفزيون على الحقل السياسي إلا أنه أقرّ بأنّ هذا الأخير أصبح فاعلا قويا في مجال الوساطة بين الناخبين ورجال السياسة. وأنّ الحقل السياسي فقد، هو الأخر، استقلاله وأصبح  في قبضة استطلاعات الرأي التي تعدّ الوجه الثاني لعملة واحدة، وهي قياس الجمهور. لذا أضحى الخطاب السياسي يتماهي مع الخطاب الإشهاري.

أخيرا، يمكن القول أنّ هذا الكتاب لم يحظ بالمدح والإطراء فقط، فقد نال حقّه من النقد والاعتراض إذ أعتبره البعض نموذجا لرؤية المثقفين الفرنسيين النخبويّة التي تستصغر التلفزيون ومن ورائه الثقافة الشعبيّة، ولا يدرجونه في خانة الثقافة المكرسة والسامية.

المؤتمرات الاستعجالية وعابورها


وصلت إلى مكان انعقاد المؤتمر العلمي الدولي الثاني عشر الذي عقدته الجمعية العربية- الأمريكية لأساتذة علوم الإعلام  في أكتوبر 2007 بدبي قبل موعد افتتاحه. فانتظرت في البهو وصول الباحثين والمشاركين متصفحا الصحف. وتدريجيا اكتظ المكان بالحضور. قرأت بتمعن جدول أشغال المؤتمر وشعرت أن تعدّد الجلسات الموازية يحرم المشاركين من الاستفادة من المداخلات. لكن منظمو المؤتمر برّروا ذلك بكثرة عدد المشاركين

أخبرني رئيس الجلسة التي أشارك فيها أنه لا يمنح لكل متدخل سوى خمسة دقائق، بحجة ضرورة إخلاء القاعة لجلسة أخرى! وبعد أن أخذ كل واحد منا مكانه في المنصة، دخل القاعة فريق تلفزيوني، فشرع في تنصيب الكاميرات وتجريب الصوت لقد جاء خصيصا لتغطية مداخلة الأستاذة التي جلست على يساري في المنصة وكانت ترتدي حجابا دكن اللون، والتي اختارت الحديث عن  وسائل الإعلام والجنس! إنه موضوع مستفز ومغر.  يغري وسائل الإعلام التجارية المهتمة بالإثارة. وبعد أن هدأت حركة الفريق التلفزيوني في القاعة افتتحت الجلسة وذكّرنا رئيسها أن الوقت الممنوح لكل متدخل نقلص إلى ثلاثة دقائق لأن بعض الوقت ضاع في انتظار ترتيب عُدّة التلفزيون!

بعد أن بسملت وحييت الحضور الذي قل عدده عن فنيي التلفزيون والجالسين في المنصة، وقرأت عنوان مداخلتي، دُفعت وريقة أمام نظري لتخبرني أن الوقت المخصص لي قد انتهى! وهكذا نجح رئيس الجلسة ، مرغما، في رفعها بعد عشرين دقيقة من افتتاحها. تدخل خلالها أربعة متدخلين، و شخصان من الحاضرين في القاعة. الأول أشاد بالموضوع الذي اثأر القناة التلفزيونية المذكورة. والثاني تساءل عن دواعي اختياره  باختصار، انتهت الجلسة وكان ورئيسها سعيدا لأنه التزم بالوقت. فدعانا إلى الكفيتاريا التي ضاقت بالحضور!

بالطبع، هذه الصورة لا تنطبق على كل المؤتمرات العلمية التي تعقد هنا وهناك، لأنني لست في موقع يسمح بالحكم عليها. وتجربتي في هذا الشأن محدودة ومتواضعة جدا. لكن بعض المؤتمرات التي شاركت فيها، وليس كلّها من حسن الحظ، يدعو إلى التساؤل عن جدواها، ليس بالنظر إلى جوانبها التنظيمية والوقت المخصص للمداخلات فحسب، بل بالنظر إلى محتوى المداخلات، ونوعية البحوث ومستوى النقاش.

لقد أجبرت على الاستماع إلى أحد المتدخلين في ” مؤتمر علمي دولي”  شنّف أذاننا بتعريف الانترنت وتاريخها! هل أخطأ هذا المتدخل، الذي قطع آلاف الكيلومترات للوصول إلينا، جمهوره ؟ ربما، فحتّى الطلبة الذين حضروا أشغال هذا المؤتمر أدركوا أن المتدخل اكتفى بقراءة ما دوّنته موسوعة ” وكيبيديا” عن شبكة الانترنت! العقوبة ذاتها تعرضت لها، بمعية بعض الزملاء في مؤتمر أخر عن الإعلام ونحن نستمع إلى إحدى المتدخلات عن التجارة الإلكترونية ! لقد عرضت معلومات أدهشت الحاضرين استقتها من الاستبانة  التي وزعتها في عجالة على طلبتها في الجامعة، نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر، ما يلي: إنّ التجارة الإلكترونية لا تتم بدون بطاقة ائتمان بنكية ( فيزا كارد)! وأن المتاجر الإلكترونية تظل مفتوحة ولا تغلق أبوابها! أما نتائج البحث، فلا تقل روعة ولا إبداعا، مثل: يوجد من يشترى بعض ما يحتاجه عن طريق شبكة الانترنت. وهناك من لا يشترى لأنه لا يملك بطاقة ائتمان أو لكونه لا يثق في أطراف عملية التسوق الإلكتروني، إذ يتوجس التجسس على رقم بطاقته الائتمانية، أو يتخوف من نوعية السلعة المقدمة، أو من عدم الحصول على السلعة أصلا بعد دفع قيمتها المالية!

تخلو الكثير من البحوث التي تقدم للمؤتمرات من إشكالية، ولا تحمل أي هاجس معرفي، ولا تقترح زاوية جديدة للنظر للموضوع المطروح. ولا تقدم جديدا، ولا تسهم في إحداث القطيعة مع الحس المشترك عن موضوع  المؤتمر. ولا يفرق أصحابها بين مقال صحفي، ومحاضرة تعليمية للطلبة، وورقة بحثية، فيستعرضون معلومات بعضها مغلوط أو أكل عليه الدهر وشرب معتقدين أن ركام المعلومات هو البحث.  وتنتهي بعض المؤتمرات دون أن تطبع المداخلات، بل يذهب غثها وسمينها إلى غياهب النسيان.

قد يسأل البعض عن اللجان العلميّة التي من المفروض أن تنخل المداخلات والبحوث. وهو سؤال وجيه حقا. إنّ عدد المؤتمرات التي تُفَعّل لجانها العلمية بغية رفع مستوى التفكير في الموضوع المطروح قليل جدّا. وبعضها الأخر يُزّين لجانه العلمية ببعض الاسماء اللامعة دون أن يخبرها بذلك ناهيك عن استشارتها لأن المشاركة في المؤتمر تخضع لمنطق الشللية. لذا نلاحظ محترفي المؤتمرات ينتقلون من بلد إلى أخر متأبطين البحث اليتيم الذي لا يغيرون فيه سوى العنوان. فيصبح جاهزا لعبور المؤتمرات. ويصلح، على وجه الخصوص، للمؤتمرات التي تطرح موضوعا فضفضا لا يحدّه حدّ ولا طائل من ورائه سواء جلب أكبر عدد من المشاركين لرفع محصول إتاوات المشاركة.

أتابع في بعض الأحيان الإعلان عن انعقاد بعض المؤتمرات فلا أعثر على أي تفصيل عنها سوى عناوينها  التي تفقد توازنها، وتاريخ انعقادها ورسوم الاشتراك فيها! يبدو أنها مهتمة فقط بما تجمعه من مُكُوس من الطلبة والباحثين المرغمين على المشاركة فيها طلبا للترقية أو التوظيف.

حتىّ لا نُتهم بالتعالي أو تثبيط العزائم، أو بخس جهود الشباب العامل على تقديم الأفضل،  يمكن التنويه ببعض المنظمين للمؤتمرات والمشاركين فيها الذي ضحوا بوقتهم ومالهم وجهدهم سعيا إلى تأسيس منابر للتفكير العلمي. هؤلاء الأشخاص يعانون من متاعب أصحاب ” المداخلات” العابرة للمؤتمرات ومحترفي جمع المكوس منها.