التخوف من “نتفليكس”.


نصر الدين لعياضي

يوجد العديد من المنصات الرقميّة في شبكة الانترنت التي تبث الأفلام والمسلسلات التلفزيونية عبر شبكة الانترنت، تملكها شركات استثمارية من جنسيات مختلفة، مثل ” اليوتيوب” و” الديليمشن” و” ديريمفيديو”، و” هولو” و” روستيوب”، وغيرها من المواقع التي تبث مسلسلات الواب، لكن تظل منصة ” نتفليكس” الأمريكية تشكل الاستثناء تقريبا، لما تثيره من قلق وتخوف لدى أصحاب القرار في الاتحاد الأوربي، وفي صفوف صناع المواد التلفزيونية والأفلام السينمائية الأوربيين. فما هو السر في ذلك؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال من حق القارئ الكريم أن يعرف ما هي  “نتفليكس” إن كان لم يسمع بها من قبل.

تأسست شركة “نتفليكس” في 1997 بالولايات المتحدة الأمريكية، واشتهرت بقيامها بتأجير شرائط ” الدي في دي” عبر البريد. وبعد عشر سنوات من هذا التاريخ، وبعد التطور الذي شهدته تطبيقات شبكة الانترنت، تخصصت في تقديم خدمة شرائط الفيديو عند الطلب والتي يمكن مشاهدتها عبر الحوامل المختلفة: الكمبيوتر، الهاتف الذكي، اللوح الإلكتروني. وفي 2012  مدّت نشاطها ليشمل كندا، وبلدان أمريكا اللاتينية وأوربا الغربية . وفي 2017 شرعت في إنتاج الأفلام والمسلسلات وبثها الحي والمتواصل والاستدراكي في الوقت ذاته عبر الانترنت إلى مشتركيها الذين بلغ عددها 125 مليون مشتركا في 190 بلدا في العالم!

إن ما حققته  شركة ” نتفليكس” خلال عشرين سنة أصبح  لافتا للنظر ومثيرا للغيرة. لكن يوجد العديد من الشريكات التي سارت على خطاها وحققت قدرا من النجاح على الصعيد الأوربي، يمكن أن نذكر ،على سبيل المثال، “سكاي دوتشلاند” الألمانية التي  وسعت نشاطها إلى النمسا وسويسرا. أو على صعيد البلد الأوروبي الواحد. إذ أحصى المركز الوطني الفرنسي، في 2015، وجود 90 مؤسسة تقدم خدمة تشبه الخدمات التي تقدمها شركة ” نتفليكس”، نذكر منها ” فيديو فيتشر”، ” وفليموتيفي”، والفرع التابع لشركة اتصالات الفرنسيّة ” أورنج” المختص في بث الأفلام السينمائيّة والذي بلغ عدد مشتركيه مليوني مشتركا، والشركة التابعة لقناة بلاس التلفويونيّة الفرنسيّة ” كنال بلي انفنتي” التي بلغ عدد مشتركيها عشرة ملايين مشتركا.

فلماذا إذا التخوف من شركة ” نتفليكس” في بلد مثل فرنسا، على سبيل المثال، والتي لم يتجاوز عدد مشتركيها  4.5 مليون مشتركا، وأن 11% من الفرنسيين فقط يعلمون بوجود هذه الشركة الأمريكية ؟  يمكن العثور على الاجابة عن هذا السؤال من العناصر التالية:

 

المخزون السمعي- البصري:

تملك شركة ” نتفليكس” مخزونا رهيبا من الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية، الكثير منها سقط عنه حقوق المؤلف وأصبح في حكم الملك المشاع ، وبعضها اشترت حقوق بثه، وساهمت في تمويل إنتاج بعضه الآخر. وبهذا أصبحت تبث ما يعادل 140 مليون ساعة من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية يوميا. وهذا الحجم يساوى 5.8 مليون يوم؛ أي ما يعادل 15.891 سنة! بعبارة أخرى ، يقضي  المشتركون في خدمات “نتفليكس” مجتمعين كل يوم ما يقارب 160 قرنا في متابعة ما يبثه من أفلام ومسلسلات تلفزيونية ، وما يعرضه من شرائط فيديو وفق طلبهم!

إن هذا الحجم الكبير من المواد السمعية-البصرية التي تبثها شركة ” نتفليكس” بشكل حي ومتواصل أو مستدرك يثني عزيمة كل شركة تطمح إلى منافستها. وقد أدركت  شركة نتفليكس” جيّدا هذا الأمر، لذا تراهن على أوربا لأن عدد الأوربيين المستفيدين من شبكة الانترنت ذات التدفق العالي بلغ 134 مليون شخصا مقابل 88 مليون شخص فقط في الولايات الأمريكية.

تؤكد الإحصائيات أن 30% من عرض نطاق البث عبر شبكة الانترنت تحتكره خدمات شركة ” نتفليكس” في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا في زمن ذروة البث!  وقد احتجت الشركات المختصة في خدمات الاتصالات اللاسلكية وعبر الكبل (Cable ( لدى المحكمة الفيدراليّة الأمريكيّة على هذا الاحتكار الذي تمارسه هذه الشركة دون أن تدفع درهما في بناء البنيّة القاعدية لشبكة الانترنت. ومن المحتمل أن تمارس الاحتكار ذاته على عرض نطاق بث الانترنت في بلدان أوربا الغربية دون أن تساهم في صناعته.

 

 الإعفاء من الالتزامات:

تعاني القنوات التلفزيونية والشركات الأوربية التي تقدم خدمة الفيديو حسب الطلب  من ازدواجية القوانين التي تثقل كاهلها. فهي تخضع لقوانين بلدها الأصلي الذي يفرض عليها بث 40% من الإنتاج الوطني،  وقوانين الاتحاد الأوربي  التي تكبل نشاطها بجملة من الالتزامات ، مثل عدم تجاوز مدة بث الإعلانات 12 دقيقة في الساعة، وحظر الإعلان عن السجائر والأدوية. وإجبار القنوات التلفزيونية على نقل الأحداث الكبرى، مثل الألعاب الأولمبية ، والبطولات الرياضية الدولية ليستفيد منها جميع المشاهدين الأوربيين وعدم جعلها حكرا على القنوات التلفزيونية غير المجانية. وتخصيص أكثر من نصف مدة البث للأفلام والمسلسلات التلفزيونية الأوربية بما فيها تلك الناطقة بلغة بلدها الأصلي؛ أي بلغة أهل البلد الذي تبث فيه، وغيرها من القوانين الزجريّة ، بينما تعفى شركة ” نتفليكس” من كل هذه الالتزامات بحكم أنها شركة غير أوربية.

لقد اختارت الشركة  ” نتفليكس”” لوكسنبورغ” ليكون مقرا لنشاطها. ومنه توجه خدماتها لزبائنها في البلدان الاسكندينافية، بريطانيا، وهولندا، وبلجيكا، وفرنسا. وذلك لتلتف على قوانين هذه البلدان. إذ أنها لا تدفع 20% من ضريبة القيمة المضافة التي تخضع لها الشركات الفرنسية العاملة في القطاع السمعي- البصري، على سبيل المثال، ولا تخصص جزءا من عائد أرباحها لدعم الصندوق الوطني للسينما. ويمكن لها بث الأفلام السينمائية متى تشاء، خلافا للقنوات التلفزيونية والشركات التي تقدم خدمات الفيديو وفق الطلب الفرنسيّة التي يمنع عليها بث الأفلام السينمائيّة قبل ثلاث سنوات من إنتاجها ، أي بعد أن تعرض في قاعات السينما.  وهذا المنع فرضته السّياسيّة الوطنيّة لتدعيم الإنتاج السينمائي الفرنسي الذي يعاني من أزمة. فمختلف المصادر تؤكد أن 36 فيلما فرنسيا فقط حظي بأكثر من مليون مشاهد في القاعات السينمائيّة من أصل 210 فيلم سينمائي.

وبالمقابل لا تلتزم شركة “نتفليكس” سوى بدفع حقوق المؤلف عن الأفلام والمسلسلات الأوربيّة التي تبثها. وهذا في متناولها نظرا لضخامة ميزانيتها التي تصل إلى سبعة ملايير دولار.

ونظرا ثقل الأعباء الماليّة التي تفرضها ازدواجية القوانين المذكورة أعلاه، تعجز الشركات الأوربية المنافسة مجاراة شركة ” نتفليكس” في تسعيرة خدماتها،  والمحددة بــ 7.99 دولار شهريا لكل مشترك.

                                                       

     إعادة التأهيل

يعيش قطاع السينما والتلفزيون تغييرا جذريا على الصعيدين التقني والاقتصادي. لقد أدى مبدأ المواءمة التقنية إلى إنتاج المادة السمعية-البصرية ليمكن بثها وتوزيعها عبر الحوامل المختلفة المتاحة: التلفزيون، الكمبيوتر، الهاتف الذكي، واللوح الإلكتروني. وهذا يعني الزيادة في عدد مشاهديها، أي مشتركيها، مما يرفع عائدها المالي. فالأفلام التي تنتج لتعرض في قاعات السينما فقط لا تستطيع أن تنافس تلك التي يمكن بثها عبر الحوامل المذكورة أعلاه.

إن مواكبة هذا التغيير التقني يتطلب من العديد من دول العالم إعادة النظر في تكوين اليد العاملة المختصة في إنتاج المواد السمعية- البصرية وبثها، وإعادة تأهيل من التحقوا للعمل في هذا القطاع قبل أن تغمره التكنولوجيا الرقميّة. والتكوين وإعادة التأهيل يحتاج إلى كثير من الأموال قد يفتقدها قطاع السينما والتلفزيون التقليدي الذي يعاني من شح موارده الماليّة.

نشأت السينما والتلفزيون وترعرا في ظل اقتصاد العرض الذي جعل التنافس يخضع إلى منطق القفز في المجهول، أي المغامرة في الإبداع لزيادة الطلب. لكن التكنولوجيا الرقميّة أحدثت انقلابا جذريا في صناعة السينما والتلفزيون و اخضعتها  إلى اقتصاد الطلب. وإن كان هذا الاقتصاد ساهم ويساهم في ترشيد الإنتاج السينمائي والتلفزيوني وزاد من أرباح شركاته إلا أن كلفته الثقافيّة لا يمكن تقديرها بأي ثمن نظرا لتبعاتها السلبية على تكوين الهويّة الثقافيّة. فهامش الابداع  والابتكار تراجع ليفسح المجال لــ ” لشطحات”  التكنولوجيا التي تبهر بمؤثراتها السمعية والبصرية. فاقتصاد الطلب أجبر هذه الصناعة على أن  تتغذى مما هو مكرس ثقافيا ومستهلكا.ونقل سلطة القرار في الانتاج السمعي- البصري من المنتج والمخرج ووضعها في يد ” الخوارزميات “.

 قوة الخوارزميات

 تؤكد نتالي سوناك، أستاذة علوم الإعلام والاتصال بجامعة السربون الفرنسية أن نجاح ” نتفليكس” لا يكمن في استعداده المبكر للتكيّف مع التحوّلات التي طرأت على سلوك مشاهدي المادة السمعية- البصرية فحسب، بل في خوارزمياته  التي تغربل وتنتقي وتحلّل بشكل تفصيلي عادات كل مشاهد لهذه المواد عبر شبكة الانترنت:  ماذا يشاهد من أفلام ومسلسلات؟ ومتى يشاهدها؟ ومتى يتوقف عن مشاهدتها؟ وما هي مقاطع الأفلام الطويلة التي يعيد مشاهدتها؟ وما هو حجم الصوت الذي يفضله لمتابعة الأفلام؟ وغيرها من التفاصيل التي يجيب عنها 900 مهندس يعمل في هذه الشركة ويتابع بث 300 مليون ساعة من الأفلام والمسلسلات أسبوعيا.

إن تحكم شركة “نتفليكس” في عادات وأذواق المشتركين بهذه الخوارزميات يسمح لها بالتفوق على منافسيها  الأوروبيين والأمريكيين، مثل : ” هولو”، و” أمازون برايم فيديو”، ويمنحها قوة تنبؤية لبث المحتويات التي تتناغم مع ما ينتظره زبائنها. والنتيجة أن الجمهور ينتهي في آخر المطاف إلى التنازل عن مبدأ الاختيار ، الذي يعد المبدأ المقدس في قانون المنافسة، ويكتفي بما تقدمه له شركة ” نتفليكس”. وهذا ما دعا الأستاذة الجامعية المذكورة أعلاه إلى القول بأن ” نتفليكس” هو المعول الذي يقبر المطلب الذي ظلت فرنسا تكافح من أجله داخل المنظمات الدولية، خاصة على مستوى منظمة التجارة العالمية. إنه مطلب ” الاستثناء الثقافي” الذي يسهر على الحفاظ على الخصوصية من الذوبان في الثقافة الأمريكية.

مستقبل الأخبار الصّحفيّة في شبكة الانترنت


نصر الدين لعياضي

شكل العام 2000 منعطفا في تطور وسائل الإعلام نتيجة انتشار الصحف المجانيّة، وانصراف قطاع واسع من الشباب عن قراءة الصحف، وتعميم التكنولوجيا الرقميّة على قاعات التحرير. منذ ذاك العام وممتهنو وسائل الإعلام وجمهورها لم يكفوا عن السؤال التالي: ثم ماذا بعد؟ إنه السؤال الملح بعد القطيعة التي حدثت في وسائل الإعلام عندما توجهت إلى النشر عبر الحوامل المتنقلة، وزاد اعتمادها على مواقع  الشبكات الاجتماعيّة؟
بعد أن أدار الشباب ظهره للصحف الورقيّة وانصرف عن مشاهدة ما تبثه القنوات التلفزيونيّة، لجأت وسائل الإعلام إلى مواقع التواصل الاجتماعي لاسترجاع جمهورها المفقود، واللحاق بالشباب في المنصات الرقميّة التي يفضلونها. فابتكرت كل وسيلة تطبيقات رقميّة خاصة بها تسمح للراغبين بمتابعة محتوياتها عبر الأجهزة المتنقلة: الهاتف الذكي واللوح الإلكتروني.
وهكذا قامت الصحف الأمريكية في 2015 باستخدام ” فيسبوك انستن أرتكلز”، والذي يسمح بالتحمّيل السريع  والمباشر للمواد الصحفية في الفيسبوك، دون مرور القارئ على موقع الصحف لقراءتها. وحذت حذوها العديد من الصحف الأوربيّة.

 

تعدّديّة الحضور

لقد اكتشفت وسائل الإعلام التّقليديّة أن مواقع التواصل الاجتماعي تتسم بطابعها الحركي والمتجدّد الذي يواكب حاجيات المستخدمين وحتّى مزاجهم. لذا وزعت حضورها على موقع الفيسبوك وتويتر و إينستاجرام  على وجه التحديد. فعن هذا الموقع يقول “إليني ستفانو”، المسؤول عن مواقع التواصل الاجتماعي في صحيفة “الغارديان” البريطانيّة: ” لقد لاحظنا أن هذا الموقع يتطور بسرعة فائقة، وأن عدد الأشخاص الذين يخصصون جزءا من وقتهم له يتزايدون باستمرار. وهذا يعني أن له وقع على حياتهم اليوميّة. لذا لابد أن نسجل حضورنا في هذه الحياة ونشارك فيها. على هذا الأساس افتتحنا حسابا في هذا الموقع. ثم اكتشفنا أن عدد الشباب اليافع الذي يتابع منشوراتنا عبر هذا الموقع يتزايد. إنه شريحة من الشباب التي لم نتمكن من الوصول إليها عبر موقعي الفيسبوك وتويتر. والأكثر من هذا، لقد اكتشفنا أن معظم متابعينا عبر موقع إينستاجرام يقطنون خارج بريطانيا، إذ بلغ عددهم نسبة 80 %.
إن حلم كل وسيلة إعلاميّة تقليديّة هو ترسيخ تبعيتها لجمهورها، وتحرّرها من سلطة الإعلان ومن نفوذ مواقع التواصل الاجتماعي التي لم تستقر بعد على صيغة نهائيّة نتيجة تجدّدها المتواصل، إذ أنها تلغي بعض الوظائف وتقترح أخرى أو توفر بعض الخدمات الجديدة . وبهذا تعمل على مواكبة التغيير الحاصل في مزاج مستخدمي المواقع.
فوقع اينستاجرام ،على سبيل المثال، لم يكف عن التغيير. لقد أنشئ في 2010  ليكون مجرد تطبيق رقمي لنشر الصور مربعة الشكل ، لكن مع التجديد في مصفاته ” الفلتر”، التي تعدّل الصور، تحوّل هذا الموقع إلى مركز كبير للصور. ثم شرع في نشر شرائط  الفيديو في 2013  ليزداد عدد متابعيه. وبعد أن أدرج خدمة القصص المصورة  في 2016، وهي الخدمة التي أطلقها موقع ” سنابشات” قبله  التحق به المزيد من الشباب.
أمام اشتداد تنافس وسائل الإعلام على استخدام مختلف مواقع التواصل الاجتماعي: الفيسبوك، تويتر، اليوتيوب، اينستاجرام ، وغيرها، وتطويع موادها لتواكب تطور كل موقع من المواقع المذكورة وفق خصوصيته. يتساءل البعض عن مصير الأخبار الصحفية في شبكة الانترنت على المديين القريب والبعيد؟
يمكن أن نستقرى مستقبل الأخبار على ضوء الممارسات الراهنة في البيئة الرقميّة، وفي ظل العلاقة مع الجمهور التي أصبحت أكثر تعقيدا. قد يختلف توصيف هذا المستقبل من ثقافة إلى أخرى ومن مجتمع إلى أخر ، لكن تظل ظلاله تخيم على الممارسة الصّحفيّة في المستقبل.

 

هيمنة ما هو مرئي

علق أحد الكتاب الجزائريين ساخرا على تكريم الروائي الصيني، ذمو يان،  الفائز بجائزة نوبل في 2012  في معرض الكتاب مؤخرا بالجزائر قائلا : لقد التقط له زوار المعرض عددا من الصور  أكثر من عدد الكلمات التي نطق بها في محاضرته! بالفعل، تكاد الصورة تهمين على الاتّصال بين البشر. فالكاميرا بدأت تحلّ محل ” لوح المفاتيح” بالنظر إلى الإقبال المتزايد على الأخبار البصرية المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي.  وإن ظل النص محتفظا بمكانته في هذه المواقع، فإن وسائل الإعلام أصبحت تفضل الصور أكثر من الكلمة  اعتقادا منها أن ما هو مرئي يثري الأخبار أكثر. قد ادرك القائمون على صفحات الصحف في مواقع التواصل الاجتماعي، مثل موقع اينستاجرام  أن نشر صورة واحدة لشخص ما، مثلما تفعل الصحف الورقيّة، قد لا يفي بالغرض ، إذ من الممكن ألا يكون هذا الشخص معروفا من قبل رواد هذه المواقع. لذا تختار له مجموعة من الصور التي تحكي في ترابطها قصّته أو تروي ما حدث له.
هذا ما أكّده  “إليني ستفانو” الذي قال أن صحيفة “الغاريان” نشرت في موقع اينستاجرام أربع صور للفرقة الروك الروسية المسماة ” بوسي ريوت” التي اقتحمت الملعب في المباراة النهائية لنيل كاس العالم لكرة القدم التي جرت في روسيا. ويجزم بأن هذه الصور كانت ناطقة أكثر من الكلمات. إذ قدمت الكثير من التفاصيل عن سن فتيات الفرقة، وسلوكهن في الملعب، ورد فعل لاعبي كرة القدم على سلوكهن. وقد رُفِدت هذه الصور بتعليق مختصر يتضمن أبرز ما في الحدث. ويمكن الاستنتاج من هذا المثال أن مكانة الصورة تتغير في الأخبار، إذ تنتقل من كونها وثيقة إثبات في الصحف الورقية، لتصديق ما جرى، إلى مادة إخبارية تقدم تفاصيل ما حدث وتثريه. وهي بهذا تعمق تجربة المتلقّي المرئيّة.
قد يرى البعض أن هذا الانتقال في مكانة الصورة قد يربك الصحافيين لأنه يدفعهم إلى تعميق معارفهم في الاتّصال المرئي والتحكم في تقنياته. ويتجاهلون الارتباك الذي قد تعاني منه المجتمعات التي توصف بأنها شفويّة ؛ إذ أنها تنتقل من الاتّصال الشفهي إلى الاتّصال البصري دون أن يرسخ فيها الاتّصال المكتوب ويعمّ مختلف شرائحها الاجتماعية.

ولى ذاك الزمان الذي وزعت فيه الأدوار على وسائل الإعلام، حيث قيل أن الإذاعة تعلن عن الحدث والتلفزيون يظهره والصحف تحلّله. لكن اليوم اختلطت الأدوار حيث أصبح التلفزيون يحلّل الأحداث، و الصحافة تعلن عنها في موقعها الإلكتروني. حقيقة لازالت الكثير من الصحف تقاوم من أجل الاستمرار في نشر مواد دسمة: مقالات فكريّة، وتحقيقات صحفيّة، وريبورتاجات تعلمنا بأن العالم المعاصر أصبح أكثر تعقيدا. وتحاول أن تساعدنا على فهمه. غير أن هذه المواد لم يعد لها مكان في صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي  وذلك لأن هذه الأخيرة تتطلب نوعية معينة من الأخبار، والتزام شديد بالآنية ساعة نشرها؛ أي نقل الأخبار عن الأحداث أثناء حدوثها. وتطرح خصوصية النشر في مواقع التواصل الاجتماعي السؤالين التاليين : ما هي الأخبار الأساسية التي يحتاجها الناس؟ وكيف يجب سردها بطريقة مشوقة وجذابة؟
إن الخبر الصحفي في موقع تويتر على سبيل المثال يتطلب التبسيط والإيجاز ، و يحتاج في موقع اينستاجرام إلى الصور التلخيصية مثلما أسلفنا القول، وعلى التبسيط والإيجاز في شرحها. لكن الإفراط في التبسيط قد يؤدي إلى خلق كليشيهات وصور نمطية عن الأشخاص والأحداث، واختزال معناها أو إفراغها من المعنى!

 

السُّمْنَةُ الإعلاميّة

تزايد حجم الأخبار والمعلومات المتدفقة في شبكة الانترنت ومختلف منصاتها الإلكترونية بحيث أصبح المرء يكتفي بمتابعتها فقط، عاجزا عن بلعها ، ناهيك عن هضمها. وكل من يحرص على متابعة أكبر عدد من الأخبار المتداولة في شبكة الانترنت يصاب بـ ” السُّمْنَة الإعلاميّة” . فالمنافسة بين مختلف وسائل الإعلام والمنصات الرقميّة في نقل الأخبار أدى إلى زيادة كميتها والسرعة في بثها حتّى أصبحت هذه الأخيرة غاية في حد ذاتها. لذا بات السؤال مطروحا: ما معنى أن يكون المرء مطلعا بشكل جيّد على الأحداث؟
يجيب  “إيلي باريزر”، المدير العام، للموقع الإعلامي في شبكة الانترنت المسمى “يوبورثي”، في مقابلة لصحيفة لوموند الفرنسية الصادرة يوم 12 سبتمبر الفائت عن هذا السؤال قائلا : إن الاطلاع على الأحداث لا يكفي للحصول على إعلام جيّد. هذا لا يعني بتاتا أن ذكر الأحداث غير مهم، بل هناك العديد من العوامل الأخرى التي تجسد الإعلام الجيّد، منها تلك التي تجعل من المرء واعيا ويتأمل فيما يصله من أخبار ومعلومات.  وهنا تطرح مسألة في غاية الأهمية تتمثل في سياق الأخبار وتأطيرها.
إن الصحف الورقية على سبيل المثال ترتب أخبارها وفق تسلسل معين سواء على صعيد الإخراج أو التصنيف إلى أقسام أو أركان معينة : أخبار داخلية أو دولية، وأخرى رياضية أو اقتصادية أو ثقافية. وتعزز كل خبر بخلفية سواء كانت تاريخية أو جغرافية أو سياسية. بينما الأخبار المتداولة في المنصات الرقمية لا تخضع لأي ترتيب. إنها تتدفق بسرعة دون أي رابط. فالخبر الآني فيها يتلاشى بسرعة ليفسح المجال للخبر الذي يأتي بعده. ويفتقد كلاهما الخلفية التي تلقي الضوء عليهما. وما يخشى أن تضطر الأخبار في وسائل الإعلام التقليدية إلى محاكاة الأخبار المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن بيّنت استطلاعات الرأي أن  هذه المواقع فرضت نفسها كأكبر مصدر إخباري بالنسبة لقطاع واسع من الناس. والأدهى أن 36 % من أصل 50 ألف مبحوث في 26 دولة شملها استطلاع الرأي، الذي قام به معهد رويتر لدراسات الصحافة وجامعة أكسفورد في 2016 ، يؤكدون أنهم يفضلون متابعة الأخبار وفق ما تقدمها خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي التي تستند في ترتيبها إلى تجربتهم الشخصيّة في البحث عن الأخبار، مقارنة بـ 30%   فقط  يفضلون ترتيبها على يد هيئة تحرير متخصصة ، كما هو معمول به في الصحف الورقيّة.

 

هيمنة العاطفة

لقد كانت وسائل الإعلام الكبرى، بما فيها الصحف، تتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها حاملا فقط لمضامينها فقط. فما هو صالح للنشر في صفحاتها يكون كذلك في أي موقع من مواقع التواصل الاجتماعي. لذا كانت تنشر الأخبار بلغة جافة جدّا. فبجانب الصور التي تنشرها الصحف في موقع اينستاجرام تضيف لها عبارة هذه صورة فلان. ومع مرور الوقت اكتشفت أن اللغة المناسبة لمواقع التواصل الاجتماعي يجب أن تكون حميمية وتقطر عاطفة. وهذا يعني أن الأخبار أصبحت تشحن عاطفيا لتنتشر أكثر وتحظى بأكبر قدر من التفاعل. وقد ترتب عنها أن عواطف مستخدمي مواقع التواصل أضحت أكثر عرضة للتلاعب بها. وهذا ما يفسر جزئيا زيادة انتشار الأخبار المضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فالتحدي الذي يجب أن تواجهه اليوم الأخبار الصّحفيّة في مواقع التواصل الاجتماعي وشبكة الانترنت بصفة عامة يكمن في العثور على نغمة مناسبة معتدلة ومنصفة في وصفها للأحداث والتعبير عنها.
ماذا لو أن كل مواقع التواصل الاجتماعي حذت حذو موقع الفيسبوك الذي غير استراتيجيته التي أثرت على علاقته بوسائل الإعلام ؟ لقد قام المسؤولون على هذا الموقع بتغيير خوارزمياته من أجل منح الأولوية للمحتويات الشخصية التي يتبادلها الأصدقاء. لقد لاحظوا أن موقعهم تحوّل إلى منصة للقراءة والإطلاع على جديد وسائل الإعلام المختلفة أكثر من كونه ملتقى اجتماعي يتفاعل فيه الأشخاص فيما بينهم. بمعنى أخر. لقد قل تفاعلهم  مع محتوياتهم الشخصية التي تميط اللثام أكثر على خصوصيتهم والتي تمكن الموقع المذكور من إثراء البيانات الخاصة بكل المستخدمين التي تشكل مصدر ثروته.
لا نعتقد أن الكثير من وسائل الإعلام تفعل ما قامت به أكبر صحيفة برزيلية: ” فولها دي ساو باولو”. لقد أعلنت هذه الأخيرة يوم الخميس 8 فبراير 2018 عن الكف عن نشر محتوياتها في موقع الفيسبوك ، إذ أكدت بأن الاستراتيجية الجديدة التي انتهجها هذا الموقع لا تخدم وسائل الإعلام ولا جمهورها، بل تشجع الأخبار المزيفة.

 

 مجاراة

من المؤكد أن معظم وسائل الإعلام تحاول مجاراة التغيير الذي أدخله موقع الفيسبوك على خوارزمياته. وهذا ما يفسر توجه بعضها إلى إنشاء صفحات للنقاش حول مختلف القضايا. ففي هذا الإطار أنشأت محطة  الإذاعة الفرنسية “بي أف أم بزنسي”  منتدى في موقع الفيسبوك تحت مسمى “بي أف أم  استراتيجي” المختص في الاقتصاد. وتمكنت بذلك من جمع 820 مشترك نشيط في أقل من أسبوعين من انطلاقته. وفتحت صحيفة ” لو جور” الفرنسية صفحة لها في موقع الفيسبوك بعنوان”أسرار الهجرة” لنشر أخبار وتقارير عن هلاك الفارين من بلدانهم في عرض البحر الأبيض المتوسط للالتحاق بأوربا. ومناقشة موضوع الهجرة في أوربا. فاستطاعت هذه الصفحة أن تجمع 216 عضوا خلال فترة وجيزة من إنشائها. وتعتزم صحيفة ” الفيغارو” الفرنسية أن تغير إستراتيجية نشر محتوياتها في الفيسبوك. وتعمل على تشكيل مجموعة من النقاش حول الأدب.  يمكن أن نستنتج من خلال هذه التجارب أن مستقبل الأخبار الصحفية أصبح في يد الجماعات الافتراضية. وهنا يكمن الخطر. فمن المحتمل أن تتجرد هذه الأخبار من طابعها الجماهيري الذي يجعلها تتجه إلى أكبر عدد من الناس. وتعكف على تقديم الأخبار المرتبطة بجماعة ما. وهذا يعني أن الأخبار المستقبلية تسهم في تفتيت الجمهور، مما يفتح المجال إلى تآكل ما يشكل قاسمهم المشترك الذي يجمعهم.
لقد سلكت الصحف الأمريكية النهج ذاته في مجال أخر. فصحيفة ” الواشنطن بوست” على سبيل المثال، أنشأت صفحة في موقع الفيسبوك عنونتها بـ “بوست ذيس” اختصت في محص الأخبار. ساهم فيه 4500 شخص.
وقام الموقع الإخباري الأمريكي ” فوكس” بإنشاء صفحة في الفيسبوك سميت ” ذو ويدز”؛ أي الأعشاب الضارة، ويهدف إلى إسهام المشتركين، والذين بلغ عددهم 15 ألف، في التحري عن صحة الأخبار من خلال اللعب. ما يؤخذ على هذه التجارب الناجحة والمفيدة بكل تأكيد أنها تعجل في زوال الحد الفاصل بين الإخبار والتسلية. الجدار الذي بدأ يتآكل منذ الثمانينات من القرن الماضي.
لقد أكد المسؤول عن مواقع شبكات التواصل الاجتماعي في صحيفة الغرديان هذا الشروع في ترسيخ هذا الاتجاه بالقول أن صحيفته تبنت العديد من الأشكال اللهوية في موقعها في إينستاغرام، منها تلك التي يطرح فيها مذيع أسئلة ذات صلة بموضوع رائج يتعلق بالثقافة الشعبية أو بحدث خارج عن المعتاد وغريب. ويتبارى المشتركون في الإجابة عنها. وقد يشارك في الاجابة كل أفراد الأسرة. حقيقة لقد استطاعت وسائل الإعلام المختلفة أن تكسب جمهورا جديد باستغلالها لموقع التواصل الاجتماعي. لكن السؤال الذي يظل مطروحا هو بأي ثمن؟

“تيك توك”: منصة التحديات ورهاناتها


نصر الدين لعياضي 

من منكم يتذكر رقصة التحدي المجنون، التي سميت ” كيكي”. لقد اكتسحت مواقع التواصل الاجتماعي في السنة الماضية. وفتنت الشباب في العديد من البلدان. فشكلت تهديدا خطيرا على سلامتهم البدنية؟ يتمثل التحدي الذي تحمله هذه الرقصة في نزول الفتاة أو الفتى من سيارته وتركها تكمل سيرها دون سائق، والانصراف إلى الرقص بمحاذاة بابها المفتوح على أنغام أغنية ” في مشاعري” لمطرب الراب الكندي ” دريك غراهام”.

لعل الكثير من المراهقين نسوا هذا التحدي ، بعد أن اتجهوا ، زرافات ووحدان، إلى ” تيك توك” الذي يقترح عليهم خوض العديد من التحديات الغريبة والعجيبة ليتقاسمونها عبر مواقع التواصل الاجتماعي المعروفة. لكن ما هو “تيك توك “هذا؟

إنها منصة رقمية للفيديوهات على الحوامل المتنقلة ، يتم تقاسمها على مواقع التشبيك الاجتماعي. اخترعتها الشركة الصينية ” بايت دنس” في سبتمبر 2016. وبعد سنة من انطلاقاتها قامت هذه الشركة بشراء شركة ” ميوزيكا.لي”، التي كانت توزع 13 مليون شريط فيديو يوميا، بحوالي مليار دولار.   بلغ عدد مستخدمي في هذه المنصة في ظرف سنة 150 مليون مستخدما نشيطا يوميا، أي حوالي 500  مليون مستخدم في الشهر الواحد. وبهذا استطاعت أن يتفوق على بقية مواقع التواصل الاجتماعي: الفيسبوك، وتويتر، وإنستغرام ، إذ بلغ عدد تحميلات فيديوهاتها  48.5 مليون تحميلا!

 

الفكرة

ولدت فكرة ” تيك توك” من ملاحظة سلوك المراهقين الصينيين الشغوفين بالتقاط صورهم الشخصية بهواتفهم الذكية من جهة، وتمايلهم على أنغام الأغاني التي تصدح بها هذه الهواتف من جهة أخرى. فاتجه التفكير إلى اختراع منصة رقمية تجمع الرغبتين: الرقص وتصوير الذات ” سيلفي“. وتجسد  فيما أصبح يُعرف بــ ” تك توك”. تقترح هذه المنصة على الشاب، الذي يقل سنه عن 16 عام، أن يسجل نفسه.  ثم يختار أي أغنية من ألبوم الأغاني الذي توفرها. و يصور نفسه في شريط فيديو قصير لا يتجاوز 60 ثانية، ويرقص على ايقاعها بصوت صحابها لكنه يتمتم بكلماتها، أي الغناء وفق طريقة Play back . فيبدو أمام مشاهديه ومتابعيه وكأنه يلقيها بصوته. لقد سمحت هذه المنصة لمستخدمي الانترنت  بمشاهدة الكثير من الفيديوهات التي تروّج لأنواع مختلفة من الموسيقى المكرّسة،  ورفعت شعبيّة بعض الأغاني. لكنها نشرت أيضا بعض الفيديوهات التي جعلت من أصحابها مشاهير. مثل الشاب الأمريكي “جاكوب سرتوريس” الذي تحوّل إلى مغن مشهور بفضل شرائط الفيديو التي شرع في بثها عبر تطبيق ميوزيكا.لي وهو لم يتعد 15 سنة من عمره. والتوأمين الألمانيتين، ليزا ولينا، اللتان حصلتا على 30 مليون معجب بما أنتجتا من شرائط الفيديو التي تتلاعبان فيها، على أنغام الأغاني، بصورهما المتشابهتان حد التطابق. لقد دفعت بهما الشهرة المكتسبة إلى صك علامة تجارية للأزياء ، ففتحتا متاجر لها باسم ” جي1 مو71″.

 

  تحديات بالجملة

لقد كان لفيديوهات هذه المنصة مفعول العدوى التي انتشرت في صفوف الشباب والمراهقين في البلدان الآسيوية أولا، مثل الصين واليابان، ثم بقية بلدان العالم بما فيها البلدان العربيّة. خاصة بعد أن اتاحت استخدام 34 لغة من لغات العالم. وغني عن القول أن اللّغة العربيّة تعدّ من اللّغات الأكثر استخداما لها. ليس هذا فحسب، بل أن هذه المنصة تلائم ، أكثر، مزاج المراهقين التواقين إلى رفع التحدي. فمن جملة التحديات الكثيرة والمتعددة التي سجلت في هذه المنصة نذكر: رقصة الأصابع، والمتمثلة في قيام المراهق بحركات سريعة ومتنوعة بأصابعه على ايقاع الموسيقى والمؤثرات البصرية بشكل يصعب تقليده لخفة حركاته وسرعتها. ورقصة الأضواء والتي يرسم فيها المراهق أشكال مختلفة، مثل القلوب، بالإنارة فقط، وتحت ايقاع موسيقي متسارع يساير سرعة الرسم. ولعبة الرقص على السلم التي تدفع المراهق إلى القيام بحركات تهريجية على سلالم العمارات والمباني تتناغم مع لحن الأغنية التي يختارها . ولعبة تبديل الملابس والتي تتلخص في قيام المراهق المتنافس بتغيير ملابسه على ايقاع أغنية يختارها. ففي كل لقطة مصورة سريعة يظهر بلباس مختلف. بمعنى أن الشاب المراهق يغير هندامه بسرعة فائقة حتى يبرز في كل لقطة في زيّ مغاير. وإن كان البعض يؤخذ على قائمة هذه التحديات خلوها من أي معنى، فهناك غيرها من التحديات التي تقترب كثيرا من الحَمَق إن لم يكن الحمق ذاته، مثل  تحدي “أحمر  الشفايف الذي يتطلب من الراغب في التحدي سواء كان فتاة أو فتى! وضع القليل من أحمر الشفاه على منطقة ما من شافته. ثم يمطّ   شَفَتَيْهِ ويقبضهما حتى تتمدّد المادة الحمراء وتصبغ شفاهه كلها! ولعبة تقليد تعابير الوجه العجيبة التي يتبارى فيها الشباب عبر تقليد حركات الوجوه التي تظهر في الشاشة. وتشبه هذه اللعبة، إلى حد كبير، تحريك عضلات الوجه التي يقوم بها بعض الشباب أمام المرآة  من أجل  تخويف ذاتهم أو لتقليد مهرج السيرك. وتحدى دَلْق الماء الذي يتمثل في قيام الفتى أو الفتاة بالرقص على إيقاع اغنية مختارة حاملا دلو ماء فوق رأسه، وفي لحظة معينة من تصاعد لحن الأغنية يسكب الماء على جسده. وغيرها من التحديات التي يعتقد الكثير من الأشخاص أنها تافهة وطائشة كان الأطفال الصغار في الماضي لا يجنون من ورائها سوى توبيخ الآباء وعقابهم. أما اليوم فان المراهقين الذين يقومون بها عبر ” تيك توك” ينالون الإعجاب والاستحسان. والبعض من لا يستحسنها ويقتنع بخوائها يبرّرها بالقول مثلا  إنها  طريقة مسلية للقضاء على الضّجر والملل من الفراغ الذي يعيش فيه  المراهقون.

 

  تحذير

أمام تزايد الاقبال على التسجيل في منصة ” التيك توك” حذرت بعض السلطات في البلدان العربية، مثل وزارة التربية والتعليم الجزائرية، التلاميذ وأوليائهم وأساتذتهم من مخاطرها. وأكدت على أنه لا يوجد أي مبرر لعرض المراهقين إلى جملة من المخاطر غير محسوبة العواقب التي تحملها هذه المنصة، منها قلة الصرامة في تطبيق شروط التسجيل فيها واستخدامها. فرغم أنها مخصصة للمراهقين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 13 و16 سنة إلا أن من هم دون هذا السن استطاعوا السجيل فيها. هذا إضافة إلى  أنها تسمح لكل مستخدم شبكة الانترنت بمشاهدة الفيديوهات التي تبثها والتعليق عليها. وهذا خلافا لمواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، مثل “سنابشات” و”الفيسبوك” التي لا  يمكن لأي شخص أن يطلع على ما ينشره المشتركون فيها سِوًى أصدقاؤهم ، بمعنى أن المشترك في هذا الموقع يختار من يطلع على منشوراته. وقد لوحظ أن ” التيك توك” يسمح بنشر التعليقات السوقية وغير الأخلاقية على الفيديوهات التي يبثها. وقد نُسب هذا الأمر إلى قلة عدد المتدخلين في هذه المنصة ” لمراقبة ما ينشر من فيديوهات وتعليقات. حقيقة لقد أكد مسؤولو هذه المنصة أنها مزودة بعُدَّة رقمية لغربلة ومراقبة كل ما تبثه. وأن المؤسسة المشرفة عليها رفعت عدد الأشخاص الذين يقومون بهذه المهمة من 6 ألاف إلى 10 ألاف، بيد أن هذا الإجراء يعتبر غير كاف أمام تزايد عدد الشباب المتهافت عليها واتساع شعبيتها وسط المراهقين.

ويؤخذ على هذه المنصة، أيضا، ما تشترك فيه من مخاطر مع مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، مثل التعرض لبرامج التجسس ، والتلاعب ببيانات المراهقين وصورهم الشخصية، واستدراجهم لابتزازهم واخضاعهم لرغبات الراشدين من ذوي الأمراض النفسية والسلوك الشاذ. هذا إضافة إلى أن بعض المواقع الإعلامية، مثل موقع ” فيس” الأمريكي أشار إلى استعانة الحركات اليمينية المتطرفة بهذه المنصة لنشر أيديولوجيتها العنصرية من خلال التعليقات على الفيديوهات وأصحابها.

 

 فلسفة

تبدو هذه المآخذ بسيطة جدا إذا لم ننظر إلى ” تيك توك” كمنظومة متكاملة تستند إلى فلسفة في الحياة ورؤية للعلاقات بين البشر.  فخلافا لبقية مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك وتويتر التي تستخدم مصطلح ” الصديق” أو”المتابع” لنعت الشخص الذي يداوم على متابعة ما ينشره أصدقاؤه  فيها، فإن هذه المنصة تسميه  معجب، وهي الصفة المقتبسة من عالم ” صناعة الترفيه” ” الشو بزنس”.  أما المراهق الذي يقبل التحدي ويسجله في فيديو ويبثه في هذه المنصة فلا تسميه مستخدما ولا مشتركا، بل ملهما ” Muser”. إن تزايد عدد المعجبين بما يقوم به هذا “الملهم”  تتحوّل إلى تاج. وتدفع المتنافسين على التاج الذهبي. والظفر به ليس بالأمر الهين أمام الملايين الذين يستخدمون هذه المنصة.

إن تفكيك هذه المنظومة التي تستند إلى هذه المصطلحات يدفعنا إلى التساؤل عن نوع الإلهام الذي يلهمنا به هذا المراهق وهو يرقص و يَنِطّ  فوق السلالم  أو يَصُبّ الماء فوق رأسه أو يقوم بحركات تهريجية سخيفة.

إن فلسفة هذه المنصة الرقمية لا ترمي إلى تعزيز روح المنافسة لتحقيق النجاح، بل تمجد الفردانية والمنافسة من أجل اقصاء الغير. وهذا يعني استبعاد فكرة التعاون، وتحقيق النجاح مع الجماعة وبفضلها. ربما لم يبتدع ” تيك توك” هذه الفلسفة لأن برامج ” تلفزيون الواقع” قد سبقتها إليها ورسختها. وكل ما قام ويقوم به هو تعميمها في أوساط المراهقين، بعد أن كانت محصورة في فئة البالغين.

في نقدها لــ “تيك توك” تؤكد مجلة ” تيلي راما” الفرنسيّة أن هذه المنصة تسبح في محيط سطحي يمجد الجسد إلى حد العبادة. فعلى المراهقة التي تقبل التحدي المقترح أن تبذل المستحيل حتّى تبدو جميلة في عيون مستخدمي ” تيك توك” وتثير غيرة الغير. وهذا ما تؤكده التعليقات على الفيديوهات. لقد بلغت بعضهن درجة التَّعَرِّي مِنَ الثِّيَابِ أو الإفراط في استخدام مستحضرات التجميل من أجل رفع عدد المعجبين بهن ! إنه منطق اقتصاد ” الكبس” التي تحدثت عنه المجلة المذكورة وشرحته كالتالي: كلما تزايد عدد النقرات على الأيقونات ارتفع عدد المعجبين ، وكلما تزايد عدد هؤلاء تحوّلت المراهقة التي ترفع التحدي في “تيك توك” إلى هدف تجاري. ويقدر أحد المدونين الذى سمي بــ ” ملك الفئران”، من باب الكناية على شغفه بفأرة الكمبيوتر، بأن ” تيك توك” هو المنصة التي تلحق الضرر بالأطفال والمراهقين أكثر من غيرها من مواقع التواصل الاجتماعي لأنها  تجر من يملكون الاستعداد للتأثير عليهم إلى الاقتناع بأنه يتوجب عليهم التشبّه بالآخرين ليصبحوا مثل بقية الناس. وهذا ما أدى إلى سقوط المراهقين في قبضة تقليد بعضهم في طريقة اللباس، والهندام، وتحليق الشعر وتزيّنه، والمشي والرقص إلى درجة استنساخ بعضهم.  إنها ممارسة خطيرة ” تنبذ” الاختلاف من جهة، وتعسر العيش المشترك بين البشر في ظل اختلافاهم.

 

الحياة ليست لعبة

إن المتابع للتعليقات التي تتهاطل على الفيديوهات التي ينشرها المراهقون في هذه المنصة الرقمية يلاحظ أنها تنافى وقواعد اللياقة والأدب، وتجرح مشاعرهم وتحط من قيمتهم. ولسنا ندرى ما هو تأثير هذا التجريح على المراهق وهو في هذه المرحلة من العمر التي يسعى فيها إلى بناء ذاته وتشكيل هويته؟ ألا تؤثر على تقديره لذاته في المستقبل؟ ألا تزعزع ثقته في نفسه ؟

لم توسع التكنولوجيا الرقمية حقل التسلية فحسب، بل قامت بتسلية كل شيء أيضا، حتىّ حوّلته إلى لعبة. هذا ما نلاحظه في التعليم والإعلام والحرب. لقد أضحت هذه الأخيرة تبدو وكأنها مجرد  لعبة من ألعاب الفيديو. ففي هذه البيئة الجديدة تنمو الخشية من احتمال أن يتعامل، المراهقون الذين يقبلون التحدي الذي يقترحه ” تيك توك”، مع الحياة اليومية كأنها لعبة، ولا يأخذونها مأخذ جد أو يظنون أن النجاح في الفضاء الافتراضي  هو ذاته النجاح في الحياة!

قد يعترض البعض على كل ما سبق ذكره بالقول أن كل المراهقين ليسوا أغبياء، بل يوجد فيهم الفطن والحذر واللّبيب والناقد ، بدليل أن الكثير منهم يعلقون على الفيديوهات معبرين عن استيائهم من سطحيتها ويعارضون سخافتها. بالفعل توجد الكثير من التعليقات التي تسير في هذا الاتجاه  لكن الكثير منها  لم يخرج، مع الأسف، عن فلسفة ” تيك توك”، لأنه يلعن أصحاب الفيديوهات بأفحش الألفاظ، ويدينهم للون بشرتهم أو قامتهم أو لشكل جسدهم. وبهذا يسهم في ترسيخ الحكم على الأشخاص انطلاقا من معايير ذاتية وحتّى عنصرية. فهل يمكن أن نتخيل حالة المراهِقة التي يقال عنها أنها بشعة وخائبة ، ومدى الانكسار الذي تعاني منه في حياتها المستقبلية؟

حقيقة لقد سمحت ” تيك توك” لبعض المراهقين من التنفيس من ذاتهم، وتطوير مواهبهم في الغناء والرقص والمونتاج والتصوير وإخراج شرائط الفيديو. والسؤال المطروح كم هو عدد هؤلاء في جيش المعجبين الذين لم يأخذوا من هذه المنصة الرقمية سوى قشورها.

قد يحاجج البعض بالقول أن ” تيك توك” مجرد وعاء تقني يملأه المستخدم بما يريد. فالعِلَّة في “الملهم” وليس الأداة.  فأبناء الحضارات الأخرى أدرجت ” منتجات” هذه المنصة، إن اعتبرناها منتجات”، في اختياراتها وتقاليدها الثّقافيّة. فالمراهقون الصينيون، على سبيل المثال،  وظفوها لما يميلون إليه: الـــ ” المسرحيات الهزيلة” المستلهمة مما ورثوه من خيال الظل، ومحاكاة ” الكاميرا الخفية”. ويميل اليابانيون إلى الرقصات الجماعية. ففي ماذا وظفوها أبناء حضارتنا؟

 

ما العمل؟

إن التخويف من هذه المنصة أو غيرها من مواقع التواصل الاجتماعي لا يجدي نفعا لأنه لا يثني عن استخدامها. ووعظ الشباب وأوليائهم قد كشف، هو الأخر، عن حدوده. إذا ما العمل  إن علمنا أن منع الشباب من استخدام هذه المنصة يبدو أمرا مستحيلا؟

نعتقد أن ما قاله الزعيم الراحل، نلسون مانديلا، يفيدنا كثيرا في هذا المقام. لقد صرح ذات مرة قائلا: لتعكس اختياراتكم آمالكم وليس مخاوفكم “. لذا لابد من العمل على مساعدة الآباء والأطفال والشباب على رفع كفاءتهم التقنية حتى يضمنون أدنى حد من  حماية أنفسهم من خلال التّقيّد بلوائح الآمن والسلامة الموجودة في شبكة الانترنت ومختلف المنصات الرقمية. وحث الآباء على عدم التجسس على ما يقوم به أبناؤهم في مواقع التواصل الاجتماعي لأنه لا يجدي نفعا، بل من المحتمل أن يزيد في توتر علاقتهم بهم. والتوجه إلى إعلامهم بماهية هذه الشبكات والغاية العلنية والمخفية من وجودها. ومرافقتهم في تجربة استخدامها .وشرح الفكرة البسيطة التالية أن ما يوجد في هذه المنصة ليس كله صالحا، فالكثير منه مجرد فقّاعات. وليس المطلوب منا أن نقلد الآخرين ونستنسخهم حتى نكون موجودين في الحياة الافتراضية والواقعية.

بوتفليقة.. الحُبْسَةُ التي ذهبت بحكمه


نصر الدين لعياضي

لخّص أحد شباب الحراك الشعبي الجزائري أزمة الاتصال السياسي الرسمي في الجزائر بشكل يدعو إلى التفكير. لقد خاطب وزير الخارجية السابق، الأخضر الإبراهيمي، في برنامج في قناة تلفزيونية جزائرية خاصة، قائلاً: اعتقلت لمشاركتي في المسيرات الشعبية المناهضة لترشح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لعهدة رابعة. فنشرت رسالة شكر للرئيس على حسابي في “فيسبوك”، لأنه سيمنح مستقبلاً الفرصة كاملة للشعب ليتوحد ضده، وساعتها لن يجد من يخطب فيه. وأضاف الشاب: عندما أخرج الشعب الجزائري غضبه إلى الشارع يوم 5 أكتوبر/ تشرين الأول 1988، وصبّه على رموز نظام الحزب الواحد، تمكّن الرئيس الراحل، الشاذلي بن جديد، من أن يستوعب الشعب بكلماته العاطفية في خطابه الموجه إلى الأمة، فكسب ثقة الشعب من جديد. ولم يرض بخريطة الطريق التي قدّمها له فحسب، بل قَبِل أيضاً أن يتولّى قيادة مرحلة انتقال الجزائر من الأحادية الحزبية إلى “التعدّدية السياسية”. لكن من يخطب اليوم في الشعب الجزائري بعد أن أصيب بوتفليقة بالحُبْسة؟ هذا الشعب الذي خرج عن بكرة أبيه إلى الشوارع في المدن الجزائرية، ففاضت به، ليطالب بوتفليقة ونظامه بالرحيل.
لم يكن الجيل الجزائري الجديد يعرف عبدالعزيز بوتفليقة، عندما عاد إلى سدة الحكم محمولاً على أكتاف جنرالات الجيش في ربيع 1999. أما جيل السبعينيات ومن سبقه فلم يحتفظ من بوتفليقة سوى بصورة ذاك الشاب المختال بنفسه، والمُدلّل لدى الرئيس الراحل هواري بومدين الذي سلم له وزارة الخارجية، لعل كثيرين من أبناء ذاك الجيل تذكّر إلقاءه المؤثر كلمة تأبين الرئيس الراحل، هواري بومدين، في مقبرة “العالية”، ويقال إن السفير سعد الدين نويوة هو الذي خطها، فأنساهم قضية مرتجعات مالية ذاع أن بوتفليقة وضعها في حساب له في سويسرا. ودفع الجيش الجزائريين إلى أن يأملوا خيراً في هذا القادم من الماضي، لأنهم اعتقدوا أنه سيرث كثيراً من خصال بومدين، خصوصاً وأنه جاء بشعار “العزة والكرامة”، بعد ما أنزل من حيف وهوان على الشعب الجزائري المصدوم في عشرية الدم والدمار. ويرفع سمعة الجزائر في المحافل الدولية، ويفكّ الحصار الذي ضُرب عليها طوال “العشرية الحمراء”. ألم يكن على رأس وزارة الخارجية الجزائرية 17 سنة متتالية؟
استطاع بوتفليقة أن يستميل الجزائريين بخطاباته المطولة عهدتين رئاسيتين. يلهب بها حماسهم ويبهرهم، مؤمناً بأن للكلمة بعداً عاطفياً تمارس به سحرها الخاص في الوجدان الجزائري. وهكذا تحول بوتفليقة من رئيس دولة يُسأل ويُحاسب عن أعماله من الهيئات الشرعية إلى قائد ملهم الجماهير. قد يُقال: وهل له أن يفعل غير ذلك، ومخياله يفيض بصورة الزعيم، لأنه عاش في كنف هواري بومدين الذي تصرّف كزعيم وقائد ثوري أكثر منه رئيس دولة، بدليل أنه لم يبادر بتزويد الجزائر بدستور وهيئة تشريعية، إلا في السنتين الأخيرتين من حياته.
صنع بوتفليقة من خطاباته زعامة. ألم يصرّح لقناة تلفزيونية فرنسية في منتدى دافوس في سويسرا، بعد أشهر قلائل من انتخابه، بأنه يجسّد الجزائر ويمثل روح شعبها؟ وكان يشعر
بنشوة تغمره، وهو يخطب، والناس تصفّق له، فيزداد حماسُه بحماسهم. يعنّفهم ويحمّلهم مسؤولية ما جرى لهم وللبلد. ألم يؤنب الجزائريين لأنهم انتخبوا بن جديد، الذي وصفه “بالرئيس المتدرب”، ثلاث عُهْدات رئاسية متتالية؟ ألم يهدّد الجزائريين، في خطاباته، بأن يتركهم لرداءتهم إن لم ينتخبوه رئيساً. لم يسلم من سهام خطاباته أحد: أساتذة الجامعة وطلبتها، والأطباء الذي قال إنه لا يثق بهم. وكان الحضور يضحك ويصفق له! كان يحتقر الشعب، لأنه حرمه من أحقيته التاريخيّة في السلطة، لكونه وريث الرئاسة الشرعي بعد وفاة الرئيس بومدين.
لا يؤمن عبد العزيز بوتفليقة بأن السياسة إدارة التضارب بين المصالح والتعارض بين المواقف والتوجهات الإيديولوجية في إطار استراتيجيا التوافق الذي تصنعه المؤسسات، في سعيها إلى تحقيق وحدة الأمة، وانسجام المجتمع في ظل سيادة القانون الذي يسمو فوق الجميع، ويصون حقوق كل مواطن. لقد اعتقد أن السياسة مكر ودهاء بكل ما يحملانه من شراء الذمم، وانتقام وابتزاز وتخويف وتحالف مؤقتٌ وتآمر. اعتقاده نابع من رواسب ماضيه، ومن المرويات التي وصلت إليه. وربما جاءته من النزر القليل من النصوص التي قرأها، إن كان يقرأ بالطبع. وهنا لا يختلف بوتفليقة عن رؤساء دول عربية تخلو مكتباتهم الخاصة، إن وجدت، من كتب الاقتصاد وإدارة المال والأعمال، والقانون، وعلم الاجتماع والنفس، والفلسفة، والعلاقات الدولية. وتضم فقط دواوين شعرية ونصوصاً روائية وكتب سير لعظماء التاريخ التي لا يفتحون صفحاتها إلا لاستلهام أساليب المكر والخداع والتآمر. لقد اقتنع بوتفليقة، وهو يحاول تقليد معلمه بومدين، بأن السياسة بين فَكّيْهِ، أي في الخطاب.
كان جلّ الجزائريين يترقبون خطابات الرئيس الراحل هواري بومدين، لأنها تعدّ بمثابة برنامج عمل: تحدّد مواقف الدولة الجزائرية وتوجهاتها التي افتقدت الدستور الذي يحدد دور مؤسسات الدولة وصلاحياتها، وهيئة منتخبة تتولّى مهمة التشريع. لكن خطابات الرئيس بوتفليقة لا تملك الوظيفة التي كانت تقوم بها خطابات بومدين، لأن الجزائر تغيّرت. ونظرة هواري بومدين إلى اللغة غير نظرة عبد العزيز بوتفليقة إليها، فاللغة لدى هذا الأخير ليست وسيلة اتصال فحسب، بل ملجأ لتحقيق ذاته ورعاية نرجسيته. وبها اخْتُزل الخطاب السياسي الرسمي في شخصه.
ماذا حدث بعد أن أصيب الرئيس بالحُبسة، شفاه الله منها؟ لقد واصلت الصورة تعظيمَه، بل بالغت في ذلك، من أجل التغطية على غيابه المتكرر، وعجزه المستدام. ولصرف النظر عن استفحال الفساد في دواليب الدولة، واستشراء التعسّف في استخدام السلطة. لقد انتقل الخطاب الشفهي من تعزيز نرجسية القائد/ الزعيم إلى وضعه في مصاف الرسل. وعمّت صوره وبورتريهاته الشوارع والساحات العامة في المدن الجزائرية، وناب “الإطار الخشبي والمذهّب” عنه في كل المناسبات والاحتفالات والمهرجات. قد يقول بعضهم إن ظاهرة الزعامة لم يزرعها بوتفليقة في الحقل السياسي الجزائري، بل ورثها عن رموز الحركة الوطنية، بدءًا بمؤسس حزب الشعب الجزائري، الحاج مصالي، وصولاً إلى بومدين، ومروراً بأول رئيس للدولة الجزائرية المستقلة: أحمد بن بله. هذا الرأي لا يجانب الصواب، لكن المبالغة في هذا الإرث أدت إلى إنشاء منظومة مادية ورمزية متكاملة لتقديس بوتفليقة. لقد ذهب المتملقون، والمتبركون بـ “إطاره الخشبي” إلى اعتباره باعث الأمة الجزائرية في 1999!
ماذا لو لم يصب بوتفليقة بالحُبسة، هل كان في وسعه أن يستميل الشارع بخطاباته المعهودة، ويعيد الشعب إلى طاعته؟ الجواب نجده في الحراك الشعبي، ولدى الجيل الجديد من الشباب  الذي نحت لغته الخاصة، وابتكر ثقافته السياسية التي لا صلة لها بثقافة من احتكروا الحكم منذ استقلال الجزائر. الجيل الذي يقول عنه عالم الأنثروبولوجيا الجزائري، عبد الرحمن موساوي، إنه أعاد مراجعة السرديات الكبرى التي شيدت على أساسها الدولة الوطنية، فقام بتأويلها على ضوء الحقائق التاريخية الخاصة به.
ربما الأمر لا يتعلق بالحبسة التي أصابت بوتفليقة، بل بحبسة النظام الجزائري أو بالأحرى بمرض التوحد الذي أصابه على يد هذا الأخير، فأفرغ الديمقراطية من جوهرها الأساسي، وهو التناوب على السلطة، واختزل السياسية في مساندته ومناشدته على الاستمرارية في الحكم. وهكذا فعل مع مفاهيم ومصطلحات كثيرة، بعد أن صادرها وتملَّكها.
إذا كان الباحث الفرنسي، فليب برتون، يعتقد أن أزمة الديمقراطية في فرنسا تعود إلى العجز الكبير في كفاءة الكلام، فإن أزمة الاتصال الرسمي في الجزائر تعود، في اعتقادنا، إلى تضييق الفضاء العمومي، وتجفيف منابعه بإقصاء كل الآراء المعارضة لرأي الزعيم، وحتّى المخالفة لنزواته، فجمّده بعد أن صادر النقاش. وانجرفت مختلف الشرائح الاجتماعية في “الفضاءات العمومية” الهامشية والمهمشة، فتراكمت وتقاطعت، وتدفقت في الحراك الذي غمر الشوارع والساحات. وأصبح يهدّد بحصار الفضاء العمومي، الذي كان مهيمناً قبل 22 فبراير/ شباط 2019، وبعزله.

عِلّة الأخبار في الحراك الشعبي الجزائري


نصر الدين لعياضي

من يتابع عن كثب التطورات التي تعيشها الجزائر منذ أسابيع يصاب بالذّهول من حجم الأخبار المزيّفة، وسرعة انتشارها وسط مختلف الشرائح الاجتماعيّة. بل يعجز في أحيان كثيرة عن تمييزها عن الأخبار الصادقة. وهذا الأمر أصبح يثير الكثير من القلق الذي يربك الحراك الشعبي ويرهن مستقبله القريب. ومن جملة ما تم تداوله من أخبار مزيّفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بدءًا من 1 مارس/ 2019، نذكر على سبيل المثال، قائمة الأشخاص الممنوعين من مغادرة التراب الوطني، والتي أُضيفت لها اسماء وأسقطت منها أخرى حسب أهواء من وضعوها. ونتيجة لما أحدثه هذا الخبر من قلق في المجتمع لجأت أجهزة الأمن المختصة إلى نفي وجود مثل هذه القائمة . وشاع خبر إقالة نائب وزير الدفاع، ورئيس أركان الجيش الجزائري، ساعات قليلة قبيل استقالة الرئيس بوتقليقة. وعُزّز بصورة لنص مرسوم الإقالة مستندا إلى المادة 72 من الدستور الجزائري لإثبات صحّته. وعند العودة إلى الدستور نجد أن المادة المذكورة تنص حرفيا على ما يلي: ” تحظى الأسرة بحماية الدّولة واﻟﻤﺠتمع”!. وبعد استقالة الرئيس بوتفليقة مباشرة انتشرت أخبار في المنصات الرقميّة عن هروب وزراء حكومة أحمد أويحي المقالة، و القاء القبض على وزير العدل السابق فارا على الحدود المغربية! مما أضطره إلى الظهور أمام الملأ لتفنيد الخبر. هذا إضافة إلى الأخبار التي طالت أعضاء الحكومة الحالية المغضوب عليها و ” قادة” الحراك الشعبي، والتي استعانت بصور تم التلاعب بها بـ ” الفتوشوب”، قصد النيل من شرفهم وسمعتهم.

بصرف النظر عن السياق الذي انتشرت فيه الأخبار المزيّفة، لا تعدّ الجزائر البلد الوحيد الذي أصبح يعاني من وطأتها. لقد وصفها البعض بالحريق الذي يشبّ في الغابة  الرقميّة. فالكثير من البلدان لم تقم بعد بتقييم تكلفة الخسائر التي سببتها لها الأخبار المزيّفة، بدءًا بتلك التي أطرت حملة الانتخابات البريطانيَة للانسحاب من الاتحاد الأوربي، وصولا إلى حملة الانتخابات الأمريكيَة التي أوصلت “دونالد ترامب” إلى البيت الأبيض. ولازال يوظف بعضها ضد خصومه الديمقراطيين لتبرير سياسته ومواقفه، مثل الانسحاب من اتفاق باريس حول المناخ. حقيقة لقد تجندت مؤسسات الدولة، ووسائل الإعلام لمحاربة الأخبار المزيّفة في البلدان التي تضرّرت منها. ولازالت تحاربها. بينما انصرفت بعض الصحف والقنوات التلفزيونيَة الخاصة في الجزائر والعديد من المواقع الإخبارية في شبكة الانترنت ، ناهيك عن الحسابات المشبوهة في موقع الفيسبوك و اليوتيوب، إلى ترويج هذه الأخبار التي أصبحت تثير النّعرات الجهويّة، وتنال من الحياة الخاصة للأشخاص. وتخوّن من تشاء وتحاكمه من أجل التّفرقة بين الشعب وزرع الأحقاد والضغائن وإثارة البلبلة في المجتمع. وهكذا اختلطت الأخبار الحقيقة والصادقة مع الكاذبة والمغشوشة مما يتطلب إعادة تعريف هذه الأخيرة.

يعتقد البعض أن الأخبار المزيّفة، التي زاد الاهتمام بها بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، تعدّ ترجمة عملية للشائعات. والكل يعلم أن الشائعات ظاهرة موغلة في التاريخ وليست حديثة. ويحتمل أن تتضمن أحداث حقيقية أو مغلوطة. وهذا خلافا للأخبار المزيّفة التي تروج أحداث كاذبة. وهذا ما ذهب إليه الفيلسوف الألماني، ” أكسل جلفيرت”، الذي أكد أن الأخبار المزيّفة هي إدعاء خاطئ أو مخادع ومقصود بوقوع أحداث يزعم أنها حقيقية. أو نقل لأخبار مُحَرَّفة أو مُشًوَّهة وحتّى مُلَفَّقة لغرض التَسلية أو التضليل.

لقد كان للفلاسفة الحظ الأوفر في تعريف ” الأخبار المزيّفة” ، فبعضهم أطلق عليها مسمى ” أخبار ما بعد الحقيقة”. وهي التسمية التي تندرج في منظور ما بعد الحداثة الذي يرى أن الواقع تغير وأضحى يتطلب فكرا مركبا لإدراكه. الفكر الذي يُطَلّق الثنائيات التي كانت تؤطره.  فثنائية الواقعي والخيالي، على سبيل المثال، لم تعد كافية للتعبير عن التطور الذي فرضته التكنولوجيا الراهنة. فأُدْخِل عليها مفهوم ثالث، وهو الافتراضي. كذلك الأمر بالنسبة للحقيقة والكذب اللذين أُدْخِل عليهما مفهوم جديد وهو ” ما بعد الحقيقة”، الذي يتجسد عبر أشكال عديدة، منها ” الواقع الفائق”.

لعل القارئ الكريم لا يريد أن يذهب إلى ما ذهب إليه الفلاسفة ليسأل معهم هل أن ” ما بعد الحقيقة” هى مجرد كلمة عابرة  أو  تعكس” واقعا جديدا، اعتقادا منه أن النقاش الفلسفي يبعده عن الإجابة عن الأسئلة العملية التالية: لماذا وجدت الأخبار المزيّفة؟ ولماذا تلقى رواجا واسعا؟ ولماذا يصدقها جمهور واسع ؟

يؤكد خبير الإعلام، أرنو مرسي، أن سياق تحوّل المجتمعات الراهنة جعل الأحداث الموضوعية أقل تأثيرا على الرأي العام من استثارة العاطفة والأفكار الشخصية.  وهنا تكمن خطورة الأخبار المزيّفة على الأحداث الجارية والتي تجري في الجزائر، وذلك لأن الشارع في حالة تعبئة، ويتقبل بسرعة الكثير من الأخبار وينشرها ، خاصة تلك التي تتماشى مع رغبته التي جاهر بها و الدفينة أو تلك التي تزيد في اندفاعه. ولو جاز لنا تعريف الخبر المزيف  بأنه ” الْإِخْبَارُ عَنْ شَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ فيه”، أي الكذب، فإننا نجد في تراثنا ما يجيز  وصِف الكثير من الأخبار المتداولة في الشارع الجزائري بالكذب الأبيض الذي يقصد به التَّوْرية والمناورة والاحتواء.

قد يتساءل البعض كيف أن الأخبار المزيَفة، التي اجتاحت الجزائر منذ بداية الحراك الشعبي تعدت المنصات الرقميّة لتبلغ  بعض القنوات التلفزيونية الخاصة الجزائرية والصحف والمواقع الإخبارية في شبكة الانترنت؟ للإجابة عن هذا السؤال يمكن القول أن هذه الوسائل الإعلامية أنشئت بإيعاز وتدعيم من المقربين من الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة تحضيرا لعهدته الرابعة ولتحصين الجزائر من تداعيات ” الربيع العربي”. ووُجِّهت  إلى تصفية الحسابات السّياسيّة، والتخويف والابتزاز بمختلف الأشكال: الوشاية والنميمة والتّشهير في ظل صمت، وربما تواطؤ، المؤسسات المكلفة بمحاربة هذه الممارسات في وسائل الإعلام. قد وجدت هذه الوسائل من الجزائريين من يتابعها وحتى يناصرها لأنها شكلت متنفسا لهم بعد أن سحبوا ثقتهم من وسائل الإعلام الرسميّة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يمكن القول أن الصحافة الجزائرية  كانت صحافة ” جالسة”، قبل ظهور شبكة الانترنت وانتشارها. بمعنى أنها كانت تنتظر ما يصلها من بيانات رسميّة من وكالة الأنباء الجزائرية و مؤسسات الدولة لنشرها. وتهاونت في رفع قدراتها على البحث عن الأخبار واستقصاء مصادرها لتتأكد من صحتها. فهذه الصحافة الموروثة عن الصحافة التجنيدية ظلت مولعة بالرأي أكثر من اهتمامها بالأخبار. وهنا يكمن الخطر الفعلي. فعندما تعمّ الأخبار المزيّفة تصبح الوقائع والحقائق الموضوعيّة مجرد وجهة نظر! وبهذا تتساوى مختلف مصادر الأخبار : المؤسسات الرسميّة، ووسائل الإعلام، والشخص الذي لا يفرق بين الحدث والرأي. فيضع مواقع التواصل الاجتماعي على قدم المساواة مع  وسائل إعلام التي تحرص على فحص ومحص ما تنشره. قد يجد الشخص البسيط، الذي يصدق كل ما يصله  من أخبار ، ما يشفع له عندما نعلم أن وسائل الإعلام الكبرى في العالم أصبحت تعاني الكثير من الصعاب في سعيها للتأكد من مصداقيّة الأحداث في عالم أصبح يفيض بالأخبار. وتغيرت فيه مرجعية الحكم على صحّتها. فسرعة تداول الأخبار وانتشارها الواسع أضحيا من المؤشرات الأساسية على صحّتها والوثوق فيها. وفي ظل بيئة إعلامية تبدلّت فيها قواعد العمل الصحفي نتيجة الضغط الذي تعاني منه المؤسسات الإعلاميّة لتحقيق السبق الصحفي. الضغط الذي يتطلب منها، في الكثير من المواقف، نشر الأخبار قبل التأكد من صحّتها ، والتّملّص من مسؤولية التحرّي عن مصدرها ووضعها على كاهل جمهورها.

الحراك الجزائري والفيسبوك: بين مكلوهان ومروزوف


نصر الدين لعياضي

 

يطرح الحراك الشعبي الجزائري ضرورة استئناف النقاش حول العلاقة بين الحركات الاجتماعية الواسعة ومواقع التواصل الاجتماعي ومساءلتها. النقاش الذي بدأ مع أحداث ” الربيع العربي”. وافرز اتجاهين أساسيين : الاتجاه الأول راح يبحث عن  الجذور “الرقمية” لهذه الأحداث مستأنسا  بأطروحات الفيلسوف الكندي، مارشال مكلوهان، التي تؤمن بالدور الحتمي للتكنولوجيا،  باعتبارها امتدادا لحواس الإنسان، في تَشكُّل الدولة المركزيّة، وإحياء القوميات، واندلاع الحروب. ومنها انطلق هذا الاتجاه في تضخيم قدرة شبكة الانترنت على تحرير الأشخاص من الأنظمة الاستبداديّة. وحجته في ذلك أن إزاحة الرئيسين: زين العابدين بن علي وحسني مبارك عن سدة الحكم ما كانت أن تتحقق لولا موقعي التواصل الاجتماعي: الفيسبوك وتويتر.

والاتجاه الثاني، استند إلى تصور يفغيني مروزوف، الكاتب الأمريكي من أصول بيلاروسية، وأستاذ بجامعة ستانفورد، الذي قلّل من دور مواقع التواصل الاجتماعي في النضال الديمقراطي والثوري إلى حدّ تهميشه. وراح يبحث عن حججه في ” الانتفاضات ” الشعبيّة” التي جرت في أكثر من بلد، بدءًا بــ “مولدوفا، مرورا بأوكرانيا، ووصولا إلى إيران في يونيو/ جوان 2009. فتعجب كيف نسمي ” الأحداث التي شهدتها هذه البلدان بثورة تويتر أو الفيسبوك، ونؤكد في الوقت ذاته أن حكامها حرموا مواطنيهم من الاتصال بشبكة الانترنت في أحيان كثيرة، وراقبوا المحتويات المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي، ولاحقوا نشطاءها! ويذكر أن طلب تأجيل صيانة موقع شبكة تويتر الذي تقدمت به حكومة أوباما إلى مديره يوم 15 يونيو/ جوان 2009 من أجل اتاحة الفرصة للإيرانيين لاستخدامه في حراكهم الشعبي، لم يؤد سوى إلى زيادة عدد التغريدات التي أُرْسِل أغلبها باللغة الإنجليزية من خارج إيران!

يمكن ايجاز رؤية مروزوف للعلاقة القائمة بين “الانتفاضات” الشعبيّة ومواقع التواصل الاجتماعي في القول أنه من الصعوبة بمكان أن تترجم العلاقات الاجتماعية التي تُبْنَى عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى أفعال ونشاطات جماعيّة في أرض الواقع.

قد يتساءل البعض: كيف خرج آلاف الجزائريين في مسيرات في شوارع كل المدن الجزائرية، تقريبا، في يوم واحد، والتوقيت ذاته استجابة لنداء “مجهول” في موقع الفيسبوك؟  بصرف النظر عن خلفيات هذا السؤال، فإنه يقودنا إلى طرح سؤال أخر : لماذا لم يخرج الجزائريون بالآلاف للتظاهر في الشوارع يوم 12 جانفي/ يناير 2011، أي في عز “الربيع التونسي” عندما وُجِه لهم نداء مماثل عبر الفيسبوك ؟

يصعب الفصل بين الواقعي والافتراضي في الحراك الجزائري. فخروج ملايين الجزائريين إلى الشارع  منذ 22 شباط/ فيفري الماضي هو وليد تراكمات من النضال والإحباط والغضب التي تجسدت في سلسلة من الاضرابات والاحتجاجات ذات الطابع الثقافي: مثل أحداث ” الربيع الأمازيغي” التي كانت تطالب بالاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية ووطنية، و ذات الطابع المهني: إضراب الأطباء المقيمين الذي استمر لعدة شهور، وذات الطابع الاجتماعي: مسيرات متقاعدي الجيش الوطني الشعبي، وحركة البطالين في الجنوب الجزائري، ومسيرة المعلمين المستخلفين، وغيرها من الحركات الرافضة لارتفاع أسعار المواد الأساسيّة والمطالبة بالحق في السكن، وإصلاح الطرقات، وتوصيل الغاز الطبيعي إلى سكان القرى. ورغم حرص هذه الحركات على طابعها غير السياسي إلا أنها جوبهت بالحصار الإعلامي والعنف اللفظي والجسدي. وبتزايد عددها بات الاعتقاد راسخا أن لجوءها إلى الاعتصام واحتلال الشوارع والساحات العامة أضحى أسلوب اتصال سياسي بامتياز أمام انسداد قنوات الاتصال المعروفة !

أمام اتساع عملية إقصاء قطاع واسع من الجزائريين، من مختلف القناعات السياسيّة والأيديولوجية ، من مختلف الهيئات المنْتَخَبة ، وأمام احتكار الفضاء العمومي وإفراغ النشاط السياسي من محتواه لم يبق أمام الشباب الجزائري سوى ملاعب كرة القدم للتعبير عما يعانون من ظلم وضنك العيش، وتعسف في استخدام السلطة وتلاعب بالقوانين عبر الأهازيج . والتوجه الجماهيري إلى الفضاء الافتراضي للإفصاح عن سخطهم على الوضع عبر أغنيات الراب، ونشر الصور التي تُكذّب الخطاب الرسمي، والوثائق التي تثبت حالات الفساد والرشاوى. فقادت ناشريها إلى السجن. والسخرية من رغبة الرئيس السابق، العاجز عن الحركة والكلام، في أن يستمر في السلطة بعد عشرين سنة من الحكم. السخرية بالرسم الكاريكاتوري والنكت والأشعار. لكن نعتقد أن ترشُّح بوتفليقة لعهدة خامسة كانت القطرة التي ملأت كأس الغضب فانهمر في الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي.

أمام انصراف وسائل الإعلام الرسمية إلى التعتيم الإعلامي على المسيرات الشعبية الأولى، وارتباك وسائل الإعلام الخاصة في تغطيتها. قامت “وسائل الإعلام الفردية الجماهيرية” Self Mass media  بدور أساسي في إعلام الجزائريين عن مسيرات يوم الجمعة من خلال نقلها مباشرة بالصوت والصورة عبر موقع الفيسبوك. وبهذا ربطت الحراك الشعبي بالفضاء الافتراضي.  وقامت بتوجيهه للحفاظ على طابعه السلمي.

لقد  عزّزت مواقع التواصل الاجتماعي شعور الجزائريين بالانتماء إلى الوطن. وجعلتهم يكتشفون ذاتهم بعد سنوات من الرعب والخوف واليأس. فأدركوا أنهم يشكلون وحدة في التنوع. هذا ما يعبر عنه التحليل السيميائي للصور، وصور ” السيلفي” Selfie، الملتقطة من قلب الحراك، والمتداولة عبر مواقع الفيسبوك واليوتيوب والواتسات، وفيبر. إن هذه المواقع ليست أرضيات شخصية فقط، بل جماعية أيضا، لأن الجزائريين لا يترددن في عرض ما يصلهم من صور وشعارات ونكت وأغان وأشعار عبر حسابهم الخاص في هذه المواقع على أفراد أسرهم غير المتصلين بشبكة الانترنت أو أنهم غير مشتركين في هذا الموقع. علما أن نصف الجزائريين تقريبا لا يملك اشتراكا فيه.

غني عن القول أن مواقع التواصل الاجتماعي توسع مجال المرئي وتجعل ما هو مرئي مقروءا، على حد قول الباحث “فرنسوا جوست”. وتُمَكّن المهمشين اجتماعيا والمقصيين سياسيا من انتزاع الحق في الاعتراف. فالسياسة في هذه المواقع تضاعف وجودها وتعدّد أشكال تمثيلها. لقد جعلت هذه المواقع مسيرات الجمعة استعراضا وفُرْجَةَ. والفرجة ليست “مشاهدةُ ما يُتَسلَّى به” فحسب، بل إنها أيضا ” انكشاف الهم” وانفلات عن معايير وأشكال التعبير والاتصال، وتملُّك حق القول بصوت مرفوع، والخروج عما هو امتثالي ومفروض من قبل النظام السياسي.

تتسم مواقع التواصل الاجتماعي بسعتها غير المحدودة فيتملّكها من يجنح إلى المزايدة على الحراك الشعبي، ويمارس التضليل والتشهير ، ويُشكّك في نوايا الكل. وهناك من يسلط هذه المواقع لهذه الغايات ولو بدس الأخبار المزورة. وخطر هذا التملُّك تكمن في تناغم ذهنيّة الجزائري ، وربما العربي،  مع  خصائص بعض مواقع التواصل الاجتماعي التي تتيح، بل تسعى، إلى الإحماض الذي يعني الافاضة فيما يؤنس الفرد من الحديث والكلام.  والإحماض الرقمي يشكل حلقة أخرى في العلاقة الجدليّة بين الحراك الشعبي والفضاء الافتراضي.

إن تجليات الحراك الشعبي الجزائري في الفضاء الافتراضي يدعو إلى مراجعة  مفهوم ” الفضاء العمومي المعارض” الذي صاغه الفيلسوف ” أوسكار نغت” على ضوء أطر النقاش والتمثيل التي شكلتها الحركات الاجتماعية في الشارع أو أنها في طور تشكيلها. فالشعارات والمطالب التي يرفعها الجزائريون في مسيراتهم ، تسري في مواقع التواصل الاجتماعي ليصل مداها إلى من لم ينزل إلى المعترك في الشارع. والشعارات والأغاني التي تولد في الفضاء الافتراضي تجد صداها العملي والتجنيدي في الشارع. ففي ظل هذه العلاقة الجدلية بين الشارع والفضاء الافتراضي انزاح ” الفضاء العمومي المعارض”، فضاء المهمشين، ليحتل المركز ولو إلى حين، وتراجع الفضاء العمومي الرسمي إلى الهامش. لكنه لم يستسلم بعد، وربما لم يستسلم على المدى القريب، بل يحاول استعادة مكانته في المركز من خلال تملك خطاب الشارع وتعبئة وسائل الإعلام الموالية له. في ظل هذا التدافع بين الهامش والمركز تبدو أن حركية الفضاء العمومي لم تعد تستند إلى المداولات والاستعمال العلني للحجة ، بل أضحت ترتكز على قوة المرئي والاستعراضي واستغلال ما هو وجداني وإلى سرد المرويات ” الجديدة”.

 

عندما يُدار قطاع الإعلام بالحيلة في الجزائر


نصر الدين لعياضي

في قراءته لكتاب كليلة ودمنة يقول الناقد المغربي، عبد الفتاح كيلوطو، أن الحيلة تعمل حين تعوُز القوّة. فلا حاجة للأسد إلى الحيلة فقوّته ترفعه عنها”. وهذا خلافا للثعلب الذي يلجأ إلى الحيلة لأنه يفتقد قوّة الأسد.

تنطبق هذه القراءة على السلطات الجزائرية في تعاملها مع قطاع الإعلام. لكن هل خانتها القوة حتّى لجأت إلى الحيلة؟  بَلَى، لقد افتقدت قوّة الحُجّة وليس حُجّة القوّة.

عندما اقبلت السلطات على فتح المجال لإنشاء صحف خاصة، في مطلع تسعينات القرن الماضي، كانت تطمح، من جملة ما تطمح، إلى منح “واجهة ديمقراطية” للنظام السياسي. فساعدت المهنيين على إنشاء صحفهم الخاصة. ثم التحق بهم رجال المال عديمي الصلة بالمهنة. واستخدمت أسلوب ” الجزرة والعصا” لترويض الصحف الخاصة الناشئة. فمَوَّلت الكثير منها بريع الإشهار الذي لازالت تحتكر سوقه. ومسحت ديون العديد من الصحف لدى مطابع الدولة وغضت البصر عن تراكم ديون بعضها الأخر. وعندما ترى ضعف ولاء هذه الصحيفة لها أو تلك تلجأ إلى العصا، فتهددّها بالغلق إن لم تدفع ديونها للمطابع، وتخيفها بإدارة الضرائب! وبالملاحقة القضائية، والإيعاز بتقليص سحب نسخها! وأخر الأمثلة على ذلك صحيفة “الفجر” و”الجزائر نيوز”. لقد فهم مالكا هاتين الصحيفتين ان حرمانهما من الطبع لا علاقة له بعدم تسديد ثمن طباعتهما. واعتبراه عقابا سياسيّا سلط عليهما لموقفهما المعارض لترشح بوتفليقة لعهدة رئاسيّة رابعة!

توقفت 60 صحفية عن الصدور في الجزائر منذ 2014 بسبب تراجع سوق الإعلان، كما تزعم السلطة. لكن هذا التراجع لم يمنعها من رفع حصة بعض الصحف من الإشهار حتىّ تلك التي لا يقرأها أحد ، بينما حرمت منه صحفا أخرى أكثر مقروئية!

كلّلت سياسة العصا والجزر بتكوين فئة من “الصحافيين” و”أشباه الصحافيين” اغتنوا من الصحافة، فامتلكوا عقارات وشريكات تجارية دون أن يسدّدوا ديونهم لدى مطابع الدولة! هكذا تقاطعت مصالح “أثرياء الصحافة” ومصالح الكثير من السياسيين ورجال المال. فحوّلوا صحفهم إلى ساحة للصراع بين عُصَب السلطة وأداته. هذا ما يقوله الهجوم الشرس الذي شنّته بعض الصحف على مستشار الرئيس زروال في صيف 1998 لإجباره على الاستقالة من رئاسة الجمهوريّة  وتحقق لهم ذلك. والهجوم الذي تعرض له وزير الداخلية السابق نور الدين زرهوني للضغط على الرئيس بوتفليقة، الذي انتهى بالاستغناء عن خدمات هذا الوزير. و قبلها التهجم على الشخصيات الخمس الذين انسحبوا من الترشح للانتخابات الرئاسية في  أبريل 1999 لاعتقادهم بأن نتائج الانتخابات محسومة مسبقا لصالح بوتفليقة. ووظف هذا الصراع التصور التاريخي لما هو الصحافي. فلازال الاعتقاد سائدا في قاعات التحرير  بأن الصحافي مناضل وأن الوسيلة الإعلامية أداة نضالية.

هذا لا ينفي الاعتراف بوجود صحافيين أكفاء أمنوا بالصحافة الحرة ، ومنهم من دفع حياته ثمنا لها. ولا يبخس قيمة بعض الكتابات الصحفيّة الجريئة والناقدة في الصحف الجزائريّة. لكن نقد الصحف وتعليقاتها لا يزعج السلطات كثيرا في حالة خُلوُّها من الأخبار المُوَثَّقة التي تدين النظام السياسي.

يذكر أنبرتو إيكو أن الوظيفة الحقيقية الصحافة الايطالية في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، ليت إخبار الناس، بل بعث رسائل مسننة إلى لوبيات السلطة، ولم يكن قراؤها سوى وسيلة. المصيبة أن الرسائل التي كانت تبعثها الصحف الجزائرية، وربما لازالت، ليست مسننة بل صريحة ومجاهرة بنواياها.

والحيلة في إدارة قطاع السمعي البصري في الجزائر لم تكن أقل في إدارة الصحف. فأمام الخوف من امتداد حراك الربيع العربي إلى الجزائر، ورغبة بوتفليقة في الترشح لعهدة رئاسية رابعة، فتحت السلطات الجزائريّة المجال للاستثمار الخاص في قطاع التلفزيون في 2012. واشترطت أن يكون بَثّه من خارج التراب الجزائري! فأزداد عدد هذه القنوات ذات الوضع القانوني الهجين عن 40 قناة تلفزيونية في ظرف قصير جدا. ولكن لم يُرَخّص سوى لخمس قنوات تلفزيونية بصفتها مكاتب لقنوات تلفزيونيّة أجنبيّة لمدة سنة قابلة للتجديد! بالطبع إن المحظوظين الذين استفادوا من الترخّيص هم رجال الأعمال المقربين من دائرة الرئاسة، والذين جعلتهم رجال مال بين عشية وضحاها. واختيارهم لا يَنُمّ عن عبقرية جزائرية بقدر ما يفصح عن تقليد ممسوخ لما قام به نظام بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر.

ينص القانون الجزائري الخاص بالسمعي- البصري، الصادر في 2014،  على أن حرية إنشاء قنوات تلفزيونية يقتصر على القنوات المتخصصة، وعلى ضرورة أن يكون مالكوها من الصحافيين المحترفين وأشخاص مهنيين، ولا يجوز لأي شخص المساهمة في إنشاء أكثر من قناة تلفزيونية. لكن النظام السياسي لم يُفَعِّل هذا القانون، وتركه للاستعمال كسيف دموقليس على رقاب القنوات التلفزيونية. لقد شُمّع مقر القناتين التلفزيونيتين: الأطلس والوطن بقرار إداري بحجة عدم حصولهما على ترخّيص لممارسة نشاطهما!

كانت نِيّة السلطات الجزائرية عفوا حيلتها، من هذا ” الانفتاح” في مجال البث التلفزيوني تحوّيل المشاهدين الجزائريين عن متابعة القنوات التلفزيونيّة الأجنبيّة: الجزيرة والعربيّة، وفرانس 24، و تي أف 1 الفرنسية، وغيرها من خلال الترخيص لقنوات تلفزيونيّة خاصة بالنشاط. وتلهيتهم بلغو الصور والكلام عن استحضار الجن والشعوذة والزنا، عملا بمقولة “”إنّ السياسة فنُّ منع البشر من الاهتمام بما يَعْنيهم”. وتوجيهها إلى تصفيّة الحساب بين عصب السلطة. وهكذا تحوّلت  بعض القنوات التلفزيونية إلى لسان ناطق باسم “القوى غير الدستورية” التي استأثرت بالحكم. ففضلتها عن وكالة الأنباء الجزائرية والتلفزيون الحكومي في مجال الأخبار. ليس هذا فحسب بل كبلت نشاط وسائل الإعلام العمومي بعد أن جعلتها مجرد نشرات داخلية لنشاط السلطة التنفيذية أو بالأحرى صدى لصوتها. فأدارت ظهرها للمجتمع، بل غيبّته في منتجاتها. وأبرز دليل على ذلك هو افتتاح نشرة الأخبار في الإذاعة الوطنية بالانتخابات الرئاسية في نيجيريا يوم 22 فيفري الفائت الذي شهد بداية المسيرات الشعبية الرافضة لترشح بوتفليقة لعهدة خامسة! والأدهى أن   القوى التي أممت الدولة لصالحها اتخذت من بعض القنوات التلفزيونية الخاصة سوطا لجلد كل معارضيها. والتندّيد بالذين اختلفوا مع سياسة بوتفليقة وحتّى مع مزاجه. فلم ينجو من تشهيرها وقذفها والنهش في الأعراض رؤساء أحزاب معارضة، ومستثمرين، ومثقفين وفنانين، وشخصيات تاريخيّة، وحتّى وزراء وهم على رأس وزاراتهم أمام صمت مؤسسات الدولة وربما تواطؤها! هذا لا ينفي قيام بعض القنوات التلفزيونية ببثّ برامج متميزة. لكن طائر السنونو الوحيد لا يصنع الربيع! كما يُقول المثل الفرنسي.

هل يدرك النظام السياسي معنى المثل العربي الذي يقول “على أهلها جنت براقش” بعد أن أوصل  وسائل الإعلام الجزائرية إلى الانفلات المهني والأخلاقي الذي تعيشه الجزائر اليوم إلى درجة لم يعد المرء يصدق أي خبر، ويشكك في نوايا ناشره؟  انفلات لم يترك لرئيس هيئة ضبط السمعي البصري ما يقوله سوى التأسف على ما ألت إليه الممارسة الإعلامية والتأكيد على :”إن سلطة المال تُضبّب الرؤية للحقل الإعلامي، وأن هناك إرادة لإنشاء مؤسسات، ثم تكبيلها”! هذا قول غريب حقا، ألم يقرأ صاحبه النص القانوني لإنشاء الهيئة التي يترأسها؟ ألم يدرك بأنها ليست سوى امتدادا لديوان وزارة الاتصال؟

قد يتّهمني البعض بالسذاجة لأنني أتوهم وجود إعلام في العالم دون صراع المصالح ولا حيل. فالقانون هو إجماع على تشريع الحيل. بينما نص القانون المتضمن إنشاء الهيئة المذكورة أعلاه ليس سوى اقتباسا بدون روح للقانون الفرنسي الذي أسس المجلس الأعلى للسمعي البصري! ويبدو أن هذا الاقتباس أصبح عاجزا عن تحقيق غايات “القوى غير الدستورية” المذكورة آنفا فداست عليه!

الأمر ليس سذاجة، بل إشارة إلى محاولة فهم ما يجري في قطاع الإعلام، ودعوة إلى عدم الاندهاش من  واقعه، أو النظرة إليه نظرة تغريبية:

فــ ( التغريب هو فقدان الحادثة  أو الشخصية لكل ما هو بديهي ومألوف وواضح، وإثارة الدهشة والفضول تعويضا عن ذلك… أي أن اثر التغريب للشيء المراد فهمه أو لفت النظر إليه يتحقّق حين يتحوّل من أمر عادي جد ماثل مباشرة إلى أمر مدهش غير متوقع. ففي معنى من المعاني يصير الوضوح في حد ذاته غير مفهوم، على حين أن هذا لم يحدث إلا لكي يجعله مفهوما كل الفهم.) (1)

ما اخشاه هو أن ينطبق ما جاء في الفيلم المصري “الكيف” على وضع الإعلام التلفزيوني في الجزائر. يقول الممثل في هذا الفيلم: ( كنت أبيع الشّاي مغشوشا بنشارة الخشب في أكواب جميلة مدموغة بجملة “شاي أبو الأصول”. فكسبت مالا وفيرا. ثم استغنيت عن النشارة عندما ارتفع سعرها، فانصرف عني الزبائن قائلين: إني أبيع شايا مغشوشًا. إنهم مُغفّلون. فيرد عليه ممثل أخر: لا ، الزبائن ليسوا مُغفّلين، بل أمثالكم أفسدوا ذوقهم. هل يدير الجمهور الجزائري ظهره للإعلام عندما تتوفر الإرادة السياسية لدى النظام السياسي القادم ويُخْضِع النشاط الإعلامي إلى معايير مهنيّة وأخلاقيّة، لأنه تعوّد على إعلام مغشوش، فأفسد ذوقه؟

1- محمد غنيم هلال : في النقد المسرحي ، دار العودة بيروت 1975، ص 68